النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ كتاب الطلاق ذلك؟)) فقالت امرأة منهنَّ: نعم. وقد وَرَدَ ما قد يُخالف ذلك، ولعلَّها أشارت إلى رَدِّه، وقد تقدَّم بيان ذلك مُستَوقَى في تفسير سورة الممتَحَنة. واختُلِفَ في استمرار حُكم امتحان مَن هاجَرَ من المؤمنات: فقيل: منسوخ، بل ادَّعَى بعضهم الإجماع على نَسْخه، والله أعلم. ٢١ - باب قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو﴾ [البقرة: ٢٢٦]. ٥٢٨٩- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أَوَيسٍ، عن أخِيه، عن سليمانَ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، أنَّه ٤٢٦/٩ سمعَ أنسَ بنَ مالكِ يقول: آلَى رسولُ اللهِ وَلَ من نسائه وكانت انفَكَّت رِجْلُه، فأقامَ في مَشْرُبٍ له تسعاً وعِشْرِينَ، ثمَّ نزلَ، فقالوا: يا رسولَ الله، آلَيَتَ شَهْراً! فقال: ((الشَّهْرُ تسعٌ وعِشْرونَ)). ٥٢٩٠- حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثْنا اللَّثُ، عن نافعٍ: أَنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما كان يقول في الإيلاءِ الذي سَمَّى اللهُ تعالى: لا يَحِلُّ لأحدٍ بعدَ الأجَلِ إلّا أن يُمْسِكَ بالمعْروفِ أو يَعْزِمَ الطَّلاقَ كما أمَرَ الله تعالى. ٥٢٩١- وقال لي إسماعيلُ: حدَّثني مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: إذا مَضَت أربعةُ أشهُرِ يُوقَفُ حتَّى يُطلِقَ، ولا يَقَعُ عليهِ الطَّلَاقُ حتَّى يُطلِّقَ. ويُذكَّرُ ذلك عن عُثْمَانَ وعليٍّ وأبي الدَّرْداءِ وعائشةَ واثنَي عَشَرَ رجلاً من أصحاب النبيِّ ◌َله. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿لَلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦])) كذا للأكثر، وساقَ في رواية كَرِيمة إلى: ﴿سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، ووَقَعَ في ((شرح ابن بَطّالٍ)): باب الإيلاء وقوله تعالى ... إلى آخره، ووَقَعَ لأبي ذرٍّ والنَّسَفيِّ بعدَ قوله: ﴿فَإِن فَآءُ﴾: رَجَعُوا، وهذا تفسير أبي عُبيدة قاله في هذه الآية قال: ﴿فَإِن فَآءُو﴾، أي: رَجَعُوا عن اليمين(١). فاءَ يَفِيءُ فَيْئاً وفُيُوءاً، انتهى. وأخرج الطَّبَرِيُّ عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: الفَيْءُ: الرُّجوع بالِّسان، ومثلَه عن أبي قلابةَ، (١) إلى هنا ينتهي تفسير أبي عبيدة لهذه الآية كما في المطبوع من ((مجاز القرآن)) له ٧٣/١. ١٨٢ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري وعن سعيد بن المسيّب والحسن وعِكْرمة: الفَيء: الرُّجوع بالقلب واللِّسان لمَن به مانعٌ عن الجماع، وفي غيره بالجِماع. ومن طريق أصحاب ابن مسعود منهم عَلْقمة مِثلَه، ومن طريق سعيد بن المسيّب أيضاً: إن حَلَفَ أن لا يُكلِّمَ امرأته يوماً أو شهراً فهو إيلاءٌ، إلّا إن كان يُجامعها وهو لا يُكلِّمها فليس بمُؤْلٍ. ومن طريق الحَكَم عن مِقْسَم عن ابن عبّاس: الفَيءُ: الجماع، وعن مسروق وسعيد بن جُبَير والشَّعبيّ مِثله، والأسانيد بكلِّ ذلك عنهم قويّة(١). قال الطَّبَرُّ: اختلافُهم في هذا من اختلافهم في تعريف الإيلاء، فمَن خَصَّه بَركِ الجماع قال: لا يَفيُ إلّ يفِعلِ الجِماعِ، ومَن قال: الإيلاءُ: الحَلِفُ على تَّرْك كلامِها أو على أن يَغِيظَها أو يَسُوقَها أو نحو ذلك، لم يَشتَرِط في الفَيء الجِماعَ، بل رُجوعه بفِعلِ ما حَلَفَ أن لا يفعلَه. ونَقَل عن ابن شهاب: لا يكون الإیلاء إلّا أن يحلِفَ المرءُ بالله فیما یرید أن يُضارَّ به امرأته من اعتزالها، فإذا لم يَقصِدِ الإضرار لم يكن إيلاءً. ومن طريق عليّ وابن عبَّاس والحسن وطائفة: لا إيلاءَ إلّا في غَضَب، فإذا حَلَفَ أن لا يَطَأَها بسببٍ كالخوفٍ على الولد الذي يَرضَع منها من الغِيْلة (٢) فلا إيلاءَ. ومن طريق الشَّعبيِّ: كلُّ يمين بين الرجل وبين امرأته فهي إيلاءٌ. ومن طريق القاسم وسالم فيمَن قال لامرأته: إن كُلَّمتُك سنةً فأنتِ طالق، قال: إن مَضَت أربعة أشهُر ولم يُكلِّمها طَلُقَت، وإن كَلَّمَها قبلَ سنةٍ فهي طالق. ومن طريق يزيد بن الأصَمّ أنَّ ابن عبّاس(٣) قال له: ما فعَلَتِ امرأتك، لَعَهْدي بها (١) انظر ((تفسير الطبري)) ٤٢٢/٢-٤٢٦. (٢) الغِيلَة بالكسر: الاسم من الغَيْل بالفتح: وهو أن يجامع الرجل زوجته وهي مُرضع، وكذلك إذا حَلتْ وهي مُرضعٌ. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (غيل). (٣) أثر ابن عباس هذا وقراءة أبي بن كعب لم يذكرهما الطبري، ولم نقف على أثر ابن عباس في شيء مما بأيدينا من مصادر التخريج، وأما قراءة أبيّ بن كعب، فرواها ابن أبي داود في ((المصاحف)) (١٦١) من رواية حماد بن سلمة أنه قرأها كذلك في مصحف أُبيّ. ١٨٣ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ كتاب الطلاق سَيِّئَة الخُلُق؟ قال: لقد خَرَجَت وما أُكلِّمها، قال: أدرِكْها قبل أن يمضيَ أربعة أشهُر، فإن مَضَت فهي تطليقة. ومن طريق أبيّ بن كعب أنَّه قرأ ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]: (يُقسِمونَ))(١)، قال الفَرّاء: التَّقدير: على نسائهم، و((مِن)) بمعنى: على. وقال غیرُه: بل فيه حَذْفٌ تقديره: يُقسِمونَ على الامتناع من نسائهم، والإيلاء مُشتَقّ من الأَلِيَّة، بالتَّشديد: وهي اليمين، والجمع: أَلَايا، بالتَّخفيف وزن عَطَايا، قال الشّاعر (٢): قليلُ الأَلَايا حافظٌ لِيَمِينِهِ فَإِنْ سَبَقَت منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ فجَمَعَ بين المفرد والجمع. ثَّ ذكر البخاريُّ حديث أنس: آلَى رسول الله وَ لِّ مِن نسائه، الحديث، وإدخالُه في هذا الباب على طريقة مَن لا يَشتَرِط في الإيلاءِ ذِكْر الجِماعِ، ولهذا قال ابن العربيِّ: ليس في هذا الباب - يعني من المرفوع -/ سوى هذه الآية وهذا الحديث، انتهى. ٤٢٧/٩ وأنكَرَ شيخنا(٣) في ((التَّدريب)) إدخالَ هذا الحديث في هذا الباب فقال: الإيلاء المعقود له الباب حرامٌ يأَثَم به مَن عَلِمَ بحاله، فلا تَجوز نِسَبَتَه إلى النبيِّ وَِّ. انتهى، وهو مَبنيٌّ على اشتِراط تَرك الجِماع فيه، وقد كنت أطلقت في أوائل الصلاة (٣٧٨) والمظالم (٢٤٦٩) أنَّ المراد بقولِ أنسٍ: ((آلَى)) أي: حَلَفَ، وليس المراد به الإيلاءَ العُرفيَّ في كتب الفقه اتِّفاقاً، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ فيه الخلافَ قديماً، فليُقيّد ذلك بأنَّه على رأي مُعظَم الفقهاء، فإنَّه لم يُنقَل عن أحد من فقهاء الأمصار أنَّ الإيلاء يَنعَقِد حُكمه بغير ذِكْر تَرك الجماع إلّا عن حَمَّاد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وإن كان ذلك قد وَرَدَ عن بعض مَن تقدَّمَه كما تقدَّمَ. وفي كَونه حراماً أيضاً خلاف، وقد جَزَمَ ابن بَطّالٍ وجماعة بأنَّه وَّهامتَنَعَ من جِماع نسائه في (١) وهي أيضاً قراءة ابن عباس، كما رواه عنه عبد الرزاق (١١٦٤٣)، وأبو عبيد في ((فضائل القرآن)) ص٢٩١، وغيرهما. (٢) هو كُثِيِّر بن عبد الرحمن الخزاعي، المشهور بكثير عزَّة، وهو في ((ديوانه)) ص٣٨. (٣) هو سراج الدين عمر بن رسلان بن نصر الكناني البُلْقِينيُّ، أبو حفص، وكتابه ((التدريب في الفروع)». انظر ترجمته في «الضوء اللامع» ٦/ ٨٥ للسخاوي. ١٨٤ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري ذلك الشَّهر، ولم أقِفْ على نقل صريح في ذلك، فإنَّه لا يَلزَم من تَرك دُخُولِه عليهنَّ أن لا تَدخُل إحداهُنَّ عليه في المكان الذي اعتَزَلَ فيه، إلّا إن كان المكانُ(١) المذكور من المسجد، فيَتَمُّ استلزامُ عَدَمِ الدُّخول عليهنَّ معَ استمرار الإقامة في المسجد العَزْمَ على تَرك الوَطِ لامتناع الوَطء في المسجد، وقد تقدَّم في النِّكاح في آخر حديث عمر (٥١٩١) مِثلُ حدیثٍ أنسٍ في أنَّه آلى من نسائه شهراً. ومن حديث أمّ سَلَمةَ أيضاً (١٩١٠): آلَى من نسائه شهراً. ومن حديث ابن عبّاس(٢): أقسَمَ أن لا يَدخُل عليهنَّ شهراً. ومن حديث جابر عند مسلم (١٠٨٤): اعتَزَلَ نساءَه شهراً. وأخرج التِّرمِذيُّ (١٢٠١) من طريق الشَّعبيِّ عن مَسْروق عن عائشة قالت: آلَى رسول الله وَّرُ من نسائه وحَرَّمَ، فجَعَلَ الحرامَ حلالاً. ورجاله موَثَّقونَ(٣)، لكن رَجَّحَ التِّرمِذيّ (١٢٠١) إرساله على وَصْلِه. وقد يَتَمسَّك بقولِه: ((حَرَّمَ)) مَن اذَّعَى أَنَّه امتَنَعَ من جِماعِهِنَّ، لكن تقدَّم البيان الواضح أنَّ المراد بالتَّحريمِ: تحريمُ شُرب العَسَل أو تَحريم وَطْءِ ماريَّةَ سُرِّيَّتِه، فلا يَتِمّ الاستدلال لذلك بحديثٍ عائشة، وأقوى ما يُستَدَلّ به لفظ: ((اعتَزَلَ)) معَ ما فيه. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس عن أخيه)) هو أبو بكر عبد الحميد (٤) بن أبي أُوَيس عبد الله بن عبد الله الأصبحيّ، ابن عمّ مالكٍ، وسليمان: هو ابن بلال، وقد نزلَ البخاريّ في هذا الإسناد بالنِّسبة لحُميدٍ دَرَجَتَين، لأنَّه أخرج في كتابه عن بعض أصحابه بلا واسطة كمحمَّدٍ بن عبد الله الأنصاريّ، ودرجةً بالنّسبة لسليمان بن بلال، فإنَّه أخرج عنه الکثیر بواسطة واحدٍ فقط، وقد تقدَّم في هذا الحديث بعَينِه في الصيام (١٩١١) وفي النِّكاح كذلك (١) قوله: ((المكان)) أثبتناه من (ع)، ومن ((سبل السلام) للصنعاني ٣/ ١٨٤ حيث نقله عن الحافظ وسقطت من (أ) و(ب) و(س). (٢) حديث ابن عباس سلف برقم (٥٢٠٣) أن النبي ◌َّه قال لعمر بن الخطاب: ((آليتُ منهنَّ شهراً»، وأما اللفظ المذكور فوقع من حديث عمر بن الخطاب عند مسلم برقم (١٤٧٩) (٣٤). (٣) سلف تعليقنا على هذا الحديث عند الباب السابع من هذا الكتاب ((باب من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام)). (٤) وقع في (أ) و(ب) و(س): أبو بكر بن عبد الحميد، بإقحام لفظة ((بن))، وجاء على الصواب في (ع). ١٨٥ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ كتاب الطلاق (٥٢٠١). والنُّكتة في اختيار هذا الإسناد النازل التَّصريح فيه عن حُمیدٍ بسماعِه له من أنس. وقد تقدَّم بيان قوله: آلَى من نسائه شهراً، وشرحُه في أواخر الكلام على شرح حديث عمر في المتظاهرتَينِ في النِّكاح (٥١٩١)، ووَقَعَ في حديث أنسٍ هذا في أوائل الصلاة (٣٧٨) زيادةٌ قصَّةٍ(١) سُقوطُه ◌َّةِ عن الفَرس وصلاته بأصحابه جالساً، وتقدَّم شرح الزّيادة هُناكَ. ومن أحكام الإيلاء أيضاً عند الجمهور: أن يحلف على أربعة أشهُر فصاعداً، فإن حَلَفَ على أنقَصَ منها لم يكن مُؤلياً، وقال إسحاق: إن حَلَفَ أن لا يَطَأَ على يوم فصاعِداً ثمَّ لم يَطَأ حتَّى مَضَت أربعةُ أشهُر كان إيلاءً، وجاء عن بعض التابعينَ مِثْلُه، وأنكَرَه الأكثرُ، وصَنِيعُ البخاريِّ ثمَّ الِّرمِذيِّ في إدخال حديث أنس في باب الإيلاء يقتضى موافقة إسحاق في ذلك، وحَلَ هؤلاءِ قوله تعالى: ﴿تَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] على المدّة التي تُضرَب للمُؤلي، فإن فاءَ بعدها وإلّا أُلزِمَ بالطَّلاق. وقد أخرج عبد الرَّزاق (١١٦٢٧) عن ابن جُرَيج عن عطاء: إذا حَلَفَ أن لا يَقرَب امرأته - سَمَّى أَجَلاً أو لم يُسمِّه - فإن مَضَت أربعة أشهُر، يعني أُلزِمَ حُكم الإيلاء. وأخرج سعيد بن منصور (١٩٢٢) عن الحسن البَصْريّ: إذا قال لامرأته: والله لا أقرَبها اللَّيلةَ، فَتَرَكَها أربعة أشهر من أجل يمينه تلكَ فهو إيلاء. وأخرج الطَّبرانيُّ(٢) من حديث ابن عبّاس: كان إيلاء الجاهليّة السَّنةَ والسَّنْتَين، فَوَقَّتَ الله لهم أربعةَ أشهُرٍ، فمَن كان إيلاؤُه أقلّ من أربعة أشهُرٍ فليس بإيلاءٍ. قوله: ((أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول في الإيلاء الذي سَمَّى الله/ تعالى: لا يَحِلّ ٤٢٨/٩ لأَحدٍ بَعْد الأجَل)) الذي يَحِلِف عليه بالامتناع من زوجته («إلّا أن يُمْسِك