النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح والغَياياء: الطَّباقاءُ الأحمقُّ الذي ينطبقُ عليه أمرُه. وقال أبو عُبيد: العَياياء بالمهملة: الذي لا يَضرِب، ولا يُلقِحُ من الإبل، وبالمعجمة ليس بشيء، والطَّباقاء: الأحمق الفَدْمُ. وقال ابن فارس: الطباقاء: الذي لا يُحسنُ/ الضِّراب، ٢٦٤/٩ فعلى هذا يكون تأكيداً لاختلاف اللفظ، كقولهم: بُعداً وسُحقاً. وقال الدَّاودي: قوله: ((غياياء)) بالمعجمة، مأخوذٌ من الغَيِّ، بفتح المعجمة، وبالمهملة مأخوذٌ من العِيِّ، بكسر المهملة. وقال أبو عُبِيدَةٍ (١): العَياياء - بالمهملة -: العَبِيُّ الذي تُعييه مباضعةُ النِّساء. وأُراه مبالغةً من العِيِّ في ذلك. وقال ابن السِّكِّت: هو العِيُّ الذي لا يَهتدي. وقال عِياض وغيرُه: الغَياياء - بالمعجمة -: يحتمل أن يكون مشتقّاً من الغياية، وهو كلُّ شيء أظلَّ الشخصَ فوقَ رأسه، فكأنه مُغطّ عليه من جهله. وهذا الذي ذكره احتمالاً جزم به الَّعَشري في ((الفائق)). وقال النَّوَي: قال عِياضٌ وغيره: غَياياء - بالمعجمة - صحيحٌ، وهو مأخوذٌ من الغياية، وهي الظُّلمة، وكلُّ ما أظلَّ الشخصَ، ومعناه: لا يهتدي إلى مَسلك، أو أنها وصَفتْه بثقَل الرّوح، وأنه كالظُّلِّ المتكاثف الظُّلمة الذي لا إشراقَ فيه، أو أنها أرادت أنه غُطِّيتْ عليه أمورُه، أو يكون غَياياء من الغَيِّ، وهو الانهماكُ في الشرِّ، أو من الغَيِّ الذي هو الخَيبة، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقال ابن الأعرابي: الطَّباقاء: المُطبَق عليه حُمقاً. وقال ابنُ دُريد(٢): الذي تنطبقُ عليه أمورُه. وعن الجاحظ: الثَّقيلُ الصَّدر عند الجِماع، يُطبِقُ صدرَه على صدر المرأة، فيرتفعُ سُفْلُه عنها، وقد ذمَّتِ امرأةٌ امرأ القيس، فقالت له: ثقيلُ الصَّدر، خفيفُ العَجُز، سريعُ الإراقة، بطيءُ الإفاقة. (١) كذا في الأصلين، وفي (س): عُبيد. والصواب أنه لا هذا ولا ذاك، وإنما قائل ذلك هو ابن الأثير في ((النهاية)) ٠٣٣٤/٣ (٢) في (ع): وقال النووي: قال ابن دُريد، والمثبت من (أ) و(س)، وقول ابن دريد هذا في ((جمهرة اللغة)) ١٢٢٩/٣. ٥٢٢ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قال عياض: ولا مُنافاةَ بين وصفها له بالعَجْز عند الجماع، وبين وصفها بثقَل الصَّدر فيه، لاحتمال تنزيله على حالتين، كلٌّ منهما مذمومٌ، أو يكون إطباقُ صدره من ◌ُملة عَيِهِ وعَجزِه، وتعاطيه ما لا قُدرةَ له عليه، لكن كلّ ذلك يردُ على من فَسَر ((عَياياء)) بأنه العِنِين. وقولها: ((كلُّ داءٍ له داء)) أي: كلُّ شيء تفرَّقَ في الناس من المعايب موجودٌ فيه. وقال الزَّمَشري: يحتمل أن يكون قولها: ((له داءٌ)) خبراً لكل، أي: أن كلَّ داءٍ تفرَّقَ في الناس فهو فيه، ويحتمل أن يكون: ((له)) صفة لداء، و((داء)» خبراً لكل، أي: كلَّ داء فيه في غاية التناهي، كما يقال: إن زيداً لزيدٌ، وإن هذا الفرس لفَرَس. قال عياض: وفيه من لطيف الوَحْي والإشارة الغاية، لأنه انطوى تحت هذه الكلمة كلامٌ كثيرٌ. وقولها: ((شَجَّك)) بمعجمة أولَه، وجيم ثقيلة، أي: جَرَحك في رأسك، وجراحات الرّأس تُسمَّى شِجاجاً. وقولها: ((أو فلَّك)) بفاء، ثم لام ثقيلة، أي: جَرَح جسدك، ومنه قول الشاعر: بهنَّ فُلولٌ(١)، أَي: ثُلَم، جمع ثُلْمة، ويحتمل أن يكون المراد: نَزَع منكِ كلَّ ما عندكِ، أو كسَركِ بسلاطة لسانه، وشدَّة خصومتِه. زاد ابن السِّكِّيت في روايته: ((أو بجَّك)» والبَجُّ بموحدة، ثم جيم، أي: طَعنكِ في جِراحَتك، فَشقَّها، والبَجُّ: شَقُّ القُرْحة، وقيل: هو الطَّعْنة. وقولها: ((أو جمع كُلَّالك)) وقع في رواية الزُّبير: ((إن حدَّثْتِهِ سَبَّك، وإن مازَحِتِهِ فَلَّكِ، وإلّا جمع كُلَّالك)) وهي توضح أن ((أو)) في رواية الأَصِيلي للتقسيم، لا للتخيير. (١) والشاعر هو النابغة الذبياني، من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث الغساني، والبيت من الطويل، ونصُّه: ولا عَيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهم بهنَّ فُلُولٌ من قِراع الكتائبِ انظر («ديوانه)) ص ٤٤. وقد ذُكر الشطر الأول في (ع) ولم يرد في (أ) و(س). ٥٢٣ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح وقال الزَّتَشري: يحتمل أن تكون أرادت: أنه ضَروبٌ للنسّاء، فإذا ضرب إما أن يَكسِرِ عظماً، أو يَشُجَّ رأساً، أو يجمعُهما. قال: ويحتمل أن يريد بالفَلِّ: الطَّردَ والإبعاد، وبالشَّجِّ: الكسرَ عند الضَّرب، وإن كان الشَّجُّ إنما يُستعمل في جراحة الرأس. قال عياض: وصَفَته بالحُمق، والتناهي في سوء العشرة، وجمع النقائص، بأن يعجز عن قضاء وَطَرِها، مع الأذى، فإذا حدَّثتْه سَبَّها، وإذا مازَحَته شَجَّها، وإذا أغضَبتْه كسر عُضواً من أعضائها، أو شَقَّ جِلدَها، أو أغار على مالها، أو جمع كلَّ ذلك، من الضَّرب، والجرح، وكسر العُضو، وموجع الكلام، وأخْذِ المال. قوله: ((قالت الثامنة: زوجي المسُّ مسُّ أرنَبٍ، والريحُ ريحُ زَرنَبٍ)) زاد الزُّبير في روايته: ((وأنا أغلبُه، والناسَ يَغلبُ)) وكذا في رواية عُقْبة عند النسائي (ك ٩٠٩٠)، وفي رواية عمر عنده (ك٩٠٩٣)، وكذا للطبراني (٢٦٥/٢٣) لكن بلفظ: ((نَغْلِبُه)) بنون الجمع. والأرنَب: دُوَيبة لَيِّنّةُ المسِّ، ناعمةُ الوبَر جدّاً، والزَّرنبُ: بوزن الأرنب لكن أوله زاي، وهو نبتٌ طيِّبُ الرِّيح، وقيل: هو