النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ باب ٩٢ / ح ٥٢٠٣ كتاب النكاح عندَ أبي الضُّحَى، فقال: حدَّثنا ابنُ عبَّاسٍ، قال: أصبَحْنا يوماً ونساءُ النبيِّ وَلاَ يَيْكِينَ، عندَ كلِّ امرأةٍ منهنَّ أهلُها، فخَرَجْتُ إلى المسجدِ فإذا هو مَلَآنُ منَ الناسِ، فجاء عمرُ بنُ الخطّاب فِصَعِدَ إِلَى النّبِيِّ وَّ وهو في غُرْفٍ له، فسَلَّمَ فلم يُحِيْه أحدٌ، ثمَّ سَلَّمَ فلم يُحِيْه أحدٌ، ثمَّ سَلَّمَ فلم يُحِيْه أحدٌ، فناداه، فدَخَلَ على النبيِّ ◌َِّ فقال: أطَلَّقْتَ نساءَكَ؟ فقال: ((لا، ولكن آلَيتُ منهنَّ شَهْراً)) فمَكَثَ تسعاً وعِشْرِينَ ثُمَّ دَخَلَ على نسائِه. الأول: حديث أم سلمة. قوله: ((عِكْرمة بن عبد الرّحمن بن الحارث)) أي: / ابن هِشَام بن المغيرة، وهو أخو أبي ٣٠٢/٩ بكر بن عبد الرَّحمن، أحدِ الفُقهاء السَّبعة، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد أخرجه في الصيام (١٩١٠) عن أبي عاصمٍ وحدَه به. وقوله في هذه الطَّريق: ((لا يَدخُلُ على بعض نسائه)) كذا في هذه الرّواية، وهو يُشعِر بأنَّ اللّتي أقسَمَ أن لا يَدخُل عليهنَّ هُنَّ مَن وَقَعَ منهنَّ ما وَقَعَ من سبب القَسَم، لا جميع النِّسوة، لكن اتَّفَقَ أنَّه في تلك الحالة انفَكَّت رِجْلُه كما في حديث أنس المتقدِّم في أوائل الصيام (١٩١١)، فاستَمرَّ مُقيماً في المَشْرُبة ذلك الشَّهرَ كلَّه، وهو يُؤيِّد أنَّ سبب القَسَم ما تقدَّم في مارية، فإنَّما تقتضي اختصاصَ بعض النِّسْوة دون بعض، بخِلَاف قصَّة العَسَل فإنَّهُنَّ اشتَرَكنَ فيها إلّا صاحبةَ العَسَل، وإن كانت إحداُهُنَّ بَدَأْت بذلكَ، وكذلكَ قصَّة طلب النَّفَقة والغَيْرة، فإنَّهُنَّ اجتَمَعنَ فيها (١). الحديث الثاني: قوله: ((أبو يَعْفور)) بفتح التَّحتانيَّة وسكون المهمَلة وضمّ الفاء وسكون الواو وآخره راء: هو الأصغر، واسمه: عبد الرَّحمن بن عُبَيد، كوفيٌّ ثقة، ليس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث، وآخر تقدَّم في آخر ليلة القَدْر (٢٠٢٤) حدَّث به أيضاً عن أبي الضُّحَى. قوله: «تَذاکزْنا عند أبي الضُّحی، فقال: حدثنا ابنُ عبّاس)» لم یذُر ما تَذاكروا به، وقد أخرجه النَّسائيُّ (٣٤٥٥) عن أحمد بن عبد الحَكَم عن مروان بن معاوية بالإسناد الذي (١) سلف تخريج هذه القصص تحت شرح حديث (٥١٩١). ٦٠٢ باب باب ٩٢ / ح ٥٢٠٣ فتح الباري بشرح البخاري أخرجه البخاريّ فأوضَحَه، ولفظه: تَذاكرنا الشَّهر، فقال بعضُنا: ثلاثينَ، وقال بعضُنا: تِسعاً وعشرينَ، فقال أبو الضُّحَى: حدثنا ابنُ عبَّاس، وكذا أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن مروان بن معاوية وقال فيه: تَذاكَرنا الشَّهر عند أبي الضُّحَى. قوله: ((فدَخَلْتُ المسجد، فإذا هو مَلْآنُ من الناس)) هذا ظاهر في حضور ابن عبّاس هذه القصَّة، وحديثُه الطّويل، بل الذي مَضَى قريباً (٥١٩١) يُشعِرِ بأنَّه ما عَرَفَ القصَّة إلّا من عمر، لكن يحتمل أن يكون عَرَفَها مُجمَلة، ففَصَّلَها عمر له لمَّا سألَه عن المتظاهرتَينِ. قوله: ((في غُرْفة)) في رواية النَّسائيِّ: ((في عُلِّيَّة)) بمُهمَلٍ مضمومة وقد تُكسَر، وبلامِ ثمَّ تحتانيَّة ثقيلَتَينِ: هي المكان العالي، وهي الغُرْفة، وتقدّم أنَّها كانت مَشْرُبةً وفُشِّرَت فيما مَضَى، وزاد الإسماعيليّ من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن أبي يَعفُور: في غُرْفة ليس عندَه فیھا إلّا بلال. قوله: ((فناداه فدَخَلَ على النبيّ وَغَ)) كذا في جميع الأُصول التي وقفتُ عليها من البخاريّ بحذفٍ فاعلٍ: ((فناداه))، فإنَّ الضَّمير لعمر وهو الذي دَخَلَ، وقد وَقَعَ ذلك مُبيّناً في رواية أبي نُعَيم، ولفظه بعد قوله فسَلَّمَ: فلم يُحِبِه أحد، فانصَرَفَ، فناداه بلالٌ فدَخَل، ومثله للنّسائيّ لكن قال: فنادَى بلالٌ(١)، بحذفِ المفعول، وهو الضَّمير في رواية غيره، وعند الإسماعيليّ: فسَلَّمَ فلم يُحِبِه أحد، فانحَطَّ، فدَعاه بلال، فسَلَّمَ، ثمَّ دَخَلَ، وقد تقدَّم في الحديث الطّويل أنَّ في رواية سِماك بن الوليد عن ابن عبّاس عن عمر عند مسلم (١٤٧٩/ ٣٠) أنَّ اسمَ الغلامِ الذي أَذِنَ له: رَباح، فلولا قوله في هذه الرِّواية: «ليس عنده فيها إلّا بلال)) لجَوَّزتُ أن يكونا جميعاً كانا عنده، لكن يجوز أن يكون الحصرُ للعِنديَّةِ الدَّاخلة، ويكون رَباحٌ كان على أُسكُفّة الباب كما تقدَّم، وعند الإذن ناداه بلالٌ فأسمَعه رَباحٌ، فَيَجْتَمِع الخبرانِ. (١) في المطبوع من ((سنن النسائي)) المجتبى (٣٤٥٥)، والكبرى (٥٦٢٠): فنادى بلالاً، بحذف الفاعل وجَعْلِ ((بلال)) مفعولاً. ٦٠٣ باب ٩٣ / ح ٥٢٠٤ كتاب النكاح قوله: ((فقال: لا، ولكن آلَيتُ منهنَّ شَهْراً)) أي: حَلَفتُ أن لا أدخُلَ عليهنَّ شهراً، كما تقدَّم بيانه واضحاً في شرح حديث عمر المطوّل. ٩٣ - باب ما يُكرَه من ضَرْب النّساء وقولِ الله تعالى: ﴿وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] أي: ضَرْباً غيرَ مُبَرِّحٍ. ٥٢٠٤- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ زَمْعةً، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((لا يَخْلِدْ أحدُكُمُ امرأتَه جَلْدَ العبدِ، ثمَّ يُجامِعُها في آخِرِ اليومِ)). قوله: ((باب ما يُكْرَه من ضَرْب النِّساء)» فيه إشارة إلى أنَّ ضرْبَهَنَّ لا يُباح مُطلَقاً، بل فيه ما يُكرَه كراهةَ تنزيه أو / تحريم على ما سَنُفَصِّلُه. ٣٠٣/٩ قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾، أي: ضرباً غير مُبَرِّح)) هذا التَّفسير مُنْتَزَع من المفهوم من حديث الباب من قوله: ((ضَرْبَ العَبد)) كما سأُوضِّحُه، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث عَمْرو بن الأخْوَص أنَّه شَهِدَ حَجّة الوَداعِ معَ رسول الله وَّهِ، فذكر حديثاً طويلاً، وفيه: ((فإن فعَلْنَ فاهجُروهُنَّ في المضاجِع، واضِرِبوهُنَّ ضرباً غير مُبَرِّح)) الحديث أخرجه أصحاب ((السُّنَن))(١)، وصَخَّحَه الثِّرمِذيّ واللَّفظ له، وفي حديث جابر الطَّويل عند مسلم (١٢١٨ / ١٤٧): ((فإن فَعَلْنَ فاضرِبوهُنَّ ضرباً غير مُبَرِّح))، قلت: وسَبَقَ التَّنصيصُ(٢) في حديث معاوية بن حَيْدة على النَّهي عن ضرب الوجه. قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوْريّ، وهشام: هو ابن عُرْوة، وعبد الله بن زَمْعة تقدَّم بيانُ نَسَبه في تفسير سورة ((والشمس)) (٤٩٤٢). قوله: ((لا يَجْلِدْ أحدُكُم) كذا في نُسَخ البخاريّ بصيغة النَّهي، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية أحمد بن سفيان النَّسائيِّ عن الفِرْيابيّ - وهو محمَّد بن يوسف شيخُ البخاريّ فيه - (١) أخرجه أبو داود (٣٣٣٤)، وابن ماجه (١٨٥١) و(٢٦٦٩) و(٣٠٥٥)، والترمذي (١١٦٣) و(٣٠٨٧)، والنسائي في ((الکبری» (٩١٢٤). (٢) في شرح الباب السابق. ٦٠٤ باب ٩٣ / ح ٥٢٠٤ فتح الباري بشرح البخاري بصيغة الخبر، وليس في أوَّله صيغة النَّهي، وكذا أخرجه أبو نُعَيم من وجه آخر عن الفِرْيابيّ، وكذا تَوارَدَ عليه أصحابُ هشام بن عُرْوة، وتقدَّم في التَّفسير (٤٩٤٢) من رواية وُهَيب، ويأتي في الأدب (٦٠٤٢)، من رواية ابن عُيَينَةَ، وكذا أخرجه أحمد عن ابن عُيَينةَ (١٦٢٢٤)، وعن وكيع (١٦٢٢١)، وعن أبي معاوية (١٦٢٢٢)، وعن ابن نُمَير (١٦٢٢٣)، وأخرجه مسلم (٢٨٥٥) وابن ماجَهْ (١٩٨٣) من رواية ابن نُمَير، والتِّرمِذيّ (٣٣٤٣)، والنَّسائيّ (ك١١٦١١)(١) من رواية عَبْدة بن سُلَيمان، ففي رواية أبي معاوية وعَبْدة: ((إلامَ يَجِدُ))، وفي رواية وكيع وابن نُمَير: ((علامَ يَجِد)»، وفي رواية ابن عُيَينَةَ: وَعَظَهم في النِّساء فقال: «یَضرِبُ أحدكم امراته»، وهو موافق لرواية أحمد بن سُفیان، ولیس عند واحدٍ منهم صيغةُ النَّھي. قوله: ((جَلْدَ العَبد)) أي: مِثل جَلْد العَبد، وفي إحدَى روايتَي ابن نُمَير عند مسلم (٢٨٥٥): ((ضرب الأمة))(٢)، ولِلنَّسائيِّ (ك٩١٢١) من طريق ابن عُيَينةَ: ((كما يضرب العبد أو الأمة))، وفي رواية أحمد بن سفيان: ((جَلدَ البعير أو العَبد))، وسيأتي في الأدب (٦٠٤٢) من رواية ابن عُيَينةَ: ((ضرب الفَحْل أو العَبد))، والمراد بالفَحلِ: البعير، وفي حديث لَقِيط ابن صَبِرة عند أبي داود (١٤٢): ((ولا تَضِرِب ظَعِيتَك ضَرْبَك أمَتَك». قوله: (ثُمَّ يُجامِعُها)) في رواية أبي معاوية: ((ولعلَّه أن يُضاجِعَها))، وهي رواية الأكثر، وفي روايةٍ لابنِ عُيَينَةَ في الأدب: ((ثُمَّ لعلَّه يُعانقُها)). وقوله: ((في آخر اليوم)) في رواية ابن عُبَينَةَ عند أحمد: ((من آخر اللَّيل))، وله عند النَّسائيِّ: ((مَن آخِرِ النَّهار))، وفي رواية ابن نُمَير والأكثر: ((من آخرِ يومِه))، وفي رواية وكيع: ((آخِر اللَّيل أو مِن آخرِ اللَّيل))(٣) وكلّها مُتَقاربة. وفي الحديث جوازُ تأديب الرَّقيق بالضَّرب الشَّديد، والإيماءُ إلى جواز ضَرْب النِّساء دون (١) لكن رواية النسائي مختصرة، ليس فيها قضية جلد المرأة. (٢) لفظه عند مسلم: جلد الأَمة. (٣) في رواية وكيع عند أحمد (١٦٢٢١): ((من آخر النهار أو آخر الليل)). ٦٠٥ باب ٩٣ / ح ٥٢٠٤ كتاب النكاح ذلك، وإليه أشارَ المصنِّف بقولِه: ((غير مُبَرِّح))، وفي سياقه استبعادُ وقوع الأمرَينِ من العاقل: أن يُبالِغ في ضَرْب امرأته، ثمَّ يُجامعَها من بَقِيَّة يومه أو ليلَته، والمجامَعة أو المضاجَعة إنَّما تُستَحسَن معَ مَيل النَّفْس والرَّغبة في العِشْرة، والمجلود غالباً يَنِفِرُ مَمَّن جَلَدَه، فَوَقَعَت الإشارةُ إلى ذَمّ ذلك، وأنَّه إن كان ولا بُدّ فليكن التَّأديب بالضَّرب اليَسير، بحيثُ لا يَحِصُلُ معه النُّفُور التامّ، فلا يُفرِط في الضَّرب ولا يُفرِط في التَّأديب. قال المهلَّب: بَيَّن ◌َّهِ بقولِه: ((جَلْدَ العَبد)) أنَّ ضربَ الرَّقيق فوق ضرب الحُرّ، لتَبَايُنِ حالتَيهما، ولأنَّ ضرْبَ المرأة إنَّما أُبِيحَ من أجل عِصْيانها زوجَها فيما يجبُ من حَقّه عليها. انتهى، وقد جاء النَّهي عن ضرب النِّساء مُطلَقاً، فعند أحمد (١) وأبي داود (٢١٤٦) والنَّسائيِّ (ك٩١٢٢)، وصحَّحه ابن حِبّان (٤١٨٩) والحاكم (١٨٨/٢ و١٩١) من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب - بضمِّ المعجَمة وبموخَّدتَينِ الأولى خفيفة - رفعه: ((لا تَضرِبوا إماء الله)) فجاء عمر فقال: قد ذَئِرَ النِّساءُ على أزواجهنَّ، فأذِنَ لهم فضَرَبوهُنَّ، فأطافَ بآلِ رسول الله وَّ نساءٌ كثيرٌ، فقال: ((لقد أطافَ بآلِ رسول الله ◌َ له سبعونَ امرأة كلُّهنَّ يشتكين(٢) أزواجهنَّ، ولا تَجِدونَ أولئكَ خيارَكُم))، وله شاهد من حديث ابن عبَّاس في ((صحيح ابن حِبّان)) (٤١٨٦)، وآخر مُرسَل من حديث أمّ كُلثوم بنت أبي بكر عند البيهقيِّ (٧/ ٣٠٤). وقوله: (ذَئِرَ)) بفتح المعجَمة وكسر الهمزة بعدها راء، أي: نَشَزَ بنونٍ ومُعجَمة وزاي، ٣٠٤/٩ وقيل: معناه غَضِبَ واستَبَّ (٣)، قال الشافعيّ: يحتمل أن يكون النَّهيُ على الاختيار والإذن فيه على الإباحة، ويحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضَرْبهنَّ، ثمَّ أذِنَ بعد نزولها فيه. وفي قوله: ((لن يَضرِب خيارُكُمْ)) دلالة على أنَّ ضَرْبَهُنَّ مُباحٌ في الجملة، ومحلّ ذلك أن يَضرِبها تأديباً إذا رأى منها ما يَكرَه فيما يجب عليها فيه طاعَتُه، فإن اكتُمِيَ بالتَّهدید ونحوه كان (١) لم يخرجه أحمد في ((المسند))، ولم نقع عليه عنده في كتبه الأخرى، بل لم يخرِّج أحمد لإياس بن عبد الله في ((المسند)) حديثاً واحداً، وذكر ذلك الحافظ ابن حجر نفسه في ترجمة إياس من ((تهذيب التهذيب)). (٢) في (أ) و(س): يشكين، والمثبت من (ع). (٣) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع): معناه عصين واستنفرن للنشر. ٦٠٦ باب ٩٤-٩٥ / ح ٥٢٠۵-٥٢٠٦ فتح الباري بشرح البخاري أفضل، ومهما