النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
باب ٢٣
كتاب الطلاق
قوله: ((وفي العربيَّ: ﴿لِمَا قَالُواْ﴾ [المجادلة: ٣]، أي: ((فيما قالوا)) أي: يُستَعمَلُ في كلام العرب:
عادَ/ لكذا، بمعنى: عادَ(١) فيه وأبطَلَه.
٤٣٥/٩
قوله: ((وفي نَقْضِ ما قالوا)) كذا للأكثرِ بنونٍ وقافٍ، وفي رواية الأَصِيلِيّ والكُتْمِيهنيّ:
(بعض)) بموخَّدةٍ ثمَّ مُهمَلة، والأوَّل أصحّ، والمعنى أنَّه يأتي بفِعلِ يَنقُضُ قولَه الأوَّل.
وقد اختَلَفَ العلماء هل يُشتَرَط الفِعل فلا يجوز له وَطؤُها إلّا بعد أن يُكَفِّر، أو يكفي
العَزْمُ على وَطِها، أو العَزْم على إمساكها وتَرك فِراقها؟ والأوَّل قول اللَّيث، والثّاني قول الحنفيّة
ومالكٍ، وحُكيَ عنه: أنَّه الوَطء بعَينِه بشرطِ أن يُقدِّم عليه الكفَّارة، وحُكيَ عنه العَزْم على
الإمساك والوَطءِ معاً، وعليه أكثر أصحابه، والثّالث قول الشافعيّ ومَن تَبعَه، وثَمَّ قولٌ رابعٌ
سنذكره هنا.
قوله: ((وهذا أوْلَى لأنَّ الله تعالى لم يدلَّ على المنكَر وقول الزُّور)» هذا كلام البخاريِّ، ومُراده الردُّ
على مَن زَعَمَ أنَّ شَرْط العَوْد هنا أن يقع بالقولِ وهو إعادة لفظ الظُّهار، فأشارَ إلى هذا القول،
وجَزَمَ بأنَّه مَرجوح وإن كان هو ظاهر الآية، وهو قول أهل الظاهر، وقد روي ذلك عن أبي
العاليَة ويُكَير بن الأشَجّ من التابعينَ، وبه قال الفَرّاء النَّحويّ.
ومعنى قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ [المجادلة: ٣]، أي: إلى قول ما قالوا. وقد بالَغَ ابن
العربيّ في إنكاره ونَسَبَ قائلَه إلى الجهل، لأنَّ الله تعالى وَصَفَه بأنَّه مُنكَر من القول وزُور،
فكيف يقال: إذا أعادَ القولَ المحَرَّم المنكَر يجب عليه أن يُكَفِّر ثمَّ تَحِلّ له المرأة؟ انتهى، وإلى
هذا أشارَ البخاريّ بقولِه: لأنَّ الله لم يدلَّ على المنكر والزُّور.
وقال إسماعيل القاضي: لمَّ وَقَعَ بعد قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ دَلَّ على
أنَّ المراد وقوعُ ضِدِّ ما وَقَعَ منه من المُظاهرة، فإنَّ رجلاً لو قال: إذا أردت أن تَمَسّ
فَأَعِقِ رَقَبة قبل أن تَمَسَّ، لكان كلاماً صحيحاً، بخلاف ما لو قال: إذا لم تُرِد أن تَمَسَّ
فَأَعْتِقْ رَقَبَةً قبل أن تَمَسَّ. وقد جَرَى بحثٌ بين أبي العِبَّاس بن سُرَيج ومحمَّد بن داود الظاهريّ
(١) تحرف في (س) إلى: أعاد.

٢٠٢
باب ٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
فاحتَجَّ عليه ابن سُرَيج بالإجماع، فأنكَرَه ابن داود وقال: الذينَ خالَفوا ظاهِرَ (١) القرآن لا أعُدُّ
خلافهم خلافاً. وأنكَرَ ابن العربيّ أن يَصِحّ عن بُكَير بن الأشَجّ.
واختَلَفَ المُعرِبونَ في معنى اللّام في قوله: ﴿لِمَا قَالُواْ﴾، فقيلَ: معناها: ثمَّ يعودونَ
إلى الجِماع فتحريرُ رَقَبة لمَا قالوا، أي: فعليهم تحرير رَقَبة من أجل ما قالوا، فادَّعَوا أنَّ اللّام
في قوله: ﴿لِمَا قَالُواْ ﴾ مُتعلِّق بالمحذوفِ وهو قوله: ((عليهم)). قاله الأخفَش.
وقيل: المعنى: الذينَ كانوا يُظاهرونَ في الجاهليَّة ثمَّ يَعُودونَ لمَا قالوا، أي: إلى المظاهرة في
الإسلام. وقيل: اللّام بمعنى ((عن)) أي: يَرجِعونَ عن قولهم، وهذا موافقٌ قولَ مَن يُوجِبُ
الكفَّارة بمُجرَّدٍ وقوع كلمة الظِّهار.
وقال ابن بَطّالٍ: يُشبه أن تكون ((ما)) بمعنى ((مَنْ))، أي: اللَّواتي قالوا لهنَّ: أنتُنَّ علينا كَظُهورِ
أمَّهاتنا. قال: ويجوز أن يكون ﴿قَالُواْ﴾ بتقدير المصدَر، أي: يعودونَ للقولِ، فسَمَّى المقُول
فيهنَّ باسم المصدر، وهو القول كما قالوا: دِرْهمٌ ضربُ الأَميرِ، وهو مَضروب الأَميرِ، والله
أعلم بالصَّواب.
٢٤ - باب الإشارة في الطَّلاق والأُمور
وقال ابنُ عمَرَ: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يُعذّبُ اللهُ بدَمْعِ العينِ، ولكن يُعذّبُ بهذا)) وأشارَ إلى
لِسانِه.
وقال كَعْبٌ: أشارَ النبيُّ ◌َلَ إليَّ: أنْ خُذِ النِّصْفَ.
وقالت أسماءُ: صَلَّى النبيُّ وَّه في الكُسُوفِ، فقلتُ لعائشةَ: ما شأنُ الناسِ؟ وهي تُصَلّى؛
فَأَوْمَأَتْ برأْسِها إلى الشَّمسِ فقلتُ: آيةٌ؟ فَأَوْمَت برأسِها: أَيْ نَعَمْ.
وقال أنسُ: أَوْماً النبيُّ ◌َّ بِيَدِه إلى أبي بكرٍ أن يَتقدَّمَ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: أَوْماً النبيُّ ◌َّ بِيَدِهِ: لا حَرَجَ.
(١) قوله: ((ظاهر)) أثبتناه من (أ) و(ب)، وسقط من (س) و(ع).

٢٠٣
باب ٢٤
كتاب الطلاق
وقال أبو قَتَادَةَ: قال النبيُّ ◌َّه فِي الصَّيدِ لِلْمُحْرِمِ: «آحَدٌ منكُمْ أمَرَه أن يَحْمِلَ عليها أو أشارَ
إليها؟)) قالوا: لا، قال: ((فكُلُوا)).
قوله: ((باب الإشارة في الطَّلاق والأُمور)) أي: الحُكميّة وغيرها، وذكر فيه عِدّة أحاديث ٤٣٧/٩
مُعلَّقة وموصولة:
أوَّلها: قوله: ((وقال ابن عمر)) هو طَرَف من حديث تقدَّم موصولاً في الجنائز (١٣٠٤)،
وفيه قصَّةٌ لسعدٍ بن عُبَادة، وفيها: ((ولكن يُعذِّب بهذا)) وأشارَ إلى لسانه.
ثانيها: ((وقال كعبٌ)) هو أيضاً طَرَفٌ من حديث تقدَّم موصولاً في الملازَمة (٢٤٢٤)،
وفيها: وأشارَ إليَّ: أنْ خُذِ النِّصفَ.
ثالثها: «وقالت أسماء» هي بنت أبي بكر.
قوله: ((صَلَّى النبيُّ نَلِ فِي الكُسوف)) الحديثَ، تقدَّم موصولاً في كتاب الإيمان(١) بلفظ:
فَأَشارَت إلى السماء. وفيه: فأشارَت برأسِها أيْ نَعَم. وفي صلاة الكُسوف (١٠٥٣) بمعناه، وفي
صلاة السّهو (١٢٣٥) باختصار.
رابعها: ((وقال أنس: أَوماً النبيُّ ◌َ[بيده](٢) إلى أبي بكر أن يَتقدَّم)) هو طَرَفٌ من حديث(٣).
خامسها: ((وقال ابن عبّاس)) هو طَرَفُ من حديث تقدَّم موصولاً في العلم (٨٤) في ((باب مَن
أجابَ الفُتيا بإشارة اليد والرَّأْس)) وفيه: وأَومأَ بَيَدِه: ولا حَرَج.
سادسها: ((وقال أبو قَتَادة)) هو أيضاً طَرَفٌ من حديث تقدَّم موصولاً في ((باب لا
يُشير المُحرِم إلى الصَّيد)) من كتاب الحجّ (١٨٢٤)، وفيه: أمَرَه أن يَحمِل عليها أو أشارَ
إليها.
(١) بل في العلم برقم (٨٦).
(٢) لفظة ((بيده)) سقطت من الأصول و(س)، وهي ثابتة الرواة البخاري دون خلاف، كما في اليونينية.
(٣) كذا وقع الكلام في (أ) و(ب) مقطوعاً، كأن الحافظ ترك موضعه بياضاً ليبحث عن موضعه في الصحيح، ثم
نسيه، وهو طرف من حديث تقدم في الأذان برقم (٦٨١)، ووقع في (ع) و(س): هو طرف من حديث ابن
عباس، وهو خطأ.

٢٠٤
باب ٢٤ / ح ٥٢٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث السابع:
٥٢٩٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عامرٍ عبدُ الَلِكِ بنُ عَمٍو، حدَّثنا إبراهیمُ،
عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، قال: طافَ رسولُ اللهِوَ على بَعِيرِه، وكان كلَّما أَتَى
على الرُّكْنِ أشار إليه وكبَّ.
وقالت زينبُ: قال النبيُّ ◌َّيِ: ((فُتِحَ من رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ مِثلُ هذهِ)) وعَقَدَ تسعينَ.
قوله: ((أبو عامر)) هو العَقَديّ، وإبراهيم شيخه جَزَمَ الِيُّ(١) بأنَّه ابن طَهْمَانَ، وَزَعَمَ
بعض الشُّاح أنَّه أبو إسحاق الفَزَارُّ، والأوَّل أرجَحُ. وقد أخرجه الإسماعيليّ(٢) من
طريق يحيى بن أبي بُكَير عن إبراهيم بن طَهْمانَ عن خالد، وهو الحَذّاء، وتقدَّم الحديث
مشروحاً في كتاب الحجّ (١٦١٢)، وفيه: كلَّما أتى على الرُّكن أشارَ إليه.
الثّامن: قوله: ((وقالت زَينبُ)) هي بنتُ جَحشٍ أمّ المؤمنينَ.
قوله: ((مِثْل هذه(٣) وعَقَدَ تسعينَ))(٤) تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٦) وعلامات النُّة
موصولاً (٣٥٩٨)، ويأتي في الفتن (٧١٣٥) لكن بلفظ: وحَلَّقَ بإصبَعِه الإبهام والتي تَليها. وهي
صُورة عَقد التِّسعينَ، وسيأتي في الفتن(٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: وعَقَدَ تسعينَ.
ووجه إدخاله في التَّرجمة أنَّ العَقْد على صِفَةٍ مخصوصةٍ لإرادة عَدَدٍ معلوم يتنَّل مَنزِلة
الإشارة المُفْهِمَة، فإذا اكتُفِيَ بها عن النُّطْق معَ القُدرة عليه، دَلَّ على اعتبار الإشارة ممّن لا
يَقدِر على النُّطق بطريق الأولى.
(١) ومن قبله البيهقي ٨٤/٥.
(٢) وهو أيضاً عند أحمد (٢٣٧٨) من الطريق المذكورة.
(٣) وقع في (س): ((هذه وهذه)) مكررة، خلافاً لما في أصولنا الثلاثة، وجاء على هامش اليونينية: ((قوله: مثل هذه
وعقد)) هكذا في جميع الأصول المعتمدة بيدنا، ووقع في نسخ الطبع: مثل هذه وهذه وعقد ... إلى آخره.
(٤) كذا وقع في بعض روايات حديث زينب، كما أشار إليه الحافظ عند شرح الحديث (٧١٣٥)، بما يفهم منه أنه وليت
هو مَن عقد تسعين بيده، وفي بعضها نسبة ذلك لبعض رواة الحديث، وانظر كلام الحافظ في هذا الشأن ثَمَّ.
(٥) بل هذا لفظ حديث أبي هريرة في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٧)، وأما في الفتن (٧١٣٦) فلفظه: وعقد وهيب
تسعين.

٢٠٥
باب ٢٤ / ح ٥٢٩٤-٥٢٩٥
كتاب الطلاق
الحديث التاسع:
٥٢٩٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ عَلْقمةَ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ،
عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسمِّ: ((في الجمُعةِ ساعةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مسلمٌ قائمٌ يُصَلِي يَسألُ
اللهَ خيراً إلَّا أَعطاهُ)) وقال بيَدِه ووَضَعَ أَنْمَلَتَه على بَطْنِ الوُسْطَى والخِنْصِرِ. قلنا: يُزَهِّدُها.
قوله: ((سَلَمَةَ بن عَلْقمة)) بفتح المهملة واللّام، شيخ ثقة، وهو بَصْريٌّ، وكذا سائر رُواٍ
هذا الإسناد، وقد يَلتَبس بمَسلَمةَ بن عَلْقمة شيخٌ بصريّ أيضاً، لكن في أوَّل اسمِه زيادةٌ
ميمٍ والمهمَلة ساكنة، وهو دونَ سَلَمَةَ بن عَلْقمة في الطّبقة والثِّقة.
قوله: ((وقال بيَدِه)) أي: أشارَ بها، وهو من إطلاق القول على الفِعل.
قوله: ((ووَضَعَ أَنْمَلَتَه على بَطْن الوُسْطَى والخِنْصِرِ، قُلْنا: يُزَهِّدُها)) أي(١): يُقَلِّلُها، بيَّن
أبو مسلم الكَجِّيّ في روايته عن مُسدَّدٍ شيخ البخاريّ أنَّ الذي فعل ذلك هو بِشْر بن
المفضَّل راوِيهِ عن سَلَمَةَ بن عَلْقمة، فعلى هذا ففي سياق البخاريّ إدراج، وقد قيل: إنَّ
المراد بوضع الأَنْمَلة في وسَط الكَفّ الإشارةُ إلى أنَّ ساعة الجمعة في وسَط يوم الجمعة،
وبوَضْعها على الخِنصَر الإشارة إلى أنَّها في آخر النَّهار، لأنَّ الْخِنْصَر آخِرُ أصابع الكَفّ، وقد تقدَّم
بَسط الأقاويل في تعيين وقتها في كتاب الجمعة (٩٣٥).
الحديث العاشر:
٥٢٩٥- وقال الأُوَيسِيُّ: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعْدٍ، عن شُعْبةَ بنِ الحَجّاجِ، عن هشامِ بنِ
زيدٍ، عن أنسِ بنِ مالكِ قال: عَدا يَهوديٌّ في عَهْدِ رسولِ الله وََّ على جاريةٍ، فَأَخَذَ أَوْضاحاً
كانت عليها ورَضَخَ رأسَها، فَأَتَّى بها أهلُها رسولَ الله وَِّ، وهي في آخِرِ رَمَقٍ وقد أُصْمِتَت،
فقال لها رسولُ الله ◌َّهِ: (مَن قَتَلَكِ؟ فلانٌ؟)) لغيرِ الذي قَتَلَها، فأشارَت برأسِها: أن لا، قال:
(١) وقع في (أ) و(ع): ((أو))، وهذا يُوهِم أنها وما بعدها ثابت في الرواية وليس كذلك، وإنما مراد الحافظ
تفسير ((يُزَهّدها)) كما وقع في (ب) و(س)، وقد تقدمت إشارة الحافظ إلى نص الرواية هنا عند شرح
الحديث (٩٣٥).

