النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ باب ١٥ / ح ٥٢٨٢ كتاب الطلاق كان عبداً، وإثبات الخيار لها لا يدلّ، لأنَّ المخالف يَدَّعي أن لا فرق في ذلك بين الحُرِّ والعَبد. والجواب: أنَّ البخاريَّ جَرَى على عادته من الإشارة إلى ما في بعض طُرق الحديث الذي يُورِده، ولا شَكَّ أنَّ قِصَّة بَريرة لم تَتَعَدَّد، وقد رَجَحَ عنده أنَّ زوجها كان عبداً، فلذلك جَزَمَ به. واقتَضَتِ التَّرجمةُ بطريق المفهوم أنَّ الأَمَة إذا كانت تحت حُرِّ فعَتَقَت لم يكن لها خِيارٌ، وقد اختَلَفَ العلماء في ذلك: فذهب الجمهور إلى ذلك، وذهب الكُوفُّونَ إلى إثبات الخِیار لمَن عَتَقَت، سواءً كانت تحت حُرٍّ أم عبدٍ، وَمَسَّكوا بحديثِ الأسوَد بن يزيد عن عائشة: أنَّ زوج بَريرة كان حُرّاً(١)، وقد اختُلِفَ فيه على راويهِ، هل هو من قول الأسوَد أو رواه عن عائشة، أو هو قول غيره كما سأُبيِّنُه(٢)، قال إبراهيم بن أبي طالب، أحد حُفّاظ الحديث وهو من أقران مسلمٍ، فيما أخرجه البيهقيُّ عنه: خالَفَ الأسوَد الناسَ في زوج بَريرة. وقال الإمام أحمد: إنَّما يَصِحُّ أنَّه كان حُرّاً عن الأسوَد وحدَه، وما جاء عن غيره فليس بذاكَ، وصَحَّ عن ابن عبّاس وغيره: أنَّه كان عبداً، ورواه عُلَماء المدينة، وإذا روى عُلَماء المدينة شيئاً وعَمِلوا به فهو أصحُ شيء، وإذا عَتَقَت الأَمة تحت الحُرّ فِعَقْدُها المتَّفَق على صِحَّته لا يُفسَخ بأمرٍ مُتَلَف فيه. انتهى، وسيأتي مزيدٌ هذا بعد بابينٍ. وحاوَلَ بعض الحنفيَّة تَرجيحَ رواية مَن قال: كان حُرّاً على رواية مَن قال: كان عبداً، فقال: الرِّقّ تَعقُبُه الحُرّيَّةُ بلا عكسٍ. وهو كما قال، لكنَّ مَحَلّ طريق الجمع إذا تَساوَت الرِّوايات في القوّة، أمَّا معَ التَّفَرُّد في مُقَابَلة الاجتماع فتكون الرِّواية المنفَرِدة شاذّة، والشّاذُ مَردودٌ، ولهذا لم يَعتَبر الجمهور طريق الجمع بين الرِّوايتَينِ معَ قولهم: إنَّه لا يُصار إلى التَّرجيح معَ إمكان الجمع، والذي يَتَحَصَّل من كلام مُحُقِّقيهم وقد أكثر منه الشافعيُّ ومَن تَبعَه: أنَّ مَحَلّ (١) سيأتي برقم (٦٧٥٤). (٢) عند شرح الحديث (٥٢٨٤). ١٤٢ باب ١٥ / ح ٥٢٨٢ فتح الباري بشرح البخاري الجمع إذا لم يظهر الغَلَط في إحدَى الرِّوايتَين، ومنهم مَن شَرَطَ الَّساوي في القوّة. قال ابن بَطّالٍ: أجمَعَ العلماء أنَّ الأَمَة إذا عَتَّقَت تحتَ عبدٍ فإنَّ لها الخيارُ، والمعنى فيه ظاهر لأَنَّ العَبد غير مُكافئ للحُرّة في أكثر الأحكام، فإذا عَتَقَت ثَبَتَ لها الخيارُ من البقاء في عصمته أو المفارقة، لأنَّها في وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار، واحتَجَّ مَن قال: إنَّ لها الخِيارَ ولو كانت تحت حُرّ: بأنَّها عند التَّزويج لم يكن لها رأيٌّ، لاتَّفاقهم على أنَّ لِمَولاها أن يُزوّجها بغير رِضاها، فإذا عَتَقَت ◌َجدَّدَ لها حالٌ لم يكن قبلَ ذلك. وعارَضَهم الآخرونَ بأنَّ ذلك لو كان مُؤَثِّراً لَثَبَتَ الخِيار للِكْرِ إذا زَوَّجَها أبوها ثمَّ بَلَغَت رَشيدةً، وليس كذلك، فكذلك الأَمة تحت الحُرّ فإنَّه لم يَحدُث لها بالعِقِ حالٌ تَرتَفِع به عن ٤٠٨/٩ الحُرّ، / فكانت كالكتابيَّة تُسلمٌ تحت المسلم. واختُلِفَ في التي تَختار الفِراق، هل يكون ذلك طلاقاً أو فَسخاً؟ فقال مالكٌ والأوزاعيُّ واللَّيث: تكون طَلقةً بائنةً، وثَبتَ مِثلُه عن الحسن وابن سِيرِين، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٥/ ٩٧)، وقال الباقونَ: يكون فَسخاً لا طلاقاً. قوله: ((عن ابن عبّاس قال: رأيتُه عبداً، يعني: زوج بريرة)» هكذا أورَدَه مختصراً من هذا الوجه، وهو لفظ شُعْبة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق مُرَبَّع(١) عن أبي الوليد شيخِ البخاريِّ فيه عن شُعْبة وحدَه، وزاد الإسماعيليُّ من طريق عبد الصَّمَد عن شُعْبة: رأيتُه يبكي. وفي رواية له: لقد رأيتُهُ يَتْبَعُها. وأمَّا لفظ همَّامٍ فأخرجه أبو داود (٢٢٣٢) من طريق عَفّانَ عنه بلفظ: أنَّ زوج بَريرة كان عبداً أسوَدَ يُسَمَّى مُغيئاً، فخَيَّرَها النبيُّ وَّةِ، وأمَرَها أن تَعَتَدَّ. وساقَه أحمد عن عَفّانَ عن هَمَّام مُطوَّلاً، وفيه: أنَّها تَعتَدّ عِدّة الحُرّة (٢). (١) الضبط من (أ)، وكذلك ضبطه الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) ٢٠٢٢/٤، وابن ماكولا في ((الإكمال)) ٧/ ١٨١، وهو لقب الحافظ محمد بن إبراهيم الأنماطي، ترجم له الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٣٨٨/١. (٢) إنما ذكره أحمد باللفظ المذكور (٣٤٠٥) عن بهز - وهو ابن أسد العَمِّي - عن همّام، ولفظه: قال همّام مرَّة: عدَّة الحُرَّة. وأما رواية عفان عنده (٢٥٤٢) فبلفظ: فأمرها أن تعتد. ١٤٣ باب ١٦ / ح ٥٢٨٣ كتاب الطلاق ثمّ أورد البخاريُّ الحدیث من وجھینٍ عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال في أحدهما: ذاكَ مُغِيثٌ عبدُ بني فلان، يعني: زوجَ بَريرة، وفي الأُخرى: كان زوج بَريرة عبداً أسوَد يقال له: مُغيثٌ. وهكذا جاء من غير وجه أنَّ اسمَه مُغيثٌ، وضُبطَ في البخاريِّ بضمِ أوَّله وكسر المعجَمة ثمَّ تحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُثَلَّثة، ووَقَعَ عند العسكريِّ بفتح المهمَلة وتشديد التَّحتانيَّةُ(١) وآخره موخَّدة، والأوَّل أثبَتُ وبه جَزَمَ ابن ماكولا وغيره. ووَقَعَ عند المُستَغفِرِيِّ في ((الصَّحابة)) من طريق محمَّد بن عَجْلان، عن يحيى بن عُرْوة، عن عُرْوة، عن عائشة في قصَّة بَريرة: أنَّ اسم زوج بَريرة مِقْسَم. وما أظنُّه إلّا تَصحيفاً. قوله: ((عبداً لبني فلان)) عند التِّرمِذيّ (١١٥٦) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن أيوب: كان عبداً أسود لبني المغيرة. وفي رواية هُشَيم عند سعيد بن منصور (١٢٥٧): وكان عبداً لآلِ المغيرة من بني مخزوم. ووَقَعَ في ((المعرفة)) لابنِ مَندَهْ: مُغيث مولى [أبي] (٢) أحمد بن جَحش، ثمَّ ساقَ الحديث