بالمعْروفِ، أو يَعْزِم الطَّلَاقَ كما أُمُرَ الله تعالى)) هو قول الجمهور في أنَّ المدّة إذا انقَضَت يُخيَّرُ الحالف: فإمّا أن يَفيءَ، وإمّا أن يُطلِّق. (١) في (س): زيادة قصة مشهورة سقوطه. بزيادة لفظة ((مشهورة)) وليست في أصولنا الثلاثة. (٢) تحرَّف في الأصول و(س) إلى: الطبري، وليس هو عنده، وما أثبتناه هو الصواب، كما في ((الدر المنثور)) ١/ ٦٤٧ للسيوطي، إذ نسبه لجماعة منهم الطبراني، ولم يذكر الطبري، وهو في (المعجم الكبير)) برقم (١١٣٥٦). ١٨٦ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري وذهب الكوفيّونَ إلى أنَّه إن فاءَ بالجِماع قبل انقضاء المدّة استَمرَّت عِصمَتُه، وإن مَضَت المدّة وَقَعَ الطَّلاق بنفسِ مُضيِّ المدّة قياساً على العِدّة، لأنَّه لا تَرَبُّصَ على المرأة بعد انقضائها. وتُعقّبَ بأنَّ ظاهر القرآن التَّفصيلُ في الإيلاء بَعد مُضِيِّ المدّة، بخلاف العِدّة فإنَّهَا شُرِعَت في الأصل للبائنة والمتوقَّ عنها بعد انقطاع عِصمتها لبراءة الرَّحِم، فلمْ يَبَقَ بعد مُضيِّ المدّة تفصيل. وأخرج الطَّبَريُّ (٤٢٨/٢) بسندٍ صحيح عن ابن مسعود، وبسندٍ آخَر لا بأس به عن عليٍّ: إن مَضَت أربعةُ أشهُر ولم يَفِئْ طَلْقَتِ طَلقةً بائنةً. ويسندٍ حسن عن عليٍّ وزيد بن ثابت مِثله، وعن جماعة من التابعينَ من الكوفّينَ ومن غيرهم كابنِ الحنفيّة وقبيصة بن ذُؤَيب وعطاء والحسن وابن سِيرِين مِثْلَه. ومن طريق سعيد بن المسيّب وأبي بكر بن عبد الرَّحمن ورَبيعة ومَكْحول والزُّهْريّ والأوزاعيِّ: تَطلُقُ لكن طَلقةٌ رَجعيَّة. وأخرج سعيد بن منصور (١٩٣٧) من طريق جابر بن زيد: إذا آلَى فمَضَت أربعةُ أشهُر طَلْقَت بائناً ولا عِدَّةَ عليها. وأخرج إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن))(١) بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس مِثلَه، وأخرج سعيد بن منصور (١٩٣٤) من طريق مسروق: إذا مَضَت الأربعة بانَت بِطَلقةٍ، وتَعتَدّ بثلاثِ حِيَض. وأخرج إسماعيل القاضي من وجه آخر عن مسروق عن ابن مسعود مِثلَه، وأخرج ابن أبي شَيْبة (١٢٨/٥) بسندٍ صحيح عن أبي قلابةَ: أنَّ النُّعمان بن بشير آلى من امرأته، فقال ابن مسعود: إذا مَضَت أربعة أشهُر فقد بانَت منه بتطليقةٍ. تنبيه: سَقَطَ أَثَرُ ابن عمر هذا وأَثْرُه المذكور بعد ذلك، وكذا ما بعدَه إلى آخر الباب، من رواية النَّسَفيِّ، وثَبَتَ للباقينَ. قوله: ((وقال لي إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس المذكور قبلُ، وفي بعض الرِّوايات: قال إسماعيل، مُجرَّداً، وبه جَزَمَ بعض الحُفّاظِ فعَلَّمَ عليه علامة التَّعليق، والأوَّل المعتمَد، وهو ثابتٌ في رواية أبي ذرٍ وغيره. (١) ومن طريقه أخرجه ابن حزم في (المحلى) ٤٥/١٠. ١٨٧ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ كتاب الطلاق قوله: ((إذا مَضَت أربعة أشهُر يُوقَف))، في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يُوقِفُه)) ((حتَّى يُطلِّق، ولا يَقَع عليه الطَّلاق حتَّى يُطلِّق)) كذا وَقَعَ من هذا الوجه مختصراً، وهو في ((الموطَّا)) (٢/ ٥٥٧) عن مالكٍ أَخَصَرَ منه(١)، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق مَعْن بن عيسى عن مالك بلفظ: أنَّه كان يقول: أيُّما رجل آلى من امرأته، فإذا مَضَت أربعة أشهُر يوقَف حتَّى يُطلِّق أو يَفيءَ، ولا يقع عليه طلاق إذا مَضَت حتَّى يُوقَف. وكذا أخرجه الشافعيّ (٢٨٢/٥) عن مالك وزاد (٢): فإمّا أن يُطلِّق وإمّا أن يَفيَ. وهذا تفسيرٌ للآية من ابن عمر، وتفسير الصَّحابة في مثل هذا له حُكم الرَّفع عند الشَّيخَينِ البخاريِّ ومسلمٍ كما نَقَلَه الحاكم، فیکون فيه ترجيحٌ لمن قال: يُوقَف. قوله: ((ويُذكَر ذلك)) أي: الإيقاف ((عن عُثْمان وعليٍّ وأبي الدَّرْداء وعائشة واثنَي عَشَر رجلاً من أصحاب النبيِّ وَّ) أمَّا قول عثمان فوَصَلَه الشافعيّ (٢٨٢/٥) وابن أبي شَيْبة (١٣٢/٥) وعبد الرَّزاق (١١٦٦٤) من طريق طاووسٍ: أنَّ عثمان بن عَفّانَ كان يُوقِف المُؤلي، فإمّا أن يَفيءَ وإمّا أن يُطلِّقَ. وفي سماع طاووسٍ من عثمان نظرٌ، لكن قد أخرجه إسماعيل القاضي في ((الأحكام)(٣) من وجه آخر مُنقَطِع عن عثمان: أنَّه كان لا يرى الإيلاء شيئاً وإن مَضَت أربعة أشهُر حتَّى يُوقَفَ. ومن طريق سعيد بن جُبَير عن عمر نحوه، وهذا مُنقَطِع أيضاً، والطَّريقان عن عثمان يَعضُد أحدهما الآخر. وجاء عن عثمان خلافُه، فأخرج عبد الرَّزاق (١١٦٣٨) والدّارَقُطْنيّ (٤٠٤٤) من طريق عطاء الخُراسانيّ عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن عن عثمان وزيد بن ثابت: إذا مَضَت أربعة أشهُر فهي تطليقةٌ بائنةٌ. وقد سُئلَ أحمدُ عن ذلك فرَجَّحَ رواية طاووسٍ. وأمَّا قول عليٍّ فَوَصَلَه الشافعيّ (٧/ ١٨١) وأبو بكر بن أبي شَيْبة (١٣١/٥) من طريق عَمْرو بن سَلِمةَ: أَنَّ عليّاً وقَّفَ المُؤْلي. وسنده صحيح، وأخرج مالك (٥٥٦/٢) عن (١) بل روايته أطول من رواية البخاري هنا. فلعل الحافظ أراد أن يقول: أطول، فسبق قلمُه فقال: أخصر. (٢) هذه الزيادة وقعت لجميع من ذكره الحافظ هنا، وليس للشافعي فقط كما يُوهمه كلامه. (٣) ومن طريقه أخرجه ابن حزم في ((المحلى)) ٤٦/١٠. ١٨٨ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري ٤٢٩/٩ جعفر بن محمَّد عن / أبيه عن عليٍّ نحوَ قول ابن عمر: إذا مَضَت الأربعةُ أشهُرٍ لم يقع عليه الطَّلاق حتَّى يُوقَفَ، فإمّا أن يُطلِّق وإمّا أن يَفيَ. وهذا مُنقَطِعِ يَعتَضِد بالذي قبلَه. وأخرج سعيد بن منصور (١٩٠٩) من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: شَهِدت عليّاً أوقَفَ رجلاً عند الأربعة بالرَّحْبة: إمّا أن يَفيءَ وإمّا أن يُطلِّق. وسنده صحيح أيضاً. وأخرج إسماعيل القاضي من وجه آخر عن عليٍّ نحوَه وزاد في آخره: ويُبَر على ذلك. وأمَّا قول أبي الدَّرداء فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة(١) وإسماعيل القاضي من طريق سعيد بن المسيّب: أنَّ أبا الدَّرداء قال: يُوقَف في الإيلاء عند انقضاء الأربعة، فإمَّا أن يُطلَّق وإمّا أن يَفيءَ. وسنده صحيح إن تَبَتَ سماع سعيد بن المسيّب من أبي الدَّرداء(٢). وأمَّا قول عائشة فأخرج عبد الرَّزاق (١١٦٥٨) عن مَعمَر عن قَتَادة: أنَّ أبا الدَّرداء وعائشة قالا، فذكر مِثْلَه، وهذا مُنقَطِعٍ. وأخرجه سعيد بن منصور (١٩١٤) بسندٍ صحيح عن عائشة بلفظ: أنَّها كانت لا تَرَى الإيلاءَ شيئاً حتَّى يُوقَفَ. ولِلشّافعيِّ (٢٨٢/٥) عنها نحوه، وسنده صحیح أيضاً. وأمَّا الرِّواية بذلك عن اثني عشرَ رجلاً من الصَّحابة فأخرجها البخاريّ في ((التاريخ)) (١٦٦/٢) من طريق عبد رَبِّه بن سعيد عن ثابت بن عُبيد مولى زيد بن ثابت عن اثنَي عشرَ رجلاً من أصحاب رسول الله وَ ال﴿ قالوا: الإيلاءُ لا يكون طلاقاً حتَّى يُوقَف(٣). وأخرجه الشافعيّ من هذا الوجه(٤) فقال: بِضْعَةَ عَشَرَ. وأخرج إسماعيل القاضي من طريق يحيى (١) لفظُه في ((المصنف)) ١٣٤/٥: عن أبي الدرداء قال: الإيلاء معصية ولا تحرم عليه امرأته. قلنا: قد أخرجه باللفظ الذي ذكره الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره) ٤٣٤/٢، والبيهقي ٣٧٨/٧. (٢) وهو عند ابن حزم في ((المحلى)) ١٠ / ٤٧ من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وطاووس ومجاهد: أن أبا الدرداء قال، فذكره. (٣) كذا اقتصر الحافظ على ذكر هذه الطريق عند البخاري في ((التاريخ)) مع أنه أسنده من وجه آخر أيضاً من طريق يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار. ولعل الحافظ أراد أن يذكره فنسي، بدليل أنه لما خرجه من الشافعي قال: من هذا الوجه، وإنما هو عند الشافعي ٢٨٢/٥ عن ابن عيينة عن یحی بن سعید عن سليمان بن يسار. فأحال الحافظ عليه ولم يذكره. (٤) كذا قال الحافظ، وهو خطأ، كما بيناه في التعليق السابق. ١٨٩ باب ٢١ / ح ٥٢٩٠-٥٢٩١ كتاب الطلاق ابن سعيد الأنصاريّ عن سليمان بن يَسَار قال: أدرَكتُ بِضْعةَ عشرَ رجلاً من أصحاب رسول الله وَ ل﴿ قالوا: الإيلاءُ لا يكون طلاقاً حتَّى يُوقَف. وأخرج الدّارَ قُطنيُّ (٤٠٣٩) من طريق سُهيل(١) بن أبي صالح عن أبيه أنَّه قال: سألت اثني عشر رجلاً من الصَّحابة عن الرجل يُؤلي، فقالوا: ليس عليه شيءٌ حتَّى تَضي أربعة أشهُر فيُوقَف، فإن فاءَ وإلّا طَلَّقَ. وأخرج إسماعيل من وجهٍ آخَر عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدرَكْنا الناسَ يَقِفُونَ الإيلاء إذا مَضَتِ الأربعةُ. وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاقَ وسائرِ أصحاب الحديث، إلّا أنَّ للمالكيَّة والشافعيَّة بعدَ ذلك تَفاريعَ يطول شرحُها. منها أنَّ الجمهور ذهبوا إلى أنَّ الطَّلاق يكون فيه رَجعيّاً، لكن قال مالكٌ: لا تَصِحّ رَجْعَتُه إلّا إن جامَعَ في العِدّة. وقال الشافعيّ: ظاهر كتاب الله تعالى على أنَّ له أربعةَ أشهُر، ومَن كانت له أربعةُ أشهُر أجَلاً فلا سبيل عليه فيها حتَّى تَنْقَضِيَ، فإذا انقَضَت فَعَلَيهِ أَحدُ أمرَينِ: إمّا أن يَفيَ وإمّا أن يُطلِّق، فلهذا قلنا: لا يَلزَمه الطَّلَاقُ بمُجرَّدٍ مُضيّ المدّة حتَّى يُحِدِث رُجوعاً أو طلاقاً، ثمَّ رَجحَ قول الوقف بأنَّ أكثر الصّحابة قال به، والتَّرجیح قد يقع بالأكثرِ معَ موافَقة ظاهر القرآن. ونَقَلَ ابن المنذر عن بعض الأئمَّة قال: لم نَجِدْ في شيءٍ من الأدلّة أنَّ العَزيمة على الطَّلاق تكون طلاقاً، ولو جازَ لكان العَزْمِ على الفَيء يكون فَيئاً، ولا قائلَ به، وكذلك ليس في شيء من اللُّغة أنَّ اليمين التي لا يَنوي بها الطَّلاق تقتضي طلاقاً. وقال غيره: العطف على الأربعة أشهُر بالفاءِ يدلّ على أنَّ التَّخيير بعد مُضيِّ المدّة، والذي يَتَبَادَر من لفظ التََّبُّص أنَّ المراد به المدّةُ المَضْرُوبة ليقعَ النَّخييرُ بعدها. وقال غيره: جَعَلَ الله الفَيء والطَّلاق مُعلَّقَينِ بفِعلِ المُؤلي بعد المدّة، وهو من قوله تعالى: ﴿فَإِن فَآءُو﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، فلا يَنَّجِه قول مَن قال: إنَّ الطَّلاق يقع بُمُجرَّدِ مُضيِّ المدّة، والله أعلم. (١) تحرف في (أ) و(ب) و(س) إلى: سهل، وجاء على الصواب في (ع). ١٩٠ باب ٢٢ / ح ٥٢٩٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢٢ - باب حُكم المفقود في أهله وماله وقال ابنُ المسيّبِ: إذا فُقِدَ في الصَّفِّ عندَ القتال تَرَبَّصُ امرأتُهُ سَنةً. واشتَرى ابنُ مسعودٍ جاريةً فالتَمَسَ صاحبَها سَنةً فلم يَجِدْه وفُقِدَ، فأخَذَ يُعْطي الدِّرْهَمَ والدِّرْ هَمَينِ، وقال: اللهمَّ عن فلانٍ، فإنْ أَتَى فُلانٌ فِي، وعليَّ. وقال: هكذا فافعَلوا بِاللُّقَطِةِ. وقال ابنُ عبّاسٍ نحوَه. وقال الزُّهْريُّ في الأسِيرِ يُعْلَمُ مكانُه: لا تَتزوَّجُ امرأتُه ولا يُقْسَمُ مالُه، فإذا انقَطَعَ خَبَرُه فسُنَّتُه سُنّةُ المَفْقودِ. ٥٢٩٢- حدَّثْنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن يزيدَ مولى المُنْبَعِثِ: أنَّ النبيَّ وَّسُئِلَ عن ضالّةِ الغَنَمِ فقال: ((خُذْها، فإنَّما هي لكَ أو لأَخِيكَ أو لِلذُّتْبِ)). وسُئلَ عن ضالَّةِ الإبلِ فَغَضِبَ واحمرَّتْ وَجْتَاهُ، وقال: «ما لكَ ولها؟ معها الحِذاءُ والسِّقاءُ، تَشْرَبُ الماءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلْقَاهَا رَبُّها)». وسُئلَ عن اللُّقَطةِ فقال: «اغْرِفْ وِكَاءَها وعِفَاصَها وعَرِّفْها سَنةً، فإن جاء مَن يَعرِفُها وإلّا فاخلِطْها بمالِكَ)). قال سفيانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعةَ بنَ أبي عبدِ الرَّحمنِ - قال سفيانُ: ولم أَحفَظْ عنه شيئاً غيرَ هذا - فقلتُ: أَرأيتَ حديثَ يزيدَ مولى المُنْبَعِثِ في أمْرِ الضّالَّةِ، هو عن زيدِ بنِ خالدٍ؟ قال: نَعَمْ. قال سُفيان: قال يحيى: ويقول رَبِيعةُ: عن يزيدَ مولى المُنْبَعِثِ عن زیدِ بنِ خالدٍ. قال سفيانُ: فَلَقِتُ رَبِیعةً فقلتُ له. ٤٣٠/٩ قوله: ((باب حُكْم الَفْقود في أهله وماله)) كذا أطلقَ ولم يُفْصِح بالحُكم، ودُخولُ حُكم الأهل يَتَعلَّق بأبواب الطَّلاق بخلاف المال، لكن ذكره معه استطراداً. قوله: ((وقال ابن المسيّب: إذا فُقِدَ في الصَّفّ عند القِتال تَربَّصُ امرأتُهُ سَنةً)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٢٣٢٦) أتمَّ منه عن الثَّوريّ عن داودَ بن أبي هندٍ عنه قال: إذا فُقِدَ في الصَّفّ تَرَبَّصَت امرأتُه ١٩١ باب ٢٢ / ح ٥٢٩٢ كتاب الطلاق سنةً، وإِذا فُقِدَ في غيرِ الصَّفّ فَأَربع سنينَ. وقوله في الأصل: ((تَرَبَّصُ)) بفتح أوَّله على حَذْف إحدى التاءَين. واتَّفَقَت النُّسَخِ والشُّروح والمستخرَجات على قوله: ((سَنَة)) إلّا ابن التِّين، فوَقَعَ عنده: ستّة أشهُر. ولفظ ((سّة)) تصحيفٌ، ولفظ ((أشهُر)) زيادةٌ. وإلى قول سعيد بن المسيّب في هذا ذهب مالكٌ، لكن فَرَّقَ بين ما إذا وَقَعَ القتال في دار الحرب أو في دار الإسلام. قوله: ((واشتَرى ابن مسعود جاريةً فالتَمَسَ صاحبَها سَنةً فلم يَجِدْه وفُقِدَ، فأخَذَ يُعْطي الدِّرهَمَ والدِّرهمَينِ، وقال: اللهمَّ عن فلانٍ، فإنْ أَتَى فلانٌ فلي، وعليَّ)) وَقَعَ في رواية الأكثر ((أتى)) بالمثنّاة، بمعنى: جاء، وللكُشْمِيهنيّ بالموخَّدة من الامتناع، وسَقَطَ هذا التَّعليق من رواية أبي ذرّ عن السَّرَخْسِيّ، وقد وَصَلَه سفيان بن عُبَينة في ((جامعه)) رواية سعيد بن عبد الرَّحمن عنه، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور عنه(١) بسندٍ له جيِّد: أنَّ ابن مسعود اشتَرَى جارية بسبعٍ مئةٍ دِرْهم، فإمّا غابَ صاحبُها وإمّا تَرَكَها، فَشَدَه حَوْلاً فلم يَجِدْه، فخَرجَ بها إلى مساكينَ عند سُدَّة بابِهِ، فجَعَلَ يَقِض ويُعطي ويقول: اللهمَّ عن صاحبها، فإن أَبَّى(٢) فمِنّي، وعليَّ الغُرُمُ، وأخرجه الطبرانيُّ (٩٧٢١) من هذا الوجه أيضاً وفيه: ((أَبَى)) بالموخَّدة(٣). قوله: ((وقال: هكذا فافعلوا باللّقَطَةِ)) يشير إلى أنَّه انتَزَعَ فِعلَه في ذلك من حُكم اللَّقَطة، للأمرِ بتَعريفِها سنةً، والتَّصَرُّف فيها بعد ذلك، فإن جاء صاحبُها غَرِمَها له، فرأى ابن مسعود أن يجعل التَّصَرُّفَ صَدَقَةً، فإن أجازَها صاحبُها إذا جاء حَصَلَ له أجرُها، وإن لم يُجِزِها كان الأجر للمتصدِّقِ، وعليه الغُرْم لصاحبها، وإلى ذلك أشارَ بقولِهِ: ((فلي وعليّ)) أي: فلي الثَّواب وعليَّ الغرامة، وغَفَلَ بعض الشُّاح فقال: معنى قوله: ((فلي وعليَّ): لي الثَّواب وعليَّالعِقاب، أي: أنَّهما مُكتَسَبان له بفِعلِهِ، والذي قلتُهُ أَولى لأنَّه ثَبَتَ مُفسَّراً في رواية ابن عُيَينة كما تَرَى. (١) ومن طريقه أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٨٦١٣)، لكن لفظه: فإن كره فلي وعليّ. (٢) تصحفت في (س) إلى: أتى. وإنما هي ((أبى)) كما سينُص عليها الحافظ، فهي كرواية الكُشمِيهني. (٣) هذا لفظ سعيد بن منصور، وأما الطبراني فلفظه: فإن جاء صاحبها خيّره، فإن اختار الأجر كان له، وإن اختار ماله كان له مالُه. ١٩٢ باب ٢٢ / ح ٥٢٩٢ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قوله في رواية الباب ((فلي)) فمعناه: فلي ثوابُ الصَّدَقة، وإِنَّمَا حَذَفَه للعِلمِ به. قوله: ((وقال ابن عبّاس نحوَه)) ثَبَتَ هذا التَّعليق في رواية أبي ذرِّ فقط عن المُستَمْلي والكُشْمِيهنيّ خاصّةً، وقد وَصَلَه سعيد بن منصور(١) من طريق عبد العزيز بن رُفَيع عن أبيه: أنَّه ابتاعَ ثَوْباً من رجل بمَكّة فضَلَّ منه في الزِّحام، قال: فَأَتَيتُ ابنَ عبَّاس فقال: إذا ٤٣١/٩ كان العام المقبل فانشُدِ الرجلَ في المكان / الذي اشتَرَيت منه، فإن قَدَرت عليه وإلّا تَصَدَّقَ بها، فإن جاء فخَيِّرْهُ بين الصَّدَقة وإعطاءِ الدَّراهم. وأخرج دَعْلَج في ((مُسنَد ابن عبَّاس) له بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس قال: انظُر هذه الضَّوالّ فشُدَّ يَدك بها عاماً، فإن جاء رَبُّها فادفَعها إليه، وإلّا فجاهِد بها وتَصَدَّق، فإن جاء فخَيِّرْهُ بين الأجرِ والمالِ. قوله: ((وقال الزُّهْريُّ في الأَسير يُعْلَمُ مكانُه: لا تَتزوَّج امرأتُه ولا يُقْسَم مالُه، فإذا انقَطَعَ خَبَرُه، فسُنَّتُهُ سُنّةُ المفقود)، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٢ /٢٩٢) من طريق الأوزاعيِّ قال: سألت الزُّهْريَّ عن الأَسير في أرض العَدُوّ: متى تَزوَّجُ امرأتُه؟ فقال: لا تَزوَّج ما عَلِمَت أنَّه حيٌّ. ومن وجه آخر عن الزُّهْرِيِّ قال: يُوقَف مالُ الأَسیر وامراته حتَّى يُسلِما أو يموتا. وأمَّا قوله: ((فسُنَّتُهُ سُنّةُ المفقود)) فإنَّ مذهب الزُّهْريِّ في امرأة المفقود أنَّها تَرَبَّصُ أربعَ سنین، وقد أخرجه عبد الرزاق (١٢٣٢٣ و١٢٣٢٤) وسعيد بن منصور (١٧٥٢) وابن أبي شَيْبة (٢٣٧/٤) بأسانيدَ صحيحةٍ عن عمر، منها لعبد الرَّزّاق (١٢٣١٧ و١٢٣١٨) من طريق الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمر وعثمان قَضَيا بذلك، وأخرج سعيد بن منصور (١٧٥٦) بسندٍ صحيح عن ابن عمر وابن عبَّاس قالا: تَنتظِرُ امرأة المفقود أربعَ سنينَ. وثَبَتَ أيضاً عن عثمان وابن مسعود في رواية، وعن جمعٍ من التابعينَ كالنَّخَعيِّ وعطاء والزُّهْريّ ومکحول والشَّعبيّ. واتَّفَقَ أكثرُهم على أنَّ التَّأجيل من يومٍ تَرفَع أمرَها للحاكم، وعلى أنَّها تَعتَدّ عِدّةَ الوفاة بعد مُضيِّ الأربع سنين. (١) وأخرجه من طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٦٠٥٣) طبعة دار الفلاح. ١٩٣ باب ٢٢ / ح ٥٢٩٢ كتاب الطلاق واتَّفَقوا أيضاً