٢٠٦
باب ٢٤ / ح ٥٢٩٦-٥٢٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
((ففُلانٌ؟)) لِرجلٍ آخَرَ غيرِ الذي قَتَلَها، فأشارَت: أنْ لا، فقال: ((ففلانٌ؟)) لِقاتِلِها، فأشارَت:
أَنْ نَعَمْ، فأمَرَ به رسولُ الله ◌َِّ فِرُضِخَ رأسُه بينَ حَجَرَينِ.
قوله: ((وقال الأُوَيسِيّ)) هو عبد العزيز بن عبد الله شيخ البخاريّ، أخرج عنه الكثير في
العلم (٩٩) وفي غيره، وقد أورَدَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق يعقوب بن سفيان
عنه، ويأتي في الدّيات (٦٨٧٧) من وجه آخر عن شُعْبة معَ شرحه.
وقوله فيه: ((على أَوضاحِ)) (١) جمعُ/ وَضَحِ، بفتح أوَّله والمعجَمة ثمَّ مُهمَلة: هو البياض،
والمراد هنا: حُليّ من فِضّة.
٤٣٨/٩
وقوله: ((رَضَخَ)) براءٍ مُهمَلة ثمَّ ضاد وخاء مُعجَمَتَين، أي: كَسَر رأسَها.
و((في آخر رَمَقٍ)) أي: نَفَسٍ وَزْناً ومعنّى.
وقوله: ((أُصمِتَت)) بضمٍّ أوَّله، أي: وَقَعَ بها الصَّمت، أي: خَرَسٌ في لسانها معَ حُضور
ذِهنها، وفيه: فأشارَت: أنْ لا. وفيه: فأشارَت: أنْ نَعَم.
٥٢٩٦- حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ نَّهِ يقول: ((الفِتْنَةُ مِن هاهُنا)) وأَشارَ إلى المَشرِقِ.
الحديث الحادي عشر: حديث ابن عمر في ذِكْر الفِتْنة (٢)، يأتي شرحه في الفتن (٧٠٩٢)،
وفيه: وأشارَ إلى المشرِق .
الثاني عشر: حديثُ عبد الله بن أبي أَوْنَى.
٥٢٩٧- حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن أبي إسحاقَ الشَّیبانيِّ،
عن عبدِ الله بنِ أبي أوْلَى، قال: كَّا في سَفَرٍ معَ رسولِ اللهِ وَّةِ، فلمَّا غَرَبَتِ الشَّمسُ قال لِرجلٍ:
(١) كذا وقع في الأُصول، وهو لفظ الرواية الآتية برقم (٦٨٧٩) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة، وأما الرواية
هنا فلفظها: أوضاحاً، كما في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري في ذلك، وهو كذلك في النسخة
التي بأيدينا برواية أبي ذر الهرويّ.
(٢) في (س): الفتن.

٢٠٧
باب ٢٤ / ح ٥٢٩٨
كتاب الطلاق
((انزِلْ فاجْدَحْ لي)) قال: يا رسولَ الله، لو أَمسَيْتَ، ثمَّ قال: ((انزِلْ فاجْدَحْ)) قال: يا رسولَ الله،
لو أَمْسَيْتَ، إنَّ عليكَ نَهَاراً، ثمَّ قال: ((انزِلْ فاجْدَحْ))، فَنَزْلَ فَجَدَحَ له في الثّالثةِ، فَشَرِبَ
رسولُ اللهَ وَّةِ، ثُمَّ أَوْماً بَيَدِه إلى المَشْرقِ، فقال: ((إذا رأيتُمُ اللَّيلَ قد أقبَلَ من هاهنا، فقد أفطَرَ
الصّائمُ)).
قوله: ((فاجْلَح لي)) بجيمِ ثمَّ مُهمَلة، أي: حَرِّكُ السَّويق بعُودٍ ليَذوبَ في الماء، وقد تقدَّم
شرحه في ((باب متى يَحِلّ فِطر الصّائم)) من حديث عبد الله بن أبي أوفى من كتاب الصيام
(١٩٥٥)، والمراد منه هنا قوله: ثُمَّ أَومأ بيَدِه قِبَل(١) المشرق.
الحديث الثالث عشر: حديث أبي عثمان - وهو النَّهْديّ - عن ابن مسعود.
٥٢٩٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي
عثمانَ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﴾ قال: قال النبيُّ ◌َِّ: ((لا يَمْنَعنَّ أَحَداً منكُمْ نِداءُ بلالٍ - أو
قال: أَذانُه - مِن سَحُورِهِ، فإنَّا يُنادي - أو قال: يُؤَذِّنُ - لِيَرجِعَ قائمَكم وليسَ أن يقولَ - كأنَّه
يعني الصُّبْحَ أو الفَجْرَ)) وأظْهَرَ يزيدُ يَدَيه ثمَّ مََّ إحداهما مِنَ الأُخْرَى.
قوله: (لِيَرجِعَ)) بفتح أوَّله وكسر الجيم، و((قائمكُم)) بالنَّصب على المفعولِيَّة (٢).
وقوله: (ليسَ أن يقولَ)) هو من إطلاق القول على الفِعل.
وقوله: (كأَنَّه يعني الصُّبحَ أو الفجرَ)) شٌَّ من الراوي، وتقدَّم في باب الأذان قبل
الفجر من كتاب الصلاة (٦٢١) بلفظ: ((يقول الفجر)) بغير شَكٌّ.
قوله: ((وأظْهَرَ یزیدُ)) هو ابن زُرَیعِ راوِیهِ.
قوله: ((ثُمَّ مَدَّ إحداهما من الأُخرَى)) تقدَّم في الأذان على كيفيَّةً أُخرَى، ووَقَعَ عند مسلم
(١) كذا في الأصول و(س)، مع أن لفظ الرواية هنا في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري: إلى المشرق،
وكذلك جاء في النسخة الخطية التي بأيدينا برواية أبي ذر الهرويّ. لكن تقدم الحديث برقم (١٩٥٦) من طريق
عبد الواحد بن زياد عن الشيباني بلفظ: وأشار بإصبعه قِبَل المشرق.
(٢) ويجوز أيضاً الرفع على الفاعلية كما في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة الصحيح فيها، وجوَّز القسطلّاني فيه
الوجهين.

٢٠٨
باب ٢٤ / ح ٥٢٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
(٤٠/١٠٩٣) بلفظ: ((ليس الفجر المعتَرِض ولكن المستطيل)) (١)، وبه يظهر المراد من الإشارة
المذكورة.
الحديث الرابع عشر:
٥٢٩٩- وقال اللَّثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرْمُزَ، سمعتُ أبا
هريرةَ: قال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((مَثَلُ الْبَخِيلِ والمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عليهما جُبَّتَانِ من حَديدٍ، مِنْ
لَدُنْ تَذْيَيهِما إلى تَراقِيهما، فأَمَّ المُنْفِقُ فلا يُنفِقُ شيئاً إلّا مادَّتْ على جِلْدِه حتَّى تَجُنَّ بَنانَه وتَعْفوَ
أَثَرَه، وأمَّا البَخِيلُ فلا يريدُ يُنفِقُ إلَّا لَزِمَت كلُّ حَلْقةٍ مَوضِعَها، فهو يُوسِعُها فلا تَتَّسِعُ)) ويُشِيرُ
بإِصْبَعِه إلى حَلْقِه.
قوله: ((وقال اللَّيث)) تقدَّم التَّنبيه على إسناده في أوائل الزكاة (١٤٤٤) معَ شرحه.
وقوله هنا: ((جُبَّتَان)) بجيمٍ ثمَّ موحّدة.
وقوله: ((إلّا مادَّت)) بتشديد الدّال من المدّ، وأصله: ماذْدَت فأُدغِمَت، وذكره ابن بطّالٍ
بلفظ: ((مارَت)) براءٍ خفيفة بَدَل الدّال، ونَقَلَ عن الخليل (٢): مارَ الشَّيء يَمُور مَوْراً: إذا تَرَدَّدَ.
وقوله: ((من لَدُن ثَدْتَيْهما)) كذا لأبي ذرِّ بالتَّئنية، ولغيره: ((تُدِيِّهما)» بصيغة الجمع.
قال ابن التِّين: وهو الصَّواب، فإنَّ لكلِّ رجل ثَدْيَينٍ، فيكون لهما أربعة، كذا قال! وليست
الرِّواية بالتَّنية خطأً، بل هي موجّهة والتَّقدير: ثَدْتِي كُلٌّ منهما.
وقوله: (تَجُنّ)) بفتح أوَّله وضمّ الجيم، قَيَّدَه ابن التِّين، قال: ويجوز بضمٍّ أوَّله وكسر الجيم
من الرُّباعيّ، قلت: وهو الثّابت في مُعظَم الرِّوايات.
وموضع التّرجمة منه قوله فيه: ويشير بإصبعِه إلى حَلْقه.
(١) كذا ذكر الحافظ لفظ مسلم هنا وعند شرح الحديث (٦٢١)، واختصره، لكنه قَلَبَهُ! لأن لفظ مسلم هو: «ولیس
أن يقول هكذا، ولكن يقول هكذا) يعني الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل. وترجم ابن خزيمة لهذا الحديث
(١٩٢٨) بقوله: صفة الفجر الذي ذكرناه وهو المعترض لا المستطيل.
(٢) إنما قال: قال صاحب ((العين))، ونسبه الأزهري في ((تهذيب اللغة)) لليث بن المظفَّر.