شجرةٌ عظيمةٌ بالشام بجبل لبنان، لا تُثْمِر، لها وَرَقٌ بين الخُضرة والصُّفرة. كذا ذكره عياض،/ واستنكَرِه ابنُ البَيطار وغيره من أصحاب المفردات. ٢٦٥/٩ وقيل: هو حشيشةٌ دقيقةٌ طيبةُ الرائحة، وليست ببلاد العرب، وإن كانوا ذكروها، قال الشاعر: يا بأبي أنتِ وفُوكِ الأشْنبُ كأنما ذُرَّ عليه الَّرْنبُ وقيل: هو الَّعفران، وليس بشيء. واللامُ في ((المسِّ)) و((الرِّيح)» نائبةٌ عن الضمير، أي: مَسُّه وريحُه، أو فيهما حذفٌ تقديرُه: الرِّيحُ منه، والمسُّ منه، كقولهم: السَّمن مَنَوان بدِرهم، وصَفَته بأنه لَيِّن الجسد ناعمُه. ٥٢٤ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري ويحتمل أن تكون كنَّت بذلك عن حُسْن خُلُقه ولين عَرِيكته، بأنه طيِّبُ العَرْف(١) لكثرة نظافتِهِ، واستعماله الطِّيبَ تَظرُّفاً، ويحتمل أن تكون كنَّت بذلك عن طِيبٍ حديثه، أو طيبِ الثَّناء عليه، لجمیل مُعاشرته. وأما قولها: ((وأغلِبُهُ، والناسَ يَغلبُ)) فوصَفَته مع جميل عِشْرته لها، وصبره عليها بالشجاعة، وهو كما قال معاوية: يَغْلِنَ الكرامَ، ويَغْلِبُهنَّ اللئام. قال عِياض: هذا من التشبيه بغير أداةٍ، وفيه حُسنُ المناسَبة، والموازنة، والتَّسجيع. وأما قولها: ((والناسَ يَغلبُ)) ففيه نوعٌ من البَديع يُسمَّى الَّتميم، لأنها لو اقتصَرَت على قولها: ((وأنا أغلبُه)) لظُنَّ أنه جبانٌ ضعيفٌ، فلما قالت: ((والناسَ يَغْلِبُ)) دلَّ على أن غَلْبها إياه إنما هو من كرم سجاياه، فتمَّمَت بهذه الكلمة المبالغة في حُسْن أوصافه. قوله: «قالت التاسعة: زوجي رفيعُ العِماد، طويل النِّجاه، عظيمُ الرَّماد، قريبُ البيت من النَّادِ)) زاد الزُّبير بن بكّار في روايته: ((لا يَشبعُ ليلةَ يُضاف، ولا ينامُ ليلةَ يُجاف». وصَفَته بطول البيت وعُلوِّه، فإن بيوت الأشراف كذلك يُعلّونها ويَضرِبونها في المواضع المرتفعة، ليقصِدَهم الطارقون والوافدون، فطولُ بيوتهم إما لزيادة شَرفِهم، أو لطول قاماتهم، وبيوتُ غيرهم قِصارٌ، وقد لهجَ الشُّعراء بمدح الأول وذمّ الثاني، كقوله: قِصارُ الْبُيوتِ لا تُرى صَھَواتُها وقال آخر (٢): إذا دخلوا بُيوتَهم أكُبُّوا على الرُّكَباتِ من قِصَر العمادِ ومن لازم طول البيت أن يكون متَّسعاً، فيَدُلَّ على كثرة الحاشية والغاشية، وقيل: كنَّت بذلك عن شَرَفه، ورِفعَة قَدْره. (١) تصحفت في (س) إلى: العرق، والمثبت من الأصلين، والعَرْف: الرِّيح، طيبةً كانت أو خبيثة. انظر: «لسان العرب» ٢٤٠/٩. (٢) هو النابغة الجعدي، نسبه له صاحب ((الحماسة البصرية)) ٢٦٣/٢. ٥٢٥ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح و(النِّجاد) بكسر النون، وجيم خفيفة: حِمالةُ السَّيف، تريد أنه طويلُ القامَة، يحتاجُ إلى طول نِجاده، وفي ضِمْن کلامها أنه صاحب سیف، فأشارت إلى شجاعته، و کانت العربُ تتمادح بالطّول وتذُّ بالقِصَر. وقولها: ((عظيمُ الرَّماد)) تعني: أن نارَ قِراه للأضياف لا تُطفَأُ، لتهتديَ الضِّيفانُ إليها، فيصيرُ رمادُ النار كثيراً لذلك. وقولها: ((قريبُ البيت من الناد)) وقَفَت عليها بالسكون لمؤاخاة السَّجع. والنادي والنَّدُّ: مجلسُ القوم، وصَفَته بالشَّرف في قومه، فهم إذا تفاوضوا واشتَوَرُوا في أمر، أتوا فجلسوا قريباً من بيته، فاعتمدوا على رأيه وامتثلوا أمرَه، أو أنه وضع بيتَه في وَسَطِ الناس، ليَسهُلَ لقاؤه، ويكونَ أقربَ إلى الوارد وطالبِ القِرى، قال زُهیر: يَسِطُ الْبُيوتَ لكي يكون مَظِنَّةً من حيثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ المسترفِ ويحتمل أن تريد أن أهل النادي إذا أتوه لم يَصعُب عليهم لقاؤه، لكونه لا يحتجِبُ عنهم، ولا يَتباعَدُ منهم، بل يقرُب، ويتلقّاهم، ويُبادِرُ لإكرامهم، وضدُّه من يَتَوارى بأطراف الحُلَل وأغوار المنازل، ويَبعُدُ عن سَمْت الضَّيف لئلا يهتدوا إلى مكانه، فإذا استبعدوا موضعه صَدّوا عنه، ومالوا إلى غيره، ومحصَّل كلامها: أنها وَصَفَته بالسِّيادة، والكرم، وحُسن الخُلُق، وطيب المعاشرة. قوله: ((قالت العاشرة: زوجي مالكٌ، وما مالكٌ؟ مالك خيرٌ من ذلكِ، له إبلٌ كثيراتُ/ ٢٦٦/٩ المبارك، قليلاتُ المسارح، وإذا سَمعنَ صوت المِزْهَرِ، أيقنَّ أنهن هَوالِكُ)) وقع في رواية عمر بن عبد الله عند النسائي (ك٩٠٩٣) والزُّبير: ((المَبارح)) بدلَ («المَبارك)»، وفي رواية أبي يعلى: ((المَزاهر)) بصيغة الجمع(١)، وعند الزّبير: ((الضَّيف)) بدل ((الِزْهَرَ)). والمَبَارِك، بفتحتين: جمع مَبْرَك، وهو موضعُ نزول الإبل، والمَسَارِح: جمع مَسْرَح، وهو الموضع الذي تُطلَقُ لترعى فيه. (١) في المطبوع من ((مسند أبي يعلى)) (٤٧٠٢): ((المِزْهَر)) بالإفراد، كما هي هنا! ٥٢٦ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري و((الِزْهَر)) بكسر الميم، وسكون الزاي، وفتح الهاء: آلةٌ من آلات اللَّهو، وقيل: هي العود، وقيل: دُفِّ مربَّع. وأنكَرَ أبو سعيد الضَّرير تفسيرَ المِزهر بالعود، فقال: ما كانت العربُ تعرف العودَ إلّا مَن خالط الحَضَر منهم، وإنما هو بضمِّ الميم وكسر الهاء: وهو الذي يُوقِدُ النارَ فيُزهِرُها للضَّيف، فإذا سمعت الإبلُ صوتَه، ومَعْمعانَ النار، عرفت أن ضيفاً طَرَقَ، فتيقَّنت الهلاكَ. وتعقَّبه عياض: بأن الناس كلَّهم رَوَوهُ بكسر الميم وفتح الهاء، ثم قال: ومن الذي أخبره أن مالكاً المذكور لم يُخالِطِ الحَضَر، ولا سيما مع ما جاء في بعض طرق هذا الحديث: أنهنّ كنَّ من قرية من قُرى اليمن، وفي الأخرى: أنهنَّ من أهل مكَّة، ثم قد كَثُر ذكرُ المِزهَر في أشعار العرب: جاهليَّتها وإسلامها، بَدَويُها وحَضَرِيِّها، انتھی. ويَردُ عليه أيضاً ورودُه بصيغة الجمع، فإنه بعينه للآلة. ووقع في رواية يعقوب بن السُّكِّيت، وابن الأنباري من الزيادة: ((وهو أمامَ القوم في المهالِك))، فجَمَعت في وصفها له بين الثَّروة والكرم وكثرة القِرى، والاستعداد له، والمبالغة في صفاته، ووصَفَته أيضاً مع ذلك بالشجاعة، لأن المرادَ بالمَهالِك: الحروبُ، وهو لثقَته بشجاعته يتقدَّمُ رِفْقتَه، وقيل: أرادت أنه هادٍ في السُّبُل الخفيَّة، عالمٌ بالطُّرق في البيداء، فالمرادُ على هذا بالمهالك: المفاوز، والأول أليق، والله أعلم. و((ما)) في قولها: ((وما مالك؟)) استفهامية تقال للتعظيم والتعجّب، والمعنى: وأيُّ شيءٍ هو مالكٌ، ما أعظمَه وأكرمَه؟! وتكريرُ الاسم أدخَلُ في باب التعظيم. وقولها: «مالكٌ خيرٌ من ذلك)) زيادةٌ في الإعظام وتفسيرٌ لبعض الإبهام، وأنه خيرٌ مما أُشِير إليه من ثناء وطيب ذِكْر، وفوق ما أَعتقِدُ فيه من سُؤدُد وفخر، وهو أجلُّ من أن(١) أصِفُه لشُهرة فضله، وهذا بناءً على أن الإشارةَ بقولها: ((ذلك)) إلى ما تَعتقدُه فيه من صفات المدح، ويحتمل أن يكون المرادُ: مالكٌ خيرٌ من كلِّ مالك، والتعميم يُستَفاد من المقام، كما (١) تحرَّفت في (س) إلى: (ممن)). ٥٢٧ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح قيل: تمرةٌ خيرٌ من جَرَادة، أي: كلُّ تمرة خيرٌ من كلِّ جرادة، وهذا إشارةٌ إلى ما في ذهن المخاطَب، أي: مالك خير مما في ذهنك من مالك الأموال، أو هو خيرٌ مما سأصفُه به، ويحتمل أن تكون الإشارةُ إلى ما تقدم من الثَّناء على الذين قبله، وأن مالكاً أجمعُ من الذين قبله لخِصال السِّيادة والفضل. ومعنى قولها: ((قليلاتُ المسارح)) أنه لاستعداده للضِّيفان بها، لا يوجِّه منهن إلى المسارح إلّا قليلاً، ويتركُ سائرهن بفِنائه، فإن فاجأَه ضيفٌ، وَجَدَ عنده ما يَقْرِيه به من لحومها وألبانها، ومنه قول الشاعر(١): حَبَسْنا ولم نَسْرَح لكي لا يَلومَنا على حُكْمِهِ صَبْراً مُعَوَّدَةَ الحَبسِ ويحتمل أن تريد بقولها: ((قليلاتُ المسارح)) الإشارةَ إلى كثرة طُرُوق الضِّيفان، فاليومُ الذي يَطَرُقُه الضَّيفُ فيه، لا تَسرَحُ حتى يأخذَ منها حاجتَه للضِّيفان، واليومُ الذي لا يَطْرُقه فيه أحدٌ، أو يكون هو فيه غائباً تَسرحُ كلُّها، فأيامُ الطَّروق أكثرُ من أيام عَدَمه، فهي لذلك قليلاتُ المسارح، وبهذا يندفعُ اعتراضُ من قال: لو كانت قليلات المسارح، لكانت في غاية الهزال. وقيل: المرادُ بكثرة المبارك: أنها كثيراً ما تُثار فتُحلَب، ثم تُتركُ فتَكثُرُ مبارِكُها لذلك. وقال ابن السِّكِّيت: إن المرادَ أن مباركَها على العطايا والحمالات وأداء الحقوق وقِرى الأَضياف كثيرةٌ، وإنما يَسْرحُ منها ما فَضَل عن ذلك. فالحاصل: أنها في الأصل کثیرٌ، ولذلك كانت مبارکُها کثیرةً، ثم إذا سَرَحت صارت/ ٢٦٧/٩ قليلةً لأجل ما ذهب منها. وأما روايةُ من روى: ((عظيماتُ المبارك)) فيحتمل أن يكون المعنى: أنها من سِمَنها وعِظَم ◌ُثَّتها تعظُم مباركُها. وقيل: المراد أنها إذا بَرَكَت كانت كثيرةً لكثرة من ینضمُ إليها ممن يلتمسُ القِرى، وإذا سَرَحتْ سَرَحتْ وحدَها، فكانت قليلةً بالنّسبة لذلك. (١) هو منصور بن مسجاح، كما في ((شرح ديوان الحماسة)) للمرزوقي ص١٦٧٤. ٥٢٨ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري ويحتمل أن يكون المرادُ بقلَّة مسارحها قلَّة الأمكنة التي ترعى فيها من الأرض، وأنها لا تُمكَّنُ من الرعي إلّا بِقُرب المنازل، لئلا يشُقَّ طلبُها إذا احتيج إليها، ويكون ما قَرُب من المنزل كثير الخِصْب لئلا تُهزَل. ووقع في رواية سعيد بن سلمة عند الطبراني (٢٦٥/٢٣): ((أبو مالك وما أبو مالك؟ ذو إبل كثيرة المسالك، قليلةِ المبارك)). قال عِياضٌ: إن لم تكن هذه الروايةُ وَهماً، فالمعنى أنها كثيرةٌ في حال رَعْيها إذا ذهبت، قليلةٌ في حال مَبارِكها إذا قامت، لكثرة ما يُنحَرُ منها، وما يُسلَكُ منها فيه من مسالك الجود من رِفْد ومَعُونة وحَملٍ وحَمالة، ونحو ذلك. وأما قولها: ((أيقَنَّ أنهنَّ هوالكُ)) فالمعنى أنه كَثُرَت عادتُه بنَحر الإبل لقِرى الضِّيفان، ومن عادته أن يَسقيهَم ويُلهِيهم، أو يتلقّاهم بالغِناء مبالغةً في الفَرَح بهم، صارت الإبلُ إذا سمعت صوتَ الغناء، عرفت أنها تُنْحَرُ. ويحتمل أنها لم تُرِد فهمَ الإبل لهلاكها، ولكن لمَا كان ذلك يعرفُه من يَعقِل، أُضيف إلى الإبل، والأول أولى. قوله: ((قالت الحاديةَ عَشْرةَ)) قال النَّووي: وفي بعض النُّسخ: ((الحادي عَشرةَ))، وفي بعضها: ((الحادية عَشْر))، والصحيح الأول، وفي رواية الزُّبير: ((وهي أمُّ زَرْع بنت أُكَيمِل ابن ساعدة». قوله: ((زوجي أبو زَرْع)) في رواية النسائي (ك٩٠٩٣): ((نكحتُ أبا زَرْع)). قوله: ((فما أبو زَرْع؟)) في رواية أبي ذرٍّ: ((وما أبو زَرْع؟)) وهو المحفوظ للأكثر، زاد الطبراني (٢٦٩/٢٣) في رواية: ((صاحبُ نَعَمٍ وَزَرْع)). قوله: ((أَنَاسَ)) بفتح الهمزة، وتخفيف النون، وبعد الألف مهملة، أي: حَرَّك. قوله: ((من حُلِيٍّ)) بضم المهملة، وكسر اللام ((أُذُنيَ)) بالتثنية، والمراد أنه ملأَ أُذْنَيْها بما جرت