النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ باب ٢ / ح ٥٢٥٢ - ٥٢٥٣ كتاب الطلاق بما فعَلَه من تطليق امرأتِه وهي حائضٌ. وقد وَقَعَ في بعض الأُصول بضمِّ التاء مَبنِيّاً للمجهول، أي: إنَّ الناس استَحمَقوه بما فعَلَ، وهو موجّهٌ. وقال المهلَّب: معنى قوله: ((إن عَجَزَ واستَحمَقَ)) يعني: عَجَزَ في المراجَعة التي أُمِرَ بها عن إيقاع الطَّلاق، أو فقَدَ عَقْلَه فلم تُمكِن منه الرَّجعةُ، أتبقَى المرأةُ مُعلَّقَةً لا ذاتَ بَعْلٍ ولا مُطلَّقةً؟ وقد نَهَى الله عن ذلك، فلا بُدَّ أن تُحتَسَب بتلكَ التطليقة التي أوقَعَها على غير وَجِهِها، كما أنَّه لو عَجَزَ عن فَرْضٍ آخَر لله فلم يُقِمْهُ، واستَحمَقَ فلم يأتِ به، ما كان يُعذَرُ بذلك ويَسقُطُ عنه. قوله: ((حدَّثنا أبو مَعمَر)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وهو ظاهر كلام أبي نُعَيم في ((المستخرَج))، ولِلباقينَ: وقال أبو مَعمَر، وبه جَزَمَ الإسماعيليّ، وسَقطَ هذا الحديث من رواية النَّسَفيِّ أصلاً. قوله: ((عن ابنِ عمر قال: حُسِبَت عليَّ بِتَطْليقةٍ)) هو بضمٍّ أوَّلِه من الحساب، وقد أخرجه أبو نُعَيم من طريق عبد الصَّمَد بن عبد الوارث عن أبيه، مِثلَ ما أخرجه البخاريّ مختصراً، وزادَ: يعني: حين طَلَّقَ امرأته، فسألَ عمرُ النبيَّ ◌َّعن ذلك. قال النَّوَويّ: شَذَّ بعض أهل الظّاهر فقال: إذا طَلَّقَ الحائضَ لم يقع الطَّلاقُ، لأنَّه غير مأذون فيه، فأشبَهَ طلاقَ الأجنبيَّةِ، وحكاه الخطَّبيُّ عن الخوارج والرَّوافض. وقال ابنُ عبد البَرّ: لا يُخالف في ذلك إلّا أهل البدَع والضَّلال، يعني: الآنَ. قال: ورويَ مِثْلُه عن بعض التابعينَ وهو شُذوذ، وحكاه ابنُ العربيّ وغيرُه عن ابنِ عُلِيَّةَ، يعني: إبراهيمَ بن إسماعيل/ ابن عُليَّةَ، الذي قال الشافعيُّ في حَقِّه: إبراهيم ضالٌّ، جَلسَ في باب الضَّوالّ يُضِلّ ٣٥٣/٩ الناس، وكان بمِصرَ، وله مَسائلُ يَنْفَرِد بها، وكان من فقهاء المعتَزِلة، وقد غَلِطَ فيه مَن ظنَّ أنَّ المنقول عنه المسائلُ الشّاذّة أبوه، وحاشاه، فإنّه من كبار أهل السُّنّة. وكأنَّ النَّوَويَّ أراد ببعضِ الظّاهريَّة ابنَ حَزم، فإِنَّ مَمَّن جَرَّدَ القول بذلك وانتَصَرَ له وبالَغَ، ٢٢ باب ٢ / ح ٥٢٥٢- ٥٢٥٣ فتح الباري بشرح البخاري وأجابَ عن أمرِ ابنِ عمر بالمراجَعة بأنَّ ابنَ عمر كان اجتَنَبَها، فأُمِرَ أن يُعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشَرة، فحَمَلَ المراجَعة على معناها اللُّغَويِّ. وتُعقِّبَ بأنَّ الحَمل على الحقيقة الشَّرعيَّة مُقدَّم على اللُّغَويَّةِ اتِّفاقاً. وأجابَ عن قول ابنِ عمر: حُسِبَت عليَّ بتطليقةٍ: بأنَّه لم يُصرِّح بمَن حَسَبَها عليه، ولا حُجّةً في أحدٍ دونَ رسولِ اللهِوَّه. وتُعقِّبَ بأَنَّه مِثلُ قول الصَّحابيِّ: أُمِرنا في عهد رسول الله ◌َّ بكذا، فإِنَّه يَنصَرِف إلى مَن له الأمر حينئذٍ، وهو النبيُّ ◌َل. كذا قال بعض الشُّراح. وعندي أنَّه لا ينبغي أن يَجيءَ فيه الخلاف الذي في قول الصَّحابيّ: أُمِرنا بكذا، فإنَّ ذاكَ مَخَلُّه حيثُ يكون اطِّلاع النبيِّ وَّ على ذلك ليس صريحاً، وليس كذلك في قصَّة ابنِ عمر هذه، فإنَّ النبيَّ نَّه هو الآمِر بالمراجَعة، وهو المرشِد لابنِ عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعدَ ذلك، وإذا أخبر ابنُ عمر أنَّ الذي وَقعَ منه حُسِبَت عليه بتطليقةٍ، كان احتمال أن يكونَ الذي حَسَبَها عليه غيرُ النبيِّ وَ ليهِ بعيداً جدّاً معَ احتفاف القَرائن في هذه القصَّة بذلك، وكيف يُتَخَيَّل أنَّ ابنَ عمر يفعل في القصَّة شيئاً برأيه وهو يَنْقُل أنَّ النبيَّ ◌َ ◌َّ تَغِيَّظَ من صَنيعه، كيف لم يُشاوِره فيما يفعل في القصّة المذكورة؟ وقد أخرج ابن وَهْب في ((مُسنَدِه)(١) عن ابنِ أبي ذِئْب، أنَّ نافعاً أخبَرَه: أنَّ ابنَ عمر طَلَّقَ امرأته وهي حائض، فسألَ عمرُ رسول الله وَ لَه عن ذلك فقال: ((مُرْهُ فليُراجِعْها، ثمَّ يُمسِكُها حتَّى تَطْهُر)). قال ابن أبي ذِئْب: في الحديث عن النبيِّ وَّهِ: ((وهي واحدة)). قال ابن أبي ذِئْب: وحدَّثني حَنظَلة بن أبي سفيان، أنَّه سمعَ سالماً يُحدِّث عن أبيه عن النبيّ وَّ بذلك. وأخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٣٩١٢) من طريق يزيد بن هارونَ عن ابنِ أبي ذِئْب وابنِ إسحاق، جميعاً عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ◌َّ قال: ((هيَ واحدة))، وهذا نَصِّ في موضع الخلاف فيَجب المصیر إلیه. (١) ومن طريقه أخرجه إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)) (٤٠٤)، وابن المنذر في ((الأوسط)) - طبعة دار الفلاح - (٧٥٩٩)، لكن لم يقع عندهما رواية ابن أبي ذئب عن حنظلة. ٢٣ باب ٢ / ح ٥٢٥٢-٥٢٥٣ كتاب الطلاق وقد أورَدَه بعض العلماء على ابنِ حَزم، فأجابَه بأنَّ قوله: ((هيَ واحدة)) لعلَّه ليس من كلام النبيِّ وَّهِ، فألزَمَه بأنَّه نَقَضَ أصلَه لأنَّ الأصل لا يُدفَع بالاحتمال. وعند الدّارَ قُطنيِّ (٣٨٩٣) في رواية شُعْبة عن أنسٍ بن سِيرِين، عن ابنِ عمر في القصَّة: فقال عمر: يا رسول الله، أفتُحتَسَب بتلكَ التطليقة؟ قال: ((نعم))، ورجاله إلى شُعْبة ثقات(١). وعنده (٣٩٠٥) من طریق سعید بن عبد الرحمن الجُمَحيِّ، عن عُبید الله بن عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر: أنَّ رجلاً قال(٢): إنّي طَلَّقت امرأتي البَنَّةَ وهي حائضٌ، فقال: عَصَيتَ رَبَّك، وفارَقتَ امرأتك. قال: فإنَّ رسول الله وَّهِ أَمَرَ ابنَ عمر أن يُراجِع امرأته، قال: إنَّه أمَرَ ابنَ عمر أن يُراجِعَها بطلاقٍ بَقِيَ له، وأنتَ لم تُبقِ ما تَرَّجِع به امرأتك. وفي هذا السّياق رَدٌّ على مَن حَمَلَ الرَّجعة في قصَّة ابنِ عمر على المعنى اللُّغَويِّ. وقد وافَقَ ابنَ حَزم على ذلك من المتأخّرينَ ابنُ تَيميَّةَ، وله كلامٌ طويل في تقرير ذلك والانتصار له. وأعظَمُ ما احتَجُّوا به ما وَقَعَ في رواية أبي الزُّبَير عن ابنِ عمر عند مسلم (١٤/١٤٧١) وأبي داود (٢١٨٥) والنَّسائيِّ (٣٣٩٢) وفيه: فقال له رسول الله وَل: (ليُراجِعْها))، فَرَدَّها، وقال: ((إذا طَهُرَت فليُطلِّق أو لِيُمسِكْ)) لفظ مسلم. ولِلنَّسائيِّ وأبي داود: فَرَدَّها عليَّ. زاد أبو داود: ولم يَرَها شيئاً. وإسناده على شرط الصَّحيح، فإنَّ مسلماً أخرجه من رواية حَجّاج بن محمَّد عن ابنِ جُرَيج، وساقَه على لفظه، ثمَّ أخرجه من رواية أبي عاصم عنه (١٤٧١/ ١٤) وقال: نحوَ هذه القصَّة. ثمَّ أخرجه (١٤/١٤٧١) من رواية عبد الرَّزّاق عن ابنِ جُرَيج قال: مِثل حديث حَجّاج. وفيه بعض الزّيادة، فأشارَ إلى هذه الزّيادة، ولعلَّه طَوَى ذِكْرِها عَمْداً. (١) وقد أورد الخطيب هذه الرواية في ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) ١/ ١٥٤ - ١٥٥ مبيناً أن هذا الاستفهام والإجابة عنه مُدرج فيها لمخالفة راويه عن شعبة جمهرة الثقات الحفاظ من أصحابه كيحيى القطان ومحمد بن جعفر والنضر بن شمیل إذ جعلوا الاستفهام من قول أنس بن سیرین وجوابه لابن عمر. (٢) كذا وقع في الأصلين و(س)، وهو خطأ، لأن الرواية عن ابن عمر أن رجلاً قال لعمر. فالكلام المذكور إنما لعمر، ولیس لا بنه. ٢٤ باب ٢ / ح ٥٢٥٢-٥٢٥٣ فتح الباري بشرح البخاري ٣٥٤/٩ وقد أخرج أحمدُ الحديث (٥٥٢٤) عن رَوْح بن عُبَادة/ عن ابنِ جُرَيج فَذَكرها، فلا يُتَخَيَّلُ انفراد عبد الرَّزّاق بها. قال أبو داود(١): روى هذا الحديث عن ابن عمرَ جماعةٌ، وأحادیثُهم كلّها على خلاف ما قال أبو الزُّبیر. وقال ابن عبد البَرّ: قوله: ولم يَرَها شيئاً، مُنكَرٌ لم يَقُله غير أبي الزُّبَيرِ، وليس بحُجّةٍ فيما خالَفَه فيه مِثْلُه، فكيف بمَن هو أثبَتُ منه، ولو صَحَّ فمعناه عندي - والله أعلمُ -: ولم يَرَها شيئاً مُستَقيماً، لكونها لم تقع على السُّنّة. وقال الخطَّبيُّ: قال أهل الحديث: لم يَروِ أبو الزُّبَير حديثاً أنكَرَ من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يَرَها شيئاً تَحُرُم معه المراجَعة، أو: لم يَرَها شيئاً جائزاً في السُّنّة ماضياً في الاختيار، وإن كان لازِماً له معَ الكراهة. ونَقَلَ البيهقيُّ في ((المعرفة)) عن الشافعيّ: أنَّه ذَكر رواية أبي الزُّبَيرِ فقال: نافعٌ أَثْبَتُ من أبي الزُّبَير، والأثبَتُ من الحديثَيْنِ أَوْلى أن يُؤْخَذ به إذا تَخالَفا، وقد وافَقَ نافعاً غيرُه من أهل الثَّبَتِ. قال: وبَسَطَ الشافعيُّ القولَ في ذلك وحَمَلَ قوله: لم يَرَها شيئاً، على أنَّه لم يَعُدَّها شيئاً صواباً غيرَ خطأ، بل يُؤمَر صاحبه أن لا يُقيم عليه لأنَّه أمَرَه بالمراجَعة، ولو كان طَلَّقَها طاهراً لم يُؤمَر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأً في فِعله أو أخطّاً في جوابه: لم يَصنعْ شيئاً، أي: لم يصنع شيئاً صواباً. قال ابنُ عبد البَرّ: واحتَجَّ بعض مَن ذهب إلى أنَّ الطَّلاق لا يقع بما رويَ عن الشَّعبيِّ قال: إذا طَلَّقَ الرجل امرأته وهي حائض لم تَعتَدّ بها في قول ابنِ عمر. قال ابنُ عبد البَرّ: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنَّما معناه لم تَعتَدّ المرأة بتلكَ الحيضة في العِدّة، كما رُوِيَ ذلك عنه منصوصاً أنَّه قال: يَقع عليها الطَّلاق ولا تَعتَدّ بتلكَ الحيضة، انتهى. (١) في ((سننه)) بإثر الحديث (٢١٨٥). ٢٥ باب ٢ / ح ٥٢٥٢- ٥٢٥٣ كتاب الطلاق وقد روى عبد الوهّاب الثَّقفيُّ عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر نحوًا مِمَّ نَقَلَه ابنُ عبد البَرّ عن الشَّعبيّ، أخرجه ابن حَزْم بإسنادٍ صحيح(١)، والجواب عنه مثلُه. وروى سعيد بن منصور (١٥٥٢) من طريق عبد الله بن مالك عن ابنِ عمر: أنَّه طَلَّقَ امرأته وهي حائض، فقال رسول الله وتالقر: ((ليس ذلك بشيءٍ)). وهذه مُتَابَعات لأبي الزُّبَير، إلّا أنَّها كلَّها قابلةٌ للتَّويل، وهو أَوْلى من إلغاء الصَّريح في قول ابنِ عمر أنَّها حُسِبَت عليه بتطليقةٍ، وهذا الجمع الذي ذَكَره ابن عبد البَرّ وغيره يَتَعَّن، وهو أَوْلى من تغليط بعض الثَّقات. وأمَّا قول ابنِ عمر: إنَّهَا حُسِبَت عليه بتطليقةٍ، فإِنَّه وإن لم يُصرِّح برَفْع ذلك إلى النبيَِّ فإنَّ فيه تسليمَ أنَّ ابن عمر قال: إنَّها حُسِبَت عليه، فكيف يَجِتَمِع معَ هذا قوله: إنَّه لم يَعتَدّ بها، أو لم يَرَها شيئاً، على المعنى الذي ذهب إليه المخالفُ؟ لأنَّه إن جَعَلَ الضَّمير للنبيِّ وَلـ لَزِمَ منه أنَّ ابن عمر خالَفَ ما حَكَمَ به النبيُّ ◌َّه في هذه القصَّة بخصوصِها، لأنَّه قال: إنَّا حُسِبَت عليه بتطليقةٍ، فيكون مَن حَسَبَها عليه خالَفَ كَونَه لم يَرَها شيئاً، وكيف يُظنُّ به ذلك معَ اهتمامه واهتمام أبيه بسؤال النبيِّ وَِّ عن ذلك ليفعلَ ما يأمره به؟ وإن جَعَلَ الضَّمير في: لم يَعتَدَّ بها، أو لم يَرَها، لابنِ عمر، لَزِمَ منه التَّنَاقُضُ في القصّة الواحدة، فيَفْتَقِر إلى الثَّرجيح، ولا شَكَّ أنَّ الأخذَ بما رواه الأكثرُ والأحفظُ أَوْلى من مُقابِلِه عند تَعذُّر الجمع عند الجمهور، والله أعلم. واحتَجَّ ابن القَيِّم لترجيحِ ما ذهب إليه شيخُه بأقِسَةٍ تَرجِع إلى مسألة أنَّ النَّهيَ يقتضي الفسادَ، فقال: الطَّلاق يَنقَسِم إلى حلال وحرام، فالقياس أنَّ حرامه باطِلٌ كالنِّكاح وسائر العُقود، وأيضاً فكما أنَّ النَّهيَ يقتضي التَّحريم، فكذلك يقتضي الفساد، وأيضاً فهو طلاقٌ مَنَعَ منه الشَّرع، فأفادَ مَنعُه عَدَمَ جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عَدَمَ نُفوذه، وإلّا لم يكن للمَنع فائدة، لأنَّ الزَّوج لو وكَّلَ رجلاً أن يُطلِّق امرأته على وجهٍ، فطَلَّقَها على غير الوجه المأذون (١) في ((المحلَّ)) ١٦٣/١٠. ٢٦ باب ٢ / ح ٥٢٥٢ -٥٢٥٣ فتح الباري بشرح البخاري فيه لم يَنْفُذ، فكذلك لم يأذَن الشّارع