٢٠٩
باب ٢٥
كتاب الطلاق
قال ابن بَطّالٍ: ذهب الجمهور إلى أنَّ الإشارة إذا كانت مُفهِمةً تَتَنَزَّل مَنزِلة النُّطْق،
وخالَفَ الحنفيّةُ في بعض ذلك، ولعلَّ البخاريّ رَدّ عليهم بهذِه الأحاديث التي جَعَلَ فيها
النبيُّ ◌َِّ الإشارة قائمةً مقام النُّطْق، وإذا جازَت الإشارة في أحكام مُخْتَلِفة في الدِّيانة فهي
لمَن لا يُمكِنِه النُّطْق أجْوَزُ.
وقال ابن المنّيِّرِ: أراد البخاريُّ أنَّ الإشارة بالطَّلاق وغيره، من الأخرَس وغيره، التي يُفهَم
منها الأصلُ والعَدَدُ، نافذٌ(١) كاللَّفظ، انتهى.
ويظهر لي أنَّ البخاريّ أورَدَ هذه التَّرجمة وأحاديثَها تَوَطِئَةً لمَا يَذكُره من البحث في الباب
الذي يَليه معَ مَن فَرَّقَ بين لِعان الأخرَس وطلاقه، والله أعلم.
وقد اختَلَفَ العلماء في الإشارة المُفهِمَة: فأمَّا في حقوق الله، فقالوا: يكفي ولو من القادر
على النُّطق.
وأمَّا في حقوق الآدَميّينَ كالعُقودِ والإقرار والوَصيّة ونحو ذلك، فاختَلَفَ العلماء فيمَن
اعتُقِلَ لسانُه. ثالثها: عن أبي حنيفة: إن كان مأيوساً من نُطقه، وعن بعض الحنابلة: إن اتَّصَلَ
بالموتِ، وَرَجَّحَه الطَّحاويّ. وعن الأوزاعيِّ: إن سَبَقَه كلام. ونُقِلَ عن مكحول: إن قال:
فلانٌ حُرّ ثمَّ أُصْمِتَ فقيلَ له: وفلان؟ فأَوماً، صَحَّ. وأمَّا القادِرِ على النُّطْق، فلا تقوم إشارته
مقام نُطقه عند الأكثرينَ. واختُلِفَ هل تقوم مقام النيّة كما لو طَلَّقَ امرأته فقيلَ له: كم طَلِقةً؟
فأشارَ بإصبَعِه.
٢٥ - باب اللِّعان
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾
إلى قولِه: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [النور: ٦-٩]
فإذا قَذَفَ الأخرَسُ امرأته بكتابةٍ أو إشارةٍ أو إيماءٍ معروفٍ، فهو كالمتكلُّم، لأنَّ النبيَّ ◌َله
قد أجازَ الإشارةَ في الفَرَائضِ، وهو قولُ بعضِ أهلِ الحِجازِ وأهلِ العِلْمِ.
(١) عبارة ابن المنيِر في ((المتواري على أبواب البخاري)) ص٢٩٦: يشير إلى طلاق الأخرس وغيره، بالإشارة إلى
الأصل والعدد، نافذٌ ... قلنا: وبذلك يصح تذكير الضمير في قوله: نافذ، لِعَوْدِه على الطلاق.

٢١٠
باب ٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهٍ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
وقال الضَّحّاكُ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]: إشارةً.
وقال بعضُ الناسِ: لا حَدَّ ولا لِعانَ، ثمَّ زَعَمَ إنْ طَلَّقَ بكتابٍ أو إشارةٍ أو إيماءٍ جائزٌ،
وليس بينَ الطَّلاق والقَذْفِ فَرْقٌ، فإنْ قال: القَذْفُ لا يكونُ إلّا بكلام، قيلَ له: كذلك
الطَّلَاقُ لا يَكُونُ إلّا بكلام، وإلّا بَطَلَ الطَّلاقُ والقَذْفُ، وكذلك العِتْقُ، وكذلك الأصَمُّ
◌ُلاعِنُ.
وقال الشَّعْبِيُّ وقَتَادةُ: إذا قال: أنتِ طالقٌ، فأشارَ بأصابعِه: تَبِينُ منه بإشارَتِه.
وقال إبراهيمُ: الأخرَسُ إذا كَتَبَ الطَّلَاقَ بَيَدِه لَزِمَه.
وقال حَّدٌ: الأخرَسُ والأصَمُّ إن قال برأسِه، جازَ.
٤٤٠/٩
قوله: ((باب اللِّعان)) هو مأخوذ من اللَّعْن، لأنَّ المُلاعِن يقول: ((لَعنة الله علیه إن كان من
الكاذِبِينَ)). واختِيرَ لفظ اللَّعن دون الغضب في التَّسمية لأنَّه قولُ الرجل، وهو الذي بُدِئ به في
الآية، وهو أيضاً يَبدَأ به، وله أن يَرجِع عنه فيَسقُط عن المرأة بغیر عكس.
وقيل: سُمّيَ لِعاناً لأنَّ اللَّعن الطَّرْدُ والإبعادُ، وهو مُشتَرَك بينهما، وإنَّما خُصَّت المرأةُ
بلفظ الغضب لعِظَمِ الذَّنب بالنِّسبة إليها، لأنَّ الرجل إن كان كاذِباً لم يَصِل ذَنْبُه إلى أكثر من
القَذْف، وإن كانت هي كاذبة فذَنبُها أعظَم لما فيه من تلويث الفِراش والتَّعرُّض لإلحاق
مَن ليس من الَّوج به، فَتَنتَشِرِ المَحرَميَّةِ، وتَثْبُت الولاية والميراث لمن لا يَسْتَحِقُّهما.
واللِّعانُ والالتِعان والمُلاعَنة بمعنَّى، ويقال: تَلاعَنا والْتَعَنا، ولا عَنَ الحاكم بينهما، والرجل
مُلاعِنٌ، والمرأة مُلاعِنة، لوقوعِه غالباً من الجانبینِ.
وأجَمَعوا على مشروعيَّة اللِّعان، وعلى أنَّه لا يجوز معَ عَدَم التَّحَقُّق، واختُلِفَ في وُ جوبه على
الَّوج، لكن لو تَحقَّقَ أنَّ الولد ليس منه قويَ الوُجوبُ.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصََّدِقِينَ﴾))
كذا للأكثر، وساقَ في رواية كَرِيمة الآيات كلَّها، وكأنَّ البخاريَّ تَمَسَّكَ بعُموم قوله تعالى:

٢١١
باب ٢٥
كتاب الطلاق
﴿يَّمُونَ﴾ [النور: ٦] لأنَّه أعَمّ من أن يكون باللَّفظِ أو بالإشارة المُفهِمة، وقد تَسَّكَ غيره
للجمهورِ بها في أنَّه لا يُشتَرَط في الالتِعان أن يقول الرجل: رأيتها تَزني، ولا أن يَنْفيَ حَمْلَها إن
كانت حاملاً أو ولدَها إن كانت وضَعَت، خلافاً لمالكِ، بل يكفي أن يقول: إنَّها زانية، أو:
زَنَت، ويُؤْيِّده أنَّ الله شَرَعَ حَدّ القَذْف على الأجنبيّ برَمْي المحصَنة، ثمَّ شَرَعَ اللِّعان برَمي
الزَّوجة، فلو أنَّ أجنبيّاً قال: يا زانية، وَجَبَ عليه حَدُّ القَذْف، فكذلك حكم اللِّعان.
وأورَدوا على المالكيَّة الاتّفاق على مشروعيّة اللِّعان للأعمَى، فانفَصَلَ عنه ابن القَصّار
بأَنَّ شَرْطَه أن يقول: لَمَسْتُ فَرِجَه في فَرْجها، والله أعلم.
قوله: ((فإذا قَذَفَ الأخرَس امرأته بكتابةٍ)) بمُثنّاةٍ ثُمَّ موخَّدة، وعند الكُشْمِيهنيّ: بكتابٍ،
بلا هاء.
قوله: ((أو إشارةٍ أو إيماءٍ مَعْروفٍ، فهو كالمتكلُّم، لأنَّ النبيَّ ◌َّه قد أجازَ الإشارة في الفرائض)»
أي: في الأُمورِ المفروضة.
قوله: ((وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العِلْم)) أي: من غيرهم، وخالَفَ الحنفيَّةُ
والأوزاعيُّ وإسحاق، وهي رواية عن أحمد اختارَها بعض المتأخِّرينَ.
قوله: ((وقال الله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكِمُ مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾)) أخرج ابن
أبي حاتم من طريق ميمون بن مهرانَ قال: لمَّا قالوا لمريم: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]
إلى آخره، أشارت إلى عيسى: أنْ كَلِّمُوه، فقالوا: تأمُرنا أن نُكَلِّم مَن هو في المهد زيادة على ما
جاءت به من الدّاهية. ووجه الاستدلال به أنَّ مريم كانت نَذَرَت أن لا تَتَكلَّم فكانت في حُكم
الأخرَس، فأشارَت إشارةً مُفهِمةً اكَفُوا بها عن مُعاوَدة سؤالها، وإن كانوا أنكَرُوا عليها ما
أشارَت به، وقد ثَبَتَ من حديث أبيّ بن كعب وأنس بن مالك أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّ نَذَرْتُ
لِلَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، أي: صَمتاً. أخرجه الطََّرِيُّ(١) وغيره.
(١) تحرف في (س) إلى: الطبراني، وحديث أنس أخرجه الطبري ١٦/ ٧٤ موقوفاً، وأما حديث أبي بن كعب فلم
نقف عليه عنده، لكن أورده السيوطي في ((الدر المشور)) ٥٠٦/٥ عن الشعبي قال: في قراءة أُبيّ: ((إنِّي نذرت
للرحمن صمتاً» وعزاه لابن الأنباري.

٢١٢
باب ٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال الضَّحّاك:)) أي: ابن مُزاحم ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إشارةً)) وَصَلَه عبدُ بن حُميدٍ
وأبو حُذَيفة في ((تفسير سفيان الثَّوريّ))(١) ولفظُهما عنه في قوله تعالى: ﴿مَايَتُكَ أَلَّ تُكَلَّمَ
النَّاسَ ثَثَةَ أَيَّامٍ إِلََّّ رَهْزًا﴾: الرمز: الإشارة(٢)، فاستَثَنَى الرَّمز من الكلام، فدَلَّ على أنَّ له
حُكمه.
وأغرَبَ الكِرْمانيُّ فقال: الضَّحّاك هو ابن شَرَاحِيلَ الهَمْدانيّ، فلم يُصِب، فإنَّ المشهور
بالتَّفسير هو ابن مُزاحم، وقد وُجِدَ الأثر المذكور عنه مُصرَّحاً أنَّه ابن مُزاحم(٣)، وأمَّا ابن
شَرَاحِيلَ - ويقال: ابن شُرَحبيل - فهو من التابعينَ، لكن لم يَنْقُلُوا عنه شيئاً من التَّفسير، بل
له عند البخاريِّ حديثان فقط، أحدهما: في فضائل القرآن (٥٠١٥)، والآخر: في استتابة
المرتدِّينَ(٤)، وكلاهما من روايته عن أبي سعيد الخُذريِّ.
قوله: ((وقال بعض الناس: لا حَدَّ ولا لِعانَ» أي: بالإشارة من الأخرَس وغيره (ثُمَّ زَعَمَ إن
٤٤١/٩ طَلَقَ(٥) بكتابٍ (٦) أو إشارةٍ أو / إيماءٍ جازَ)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: أنَّ الطَّلاق بكتابةٍ(٧) ... إلى آخره.
قوله: ((وليس بين الطَّلاق والقَذْف فَرْقٌ، فإن قال: القَذْفُ لا يكون إلّا بكلام قيلَ له: كذلك
(١) ص ٧٧.
(٢) قوله: ((الرمز: الإشارة)) جاء في الأصول و(س) مؤخراً إلى آخر الفقرة التالية بعد قوله: وكلاهما من
روايته عن أبي سعيد الخدري. وموضعه الصحيح هنا ليتم الكلام، ولعل بعض النساخ ألحقه هناك
خطأً، فلذلك قدّمناهُ.
(٣) لم نقف عليه مصرَّحاً باسمه عند أحد ممن خرَّجه ممن وقفنا عليه.
(٤) بل في الأدب برقم (٦١٦٣)، لكنه جاء مطلقاً غير مقيد، وقُيِّد في رواية مسلم (١٠٤٦) (١٤٨)، وقد ذكر
الحافظُ حديثه الذي في الأدب في أثناء شرحه للحديث (٦٩٣٣) في استتابة المرتدين، فمن هاهنا حصل الوهمُ.
(٥) كذا وقعت الرواية للحافظ، والذي في الأصل الخطي الذي بأيدينا برواية أبي ذر الهروي: زعم أن
طلَّقوا .. إلى آخره، وهذا خلاف ما في اليونينية حيث جاء فيها: زعم أن الطلاق ... إلى آخره دون حكاية
خلاف بين رواه البخاري.
(٦) تحرف في (ب) و(س) إلى: بكتابة.
(٧) كذا نسب الحافظ هذه الرواية لغير أبي ذرِّ، مع أن الذي في اليونينية: أن الطلاق بکتاب، دون حكاية خلاف بين
رواه البخاري في ذلك.

٢١٣
باب ٢٥
كتاب الطلاق
الطَّلَاق لا يكون إلّا بكلام)) أي: وأنتَ وافَقْتَ على وقوعه بغير الكلام فيَلْزَمُكَ مِثْلُه في اللِّعان
والحدّ.
قوله: ((وإلّا بَطَلَ الطَّلاقُ والقَذْفُ، وكذلك العِثْقُ)) يعني إمّا أن يقال باعتبار الإشارة فيها
كلِّها، أو: بتَركِ اعتبارها، فتَبطُل كلُّها بالإشارة، وإلّا فالتَّفرِقة بينهما بغير دليل تَحَكُّم، وقد وافَقَه
بعض الحنفيَّة على هذا البحث، وقالوا: القياس بُطْلان الجميع، لكن عَمِلنا به في غير اللِّعان
والحدّ استحساناً، ومنهم مَن قال: مَنَعناه في اللِّعان والحدّ للشُّبهة لأنّه يَتَعلَّق بالصَّريح، كالقَذْفِ،
فلا يُكتَفَى فيه بالإشارة لأنَّها غير صريحة، وهذه عُمدة مَن وافَقَ الحنفيَّةَ من الحنابلة وغيرهم.
ورَدَّه ابن التِّين بأنَّ المسألة مَفروضة فيما إذا كانت الإشارة مُفهِمةً إفهاماً واضحاً لا يَبقَى معه
رِئْبٌ.
ومن حَجَّتهم أيضاً أنَّ القَذف يَتَعلَّق بصريح الزِّنى دون معناه، بدليلِ أنَّ مَن قال لآخر:
وَطِئْتَ وَطْئاً حراماً، لم يكن قَذْفاً لاحتمال أن يكون وَطِئَ وَطْءَ شُبهةٍ فاعتَقَدَ القائل أنَّه حرام،
والإشارة لا يَتَّضِح بها التَّفصيل بين المعنَيَين، ولذلك لا يَجب الحدُّ في التَّعريض.
وأجابَ ابن القَصّار بالنَّقْضِ عليهم بنُفُوذِ القَذف بغير اللِّسان العربيّ. وهو ضعيفٌ.
ونَقَضَ غيرُه بالقتل فإنَّه يَنْقَسِم إلى عَمْد وشِبْه عَمْدٍ وخطأ، ويَتَمَيَّز بالإشارة. وهو قويّ.
واحتَجُّوا أيضاً بأنَّ اللِّعان شهادةٌ وشهادةُ الأخرَس مردودة بالإجماع. وتُعقِّبَ بأنَّ مالكاً ذكر
قَبُولها فلا إجماعَ، وبأنَّ اللِّعان عند الأکثر یمینٌ كما سيأتي البحث فيه.
قوله: ((وكذلك الأصَمّ يُلاعِن)) أي: إذا أُشير إليه حتَّى فَهِمَ، قال المهَّبُ: في أمره إشكال،
لكن قد يَرتَفِع بتَردادِ الإشارة إلى أن تُفهَم مَعرِفة ذلك عنه. قلت: والاطلاع على مَعرِفَته بذلك
سَهل لأَنَّه يُعرَف من نُطْقه.
قوله: ((وقال الشَّعْبِيُّ وقَتَادةُ: إذا قال: أنتِ طالقٌ فأشارَ بأصابعِه تَبِينَ(١) منه بإشارَتِهِ))
(١) ضُبطت في (أ) بالتشديد من البيان، وهو خطأ في المراد هنا، لأن مراده أن المرأة تبين من زوجها بینونةً، کما يدل
عليه أثر الشعبي الذي خرّجه الحافظ. على أنه إن كان من البيان فهو صحيح في المعنى، وهو يدخل في المقصود
هنا بطريق الأولى.