عادةُ النِّساء من التحلِّ به من قُرْط وشَنْف من ذهب ولُؤْلُؤ، ونحو ذلك. وقال ابن السِّكِّيت: أناسَ، أي: أثقَلَ حتى تدَلَّى واضْطَرب، والنَّوْس: حركةُ كلِّ شيء مُتدلٌّ، وقد تقدم حديثُ ابن عمر: ((أنه دخل على حفصةَ ونَوْساتُها تَنطُفُ)) مع شرح المراد ٥٢٩ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح به في المغازي (٤١٠٨). ووقع في رواية ابن السِّكِّيت: ((أُذُنيَّ وفَرْعيَّ» بالتثنية، قال عِياضٌ: يحتمل أن تريدَ بالفَرعين: اليَدَين، لأنهما كالفَرعينِ من الجسد، تعني أنه حَلَّى أُذُنيها ومِعصمَيها، أو أرادت: العُنُق واليَدَين، وأقامت اليدين مقامَ فَرِع واحد، أو أرادت اليَدَين والرِّجلينِ كذلك، أو الغَدِيرَتين وقَرْنَي الرأس، فقد جرت عادةُ المُترَفَات بتنظيم غدائرِهنَّ، وتحلية نَواصِيهنَّ وقُرونهنّ. ووقع في رواية ابن أبي أوَيس: ((فَرْعِي)) بالإفراد: أي: حَلَّى رأسي، فصار يَتدَّ من كثرته وثِقله، والعربُ تُسمِّ شَعرَ الرأس فَرْعاً، قال امرُؤُ القيس: وفَرْعٍ يُغْشِّيِ المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ (١) قوله: ((ومَلَأ من شحم عَضُدَيَّ)) قال أبو عُبيد: لم تُردِ العَصُدَ وحدَه، وإنما أرادت الجسدَ كلَّه، لأن العَضُدَ إذا سَمِنت، سَمِنَ سائرُ الجسد، وخَصَّت العَضُدَ، لأنه أقربُ ما يلي بصَرَ الإنسان من جسده. قوله: «وبجني)» بموحدة، ثم جیم خفيفة - وفي رواية النسائي (ك ٩٠٨٩) ثقيلة - ثم مهملة (فبچِحَتْ)) بسکون المثناة، وفي رواية لمسلم (٢٤٤٨): ((فبچِحَتْ إلَّ - بالتشديد - نفسي)) هذا هو المشهور في الروايات، وفي رواية النسائي (ك٩٠٩٣): ((وبَجَّحَ نفسي فَبَجِحَت(٢) إليّ))، وفي أخرى له ولأبي عُبيد (٢٨٧/٢): ((فَبَجِحتُ)) بضم التاء و((إلى)) بالتخفيف، والمعنى: أنه فَّحَها ففَرِحَت. وقال ابن الأنباري: المعنى: عَظَّمَني، فعَظُمَت إليّ نفسي. وقال ابن السِّكِّت: المعنى: فَخَّرني، ففَخَرتُ. وقال ابن أبي أُويس: معناه: وَسَّعَ عليَّ وترَّفَني. (١) هو صدر بیت، وعجزه: أثيثٍ كقِنْو النَّخلةِ المُتَعتكِلِ (٢) في الأصلين: ((فتبجّحت))، والمثبت من (س) والمطبوع من ((السنن الكبرى)). ٠ .. ٥٣٠ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري ـجـ قوله: ((وَجَدَني في أهل غُنَيمة)) بالمعجمة والنون مصغّر. قوله: ((بِشِقٌّ)) بكسر المعجمة، قال الخطَّبي: هكذا الرواية، والصوابُ بفتح الشين، وهو موضعٌ بعَينِهِ، وكذا قال أبو عبيد، وصَوَّبه الهروي. وقال ابن الأنباري: هو بالفتح ٢٦٨/٩ والكسر، موضعٌ. وقال/ ابن أبي أويس، وابن حبيب: هو بالكسر، والمرادُ: شِقُّ جبل كانوا فيه لقلَّتهم، وَسِعَهم سُكنى شِقِّ الجبل، أي: ناحيته، وعلى رواية الفتح، فالمراد: شَقٌّ في الجبل كالغار ونحوه. وقال ابن قُتيبةَ، وصَوَّبه نِفْطويه: المعني بالشِّقِّ - بالكسر - أنهم كانوا في شَظَف من العَيش، يقال: هو بشِقٍّ من العيش، أي: بشَظَف وجَهد، ومنه: ﴿لَّمَّ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ إِلَّا بِشِقٍّ اَلْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وبهذا جزم الَّتَشري، وضعَّفَ غيره. قوله: ((فجعلني في أهل صَهِيل)) أي: خيل ((وأطيط)) أي: إبل، زاد في رواية النسائي (ك٩٠٩٣): ((وجامل)) وهو جمع جَمل، أو المراد: اسم فاعل لمالك الجمال، كقوله: لابنٌ وتامِرٌ. وأصل الأطيط: صوتُ أعوادِ المحامل والرِّجال على الجِمال، فأرادت أنهم أصحابُ تَحَامِلِ، تُشير بذلك إلى رَفاهيتهم، ويُطلَقُ الأطيطُ على كلِّ صوت نشأ عن ضغط، كما في حديث باب الجَنَّة: ((ليأتِينَّ عليه زمانٌ وله أطيطٌ))(١) ويقال: المراد بالأطيط: صوتُ الجَوْف من الجوع. قوله: ((ودائِس)) اسم فاعل من الدَّوس، وفي رواية للنسائي (ك٩٠٩٠): ((ودَیّاس)). قال ابن السِّكِّيت: الدِّائس الذي يَدُوسُ الطعام. وقال أبو عُبيد: تأوَّله بعضُهم من دِیَاس (١) لم نقع على الحديث بهذا اللفظ في مصادر الحديث، وإنما ذكره بهذا اللفظ أبو عبيد الهروي في ((غريب الحديث)) ٣٠٢/٢ من حديث عتبة بن غزوان، ولعلَّ الرواية عنده هكذا، وإلّا فحديث عتبة بن غزوان روي بلفظ ((كظيظ)) وليس ((أطيط))، أخرجه أحمد (١٧٥٧٥)، ومسلم (٢٩٦٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٧٩٠)، ولفظه: ((ما بين مِصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتينَّ عليه يوم وهو كَظيظ من الزِّحام))، وهذا لفظ مسلم، والله أعلم. ٥٣١ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح الطعام، وهو دراستُه، وأهلُ العراق يقولون: الدِّياس، وأهلُ الشام: الدِّراس، فكأنها أرادت أنهم أصحابُ زَرعٍ. وقال أبو سعيد: المراد أن عندهم طعاماً منقَّى(١)، وهم في دِيَاس شيء آخر، فخيرُهم متّصل. قوله: ((وُنِقٌّ)) بكسر النون، وتشديد القاف، قال أبو عبيد: لا أدري معناه، وأظنُّه بالفتح من تنَقِّي(٢) الطعام. وقال ابن أبي أويس: المُنِقُّ - بالكسر -: نقيقُ أصواتٍ المواشي، تصفُ كثرةَ ماله. وقال أبو سعيد الضَّرير: هو بالكسر من نَقِيقَة الدَّجاج، يقال: أنَقَّ الرجل: إذا كان له دَجاج. قال القرطبي: لا يقال لشيءٍ من أصوات المواشي: ثَقّ، وإنما يقال: نَقُّ الضِّفدَع والعقرب والدَّجاج، ويقال في الهِرِّ بقِلَّة، وأما قولُ أبي سعيدٍ فبعيدٌ، لأن العرب لا تَمَدَحُ بالدَّجاجِ، ولا تذكرُها في الأموال. وهذا الذي أنكَرَه القُرطُبي لم يُرِده أبو سعيد، وإنما أراد ما فَهِمَه الَّمْشَري، فقال: كأنها أرادت من يَطُرُدُ الدَّجاج عن الحبِّ فيَنِقّ. وحكى الهرَوي: أن المُنَقّ - بالفتح -: الغِرْبال، وعن بعض المغاربة: يجوز أن يكون بسكون النون، وتخفيف القاف، أي: له أنعامٌ ذاتُ نِقْي، أي: سِمان. والحاصل: أنها ذكَرَت أنه نقَلَها من شَظَف عيش أهلها إلى الثَّروة الواسعة من الخيل والإبل والزَّرع وغير ذلك، ومن أمثالهم: إن كنتَ كاذباً، فَحَبتَ قاعداً، أي: صار مالُك غَنماً يحلُبُها القاعد، وبالضدِّ أهلُ الإبل والخيل. قوله: ((فعنده أقول)) في رواية للنسائي (ك٩٠٩٣): ((أَنطِقٍ))، وفي رواية الزُّبير: ((أتكلّم)). قوله: ((فلا أُقبَّح)) أي: فلا يقال لي: قبَّحكِ الله، أو لا يُقبَّحُ قولي، ولا يُردُّ عليَّ، أي: (١) في (ع): يبقى، وفي (س): منتقى، والمثبت من (أ). (٢) كذا في الأصلين و(س)، وفي ((غريب الحديث)) لأبي عبيد: تنقية. ٥٣٢ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري لكثرة إكرامه لها، وتدلَّلها عليه، لا يَرُدُّلها قولاً، ولا يُقبِّحُ عليها ما تأتي به. قوله: ((وأرقُدُ فأتصبَّح)) أي: أنامُ الصُّبحةَ - وهي نومُ أول النهار - فلا أوقَظ، إشارةً إلى أنَّ لها من يَكِفِيها مُؤنةَ بيتها، ومهنةَ أهلها. ووقع في رواية الزُّبير: فبينما أنا عنده أنامُ ... إلى آخره(١). قوله: ((وأشربُ فأتقنَّح)) كذا وقع بالقاف، والنون الثقيلة، ثم المهملة، قال عياض: لم يقع في ((الصحيحين)) إلّا بالنون، ورواه الأكثرُ في غيرهما بالميم بدل النون. قلت: وسيأتي بيانُ ذلك في آخر الكلام على هذا الحديث، حيث نقَلَ البخاري: أن بعضَهم رواه بالميم، قال أبو عُبيد: أتقمَّحُ، أي: أرْوَى حتى لا أحبُّ الشُّرب، مأخوذٌ من الناقة القامح، وهي التي تِرِدُ الحوضَ، فلا تشرب، وترفعُ رأسَها رِيّاً، قال: وأمّا بالنون فلا أعرفُه. انتهى، وأثبتَ بعضُهم: أن معنى أتقنَّحُ بمعنى أتقمَّح، لأنَّ النونَ والميم يتعاقبان، مثل: امتَقَع لونه وانتَفَع، وحكى شِمْر، عن أبي زيد: التقنُّح: الشُّرب بعد الرَّيِّ. وقال ابنُ حبيب: الرِّيُّ بعد الرَّي. وقال أبو سعيد: هو الشُّرب على مَهْل لكثرة اللَّبن، لأنها كانت آمنةً من قلَّته، فلا تُبادرُ إليه مخافةَ عَجْزه. وقال أبو حنيفة الدِّينوَري: قَنحَت من الشراب: تكارَهَت عليه بعد ٢٦٩/٩ الرِّيِّ. وحكى القالي: قَنَحتِ الإبلُ تَقْنَحُ - بفتح النون في الماضي والمستقبل - قَنحاً بسكون/ النون وبفتحها أيضاً: إذا تكارَهَت الشُّربَ بعد الرِّيِّ. وقال أبو زيد وابن السِّكِّيت: أكثرُ كلامهم: تَقنَّحت تَقنُّحاً، بالتشديد، وعلى هذا فأنقمَّحُ وأتقنَّح بمعنّى واحد، كامتَفَعَ وانتَقَع(٢). وقال ابن السِّكِّيت: معنى قولها: ((فأتقنَّح)» أي: لا يقطعُ عليَّ شُرْبي. فتوارد هؤلاء كلَّهم على أن المعنى: أنها تَشربُ حتى لا تَجِدَ مساغاً، أو أنها لا يُقلَّلُ مشروبُها ولا يُقطَعُ عليها حتى تُتِمَّ شهوتها منه. وأغرَبَ أبو عُبيد فقال: لا أُراها قالت ذلك إلّا لعِزَّة الماءِ عندهم، أي: فلذلك فَخَرتْ (١) من قوله: ((ووقع في رواية الزبير)) إلى هنا وقعت هذه العبارة في أصول ((الفتح)) في أول هذه الفقرة، ومكانها هنا أوجه، لأنَّ روایة الزبير: فبينما أنا عنده أنام فأتصبح. (٢) قوله: ((وعلى هذا فأتقمح وأتقنح بمعنّى واحد، كامتَفَع وانتَفَع)) سقط من (أ) و(س)، وأثبتناه من (ع). ٥٣٣ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح بالرِّيِّ من الماء، وتعقَّبوه بأن السِّياقَ ليس فيه التقييدُ بالماء، فيحتمل أن تُريدَ أنواعَ الأشربة من لَبَن وخمر ونَبِيذ وسَوِيق وغير ذلك. ووقع في رواية الإسماعيلي عن البَغَوي: «فأتفتَّح)) بالفاء والمثناة، قال عِياضٌ: إن لم يكن وَهماً، فمعناه التكبُّرِ والزُّهُوُّ، يقال: في فلان فُتحةٌ: إذا تاهَ وتكبََّ، ويكون ذلك تحصَّلَ لها من نَشْوَة الشَّراب، أو يكون راجعاً إلى جميع ما تقدم، أشارت به إلى عِزَّتها عنده، وكثرة الخير لديها، فهي تَزْهو لذلك. أو معنى ((أتقنَّح)»: كنايةٌ عن سِمَنْ جِسمِها. ووقع في رواية الهيثم(١): ((وآكلُ، فأتمنَّح)) أي: أُطعِم غيري، يقال: مَنَحِه يَمنَحُه: إذا أعطاه، وأتت بالألفاظ كلِّها بوزن أتفعّل إشارةً إلى تكرار الفعل وملازمتِه، ومطالبة نفسِها أو غيرها بذلك، فإن ثبَتَت هذه الروايةُ، وإلا ففي الاقتصار على ذِكْر الشُّرب إشارةٌ إلى أن المرادَ به اللََّنُ، لأنه هو الذي يقومُ مقامَ الشَّراب والطعام. قوله: (أُّ أبي زَرْع، فما أمُّ أبي زَرْعٍ؟ عُكومُها رِداٌ، وبيتُها فَساحٌ)) في رواية أبي عُبيد: (فَيَاح)) بتحتانية خفيفة، من فاح يَفِيحُ: إذا أَتَّسع. ووقع في روايةٍ عن أبي العباس العُذْري فيما حكاه عِياضٌ: ((أُمُّ زَرْع، وما أمُّ زَرْع؟)) بحذف أداة الكُنية، قال عِياضٌ: وعلى هذا فتكون كَنَّت بذلك عن نفسها. قلت: والأول هو الذي تضافرت به الرِّوايات، وهو المعتمَد. وأما قوله: ((فما أمُّ أبي زَرْع؟)) فتقدم بيانُه في قول العاشرة، والعُكوم - بضم المهملة -: جمع عِكْم - بكسرها وسكون الكاف ـ: هي الأعدال والأحمال التي تُجمَع فيها الأمتعةُ، وقيل: هي نَمَطٌّ تجعلُ المرأةُ فيها ذخيرتَها، حكاه الَّتَشَري. و(رَدَاح)) بكسر الراء وبفتحها، وآخره مهملة، أي: عِظامٌ(٢) كثيرةُ الحَشْو، قاله أبو عُبيد. وقال الهَرَوي: معناه: ثقيلةٌ، يقال للكَتِيبة الكبيرة: رداح، إذا كانت بطيئةَ السَّير لكثرة من (١) عند الدار قطني في ((الأفراد)) كما أشار إلى ذلك الحافظ في أول شرح هذا الحديث. (٢) يعني: عظيمة. ٥٣٤ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري فيها، ويقال للمرأة إذا كانت عظيمةَ الكَفَل، ثقيلةَ الوَرِكِ: رداح. وقال ابن حَبيب: إنما هو دَرَاحُ(١)، أي: مَلَاء. قال عِياض: رأيتُه مضبوطاً، وذكر أنه سمعه من ابن أبي أوَيس كذلك. قال(٢): وليس كما قاله شارحُ(٣) العراقيِّين. قال عياض: وما أدري ما أنكَرَه ابن حبيب، مع أنه فَسَّرَه بمعنى ما فَسَّرَه به أبو عُبيد مع مساعدة سائر الرّواة له، قال: ويحتمل أن يكون مُرادُه: أن يَضِبِطَها بكسر الراء، لا بفتحها: جمع رادحٍ، كقائم وقيام، ويَصِحُّ أن يكون (رِداحٌ)) خبرَ ((عُكوم))، فيُخبر عن الجمع بالجمع، ويَصِحُّ أن يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: عُكومُها كلُّها رِداحٌ، على أن ((رِداح)) واحدٌ جمعُهُ رُدُح - بضمتين -، وقد سُمع الخبرُ عن الجمع بالواحد، مثل: أدرُعُ دِلاصٌ، فيحتمل أن يكون هذا منه، ومنه: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ اُلَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أشار إلى ذلك عِياضٌ، قال: ويحتمل أن يكون مصدراً، مثلَ: طَلاقٍ وكَمال، أو على حذف المضاف، أي: عُكومُها ذاتُ رَداحٍ. قال الَّتَشَري: لو جاءت الرواية في ((عُكوم)) بفتح العين، لكان الوجهُ على أن يكون المرادُ بها الجَفنةَ التي لا تزولُ عن مكانها، إما لِعِظَمها، وإما لأنَّ القِرى مُتَصِلُّ دائم، من قولهم: وَرَدَ ولم يَعْكِم، أي: لم يَقِف، أو التي كَثُرَ طعامُها وتراكم، كما يقال: اعتَكَم الشيءُ وارتَكَم، قال: والرَّداح حينئذ تكون واقعةً في نصابها (٤) من كون الجَفْنة موصوفةً بها. وفَسَاح بفتح الفاء والمهملة: أي: واسعٌ، يقال: بيتٌ فَسِيح وفَسَاحِ وفَاح بمعنّى، ومنهم من شدَّد الياءَ مبالغةً، والمعنى: أنها وَصَفَت والدةَ زوجها بأنها كثيرةُ الآلات والأثاث والقِماش، واسعةُ المال، كبيرةُ البيت، إما حقيقةً، فيدلُّ ذلك على عِظَم الثَّروة، (١) تحرفت في (س) إلى: رداح، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الصواب، يدلّ عليه ما بعده من الكلام، وانظر ((بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد)) للقاضي عياض ص١٣٢. (٢) القائل: هو ابن حبيب. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: شرَّاح، وفي (ع) إلى: شيخ، والمثبت من (أ) وهو الصواب، و((شارح العراقيين)) مصطلح يذكره ابن حبيب ويقصد به أبا عبيد القاسم بن سلام، أفاده القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)» ٤/ ١٢٧. (٤) تحرَّفت في (م) إلى: مصابها، وفي الأصلين إلى: ((قصابها))، والمثبت من ((الفائق)) للزمخشري ٥٣/٣. ٥٣٥ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح وإما كِنايةً عن كثرة الخير، ورَغَد العيش، والبِّ بمن یَنزِلُ بها، لأنهم يقولون: فلان رَحْبُ المنزل، أي: يُكرِمُ من يَنزِلُ عليه. وأشارت بوصف والدة زوجها إلى أن زوجَها كثيرُ البِرِّ لأُمِّه، وأنه لم يَطعُن في السِّنِّ(١)، ٢٧٠/٩ لأن ذلك هو الغالبُ ممن يكون له والدةٌ تُوصَفُ بمثل ذلك. قوله: ((ابن أبي زَرْع، فما ابن أبي زَرْع؟ مَضجِعُهُ كمَسَلِّ شَطْبة، ويُشبِعُه ذِراعُ الجَفْرة» زاد في رواية لابن الأنباري: «وتُروِيه فِيقَةُ الْيَعْرةِ، ويَمِيسُ في حَلَق النَّثرة)). فأما ((مَسَلّ الشَّطْبة)) فقال أبو عبيد: أصل الشَّطْبة: ما شُطِب من الجريد، وهو سَعَفُه، فيُشَقُّ منه قُضبانٌ رِقاق، تُنُسَجُ منه الحُصُر. وقال ابن السِّكِّيت: الشَّطبةُ من سَدَى الحصير. وقال ابن حبيب: هي العود المحدّد كالمِسَلَّة. وقال ابن الأعرابي: أرادت بمَسَلِّ الشَّطبة: سيفاً سُلَّ من غِمْده، فَمَضْجعُه الذي ينامُ فيه في الصِّغَر كَقَدْر مَسَلِّ شَطْبة واحدة. أما على ما قال الأولون: فعلى قَدْر ما يُسَلُّ من الحَصير، فيبقى مكانه فارغاً، وأما على قول ابن الأعرابي: فيكون كغِمْد السّيف. وقال أبو سعيد الضَّرير: شبَّهَته بسيف مسلول ذي شُطَب، وسيوفُ اليمن كلُّها ذات شُطَب، وقد شَبَّهت العربُ الرِّجالَ بالسيوف، إما لخُشُونة الجانب وشدة المهابة، وإما لجمال الرَّونق وكمال اللَّألاء، وإما لكمال صُورَتها في اعتدالها واستوائها. وقال الَّخشَري: المسلُّ مصدر بمعنى السَّلِّ يُقام مقامَ المسلول، والمعنى: كمَسلُول الشَّطْبة. وأما ((الجَفْرة)) بفتح الجيم وسكون الفاء: فهي الأنثى من وَلَد المعْز إذا كان ابنَ أربعة أشهر، وفُصِل عن أمِّه، وأخَذَ في الرَّعْي، قاله أبو عُبيد وغيرُه، وقال ابن الأنباري وابنُ دُرَيد: ويقال لولد الضَّأْن أيضاً، إذا كان ثَنِيّاً. وقال الخليل: الجَفْر من أولاد الشاءِ: ما استجفَرَ، أي: صار له بطنٌ. والفِيقَةُ - بكسر الفاء، وسكون التحتانية، بعدها قاف ـ: ما يجتمعُ في الضَّرْع بين الحَلْبَتَينِ، والفُوَاق - بضم الفاء -: الزمان الذي بين الحَلْبتَينِ، واليَعْرة - بفتح التحتانية (١) في (ع): ((وأنها لم تطعن في السن))، والمثبت من (أ) و(س). ٥٣٦ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وسكون المهملة بعدها راء ــ: العَنَاق، وقولها: يَمِيسُ - بالمهملة - أي: يتَبختَر، والمراد بحَلَق النَّثْرة - وهي بالنون المفتوحة ثم المثنّاة(١) الساكنة -: الدِّرعُ اللطيفة، أو القصيرة، وقيل: اللِّيِّنَةُ الملمَس، وقيل: الواسعة. والحاصل: أنها وصفته بِهَيْف القَدِّ، وأنه ليس ببَطِين، ولا جافٍ، قليلُ الأكل والشُّرب، ملازمٌ لآلة الحرب، يَخْتَالُ في موضع القتال، وكلَّ ذلك مما تتمادحُ به العرب. ويظهر لي أنها وَصَفَته بأنه خفيفُ الوَطْأَة عليها، لأن زوجَ الأب غالباً تستثقلُ ولدَه من غيرها، فكان هذا يُحِفِّف عنها، فإذا دخل بيتَها، فاتَّفَق أنه قال فيه مثلاً، لم يضطَجِع إلّا قَدْرَ ما يُسَلُّ السيفُ من غِمْده، ثم يستيقظ، مبالغةً في التخفيف عنها، وكذا قولها: ((يُشبِعُهُ ذِراعُ الجَفْرة)): أنه لا يحتاجُ ما عندها بالأكل فضلاً عن الأخذ، بل لو طَعِمَ عندها، لاقتنَعَ باليسير الذي يَسُدُّ الرَّمَقَ من المأكول والمشروب. قوله: ((بنت أبي زَرْع، فما بنتُ أبي زَرْع؟)) في رواية مسلم (٢٤٤٧/ ٩٢): ((وما)) بالواو بدلَ الفاء(٢). قوله: ((طَوْعُ أبيها، وطَوعُ أمِّها)) أي: أنها بارَّةٌ بهما، زاد في رواية الزُّبير: ((وزَيْنُ أهلها ونسائها)) أي: يتَجمَّلون بها، وفي رواية للنسائي (ك٩٠٩٣): ((زَينُ أمِّها، وزَينُ أبيها)) بدلَ: ((طوع)) في الموضعين، وفي رواية للطبراني (٢٦٩/٢٣): ((وقُرَّةُ عينٍ لأُمِّها وأبيها، وزَينٌ لأهلها))، وزاد الكاذِيُّ في روايته عن ابن السِّكِّيت: ((وصِفْرُ رِدائها))(٣)، وزاد في رواية: ((قَبّاءُ هَضِيمة الحَشَا، جائلةُ الوشاح، عَكْناء، فَعْمَاء، نَجْلاء، دَعْجاء، رَجّاء، (١) كذا قال الحافظ، ولعله سبق قلم منه رحمه الله، وتابعه على ذلك العيني في ((عمدة القاري)) ٢٠/ ١٧٥. والصواب: المثلثة، أجمعت على ذلك كتب اللغة وسائر الشروح. (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وكذا قال العيني في ((العمدة)) ٢٠/ ١٧٥، والذي في المطبوع من ((صحيح مسلم)) بالفاء، كرواية البخاري وليس بالواو، وقد جاءت الرواية بالواو عند الزبير بن بكار في ((الأخبار الموفقيات))، والطبراني في ((الكبير)) ٢٣/ (٢٦٠) و(٢٦٨) و(٢٦٩) و(٢٧٢). (٣) وكذا في رواية سعيد بن سلمة، عن هشام بن عروة عند مسلم (٢٤٤٨). ٥٣٧ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح قَنْواء، مُؤنَّقَة، مُفَنَّقة)». قوله: ((وملءُ كِسائها)) كنايةٌ عن كمال شخصِها ونَعْمة جسمِها. قوله: ((وغَيظُ جارتها)» في رواية سعيد بن سَلَمة عند مسلم (٢٤٤٨): ((وعَقرُ جارتها)) بفتح المهملة وسكون القاف، أي: دَهشها، أو قتلُها(١)، وفي رواية للنسائي (ك٩٠٩٣) والطبراني (٢٧٢/٢٣): ((وحَيْر جارتها)) بالمهملة ثم التحتانية، من الخَيْرة، وفي أُخرى له: ((وحَيْنُ جارتها))(٢) بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها نون، أي: هلاكها، وفي رواية الهيثم بن عَديٌّ: ((وعُبْر جارتها)) بضم المهملة وسكون الموحدة، وهو من العَبْرة - بالفتح - أي: تبكي حَسَداً لما تراه منها، أو بالكسر، أي: تَعتبرُ بذلك، وفي رواية سعيد بن سَلَمَ: ((وحَبْ نسائها))(٣)، واختلف في ضبطه، فقيل: بالمهملة والموخَّدة، من التَّحبِير، وقيل: بالمعجمة والتحتانية، من الخيرية. والمرادُ بجارتها: / ضَرَّتُها، أو هو على حقيقته، لأن الجارات من شأنهن ذلك، ويُؤيد ٢٧١/٩ الأولَ: أَنَّ في رواية حَنبل(٤): ((وغَيْرُ جارتها)) بالغين المعجمة وسكون التحتانية، من الغَيْرةَ، وسيأتي قريباً (٥١٩١) قولُ عمر لحفصة: ((لا يَغُرَّنَّكِ أن كانت جارتُك أَضوَأَ(٥) منك)) يعني: عائشة. وقولها: ((صِفْر)) بكسر الصاد المهملة، وسكون الفاء، أي: خالٍ فارغٌ، والمعنى: أن رداءها كالفارغ الخالي، لأنه لا يَمَسُّ من جسمها شيئاً، لأن رِدِفَها وكَتِفِيها(٦) يمنعُ مَسَّه من خلفها شيئاً من جسمها، وتَهدُها يمنعُ مَسَّه شيئاً من مُقدَّمها. (١) في (ع): دهشتها أو فشلها، والمثبت من (أ) و(س). (٢) لم نجد هذه الرواية في الطبراني ولا في غيره، ولم نجد أحداً ذكرها سوى الحافظ ابن حجر هنا والعيني في ((عمدة القاري)) ١٧٦/٢٠. (٣) عند مسلم (٢٤٤٨)، وضبطت عنده: ((وخير)) بالمعجمة والتحتانية. (٤) رواية حنبل - وهو ابن إسحاق - أشار إليها الحافظ ص ٥٠٦، وسلف تخريجها هناك. (٥) كذا في الأصلين و(س)، والذي في ((الصحيح)): أوضأ، وشرح عليها الحافظ هناك بقوله: أفعل من الوَضَاءة. (٦) في (ع): ((وكفلها))، والمثبت من (أ) و(س). ٥٣٨ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وفي كلام ابن أبي أوَيس، وغيره: معنى قولها: ((صِفر ردائها)»: تصفُها بأنها خفيفةُ موضع التَّردية، وهو أعلى بَدَنها. ومعنى قوله: ((ملءُ كسائها)) أي: ممتلئةُ موضع الإزْرة، وهو أسفلُ بَدَنها، والصِّفر: الشيء الفارغ. قال عياض: والأولى أنه أراد أن امتلاء مَنِكِبَيها، وقيامَ نهديها يرفعان الرِّداء عن أعلى جسدها، فهو لا يَمُّه، فیصیُر کالفارغ منها، بخلاف أسفلها، ومنه قول الشاعر: أَبَتِ الرَّوادِفُ والنُّهودُ لِقُمْصها من أن تَسَّ بُطونَها وظُهورَها وقولها: ((قَبّاء)) بفتح القاف، وبتشديد الموحّدة، أي: ضامرةُ البطن، و((هَضيمة الحشا)»: هو بمعنى الذي قبله، و((جائِلةُ الوشاح)) أي: يدور وشاحُها لضُمور بطنها، و((عَكْناء)) أي: ذات أعْكان، و((فَعْماء)) بالمهملة، أي: ممتلئةُ الجسم، و((نَجْلاء)) بنون وجيم، أي: واسعةُ العين، و((دَعْجاء)) أي: شديدةُ سواد