من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة مِثل ما وَقَعَ في التُّرمِذيّ، لكن عند أبي داود (٢٢٣٦) بسندٍ فيه ابن إسحاق: وهيَ عند مُغيث، عبدٍ لآلِ أبي أحمد. وقال ابن عبد البَرّ: مولى بني مُطيع. والأوَّل أثبَتُ لصِحّة إسناده، ويَبعُدُ الجمع لأنَّ بني المغيرة من آل مخزوم كما في روایة هُشَیم، وبني جَحش من أسَد بن خُزَيمةَ، وبني مُطيع من آل عَديّ بن كعب، ويُمكِن أن يُدَّعَى أَنَّه كان مُشْتَرَكاً بينهم على بُعدِهِ، أو انتَقَلَ. ١٦ - باب شفاعة النبيِّ وَّ في زوج بَرِيرةَ ٥٢٨٣ - حدَّثْني محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الوهّاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ زوجَ بَرِيرةَ كان عبداً يقال له: مُغِيثٌ، كأنِّي أنظُرُ إليه يَطُوفُ خَلْفَها بَيْكي ودُموعُه تَسِيلُ (١) كذا قال الحافظ، وهو سبق قلم منه رحمه الله، صوابه أن يقول: وتشديد المثناة، يعني: مُعتِّب، وقد نقله عن العسكري على الصواب العينيُّ في ((العمدة)) ٢٢٢/٤. (٢) ما بين معقوفين سقط من الأصول و(س)، واستدركناه من ((الإصابة)) للحافظ ١٩٦/٦، ومن غيره من مصادر ترجمته. وأبو أحمد بن جحش اسمه عبْد، وقيل: عبد الله. ١٤٤ باب ١٦ / ح ٥٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري على لِحْيَتِه، فقال النبيُّ ◌َّ لِعِبَّاسِ: ((يا عبَّاسُ، أَلا تَعْجَبُ من حُبِّ مُغِيثٍ بَرِیرةَ، ومن بُغْضِ بَرِيرةَ مُغِيثاً؟!)) فقال النبيُّ نَّ (لو راجَعْتِهِ)) قالت: يا رسولَ الله، تَأْمُرُني؟ قال: ((إنَّما أنا أَشْفَعُ)) قالت: فلا حاجةً لي فيهِ. قوله: ((باب شفاعة النبيِّوَ ﴿ في زوج بَريرة)) أي: عند بَريرة لِتَرجِعَ إلى عِصمته. قال ابن المنيِّرِ: مَوقِع هذه التَرجمة من الفقه تسويغ الشَّفاعة للحاكم عند الخصم في خَصمه: أن يَحُطَّ عنه أو يُسقِطَ ونحو ذلك. وتُعقِّبَ بأنَّ قصَّة بَريرة لم تقع الشَّفاعةُ فيها عند التَّرافُع، وفيه نظرٌ، لأنَّ ظاهر حديث الباب أنَّه بعدَ الحُكم، لكن لم يُصرَّح بالتَّرافُع، إذ ... (١) رُؤيةُ ابن عبّاس لزوجِها يبكي، وقولُ النبيِّ وَّه للعبّاسِ(٢)، وبعدَه: ((لو راجَعْتِه)) فيحتمل أن يكون القول عند التَّرافُع لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيبَ. قوله: ((حدَّثني محمَّد)) هو ابن سَلَامٍ على ما بَّنت في المقدِّمة، وقد أخرجه النَّسائيُّ (٥٤١٧) ٤٠٩/٩ عن محمّد بن بشَّار، وابن/ ماجَهْ (٢٠٧٥) عن محمَّد بن المثنَّى ومحمَّد بن خَلّاد الباهليّ قالوا: حدَّثنا عبد الوهّابِ الثَّقْفيّ. وابنُ بشّار وابنُ المثنَّى من شيوخ البخاريِّ، فيحتمل أن يكون المراد أحدَهما. (١) كذا وقع بعد ((إذ)) بياضٌ في (أ)، وأُوصِلُ الكلام في (ب) و(ع)، فحصل تشويش في ترتيبه وسياقه، إذ لا تعلّق واضح بين هذه الأحداث المذكورة في حديث ابن عباس وبين تقرير احتمال كون قول النبي وَلّ لبريرة كان عند الترافع، فالظاهر أن الحافظ أراد أن يقول كلاماً ثم ذهل عنه فبقي موضعه بياضاً، وكأنه أراد أن يشير إلى رواية هشيم عن خالد الحذاء عند سعيد بن منصور (١٢٥٧) وأحمد (١٨٤٤) حيث وقع فيها أن العباس هو من كلَّم النبي وَ له في شأنها وشأن مغيث وفيها أيضاً تأخير قول النبي وَّل للعباس في تعجبه، وأما قوله في آخر الفقرة: أن الواو لا تقتضي الترتيب، فصحیح، لکن أین ذکر الواو في الخبر، إنما فيه الفاء في وله: فقال النبي وَ لّ في موضعين، وإذا كان الحافظ أراد بيان المغايرة بين رواية عبد الوهاب وبين رواية هشيم في الترتيب ناسب ذلك ذكرَ عدم اقتضاء إلغاء في هذه الرواية للترتيب والقول باحتمال كون النبي وسي كان عند الترافع، والله أعلم. (٢) كذا في (ع) على الصواب، ووقع في (أ) و (ب) و(س): وقول العبّاسِ. فالقول للنبيِّ ◌َّل كما في حديث الباب وليس للعبّاس ﴾. ١٤٥ باب ١٦ / خ ٥٢٨٣ كتاب الطلاق قوله: ((حدَّثنا عبد الوهَّابِ)) هو ابن عبد المجيد الثَّقفيُّ، وخالدٌ شيخُه: هو الحَذّاء، وقد سَبَقَ في الباب الذي قبله (٥٢٨٢) عن قُتَيبة عن عبد الوهّاب - وهو الثَّقفيّ هذا - عن أيوب، فكأنَّ له فيه شيخَينٍ، لكنَّ رواية خالدِ الحَذّاء أتمُّ سياقاً كما تَرَى، وطريق أيوب أخرَجها الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن الوليد البُشْريِّ(١) عن عبد الوهّاب الثَّقفيِّ، وطريق خالدٍ أخرجها من طريق أحمد بن إبراهيم الدَّورَقيّ عن الثَّقفيّ أيضاً، وساقَه عنهما نحوَ ما وَقَعَ عند البخاريِّ. قوله: «یطوف خلفها یبکي» في روایة وُهَیب عن أيوبَ في الباب الذي قبله (٥٢٨١): يَتْبَعها في ◌ِكَك المدينة يبكي عليها. والسِّكَك، بكسرِ المهمَلة وفتح الكاف: جمعُ سِكّة، وهي الطُّرق، ووَقَعَ في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة(٢): في طرق المدينة ونواحيها، وأنَّ دُموعه تَسِيل على لحيته يَتَرَضّاها لتَخْتَارَه فلم تَفْعَل. وهذا ظاهرُه أنَّ سؤاله لها كان قبل الفُرقة، وظاهرُ قول النبيِّ ◌َ ﴿ في رواية الباب: «لو راجَعْتِه)) أنَّ ذلك كان بعد الفُرقة، وبه جَزَمَ ابن بَطّالٍ فقال: لو كان قبل الفُرقة لَقال: لو اختَرتِه، قلت: ويحتمل أن يكون وَقَعَ له ذلك قبلُ وبعدُ. وقد تَسَّكَ برواية سعيد مَن لم يَشتَرِطِ الفَوْرَ في الخيار هنا، وسيأتي البحث فيه بعدُ. قوله: (يا عبَّاسُ)) هو ابن عبد المطَّلِب والد راوي الحديث، وتقدَّم ما فيه، وفي رواية ابن ماجَهْ (٢٠٧٥): فقال النبيُّ وَ ◌ّرِ للعبَّاس: ((يا عبَّاسُ)) وعند سعيد بن منصور (١٢٥٧) عن هُشَيم قال: أخبرنا خالد، هو الحَذّاء بسندِهِ: أنَّ العبّاس كان كَلَّمَ النبيَّ ◌َّهِ أن يَطلُب إليها في ذلك، وفيه دلالة على أنَّ قصَّة بَريرة كانت مُتأخِّرةً في السَّنة التاسعة أو العاشرة، لأنَّ العَّاس إِنَّمَا سَكَنَ المدينة بعدَ رُجوعهم من غزوة الطائف، وكان ذلك في أواخر سنة ثمانٍ، ويُؤيِّده أيضاً قولُ ابن عبّاس: إنَّه شاهَدَ ذلك، وهو إنَّا قَدِمَ المدينة معَ أَبَوَيه. ويُؤْيِّد تأخّر