٢١٤
باب ٢٥ / ح ٥٣٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٠٠/٥) بلفظ: سُئلَ الشَّعبيّ فقال: سُئلَ رجل مرَّةً أَطلَّقْت امرأتك؟ قال:
فَأَوْمَأَ بيَدِه بأربع أصابع ولم يتكلَّم، ففارَقَ امرأتَه. قال ابن التِّين: معناه أنَّه عَبَّرَ عَّ نَواه من العَدَد
بالإشارة فاعتَدُّوا عليه بذلك.
قوله: ((وقال إبراهيم: الأخرَس إذا كَتَبَ الطَّلاق بيَدِه لَزِمَه)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة بلفظهِ(١)،
وأخرجه الأثرَم عن ابن أبي شَيْبة كذلك، وأخرجه عبد الرَّزّاق (١١٤٣٤) بلفظ: الرجل
يَكتُبِ الطَّلاق ولا يَلِفِظ به، أنَّه كان يراه لازِماً.
ونَقَلَ ابن التِّين عن مالكِ: أنَّ الأخرَس إذا كَتَبَ الطَّلاق أو نَواه لَزِمَه، وقال الشافعيُّ: لا
يكون طلاقاً، يعني أنَّ كلَّ منهما على انفراده لا يكون طلاقاً، أمَّا لو جَمعهما فإنَّ الشافعيّ يقول
بالوقوع سواءٌ كان ناطِقاً أم أخرَس.
قوله: (وقال حمّاد: الأخرَس والأصَمُّ إن قال برأسِه جاز» هو حمّاد بن أبي سليمان شیخ أبي
حنيفة، فكأنَّ البخاريّ أراد إلزام الكوفيِينَ بقولِ شيخِهم، ولا يخفى أنَّ مَحَلّ الجواز حيثُ يَسبق
ما يَنطَبق عليه من الإيماء بالرّأْسِ الجوابُ.
ثَّ ذكر المصنّ في الباب خمسة أحاديث تَتَعلَّق بالإشارة أيضاً.
٥٣٠٠- حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ، أنَّه سمعَ أنسَ بنَ
مالكٍ يقول: قال رسولُ الله ◌َّ: ((أَلا أُخْبِرُكم بخَيرِ دُورِ الأنصار؟» قالوا: بلى يا رسولَ الله،
قال: (بَنُو النَّارِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم بَنُو عبدِ الأشْهَلِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم بَنُو الحارثِ بنِ الخَزْرَجِ،
ثَّ الَّذِينَ يَلُونَهم بَنُو ساعِدَةَ)) ثمَّ قال بَيَدِه فقَبَضَ أصابعَه، ثمَّ بَسَطَّهُنَّ كالَّامِي بِيَدِهِ، ثمَّ قال:
((وفي كلِّ دُورِ الأنصارِ خَيرٌ)).
الحديث الأوَّل منها: حديث أنس في فَضْل دُور الأنصار. وقد تقدَّم شرحه في المناقب
(٣٧٨٩)، فإنَّه أورَدَه هناك من وجهٍ آخر عن أنسٍ عن أبي أُسَيدِ الساعديّ، وأورَدَه هنا عن
(١) لفظه عند ابن أبي شيبة ٤٣/٥: إذا كتب الطلاق بيده وجب عليه. وبوَّب عليه في الرجل يكتب طلاق امرأته
بیده، دون تخصيصه بالأخرس.

٢١٥
باب ٢٥ / ح ٥٣٠١
كتاب الطلاق
أنس بغير واسطة والطَّريقان صحيحان، وفي رواية (١) أنس هذه زيادةٌ(٢) الإشارة، وليست
في روايته عن أبي أُسَيدِ، وفي روايته عن أبي أُسَيدِ (٣) من الزّيادة قصَّةٌ لسعدِ بن عُبَادة كما
تقدَّمَ.
والمقصود من الحديث هنا قوله: ((ثُمَّ قال بَيَدِه فقَبَضَ أصابعَه، ثمَّ بَسَطَهُنَّ كالرَّامي
بَيَدِه)) ففيه استعمال الإشارة المُفهِمة مقرونة بالنُّطق.
وقوله: ((كالرَّامي بيَدِه)) أي: كالذي يكون بيَدِه الشَّيءُ قد ضَمَّ أصابعَه عليه ثمَّ رَماه
فانتَشَرَت.
٥٣٠١- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال أبو حازِمٍ: سَمِعْتُه من سَهْلِ بنِ سعدٍ
الساعدِيِّ صاحبٍ رسولِ الله وَلَه يقول: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((بُعِثْتُ أَنَا والساعةَ كَهَذِه من هذِه،
أو كَهاتَينٍ)) وفَّقَ بينَ السَّابةِ والوُسْطَى.
الثاني: قوله: ((قال أبو حازِم)) كذا وَقَعَ عنده، وأخرجه الإسماعيليّ من وجهَينٍ عن
سفيان بلفظ: عن أبي حازِم. وصَرَّحَ الحُميديّ عن / سفيان بالتَّحديثِ، فقال في روايته: ٤٤٢/٩
حدَّثنا أبو حازم أنَّه سمعَ سَهلاً. أخرجه أبو نُعَيم (٤).
قوله: ((كهذِه من هذِه أو كهاتَينٍ)) شَكٍّ من الراوي، واقتَصَرَ الحُميديّ على قوله: («کهذِه
من هذه)) .
قوله: ((وفَرَّقَ))(٥) وأشارَ سُفْيان ((بالسَّابةِ)) سيأتي شرحه مُستَوفَى في كتاب الرِّقاق (٦٥٠٣)
إن شاء الله تعالى.
(١) تحرف في الأصل و(س) إلى: زيادة.
(٢) لفظة ((زيادة)) سقطت من (س).
(٣) المثبت من (ب)، وفي (أ) و(ع): وفي رواية أبي أُسيد، وفي (س): وفي رواية عن أبي أسيد.
(٤) وهو عند الحميدي في «مسنده)) برقم (٩٢٥).
(٥) كذا وقعت الرواية للحافظ، وكذلك جاء في الأصل الخطي الذي بأيدينا برواية أبي ذرٍّ، والذي في أصل
اليونينية: ((وقَرَن)) بالقاف والنون، دون حكاية خلاف فيها، وعند العيني في ((عمدة القاري)) ٢٠/ ٢٩٣
کما عند الحافظ ابن حجر، ثم قال: ويُروى: ((وقرن)» بالقاف.