للمُكلَّفِ في الطَّلاق إلّا إذا كان مُباحاً، فإذا طَلَّقَ طلاقاً مُحَّماً لم يَصِحّ، وأيضاً فكلّ ما حَرَّمَه الله من العُقود مطلوب الإعدام، فالحُكم بُيُطْلان ما حَرَّمَه ٣٥٥/٩ أقرب إلى تحصيل / هذا المطلوب من تَصحيحه، ومعلومٌ أنَّ الحلال المأذون فيه ليس كالحرام الممنوع منه. ثمَّ أطالَ من هذا الجِنس بمُعارضاتٍ كثيرةٍ لا تَنْهَض معَ التَّصيص على صريح الأمر بالرَّجعة، فإنَّها فرعُ وُقوع الطَّلاق وعلى تصريح صاحب القصَّة بأنَّهَا حُسِبَت عليه تطليقة، والقياس في مُعارَضة النَّصّ فاسدُ الاعتبار، والله أعلم. وقد عُورِضَ بقياسٍ أحسنَ من قياسه، فقال ابن عبد البرّ: ليس الطَّلاق من أعمال البِرّ التي يُتَقَرَّب بها، وإنَّما هو إزالة عِصْمةٍ فيها حَقُّ آدَمَيّ، فكيفَما أوقَعَه وَقَعَ، سواءٌ أُجِرَ في ذلك أم أثِمَ، ولو لَزِمَ المطيعَ ولم يَلزَم العاصي لكان العاصي أخَفَّ حالاً من المطيع. ثمّ قال ابن القَيِّم: لم يَرِدِ التَّصريح بأنَّ ابنَ عمر احتَسَبَ بتلكَ التطليقة إلّا في رواية سعید بن جُبیر عنه عند البخاريّ، ولیس فیھا تصریحٌ بالرَّفع، قال: فانفِراد سعيد بن جُبَير بذلك كانفِرادِ أبي الزُّبَير بقولِه: لم يَرَها شيئاً. فإمّا أن يَتَساقَطا وإمّا أن تُرَجَّح رواية أبي الزُّبَيرِ لتصريحِها بالرَّفع، وتُحمَل رواية سعيد بن جُبِير على أنَّ أباه هو الذي حَسَبَها عليه بعد موت النبيِّ وَّ في الوقت الذي ألزَمَ الناسَ فيه بالطَّلاق الثلاثِ بعد أن كانوا في زمن النبيِّ وَّهِ لا يُحْتَسَب عليهم به ثلاثاً إذا كان بلفظٍ واحدٍ. قلت: وغَفَلَ - رَحِمَه الله - عمَّا ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (١١/١٤٧١) من رواية أنس ابن سِيرِين على وِفاق ما روى سعيد بن جُبَير، وفي سياقه ما يُشعِر بأنَّه إنَّما راجَعَها في زمن النبِّ وَّةِ، ولفظُه: سألت ابنَ عمر عن امرأته التي طَلَّقَ فقال: طَلَّقتها وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبيِّ نَّه فقال: ((مُرْهُ فليُراجِعْها، فإذا طَهُرَت فليُطلِّقها لِطُهرها)) قال: فراجَعتُها ثمَّ طلَّقْتُها لِطُهرها. قلت: فاعتَدَدتَ بتلكَ التطليقة وهي حائض؟ فقال: ما لي لا أَعتَدُّ بها وإن كنت عَجَزْتُ واستَحمَقْتُ؟ وعند مسلم (١٤٧١ / ٤) أيضاً من طريق ابنِ أخي ابنِ شِهاب، عن عَمِّه، عن سالم في ٢٧ باب ٢ / ح ٥٢٥٢- ٥٢٥٣ كتاب الطلاق حديث الباب: وكان عبد الله بن عمر طَلَّقَها تطليقة، فحُسِبَت من طلاقها، فراجَعَها كما أَمَرَه رسول الله وَلّ. وله من رواية الزُّبَيديّ عن ابنِ شِهاب، قال ابنُ عمر: فراجَعتُها وحُسِبَت لها التطليقة التي طَلَّقْتُها. وعند الشافعيّ(١) عن مسلم بن خالد عن ابنِ جُرَيج: أنَّهم أرسَلُوا إلى نافع يسألونَه: هل حُسِبَت تطليقة ابنِ عمر على عهد النبيِّ يَّرَ؟ فقال: نعم. وفي حديث ابنِ عمر من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ الرَّجْعة يَستَقِلّ بها الزَّوجِ دُون الوَليّ ورِضا المرأة، لأنَّه جَعَلَ ذلك إليه دُونَ غيره، وهو كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِِهِنَّ فِی ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وفيه أنَّ الأَبَ يقوم عن ابنه البالغ الرَّشيد في الأُمور التي تقع له ممّا يَحتَشِم الابنُ من ذِكْره، ويَتَلَقَّى عنه ما لعلَّه يَلحَقه من العِتاب على فِعْله شَفَقةً منه وبِراً. وفيه أنَّ طلاق الطاهرة لا يُكرَه، لأَنَّه أنكَرَ إيقاعَه في الحيض لا في غيره، ولقوله في آخر الحديث: ((فإن شاءَ أمسَكَ وإن شاءَ طَلَّقَ)) . وفيه أنَّ الحامل لا تَحيض لقولِه في طريق سالم المتقدِّمة: (ثُمَّ لُيُطلِّقْها طاهراً أو حاملاً))، فحَرَّمَ وَِّ الطَّلاق في زمن الحيض وأباحَه في زمن الحَمل، فدَلَّ على أنَّهما لا يَجْتَمِعان. وأُجيبَ بأنَّ حيضَ الحامل لمَّا لم يكن له تأثيرٌ في تَطويل العِدّة ولا تَخفيفها، لأنَّها بوَضْع الحَمْل، فأباحَ الشّارعِ طلاقَها حاملاً مُطلَقاً، وأمَّا غيرُ الحامل ففَرَّقَ بين الحائض والطاهر، لأنَّ الحيض يُؤَثِّر في العِدّة، فالفرقُ بين الحامل وغيرها إنَّما هو بسبب الحَمْل لا بسبب الحيض ولا الطُّهر. وفيه أنَّ الأقراء في العِدّة هي الأطهارُ، وسيأتي تقرير ذلك في كتاب العِدّة (٢). وفيه تحريم الطَّلاق في طُهْرِ جامعَها فيه، وبه قال الجمهور، وقال المالكيَّة: لا يحرُم، وفي (١) في «مسنده» ٣٤/٢. (٢) ذكره في ((باب ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بَّهِنَ فِ ذَلِكَ﴾ في العِدَّة، وكيف يُراجع المرأة إذا طلَّقها واحدة أو ثنتين)) عند شرح الحديث (٥٣٣٢) من كتاب الطلاق. ٢٨ باب ٣ / ح ٥٢٥٤ فتح الباري بشرح البخاري روايةٍ كالجمهور، ورَجَّحَها الفاكهانيُّ لكَونِهِ شَرَطَ في الإذن في الطَّلاق عَدَمِ المَسِيسِ، والمعلَّق بشرطٍ مَعدومٌ عند عَدَمِه. ٣- باب من طلَّق، وهل يواجه الرّجل امرأتَه بالطّلاق ٥٢٥٤- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا الوليدُ، حدَّثنا الأوْزاعيُّ قال: سألتُ الزُّهْريَّ: أيُّ أزواج النبيِّنَّهِ اسْتَعَاذَت منه؟ قال: أخبرني عُرْوةُ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ ابنةَ الجَوْنِ لمَّا أُدْخِلَت على رسولِ اللهِوَّهُ ودَنَا منها قالت: أعوذُ بالله منكَ، فقال لها: ((لقد عُذْتِ بعَظيمِ، الْحَقِي بأهلِكِ» . رواه حَجّاجُ بنُ أبي مَنِيع، عن جَدِّه، عن الزُّهْرِيِّ، أنَّ عُرْوَ أخبَرَه، أنَّ عائشةَ قالت. ٣٥٦/٩ قوله: ((باب مَن طَلَّقَ، وهل يواجِه الرجل امرأته بالطَّلاق)) كذا للجميع، وحَذَفَ ابنُ بَطّالٍ من التَّرجمة قوله: ((مَن طَلَّقَ))، فكأنَّه لم يظهر له وجهُه، وأظنُّ المصنِّ قَصَدَ إثبات مشروعيَّة جواز الطَّلاق، وحَمْلَ حديثِ: ((أبغَضُ الحلال إلى الله الطَّلاق)) على ما إذا وَقَعَ من غير سببٍ، وهو حديثٌ أخرجه أبو داود وغيرُه(١)، وأُعِلَّ بالإرسال. وأمَّا المواجَهة فأشارَ إلى أنَّها خلافُ الأوْلى، لأنَّ تَركَ المواجَهة أرفَقُ وأُلْطَفُ إلّا إن احتیجَ إلى ذكر ذلك. ثمَّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدُها: حديثُ عائشة: قوله: ((أنَّ ابنةَ الجَوْن)) زاد في نُسخة الصَّغَانيّ: الكَلْبِيَّة. وهو بعيدٌ على ما سأُبِّنُه. ووقعَ في كتاب ((الصَّحابة)) لأبي نُعَيم (٧٤٦٢)(٢) من طريق عُبيد بن القاسم، عن (١) أخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨) من حديث محارب بن دِثار عن ابن عمر مرفوعاً إلى النبيِّ وَّ، وهو ضعيف، وقد نقل ابن أبي حاتم عن أبيه في ((العلل)) ١ / ٤٧١ قوله: إنما هو محاربٌ عن النبي وَ # مرسلاً، وقال الدار قطني في ((علله)» ٢٢٥/١٣: والمرسل أشبه. (٢) ذهل الحافظ رحمه الله عن وجود هذه الرواية في ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٣٧). ٢٩ باب ٣ / ح ٥٢٥٤ كتاب الطلاق هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ عَمْرة بنت الجَوْن تَعَوَّذَت من رسول الله حين أُدخِلَت عليه، قال: ((لقد عُذْت بمَعاذٍ)) الحديث. وعُبيد متروك. والصَّحيح أنَّ اسمها أُمَيمة بنت النُّعمان بن شَرَاحِيلَ كما في حديث أبي أُسَيدِ، وقال مرَّةً: أُمَيمة بنت شَرَاحِيلَ، فنُسِبَت لجدِّها، وقيل: اسمها أسماء، كما سأُبِّنُه في حديث أبي أُسَيدٍ (١) معَ شرحه مُستَوَى. وروى ابن سعد (١٤١/٨) عن الواقديِّ عن ابن أخي الزُّهْريِّ عن الزُّهْريِّ عن عُروة عن عائشة قالت: تزوَّجَ النبيُّ ◌َِّ الكِلَابيَّةَ، فذکر مِثلَ حديث الباب. وقوله: الكِلابيَّةَ، غَلَطٌ، وإنَّما هي الكِنْدِيَّة، فكأنَّما الكلمة تَصَخَّفَت. نعم للكِلابيَّة قصَّة أُخرى ذكرها ابن سعد أيضاً (١٤١/٨) بهذا السَّنَد إلى الزُّهْريِّ، وقال: اسمها فاطمة بنت الضَّحّاك بن سفيان، فاستَعاذَت منه فطَلَّقَها، فكانت تَلقُط البَعَر وتقول: أنا الشَّقِيَّة. قال: وتُوُفِيت سنة ستِينَ. ومن طريق عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه (٨/ ١٤٢): أنَّ الكنديَّة لمَّا وَقعَ الَّخيير اختارَت قومَها ففارَقَها، فكانت تقول: أنا الشَّقِيَّة. ومن طريق سعيد بن أبي هند (١٤٢/٨): أنَّها استعاذَت منه فأعاذَها، ومن طريق الكَلْبِيّ (١٤٣/٨): اسمها العاليَة بنت ظَبْيان بن عَمْرو. وحكى ابن سعد أيضاً (١٤٣/٨): أنَّ اسمها عَمْرة بنت يزيد بن عُبيد، وقيل: بنت يزيد بن الجَوْن. وأشارَ ابن سعد إلى أنَّها واحدة اختُلِفَ في اسمها. والصَّحيح أنَّ التي استَعاذَت منه هي الجَوْنيّة. وروى ابن سعد (١٤٤/٨-١٤٥) من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزَى قال: لم تَستَعِذْ منه امرأة غيرها. قلت: وهو الذي يَغلِبُ على الظَّنّ، لأنَّ ذلك إِنَّمَا وَقَعَ للمُستَعيذة بالخَديعة المذكورة، فيَبَعُدُ أن تُخُدَع أُخرى بعدَها بمِثلِ ما خُدِعَت به بعد شُيوع الخبر بذلك. حبـ (١) هو الحديث الآتي بعده. ٣٠ باب ٣ / ح ٥٢٥٥ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنَّ النبيَّ وَّهِ تزوَّجَ الْجَونِيَّةَ. واختَلَفوا في سبب فِراقه، فقال قَتَادةُ: لمَّا دَخَلَ عليها دَعاها فقالت: تعالَ أنتَ، فطَلَّقَها (١). وقيل: كان بها وَضَحٌ (٢) كالعامريَّة. قال(٣): وزَعَمَ بعضهم أنَّها قالت: أعوذ بالله مِنك، فقال: ((قد عُذْتِ بمَعاذٍ، وقد أعاذَك الله منِّي)» فِطَلَّقَها. قال: وهذا باطِل، إنَّما قال له هذا امرأةٌ من بني العَنْبَرَ وكانت جميلةً، فخافَ نِساؤُه أن تَعْلِبَهُنَّ عليه فقُلنَ لها: إنَّه يُعجِبه أن يقال له: نعوذ بالله منك، ففَعَلَت، فطَلَّقَها. كذا قال! وما أدري لِمَ حَكَمَ بُيُطْلان ذلك معَ کَثْرة الروايات الواردة فيه وتُبوته في حديث عائشة في ((صحيح البخاريّ))، وسيأتي مزيدٌ لذلك في الحديث الذي بعده، والقول الذي نَسَبه لِقَتَادة ذكر مِثْلَه أبو سعد(٤) النَّيسابوريّ عن شَرْقيّ بن قُطاميّ. قوله: ((رواه حَجّاج بن أبي مَنيع، عن جَدّه)) هو حَجّاج بن يوسف بن أبي مَنيع. وأبو مَنيع: هو عُبيد الله بن أبي زياد الوَصّافي، بفتح الواو وتشديد المهمَلة وبالفاءٍ، وكان يكون بحَلَب، ولم يُخْرِج له البخاريّ إلّا مُعلَّقاً، وكذا جدِّه. وهذه الطَّريق وَصَلَها الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْريّات))(٥)، ورواه ابن أبي ذِئْب أيضاً عن الزُّهْريِّ نحوه، وزاد في آخره: قال الزُّهْريُّ: جعلها تطليقةً، أخرجه البيهقيُّ (٧/ ٣٤٢). وقوله: ((الحَقِي بأهلِك)) بكسر الألف من ((الحَقِي))، وفتح الحاء بخلاف قوله في الحديث الثّاني: «أَلِقْها)) فإنَّه بفتح الهمزة وكسر الحاء. ثانيها: ٥٢٥٥- حدّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ غَسِيلٍ، عن حمزةَ بنِ أبي أُسَيدٍ، عن أبي (١) أخرجه عنه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٤/٤، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٧٤٥٨). (٢) الوَضَح: البياض من كل شيء، والمراد به هنا البَرَص. انظر ((اللسان)) (وضح). (٣) القائل هنا وفي الذي بعده هو قتادة كما أخرجه عنه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) برقم (٧٤٥٨) بهذا السياق. (٤) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: سعيد، وإنما هو أبو سَعْد عبد الملك بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) ١٧/ ٢٥٦. (٥) ووصلها أيضاً يعقوب بن سفيان في ((مشيخته)) كما في ((التوضيح)) لابن الملقن ١٩٩/٢٥. ٣١ باب ٣ / ح ٥٢٥٥ كتاب الطلاق و أَسَيدٍ ◌َُّ، قال: خَرَجْنا معَ النبيِّ وَّهِ حَتَّى انطَلَقْنا إلى حائطٍ يقال له: الشَّوْطُ، حتَّى انتَهَينا إلى حائطَيْنِ جَلَسْنا بينَهما، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اجْلِسُوا هاهُنا)) ودَخَلَ وقد أَتِيَ بِالجَوْنِيَّةِ فَأُنزِلَت في بيتٍ في نَخْلٍ في بيتٍ، أُمَيمةُ بنتُ النُّعْمان بنٍ شَرَاحِيلَ ومعها دايتُها حاضنةً لها، فلمَّا دَخَلَ عليها النبيُّ نَّهِ قال: ((هَبِي نَفْسَكِ لِ)) قالت: وهل تَهَبُ الملِكَةُ نفسَها لِلسُّوقةِ؟ قال: فَأَهْوَى بَيَدِه يَضَعُ يدَه عليها لِتَسكُنَ، فقالت: أعوذُ بالله منكَ، فقال: ((قد عُذْتِ بِمَعاذٍ) ثمَّ خَرَجَ علينا فقال: ((يا أبا أُسَيدٍ، اكْسُها رازِقِيَّتَينِ، وأَلِقْها بأَهلِها» . [طرفه في: ٥٢٥٧] قوله: ((حدَّثنا عبد الرّحمن بن غَسِيل)) كذا في رواية الأكثر بغير ألِف ولام. وفي رواية النَّسَفيّ: ابن الغَسيل، وهو أوجَه، ولعلَّها كانت ابن غسيل الملائكة، فسَقَطَ لفظ الملائكة، والألف واللّام بَدَل الإضافة، وعبد الرَّحمن يُنسَب إلى جَدّ أبيه: وهو عبد الرَّحمن بن سليمان بن عبد الله بن حَنظَلة بن أبي عامر الأنصاريّ، وحَنظَلة هو غَسيل الملائكة استُشهِدَ بأُحُدٍ وهو جُنُب، فغَسَّلَتِه الملائكة، وقِصَّته مشهورة(١). ووَقَعَ في رواية الجُرجانيّ: عبد الرحيم، والصَّواب: عبد الرّحمن، كما نَبَّهَ عليه الجيَّانيّ. قوله: ((إلى حائطٍ يقال له: الشَّوْط)) بفتح المعجَمة وسكون الواو بعدها مُهمَلة. وقيل: مُعْجَمة: هو بُستانٌ في المدينة معروفٌ. قوله: ((حتَّى انْتَهَينا إلى حائطينِ جَلسنا بينهما، فقال النبيُّ ◌َّ: اجلِسوا هاهنا. ودَخَلَ)) أي: ٣٥٨/٩ إلى الحائط. في رواية لابنٍ سعد (١٤٦/٨) عن أبي أُسَيدٍ قال: تزوَّجَ رسول الله وَلّ امرأة من بني الجَون، فأمَرَني أن آتيَه بها فأتيتُهُ بها، فأنْزَلتها بالشَّوطِ من وراء ذُباب في أُطُم، ثمَّ أتيت النبيَّ ◌َّ﴿ فأخبَرَته، فخَرجَ یَمشي ونحنُ معه. وذُباب، بضمِّ المعجَمة وموخَّدتَينِ مُفَّفاً: جبل معروف بالمدينة، والأُطُم: الحُصُون(٢) (١) أخرجها ابن حبان (٧٠٢٥)، والحاكم ٣/ ٢٠٤ وغيرهما. وانظر تمام تخريجه عند ابن حبان. (٢) كذا وقع في الأصلين و(س) بلفظ الجمع، وهو خطأ، صوابه: الحِصْن، بصيغة المفرد، وتمام كلام الحافظ يقتضيه، إذ مثّل له بقوله: كعُنق. فلعل ما وقع سبق قلم من الحافظ أو من بعض النُّشَّاخ، والله أعلم. ٣٢ باب ٣ / ح ٥٢٥٥ فتح الباري بشرح البخاري وهو الأُجُم أيضاً، والجمع آطام وآجام، كَعُنُقِ وأعناق. وفي روايةٍ لابنِ سعد (١٤٣/٨ - ١٤٤): أنَّ النُّعمان بن الجَون الكِنْدِيّ أتى النبيَّ ◌َيقول مسلماً فقال: ألا أُزَوِّجُك أجمَلَ أيِّم في العرب؟ فتزوَّجَها وبَعَثَ معه أبا أُسَيدِ الساعِديّ، قال أبو أُسَيدِ: فَأنَزَلتها في بني ساعدة، فدَخَلَ عليها نساء الحيِّ فِرِحينَ بها وخَرَجنَ، فذَكَرنَ من جمالها. قوله: ((فأُنزِلَت في بيتٍ فِي نَخْلٍ في بيتٍ، أُمَيمةُ بنت النُّعْمان بن شَراحِيلَ)) هو بالتَّنوين في الكلّ، وأُمَيمة بالرَّفع إمّا بَدَلاً عن الجَونِيَّة، وإمّا عَطفَ بيانٍ، وظنَّ بعض الشُّرّاح أنَّه بالإضافة(١)، فقال في الكلام على الرّواية التي بعدها: تزوَّجَ رسول الله وَلِ أُمَيمَةَ بنت شَرَاحِيلَ، ولعلَّ التي نزلت في بيتها بنتُ أخيها، وهو مردودٌ، فإنَّ ◌َرَج الطَّريقينِ واحدٌ، وإنَّما جاء الوَهْمُ من إعادة لفظ: ((في بيت)) وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبةَ في ((مُسنَده))(٢) عن أبي نُعَيم شيخ البخاريّ فيه فقال: في بيت في النَّخلِ أُمَيمة ... إلى آخره. وجَزَمَ هشام بن الكَلْبِيّ بأنَها أسماء بنت التُّعمان بن شَرَاحِيلَ بن الأسوَد بن الجَوْن الكنديَّة، وكذا جَزَمَ بتسميتها أسماءَ: محمَّدُ بن إسحاق ومحمّد بن حبيب وغيرُهما، فلعلَّ اسمَها أسماءُ ولَقَبَها أُمَيمةُ. ووَقَعَ في ((المغازي)) رواية يونس بن بُكَير (٣٩٧) عن ابن إسحاق(٣): أسماء بنت كعب (١) وهو كذلك في النسخة السلطانية بالإضافة، وقال القسطلاني في ((الإرشاد)): بإضافة بيت لأميمة، كذا في الفرع وأصله وغيرهما مما رأيته في الأصول، وقال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني كالكرماني: بالتنوين في الكل، ثم ذكر كلام الحافظ. (٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((مسنده)) ولا في ((مصنفه))، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد في «مسنده)) (٢٢٨٦٩)، ومن طريق أبي نعيم المذكور الطحاويُّ في ((شرح المشكل)) (٦٤١). (٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، فأوهم أنه اختُلف على ابن إسحاق في تسمية المرأة التي استعاذت منه بل﴿ ففارقها، وإنما سمى ابن إسحاق المرأة التي وجد بها بياضاً أسماء بنت النعمان الكندية، كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٤٧/٢ وأما أسماء بنت كعب الجَونية فقال فيها: لم يدخل بها النبي وَليه حتى طلَّقها. قلنا: ولم يبين السبب، فالظاهر أنها غير التي رأى فيها بياضاً، والله أعلم. ٣٣ باب ٣ / ح ٥٢٥٥ كتاب الطلاق الجَوْنَيَّة. فلعلَّ في نَسَبها من اسمُه كعبٌ نَسَبَها إليه، وقيل: هي أسماء بنت الأسوَد بن الحارث ابن النُّعمان. قوله: ((ومعها دايتُها حاضنةً لها)) الدّايَة - بالتَّحتانيّة -: الظِّئْر المرضِع، وهي مُعرَّبَةٌ، ولم أقِفْ على تسمية هذه الحاضنة. قوله: ((هَبِي نَفْسَك لي ... )) إلى آخره(١). قوله (٢): ((للسُّوقَةِ) بضمِّ السّين المهمَلة، يقال للواحدٍ من الرَّعيَّة والجميع، قيل لهم ذلك لأنَّ الملِكَ يَسُوقهم فيُساقونَ له ويَصرِفُهم على مُراده، وأمَّا أهل السُّوق فالواحد منهم سُوقيّ. قال ابن المنيِّرِ: هذا من بَقَيَّة ما كان فيها من الجاهليَّةِ، والسُّوقة عندهم: مَن ليس بمَلِكٍ كائناً من كان، فكأنَّهَا استَبَعَدَت أن يَتزوَّجَ الملِكَةَ مَن ليس بمَلِكِ، وكان ◌َّهِ قد خُيِّرَ أن يكون مَلِكاً نبيّاً، فاختارَ أن يكون عبداً نبيّاً تَواضُعاً منه وَ لَ لَرَبِّه(٣)، ولم يُؤَاخِذْها النبيُّ ◌َّ بكلامها مَعِذِرةً لها لقُرب عَهْدها بجاهليَّتِها. وقال غيرُهُ: يَحتمل أنَّها لم تَعرِفْهُ وَّهِ فِخاطَبَتَه بذلك. وسياقُ القصَّةِ من مجموع طُرقها يأبى هذا الاحتمال، نعم سيأتي في أواخر الأشربة (٥٦٣٧) من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: ذُكِرَ للنبيِّ وَِّ امرأةٌ من العرب، فأمَرَ أبا أُسَيدِ الساعِديَّ أن يُرسِل إليها فقَدِمَت، فنزلت في أُجُم بني ساعِدةَ، فخَرَجَ النبيّ وَِّ حَتَّى جاءها(٤) فدَخَلَ عليها فإذا امرأة مُنَكِّسةٌ رأسَها، فلمَّا كَلَّمَها قالت: أعوذ بالله مِنك، قال: ((لقد أعَذتُك منِّي)) فقالوا لها: أتدرينَ مَن هذا؟ هذا رسول الله وَاله جاء ليَخطُبُكِ، قالت: كنت أنا أشقَى من ذلك. فإن كانت القصّة (١) كذا بيّض له الحافظ، وكأنه أراد أن يشرح عليه فأخَخَّره، ثم نسي، وقد تقدم الكلام على النساء اللاتي وهبْن أنفسهن لرسول الله + برقم (٤٧٨٨). (٢) لفظ ((قوله)) سقط من (س). (٣) يشير إلى حديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد (٧١٦٠) وابن حبان (٦٣٦٥) وغيرهما. (٤) تحرَّفت في (س) إلى: جاء بها. ٣٤ باب ٣ / ح ٥٢٥٥ فتح الباري بشرح البخاري واحدةً، فلا يكون قوله في حديث الباب: ((أَلْحِقها بأهلِها»، ولا قوله في حديث عائشة: ((الحَقِي بأهلِك)) تطليقاً، ويَتَعيَّن أنَّها لم تَعرِفْهُ. وإن كانت القصَّة متعدِّدةً، ولا مانعَ من ذلك، فلعلَّ هذه المرأة هي الكِلابيَّة التي وَقَعَ فيها الاضطِراب. وقد ذكر ابن سعد (١٤٢/٨-١٤٣) بسندٍ فيه العَرْزَمِيُّ الضَّعيفُ عن ابن عمر قال: کان في نساء النبيِّ ێ سنا(١) بنت سُفیانَ بن عَوْف بن کعب بن أبي بكر بن کِلاب، قال: وكان النبيُّ وَلّهِ بَعَثَ أبا أُسَيدِ الساعِديّ يَخِطُب عليه امرأة من بني عامر يقال لها: عَمْرة بنت يزيد ابن ◌ُبید بن رُؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر. قال ابن سعد: اختَلَفَ علينا اسمُ الكِلابيَّة، فقيل: فاطمة بنت الضَّحّاك بن سفيان، وقيل: عَمْرة بنت يزيد بن عُبيد، وقيل: سَنا بنت سفيان بن عَوْف، وقيل: العاليَة بنت ظَبْيان ٣٥٩/٩ ابن عَمْرو / بن عَوْف، فقال بعضهم: هي واحدة، اختُلِفَ في اسمها، وقال بعضهم: بل كُنَّ جميعاً، ولكن لكلِّ واحدة منهنَّ قصّة غير قصَّة صاحبتها. ثمَّ تَرجَمَ الجَونِيَّةَ فقال: أسماء بنت النُّعمان، ثمَّ أخرج (١٤٣/٨ -١٤٤) من طريق عبد الواحد بن أبي عَوْن قال: قَدِمَ الُّعمان بن أبي الجَون الكنديّ على رسول الله وَلّ مسلماً فقال: يا رسولَ الله، ألا أُزَوِّجك أجَمَل أيّم في العرب، كانت تحت ابن عمٍّ لها فتُؤُنُ، وقد رَغِبَت فيك؟ قال: ((نعم)). قال: فابعَث مَن تَحِمِلُها إليك، فبَعَثَ معه أبا أُسَيدِ الساعِديّ. قال أبو أُسَيدِ: فَأَقَمت ثلاثةَ أيام، ثمَّ تَحمَّلْتُ معي في مِحَفَّةٍ(٢)، فأقبَلتُ بها حتَّى قَدِمت المدينة، فأنزلتها في بني ساعِدة، ووَجَّهتُ إلى رسول الله وَّلِ وهو في بني عَمْرو بن عَوْف فأخبَرَتُه، الحديثَ. قال ابن أبي عَون: وكان ذلك في رَبيع الأوَّل سنة تسع. ثُمَّ أخرج (١٤٤/٨) من طريق أُخرى عن عمر بن الحَكَم عن أبي أُسَيدٍ قال: بَعَثَني رسول اللهِ وَ له إلى الجَونِيَّة، فحَمَلتُها حتَّى نزلت بها في أُطُم بني ساعدة، ثمَّ جِئت رسول الله وَلَّه فأخبَرَته، فخَرَجَ يَمشي على ڕِجلیه حتَّى جاءها، الحديث. (١) يقال في اسمها: سبا وسنا، بالباء الموحدة والنون، انظر ((الإصابة)) للحافظ ٧ /٦٩٠. (٢) المِحَفَّة: الهَوْدج لا قُبَّةَ له، يوضع على ظهر البعير لتركب عليه المرأة، انظر ((اللسان)) (حفف). ٣٥ باب ٣ / ح ٥٢٥٥ كتاب الطلاق ومن طريق سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزَى (١٤٤/٨ -١٤٥) قال: اسم الجَونيَّة أسماءُ بنت النُّعمان بن أبي الجَوْن، قيل لها: استَعيذي منه فإنَّه أحظَى لك عنده، وخُدِعَت لمَا رُئِيَ من جَمالها، وذُكِرَ لرسولِ الله وَّ مَن حَمَلَها على ما قالت فقال: ((إِنَّهُنَّ صَوَاحِبُ يوسفَ وگیدُهُنَّ»، فهذه تَتَنزَّلُ قِصَّتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد. وأمَّا القصّة التي في حديث الباب من رواية عائشة، فيُمكِنُ أن تُنَزَّلَ على هذه أيضاً، فإِنَّه ليس فيها إلّا الاستعاذة، والقصَّة التي في حديث أبي أُسَيدِ فيها أشياء مُغايرة لهذه القصَّة، فيقوَى التعدُّد، ويقوَى أنَّ التي في حديث أبي أُسَيدِ اسمها أُمَيمة، والتي في حديث سَهل اسمها أسماءُ، والله أعلم. وأُمَيمة كان قد عَقَدَ عليها ثمَّ فارَقَها، وهذه لم يَعِقِدْ عليها بل جاء ليَخطُبَها فقط. قوله: ((فأهوَى بِيدِه)) أي: أمالَهَا إليها. ووَقعَ في رواية ابن سعد (١٤٤/٨ و١٤٦): فأهوى إليها ليُقُبِّلَها، وكان إذا اجْتَلَى(١) النِّساء أقْعَى وقَبَّلَ. وفي رواية لابنٍ سعد (١٤٣/٨ - ١٤٤): فدَخَلَ عليها داخلٌ من النِّساء وكانت من أجمَل النِّساء، فقالت: إنَّكِ من الملوك، فإن كنت تريدينَ أن تَّحظَي عند رسول الله ◌َ ﴿ فإذا جاءك فاستعیذي منه. ووقعَ عنده (١٤٥/٨- ١٤٦) عن هشام بن محمَّد عن عبد الرَّحمن بن الغَسيل بإسنادِ حديث الباب: أنَّ عائشة وحفصة دَخَلَتا عليها أوَّلَ ما قَدِمت، فمَشَّطَتاها وخَضَّبَتَاها، وقالت لها إحداهما: إنَّ النبيَّ ◌َّه يُعجِبه من المرأة إذا دَخَلَ عليها أن تقولَ: أعوذ بالله مِنك. قوله: ((فقال: قد عُذْت بمَعاذٍ)) هو بفتح الميم: ما يُستَعاذ به، أو اسمُ مكانِ العَوْذ، والتَّنوين فيه للتَّعظيمِ. وفي رواية ابن سعد (١٤٥/٨-١٤٦): فقال بكُمِّه على وَجهِه وقال: ((عُذْتِ مَعاذا)) ثلاث مرَّات. وفي أُخرى له (١٤٥/٨): فقال: ((أَمِنَ عائذُ الله)). قوله: ((ثُمَّ خَرَجَ علينا فقال: يا أبا أُسَيدٍ، اكْسُها رازِقِيَّينِ)) براءٍ ثمَّ زاي ثمَّ قاف، بالتَّنية صِفَةُ موصوفٍ محذوفٍ للعِلمِ به. والرَّازِقيَّةُ: ثياب من كَّان بيض طِوال، قاله أبو عبيدة. وقال: (١) تصحف في (س) إلى: اختلى. وإنما هو من جَلَوتُ العروسَ واجتليتُها: إذا نظرت إليها مَجَلُوَّةً، أي: مکشوفةً. ٣٦ باب ٣ / ح ٥٢٥٥ فتح الباري بشرح البخاري غيره: يكون في داخل بياضها زُرقة، والرَّازِقيُّ: الضعيف(١). قال ابن التِّين: مَتَّعَها بذلك إمّا وُجوباً وإمّا تَفَضُّلاً. قلت: وسيأتي حُكم المتعة قَبَلَ (٢) كتاب النَّفَقات. قوله: ((وأَلْحِقْها بأهلِها)) قال ابن بَطّالٍ: ليس في هذا أنَّه واجَهَها بالطَّلاق. وتَعقَّبَه ابن المنيِّرِ: بأنَّ ذلك ثَبَتَ في حديث عائشة أوَّلَ أحاديث الباب، فيُحمَل على أنَّه قال لها: ((الحَقِي بأهلِك)) ثمَّ لمَّا خَرَجَ إلى أبي أُسَيدٍ قال له: ((ألْحِقها بأهلِها)) فلا مُنافاةَ، فالأوَّل قَصَدَ به الطَّلاقَ، والثّاني أراد به حقيقةَ اللَّفظ، وهو أن يُعيدَها إلى أهلها، لأنَّ أبا أُسَيدٍ هو الذي كان أحضَرَها کما ذَگرناه. ووَقعَ في روايةٍ لابنِ سعد (١٤٤/٨) عن أبي أُسَيدٍ قال: فأمَرَني فَرَدَدتُها إلى قَومِها. وفي أُخرى له (١٤٦/٨): فلمَّا وصَلتُ بها تَصايَحُوا وقالوا: إنَّك لَغيرُ مُبارَكة، فما دَهاكِ؟ قالت: خُدِعتُ. قال: فَتُؤُفِّيت في خلافة عثمان. قال: وحدَّثني هشام بن محمَّد عن أبي خَيْثمةَ زُهَيرِ بن معاوية: أنَّا ماتت كَمَداً. ٣٦٠/٩ ثُمَّ رَوَى (١٤٧/٨) بسندٍ فيه الكَلْبِيُّ: أنَّ المهاجِر بن أبي / أُميَّة تزوَّجَها، فأراد عمر مُعاقَبَتها، فقالت: ما ضُرِبَ عليَّ الِحِجاب، ولا سُمّيتُ أَّ المؤمنينَ، فَكَفّ عنها. وعن الواقديِّ: سمعتُ مَن يقول: إنَّ عِكْرمة بن أبي جهل خَلَفَ عليها، قال: وليس ذلك بشَتٍ. ولعلَّ ابن بَطّالٍ أراد أنَّه لم يواجهها بلفظ الطَّلاق، وقد أخرج ابن سعد (١٤٥/٨) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه: أنَّ الوليد بن عبد الملك كَتَبَ إليه يسأله، فكَتَبَ إليه: ما تزوَّجَ النبيُّ وَلَّ كِنِدَّة إلّا أُخت بني الجَوْنِ فمَلَكَها، فلمَّا قَدِمَت المدينة نظر إليها فطَلَّقَها ولم يَبْنِ بها. فقوله: ((فطَلَّقَها)) يحتمل أن يكون باللَّفْظِ المذكور، قيل: ويحتمل أن يكون واجَهَها بلفظ الطَّلاق، ولعلَّ هذا هو السّرّ في إيراد التَّرجمة بلفظ الاستفهام دون بَتِّ الحُكم. (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: الصفيق. والمثبت على الصواب من قسم الغريب في المقدمة حيث ذكره الحافظ على الصواب موافقاً لما قاله ابن الأثير في ((النهاية)). (٢) تحرَّف في (س) إلى: ((في))، وقد تكلم الحافظ على حكم المتعة في (باب المتعة للتي لم يفرض لها) عند الحديث (٥٣٥٠). ٣٧ باب ٣ / ح ٥٢٥٦-٥٢٥٧ كتاب الطلاق واعتَرَضَ بعضُهم بأنَّه لم يَتزوَّجها إذ لم يَجِرِ ذِكْر صُورة العَقد، وامتَنَعَت أن تَهَب له نفسَها، فكيف يُطلِّقها؟ والجواب: أنَّه وَّيه كان له أن يُزُوِّجَ من نفسِه بغير إذن المرأة وبغير إذنٍ وليِّها، فكان مُجرَّد إرساله إليها وإحضارِها ورغبته فيها كافياً في ذلك، ويكون قوله: ((هَبي لي نفسَك)) تَطييباً لخاطِرِها واستمالةً لقلبها، ويُؤَيِّده قوله في رواية لابنِ سعد (١٤٣/٨ -١٤٤): إنَّه اتَّفَقَ معَ أبيها على مِقدار صَداقِها، وأنَّ أباها قال له: إنَّهَا رَغِبَت فيكَ وحَطَّتْ(١) إليك. ٥٢٥٦، ٥٢٥٧ - وقال الحسينُ بنُّ الوليدِ النَّيسابورِيُّ: عن عبدِ الرَّحمنِ، عن عبَّاسِ بِنِ سَهْلٍ، عن أبيه وأبي أُسَيدٍ قالا: تَزوَّجَ النبيُّ ◌َّهِ أُمَيمَةَ بنتَ شَرَاحِيلَ، فلمَّا أُدْخِلَت عليه بَسَطَ يَدَهُ إليها، فكأنَّا كَرِهَت ذلك، فأمَرَ أبا أُسَيدِ أن يُجُهِّزَها ويَكْسُوَهَا ثَوْبَينِ رازِقِيَّينِ. ٢٥٢٥٧- حدَّثَنِي عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدّثنا إبراهيمُ بنُ أبي الوَزِيرِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن همزةً، عن أبيه، وعن عبَّاسِ بنِ سَهْلٍ بنِ سعدٍ، عن أبيه، بهذا. [طرفه في: ٥٦٣٧] قوله: ((وقال الحسين بن الوليد النَّيسابوريّ: عن عبد الرّحمن)) هو ابن الغَسيل ((عن عبَّاس(٢) ابن سَهْل، عن أبيه وأبي أُسَيدٍ)) هذا التَّعليق وَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أبي أحمد الفَرّاء عن الحسين، ومُراد البخاريّ منه: أنَّ الحسين بن الوليد شارَكَ أبا نُعَيم في روايته لهذا الحديث عن عبد الرَّحمن بن الغَسيل، لكن اختَلَفا في شيخ عبد الرّحمن، فقال أبو نُعَيم: حمزة، وقال الحسین: عبَّاس بن سَهْل. ثمَّ ساقَه من طريق ثالثة عن عبد الرّحمن، فبيَّن أنَّه عند عبد الرَّحمن، بالإسنادَين، لكن طريق أبي أُسَيدٍ عن حمزة ابنه عنه، وطريق سَهل بن سعد عن عبَّاس ابنه عنه. وكأنَّ حمزة حُذِفَ في رواية الحسين بن الوليد، فصارَ الحديث من رواية عبّاس بن سَهل عن (١) تحرَّف في (س) إلى: ((وخطبت)). وحَطَّت إليك، أي: مالَتْ إليك ونَزَلَت بقلبها نحوك. (٢) وقع في الأصلين هنا في مجموع المواضع التي ذكر فيها عباس بن سهل: ابن عباس، بإقحام لفظة ((ابن)). ٣٨ باب ٣ / ح ٥٢٥٦-٥٢٥٧ فتح الباري بشرح البخاري أبي أُسَيدٍ، وليس كذلك. والتَّحرير ما وَقَعَ في الرِّواية الثّالثة وهي رواية إبراهيم بن أبي الوزير، واسم أبي الوزير عمرُ بن مُطرِّف، وهو حِجازيّ نزلَ البصرة، وقد أدرَكَه البخاريّ ولم يَلقَه، فحدَّث عنه بواسطةٍ، وذكره في ((تاريخه)) فقال: مات بعد أبي عاصم سنة اثنتَي عشرة، وليس له في البخاريّ سوى هذا الموضع. وقد وافَقَه على إقامة إسناده أبو أحمد الزُّبَيريّ، أخرجه أحمد في «مُسنَده)) (١٦٠٦١) عنه. تنبيهان: الأوَّل: قال القاضي عياض في أوائل كتاب الجهاد من ((شرح مسلم)): قال البخاريّ في ((تاريخه)): الحسين بن الوليد، أبو عليّ (١) النَّيسابوريّ القُرَشِيّ، مات سنة ثلاث ومئتَين، ولم يَذكُر في باب الحسن مُكَبَّراً من اسمه الحسن بن الوليد، وذكر في ((صحيحه)) في كتاب الطَّلاق: الحسن بن الوليد النَّسابوريّ عن عبد الرَّحمن، عن عبَّاس بن سَهل، عن أبيه وأبي أُسَيدِ: تزوَّجَ رسول الله وَّةٍ أُمَيمة بنت شَرَاحِيلَ. كذا ذكره مُكَبَّراً. قلت: لم أرَه في شيء من النُّسَخ المعتمَدة من البخاريّ إلّا مُصغَّراً، ويُؤيِّده اقتصاره عليه في («تاريخه)) (٢/ ٢٩١)، والله أعلم. الثّاني: وَقِعَ في رواية أبي أحمد الجُرجانيّ في السَّنَد الأوَّل: عن حمزة بن أبي أُسَيدٍ، عن عبّاس بن سَهل، عن أبيه، وهو خطأ سَقطَت الواو من قوله: وعن عبَّاس، وقد ثَبَتَت عند جميع الرُّواة. وفي الحديث أنَّ مَن قال لامرأتِه: الحَقِي بأهلِك، وأراد الطَّلاق طَلْقَت، فإن لم يُرِد الطَّلاق لم تَطلُق على ما وَقعَ في حديث كعب بن مالك الطّويل في قصَّة تَوبَته: أنَّ النبيَّ ◌َيه لمَّا أرسَلَ إليه أن يَعتَزِل امرأته قال لها: الحَقِي بأهلِك، فكوني فيهم حتَّى يقضيَ الله هذا الأمر، وقد مَضَى الكلام عليه مُستَوقَى في شرحه (٤٤١٨). الحدیث الثالث: حديث ابن عمر في طلاق امرأته. (١) وقع في الأصلين و(س): ((بن علي))، والصواب ما أثبتناه كما في ((التاريخ الكبير)) ٣٩١/٢ ترجمة رقم (٢٨٨٥)، وانظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ٤٩٥/٦، وفيه: أبو علي، ويقال: أبو عبد الله، واقتصر القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) ٨/٦ على ذكر اسمه ونسبته فقال: الحسن بن الوليد النيسابوري. ٣٩ باب ٣-٤ / ح ٥٢٥٨ كتاب الطلاق ٥٢٥٨- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا همَّامُ بنُ يحيى، عن فَتَادةَ، عن أبي غَلّابٍ یونُسَ ابن جُبٍَ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: رجلٌ طَلَّقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فقال: تَعْرِفُ ابنَ عمرَ؟ إنَّ ابنَ عمَرَ طَلَّقَ امرأته وهي حائضٌ، فَتَى عمرُ النبيَّ وَ فَذَكَرَ ذلك له، فأمُرَه أن يُراجِعَها، فإذا طَهُرَت فأرادَ أن يُطلِّقَها فلْيُطلِّقْها، قلتُ: فهل عَذَّ ذلك طلاقاً؟ قال: أرأيتَ إن عَجَزَ واسْتَحْمَقَ؟ وقد مَضَی شرحه مُستوقی قبلُ (٥٢٥١-٥٢٥٣). وقوله في هذه الرّواية: «أتعرِفُ ابنَ عمر؟)) إنَّما قال له ذلك معَ أنَّه يَعرِف أنَّه يَعرِفه وهو الذي يُخاطِبه ليُقرِّرَه على اتّباع السُّنّة، وعلى القَبُول من ناقلها، وأنَّه يَلزَمُ العامّةَ الاقتداءُ بمَشاهير العلماء، فقَرَّرَه على ما / يَلزَمُه من ذلك لا أنَّه ظنَّ أنَّه لا يَعرِفه. ٣٦١/٩ قال ابن المنيِّرِ: ليس فيه مواجهةُ ابنِ عمرَ المرأةَ بالطَّلاق، وإنَّما فيه: طَلَّقَ ابنُ عمرَ امرأته، لكنَّ الظّاهر من حالِهِ المواجهةُ، لأَنَّه إِنَّمَا طَلَّقَها عن شِقاق. انتهى، ولم يَذكُر مُستنَده في الشِّقاق المذكور، فقد يحتمل أن لا يكون عن شقاق بل عن سببٍ آخَر. وقد روى أحمد (٤٧١١) والأربعة(١) وصَخَّحَه التِّرمِذيّ وابن حِبّان (٤٢٦ و٤٢٧) والحاكم (١٩٧/٢ و١٥٢/٤) من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: كان تحتي امرأةٌ أُحِبُّها، وكان عمرُ يَكرَهها فقال: طَلِّقها، فأتيت النبيَّ ◌َّهِ فقال: ((أَطِعْ أباكَ))، فيَحتمل أن تكون هي هذه، ولعلَّ عمر لمَّا أمَرَه بطلاقها وشاوَرَ النبيَّ وَِّ، فامتَثَلَ أمْرَه اتَّفَقَ أنَّ الطَّلاق وَقِعَ وهي في الحيض، فعَلِمَ عمرُ بذلك، فكان ذلك هو السِّ في تَوَلِّيه السُّؤالَ عن ذلك، لکَونِهِ وَقعَ من قِبَلِه. ٤- باب من جَوَّز الطَّلاق الثّلاث لقول الله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال ابنُ الزُّبَيرِ في مريضٍ طَلَّقَ: لا أُرَى أن تَرِثَ مَبْتُونَةً. وقال الشَّعْبيُّ: تَرِثُه. (١) أبو داود (٥١٣٨)، وابن ماجه (٢٠٨٨)، والترمذي (١١٨٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٦٣١). ٤٠ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابنُ شُبْرُمةَ: تَزوَّجُ إذا انقَضَتِ العِدّةُ؟ قال: نعم، قال: أَرَيتَ إن ماتَ الزَّوْجُ الآخَرُ؟ فرَجَعَ عن ذلك. ٣٦٢/٩ قوله: ((باب مَن جَوَّزَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وللأكثرِ: مَن أجازَ. وفي التَّرجمة إشارة إلى أنَّ منَ السَّلَف مَن لم يُجِزْ وُقوعَ الطَّلَاقِ الثلاثِ، فَيَحتمل أن يكون مُراده بالمَنْعِ مَن كَرِهَ البَيْنُونة الكُبرَى، وهي بإيقاع الثلاث، أعَمَّ من أن تكون مجموعةً أو مُفرَّقةً، ويُمكِن أن يُتَمسَّك له بحديثِ: ((أبغَضُ الحلالِ إلى الله الطَّلاقُ))، وقد تقدَّم في أوائل الطَّلاق(١). وأخرج سعيد بن منصور (١٠٧٣) عن أنس: أنَّ عمرَ كان إذا أُنيَ برجلٍ طَلَّقَ امرأته ثلاثاً أو جَعَ ظهرَه، وسنده صحيح. ويحتمل أن يكون مُراده بعَدَمِ الجواز: مَن قال: لا يقع الطَّلاق إذا أوقَعها مجموعةً للنَّهي عنه، وهو قولٌ للشّيعة وبعض أهل الظّاهر، وطَرَدَ بعضُهم ذلك في كلّ طلاق مَنهيٍّ، كَطلاق الحائض وهو شُذوذٌ، وذهب كثير منهم إلى وقوعه مع مَنْع جوازه، واحتَجَّ له بعضهم بحديثٍ محمود بن لَبيد قال: أُخبرَ النبيُّ وَ﴿ عن رجل طَلَّقَ امرأته ثلاثَ تطليقاتٍ جميعاً، فقام مُغْضَباً(٢) فقال: ((أَيُلِعَبُ بكتاب الله وأنا بينَ أظهُرِكُم؟)) الحديث، أخرجه النَّسائيُّ (٣٤٠١) ورجاله ثقات، لكنَّ محمود بن لَبيد وُلِدَ في عهد النبيِّ ◌َّ﴿ ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضُهم في الصَّحابة فلأجلِ الرُّؤية، وقد تَرجمَ له أحمد في ((مُسنَده)) وأخرج له عِدّة أحاديث ليس فيها شيءٌ صَرَّحَ فيه بالسَّماع، وقد قال النَّسائيُّ بعد تخريجه (ك٥٥٦٤): لا أعلمُ أحداً رواه غير مَخْرَةَ بن بُكَير - يعني ابن الأشَجّ - عن أبيه. انتهى، ورواية مَخَرَمةً عن أبيه عند مسلم في عِدّة أحاديث(٣)، وقد قيل: إنَّه لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صِحّة (١) تحت باب (٣) من هذا الكتاب، وسلف تخريجه هناك. (٢) كذا في الأصلين، ووقع في المطبوع من ((المجتبى) و((الكبرى)) (٥٥٦٤): فقام غضباناً، وهو صحيح على لغة بني أسد، إذ يؤثّثون باب ((فَعْلان)) بالتاء فيقولون: فعلانة، فمن هاهنا صُرفت الكلمة، ولكن الرواية التي وقعت للحافظ أفصح. (٣) منها برقم (٢٣٢) و(٢٤٠) و(٢٩٥) و(٣٠٣).