قِصَّتها أيضاً - بخلاف قول مَن زَعَمَ أنَّها كانت قبل الإفك - أنَّ عائشة في ذلك الزَّمان كانت صغيرة، فيَبعُد وُقوعُ تلكَ الأُمور والمراجَعة والمسارعة إلى الشِّراء والعِتق (١) كذا في الأصول بالسِّين، ووقع في (س): ((البصري)) بالصاد، وهو صحيح أيضاً، لأنه كان بالبصرة. (٢) عند الترمذي برقم (١١٥٦). ١٤٦ باب ١٦ / ح ٥٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري منها يومَئذٍ، وأيضاً فقول عائشة: إن شاءَ مَوالِيكِ أن أَعُدَّها لهم عَدّةً واحدةً (١)، فيه إشارة إلى وقوع ذلك في آخر الأمر، لأنَهم كانوا في أوَّل الأمر في غاية الصِّيق ثمَّ حَصَلَ لهم التوسُّع بعد الفتح. وفي كلّ ذلك رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ قِصَّتها كانت مُتَقَدِّمة قبلَ قصَّة الإفك، وحَمَلَه على ذلك وقوعُ ذِكْرِها (٢) في حديث الإفك، وقد قَدَّمت الجواب عن ذلك هُناكَ. ثمَّ رأيت الشَّيخ تَقيَّ الدّين السُّبكيَّ(٣) استَشكَلَ القصَّة، ثمَّ جَوَّزَ أنَّها كانت تَّخْدُم عائشة قبلَ شِرائها، أو اشتَرَتها وأخَّرَت عِتقَها إلى بعدِ الفتح، أو دامَ حُزْن زوجها عليها مُدّة طويلة، أو كان حَصَلَ الفَسْخُ وطلبَ أن تَرُدّه بعَقدٍ جَديد، أو كانت لعائشة ثمَّ باعَتها ثُمَّ استَعادتها بعد الكتابة. انتهى، وأقوى الاحتمالاتِ الأوَّلُ كما تَرَى. قوله: (لو راجَعْتِهِ)) كذا في الأُصول بمُثنّةٍ واحدة، ووَقَعَ في رواية ابن ماجَهْ (٢٠٧٥): (لو راجَعِتِيهِ)) بإثبات تحتانيَّة ساكنة بعد المثنّاة وهي لُغة قليلة(٤)، وزاد ابن ماجَهْ: ((فإنَّه أبو وَلَدك) وظاهره أنَّه كان له منها ولدٌ. قوله: ((تَأْمُرني)) زاد الإسماعيليّ: قال: ((لا)). وفيه إشعارٌ بأنَّ الأمر لا يَنحَصِر في صيغة ((افعَل))، لأنَّه خاطَبَها بقولِه: ((لو راجَعْتِهِ)) فقالت: أَتأمُرُني؟ أي: أتريد بهذا القولِ الأمرَ فيَجِبَ عليَّ؟ وعند ابن سعد (٢٥٩/٨) من مُرسَل ابن سِيرِين بسندٍ صحيح: فقالت: يا رسول الله، أَشيءٌ واجبٌ عليَّ؟ قال: ((لا)). (١) سلف برقم (٢٥٦٣) من طريق عروة عنها، لكن بلفظ: إنَّ أحَبَّ أهلُكِ .. ، وأمّا لفظة: ((مواليك)) فقد وقعت عند البيهقي في ((الكبرى)) ١٠/ ٣٣٧ من طريق عمرة عنها. (٢) يعني ذكر بريرة. (٣) المثبت من (ع) و(س)، وكذا نقله القسطلاني في ((الإرشاد)) عن السبكي، وفي (أ) و(ب): الحصني، بدل: السبكي، ولم تجرِ عادة الحافظ بالنقل عن تقي الدين الحِصني، بخلاف السبكي فقد أكثر من نقل تقريراته، فذِكْر الحصني وهمٌّ، والله أعلم. (٤) كذا في الأصول، وفي (س): لغة ضعيفة، وهو ما نقله العيني عن الحافظ معترضاً عليه، وقال الحافظ في كتابه: ((انتقاض الاعتراض)) ٢/ ٤٥٣: هو لغة ضعيفة وقليلة ... ولم يصح في الرواية، ولولا ذلك لوجب ترجيحها على غيرها. ١٤٧ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ كتاب الطلاق قوله: ((قال: إنَّما أنا أشفَع)) في رواية ابن ماجَهْ: ((إنَّما أشفَع)) أي: أقول ذلك على سبيل الشَّفاعة له لا على سبيل الخَتْم عليك. قوله: ((فلا حاجةً لي فيه)) أي: فإذا لم تُلزِمْني بذلك لا أختارُ العَوْدَ إليه. وقد وَقَعَ في الباب الذي بعده(١): لو أعطاني كذا وكذا ما كنت عنده. ١٧ - بابٌ ٥٢٨٤- حدّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ، أخبَرَنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ: أنَّ عائشةَ أرادتْ أن تَشْتَرِيَ بَرِيرةَ، فأبَى مَواليها إلّا أن يَشْتَرِطُوا الوَلاءَ، فَذَكَرَتْ ذلكَ لِلنبيِّ وَه فقال: ((اشتَرِيها وأَعْتِقِيها، فإِنَّمَا الولاءُ لمَن أعتَقَ)). وأَّتِيَ النبيُّ ◌ََّ بَلَحْم فِقِيلَ: إنَّ هذا ما تُصُدِّقَ به على بَرِيرةَ، فقال: ((هو لها صَدَقٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، وزادَ: فخُيِّرَت من زوجِها. قوله: ((بابٌ)) كذا لهم بغير ترجمة، وهو من مُتَعلَّقات ما قبله، وأورَدَ فيه قصَّة بَريرة عن ٤١٠/٩ عبد الله بن رَجاء عن شُعْبة عن الحَكَم - وهو ابنُ عُتَية، بمُثنّاةٍ وموخَّدة مُصغَّر - عن إبراهيم - وهو النَّخَعيُّ - عن الأسوَد - وهو ابن يزيد -: أنَّ عائشة أرادت أن تَشتَريَ بَريرة، فساقَ القصَّة مختصرة، وصُورة سياقه الإرسالُ، لكن أورَدَه في كفَّارات الأيمان مختصراً (٦٧١٧) عن سليمان بن حَرْب عن شُعْبة فقال فيه: عن الأسوَد عن عائشة. وكذا أورَدَه في الفرائض (٦٧٥١) عن حفص بن عمر عن شُعْبة(٢)، وزاد في آخره: قال الحكم: وكان زوجها حُرّاً. ثمَّ أورَدَه بعده (٦٧٥٤) من طريق منصور عن إبراهيم عن الأسوَدِ: أنَّ عائشة، فساقَ نحوَ سياق الباب، وزاد فيه: وخُيِّرَت فاختارَت نفسَها، وقالت: لو أُعطيت كذا وكذا ما كنت معه. قال الأسوَد: وكان زوجُها حُرّاً. قال البخاريّ: قول الأسوَد مُنقَطِع، وقول ابنِ عبَّاس: (١) لم يَرِدْ ذلك في الباب الذي بعده، وإنما جاء في موضعين آخرين من ((الصحيح)): الأول تقدم في كتاب العتق برقم (٢٥٣٦)، والثاني سيأتي في الفرائض برقم (٦٧٥٨). (٢) قلنا: وكأنَّ إيراد البخاري لطريق آدم بإثره فيه إشارة إلى تقرير اتصاله، لأنه أورد طريق آدم في الزكاة (١٤٩٣) فقال فيها: عن الأسود عن عائشة. ١٤٨ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري رأيتُه عبداً، أصحّ. وقال في الذي قبله في قول الحكم نحوَ ذلك. وقد أورَدَ البخاريُّ عَقِب رواية عبد الله بن رجاء هذه عن آدم عن شُعْبة، ولم يَسُق لفظَه، لكن قال: وزادَ: فخُيِّرَت من زوجها. وقد أورَدَه في الزكاة (١٤٩٣) عن آدم بهذا الإسناد، فلم يَذكُر هذه الزّيادة، وقد أخرجه البيهقيُّ (٧/ ٢٢٤) من وجه آخر عن آدم شيخ البخاريِّ فيه فجَعَلَ الزّيادة من قول إبراهيمَ، ولفظُه في آخره: قال الحَكَم: قال إبراهيم: وكان زوجها حُرّاً، فخُيِّرَت من زوجها. فظَهَرَ أنَّ هذه الزيادة مُدَرَجَةٌ، وحَذَفَها في الزكاة لذلك، وإنَّما أورَدَها هنا مُشيراً إلى أنَّ أصل التَّخيير في قصَّة بَريرة ثابتٌ من طريق أُخرى. وقد قال الدّارَ قُطنيُّ في ((العِلَل)): لم يُخْتَلَف على عُرْوة عن عائشة: أنَّه كان عبداً، وكذا قال جعفر بن محمّد بن عليّ، عن أبيه، عن عائشة، وأبو الأسوَد وأُسامة بن زيد (١) عن القاسم. قلت: وَقَعَ لبعضِ الرُّواة فيه غَلَط، فأخرج قاسم بن أصبَغ في ((مُصنَّفْه)) وابن حَزْم من طريقه (٢) قال: أخبرنا أحمد بن يزيد المعلِّم، حدَّثنا موسى بن معاوية، عن جَرِير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كان زوج بَريرة حُرّاً. وهذا وَهْمٌ من موسى أو من أحمد، فإنَّ الحُفّاظ من أصحاب هشام ومن أصحاب جَرِیر قالوا: کان عبداً، منهم إسحاق بن راهويه وحديثه عند النَّسائيِّ (٣٤٥٢)، وعثمان بن أبي شَيْبة وحديثه عند أبي داود (٢٢٣٣)، وعليُّ بن حُجْر وحديثه عند التِّرمِذيّ (١١٥٤)، وأصله عند مسلم (٩/١٥٠٤) وأحالَ به على رواية أبي أُسامة عن هشام وفيها: أنَّه كان عبداً. قال الدّارَ قُطنيُّ: وكذا قال أبو معاوية عن هشام بن عُرْوة، عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه. قلت: ورواه شُعْبة عن عبد الرَّحمن فقال: كان حُرّاً. ثمَّ رَجَعَ عبد الرّحمن فقال: ما أدري، وقد تقدَّم في العِتق(٣). (١) رواية أبي الأسود عن القاسم أخرجها الطبراني في «الأوسط)) (٨٦٢٩) و(٨٩٦٧)، وأما رواية أسامة بن زيد فتقدم تخريج الحافظ لها عند شرح الحديث (٥٢٧٩). (٢) في ((المحلّ)) ١٠/ ١٥٥. (٣) الرواية التي في العتق (٢٥٧٨) ليس فيها هذا الذي ذكره الحافظ، وإنما هو في رواية مسلم (١٥٠٤) (١٢). ١٤٩ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ كتاب الطلاق قال الدّارَ قُطنيُّ: وقال عِمران بن حُدَير عن عِكْرمة عن عائشة: كان حُرّاً. وهو وَهْمٌ، قلت: في شيئين: في قوله: (حُرّ)) وفي قوله: ((عن عائشة))، وإنَّما هو من رواية ◌ِكْرمة عن ابنِ عبَّاس، ولم يُتَلَف على ابنِ عبّاس في أنَّه كان عبداً، وكذا جَزَمَ به الثِّرمِذيُّ(١) عن ابنِ عمر، وحديثه عند الشافعيّ (١٣١/٥-١٣٢) والدّارَ قُطْنيّ (٣٧٦٨) وغيرُهما(٢)، وكذا أخرجه النَّسائيُّ (ك٥٦١٧) من حديث صَفيَّةٌ بنتِ أبي عُبيد قالت: كان زوج بريرة عبداً. وسنده/ صحيح. ٤١١/٩ وقال النَّوَويّ: يُؤْيِّد قولَ مَن قال: إنَّه كان عبداً، قولُ عائشةَ(٣). كان عبداً، ولو كان حُرّاً لم يُخِيِّرها. فأخبَرَت - وهي صاحبة القصَّة - بأنَّه كان عبداً، ثمَّ عَلَّلَت بقولها: ولو كان حُرّاً لم يُخِيِّرها، ومثل هذا لا يَكاد أحدٌ يقوله إلّا توقيفاً(٤). وتُعقّبَ بأنَّ هذه الزّيادة في رواية جَرِير عن هشام بن عُرْوة في آخِرِ الحديث، وهي مُدرَجة من قول عُرْوة، بيّن ذلك في رواية مالك وأبي داود(٥) (٢٢٣٣) والنَّسائيِّ (٣٤٥١). نعم، وَقَعَ في رواية أسامة بن زيد عن القاسم (٦) عن عائشة قالت: كانت بَريرة مُكتَبةً لأَنَاسِ من الأنصار، وكانت تَحت عبدٍ، الحديثَ، أخرجه أحمدُ (٢٥٤٦٨) وابنُ ماجَهْ (٢٠٧٦) والبيهقيُّ (٧/ ٢٢٠)، وأُسامة فيه مقالٌ. (١) تحت الحدیث رقم (١١٥٥) من ((جامعه)). (٢) لكن في إسناده القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص، وهو متروك الحديث، وروى ابن سعد في ((الطبقات)) ٨/ ٢٥٧ عن عفان عن همام عن نافع عن ابن عمر: أن عائشة ساومت بريرة، فذكر قصتها في الولاء، ثم قال همام: سألت نافعاً: أحرّاً كان زوجها أم عبداً؟ فقال: ما يدريني. وهذا سند صحيح، فلو صحَّ عن ابن عمر لعلمه نافع. (٣) عند أحمد (٢٥٣٦٧)، ومسلم (١٥٠٤) (٩) وغيرهما، من طريق جرير بن عبد الحميد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. (٤) وقد وافق النوويُّ على إثباتها الدار قطني في ((العلل)) (٣٨٤٩). (٥) لم يرد ذلك في رواية عروة عند مالك ٢/ ٧٨٠ ولا عند أبي داود (٢٢٣٣)، وجاء عند النسائي وابن حبان (٤٢٧٢). (٦) وقع في الأصول و(س): ((عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه))، وهو خطأ نبَّهنا عليه عند شرح الحديث (٥٢٧٩). ١٥٠ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا دَعوَى أنَّ ذلك لا يقال إلّا بتوقيفٍ فمَردودةٌ، فإنَّ للاجتهادِ فيه مجالاً، وقد تقدَّم قَريباً توجيهُه من حيثُ النَّظَرُّ أيضاً. قال الدّارَ قُطْنيُّ: وقال إبراهيم، عن الأسوَد، عن عائشة: كان حُرّاً. قلت: وأصرَح ما رأيتُه في ذلك رواية أبي معاوية: حدَّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسوَد، عن عائشة قالت: كان زوج بَريرة حُرّاً، فلمَّا عَتَقَت خُيِّرَت، الحديثَ، أخرجه أحمد عنه(١)، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٣٩٥/٤) عن إدريس [ابن](٣) عن الأعمَش بهذا السَّنَد عن عائشة قالت: كان زوج بَريرة حُرّاً، ومن وجهٍ آخَر (٣٩٥/٤) عن النَّخَعيِّ عن الأسوَد، أنَّ عائشة حدَّثته: أنَّ زوج بَريرة كان حُرّاً حين أُعْتِقَت. فدَلَّت الرِّوايات المفصِّلة التي قَدَّمتها آنِفاً(٣) على أنَّه مُدرَجٌ من قول الأسوَد أو مَن دُونه، فيكون من أمثلة ما أُدْرِجَ في أوَّل الخبر وهو نادِرٌ، فإنَّ الأكثر أن يكون في آخره، ودُونَه أن يقع في وسَطِهِ، وعلى تقدير أن يكونَ موصولاً فتُرَجَّح رواية مَن قال: كان عبداً، بالكَثْرة، وأيضاً فالُ المَرْءِ أعرَفُ بحديثِهِ، فإنَّ القاسمَ ابنُ أخي عائشة وعُرْوةَ ابنُ أُختها وتابَعَهما غيرُهما، فروايتُهما أَولى من رواية الأسوَد، فإنَّهما أقعَدُ بعائشة وأَعلمُ بحديثها، والله أعلم. ويَتَرَجَّح أيضاً بأنَّ عائشة كانت تذهب إلى أنَّ الأَمَةَ إذا عَتَقَت تحت الحُرّ لا خِيارَ لها(٤)، وهذا بخلاف ما روى العراقيُّونَ عنها، فكان يَلزَم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولِها ويَدَعُوا ما رويَ عنها لا سيّما وقد اختُلِفَ عنها فيه. (١) في ((مسنده) برقم (٢٤١٥٠)، وأخرجه الترمذي في ((جامعه)) برقم (١١٥٥). (٢) لفظة ((ابن)) سقطت من الأصول و(س)، واستدركناها من ((المصنف))، وابن إدريس هو عبد الله بن إدريس بن یزید الاًوْديّ. (٣) يعني رواية حفص بن عمر عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم وكذا رواية منصور عن إبراهيم عن الأسود اللتين ستأتیان عند البخاري برقم (٦٧٥١) و(٦٧٥٤). (٤) لم نقف على مذهب عائشة في ذلك في شيء من كتب الآثار التي بأيدينا. ١٥١ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ كتاب الطلاق وادَّعَى بعضُهم أنَّه يُمكِن الجمع بين الرِّوايتَينِ بحَملِ قول مَن قال: كان عبداً، على اعتبار ما كان عليه ثمَّ أُعتِقَ، فلذلك قال مَن قال: كان حُرّاً، ويَرُدّ هذا الجمع ما تقدَّم من قول عُرْوة: كان عبداً ولو كان حُرّاً لم تُخيَّر. وأخرجه التِّرمِذيّ (١١٥٦) بلفظ: أنَّ زوج بَريرة كان عبداً أسود يوم أُعْتِقَت. فهذا يعارض الرِّواية المتقدِّمة عن الأسوَد، ويعارض الاحتمالَ المذكور احتمالُ أن يكون مَن قال: كان حُرّاً، أراد ما آل إليه أمرُه، وإذا تَعارَضا إسناداً واحتمالاً احتِيجَ إلى التَّرجيح، وروايةُ الأكثر يُرجَّح بها، وكذلك الأحفظُ، وكذلك الألزَمُ، وكلّ ذلك موجود في جانب مَن قال: كان عبداً. وفي قصَّة بريرة من الفوائد - وقد تقدَّم بعضها في المساجِد (٤٥٦) وفي الزكاة (١٤٩٣) والكثيرُ منها في العِتق (٢٥٣٦) -: جوازُ المكاتَبة بالسُّنّة تقريراً لحُكم الكتاب، وقد روى ابن أبي شَيْبة في ((الأوائل)) بسندٍ صحيح: أنَّها أوَّلُ كتابة كانت في الإسلام، ويَرِدُ عليه قصّة سلمان(١)، فيُجمَع بأنَّ أوَّلِيَّتَه في الرِّجال، وأَوَّلِيَّة بَريرة في النِّساء، وقد قيل: إنَّ أَوَّلَ مُكاتَب في الإسلام أبو أُميَّة عبدُ عمرَ. واذَّعَى الرُّويانيّ أنَّ الكتابة لم تكن تُعرَف في الجاهليَّة وخُولِفَ. ويُؤخَذ من مشروعيَّة نُجوم الكتابة: البيعُ إلى أجَلِ والاستقراضُ ونحو ذلك، وفيه إلحاق الإماء بالعَبيدِ، لأنَّ الآية ظاهرة في الذُّكور. وفيه جواز كتابة أحدِ الَّوجَينِ الرَّقِيقَين، ويلحَق به جواز بيع أحدِهما دونَ الآخَر، وجواز كتابة مَن لا مال له ولا حِرْفة، كذا قيل، وفيه نظرٌ، لأَنَّه لا يَلزَم من طَلَبها من عائشة الإعانةَ على حالها أن يكون لا مالَ لها ولا حِرْفة. وفيه جواز بيع المكاتَب إذا رَضِيَ ولم يُعَجِّزِ (٢) نفسَه إذا وَقَعَ التَّراضي بذلك، وَلَه مَن مَنَعَ (١) وقع في (ع): ((كتابة سلمان))، وقصة مكاتبة سلمان الفارسي ﴾ أخرجها مطولةً ابنُ إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)٢ ٢١٨/١-٢٢٠ ومن طريقه أحمد في («مسنده)) (٢٣٧٣٧) عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبید، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وإسنادها حسن. (٢) والتَّعجيز من المُكاتَب: أن يعترف بعجزه عن أداء بَدلِ الكتابة، وحقيقتُه: النِّسبةُ إلى العَجْز، وقد عَجَّز نفسه، أي: نَسَبها إلى العَجْز. ١٥٢ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري على أنَّهَا عَجَّزَت نفسَها قبل البيع، ويحتاج إلى دليل، وقيل: إنَّمَا وَقَعَ البيع على نُجوم الكتابة وهو بعيدٌ جدّاً. ٤١٢/٩ ويُؤخَذ منه أنَّ المكاتب عبدٌ ما بَقِيَ عليه شيءٌ، فيَتَفَرَّع منه إجراءُ أحكام الرَّقيق كلِّها في النِّكاح والجِنايات والحدود وغيرها. وقد كَثَّر بِسَرْدِها مَن ذَكَرنا أنَّهم ◌َعوا الفوائد المستَنْبَطة من حديث بَريرة، ومن ذلك: أنَّ مَن أدَّى أكثرَ نُجومه لا يَعِقُ تَغليباً لِحُكم الأكثر، وأنَّ مَن أدَّى من النُّجوم بقدرٍ قِيمته لا يَعْتِقُ، وأنَّ مَن أدَّى بعض نُجومه لم يُعتَق منه بقدرٍ ما أدَّى، لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَذِنَ في شِراء بَريرة من غيرِ اسْتِفْصَال. وفيه جواز بيع المكاتَب والرَّقيق بشرطِ العِتق، وأنَّ بيع الأَمة المزَوَّجة ليس طلاقاً كما تقدَّم تقريرُه قريباً، وأنَّ عِتقها ليس طلاقاً ولا فَسخاً لتُبُوتِ التَّخيير، فلو طَلُّقَت بذلك واحدةً لكان لزوجِها الرَّجعةُ ولم يَتَوقَّف على إذنها، أو ثلاثاً لم يَقُل لها: ((لو راجَعْتِهِ)) لأنَّها ما كانت ◌َّحِلّ له إلّا بعدَ زوجٍ آخرَ، وأنَّ بيعَها لا يُبيح لمُشتَربها وَطأَها، لأنَّ تخييرِها يدلّ على بقاء عُلْقة العِصْمة، وأنَّ سَيِّد المكاتَب لا يَمنَعه من الاكتِساب، وأنَّ اكتِسابه من حین الكتابة یکون له. وجوازُ سؤال المكاتَب مَن يُعينه على بعض نُجومه وإن لم تَحِلَّ، وأنَّ ذلك لا يقتضي تَعجِيزَه، وجوازُ سؤال ما لا يُضطَرّ السائلُ إليه في الحال، وجواز الاستعانة بالمرأة المزَوَّجة، وجواز تَصَرُّفها في مالها بغير إذن زوجها، وبَذْل المال في طَلَب الأجْرِ حتَّى في الشِّراء بالزّيادة على ثَمَنِ المِثْل بقَصْدِ التَّقُرُّب بالعِتق. ويُؤخَذ منه جوازُ شِراء مَن يكون مُطلَقَ التَّصَُّفِ السِّلعةَ بأكثرَ من ثَمنِها، لأنَّ عائشة بَذَلَت نَقداً ما جَعَلوه نَسيئةً في تسع سنينَ لحصولِ الرَّغبة في النَّقَد أكثرَ من النَّسيئة، وجواز السُّؤال في الجملة لمن يَتَوقَّع الاحتياج إليه، فتُحمَّلُ الأخبارُ الواردة في الَّجر عن السُّؤال على الأَولَوِيَّة. وفيه جواز سَعْي المرقُوق في فَكَاك رَقَبِهِ، ولو كان بسؤال مَن يَشْتَري ليعتِقَ، وإن أضَرَّ ذلك بسَيِّدِه لتَشَوُّفِ الشّارع إلى العِتق. ١٥٣ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ كتاب الطلاق وفيه بُطْلان الشُّروط الفاسدةِ في المعاملات، وصِحّةُ الشُّروط المشروعة، لمفهوم قوله وَلّ. ((كلُّ شَرْطٍ ليس في كتاب الله فهو باطِلٌ)) وقد تقدَّم بسطه في الشُّروط (٢٧٢٩). ويُؤْخَذ منه أنَّ مَن استَنَى خدمة المَرقوق عند بيعِه لم يَصِحَّ شرطُه، وأنَّ مَن شَرَطَ شرطاً فاسداً لم يَسْتَحِقّ العُقوبة إلّا إِنْ عَلِمَ بتحريمِه وأصَرَّ عليه، وأنَّ سَيِّد المكاتَب لا يَمنَعه من السَّعي في تحصيل مال الكتابة ولو كان حَقُّه في الخدمة ثابتاً، وأنَّ المكاتَب إذا أدَّى نُجومه من الصَّدَقة لم يَرُدّها السَّيِّدُ، وإذا أدَّى نُجومه قبل حُلولها كذلك. ويُؤخَذ منه أنَّه يَعْتِقُ أخذاً من قول مَوالي بَريرة: ((إن شاءَت أن تَحتسِبَ عليكِ))(١)، فإنَّه ظاهِرٌ في