النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ باب ٨١ / ح ٥١٨٧-٥١٨٨ كتاب النكاح وفيه سياسة النِّساء بأخذِ العفو منهنَّ والصَّبر على عِوَجهنَّ، وأنَّ مَن رامَ تَقويمَهنَّ فاتَهُ الانتفاع بهنَّ، معَ أنَّه لا غِنَى للإنسان عن امرأة يَسكُن إليها ويستعين بها على مَعاشِه، فكأنَّه قال: الاستمتاع بها لا يَتِمّ إلّ بالصَّيرِ عليها. ٥١٨٧- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: كنَّا نَتَّقي الكلامَ والانبساطَ إلى نِسائِنا على عَهْدِ النبيِّبَ ◌ّ هَيبةَ أن يَنْزِلَ فينا شيءٌ، فلمَّا تُوفِّيَ النبيُّ ◌َ تَكَلَّمْنا وانْبَسَطْنا. قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوْرِيّ. قوله: (عن عبد الله بن دینار))(١) قوله: ((كنّا نَتَّقي)) أي: نَتَجَنَّب، وقد بيَّن سبب ذلك بقولِه: ((هَيبةَ أن يَنزِل فينا شيءٌ» أي: من القرآن، ووَقَعَ صريحاً في رواية ابن مَهْديّ عن الثَّوْريّ عند ابن ماجه (١٦٣٢). وقوله ((فلمَّا تُوُلِّى)) يُشعِر بأنَّ الذي كانوا يَترُكونَه كان من المباح، لكنَّ الذي يَدخُل تحت البراءة الأصليَّة، فكانوا يَخافونَ أن يَنزِل في ذلك مَنعٌ أو تحريم، وبعد الوفاة النبويَّة أمِنوا ذلك ففَعَلوه تَمسُّكاً بالبراءة الأصليّة. ٨١ - بابٌ ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] ٥١٨٨- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، عن عبدِ الله، قال النبيُّ ◌َّ: ((كلُّكم راعٍ وكلُّكم مَسْؤولٌ، فالإمامُ راعٍ وهو مَسْؤولٌ، والرجلُ راعٍ على أهلِهِ وهو مَسْؤولٌ، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ زَوْجِها وهي مَسْؤولٌ، والعبدُ راعٍ على مال سَيِّدِه وهو مَسْؤولٌ، ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مَسْؤولٌ)). قوله: ((باب ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾) تقدَّم تفسيرها في تفسير سورة التَّحريم(٢)، وأورَدَ فيه حديث ابن عمر: ((كلَّكم راع وكلُّكم مسؤولٌ عن رَعيَّته)) ومُطابَقَته ظاهرة، لأنَّ (١) بعد هذا بياض في (أ) وأصل (س). (٢) قبل حديث رقم (٤٩١٥). ٥٠٢ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري أهل المرء ونفسه من ◌ُملة رَعيَّته، وهو مسؤول عنهم، لأنَّه أَمِرَ أن يَحِرِص على وقايتِهِم من النار، وامتثال أوامر الله واجتناب مَناهِيهِ، وسيأتي شرح الحديث في أوَّل كتاب الأحكام (٧١٣٨) مُستَوفَّى إن شاءَ الله تعالى. ٨٢ - باب حسنُ المعاشَرة مع الأهل ٥١٨٩- حدَّثْنا سليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وعليُّ بنُ حُجْرٍ، قالا: أخبرنا عيسى بنُ يونُسَ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن عبدِ الله بنِ عُرْوةَ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ قالت: جَلَسَ إحدَى عَشْرَةَ امرأةً فَتَعَاهَدْنَ وتَعاقَدْنَ أَن لا يَكْتُمْنَ من أخبار أزْواجِهِنَّ شيئاً. قالت الأولى: زَوْجي لحمُ بَلٍ غَثَّ على رأسٍ جبلٍ، لا سَهْلَ فِيُرْتَقَى، ولا سَمِينَ فِيُنْتَقَلُ. قالت الثّانيةُ: زَوْجي لا أَبُثُّ خَبَرَه، إنّي أخافُ أن لا أذَرَه، إن أذْكُرْه أَذْكُر عُجَرَه وبُجَرَه. قالت الثّالثةُ: زَوْجِي العَشَنَّقُّ، إن أَنْطِقِ أُطَلَّق، وإن أسكُتْ أُعلَّق. قالت الرّابعةُ: زَوْجِي كَلَيْلٍ تِهامةَ، لا حَرَّ ولا تُرَّ، ولا تَخَافَةَ ولا سَآَمَةً. قالت الخامسةُ: زَوْجي إِنْ دَخَلَ فِهِدَ، وإنْ خَرَجَ أسِدَ، ولا يَسْألُ/ عَّ عَهِدَ. ٢٥٥/٩ قالت السادسةُ: زَوْجي إن أكَلَ لَفَّ، وإن شَرِبَ اشْتَفَّ، وإن اضْطَجَعَ التَفَّ، ولا يُولِجُ الكَفَّ لَيَعْلَمَ البَثَّ. قالت السابعةُ: زَوْجِي غَياياءُ - أو عَياياءُ - طَباقاءُ، كلُّ داءٍ له داءٌ، شَجَّكِ أو فَلَّكِ أو جَمَعَ كلَّلكِ. قالت الثّامِنَةُ: زَوْجِي المَسُّ مَسُّ أرنَبٍ والرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ. قالت التاسِعةُ: زَوْجِي رَفِيعُ العِمادِ، طويلُ النِّجادِ، عظيمُ الزَّمادِ، قريبُ البيتِ منَ الناد. قالت العاشرةُ: زَوْجي مالكٌ، وما مالكٌ؟ مالكٌ خيرٌ من ذلكِ، له إيلٌ كثيراتُ المَباركِ، قَلِيلاتُ المسارحِ، وإذا سمعْنَ صوتَ المِزْهَرِ أيقَنَّ أَنََّنَّ هَوالكُ. قالت الحادِيةَ عَشْرَةَ: زَوْجي أبو زَرْعٍ فما أبو زَرْعِ؟ أناسَ من حُلِيٍّ أَذْنَيَّ، ومَلَأَ من شَحْم ٥٠٣ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح عَضُدَيَّ، وبَجَحَنِي فِبَحِحَت إليّ نفسي، وَجَدَني في أهلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٌّ فَجَعَلَني في أهلِ صَهِيلٍ وأطِيطٍ، ودائِسٍ ومُنِقٌّ، فعندَه أقولُ فلا أُقبَّحُ، وأرقُدُ فأتصَبَّحُ، وأَشَرَبُ فأنقَنَّحُ، أمُّ أبي زَرْعٍ فما أُمُّ أبي زَرْعٍ؟ عُكومُها رَدَاحٌ، وبيتُها فَسَاحٌ. ابنُ أبي زَرْعٍ فما ابنُ أبي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُه كمَسَلِّ شَطْبةٍ، ويُشِعُه ذِراعُ الجَفْرةِ. بنتُ أبي زَرْعٍ فما بنتُ أبي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أبِها وطَوْعُ أمِّها، ومِلْءُ كِسائها، وغَيِظُ جارَتِها. جاريةُ أبي زَرْعٍ فما جاريةُ أبي زَرْع؟ لا تَبْثُّ حديثَنَا تَبْثِيئاً، ولا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثاً، ولا تَمْلأَ بيتَنَا تَعْشِيشاً. قالت: خَرَجَ أبو زَرْعٍ والأَوْطابُ تُخَضُ، فَلَقِيَ امرأةً معها وَلَدانٍ لها كالفَهْدَينِ، يَلْعَبان من تحتِ خَصْرِها برُمّانَتَيْنِ، فطَلَّقَني ونَكَحَها، فنكَحْتُ بعدَه رجلاً سَرِيّاً، رَكِبَ شَرِيّاً، وأخَذَ خَطََّ، وأراحَ عليَّ نَعَماً ثَرِيّاً، وأعطاني من كلِّ رائحةٍ زَوْجاً، وقال: كُلِيٍ أَمَّ زَرْعٍ ومِيرِي أهلَكِ، قالت: فلو ◌َمَعتُ كلَّ شيءٍ أعطانِيهِ مَا بَلَغَ أصغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ. قالت عائشةُ: قال رسولُ الله ◌َّ: ((كنتُ لكِ كأبي زَرْعٍ لِأُمّ زَرْعٍ» قال سعيدُ بنُ سَلَمَةَ: قال هشام: ولا تُعَشِّشُ بيتَنَا تَعْشِيشاً. قال أبو عبدِ الله: وقال بعضُهم: فأنقَمَّحُ بالمِيمِ، وهَذا أصحّ. قوله: (باب حُسْن المعاشَرة معَ الأهل)) قال ابن المنّيِّر: نَبَّهَ بهذه التَّرجمة على أنَّ إيراد النبيّ ◌َّر هذه الحكاية - يعني حديث أمّ زَرعٍ - ليس خَليّاً عن فائدة شَرعيَّة، وهي الإحسان في مُعاشَرة الأهل. قلت: وليس فيما ساقه البخاريّ التَّصريح بأنَّ النبيّ ◌َّ أَورَدَ الحكاية، وسيأتي بيان الاختلاف في رفعِه ووَقِه، وليست الفائدةُ من الحديث محصورةً فيما ذُكِرَ، بل سيأتي له فوائد أُخرَى، منها ما تَرجَمَ عليه النَّسائيُّ والتِّرمِذيّ، وقد شَرَحَ حديثَ أمّ زَرِعٍ: إسماعيلُ ابن أبي أوَيْس شيخُ البخاريّ، رُوِّينا ذلك في (جُزء إبراهيم بن دَيْزِيل الحافظ)) من روايته عنه، وأبو عُبيد/ القاسم بن سَلّام في ((غريب الحديث)) (٢٨٩/٢)، وذكر أنَّه نَقَلَ عن عِدّة ٢٥٦/٩ ٥٠٤ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري من أهل العلم لا يُحفَظ عَدَدُهم، وتَعقَّبَ عليه فيه مواضع أبو سعيد الضَّرير النَّيسابوريّ(١)، وأبو محمَّد بن قُتَيبة، كلٌّ منهما في تأليف مُفرَد، والخطَّبيّ في ((شرح البخاريّ)) (١٩٨٥/٣) وثابت بن قاسم، وشَرَحَه أيضاً الزُّبَير بن بَّارٍ، ثمّ أحمد بن عُبيد بن ناصح، ثمَّ أبو بكر بن الأنباريّ، ثمَّ إسحاق الكاذيّ في جُزء مُفرَد، وذكر أنَّه جمعه عن يعقوب بن السِّكّيت وعن أبي عُبيدة وعن غيرهما، ثمَّ أبو القاسم عبد الحكيم بن حِبّان المِصريّ، ثمَّ الزَّتَشَريّ في ((الفائق))، ثمَّ القاضي عياض وهو أجمَعُها وأوسَعُها، وأخَذَ منه غالب الشُّرّاح بعده، وقد لَخَّصتُ جميع ما ذَكَروه. قوله: ((حدثنا سليمان بن عبد الرحمن)) في رواية أبي ذرٍّ: ((حدثني))، وهو المعروف بابن بنت شُرَحْبيل الدِّمشقي، وعليُّ بن حُجْر بضم المهملة وسكون الجيم، وعيسى بن يونس، أي: ابن أبي إسحاق السَّبيعي، ووقع منسوباً كذلك عند الإسماعيلي. قوله: ((حدثنا هشام بن عُرْوة، عن عبد الله بن عُرْوة)) في رواية مسلم (٢٤٤٨/ ٩٢) وأبي يعلى (٤٧٠١) عن أحمد بن جَنَاب - بجيم ونون خفيفة - عن عيسى بن يونس عن هشام: أخبرني أخي عبدُ الله بن عُرْوة، وهذا من نوادر ما وقع لهشام بن عُرْوة في حديثه عن أبيه، حيث أدخل بينهما أخاً له واسطةً، ومثله ما سيأتي في اللباس (٥٩٢٨) من طريق وُهَيب عن هشام بن عُرْوة عن أخيه عثمان عن عُرْوة، ومضت له في الهبة رواية بواسطة اثنين بينه وبین أبيه(٢). ولم يُخْتَلَف علي عيسى بن يُونُس في إسناده وسِياقه، لكن حكى عِياضٌ عن أحمد بن داود (١) واسمه: أحمد بن خالد، كان إماماً في الأدب، له تصانيف، منها: ((كتاب الردّ على أبي عبيد في غريب الحديث)) خرَّج فيه جملة مما غلط عليه أبو عبيد، و((كتاب الأبيات))، وكان قد لقي أبا عمرو الشيباني وابن الأعرابي. انظر ترجمته في ((معجم الأدباء)) لياقوت الحموي ١/ ٢٥٣، و((لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر ١٦٦/١. (٢) لعلَّ هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، إذا لم يقع ذلك في البخاري، وإنما وقع في (السنن الكبرى)) للنسائي (٩١١٩) رواية لهشام بن عروة، عن بكر بن وائل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ◌َ له امرأة له قط، ولا جلد خادماً له قط ... الحديث، والله