أمكَنَ الوصول إلى الغَرَض بالإيهام لا يُعدَل إلى الفِعل، لمَا في وقوع ذلك من النُّفرة المضادّة لحُسْنِ المعاشرة المطلوبة في الَّوجيّة، إلّا إذا كان في أمر يَتَعلَّق بمعصية الله. وقد أخرج النَّسائيُّ (ك٩١١٩) في الباب حديثَ عائشة: ما ضَرَبَ رسولُ اللهِ وَّهِ امرأةً له ولا خادِماً قَطّ، ولا ضَرَبَ بَيَدِه شيئاً قَطُّ إلّا في سبيل الله، أو تُنْتَهَك مَحَارِمُ الله، فَيَنْتَقِم لله. وسيأتي مزيدٌ في ذلك في كتاب الأدب (٦٠٤٢) إن شاء الله تعالى. ٩٤ - باب لا تُطيعُ المرأةُ زوجَها في معصية ٥٢٠٥- حدَّثنا خَلَادُ بنُ يحيى، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، عن الحسنِ - هو ابنُ مسلمٍ-، عن صَفِيَّةَ، عن عائشةَ: أنَّ امرأةً منَ الأنصار زَوَّجَتِ ابتَها، فَتَمَعَّطَ شَعَرُ رأسِها، فجاءت إلى النبيِّ ◌َّل فذكرَتْ ذلك له، فقالت: إنَّ زَوْجَها أُمَرَني أن أَصِلَ في شَعَرِها، فقال: ((لا، إنَّه قد لُعِنَ المُوصِّلات)). [طرفه في: ٥٩٣٤] قوله: ((باب لا تُطيع المرأة زَوْجها في مَعْصية الله)) لمَّا كان الذي قبله يُشعِر بنَدب المرأة إلى طاعة زوجها في كلّ ما يَرومُه، خَصَّصَ ذلك بما لا يكون فيه مَعصيةُ الله، فلو دَعاها الَّوج إلى مَعْصیةٍ فعليها أن تَتَنِعِ، فإن أذَبها على ذلك كان الإثم عليه. ثمّ ذكر فيه طَرَفاً من حديث التي طلبت أن تَصِل شَعر ابنتها، وسيأتي شرحُه في كتاب اللِّباس (٥٩٣٤) إن شاءَ الله تعالى. قوله: ((إنَّه قد لُعِنَ المُوصِّلات)) كذا بالبناءِ للمجهولِ، والمُوصِّلات بتشديد الصّاد المكسورة ويجوز فتحها، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((الموصُولات)) وهو يُؤيِّد رواية الفتح. ٩٥- بابٌ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ﴾ [النساء: ١٢٨] ٥٢٠٦- حدَّثنا ابنُ سَلامِ، أخبرنا أبو مُعاوِيةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها ﴿وَإِنِ أَمْرَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعَرَاضًا﴾ قالت: هي المرأةُ تكونُ عندَ الرجلِ لا يَستكْثِرُ ٦٠٧ باب ٩٦ / ح ٥٢٠٧ -٥٢٠٩ كتاب النكاح منها، فيُرِيدُ طَلَاقَها ويَتزوَّجُ غيرَها، تقولُ له: أمسِكْني ولا تُطَلِّقْني، ثمَّ تزوَّجْ غيري، فأنتَ في حِلِّ منَ النَّفَقةِ عليَّ والقِسْمةِ لي، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحَاً وَالصُّلَّحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. قوله: ((باب ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا فُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾)) ليس في رواية أبي ذرٍّ: ((أو إعراضاً)، وقد تقدَّم الباب وحديثُه في تفسير سورة النِّساء (٤٦٠١)، وسِياقُه هنا أتمُّ، وذكرتُ هناك سبب نزولها وفيمَن نزلت. واختَلَفَ السَّلَف فيما إذا تَراضَيا على أن لا قِسْمةً لها، هل لها أن تَرجِع في ذلك؟ فقال الثَّوْريّ والشافعيّ وأحمد، وأخرجه البيهقيُّ (٢٩٧/٧) عن عليّ، وحكاه ابنُ المنذِر عن عَبِيدة بن عَمْرو وإبراهيم ومجاهد وغيرهم: إن رَجَعَتْ فعليه أن يَقسِم لها، وإن شاءَ فارَقَها،/ وعن الحسن: ليس لها أن تَنقُضَ، وهو قياسُ قولِ ٣٠٥/٩ مالك في الإنظار والعاريَّة، والله أعلم. ٩٦ - باب العَزْل ٥٢٠٧- حدَّثَنَا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كنّا نَعْزِلُ على عَهْدِ رسول الله وَله. [طرفاه في: ٥٢٠٨، ٥٢٠٩] ٥٢٠٨- حدَّثْنا علىُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سُفيانُ، قال: قال عَمْرٌو: أخبَرَني عطاءٌ، سَمِعَ جابراً ، يقول: كنَّا نَعْزِلُ والقرآنُ يَنْزِل. ٥٢٠٩- وعن عَمرو، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كنَّا نَعْزِلُ على عَهْدِ رسول الله وَ لَه والقرآنُ ینزِل. قوله: ((باب العَزْل)) أي: النَّزَّع بعد الإيلاج ليُنزِلَ خارجَ الفَرْج، والمراد هنا بيان حُكْمِه. وذکر فیه حدیثینِ: الأول: حدیث جابر. قوله: ((يحيى بن سعيد)) هو القَطّان. ٦٠٨ باب ٩٦ / ح ٥٢٠٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن جابر: كنّا نَعْزِل على عَهْد رسول الله وََّ)) في رواية أحمد (١٥٠٣٢) عن يحيى بن سعيد الأُمَويّ عن ابن جُرَيج عن عطاء: أنَّه سمعَ جابراً سُئلَ عن العَزل، فقال: كنَّا نَصنَعُه. قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله، حدَّثنا سُفْيان)) هو ابن عُيَينَ ((قال: قال عَمْرو)) هو ابن دينار ((أخبَرَني عطاء، أنَّه سمعَ جابراً يقول)) هذا ممَّا نزلَ فيه عَمْرُو بن دينار، فإنَّه سمعَ الكثيرَ من جابرٍ نفسه، ثمَّ أدخَلَ في هذا بينهما واسطة، وقد تَوارَدَت الرِّواياتُ من أصحاب سُفيان على ذلك، إلّا ما وَقَعَ في ((مُسنَد أحمد)) (١٤٣١٨) في النُّسَخ المتأخّرة، فإنَّه ليس في الإسناد عطاء، لكنَّه أخرجه أبو نُعَيم من طريق ((المسنَد)) بإثباته، وهو المعتمَد. قوله: ((كنَّا نَعْزِل والقرآن يَنزِل. وعن عَمْرو، عن عطاء، عن جابر: كنّا نَعْزِل على عَهْد رسول الله بَّهِ والقرآنُ يَنْزِل)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((كان يُعزَل)) بضمٌّ أوَّله وفتح الزّاي على البناء للمجهولِ، وكأنَّ ابن عُيَينةَ حدَّث به مرَّتَينِ: فمرَّة ذَكَر فيها الإخبار والسَّماع فلم يَقُل فيها: ((على عَهدِ رسول الله (وَ))، ومرَّةً ذكره بالعَنعَنة فَذَكَرها، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طرق عن سفيان صَرَّحَ فيها بالتَّحديثِ، قال: ((حدَّثنا عَمْرو بن دينار))، وزاد ابنُ أبي عمر في روايته عن سفيان: ((على عَهْد رسول الله وَّ))، وزاد إبراهيم ابن موسى في روايته عن سفيان أنَّه قال حين روی هذا الحديث: «أي: لو كان حَراماً لَنزلَ فيه)). وقد أخرج مسلم (١٣٦/١٤٤٠) هذه الزّيادةَ عن إسحاق بن راهويه عن سفيان، فساقَه بلفظ: ((كثَّا نَعزِل والقرآنُ يَنزِل)) قال سفيان: لو كان شيئاً يُنهَى عنه لَنَهانا عنه القرآن، فهذا ظاهرٌ في أنَّ سفيان قاله استنباطاً. وأوهَمَ كلامُ صاحب ((العُمدة)) ومَن تَبعَه أنَّ هذه الزّيادة من نفس الحديث فأدرَجَها، وليس الأمر كذلكَ، فإنّ تَتَّعتُه من المسانيد، فَوَجَدتُ أكثر رواتِهِ عن سفيان لا يَذْكُرُونَ ٣٠٦/٩ هذه الزّيادة، وشَرَحَه ابن دقيق العيد على ما وَقَعَ في / ((العُمدة)) فقال: استدلالُ جابر بالتَّقرير من الله غريب، ويُمكِن أن يكون استَدَلَّ بتقرير الرَّسول، لكنَّه مشروطٌ بعِلمِه بذلكَ. انتهى، ٦٠٩ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ كتاب النكاح ويكفي في عِلمه به قولُ الصَّحابيّ: إنَّه فعَلَه في عَهْده، والمسألة مشهورةٌ في الأُصول وفي عِلم الحديث، وهي أنَّ الصَّحابيّ إذا أضافَه إلى زمن النبيّ وََّ كان له حُكُمُ الرَّفع عند الأكثر، لأنَّ الظّاهر أنَّ النبيّ وَِّ الطَّلَعَ على ذلك وأقَرَّه لتَوَفَّرِ دَوَاعِيهم على سؤالهم إيّاه عن الأحكام، وإذا لم يُضِفْه فله حُكمُ الرَّفع عند قوم، وهذا من الأوَّل فإنَّ جابراً صَرَّحَ بوقوعِه في عَهْدِه ◌ِوَّه، وقد ورَدَت عِدّة طرق تُصَرِّح باطّلاعِه على ذلك، والذي يظهر لي أنَّ الذي استَبَطَ ذلك سواء كان هو جابراً أو سفيان، أرادَ بنزولِ القرآن: ما يُقرأ، أعَمّ من المتعَبَّد بتِلاوَتِه أو غيرِه ممّا يُوحَى إلى النبيِّ وَّة، فكأنَّه يقول: فعَلناه في زمن التَّشريع، ولو كان حَراماً لم نُقَرّ عليه، وإلى ذلك يُشيرُ قول ابن عمر: كنَّا نَتَّي الكلامَ والانبساطَ إلى نسائنا هَيبةً أن يَنزِل فينا شيء على عَهدِ النبيّ وَّهِ، فلمَّا ماتَ النبيّ ◌َّ تَكلَّمنا وانبَسَطنا، أخرجه البخاريّ (٥١٨٧). وقد أخرجه مسلم أيضاً (١٣٨/١٤٤٠) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر قال: كنَّا نَعِزِل على عهد رسول الله وَّةَ، فَبَلَغَ ذلك نبيَّ الله ◌ٍَّ فلم يَنْهَنا. ومن وجه آخر عن أبي الزُّبَير عن جابر (١٣٤/١٤٣٩): أنَّ رجلاً أتى رسولَ الله وَلِّ، فقال: إنَّ لي جاريةً وأنا أطوف عليها، وأنا أكرَهُ أن تَحمِل، فقال: ((اعزِلْ عنها إن شِئتَ، فإنَّه سيأتيها ما قُدِّرَ لها)) فلَبِثَ الرجل، ثمَّ أتاه فقال: إنَّ الجارية قد حَبِلَتْ، قال: ((قد أخبَرَتُك))، ووَقَعَت هذه القصّة عنده (١٤٣٩/ ١٣٥) من طريق سفيان بن عُيَينةَ بإسنادٍ له آخرَ إلى جابر، وفي آخره: ((فقال: أنا عبدُ الله ورَسولُه))، وأخرجه أحمد (١٤٣٦٢) وابن ماجه (٨٩) وابن أبي شَيْبة (٢٢٠/٤) بسندٍ آخر على شرط الشَّيخَينِ بمعناه، ففي هذه الطُّرق ما أغنى عن الاستنباط، فإنَّ في إحداها التَّصريحَ باطِّلَاعِهِ وََّ، وفي الأُخرى إذْنَه في ذلك، وإن كان السّياق يُشعِرِ بأنَّه خِلاف الأَولی کما سأذكرُ البحث فيه. الحديث الثاني: حديث أبي سعيد. ٥٢١٠- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أسماءَ، حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنِ مُحَيِيٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ، قال: أصَبْنَا سَبْياً، فكنَّا نَعْزِلُ، فسألنا رسولَ الله وَله : ٦١٠ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ فتح الباري بشرح البخاري فقال: ((أوَإِنَّكمْ لَتَفْعَلونَ؟ - قالها ثلاثاً - ما مِن نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامةِ إلّ هي كائنةٌ)). قوله: ((جُوَيرِيةُ)) هو ابن أسماء الضُّبعيُّ، يُشارك مالكاً في الرِّواية عن نافع، وتفرّد عنه بهذا الحديث وبغيره، وهو من الثِّقات الأثبات، قال الدَّارَ قُطنيُّ بعد أن أخرجه من طريقه: صحيح غريب، تفرَّد به جُوَيِرِيَة عن مالك(١). قلت: ولم أرَه إلّا من رواية ابن أخيه عبد الله ابن محمّد بن أسماء عنه. قوله: ((عن الزُّهْرِيِّ) لمالكٍ فيه إسنادٌ آخر أخرجه المصنِّف في العِتق (٢٥٤٢)، وأبو داود (٢١٧٢) وابن حِبّان (٢) من طرق عنه عن ربيعة عن محمّد بن يحيى بن حِبّان عن ابن مُحَريزٍ، وكذا هو في ((الموطَّأ)) (٢/ ٥٩٤). قوله: ((عن ابن تُحَيرِيزِ)) بحاءٍ مُهمَلة ثمَّ راء ثمَّ زاي مُصغَّراً، اسمه عبد الله، ووَقَعَ كذلكَ في رواية يونس كما سيأتي في القَدْر (٦٦٠٣) عن الزّهْريّ: «أخبَرَني عبد الله بن مُحَرِيزِ الجُمَحيّ))، وهو مَدَنّ سَكَنَ الشّام، ومُحَيَريز أبوه هو ابن جُنَادة بن وَهْب، وهو من رَهْط أبي مَحَذُورة المؤَذِّن، وكان يتيماً في حِجْره، ووافَقَ مالكاً على هذا السَّنَد شُعَيبٌ، كما مَضَى في البيوع (٢٢٢٩)، ويونس كما سيأتي في القَدَرِ (٦٦٠٣)، وعُقَيل والزُّبَيديّ كلاهما عند النَّسائيّ (ك٥٠٢٨ و٩٠٣٩)، وخالَفَهم مَعمَر فقال: ((عن الزُّهْريِّ، عن عطاء بن یزید، عن أبي سعيد)) أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٠٣٨)، وخالَفَ الجميعَ إبراهيمُ بن سعد فقال: ((عن الزّهْرِيّ، عن عُبيدِ الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن أبي سعيد)) أخرجه النِّسائيّ أيضاً (٩٠٣٧٥)، قال النَّسائيُّ: رواية مالك ومَن وافَقَه أَولى بالصَّواب. قوله: ((عن أبي سعيد)) في رواية يونس: ((أنَّ أبا سعيد الخُدْرِيَّ أخبَرَه))، وفي رواية رَبيعَة في المغازي (٤١٣٨): عن محمَّد بن يحيى بن حِبّان عن ابن مُحَرِيزِ أنَّه قال: دَخَلتُ المسجدَ فرأيتُ أبا سعيد الخُدْريَّ، فجلستُ إليه فسألتُه عن العَزْل؛ كذا عند البخاريّ، ووَقَعَ عند (١) لم نقع على هذا النص فيما بين أيدينا من كتب للدار قطني. (٢) ليس هو عند ابن حبان من هذا الطريق، ولم يعزه له الحافظ نفسه في ((إتحاف المهرة)) ٢٧٤/٥ -٢٧٥ من هذا الطريق، وهو عنده من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن يحيى بن حبان برقم (٤١٩٣). ٦١١ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ كتاب النكاح مسلم (١٢٥/١٤٣٨) من هذا الوجه: دَخَلتُ أنا وأبو صِرْمة على أبي سَعيدٍ، فسألَه أبو صِرْمة فقال: يا أبا سعيد هل سَمعتَ رسولَ الله وَلّه يَذكُر العَزْل؟ وأبو صِرْمة بكسرِ المهمَلة وسكون الرّاء: اسمه مالك، وقيل: قيس، صحابيٌّ مشهور من الأنصار، وقد وَقَعَ في رواية للنِّسائيِّ (ك٩٠٤١) من طريق الضَّحّاك بن عثمان: / عن محمَّد بن يحيى عن ابن ٣٠٧/٩ مُحَريزٍ، عن أبي سعيد وأبي صِرْمة قالا: أصَبْنا سَبَايا. والمحفوظ الأوَّل. قوله: ((أَصَبْنَا سَبْيا)) في رواية شُعَيب في البيوع ويونس المذكورة أنَّه: بينما هو جالس عند النبيّ ◌ََّ، زاد يونس: جاء رجلٌ من الأنصار، وفي رواية رَبِيعَة المذكورة(١): خَرَجنا معَ رسول الله وَ ليه في غَزْوة بني المصطَلِقِ فسَبَينا كَرائمَ العرب، وطالَت علينا العُزْبة ورَغِبْنا في الفِداء، فأرَدنا أن نَستَمِعِ ونَعزِل، فقلنا: نَفعل ذلك ورسولُ اللهِ وَلَّ بين أظُهُرِنا لا نسأله! فسألناه. قوله: ((فكنَّا نَعْزِل) في رواية يونس وشُعَيب فقال: إنّا نُصيب سَبْياً ونُحِبُّ المال، فكيف تَرَى في العَزْل؟ ووَقَعَ عند مسلم (١٣١/١٤٣٨) من طريق عبد الرَّحمن بن بِشْر عن أبي سعيد قال: ذُكِرَ العَزلُ عند رسول الله وَّه قال: ((وما ذَلِكُمْ؟» قالوا: الرجلُ تكون له المرأةُ تُرضِعُ له فيُصيبُ منها، ويَكرَه أن تَحمِل منه، والرجلُ تكون له الأمةُ فيُصيبُ منها، ويَكرَه أن تَحمِل منه، ففي هذه الرّواية إشارة إلى أنَّ سبب العَزل شيئان، أحدهما: كراهةٌ مَجَيء الوَلد من الأمة، وهو إمّا أنَفة من ذلك، وإمّا لئلّا يَتَعذَّر بيعُ الأمة إذا صارت أمَّ ولد، وإمّا لغير ذلك كما سأذكره بعده، والثّاني: كراهةٌ أن تَحمِل الموطوءة وهي تُرضِع، فَيَضُرّ ذلك بالولدِ المرضَع. قوله: ((أوَإِنَّكمْ لَتَفْعَلونَ؟)) هذا الاستفهام يُشعِرِ بأَنَّه ◌َِّ ما كان الطَّلَعَ على فِعلِهم ذلك، ففيه تَعقُّب على مَن قال: إنَّ قول الصَّحابيّ: ((كنَّا نفعل كذا في عهد رسول الله ◌َّ) مرفوعٌ، مُعتَلَّاً بأنَّ الظّاهر الطِّلَاعُ النبيّ ◌َِّ كما تقدَّمَ، ففي هذا الخبر أنَّهم فعلوا العَزْلَ ولم يعلم به (١) هي بهذا اللفظ عند مسلم (١٤٣٨) (١٢٥). ٦١٢ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ فتح الباري بشرح البخاري حتَّى سألوه عنه، نعم للقائل أن يقول: كانت دواعيهم مُتَوَفِّرة على سؤاله عن أُمور الدّين، فإذا فعَلوا الشَّيء وعلموا أنَّه لم يَطَّلِعِ عليه بادروا إلى سؤاله عن الحُكم فيه، فيكون الظُّهور من هذه الحَيثيّة. ووَقَعَ في رواية رَبيعة: ((لا عليكم أن لا تَفعَلوا))، ووَقَعَ في رواية مسلم (١٣٠/١٤٣٨) من طريق أُخرى عن محمَّد بن سِيرِين عن عبد الرّحمن بن بِشْر عن أبي سعيد: ((لا عليكم أن لا تَفْعَلوا ذلكَ» قال ابن سِيرِین: قوله: «لا، عليكُم» أقرَبُ إلى النَّھي، وله (١٣١/١٤٣٨) من طريق ابن عَوْن عن محمّد بن سِيرِين نحوه دون قول محمَّد، قال ابن عَوْن: فحَدَّثتُ به الحسن فقال: والله لكأنَّ هذا زَجْر، قال القُرطُبيّ: كأنَّ هؤلاءِ فِهِمُوا من ((لا)) النَّهيَ عمَّا سألوا عنه، فكأنَّ عندهم بعد ((لا)) حذفاً تقديره: لا تَعزِلوا، وعليكم أن لا تَفعَلوا، ويكون قوله: ((وعليكُم.)) إلى آخره، تأكيداً للنَّهي. وتُعقِّبَ بأنَّ الأصل عَدَمُ هذا التَّقدير، وإنَّما معناه: ليس عليكم أن تَترُكوا، وهو الذي يُساوي أن لا تَفعَلوا. وقال غيره: قوله: ((لا عليكم أن لا تَفْعَلوا)) أي: لا حَرَج عليكم أن لا تَفْعَلوا، ففيه نفي الخَرَج عن عَدَم الفِعل، فأفهم تُبوت الخَرَج في فِعل العَزْل، ولو كان المراد نفيُ الخَرَج عن الفِعل لقال: لا عليكم أن تَفْعَلوا، إلّا إن ادَّعَى أنَّ ((لا)) زائدة، فيقال: الأصل عَدَم ذلك. ووَقَعَ في رواية مجاهد الآتية في التَّوحيد تعليقاً (٧٤٠٩)، ووَصَلَها مسلم (١٤٣٨/ ١٣٢) وغيره (١): ذُكِرَ العَزْلُ عند رسول الله وَّه فقال: ((ولِمَ يَفعَل ذلك أحدكُم؟)) ولم يَقُل: لا يَفعَلْ ذلك، فأشارَ إلى أنَّه لم يُصرِّح لهم بالنَّهي، وإنَّما أشارَ إلى أنَّ الأوْلِى تَركُ ذلك، لأنَّ العَزل إِنْ (٢) كان خَشْيَةَ حصول الولد فلا فائدة في ذلك، لأنَّ الله إن كان قَدَّرَ خَلْق الولد لم يَمنَع العَزِلُ ذلك، فقد يَسْبِقِ الماء ولا يَشعُر العازِل فيَحصُلُ العُلوقُ ويَلحَقه الولد ولا رادَّ لمَا قَضَی الله. (١) أخرجه أيضاً أبو داود (٢١٧٠)، والترمذي (١١٣٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٠٤٢). (٢) تحرَّفت في (س) إلى: ((إنما)). ٦١٣ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ كتاب النكاح والفِرارُ من حصول الوَلَد يكون لأسباب: منها خَشْية عُلُوق الزَّوجة الأَمَة لئلا يصير الولد رقيقاً، أو خَشْية دخول الضَّرَر على الولد المرْضَع إذا كانت الموطُوءة تُرضِعه، أو فِراراً من كَثْرة العِيال إذا كان الرجل مُقِلًّا، فَيَرَغَب عن قِلّة الولد لئلا يَتَضَرَّر بتحصيلِ الكَسْب، وكلّ ذلك لا يُغني شيئاً. وقد أخرج أحمد (١٢٤٢٠) والبزَّار (٢١٦٣) وصَخَّحَه ابن حِبّان(١) من حديث أنس: أنَّ رجلاً سألَ عن العَزل، فقال النبيُّ وَّ: ((لو أنَّ الماء الذي يكون منه الوَلَد أهرَقْتَه على صخرة لَأخرج الله منها ولداً»، وله شاهدان في ((الكبير)» للطَّبَرانيِّ عن / ابن عبّاس(٢)، وفي ((الأوسط)) له عن ابن مسعود(٣)، وسيأتي مزيد لذلكَ في ٣٠٨/٩ كتاب القَدَرِ (٦٦٠٣) إن شاءَ الله تعالى. وليس في جميع الصّوَر التي يقع العَزل بسببها ما يكون العَزل فيه راجحاً، سوى الصّورة المتقدِّمة عند مسلم في طريق عبد الرَّحمن بن بِشْر عن أبي سعيد، وهي خَشْية أن يَضُرّ الحَمْلِ بالولدِ المرضَع، لأنَّه مَمَّا جُرِّبَ فضَرّ غالباً، لكن وَقَعَ في بَقِيَّة الحديث عند مسلم أنَّ العَزل بسبب ذلك لا يُفيدُ لاحتمال أن يَقَعِ الحَمل بغير الاختيار، ووَفَعَ عند مسلم في حديث أُسامة بن زيد (١٤٤٣): جاء رجلٌ إلى رسول الله وَّله فقال: إنّ أعزِل عن امرأتي شَفَقةً على ولدها، فقال رسول الله ◌َّ: ((إن كان كذلكَ فلا، ما ضَرّ ذلك فارسَ ولا الرّومَ)). وفي العَزل أيضاً إدخالُ وَرَرٍ على المرأة لما فيه من تَفويت لَذَّتها. وقد اختَلَفَ السَّلَف في حُكم العَزل، قال ابنُ عبد البَرّ: لا خِلاف بين العلماء أنَّه لا يُعزَل عن الزَّوجة الحُرّة إلّا بإذنها، لأنَّ الجماع من حَقّها، ولها المطالَبةُ به، وليس الجِماعُ المعروف إلّا ما لا يَلحَقه عَزْل. ووافَقَه في نقل هذا الإجماع ابنُ هُبَيرة، وتُعقِّبَ بأنَّ المعروف عند الشافعيّة أنَّ المرأة لا حَقّ لها في الجِماع أصلاً، ثمَّ في خُصُوص هذه المسألة عند الشافعيَّة (١) بل هو في ((ثقات)) ابن حبان ٥٠٢/٧، وليس في ((صحيحه))، وأورده في «صحيحه)) بإثر الحديث (٤١٩٤) عن إبراهيم النخعي قال: كان يُقال ... فذكر نحوه. (٢) لم نقف عليه في ((الكبير) ولا عزاء له الهيثمي في ((المجمع))، وهو في ((الأوسط)) (٦٨٨٤). (٣) إنما هو في ((الكبير)) (٩٦٦٤). ٦١٤ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ فتح الباري بشرح البخاري خِلَافٌ مشهور في جواز العَزْل عن الحُرّة بغير إذنها، قال الغَزاليّ وغيره: يجوز، وهو المصَخَّح عند المتأخّرينَ، واحتَجَّ الجمهورُ لذلكَ بحديثٍ عن عمر أخرجه أحمد (٢١٢) وابن ماجه (١٩٢٨) بلفظ: ((نَهَى عن العَزل عن الحُرّة إلّا بإذنها)) وفي إسناده ابنُ لَهِيعَة، والوجه الآخر للشّافعيَّة: الجزمُ بالمنع إذا امتَنَعَت، وفيما إذا رَضيَت وجهان: أصحّهما الجواز، وهذا كلّه في الحُرّة، وأمَّ الأَمَة فإن كانت زوجةً فهي مُرتَّبة على الحُرّة، إن جازَ فيها ففي الأَمَة أَوْلى، وإن امتَنَعَ فوجهان: أصحّهما الجوازُ تَحُّزاً من إرفاق الولد، وإن كانت سُرِّيَّة جازَ بلا خِلاف عندهم، إلّا في وجه حكاه الرُّويَانيّ في المنعِ مُطلَقاً كمذهب ابن خَزْم، وإن كانت السُّرّيَّة مُستَوَلَدة فالرّاجح الجواز فيه مُطلَقاً، لأنَّها ليست راسخة في الفِراش، وقيل: حُكمُها حُكم الأمة المزَوَّجة. هذا واتَّفَقَت المذاهب الثلاثة على أنَّ الحُرّة لا يُعزَل عنها إلّا بإذنِها، وأنَّ الأَمَة يُعزَل عنها بغير إذنها، واختَلَفوا في المزَوَّجة، فعند المالكيَّة: يُحتاجُ إلى إذن سَيِّدها، وهو قول أبي حنيفة، والرّاجح عن أحمد (١)، وقال أبو يوسف ومحمد(٢): الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه بإذنهما(٣)، وعنه: يُباحِ العَزل مُطلَقاً، وعنه: المنعِ مُطلَقاً. والذي احتَجَّ به مَن جَنَحَ إلى التَّفصيل لا يَصِحّ إلّا عند عبد الرَّزّاق (١٢٥٦٢) بسندٍ صحيح عن ابن عبَّاس قال: تُستأمَر الحُرّة في العَزل، ولا تُستأمَر الأمة السُّرّيَّة، فإن كانت أمةً تحت حُرِّ فعليه أن يَستأمِرِها (٤)، وهذا نَصّ في المسألة، فلو كان مرفوعاً لم يَجُزُ العُدولُ عنه. وقد استَنْكَرَ ابن العربيّ القولَ بمنع العَزْل عمَّن يقولُ بأنَّ المرأة لا حَقّ لها في الوَطء، ونَقَلَ عن مالك أنَّ لها حَقّ المطالبة به إذا قَصَدَ بتَركِه إضرارَها، وعن الشافعيّ وأبي حنيفة: (١) تحرَّفت في (س) إلى: محمد. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: أحمد. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: بإذنها. (٤) الذي في المطبوع من ((مصنف عبد الرزاق)) قول ابن عباس: تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر الأمة. وليس فيه باقي الأثر، وقد أورده بتمامه السيوطي في ((جامع الأحاديث)) ونسبه إلى عبد الرزاق. ٦١٥ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ كتاب النكاح لا حَقَّ ها فیہ إلّا في وطئةٍ واحدةٍ يَستَقِرّ بها المهر، قال: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون لها حَقٌّ في العَزل؟ فإن خَصّوه بالوَطئة الأولى فيُمكِن، وإلّا فلا يَسُوغ فيما بعد ذلك إلّ على مذهب مالك بالشَّرطِ المذكور، انتهى. وما نَقَلَه عن الشافعيّ غريب، والمعروف عند أصحابه: أن لا حَقّ لها أصلاً، نعم جَزَمَ ابن حَزْم بوجوب الوَطء وبتحريمِ العَزْل، واستَنَدَ إلى حديث جُدَامة بنت وَهْب: أنَّ النبيّ وَلَّ سُئِلَ عن العَزْل فقال: ((ذلك الوَأْدُ الخَفيّ)) أخرجه مسلم (١٤١/١٤٤٢)، وهذا مُعارَضٌ بحديثَينِ: أحدهما أخرجه الثِّرمِذيّ (١١٣٦) والنَّسائيُّ (ك٩٠٣٠) وصَخَّحَه من طريق مَعمَر عن يحيى بن أبي كثير عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبانَ عن جابر قال: كانت لنا جَوَاري وكُنَّا نَعزِل، فقالت اليهود: إنَّ تلك الموءُودةُ الصُّغْرَى، فسُئلَ رسولُ الله ◌َِه عن ذلك فقال: ((كَذَبَت اليهود، لو أرادَ اللهُ خَلْقَه لم تستطع رَدَّه))، وأخرجه النَّسائيُّ (ك ٩٠٣١ -٩٠٣٤) من طريق هشام وعليّ بن المبارَك وغيرهما عن يحيى عن محمَّد بن عبد الرَّحمن عن أبي مُطیع بن رِفَاعة عن أبي سعيد/ نحوه، ومن طريق أبي عامر (ك٩٠٣٥) ٣٠٩/٩ عن يحيى بن أبي كَثِير عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة نحوه، ومن طريق سُلَيمان الأحْوَل (ك٩٠٣٦): أنَّه سمعَ عَمْرو بنَ دينار يسأل أبا سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن عن العَزْل، فقال: زَعَمَ أبو سعيد، فذكر نحوه، قال: فسألتُ أبا سَلَمَ: أسمعتَه من أبي سعيد؟ قال: لا، ولکن أخبرني رجل عنه. والحديث الثّاني في النَّسائيِّ (ك٩٠٤٣) من وجه آخر عن محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة، وهذه طرق يَقوَى بعضُها ببعضٍ، وجُمعَ بينها وبين حديث جُدَامة بحَمْلِ حديث جُدَامة على التَّنزيه، وهذه طريقة البيهقيِّ، ومنهم مَن ضَعَّفَ حديث جُدَامة بأنَّه مُعارض بما هو أكثر طرقاً منه، وكيف يُصرِّح بتكذيب اليهود في ذلك ثمَّ يُثبته؟ وهذا دفعٌ للأحاديثِ الصَّحيحة بالتَّوَقُّمِ، والحديث صحيحٌ لا رَيبَ فيه، والجمعُ مُمكِن، ومنهم مَن ادَّعَى أنَّه منسوخ، ورُدَّ بعَدَمِ معرفة التاريخ، وقال الطَّحَاويُّ: يحتمل أن يكون حديث ٦١٦ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ فتح الباري بشرح البخاري جُدَامة على وَفْقِ ما كان عليه الأمر أوَّلاً من مُوافَقة أهل الكتاب، وكان ◌َِّ يُحِبّ مُوافَقة أهل الكتاب فيما لم يُنزَل عليه، ثمَّ أعلمَه الله بالحُكم فكَذَّبَ اليهود فيما كانوا يقولونه. وتَعقَّبَه ابن رُشْد ثمَّ ابن العربيّ بأنَّه لا يَجِزِمِ بشيءٍ تَبَعاً لليهودِ ثمَّ يُصرِّح بتكذيبهم فيه. ومنهم مَن رَجَّحَ حديث جُدامة لتُبُوتِه في ((الصَّحيح))، وضُعِّفَ مُقابله بأنَّه حديث واحد اختُلِفَ في إسناده فاضطَرَبَ، ورُدَّ بأنَّ الاختلاف إِنَّمَا يَقْدَح حيثُ لا يَقْوَى بعضُ الوجوه، فمَتَى قويَ بعضُها عُمِلَ به، وهو هنا كذلك، والجمع مُمكِن. وَرَجَّحَ ابن حَزْم العَمَل بحديث جُدَامة بأنَّ أحاديثَ غيرها تُوافِقُ أصل الإباحة، وحديثها يدلُّ على المنع، قال: فمَن ادَّعَى أَنَّه أُبِيحَ بعد أن مُنِعَ فعليه البيان. وتُعقّبَ بأنَّ حديثها ليس صريحاً في المنع، إذ لا يَلزَم من تسْمِيَته وأداً خَفيّاً على طريق التَّشبيه أن يكون حراماً، وخَصَّه بعضُهم بالعَزلِ عن الحامل لزَوال المعنى الذي كان يَذَرُه الذي يَعزِل عن المرضع(١) من حصول الحَمْل، لكن فيه تضييع الحَمْل لأنَّ المنيّ يَغْذُوه، فقد يُؤَدّي العَزلُ إلى موته، أو إلى ضَعْفه المُفْضِي إلى موته فيكون وأداً خَفيّاً، وجَمَعوا أيضاً بين تكذيب اليهود في قولهم: الموءُودة الصُّغَرَى، وبين إثبات كَونه وأُداً خَفِيّاً في حديث جُدامة، بأنَّ قولهم: الموءُودَة الصُّغرَى يقتضي أنَّه وَأُدٌ ظاهر، لكنَّه صغير بالنّسبة إلى دفنِ المولود بعد وَضْعِه حَيّاً، فلا يُعارِض قوله: إنَّ العَزل وأدٌ خَفيّ، فإِنَّه يدلّ على أنَّه ليس في حُكْم الظّاهر أصلاً، فلا يَتَرتَّب عليه حُكمٌ، وإنَّما جعله وأداً من جهة اشتراكِهما في قطع الولادة. وقال بعضهم: قوله: ((الوأد الخَفيّ)) وَرَدَ على طريق التَّشبيه، لأنَّه قَطَعَ طريق الولادة قبل تَجَيئِه، فأشبَهَ قتلَ الولد بعد مَجَيْئِه. قال ابن القَيِّم: الذي كُذِّبَت فيه اليهود زَعمُهم أنَّ العَزْل لا يُتصوَّر معه الحَمل أصلاً، وجَعَلوه بمَنزِلة قطع النَّسل بالوأدِ، فأكذَبَهم وأخبر أنَّه لا يَمِنَعِ الْحَمْلَ إذا شاءَ الله خَلْقَه، وإذا لم يُرِد خَلْقه لم يكن وأداً حقيقةً، وإنَّمَا سَّاه وأداً خَفيّاً في حديث جُدَامة، لأنَّ الرجل إنَّما يَعِزِل هَرَباً من الحمل، فأجرَى قصده لذلكَ مَجَرَى (١) قوله: ((عن المرضع)) أثبتناه من هامش (ع) وقد صُحِّحَ عليه، ولم يرد في (أ) و(س). ٦١٧ باب ٩٦ / ح ٥٢١٠ كتاب النكاح الوأْد، لكنَّ الفَرْق بينهما أنَّ الوأد ظاهر بالمباشَرة اجتَمَعَ فيه القصد والفِعل، والعَزل يَتَعلَّق بالقصدِ صِرْفاً، فلذلكَ وصفه بكَونِه خَفيّاً، فهذه عِدّة أجوبة يَقِف معها الاستدلال بحديثِ جُدَامة على المنع. وقد جَنَحَ إلى المنع من الشافعيَّة ابنُ حِبّان فقال في ((صحيحهِ)): ((ذِكْرُ الخبر الدَّالِّ على أنَّ هذا الفِعْلِ مزجورٌ عنه لا يُباحِ استعماله)) ثمَّ ساقَ حديث أبي ذرِّ (٤١٩٢) رَفَعَه: ((ضَعْهُ في حَلالِهِ وجَنِّه حَرامَه وأقرِرْه، فإن شاءَ الله أحياه، وإن شاءَ أماتَه، ولك أجر)) انتهى. ولا دلالة فيما ساقه على ما اذَّعاه من التَّحريم، بل هو أمرُ إرشاد لمَا دَلَّت عليه بَقيَّة الأخبار، والله أعلم. وعند عبد الرَّزاق (١٢٥٧١) وجه آخر عن ابن عبّاس أنَّه أنكَرَ أن يكون العَزلُ وأداً، وقال: المنيّ يكون نُطفةً ثمَّ عَلَقة ثمَّ مُضْغة ثمَّ عَظماً ثمَّ يُكسَى لحماً، قال: والعَزلُ قبل ذلك كلّه. وأخرج الطَّحاويُّ (٣٢/٣) من طريق عبد الله بن عَديّ بن الخِيَار/ عن عليٍّ نحوه ٣١٠/٩ في قصَّة جرت عند عمر وسنده جیِّد. واختَلَفوا في عِلّة النَّهي عن العَزل، فقيلَ: لتَفويتِ حَقّ المرأة، وقيل: لمُعانَدة القَدَر، وهذا الثّاني هو الذي يقتضيه مُعظَم الأخبار الواردة في ذلك، والأوَّل مَبنيّ على صِحّة الخبر المفرِّق بين الحُرّة والأَمَة. وقال إمام الحَرَمَينِ: موضعُ المنع أنَّه يَنزِعِ بقصدِ الإنزال خارجَ الفَرْجِ خَشْية العُلوق، ومتى فُقِدَ ذلك لم يُمنَع، وكأنَّه راعَى سَبَي المنع، فإذا فُقِدَ بَقِيَ أصلُ الإباحة، فله أن يَنزِعِ متى شاءَ، حتَّى لو نَزَعَ فَأَنزَلَ خارج الفَرْجِ اتّفاقاً لم يَتَعلَّق به النَّهي، والله أعلم. ويُنْتَزَع من حُكْم العَزل حُكْم مُعالجة المرأة إسقاطَ النُّطفة قبل نَفْخ الرّوحِ، فمَن قال بالمنع هناك ففي هذه أولى، ومَن قال بالجوازِ يُمكِن أن يَلِحَق به هذا، ويُمكِن أن يُفرَّق بأنَّه أشدّ، لأنَّ العَزل لم يقع فيه تعاطي السَّبَب، ومُعالَة السَّقط تقعُ بعد تعاطي السَّبَب، ويَلتَحِق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يَقطَعُ الْحَبَلَ من أصله، وقد أفتَى بعضُ مُتأخِّري الشافعيَّة بالمنعِ، وهو مُشكِلٌ على قولهم بإباحة العَزل مُطلَقاً، والله أعلم. ٦١٨ باب ٩٧ / ح ٥٢١١ فتح الباري بشرح البخاري واستُدِلَّ بقولِه في حديث أبي سعيد: ((وأصَبْنا كَرائمَ العرب وطالَت علينا العُزْبة وأرَدنا أن نَسْتَمْتِعِ وأحبَينا الفِداء)» لمن أجازَ استرقاقَ العرب، وقد تقدَّم بيانه في ((باب مَن مَلكَ من العرب رقيقاً)) في كتاب العِتق (٢٥٤٢)، ولمن أجازَ وَطْءَ المشرِكات بمِلكِ اليمين وإن لم يكن من أهل الكتاب، لأنَّ بني المصطَلِقِ كانوا أهل أوثان، وقد انفَصَلَ عنه مَن مَنَعَ باحتمال أن يكونوا ممَّن دانَ بدِينٍ أهل الكتاب وهو باطِل، وباحتمال أن يكون ذلك في أوَّل الأمر ثمَّ نُسِخَ، وفيه نظر إذ النَّسخ لا يَثْبُت بالاحتمال، وباحتمال أن تكون المسبيّات أسلَمْنَ قبل الوَطء، وهذا لا يَتِمّ معَ قوله في الحديث: ((وأحبَينا الفِداء))، فإنَّ المسلمة لا تُعادُ للمُشِرِكِ، نعم يُمكِن ◌َملُ الفِداء على معنى أخصّ وهو أنَّهُنَّ يَفِدِينَ أنفُسهنَّ فيُعتَقْنَ من الرِّقّ، ولا يَلزَم منه إعادتُهنَّ للمُشِرِكِينَ، وحَمَلَه بعضُهم على إرادة الثَّمَن، لأنَّ الفِداء المتخَوَّف من فَوْته هو الثَّمَن، ويُؤيِّد هذا الحَمْل قولُه في الرّواية الأُخرى (٢٢٢٩): فقال: يا رسولَ الله إنّا أصَبْنا سَبْياً ونُحِبّ الأثمان، فكيف تَرَى في العَزل؟ وهذا أقوى من جميع ما تقدَّمَ، والله أعلم. ٩٧ - باب القُرْعة بين النِّساء إذا أراد سَفَراً ٥٢١١- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ أيمَنَ، قال: حدَّثني ابنُ أبي مُلَيكةَ، عن القاسم، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ وََّ كان إذا أرادَ سَفَراً أقرَعَ بينَ نِسائِه، فطارَتِ القُرْعةُ لعائشةَ وحفصةَ، وكان النبيُّنَّهَ إذا كان باللَّيل سارَ معَ عائشةَ يَتَحدَّثُ، فقالت حفصةُ: ألا تركَبِينَ اللَّيلةَ بَعِيري وأركَبُ بَعِيرَكِ تَنظُرِينَ وأنظُرُ؟ فقالت: بلى، فَرَكِيَتْ فجاء النبيُّ ◌َّهِ إِلى ◌َلِ عائشةَ وعليه حقْصةُ فسَلَّمَ عليها، ثمَّ سارَ حتَّى نزلوا وافتَقَدَتْه عائشةُ، فلمَّا نزلوا جَعَلَت رِجْلَيها بينَ الإذْخِرِ وتقولُ: رَبِّ سَلِّط عليَّ عَقْرَباً أو حَيَّةً تَلْدَغُني ولا أستَطِيعُ أن أقولَ له شيئاً. قوله: ((باب القُرْعة بين النِّساء إذا أرادَ سَفَرًا)) تقدَّم في حديث الإفك في التَّفسير (٤٧٥٠) مِثْلُ ذلك من حديث عائشة أيضاً، وساقَ المصنِّ في الباب قصَّةً أُخرى ولعلَّها كانت أيضاً ٦١٩ باب ٩٧ / ح ٥٢١١ كتاب النكاح في تلك السَّفرة، ولكن بيَّنتُ في شرح حديث الإفك في التَّفسير أنَّه لم يكن معه في غزوة المُرَيْسيع إلّا عائشة، وقد تقدَّم في الهِبة (٢٥٩٣) والشَّهادات (٢٦٣٧) مِثْلُ ذلك في أوَّل حديثٍ آخَر عن عائشة أيضاً. قوله: ((ابن أبي مُلَيكة عن القاسم)» هو ابن محمد بن أبي بكر، وابن أبي مُلَیکة يروي عن عائشة تارةً بالواسطة وتارةً بغيرها. قوله: ((إذا أرادَ سَفَراً)) مفهومُه اختصاص القُرْعة بحالة السَّفَر، وليس على عُمُومه/ بل ٣١١/٩ لتُعيِّنَ القُرعةُ مَن يُسافر بها، وتَجري القُرعةُ أيضاً فيما إذا أراد أن يَقسِم بين زوجاته، فلا يَبدَأ بأيِِّنَّ شاءَ بل يُقرِع بينهنَّ، فَيَبدَأ بالتي تَخْرُج لها القُرْعة، إلّا أن يَرِضَيْنَ بشيءٍ فيجوز بلا قُرْعة. قوله: ((أقرَعَ بين نسائِهِ)) زاد ابن سعد (٨/ ١٧٠) من وجه آخَرَ عن القاسم عن عائشة: فكان إذا خَرَجَ سَهْمُ غيرِي عُرِفَ فيه الكراهية. واستُدِلَّ به على مشروعيّة القُرْعة في القِسْمة بين الشُّرَكاء وغير ذلك، كما تقدَّم في أواخر الشَّهادات (٢٢٨٦)، والمشهور عن الحنفيّة والمالكيَّة عَدَمُ اعتبار القُرْعة، قال عياض: هو مشهورٌ عن مالك وأصحابه لأنَّه من باب الخَطَر والقِمار، وحُكيَ عن الحنفيَّة إجازَتُها. انتهى، وقد قالوا به في مسألة الباب. واحتَجَّ مَن مَنَعَ من المالكيَّة بأنَّ بعض النِّسوة قد تكون أنفَع في السَّفَر من غيرها، فلو خَرَجَت القُرْعة للَّتي لا نَفْعَ بها في السَّفَر لَاضَرّ بحال الرجل، وكذا بالعكس قدیکون بعضُ النِّساء أقوم ببيتِ الرجل من الأُخرَى، وقال القُرطُبيّ: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النِّساء، وتَخْتَصّ مشروعيَّة القُرْعة بما إذا اتَّفَقَت أحوالهنَّ، لئلّا تَخرُج واحدةٌ معه فيكون ترجيحاً بغير مُرَجِّح. انتهى، وفيه مراعاةٌ للمذهب معَ الأمن من رَدّ الحديث أصلاً لِحَملِه على التَّخصيص، فكأنَّه خَصَّصَ العُمُوم بالمعنى. قوله: ((فطارَت القُرْعة لعائشةَ وحفصة)) أي: في سَفرةٍ من السَّفرات، والمراد بقولها: طارَت، أي: حَصَلَت، وطَيرُ كلّ إنسان: نَصيبُه، وقد تقدَّم في الجنائز (١٢٤٣) قولُ أمّ العلاء ٦٢٠ باب ٩٧ / ح ٥٢١١ فتح الباري بشرح البخاري لمَّ اقتَسَمَ الأنصار المهاجِرِينَ قالت: وطارَ لنا عثمانُ بن مَظْعون، أي: حَصَلَ في نَصيبِنا من المهاجِرينَ. قوله: ((وكان النبيّ ◌َ﴿ إذا كان باللَّيلِ سارَ معَ عائشة يَتَحدَّث)) استَدَلَّ به المهلَّب على أنَّ القَسْم لم يكن واجباً على النبيّ ◌َّةِ، ولا دلالةَ فيه، لأنَّ عِماد القَسْمِ اللَّيْلُ في الحَضَر، وأمَّا في السَّفَر فعِمادُ القَسْم فيه النُّزول، وأمَّا حالة السَّير فليست منه لا ليلاً ولا نهاراً، وقد أخرج أبو داود (٢١٣٥) والبيهقيُّ (٧/ ٣٠٠) واللَّفظ له، من طريق ابن أبي الزناد عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة: قَلَّ يومٌ إلّ ورَسولُ اللهِ وَّهِ يَطُوفُ علينا جميعاً، فيُقَبِّل ويَلِمِس ما دون الوِقاع، فإذا جاء إلى التي هو يَومُها باتَ عندها. قوله: ((فقالت حفصة)) أي: لعائشة. قوله: ((ألا تركَبين اللَّيلةَ بعيري» إلى آخره، كأنَّ عائشة أجابَت إلى ذلك لمَا شَوَّقَتها إليه من النَّظَرِ إلى ما لم تكن هي تَنظُر، وهذا مُشعِر بأنَّهما لم يكونا حالَ السَّيرِ مُتَقاربَتَيْنِ، بل كانت كلُّ واحدة منهما من جِهَة، كما جَرَت العادة من السَّير قِطارَينٍ، وإلّا فلو كانتا معاً لم تَخْتَصّ إحداهما بنَظَرِ ما لم تَنظُرُه الأُخرَى، ويحتمل أن تريد بالنَّظَرِ: وَطْأة البعير وجَودةَ سیره. قوله: ((فجاء النبيُّ وَ لَه إلى جَمَل عائشة وعليه)) في رواية حكاها الكِرْمانيُّ: ((وعليها)) وكأنَّه على إرادة الناقة. قوله: ((فسَلَّمَ عليها)) لم يُذكَر في الخبر أنَّه تَحدَّث معها، فيحتمل أن يكون أُهِمَ ما وَقَعَ، ويحتمل أن يكون وَقَعَ ذلك اتِّفاقاً، ويحتمل أن يكون تَحدَّث ولم يُنقَل. قوله: ((وافتَقَدَتْه عائشة)) أي: حالة المسايرة، لأنَّ قطع المألوف صَعْب. قوله: ((فلمَّا نزلوا جَعَلَت رِجْلَيها بين الإذْخِرِ)» كأنَّها لمَّا عَرَفَت أنَّها الجانيةُ فيما أجابَت إليه حفصةَ عاتَبَت نفسها على تلك الجِناية. والإذْخِر: نَبتُ معروف توجَد فيه الهوامُّ غالباً في البَرِّيَّة.