قَبُول تَعجيل ما اتَّفَقوا على تأجيله ومِنْ لازِمِه حصولُ العِتق. ويُؤْخَذ منه أيضاً أنَّ مَن تَبرَّعَ عن المكاتَب بما عليه عَتَقَ، واستُدِلَّ به على عَدَم وُجوب الوَضع عن المكاتَب لقولِ عائشة: ((أَعُدُّها لهم عَدَّةً واحدةً)(٢) ولم يُنكَرِ، وأُجيبَ بجوازٍ قَصْد دَفْعِهم لها بعد القَبض. وفيه جواز إبطال الكتابة وفَسخ عَقدها إذا تَراضَى السَّيِّد والعَبد، وإن كان فيه إبطال التَّحرير، لتقرير بَريرة على السَّعي بين عائشة ومَواليها في فَسخ كتابتها لتَشْتَريَها عائشةُ. وفيه ثُبُوت الولاء للمُعِقِ والردّ على مَن خالَفَه، ويُؤخَذ من ذلك عِدّةُ مَسائلَ كعِتِقِ السائبة واللَّقيط والحليف ونحو ذلك، كَثَّرَ بها العَدَدَ مَن تَكلَّمَ على حدیث بَريرة. وفيه مشروعيَّة الْخُطبة في الأمر المهمِّ والقيام فيها، وتَقدِمةُ الحمد والثَّناء، وقول: ((أمَّا بعدُ)» عند ابتداء الكلام في الحاجة، وأنَّ مَن وَقَعَ منه ما يُنكَر استُحِبَّ عَدَم تَعيينه، وأنَّ استعمال السَّجع في الكلام لا يُكرَه إلّا إذا قُصِدَ إليه ووَقَعَ مُتَكلَّفاً. وفيه جواز اليمين فيما لا تَجِب فيه ولا سيّما عند العَزم على فِعل الشَّيء، وأنَّ لَغْوَ اليمين لا كَفَّارة فيه، لأنَّ عائشة حَلَفت أن لا تَشتَرِط ثمَّ قال لها النبيّ ◌َّ: ((اشتَرِطي))(٣) ولم يُنقَل كفَّارة. (١) سلف برقم (٢٥٦١) و(٢٧١٧). (٢) سلف برقم (٢٥٦٣). (٣) سلف برقم (٢١٦٨) و(٢٥٦٣). ١٥٤ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري وفيه مُناجاة الاثنَينِ بحَضرة الثّالث في الأمر يَستَحْيِي منه المُناجي ويَعلم أنَّ مَن ناجاه يُعلِمُ الثّالثَ به، ويُستَنَى ذلك من النَّهي الوارد فيه (١)، وفيه جواز سؤال الثّالث عن ٤١٣/٩ المناجاة المذكورة إذا ظنَّ أنَّ له تَعلُّقاً به، وجواز إظهار/ السّرّ في ذلك ولا سيّما إن كان فيه مَصلَحةٌ للمُناجي. وفيه جواز المساوَمة في المعاملة والتَّوكيل فيها ولو للرَّقيق، واستخدام الرَّقيق في الأمر الذي يَتَعلَّق بمَوالِيه وإن لم يأذَنُوا في ذلك بخُصوصِه. وفيه ثُبُوت الولاء للمرأة المعتِقة فُيُستَثَنَى من عُموم ((الوَلاء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النَّسَبِ))(٢)، فإنَّ الولاء لا يَنْتَقِل إلى المرأة بالإرثِ بخلاف النَّسَب. وفيه أنَّ الكافر يَرِثُ وَلاءَ عَتَيْقِه المسلمِ وإن كان لا يَرِثُ قريبَه المسلمَ، وأنَّ الولاء لا يُباع ولا یوهَب، وقد تقدَّم في باب مُفرد في العِتق (٢٧٢٩). ويُؤخَذ منه أنَّ معنى قوله في الرّواية الأُخرَى: ((الوَلاء لمَن أعطَى الوَرِقِ))(٣) أنَّ المراد بالمُعطِي المالكُ، لا مَن باشَرَ الإعطاءَ مُطلَقاً فلا يَدخُل الوكيلُ، ويُؤيِّده قوله في رواية الثَّورِيِّ عند أحمد (٢٥٥٣٣) (٤): «لمَن أعطَى الوَرِق ووَليَ النِّعمة)». وفيه ثُبُوت الخِيار للأَمة إذا عَتَقَت على التَّفصيل المتقدِّم، وأنَّ خِيارَها يكون على الفَور لقولِه في بعض طرقه: أنَّهَا عَتَقَت، فَدَعاها فخَيَّرَها، فاختارَت نفسَها(٥). ولِلعلماءِ في ذلك أقوال: (١) يشير إلى حديث ابن عمر وابن مسعود وقد تقدما برقم (٦٢٨٨) و (٦٢٩٠) في النهي أن يتناجى اثنان دون الثالث. (٢) اللُّحْمة بالضم: القرابة، أي: قرابة كقرابة النَّسب، وهذا جزء من حديث يُروى موصولاً ومرسلاً، وتمامه: ((لا يُباع ولا يُوهب)) أخرجه الشافعي في ((الأم)) ١٣٢/٤، ومن طريقه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٤١/٤ وكذا البيهقي في «الكبرى» ٢٩٢/١٠ وضعَّفه، وصحَّحه ابن حبان برقم (٤٩٥٠)، وانظر كلام الحافظ عليه في ((التلخيص الحبير)) ٢١٣/٤. (٣) سلفت عند المصنف برقم (٢٥٣٦). (٤) طريق الثوري بهذا اللفظ عند البخاري برقم (٦٧٦٠) وقد فات الحافظ أن يعزوها له. (٥) سلفت برقم (٢٥٣٦) وستأتي برقم (٦٧٥٤). ١٥٥ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ كتاب الطلاق أحدها، وهو قول الشافعيّ: أنَّه على الفَوْر، وعنه: يَمتَدّ خِيارُها ثلاثاً، وقيل: بقيامها من تَجَلِس الحاكم، وقيل: من مَجَلِسها، وهما عن أهل الرَّأي، وقيل: يَمتَدّ أبداً، وهو قول مالكٍ والأوزاعيِّ وأحمدَ، وأحدُ أقوال الشافعيِّ. واتَّفَقوا على أنَّه إن مَكَّتَته من وطئِها سَقَطَ خِيارُها، وتَسَّكَ مَن قال به بما جاء في بعض طرقه وهو عند أبي داود (٢٢٣٦) من طريق ابنٍ إسحاق بأسانيدَ عن عائشة: أنَّ بَرِيرة ◌ُعْتِقَت، فِذَكر الحديثَ وفي آخِرِه: ((إن قَرُبَكِ فلا خِيارَ لكِ)). وروى مالكٌ (٥٦٣/٢) بسندٍ صحيح عن خَفصة أنَّها أفتَت بذلك، وأخرج سعيد بن منصور (١٢٦٥) عن ابنِ عمر مِثْلَه، قال ابنُ عبد البَرّ: لا أعلمُ لهما مخالفاً من الصَّحابة. وقال به جمعٌ من التابعينَ منهم الفقهاء السَّبعة. واختُلِفَ فيما لو وطِئَها قبلَ عِلمها بأنَّ لها الخِيارَ، هل يَسقُط أو لا؟ على قولَينِ للعلماءِ أصحُّهما عند الحنابلة: لا فَرقَ، وعند الشافعيَّة: تُعذَر بالجهل، وفي رواية الدّارَقُطنيِّ (٣٧٧٥): ((إن وطِئَك فلا خِيارَ لك))، ويُؤخَذ من هذه الزّيادة أنَّ المرأة إذا وَجَدت بزوجِها عَيباً ثمَّ مَكَّتَتَه من الوَطء بَطَلَ خِيارُها. وفيه أنَّ الخيار فَسخٌ لا يَملِك الَّوج فيه رَجعةً، وتَسَّكَ مَن قال: له الرَّجعةُ بقولِ النبيِّ وَّ: ((لو راجَعْتِه)) ولا حُجّة فيه، وإلّا لمَا كان لها اختيارٌ، فَتَعيَّنَ حَمل المراجَعة في الحديث على معناها اللَّغَويّ، والمراد: رُجوعُها إلى عِصمته، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يَتََّجَعَآ﴾ [البقرة: ٢٣٠] معَ أنَّهَا في المُطلَّقةِ(١) ثلاثاً. وفيه إبطال قول مَن زَعَمَ استحالة أن يُحِبَّ أحد الشَّخصَينِ الآخرَ والآخرُ يُبغِضه لقولٍ النبيِّ ◌َّ: ((أَلا تَعجَبُ من حُبِّ مُغيثٍ بَريرةَ، ومن بُغضِ بَريرةَ مُغيثاً؟))