٢١٦
باب ٢٥ / ح ٥٣٠٢ - ٥٣٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قال الكِرْمانيُّ: قد انقَضَى من يوم بَعثَه إلى يومنا هذا - يعني سنةَ سبعٍ وستّينَ وسبعٍ مئٍ -
سبعُ مئةٍ وثمانونَ سنةً، فكيف تكون المقارَبة؟ وأجابَ الخطَّبيُّ أنَّ المراد أنَّ الذي بَقِيَ
بالنّسبة إلى ما مَضَى قَدْر فَضْلِ الوُسطَى إلى السَّابة. قلت: وسيأتي البحث في ذلك حيثُ
أشرت إليه.
٥٣٠٢- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا جبَلةُ بنُ سُحَيمٍ، سمعتُ ابنَ عمرَ يقول: قال
النبيُّ ◌َّ: ((الشَّهرُ هكذا وهكذا)) يعني: ثلاثينَ، ثمَّ قال: ((وهَكَذا وهَكَذا)) يعني: تِسْعاً وعِشْرِينَ،
يقول مرَّةً: ((ثلاثينَ)) ومرَّةٌ: ((تسعاً وعِشْرِينَ)).
٥٣٠٣ - حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن أبي
مسعودٍ قال: وأشارَ النبيُّ ◌َّهِ بِيَدِه نحوَ اليَمَنِ: ((الإيمانُ هاهُنا» مَرَّتَينِ ((أَلَا وإنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ
القُلوبِ في الفَدّادِينَ حَيثُ يَطْلُعُ قَرْنا الشَّيطانِ: رَبِيعةَ ومُضَرَ)).
٥٣٠٤- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ زُرارةَ، أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازِمٍ، عن أبيه، عن سَهْلٍ، قال
رسولُ الله ◌ِّهِ: ((وَنَا وكافِلُ اليتيم في الجنَّةِ هكذا» وأشارَ بالسَّابة والوُسْطَى، وفَّجَ بينَهما شيئاً.
[طرفه في: ٦٠٠٥]
الثالث: حديث ابن عمر: ((الشَّهر هكذا وهكذا(١)» تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الصيام
(١٩٠٨).
الرابع: حديث أبي مسعود، وهو عُقْبة بن عَمْرو، ووَقَعَ في رواية القاِيّ والكُشْمِيهنيّ(٢):
ابن مسعود. قال عياض: وهو وَهْمٌ، وهو كما قال، فقد تقدَّم كذلك في بَدْء الخَلْق (٣٣٠٢)
والمناقب (٣٤٩٨) والمغازي (٤٣٨٧) من طرق عن إسماعيل: وهو ابن أبي خالد، عن قيس:
وهو ابن أبي حازِم، وصَرَّحَ في بَدْء الخلق باسمِه، ولفظه: حدَّثني قيس عن عُقْبة بن عَمْرو أبي
مسعود. وقد تقدَّم شرحه في ذِكْر الجِنّ في بَدْء الخلق، وبقيّة شرحه في أوَّل المناقب.
(١) كذا وقعت الرواية للحافظ بذكر ((هكذا)) مرتين، وهو كذلك في الأصل الخطّي الذي بأيدينا برواية أبي
ذر الهَرَويّ، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري بذكرها ثلاث مرات.
(٢) كذا نسبها الحافظ للكُشميهني فقط، مع أن الذي في هامش اليونينية نسبتها لأبي ذر الهرويّ.

٢١٧
باب ٢٦ / ح ٥٣٠٥
كتاب الطلاق
الخامس: حديث سهل في فَضْل کافل اليتيم، وسيأتي شرحه في كتاب الأدب (٦٠٠٥) إن
شاءَ الله تعالى.
وقوله فيه: ((بالسَّبّابة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ(١): بالسَّاحة، وهما بمعنَّى.
٢٦ - باب إذا عرَّض بنَفْي الولد
٥٣٠٥- حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن
أبي هريرةَ: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َّه فقال: يا رسولَ الله، وُلِدَ لي غلامٌ أسوَدُ! فقال: «هل لكَ من
إبلٍ؟)) قال: نَعَم، قال: ((ما أَلْوانُها؟)) قال: حُمْرٌ، قال: ((هل فيها مِن أَورَقَ؟)) قال: نَعَم، قال:
(فَأَنَّى ذلك؟)) قال: لعلَّ نَزَعَه عِرْقٌ، قال: ((فلعلَّ ابنَكَ هذا نَزَعَه)).
[طرفاه في: ٦٨٤٧، ٧٣١٤]
قوله: ((باب إذا عَرَّضَ بنَفْي الولد)) بتشديد الرَّاء من التَّعريض، وهو ذِكْرِ شيءٍ يُفهَم منه
شيءٌ آخَر لم يُذكَر، ويُفارق الكِناية بأنَّهَا ذِكرُ شيءٍ بغير لفظِهِ الموضوعِ يقوم مقامه. وتَرجَمَ
البخاريّ لهذا الحديث في الحدود (٦٨٤٧): ((ما جاء في التَّعريض)) وكأنَّه أخَذَه من قوله في
بعض طرقه: يُعرِّض بنَفْسِهِ(٢).
وقد اعتَرَضَه ابن المنيِّرِ فقال: ذَكَر ترجمة التَّعريض عَقِب ترجمة الإشارة لاشتراكهما في إفهام
المقصود، لكنَّ كلامه يُشعِرِ بإلغاءِ حُكم التَّعريض، فيَتَنَاقَض مَذهبُه في الإشارة.
والجواب أنَّ الإشارة المعتَبَرَة هي التي لا يُفهَم منها إلّا المعنى المقصود، بخلاف التَّعريض،
فإِنَّ الاحتمال فيه إمّا راجحٌ وإمّا مُساوٍ فافتَرَقا.
قال الشافعيّ في ((الأُمّ)): ظاهر قول الأعرابيّ أنَّه التََّمَ امرأته، لكن لمَّا كان لقولِه وَجهٌ
غير القَذْف لم يَحِكُم النبيُّ ◌َه فِيه بحُكم القَذْف، فدَلَّ ذلك على أنَّه لا حَدَّ في التَّعريض، وممّاً
(١) كذا نسبها الحافظ للكُشميهني فقط، مع أنَّ الذي في هامش اليونينية نسبتها للمستملي أيضاً.
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٧٧٦٠)، ومسلم (١٥٠٠) (١٩)، وأبو داود (٢٢٦١) جميعاً بلفظ: يعرِّض
بأن ینفیه.

٢١٨
باب ٢٦ / ح ٥٣٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
يدلّ على أنَّ التَّعريض لا يُعطى حُكمَ التَّصريح الإذنُ بخِطبة المعتَدّة بالتَّعريضِ لا بالتَّصريحِ
فلا يجوز، والله أعلم.
قوله: ((عن ابن شِهاب)) قال الدّارَ قُطنيُّ: أخرجه أبو مُصعَب في ((الموطَّأ)» (٢٨٩٠) عن مالكٍ،
وتابَعَه جماعة من الرُّواة خارج ((الموطَّ))، ثمَّ ساقَه من رواية محمَّد بن الحسن(١) عن مالك أخبرنا
الزُّهْريّ. ومن طريق عبد الله بن محمَّد بن أسماء عن مالكِ، ومن طريق ابن وَهْب: أخبرني ابن
أبي ذِئْب ومالكٌ، كلاهما عن ابن شِهاب(٢). وطريق ابن وَهْب هذه أخرجها أبو داود(٣).
قوله: ((أنَّ سعيد بن المسيّب أخبَرَه)) كذا لأكثر أصحاب الزُّهْريِّ، وخالَفَهم يونسُ، فقال:
٤٤٣/٩ عنه،/ عن أبي سَلَمةً، عن أبي هريرة، وسيأتي في كتاب الاعتصام من طريق ابن وَهْب عنه
(٧٣١٤)، وهو مَصير من البخاريّ إلى أنَّه عند الزُّهْريِّ عن سعيد وأبي سَلَمَةَ معاً، وقد
وافَقَه مسلم (١٨/١٥٠٠ و ١٩ و٢٠) على ذلك، ويُؤيِّده رواية يحيى بن الضَّحّاك عن الأوزاعيِّ
عن الزُّهْريِّ عنهما جميعاً. وقد أطلقَ الدّارَ قُطنيُّ أنَّ المحفوظ روايةُ مالك ومَن تَابَعَه، وهو
محمولٌ على العَمَل بالتَّرجيح، وأمَّا طريق الجمع فهو ما صَنَعَه البخاريّ، ويَتأيَّد أيضاً بأنَّ
عُقيلاً رواه عن الزُّهْريِّ قال: بَلَغنا عن أبي هريرةٍ(٤)، فإنَّ ذلك يُشعِر بأنَّه عنده عن غير واحد،
وإلّا لو كان عن واحد فقط كسَعيدٍ مثلاً لاقتَصَرَ علیه.
قوله: ((أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َ)) في رواية أبي مُصعَب: جاء أعرابيّ، وكذا سيأتي في الحدود
(٦٨٤٧) عن إسماعيل بن أبي أُوَيس عن مالكِ، ولِلنَّسائيِّ: جاء رجل من أهل البادية(٥)، وكذا
(١) هو في ((الموطأ)) بروايته (٦٠١).
(٢) وساقه الدار قطني في ((العلل) عند السؤال رقم (١٦٧٩) بإسناده، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٠٣/٣
من طريق ابن وهب وأشهب بن عبد العزيز عن مالك، ومن طريق الشافعي عن مالك.
(٣) هذا وهمٌّ من الحافظ رحمه الله، لأنَّ أبا داود إنما أخرج (٢٢٦٢) طريق ابن وهب - وهو عبد الله بن وهب
المصري - عن يونس - وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب، وأما الطريق المذكورة فهي عند أبي عوانة في
(«مسنده) برقم (٤٤٥٨).
(٤) رواية عُقيل عن ابن شهاب أخرجها مسلم برقم (١٥٠٠) (٢٠).
(٥) لم نقف عليه عند النسائي، وهو عند مالك في ((الموطأ)) (٦٠١) برواية محمد بن الحسن، والشافعي في ((الأم))
١٤١/٥، وأبي عوانة في ((مسنده)) برقم (٤٧٢٢).

٢١٩
باب ٢٦ / ح ٥٣٠٥
كتاب الطلاق
في رواية أشھَب عن مالك عند الدّارَ قُطني(١)، وفي رواية ابن وَهْب التي عند أبي داود: أنَّ
أعرابيّاً من بني فَزارة (٢)، وكذا عند مسلم (١٨/١٥٠٠ و١٩) وأصحاب السُّنَن(٣) من رواية
سفيان بن ◌ُيَینة عن ابن شهاب.
واسمُ هذا الأعرابيِّ ضَمضَم بن قَتَادة، أخرج حديثه عبد الغني بن سعيد في (المبهَمات)) له
(٥٦) من طريق قُطْبة بنت عَمْرو بن هَرِم(٤)، أنَّ مَدْلُوكاً حدَّثها: أنَّ ضَمضَم بن قَتَادة وُلِدَ له
مولود أسود من امرأة من بني عِجْل، فشَكا النبيَّ ◌َّه فقال: ((هل لك من إبل؟)).
قوله: ((أتى النبيَّ ◌َّ) في رواية ابن أبي ذِئْب: صَرَخَ بِالنبيِّ ◌ََِّ(٥).
قوله: ((فقال: يا رسول الله، إنَّ امرأتي ولدت غلاماً أسود))(٦) لم أقِفْ على اسم المرأة ولا
على اسم الغلام، وزاد في رواية يونس (٧٣١٤): ((وإنّي أنكَرته)) أي: استَنكَرته بقلبي ولم
يُرِد أنَّه أنكَرَ كَونه ابنَه بلسانه، وإلا لكان تصريحاً بالنَّفي لا تَعريضاً، ووجه التَّعريض، أنَّه قال:
غلاماً أسود، أي: وأنا أبيض، فكيف يكون منِّي؟! ووَقَعَ في رواية مَعمَر عن الزُّهْريِّ عند
مسلم (١٩/١٥٠٠): وهو حينئذٍ يُعرِّض بأن يَنْفيَه. ويُؤخَذ منه أنَّ التَّعريض بالقَذفِ لیس
(١) أخرجها في ((علله)) (١٦٧٩).
(٢) لم يقع هذا اللفظ عنده من رواية ابن وهب، وإنما أخرجه (٢٢٦٠) من رواية سفيان عن الزهري عن
سعيد عن أبي هريرة بلفظ: جاء رجل إلى النبي وَلا من بني فزارة. وأخرجها باللفظ المذكور من رواية
ابن وهب أبو عوانة في ((مسنده)) برقم (٤٧٢٣) و(٤٧٢٦)، وهو عند أحمد في ((مسنده)) برقم (٧١٩٠)،
لكن من رواية ابن أبي ذئب.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٢٦٠)، وابن ماجه (٢٠٠٢)، والنسائي (٣٤٧٨)، والترمذي (٢١٢٨).
(٤) كذا سماها الحافظُ هنا، وهو خطأ في اسمها، لأن اسمها كما جاء في ((المبهمات)) لعبد الغني: قطبة بنت هرم
بن قطبة، وهو المعروف في اسمها، وأبوها هرم بن قطبة معروف، له ترجمة في («الإصابة)) ٦/ ٥٧٢.
وسماها الحافظ على الصواب في ترجمة ضمضم من ((الإصابة)) ٤٩٣/٣.
(٥) أخرج هذه الرواية أبو داود الطيالسي في («مسنده)) برقم (٢٤١٣)، وأبو عوانة في ((مسنده)) برقم (٤٤٥٨)
و(٤٧٢٣)، وهي عند أحمد في («المسند» برقم (٧١٩٠) بلفظ: صاح بالنبي وَلّ.
(٦) هذا لفظ الرواية الآتية برقم (٦٨٤٧) و(٧٣١٤)، وأما لفظ الرواية هنا فهو: وُلِد لي غلامٌ أسود. كذا في
اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري.

٢٢٠
باب ٢٦ / ح ٥٣٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
قَذْفاً، وبه قال الجمهور، واستَدَلَّ الشافعيّ بهذا الحديث لذلك، وعن المالكيَّة: يجب به الحدّ إذا
كان مفهوماً، وأجابوا عن الحدیث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه.
وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال بالحديث نظرٌ، لأنَّ المستَقتي لا يجب عليه حَدٌّ ولا
تَعزِيرٌ. قلت: وفي هذا الإطلاق نظرٌ، لأنَّه قد يَستَفتي بلفظٍ لا يقتضى القَذْفَ وبلفظ يَقتضيه،
فمِن الأوَّل أن يقول مثلاً: إذا كان زوج المرأة أبيضَ فأتتْ بوَلَّدٍ أسودَ، ما الحُكم؟ ومن
الثّاني أن يقول مثلاً: إنَّ امرأتي أتت بوَلَدِ أسودَ وأنا أبیضُ، فیکون تعريضاً، أو يزيد فيه مثلاً:
زَنَت، فيكون تصريحاً، والذي وَرَدَ في حديث الباب هو الثّاني فيَتِمُّ الاستدلال.
وقد نَبَّهَ الخطَّبيُّ على عكس هذا فقال: لا يَلزَمِ الَّوجَّ إذا صَرَّحَ بأنَّ الولد الذي وضَعَتْه
امرأته ليس منه حَدُّ قَذْفٍ، لجوازٍ أن يريد أنَّها وُطِئَت بشُبهة، أو وضَعَته من الزَّوج الذي قبله إذا
كان ذلك مُمكِناً.
قوله: ((قال: فما ألوانُها؟ قال: مُخْر)) في رواية محمَّد بن مُصعَب عن مالك عند الدّارَ قُطنيِّ(١).
(قال: رُمْكٌ)). والأَرْمَكُ: الأبيض إلى مُمْرة، وقد تقدَّم تفسيره في شرح حديث جَل جابٍ في
الشُّروط(٢).
قوله: «فهل فيها من أوْرَقَ؟» بوزنِ أَحمرَ.
قوله: «إنَّ فیھا لَوُزْقاً)(٣) بضمِ الواو بوزن ◌ُمر، والأَوْرَق: الذي فیه سوادٌ لیس بحالِكِ بل
يَميل إلى الغُبْرَة، ومنه قيل للحمامة: وَرْقاء.
قوله: ((فأَنَّى ذلك؟» بفتح النُّون الثَّقيلة، أي: من أين أتاها اللَّون الذي خالَفَها، هل هو
بسبب فَحْلٍ من غير لونها طَرأَ عليها، أو لأمرٍ آخَرَ؟
قوله: ((لعلَّ نَزَعَه عِرْق)) في رواية كَرِيمة: ((لعلَّه)) ولا إشكال فيها، بخلاف الأوَّل، فجَزَمَ
(١) وهو أيضاً عند أحمد (٩٢٩٨).
(٢) بل في الجهاد (٢٨٦١).
(٣) هذا الحرف ليس في هذه الرواية، وإنما هو في الرواية الآتية برقم (٧٣١٤).