العَيْن، و((َرَجّاء)» بتشديد الجيم، أي: كبيرةٌ الكَفَل تَرتَجُّ من عِظَمه، إن كانت الروايةُ بالراء، فإن كانت بالزاي، فالمرادُ في حاجِبَيها تقويسٌ، و((مؤنَّقة)) بنون ثقيلة وقاف، و((مُفنَّقَة)) بوزنه، أي: مغذيةٌ بالعَيش الناعم، وكلَّها أو صافٌ حِسان. وفي رواية ابن الأنباري: ((بَرودُ الظِّل)) أي: أنها حَسَنَةُ العِشرة كريمة الجوار، ((وِفِيُّ الإِلِّ)) بتشديد التحتانية و((الإل)) بكسر الهمزة، أي: العهد أو القَرابة، ((كريم الخِلِّ)) بكسر المعجمة، أي: الصّاحب، زوجاً كان، أو غيره. وإنما ذكَّرت هذه الأوصافَ مع أن الموصوفَ مُؤنَّثٌ، لأنها ذهبت به مذهب التشبيه، أي: هي كرجل في هذه الأوصاف، أو حَملْه على المعنى، كشَخص، أو شيءٍ، ومنه قول عُزْوة بن حِزام: وعَفراءُ عنِّي المُعرِضُ المُتَواني(١) (١) البيت من الطويل، وصدرُه: فعفراءُ أصفى الناس عندي مودَّةً ٥٣٩ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح قال الَّمخشَري: ويحتمل أن يكون بعضُ الرُّواة نقل هذه الصِّفة من الابن إلى البنت، وفي أكثر هذه الأوصاف ردٌّ على الزَّجّاجي في إنكاره مثلَ قولهم: مررتُ برجل حسنٍ وجهُه، وزعم أن سِيبويه انفرد بإجازة مثل ذلك، وهو ممتنعٌ، لأنه إضافةُ الشيءٍ إلى نفسِه. قال القُرطُبي: أخطأ الزَّجّاجي في مواضعَ؛ في منعه، وتعليله، وتخطئته، ودعواهُ الشُّذوذَ، وقد نقل ابن خَروف: أن القائلين به لا يُحصى عددُهم، وكيف يُخُطىءُ من تمسَّك بالسَّماع الصحيح، كما جاء في هذا الحديث المتَّفَق على صحته، وكما جاء في صَفة النبي وَّ ((شَتْن أصابعُه))؟ تنبيه: سقط من رواية الزُّبير ذكرُ ابن أبي زَرْع، ووصف بنت أبي زَرْع، فجعل وصف ابن أبي زرع لبنت أبي زرع، ورواية الجماعة أولى وأتمّ. قوله: ((جارية أبي زَرْع، فما جاريةُ أبي زَرْع؟)) في رواية الطبراني (٢٦٥/٢٣): ((خادمُ أبي زَرع))، وفي رواية الزُّبير: ((وَلِيدُ أبي زَرع)) والوليد: الخادم، يُطلق على الذّكر والأنثى. قوله: ((لا تَبُثُّ حديثنا تبثيثاً) بالموخَّدة، ثم المثلثة، وفي رواية بالنون بدلَ الموحّدة وهما بمعنّى، بثَّ الحديثَ، ونثَّ الحديث: أظهره، ويقال: بالنون في الشرِّ خاصَّة، كما تقدَّم في كلام الأولى (١)، وقال ابن الأعرابي: النَّثَّاثُ بالنّون: المُغْتاب، ووقع في رواية الزُّبير: ((ولا تُخرِج)). قوله: ((ولا تُنقِّث)) بتشديد القاف، بعدها مثلثة، أي: تُسرعُ فيه بالخيانة، وتُذهِبُه بالسَّرقة. كذا في البخاري، وضبطه عِياضٌ في مسلم: بفتح أوله، وسكون النون، وضمِّ القاف، قال: وجاء ((تنقيثاً)) مصدراً على غير الأصل، وهو جائز، كما في قوله تعالى: فَنَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران:٣٧] ووقع عند مسلم (٢٤٤٨) في الطريق / التي بعد هذه، وهي رواية سعيد بن سَلَمةَ: ((ولا تُنْقُّث)) بالتشديد كما في ٢٧٢/٩ رواية البخاري. انتهى، وضبَطَه الزَّمَخشري بالفاء الثقيلة بدل القاف(٢)، وقال في شرحه: (١) كذا قال، والصواب: في كلام الثانية. (٢) في المطبوع من ((الفائق)) للزمخشري ٤٩/٣: بالقاف وليس بالفاء. ٥٤٠ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري النَّفْثُ (١) والنَّقْل (٢) بمعنَى، وأرادت المبالغة في براءتها من الخيانة. فيحتمل - إن كان محفوظاً - أن تكونَ إحدى الرِّوايتين في مسلم بالقاف كما في رواية البخاري، والأُخرى بالفاء. والِيرة بكسر الميم وسكون التحتانية، بعدها راء: الزاد، وأصلُهُ ما يُحصِّله البَدَويُّ من الحضَر، ويحملُه إلى منزله، لينتفعَ به أهلُه. وقال أبو سعيد: التَّنقيث: إخراجُ ما في منزل أهلها إلى غيرهم. وقال ابن حبيب: معناه: لا تُفسدُه، ويُؤيِّدُه أن روايةَ الزُّبير: ((ولا تُفسد)). وذكر مسلم أن في رواية سعيد بن سَلَمة بالفاء في الموضعين. وفي رواية أبي عُبيد: ((ولا تُنقِّل))، وكذا للزُّبير عن عَمِّه مصعب. ولأبي عوانةَ: ((ولا تنتقلُ)). وفي رواية عن ابن الأنباري: ((ولا تُغِثّ)) بمعجمة(٣) ومثلثة، أي: تُفسِد، وأصلُه من العُثَّة (٤) - بالضمِّ - وهي السُّوسةُ(٥)، وفي رواية للنسائي (ك٩٠٩٠): ((ولا تَفُشُّ ميرَتنا تفشيشاً)(٦) بفاء ومعجمتين، من الإفشاش: طلب الأكل من هنا وهنا، ويقال: فَشَّ ما على الخُوَان: إذا أكله أجمعَ. ووقع عند الخطَّابي: ((ولا تفسد ميرتنا تغشيشاً)) بمعجمات(٧)، وقال: مأخوذٌ من عَشَشَ (١) في المطبوع من ((الفائق)): ((النقث)). (٢) تصحفت في (س) إلى: التفل، وتحرفت الكلمتان في (ع) إلى: النث والنفث. (٣) ((تُغِتُّ)) بالغين المعجمة بمعنى: تُفسِد، أما السُّوسة التي تُفسِد الصوف فهي بالعين المهملة، ولعلَّ وجه الاشتراك بينهما هو المعنى وليس اللفظ، قال القاضي عياض في ((بغية الرائد)) ص ١٥٠: يصح معنى ((تغث)) أي: تأكل أكل فساد كما تفعل السوسة. (٤) تصحفت في (أ) و(س) إلى: الغثة، والمثبت من (ع). (٥) تحرَّفت في (س) إلى: الوسوسة. (٦) ولكن في المطبوع من النسائي: ((ولا تغش ميرتنا تغشيشاً))! (٧) قوله: ((بمعجمات)) خطأٌ في النّقل عن الخطّابي، فقد قال في ((أعلام الحديث)) ١٩٩٨/٣: التعشيش بالعين غير معجمة، مأخوذة من قولك: عشَّش الخبر ... إلى آخره. ثم إن نقل الحافظ عنه أنه وقع عنده: ((ولا تفسد ميرتنا تغشيشاً)) خطأً أيضاً، فقد وقعت الرواية عنده ٣/ ١٩٨٧ و١٩٩٨: ((ولا تنقث ميرتنا تنقيئاً، ولا تملأ بيتنا تعشيشا)) كما في («الصحیح)).