(٢). نعم يُؤخَذ منه أنَّ ذلك هو الأكثرُ الأغلَب، ومن ثَمَّ وَقَعَ التَّعَجُّب لأنَّه على خلاف المعتاد، وجَوَّزَ الشَّيخ (١) كذا في (أ) و(ع)، وفي (ب) و(س): المطَلِّقِ. (٢) سلف قريباً في الباب السابق برقم (٥٢٨٣). ١٥٦ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري أبو محمَّد بن أبي جَمْرة نَفَعَ الله به أن يكون ذلك ممَّا ظَهَرَ من كَثْرة استمالة مُغيثٍ لها بأنواع من الاستمالات كَإظهاره حُبَّها وتَرَدُّدِهِ خَلْفَها وبُكائه عليها معَ ما يَنضَمّ إلى ذلك من استمالَته لها بالقولِ الحسن والوَعد الجميل، والعادةُ في مِثل ذلك أن يَميل القلب ولو كان نافراً، فلمَّا خالَفَتِ العادةَ وَقَعَ التَّعَجُّب، ولا يَلِزَم منه ما قال الأوَّلونَ. وفيه أنَّ المرء إذا خُيِّرَ بين مُباحَينٍ فَآثَرَ ما يَنفَعه لم يُلَمْ، ولو أضَرَّ ذلك بَرَفيقِه. وفيه اعتبار الكفاءة في الحُرّيَّة. وفيه سُقوط الكفاءة بِرِضا المرأة التي لا وَلِيَّ لها، وأنَّ مَن خَيَّرَ امرأته فاختارَت فِراقه وَقَعَ وانفَسَخَ النِّكاح بينهما وقد تقدَّمَ، وأَّها لو اختارَت البَقَاء معه لم يَنْقُصْ عَدَدُ الطَّلاق. وكَثَّرَ بعض مَن تَكلَّمَ على حديث بَريرة هنا في سَرْد تَفاريع التَّخبير. وفيه أنَّ المرأة إذا ثَبَتَ لها الخيارُ فقالت: لا حاجةَ لي به، تَرَتَّبَ على ذلك حُكم الفِراق، كذا قيل، وهو مَبنيٌّ على أنَّ ذلك وَقَعَ قبل اختيارها الفِراقَ ولم يقع إلا بهذا الكلام، وفيه من النَّظَر ما تقدَّمَ. وفيه جواز دخول النِّساء الأجانب بيتَ الرَّجل سواء كان فيه أم لا. وفيه أنَّ المكاتَبة لا يَلحَقها في العِتق ولدُها ولا زوجُها. ٤١٤/٩ وفيه تحريم الصَّدَقة على النبيِّ وَ﴿/ مُطلَقاً، وجوازُ التطوُّع منها على من(١) يلتحق به في تحريم صَدَقة الفَرض كأزواجِه ومَوالِيه، وأنَّ مَواليَ أزواج النبيِّي ◌َِّ لا تَحُرُم عليهنَّ الصَّدَقة وإن حَرُمَت على الأزواج، وجواز أَكْل الغنيِّ ما تُصُدِّق به على الفقير إذا أهداه له، وبالبيع أَولى، وجواز قَبُول الغني هَديَّةَ الفقير. وفيه الفَرْق بين الصَّدَقة والهديّة في الحُكم. وفيه نُصح أهل الرجل له في الأُمور كلِّها، وجوازُ أكل الإنسان من طعام مَن يُسَرّ بأكلِه منه ولو لم يأذَن له فيه بخُصوصِه، وبأنَّ الأَمَة إذا عَتَّقَت جازَ لها التَّصَرُّف بنفسِها في أُمورها، ولا حَجْرَ لمُعِقِها عليها إذا كانت رَشيدةً، وأنَّها تَتصرَّف في كَسْبها دونَ إذن زوجها إن كان لها زوج. (١) في (أ) و(ب) و(س): ما، والمثبت من (ع) هو الوجه. ١٥٧ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ كتاب الطلاق وفيه جواز الصَّدَقة على مَن يَمُونه غيرُه، لأنَّ عائشة كانت تَمُون بَريرةَ ولم يُنكِرِ عليها قَبُولها الصَّدَقة، وأنَّ لمن أُهدِيَ لأهلِه شيءٌ أن يُشِرِك نفسَه معهم في الإخبار عن ذلك لقولِه: ((وهو لنا هَديَّةٍ))، وأنَّ مَن حَرُمَت عليه الصَّدَقة جازَ له أكل عَينها إذا تَغيَّرَ حُكمها. وأنَّه يجوز للمرأة أن تُدخِل إلى بيت زوجها ما لا يَملِكه بغير عِلمه، وأن تَتصرّف في بيته بالطَّبخ وغيره بآلاتِه ووَقُوده، وجواز أكل المرء ما يَجِدِه في بيته إذا غَلَبَ الحِلُّ في العادة، وأنَّه ينبغي تعريفه بما يُخْشَى تَوَقُّفه عنه، واستحباب السُّؤال عمَّا يُستَفاد به عِلمٌ أو أَدبٌّ أو بيانُ حُكمٍ أو رَفْعُ شُبهٍ وقد يَجِب، وسؤال الرجل عمَّا لم يَعهَده في بيته، وأنَّ هَديَّة الأدنَی للأعلى لا تَسْتَلِزِم الإثابة مُطلَقاً، وقَبُول الهديَّة وإن نَزُرَ قَدْرُها جَبْراً (١) للمُهدي، وأنَّ الهديَّة تملك بوَضعها في بيت المهدَى له، ولا يحتاج إلى التَّصريح بالقَبُول. وأنَّ لمن تُصُدِّقَ عليه بصَدَقةِ أن يَتَصَرَّف فيها بما شاءَ ولا يَنقُص أجر المتصدِّق، وأنَّه لا يجب السُّؤال عن أصل المال الواصل إذا لم يكن فيه شُبهة، ولا عن الذَّبيحة إذا ذُبحَت بين المسلمينَ، وأنَّ مَن تُصُدِّقَ عليه قليلٌ لا يَتَسَخَّطه. وفيه مُشاوَرة المرأة زوجَها في التَّصَرُّفات، وسؤالُ العالم عن الأُمور الدّينيّة، وإعلام العالم بالحُكمِ لمن رآه يَتَعاطَى أسبابَه ولو لم يُسأل، ومُشاوَرة المرأة إذا ثَبَتَ لها حُكم التَّخيير في فِراق زوجها أو الإقامة عنده، وأنَّ على الذي يُشاوَر بَذْلَ النَّصيحة. وفيه جواز مُالَفة المُشِير فيما يُشير به في غير الواجب، واستحباب شفاعة الحاكم في الرِّفق بالخَصمِ حيثُ لا ضَرَرَ ولا إلزامَ، ولا لَوْمَ على مَن خالَفَ ولا غَضَب ولو عَظُمَ قَدرُ الشافع، وتَرجَمَ له النَّسائيُّ(٢): ((شفاعة الحاكم في الخصوم قبل فَصْل الحُكم))، ولا يجب على المشفوع عنده القَبُولُ. ويُؤْخَذ منه أنَّ التَّصميم في الشَّفاعة لا يَسُوغُ فيما تَشُقّ الإجابة فيه على المسؤولِ، بل یکون على وجه العَرْض والتَّرغيب. (١) في (ب) و(س): جبر، بالرفع، والمثبت من (أ) و(ع) هو الوجه، لأنه مفعول لأجله. (٢) في ((المجتبى)) قبل الحديث (٥٤١٧) من كتاب آداب القضاة. ١٥٨ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري وفيه جواز الشَّفاعة قبل أن يسألها المشفوعُ له، لأنَّه لم يُنقَل أنَّ مُغيثاً سألَ النبيَّ وَّل أن يَشِفَع له، كذا قيلَ، وقد قَدَّمت أنَّ في بعض الطُّرق: أنَّ العبَّاس هو الذي سألَ النبيَّ ◌َّ فِي ذلك(١) فيحتمل أن يكون مُغيثٌ سألَ العبّاس في ذلك، ويحتمل أن يكون العبّاس ابتَدَأ ذلك من قِبَل نفسِه شَفَقةً منه على مُغيث. ويُؤخَذ منه استحباب إدخال السُّرور على قلب المؤمن. وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة نَفَعَ الله به: فيه أنَّ الشافع يُؤْجَر ولو لم تَحصُل إجابتُه، وأنَّ المشفوع عنده إذا كان دونَ قَدْر الشافع لم تَتَنِعِ الشَّفاعة، قال: وفيه تَنبيهُ الصّاحب صاحبه على الاعتبار بآيات الله وأحكامه لتعجيب النبيِّ وَِّ العبَّاسَ من حُبِّ مُغيثٍ بَريرةَ، قال: ويُؤْخَذ منه أنَّ نظرَه وَِّ كان كلّه بحضورٍ وفِكر، وأنَّ كلّ ما خالَفَ العادة يُتَعَجَّب منه ويُعتبر به. وفيه حُسْن أدب بريرة لأنَّها لم تُفصِح برَدِّ الشَّفاعة وإنَّما قالت: لا حاجة لي فيه. وفيه أنَّ فَرْط الحُبّ يُذهِبُ الحياء لمَا ذُكِرَ من حال مُغيثٍ وغَلَبةِ الوَجْد عليه حتَّى لم يَستَطِيعِ كِتمان حُبِّها، وفي تَرْك النَّكير عليه بيانُ جواز قَبُول عُذر مَن كان في مِثل حاله ثَمَّن يقع منه ما لا يَلِيق بمَنصِبه إذا وَقَعَ بغير اختياره، ويُستَنْبَط من هذا مَعذِرة أهل المحبّة في الله ٤١٥/٩ إذا حَصَلَ لهم الوَجْدُ من سماع ما يفهمونَ منه الإشارة إلى أحوالهم، حيثُ يظهر/ منهم ما لا يَصدُر عن اختيارٍ من الرَّقص ونحوِه(٢). وفيه استحباب الإصلاح بين المتنافرَينِ سواءٌ كانا زوجَينٍ أم لا، وتأكيد الحُرْمة بين الزَّوجَينِ إذا كان بينهما ولدٌ لقولِهِ وََّ: ((إنَّه أبو وَلِدِكٍ)). ويُؤخَذ منه أنَّ الشافع يَذكُر للمشفوع عنده ما يَبعَث على قَبُوله من مُقتَضَى الشَّفاعة والحامل عليها. وفيه جواز شِراء الأَمة دونَ ولِدِها، وأنَّ الولد يَثْبُت بالفِراش والحُكم بظاهرِ الأمر في ذلك. (١) لم يتقدم من الحافظ رحمه الله الإشارة إلى هذه الطرق، وذكرنا أنه جاء في طريق هُشيم بن بَشير عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس عند سعيد بن منصور وأحمد. كما في تعليقنا على ترجمة الحديث (٥٢٨٣). (٢) قال الإمام العز بن عبد السلام في ((قواعد الأحكام)) ٢/ ٢٢٠: أما الرقص والتصفيق فخِفّة ورعونةٌ مشبهةٌ لرعونة الإناث. ١٥٩ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ كتاب الطلاق قلت: ولم أقِفْ على تسمية أحدٍ من أولاد بَريرة، والكلام مُحْتَمِل لأنْ يريد به أنَّه أبو وَلِدِها بالقوّة لكنَّه خلاف الظّاهر. وفيه جواز نِسْبة الولد إلى أمِّه. وفيه أنَّ المرأة الثَّيِّب لا إجبار عليها ولو كانت معتوقة، وجواز خِطْبة الكبير والشَّريف من هو دُونَه. وفيه حُسْن الأدب في المخاطَبة حتَّى من الأعلى معَ الأدنَى، وحُسنُ التَّلطّف في الشَّفاعة. وفيه أنَّ للعبد أن يَخْطُب مُطلَّقْتَه بغير إذن سَيِّدِه، وأنَّ خِطبة المعتَدّة لا تَحُرُم على الأجنبيّ إذا خَطَبَها لمُطلِّقِها، وأنَّ فَسْخَ النِّكاح لا رجعة فيه إلّا بنكاحِ جَدید. وأنَّ الحُبّ والبُغض بين الزَّوجَينِ لا لَوْمَ فيه على واحدٍ منهما لأنَّه بغير اختيار، وجواز بُكاء المحِبّ على فِراق حَبيبه وعلى ما يَفُوته من الأُمور الدُّنيَويَّة ومن الدّينيَّة بطريق الأَولى، وأنَّه لا عارَ على الرجل في إظهار حُبِّه لزوجتِهِ، وأنَّ المرأة إذا أبغَضَت الزَّوج لم يكن لوَليِّها إكراهُها على عِشْرَته، وإذا أحَبَّتَه لم يكن لوَليِّها التَّفريقُ بينهما، وجواز مَيل الرجل إلى امرأة يَطْمَع في تزويجها أو رَجعتها، وجواز كلام الرجل لِمُطلَّقَتِه في الطُّرق واستعطافه لها واتِّباعها أين سَلكَت كذلك، ولا يخفى أنَّ مَحَلّ الجواز عند أَمْن الفتنة، وجواز الإخبار عمّ يظهر من حال المرء وإن لم يُفصِح به لقولِهِ مَّ للعَّاس ما قال. وفيه جواز رَدّ الشافع المِنّةَ على المشفوع إليه بقَبُولِ شَفاعَته، لأنَّ قول بريرة للنبيِّ ((أَتأمُرُني)) ظاهرٌ في أنَّه لو قال: ((نعم)) لَقبلَت شَفاعَته، فلمَّا قال: ((لا)) عُلمَ أنَّه رَدَّ عليها ما فُهمَ من الِنّة في امتثال الأمر، كذا قيل، وهو مُتَكلَّف، بل يُؤخَذ منه أنَّ بَريرة علمت أنَّ أمرَه واجبُ الامتثال، فلمَّا عَرَضَ عليها ما عَرَضَ استَفْصَلَت: هل هو أمرٌ فيجبَ عليها امتثاله، أو مَشورة فتَتَخَيَّرَ فيها؟ وفيه أنَّ كلام الحاكم بين الخصوم في مَشُورةٍ وشَفاعة ونحوِهما ليس حُكماً. وفيه أنَّه يجوز لمن سُئلَ قضاء حاجة أن يَشتَرِط على الطالب ما يَعود عليه نَفعُه، لأنَّ عائشة شَرَطَت أن يكونَ لها الوَلاء إذا أدَّت الثَّمَن دُفعةً واحدةً. ١٦٠ باب ١٧ / ح ٥٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري وفيه جواز أداءِ الذَّين عن المَدِين، وأنَّه يَبرأ بأداءِ غيره عنه، وإفتاءُ الرجل زوجته فیما لها فيه حَظُّ وغَرَضٌ إذا كان حَقّاً، وجواز حُكم الحاكم لزوجتِهِ بالحقّ، وجواز قول مُشتَري الرَّقيق: اشتَرَيته لأُعتِقَه ترغيباً للبائع في تسهيل البيع، وجواز المعاملة بالدَّراهمِ والدَّنانير عَدَداً إذا كان قَدْرها بالكتابة معلوماً لقولِها: ((أَعُدَّها)) ولقولها: ((تسع أواقٍ))، ويُستنبط منه جواز بيع المُعاطاة. وفيه جواز عقد البيع بالكِناية(١) لقوله: ((خُذيها)) ومثله قوله وَلّ لأبي بكر في حديث الهجرة (٣٩٠٥): ((قد أخذتُها بالثَّمَنِ)). وفيه أنَّ حَقَّ الله مُقدَّم على حَقِّ الآدَمَيّ لقولِه: ((شَرطُ الله أحقُّ وأوثَّقُ))(٣)، ومثله الحديث الآخر: ((دَين الله أحقّ أن يُقْضَى))(٣). وفيه جواز الاشتراك في الرَّقيق لتَكَرُّرِ ذِكْر أهل بَريرة في الحديث، وفي روايةٍ: كانت الناسٍ من الأنصار(٤)، ويحتمل معَ ذلك الوَحْدة وإطلاق ما في الخبر على المجاز. وفيه أنَّ الأيديّ ظاهرة في المِلك، وأنَّ مُسْتَريَ السِّلعة لا يُسألُ عن أصلها إذا لم تكن رِيبٌ. وفيه استحباب إظهار أحكام العَقد للعالم بها إذا كان العاقد تَجَهَلها. وفيه أنَّ حُكم الحاكم لا يُغيِّرِ الحُكم الشَّرعيّ، فلا يُحِلّ حراماً ولا عكسه. وفيه قَبُول خَبَرَ الواحد الثِّقة وخَبَرَ العَبد والأَمة وروايتِهما. وفيه أنَّ البيان بالفِعلِ أقوى من القول، وجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والمبادَرة إليه عند الحاجة، وفيه أنَّ الحاجة إذا اقتَضَت بيانَ حُكمٍ عامّ وجَبَ إعلانه أو نُدِبَ بحَسَب الحال. وفيه جواز الرِّواية بالمعنى والاختصار من الحديث، والاقتصار/ على بعضه بحَسَب ٤١٦/٩ (١) تصحف في الأصول و(س) إلى: بالكتابة. ولا محل للكتابة هنا، وإنما بالكناية، يعني بلفظ يُکنی به عن البيع، وليس صريحاً بلفظ البيع. (٢) سلف برقم (٢١٥٥) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) سلف برقم (١٩٥٣) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (٤) هي رواية سماك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة عند مسلم (١٥٠٤)، وكذا رواية أسامة بن زيد عن القاسم عند أحمد (٢٥٤٦٨) وغيره.