على أنَّها إن تزوَّجَت، فجاء الزَّوجُ الأوَّلُ خُيِّرَ بين زوجتِه وبين الصَّداقِ، وقال أكثرهم: إذا اختارَ الأوَّلُ الصَّداقَ غَرِمَه له الثّاني. ولم يُفرِّق أكثرهم بين أحوال الفَقْدِ إلّا ما تقدَّم عن سعيد بن المسيّب، وفَرَّقَ مالكٌ بين مَن فُقِدَ في الحرب فيُؤَجَّلُ الأجَلَ المذكور، وبين مَن فُقِدَ في غير الحرب فلا يُؤَجَّل، بل يُنْتَظَرُ مُضُّ العُمُر الذي يَغْلِب على الظَّنّ أنَّه لا يعيش أكثرَ منه. وقال أحمد وإسحاق: مَن غابَ عن أهله فلم يُعلَم خَبَرُهُ لا تأجيل فيه، وإنَّما يُؤَجَّل مَن فُقِدَ في الحرب أو في البحر أو في نحو ذلك. وجاء عن عليٍّ: إذا فقَدَت المرأةُ زوجَها لم تَزَوَّج حتَّى يَقدَم أو يموتَ. أخرجه أبو عُبيد في ((كتاب النِّكاح)). وقال عبد الرَّزاق (١٢٣٣٣): بَلَغَني عن ابن مسعود: أنَّه وافَ عليّاً في امرأة المفقود أنَّها تَنَتَظِرُه أبداً. وأخرج أبو عُبيد أيضاً بسندٍ حسن عن عليٍّ: لو تزوَّجَت فهي امرأة الأوَّل، دَخَلَ بها الثّاني أو لم يَدخُل. وأخرج سعيد بن منصور (١٧٦٢) عن الشَّعبيّ: إذا تزوَّجَت فِبَلَغَها أنَّ الأوَّل حَيٌّ فُرَّقَ بينها وبين الثّاني واعتَدَّت منه، فإن ماتَ الأوَّل اعتَدَّت منه أيضاً ووَرِثَته. ومن طريق النَّخَعيِّ: لا تَزَوَّج حتَّى يَسْتَبِينَ أمُرُه، وهو قول فقهاء الكوفة والشافعيِّ وبعض أصحاب الحديث. واختارَ ابن المنذِر التَّأجيلَ لاتِّفاق خمسةٍ من الصَّحابة عليه، والله أعلم. قوله: ((حدَّثنا عليٌّ بن عبد الله)) هو ابن المَدِينيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينة. قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاريّ، وفي رواية الحميديّ (٨١٦) عن سفيان: حدّثنا يحيى بن سعید. قوله: ((عن يزيد مولى المُنْبَعِث أنَّ النبيَّ ◌َّهُ سُئلَ)) في رواية الحميديّ: سمعت يزيد مولى المُنْبَعِث قال: جاء رجل إلى النبيّ وَلَّ، فذكر حديث اللَّقَطة. وهذا صُورته الإرسال، ولهذا قال بعد فراغ المَتْن: قال سفيان: فَلَقِيتُ ربيعةً بن أبي عبد الرَّحمن، قال سفيان: ولم أحفظ عنه شيئاً غير هذا، فقلت: أرأيتَ حديث يزيد مولى المُنبَعِث في أمر الضّالَّة، هو عن زيد بن خالد؟ قال: ١٩٤ باب ٢٢ / ح ٥٢٩٢ فتح الباري بشرح البخاري نعم. قال سفيان: قال يحيى - يعني ابن سعيد الذي حدَّثه مُرسَلاً -: ويقول رَبيعةُ: عن يزيد مولى المنْبَعِث عن زَيد بن خالد. قال سفيان: فَلَقِيتُ ربيعةً فقلت له؛ أي: قلت له الكلام الذي تقدَّم، وهو قوله: أرأيت حدیث یزید ... إلى آخره. وحاصل ذلك أنَّ يحيى بن سعيد حدَّث به عن يزيد مولى المُنْبَعِث مُرسَلاً، ثمَّ ذکر لسفيان أنَّ رَبيعة يُحدِّث به عن يزيد مولى المُنْبَعِث عن زيد بن خالد فيُوصِله، فحَمَلَ ذلك سفيان على أن لَقِيَ رَبيعة فسأله عن ذلك فاعتَرَفَ له به، وقد أخرجه الإسماعيليّ/ من وجه آخر عن سفيان عن يحيى بن سعيد عن يزيد مُرسَلاً، وعن ربيعة موصولاً وساقَه بسياقةٍ واحدة، وما وَقَعَ في رواية ابن المَدِينِيّ من التَّفصيل أتقَنُ وأضبط، فإنَّه دَلَّ على أنَّ السِّياق ليحيى بن سعيد وأنَّ رَبيعة لم يُحدِّث سفيان إلّا بإسنادِه فقط. وأخرجه النَّسائيُّ (٥٧٧٠) عن إسحاق بن إسماعيل عن سفيان عن يحيى بن سعيد عن ربيعة، قال سفيان: فلقيتُ ربيعةً فقال: حدَّثني به يزيد عن زيد، وهذا أيضاً فيه إيهامٌ، ورواية ابن المَدِينِيّ أوضَحُ، وقد وافَقَه الحميديّ ولفظه: قال سفيان: فأَتيتُ رَبيعةَ فقلت له: الحديث الذي يُحدِّثه يزيد مولى المُنبَعِث في اللُّقَطة، هو عن زيد بن خالد عن النبيِّ ◌َّ؟ قال: نعم. قال سفيان: كنت أكرهُه للرَّأي؛ أي: لأجلِ كَثْرَة فَتْواهُ بالرَّأي، قال: فلذلك لم أسأله إلّا عن إسناده. وهذا السَّبَب في قِلّة رواية سفيان عن ربيعة أَولى من السَّبَب الذي أبداه ابن التِّين، فقال: كان قَصْدُ سفيانَ لطَلَب الحديث أكثرَ من قَصْدِه لطَلَب الفقه، وكان الفقه عند ربيعة أكثرَ منه عند الزّهْرِيِّ(١)، فلذلك أكثَرَ عنه سفيان دُونَ ربيعة، معَ أنَّ الزُّهْريَّ تقدَّمَت وفاتُه على وفاة ربيعة بنحو عشر سنین بل أکثر، انتھی. واقتَضَى قول سفيان بن عُيَينة هذا أنَّ يحيى بن سعيد ما سمعَه من شيخه يزيد مولى المُنْبَعِث موصولاً، وإنَّما وَصَلَه له رَبيعة، ولكن تقدَّم الحديث في اللَّقَطة (٢٤٢٨) من طريق (١) لو كانت العبارة: وكان الحديث عند الزهري أكثر منه عند ربيعة، لكان الكلام أو فق للسياق. ١٩٥ باب ٢٢ / ح ٥٢٩٢ كتاب الطلاق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن يزيد عن زيد موصولاً، فلعلَّ يحيى بن سعيد لمّا حدَّث به ابنَ عُبَينة ما كان يَتَذَكَّرِ وَصَلَه أو دَلَّسَه لسليمان بن بلال حين حدَّثه به موصولاً، وإنَّما سمعَ وَصْلَه من رَبيعة، فأسقَطَ رَبيعةَ(١). وقد أخرجه مسلم (١٧٢٢ / ٤و٥) من رواية سليمان بن بلال موصولاً أيضاً، ومن رواية حَمَّد بن سَلَمةَ (٦/١٧٢٢) عن يحيى بن سعيد ورَبيعة جميعاً عن يزيد عن زيد موصولاً. وهذا يقتضي أنَّه ◌َلَ إحدَى الرِّوايتَينِ على الأُخرَى(٢). وقد تقدَّم شرح حديث اللُّقَطة مُستَوفَى في بابها، وأراد المصنّف بذِكْره هاهنا الإشارةَ إلى أنَّ التَّصَرُّف في مال الغير إذا غابَ جائزٌ ما لم يكن المال ممّا لا يُخشَى ضَياعُه كما دَلَّ عليه التَّفصيلُ بين الإبل والغنم. وقال ابن المنيِّرِ: لمَّا تَعارَضَت الآثار في هذه المسألة وجَبَ الرُّجوع إلى الحديث المرفوع، فكان فيه أنَّ ضالّةَ الغَنم يجوز التَّصَرُّف فيها قبلَ تَحقُّق وَفاةٍ صاحبِها، فكان إلحاق المال المفقود بها مُتَّجِهاً. وفيه أنَّ ضالَّة الإبل لا يُتَعرَّض لها لاستقلالها بأمرِ نفسِها، فاقتَضَى أنَّ الَّوجة كذلك لا يُتَعرَّض لها حتَّى يَتَحقَّقِ خَبَرُ وفاتِهِ، فالضّابط أنَّ كلّ شيءٍ يُخْشَى ضَياعُه يجوز التَّصَرُّف فيه صَوناً