أعلم. ٥٠٥ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح الحَرّاني أنه رواه عن عيسى، فقال في أوله: عن عائشة، عن النبيِّ وَّةِ، وساقه بطوله مرفوعاً كلُّه، وكذا حكاه أبو عُبيد: أنه بلغه عن عيسى بن يُونُس. وتابَعَ عيسى بنَ يونس على روايته مُفصَّلاً - فيما حكاه الخطيبُ - سُوَيدُ بن عبد العزيز، وكذا سعيدُ بن سَلَمَةَ بن أبي الحُسام، كلاهما عن هشام، وستأتي روايتُه تعليقاً (١)، وأذكرُ من وَصَلَها عند الفراغ من شرح الحديث. وخالَفَهم الهيثمُ بن عَدِيٍّ فيما أخرجه الدار قطني في الجزء الثاني من ((الأفراد)»، فرواه عن هشام بن عُرْوةَ، عن أخيه يحيى بن عُرْوةَ، عن أبيه، وخطَّأه الدارقطني في ((العِلَل)) (١٤ / ١٥١) وصوَّبَ أنه عبد الله بن عُرْوةَ. وقال عُقْبةُ بن خالد وعَبّاد بن منصور، وروايتُهما عند النسائي (ك٩٠٩٠ ٩٠٩٢)، والدَّرَاوَردي وعبدُ الله بن مُصعَب، وروايتُهما عند الزُّبَير بن بَكّار، وأبو ◌ُوَيس فيما أخرجه ابنُّه عنه، وعبدُ الرحمن بنُ أبي الزناد، وروايته عند الطبراني (٢٧٠/٢٣)، وأبو معاويةَ، وروايته عند أبي عَوَانةَ في ((صحيحه)(٢)، كلُّهم عن هشام بن عُرْوةً عن أبيه، بغير واسطة. وأدخَلَ بينهما واسطةً أيضاً، عُقبةُ بن خالد، فرواه عن هشام بن عُرْوةَ، عن يزيد بن رُوْمانَ، عن عُرْوةَ، لكن اقتصَرَ على المرفوع، وبيَّن ذلك البزَّار، قال الدار قطني: وليس ذلك بمدفوع، فقد رواه أبو أویس أیضاً، وإبراهیمُ بن أبي یحیی، عن یزید بن رُومان، انتهى. ورواه عن عُرْوةَ أيضاً: حَفِيدُهُ عُمرُ بن عبد الله بن عُرْوةَ، وأبو الزِّناد، وأبو الأسود محمد بنُ عبد الرحمن بن نَوفَل، إلّا أنه كان يَقتِصِرُ على المرفوع منه ويُنكِرُ على هشام بن عُرْوة سِياقَه بطوله، ويقول: إنما كان عُرْوة يُحدِّثُنا بذلك في السَّفَر يَقَطعُه به(٣)، ذكره أبو عُبيد (١) علّقها البخاري بإثر حديثنا هذا الذي بين أيدينا. (٢) وأخرج رواية أبي معاوية عن هشام أيضاً الخطيبُ في ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) ٢٤٨/١. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: ((بقطعةٍ منه))، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الصواب، والمقصود أنّ عروة ما كان يذكر السياق بطوله إلّا في السفر ليقطعه - أي: السفر - به، أي: بذكر القصة بطولها، والله أعلم. ٥٠٦ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري الآجرِّي في أسئلته عن أبي داود. قلت: ولعل هذا هو السَّببُ في ترك أحمد تخريجه في ((مسنده)) مع کبره، وقد حدث به الطبراني (٢٦٨/٢٣) عن عبد الله بن أحمد، لكن عن غير أبيه. وقال العُقَيلي: قال أبو الأسود: لم يرفعه إلّا هشامُ بن عُرْوةً. قلت: المرفوعُ منه في «الصحيحين)): ((كنتُ لكِ كأبي زرع لأَمِّ زَرع))(١)، وباقيه من قول عائشة. ووقع خارج ((الصحيح)) مرفوعاً كلَّه من رواية عَبّاد بن منصور عند النسائي (ك٩٠٩٢)، وساقه بسياق لا يقبل التأويل، ولفظه: قال لي رسولُ الله وَّ: ((كنتُ لكِ كأبي زَرْعٍ لأَمِّ زَرْعٍ)) قالت عائشةُ: بأبي وأمِّي يا رسولَ الله، ومَن كان أبو زَرع؟ قال: ((اجتمع نساءٌ)) فساق الحدیث کلَّه. ٢٥٧/٩ وجاء مرفوعاً أيضاً من رواية عبد الله بن / مُصعَب، والذَّراوَردي عند الزُّبير بن بكّار، وكذا رواه أبو مَعشَر عن هشام وغيرِهِ من أهل المدينة عن عُرْوة، وهي روايةُ الهيثم بن عَدِيٍّ أيضاً، وكذا أخرجه النسائي (ك٩٠٩٣) من رواية القاسم بن عبد الواحد، عن عُمَر ابن عبد الله بن عُرْوة، وقد قَدَّمتُ ذكرَ رواية أحمد بن داود، عن عيسى بن يُونُس، كذلك قال عِياضٌ. وكذا ظاهرُ رواية حَنبَل بن إسحاق(٢)، عن موسى بن إسماعيل، عن سعيد بن سَلَمَةَ بسنده المتقدِّم، فإن أولَه عنده: «قال لي رسولُ الله ◌ِّ: كنتُ لكِ كأبي زَرِعٍ لأَمِّ زَرع، ثم أنشأ يُحِدِّث حديثَ أمّ زرع)) قال عياض: يحتمل أن يكون فاعلُ (أَنشأً)) هو عُرْوةُ، فلا يكون مرفوعاً. وأخذ القُرطُبي هذا الاحتمالَ، فجزم به، وزعم أن ما عداه وَهمٌّ، وسبقَه إلى ذلك ابنُ الجَوْزي، لكن يُعكِّرُ عليه أن في بعض طُرُقِه الصحيحة: ثم أنشَأ رسولُ الله وَّ (١) وهو عند مسلم (٢٤٤٨). (٢) رواية حنبل بن إسحاق عن موسى بن إسماعيل عن سعيد بن سلمة، هي الرواية التي علَّقها البخاري بإثر حديثنا هذا بقوله: وقال سعيد بن سلمة عن هشام ... إلخ، وقد وصلها الحافظ ابن حجر في ((تغليق التعليق)» ٤٢٦/٤، وأخرجها أبو القاسم الحنائي في «فوائده)) (٢٢). ٥٠٧ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح يُحدِّث، وذلك في رواية القاسم بن عبد الواحد التي أشرتُ إليها، ولفظه: «كنت لكِ كأبي زَرع لأُمِّ زَرع، ثم أنشَأ رسولُ اللهِ وَلاَ يُحدِّث))، فانتفى الاحتمال. ويُقوِّي رفعَ جميعِه أن التشبيهَ المتفَقَ على رفعه يقتضي أن يكونَ النبيُّ وَّ سمع القصةَ وعرفَها، فأقَرَّها، فيكون كلَّه مرفوعاً من هذه الحَيْثِيَّة، ويكون المرادُ بقول الدار قطني والخطيب وغيرهما من النُّقّاد: إنَّ المرفوعَ منه ما ثبت في «الصحيحين))، والباقي موقوفٌ من قول عائشةَ: هو أنَّ الذي تلفَّظَ به النبيُّ ◌ََّ لمَّ سمع القصةَ من عائشة هو التَّشبيهُ فقط، ولم يريدوا أنه ليس بمرفوع حُكماً، ويكون من عَكَس ذلك فنَسَب قَصَّ القِصَّةِ من ابتدائها إلى انتهائها إلى النبيِّ وَّ واهماً، كما سيأتي بيانُه. قوله: ((جلس إحدى عَشْرة)) قال ابن التِّين: التقديرُ: جلس جماعةٌ إحدى عَشْرة، وهو مثل: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠]. وفي رواية أبي عَوَانَةَ: ((جلسَتْ))، وفي رواية أبي عليٍّ(١) الطََّري في مسلم: ((جلسْنَ)) بالنون، وفي رواية للنسائي: ((اجتمع))(٢)، وفي رواية أبي عُبيد(٣): ((اجتمعَتْ))، وفي رواية أبي يعلى (٤٧٠١): ((اجتمَعْنَ)). قال القُرطُبي: زيادةُ النُّون على لغة: أكَلُوني البراغيثُ، وقد أثبتها جماعةٌ من أئمّة العربية، واستَشهَدوا لها بقوله تعالى: ﴿ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، وحديث: (يَتَعاقبون فيكم ملائكةٌ)) (٤)، وقول الشاعر: (١) هو الحسين بن علي بن الحسين الطبري الشافعي، أحد رواة ((صحيح مسلم))، مفتي مكة ومحدِّثها، قال الذهبي: سمع في سنة تسع وثلاثين وأربع مئة ((صحيح مسلم)) من أبي الحسين الفارسي، ورواه مرات، توفي بمكة سنة ثمان وتسعين وأربع مئة. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠٣/١٩. (٢) الذي في المطبوع من ((السنن الكبرى)) (٩٠٨٩): ((جلس))، وفي (٩٠٩٠): ((أجتمعن))، وفي (٩٠٩٢): ((اجتمعت))، وإنما رواه بلفظ: ((اجتمع)) إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (٧٤٤)، والطبراني في «الكبير)) ٢٣/ (٢٦٥) و(٢٦٨). (٣) في ((غريب الحديث)) ٢٨٦/٢. (٤) سلف (٥٥٥)، وأخرجه مسلم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة. ٥٠٨ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري بِحَوْرَانَ يَعصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُه(١) وقوله: يَلومُونني في اشتراء النَّخِيـ ـل قَوْمي فكلُّهمُ يَعذِلُ(٢) وقد تكلّفَ بعضُ النُّحاة ردَّ هذه اللغة إلى اللغة المشهورة، وهي أن لا يُلحِقَ علامةَ الجمع ولا التثنية ولا التأنيث في الفعل إذا تقدَّم على الأسماء، وخرَّجَ لها وجوهاً وتقديرات في غالبها نظرٌ، ولا يُحتاجُ إلى ذلك بعد ثُبوتِها نقلاً، وصِخَّتِها استعمالاً، والله أعلم. وقال عياضٌ: الأشهرُ ما وقع في ((الصحيحين))، وهو توحيدُ الفعل مع الجمع، قال سِيبويه: حُذِفَ اكتفاءً بما ظَهَر، تقول مثلاً: قام قومُك، فلو تقدم الاسم لم يُحذَف فتقول: قومُك قامَ، بل قاموا. ومما يوجَّهُ به ما وقع هنا أن يكون: «إحدى عَشْرَة)) بدلاً من الضَّمير في ((اجتمَعْنَ))، والنُّون على هذا ضميرُ الاسم، لا حرفُ علامةٍ، أو على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، كأنه قيل: مَن هُنَّ؟ فقيل: إحدى عَشْرةَ، أو بإضمار: أعني. وذكر عِياضٌ: أن في بعض الروايات: ((إحدى عَشْرةَ نِسوة)»، قال: فإن كان بالنَّصب، احتاج إلى إضمار: أعني، أو بالرفع، فهو بدلٌ من ((إحدى عَشْرة))، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَهُمُ أَثْنَتَّ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] قال الفارسي: هو بدلٌ من ﴿وَقَطَّعْنَهُمْ﴾ وليس بتمييز. انتهى، وقد جوَّزَ غيرُه أن يكون تمييزاً بتأويل يطولُ شرحُه. ووقع لهذا الحديث سببٌ عند النسائي (٩٠٩٣) من طريق عمر بن عبد الله بن عُرْوة، عن عُرْوة، عن عائشة قالت: فَخَرْتُ بمال أبي في الجاهلية، وكان ألفَ ألفِ أُوقِيَّةٍ، وفيه: فقال النبيُّ ◌َّ: ((اسكُتِي يا عائشة، فإني كنتُ لك كأبي زَرِعٍ لِأُمِّ زَرِعٍ». (١) هو عجز بيتٍ للفرزدق، وصدره: ولكنْ دِيافِيٍّ أبوهُ وأمُّهُ انظر ((ديوانه)) ١/ ١٦. (٢) البيت من المتقارب، وهو لأمية بن أبي الصلت. انظر ((ديوانه)) ص ١٦، تحقيق شولتهس. ٥٠٩ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح ووقع له سببٌ آخر فیما أخرجه أبو القاسم عبد الحكيم بن حبان بسند له/ مرسل من ٢٥٨/٩ طريق سعيد بن عُفَير، عن القاسم بن الحسن، عن عمرو بن الحارث، عن الأسود بن خير المعافري قال: دخل رسولُ وَّ على عائشةَ وفاطمةَ وقد جرى بينهما كلامٌ، فقال: ((ما أنتِ بمنتهيةٍ يا حُميراءُ عن ابنتي، إنَّ مَثَلِي ومَثَلُك كأبِي زَرْعٍ مع أمِّ زَرع)) فقالت: يا رسولَ الله، حَدِّثنا