له عن الضَّياع، وما لا فلا، وأكثرُ أهل العلم على أنَّ حُكمَ ضالَّةِ الغَنَم حُكمُ المال في وُجُوب تَعويضِه لصاحبه إذا حَضَرَ، والله أعلم. (١) ولا يمنع أن يكون يحيى بن سعيد قد رواه على الوجوه الثلاثة، فلما حدث به ابنَ عيينة وكان ذلك في حياة ربيعة، لم يكن يحيى بن سعيد جازماً بوصله مع أنه كان عنده موصولاً وإنما كان يرسله تورّعاً، ثم ما سمعه یحیی بن سعید من ربيعة ووصله له حصل لدیه الیقین بأنه عنده موصول بروايته عن یزید مولى المنبعث، فصار له ثلاث روايات: رواية عن يزيد مرسلة، وهي التي سمعها ابن عيينة، ورواية عن يزيد موصولة، وهي التي سمعها سليمان بن بلال وحماد بن سلمة، وثالثة موصولة لكن بواسطة ربيعة عن يزيد، والله أعلم. (٢) الاحتمالُ الذي ذكرناه في التعليق السابق أولى من القول بذلك، والله أعلم. ١٩٦ باب ٢٣ فتح الباري بشرح البخاري ٢٣ - باب الظِّھار وقولِ الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا ﴾ إلى قولِه: ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ١-٤] وقال لي إسماعيلُ: حَدَّثني مالكٌ، أَنَّه سألَ ابنَ شِهابٍ عن ظِهار العَبدِ فقال: نحوَ ظِهارِ الخُرِّ. قال مالكٌ: وصيامُ العَبدِ شَهْرانِ. وقال الحسنُ بنُ الحُرِّ: ظِهارُ الحُرِّ والعبدِ مِنَ الحُرّةِ والأَمَةِ سَواءٌ. وقال عِكْرمةُ: إن ظاهَرَ من أَمَتِهِ فليس بشيءٍ، إنَّما الظُّهَارُ منَ النِّساءِ. وفي العربيَّةِ ﴿لِمَا قَالُواْ﴾ [المجادلة: ٣]، أي: فيما قالوا، وفي نَقْضِ(١) ما قالوا. وهَذا أوْلَى لأنَّ اللهَ تعالى لم يدلَّ على المنْكَرِ وقولِ الزُّورِ. قوله: ((باب الظُّهار)) بكسرِ المعجَمة، هو قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كَظَهرِ أُمّي. وإنَّما خُصَّ الظَّهر بذلك دونَ سائر الأعضاء لأَنَّه مَحَلّ الرُّكوب غالباً، ولذلك سُمّيَ المركوب ظَهراً، ٤٣٣/٩ فشُبِّهَتِ الَّوجة بذلك لأنَّهَا مَرَكُوب الرَّجل(٣)، فلو/ أضافَ لغير الظَّهر - كالبطنِ مَثَلاً - كان ظهاراً على الأظهَر عند الشافعيّة. واختُلِفَ فيما إذا لم يُعِّن الأُمَّ كأن قال: كَظَهرِ أُختي مثلاً، فعن الشافعيِّ في القديم: لا يكون ظِهاراً، بل يَخْتَصّ بالأُمّ كما وَرَدَ في القرآن، وكذا في حديث خَولة التي ظاهَرَ منها أَوْس(٣). وقال في الجدید: یکون ظهاراً، وهو قول الجمهور. لكن اختَلَفوا فيمَن لم تَحُرُمْ على التَّأبيد: فقال الشافعيُّ: لا يكون ظِهاراً، وعن مالك: هو ظهار، وعن أحمد روایتان کالمذهبین، فلو قال: گظھرِ أَبي مثلاً، فلیس بظهار عند الجمهور، وعن أحمد رواية: أنَّ ظِهار، وطَرَدَه في كلّ مَن يَحِرُم عليه وَطْؤُه حتَّى في البَهيمة. (١) تحرّف في (س) إلى: بعض. وهذه وإن كانت رواية الأصيلي والكُشمِيهني إلا أن الحافظ قدّم ذكر الرواية التي بالنون والقاف. (٢) كذا في (س)، ووقع في الأصلين: للرَّجل. (٣) كما في رواية أحمد (٢٧٣١٩)، وابن حبان (٤٢٧٩). ١٩٧ باب ٢٣ كتاب الطلاق ويقع الظِّهار بكلِّ لفظ يدلّ على تَحريم الَّوجة لكن بشرطِ اقترانه بالنيّة، وتجبُ الكفَّارة على قائله كما قال الله تعالى، لكن بشرطِ العَوْد عند الجمهور وعند الثَّوريّ، ورُوي عن مجاهد: تَجب الكفَّارة بمُجرَّدِ الظِّهار. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤])) كذا لأبي ذرٍّ والأكثر، وساقَ في رواية كَرِيمة الآيات إلى الموضع المذكور، وهو قوله: ﴿فَإِطَّعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ١-٤]. واستُدِلَّ بقولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] على أنَّ الظِّهار حرام. وقد ذكر المصنّف في الباب آثاراً اقتَصَرَ على الآية وعليها، وكأنّه أشارَ بذِكْر الآية إلى الحديث المرفوع الوارد في سَبب ذلك، وقد ذكر بعضَ طُرقه تعليقاً في أوائل كتاب التّوحید من حديث عائشة، وسيأتي ذِكْره(١)، وفيه تَسمية المُظاهِرِ، وتَسميةُ المُجادِلة، وهي التي ظاهَرَ منها، وأنَّ الرَّاجح أنَّهَا خَولة بنت ثَعْلبة، وأنَّه أوَّل ظهار كان في الإسلام، كما أخرجه الطبرانيُّ (١١٦٨٩) وابن مَرْدويه من حديث ابن عبّاس قال: كان الظِّهار في الجاهليَّ يُرِّمُ النِّساء، فكان أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسلام أَوْسُ بنُ الصّامت، وكانت امرأته خَولة(٢)، الحديثَ. وقال الشافعيّ: سمعت مَن أرضَى من أهل العلم بالقرآن يقول: كان أهل الجاهليَّةُ يُطلِّقُونَ بثلاثٍ: الظِّهار والإيلاء والطَّلاق، فأقَرَّ الله الطَّلَاقَ طلاقاً، وحَكَمَ في الإيلاء والظُّهار بما بيَّن في القرآن. انتهى. وجاء من حديث خَولة بنت ثَعْلبة نفسِها عند أبي داود (٢٢١٤) قالت: ظاهَرَ منِّي زوجي أوس بن الصّامت، فجِئتُ رسول الله وَلاَ أَشكُو إليه، الحديثَ. وأخرج أصحاب ((السُّنَن)) من (١) قبل الحديث رقم (٧٣٨٦). (٢) في إسناده أبو حمزة الثمالي، واسمه ثابت بن أبي صفية، وهو ضعيف. وقد ضعّف الحافظُ هذه الرواية في ((التلخيص الحبير» ٢٢١/٣. ١٩٨ باب ٢٣ فتح الباري بشرح البخاري حديث سَلَمَةَ بن صخر: أنَّه ظاهَرَ من امرأته، وقد تقدَّمَت الإشارة إلى حديثه في كتاب الصِّيام في قصَّة المُجامِع في رمضان (١٩٣٦)، وأنَّ الأصحّ أنَّ قِصَّته كانت تَهاراً. ولأبي داود (٢٢٢٣) والتِّرمِذيّ (١١٩٩) من حديث ابن عبّاس: أنَّ رجلاً ظاهَرَ من امرأته، فَوَقَعَ عليها قبلَ أن يُكفِّر، فقال له النبيُّ وَّةِ: «فاعتَزِلْها حتَّى تُكفِّرَ عنك))، وفي رواية أبي داود: ((فلا تَقرَبْها حتَّى تَفعَل ما أمَرَك الله))(١). وأسانيد هذه الأحاديث حسان. وحُكم كفَّارة الظُّهار منصوصٌ بالقرآن، واختَلَفَ السَّلَف في أحكامه في مواضع ألَمَّ البخاريّ ببعضِها في الآثار التي أورَدَها في الباب، واستَدَلَّ بآية الظِّهار وبآية اللِّعان على القول بالعُمومِ ولو وَرَدَ في سببٍ خاصّ، واتَّفَقوا على دخول السَّبَب، وأنَّ أَوْس بن الصّامت شَمِلَه حُكم الظِّهار. لكن استَشكَلَه السُّبكيّ من جهة تَقدُّم السَّبَب وتأُّر التُّزول، فكيفَ يَنْعَطِفِ على ما مَضَى معَ أنَّ الآية لا تَشْمَل إلّا مَن وُجِدَ منه الظِّهار بعد نزولها، لأنَّ الفاء في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] تدلّ على أنَّ المبتدَأْ تَضَمَّنَ معنى الشَّرْطِ، والخبرَ تَضَمَّنَ معنى الجزاء، ومعنى الشَّرط مُستَقَبَل، وأجابَ عنه بأنَّ دخول الفاء في الخبر يستدعي العُموم في كلّ مُظاهِرٍ، وذلك يَشمَل الحاضر والمستَقبَل، قال: وأمَّا دلالة الفاء على الاختصاص بالمستقبَلِ ففيه نظرٌ. كذا قال، ويُمكِن أن يُحتَجَّ للإلحاق بالإجماعِ. قوله: ((وقال لي إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس: كذا للأكثر، ووَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ: وقال إسماعيل، بدون حرف الجرّ، والأوَّل أَولى، وهو موصول، فعند جماعة أنَّه يَستَعمِلُ هذه الصّيغة فيما تَحمَّلَه عن شيوخه مُذاكَرَةً، والذي ظَهَرَ لي بالاستقراءِ أَنَّ إِنَّمَا يَستَعمِلُ ذلك فيما ٤٣٤/٩ يُورِده/ موصولاً من الموقوفات، أو ممّا لا يكون من المرفوعات على شرطه، وقد أخرجه أبو نُعَيم في (المستخرَج)) من طريق القَعنبيّ عن مالكِ: أنَّه سألَ ابن شِهاب، فذَكَر مِثْلَه وزاد: وهو عليه واجب . (١) الصحیح أنَّ هذا وقع في رواية الترمذي (١١٩٩) دون رواية أبي داود. ١٩٩ باب ٢٣ كتاب الطلاق قوله: «قال مالك» هو موصولٌ بالإسناد المذكور. قوله: ((وصيام العبد شَهْران)) يحتمل أن يكون ابنُ شِهاب الذي نَقَلَ مالكٌ عنه أنَّ ظهار العَبد نحو ظِهار الحُرّ كانَ يُعطِي العَبد في ذلك جميع أحكام الحُرّ، ويحتمل أن يكون أراد بالتَّشبيه مُطلَقَ صِحّة الظُّهار من العَبد كما يَصِحّ من الحُرّ، ولا يَلزَم أن يُعطى جمیعَ أحكامه. لكن نَقَلَ ابن بَطّالِ الإجماعَ على أنَّ العَبد إذا ظاهَرَ لَزِمَه، وأنَّ كَفَّارَته بالصيام شهرانِ كالحُرِّ، نعم اختَلَفوا في الإطعام والعِتق، فقال الكوفّونَ والشافعيُّ: لا يُحِزِئه إلّا الصيام فقط، وقال ابن القاسم عن مالكٍ: إن أَطعَمَ بإذنِ مَولاه أَجزاَه. وما ادَّعاه من الإجماع مردودٌ فقد نَقَلَ الشَّيخُ الموَفَّقُ في ((المغني)) عن بعضهم: أنَّه لا يَصِحّ ظِهار العَبد لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ﴾ والعَبدُ لا يَملِك الرِّقاب، وتَعقَّبَه بأنَّ تحرير الرَّقَبَة إنَّما هو على مَن يَجِدِها، فكان كالمُعسِرِ فَفَرضُه الصِّيامُ. وأمَّا ما ذكره من قَدْر صيامه فقد أخرج عبد الرَّزّاق (١٣١٨١) عن مَعمَر عن قَتَادة عن إبراهيم: لو صامَ شهراً أَجزاً عنه. وعن الحسن (١٣١٨١): يصوم شهرَينٍ، وعن ابن جُرَيج (١٣١٩١) عن عطاء في رجل ظاهَرَ من زوجةٍ أَمَةٍ قال: شَطْر الصَّوم. قوله: ((وقال الحسن بن الحُرّ)) كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي: الحسن بن حَيّ. وفي رواية: وقال الحسن، فقط. فأمَّا الحسنُ بن الحُرّ، فهو بضمِّ المهمَلة وتشديد الرَّاء، ابن الحَكَم النَّخَعيُّ الكوفيّ نَزِيل دِمَشق، ثقة عندهم، وليس له في البخاريّ ذِكْرٌ إلّا في هذا الموضع إِن ثَبَتَ ذلك. وأمَّا الحسن بن حَيّ، فبفتح المهمَلة وتشديد التَّحتانيَّة، نُسِبَ لجدِّ أبيه: وهو الحسن بن صالح بن صالح بن حَيّ - واسمُ حَيٍّ: حَيّانُ - كوفيّ ثقة فقيهٌ عابد من طبقة سفيان الثَّوريّ، وقد تقدَّم ذِكْر أبيه في أوائل هذا الكتاب(١)، وقد أخرج الطّحاويُّ في كتاب ((اختلاف العلماء)) هذا (١) أثناء شرح الحديث (٩٠). ٢٠٠ باب ٢٣ فتح الباري بشرح البخاري الأثر عن الحسن بن حَيّ، وأخرج سعيد بن منصور (١٨٥٤) بسندٍ صحيح عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: الظِّهار من الأَمَة كالظِّهار من الحُرّة. وقد وَقَعَ لنا الكلامُ المذكور من قول الحسن البصريّ، وذلك فيما أخرجه ابن الأعرابيّ في ((مُعجَمه)) (٢٢٢١) من طريق همَّامٍ: سُئلَ فَتَادةُ عن رجل ظاهَرَ من سُرِّيَّته، فقال: قال الحسن وابن المسيّب وعطاءٌ وسليمان بن يسار: مِثل ظِهار الحُرّة. وهو قول الفقهاء السَّبعة، وبه قال مالكٌ ورَبيعة والثَّورِيُّ واللَّيث، واحتَجّوا بأنَّه فَرْجٌ حلالٌ فيَحرُمُ بالتَّحريمِ. وأخرج سعيد بن منصور (١٨٥٥) بسندٍ صحيح عن الحسن: إنْ وَطِئَها فهو ظِهار، وإن لم يكن وَطِئَها فلا ظِهارَ عليه. وهو قول الأوزاعيِّ. قوله: ((وقال عِكْرمة: إن ظاهر من أَمَته فليس بشيءٍ، إِنَّما الظُّهار من النِّساء)) وَصَلَه إسماعيل القاضي بسندٍ لا بأس به، وجاء أيضاً عن مجاهد مِثلُه، أخرجه سعيد بن منصور (١٨٥٣) من رواية داود بن أبي هند: سألت مجاهداً عن الظِّهار من الأَمَةِ، فكأنَّه لم يَرَه شيئاً، فقلت: أَليسَ الله يقول: ﴿مِّنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، أفَليسَت من النِّساء؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أوَليسَ العَبيد من الرِّجال؟ أَفَتَجوز شهاده العبيد؟ وقد جاء عن عِكْرمة خلافُه، قال عبد الرَّزّاق (١١٥٩٠): أخبرنا(١) ابن جُرَيج، أخبرني الحَكَم بن أَبانَ عن عِكْرمة مولى ابن عبَّاس قال: يُكَفَّرُ عن ظِهار الأَمَةِ مِثلُ كفَّارة الحُرّة. ويقولِ عِكْرمة الأوَّلِ قال الكوفيُّونَ والشافعيّ والجمهور، واحتَجّوا بقوله تعالى: ﴿مِّن نِسَآَبِهِمْ﴾، وليستِ الأَمَّةُ من النِّساء، واحتَجُّوا أيضاً بقولِ ابن عبّاس: إنَّ الظِّهار كان طلاقاً ثمَّ أُحِلّ بالكفَّارة، فكما لا حَظّ للأَّمَة في الطَّلاق لا حَظَّ لها في الظُّهار، ويحتمل أن يكون المنقول عن عكرمة في الأَمَة المزوَّجة، فلا یکون بین قولیه اختلاف. (١) كذا وقع في الأصول و(س) بصيغة الإخبار، مع أن الذي في مطبوع ((المصنف) بالعنعنة، وكذلك وقع في ((تغليق التعليق» ٤/ ٤٧١ بصيغة العنعنة !!