عنهما، فقال: ((كانت قرية فيها إحدى عَشْرة امرأةً، وكان الرجالُ خُلوفاً، فقلن: تَعالَينَ نتذاكر أزواجَنا بما فيهم، ولا نَكذِبُ)». ووقع في رواية أبي معاويةَ، عن هشام بن عُرْوةَ عند أبي عَوَانة في ((صحيحه)) بلفظ: ((كان رجلٌ يُكنى أبا زَرْع، وامرأته أمَّ زَرْعٍ، فتقول: أحسَنَ إليَّ أبو زَرْع، وأعطاني أبو زَرْع، وأكرمَني أبو زَرْع، وفعل بي أبو زَرْع))(١). ووقع في رواية الزُّبير بن بكّار: دخل عليَّ رسولُ الله وَّلِ وعندي بعضُ نسائه، فقال يخصُّني بذلك: ((يا عائشةُ أنا لك كأبي زَرع لامّ زَرع)) قلت: يا رسول الله، ما حديث أبي زَرعِ وأمّ زَرع؟ قال: ((إن قريةً من قُرى اليمن كان بها بطنٌ من بطون اليمن، وكان منهن إحدى عَشْرةَ امرأةً، وإنَّهن خَرجْنَ إلى مجلس، فقلن: تَعالَين فلنَذكُر بُعولَتَنا بما فيهم، ولا نكذب)). فيُستفادُ من هذه الرواية معرفةُ جهة قبيلتهن وبلادهن، لكن وقع في رواية الهيثم: أنهن كن بمكّةَ. وأفاد أبو محمد بن حَزْم فيما نقله عياضٌ: أنهنّ كُنَّ من خَتعَم، وهو يوافقُ رواية الزُّبِيَر أنهنَّ من أهل اليمن. ووقع في رواية ابن أبي أوَيس عن أبيه: أنهنَّ كنَّ في الجاهلية. وكذا عند النَّسائي (ك٩٠٩٠) في رواية عُقْبة بن خالد عن هشام. وحكى عياضٌ، ثم النَّووي قول الخطيب في ((المبهمات)(٢): لا أعلمُ أحداً سَمَّى النِّسوة المذكورات في حديث أمِّ زَرع إلّا من الطريق الذي أذكرُه وهو غريبٌ جداً، ثم ساقه من طريق الزُّبیر بن بكّار. (١) الحديث ليس في القسم المطبوع من ((مسند أبي عوانة))، ولكن أخرجه من طريق أبي معاوية بالإسناد المذكور: ابن الأعرابي في «معجمه)) (٨٣٥). (٢) صفحة ٥٢٧ - ٥٣٠. ٥١٠ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وقد ساقه أيضاً أبو القاسم عبدُ الحكيم المذكورُ من الطريق المرسَلة التي قَدَّمتُ ذِكْرها، فإنه ساقه من طريق الزّبير بن بكّار بسنده، ثم ساقه من الطريق المرسَلة، وقال: فذكر الحديثَ نحوَه. وسَمَّى ابنُ دُرَيدٍ في ((الوشاح)) أم زرعٍ: عاتكة. ثم قال النَّوَوي: وفيه - يعني سياق الزُّبير بن بكار - أنَّ الثانيةَ اسمُها: عَمْرةُ بنت عمرو، واسم الثالثة: حُبَّى - بضم المهملة وتشديد الموحدة مقصور - بنت كعب، والرابعة: مَهْدَد بنت أبي هَزومةَ، والخامسة: كَبشةُ، والسادسة: هِنْد، والسابعة: حُبَّى بنت عَلقمةَ، والثامنة: بنت أوس بن عبد، والعاشرة: كَبشةٌ بنت الأُرقم. انتهى، ولم يُسمِّ الأولى، ولا التاسعة، ولا أزواجهن، ولا ابنة أبي زَرع، ولا أمَّه، ولا الجاريةَ، ولا المرأةَ التي تزوَّجها أبو زَرْع، ولا الرجلَ الذي تَزوَّجته أم زرع، وقد تَبِعه جماعةٌ من الشّاح بعده، وكلامُهم يوهمُ أن ترتيبهنَّ في رواية الزُّبير كترتيب رواية ((الصحيحين)) وليس كذلك، فإن الأولى عند الُّبير - وهي التي لم يُسمِّها - هي الرابعةُ هنا، والثانية في رواية الزُّبير هي الثامنة هنا، والثالثة عند الزُّبير هي العاشرة هنا، والرابعة عند الزُّبير هي الأولى هنا، والخامسة عندَه هي التاسعةُ هنا، والسادسة عندَه هي السابعةُ هنا، والسابعة عندَه هي الخامسةُ هنا، والثامنة عندَه هي السادسةُ هنا، والتاسعة عندَه هي الثانيةُ هنا، والعاشرة عندَه هي الثالثةُ هنا. وقد اختلفَ كثيرٌ من رواة الحديث في تَرتيبِهن، ولا ضَيرَ في ذلك، ولا أثرَ للتقديم والتأخير فيه، إذ لم يقع تسميتُهنَّ، نعم في رواية سعيد بن سَلَمة مُناسَبة، وهي سياقُ الخمسة اللّتي ذَمَمنَ أزواجهنَّ على حِدَة، والخمسة اللّاتي مَدَحنَ أزواجهنَّ على حِدَة، وسأُشير إلى ترتيبهنَّ في الكلام على قول السادسة هنا، وقد أشارَ إلى ذلك في قول عُرْوة عند ذِكْر الخامسة: ((فهؤلاءِ خمسٌِّ يَشْكُون))، وإنما نبَّهتُ على رواية الزُّبير بخصوصها، لمَا ٢٥٩/٩ فيها من التسمية مع المخالَفة في سياق الأعداد، فيَظُنُّ مَن لم / يَقِفْ على حقيقة ذلك أن الثانية التي سُمِّيَت عَمْرةَ بنت عَمْرو هي التي قالت: «زوجي لا أبُثُّ خَبَرَه))، وليس كذلك، بل هي التي قالت: ((زوجي المسُّ مسُّ أرنبٍ))، وهكذا، إلى آخره، فللتَّنبيه عليه فائدةٌ من هذه الحيثيّة. ٥١١ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح قوله: ((فتعاهَدْن وتعاقَدْن)) أي: ألزَمنَ أنفسَهن عهداً، وعقَدنَ على الصِّدق من ضمائرهن عقداً. قوله: ((أن لا يكتُمْن)) في رواية بن أبي أوَيس وعُقْبة: أن يتصادَّقْنَ بينهنّ، ولا يَكتُمنَ، وفي رواية سعيد بن سَلَمة عند الطبراني (٢٣/ ٢٦٥): أن يَنْعَتنَ أزواجهنّ، ويَصدُقنَ، وفي رواية الزُّبیر: فتبایَعْنَ على ذلك. قوله: ((قالت الأولى: زوجي لحم جمل غَثّ)) بفتح المعجمة، وتشديد المثلثة، ويجوز جُّه صفةً للجمل، ورفعُه صفةً للَّحم، قال ابن الجوزي: المشهور في الرواية الخفضُ، وقال ابن ناصر: الجيِّدُ الرفعُ، ونقله عن التِّبريزي وغيره، والغَثُّ: الهزيلُ الذي يُستَغَتُّ من هُزاله، أي: يُستَرذَل(١) ويُستكرَه، مأخوذٌ من قولهم: غثَّ الجرحُ غثّاً وغَثِيثاً: إذا سال منه القَيْح، واستغَثَّه صاحبُه، ومنه: أغثَّ الحديثُ، ومنه: ◌َثَّ فلانٌ في خُلُقه، وكَثُرَ استعمالُه في مقابلة السَّمين، فيقال للحديث المختلِط: فيه الغَثُّ والسَّمين. قوله: ((على رأسِ جبلٍ)) في رواية أبي عُبيد (٢٨٦/٢) والترمذي (٢): ((وَعْرِ))، وفي رواية الزُّبير بن بَكّار: ((وَعْثٍ)) وهي أوفقُ للسَّجع، والأول ظاهر، أي: كثير الضَّجَر شديد الغِلظة يَصعُب الرُّقِيُّ إليه، والوَعْث بالمثلثة: الصعبُ المرتَقَى، بحيث تُوحَل فيه الأقدامُ، فلا يُتخلَّص منه، ويشقُّ فيه المشي، ومنه: وَعْثاءُ السفر. قوله: ((لا سَهْلَ) بالفتح بلا تنوين، وكذا: ((ولا سَمِينَ))، ويجوز فيهما الرفعُ على خبر مبتدأٍ مُضمَر، أي: لا هو سهلٌ ولا سمينٌ، ويجوز الجرُّ على أنهما صفةُ جملٍ وجبلٍ، ووقعَ في رواية عُقْبة بن خالد عن هشام عند النَّسائي (ك٩٠٩٠) بالنصب منوَّناً فيهما: ((لا سهلاً)) و((لا سميناً))، وفي رواية عمر بن عبد الله بن عُرْوة عنده (ك٩٠٩٣): ((لا بالسمين)) و((لا بالسهل)». (١) في (أ): يُستَرَدُّ، وفي (س): يُستَثْرك، والمثبت من (ع). (٢) في ((الشمائل)) (٢٥١). ٥١٢ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قال عياض: أحسنُ الأوجه عندي الرفعُ في الكلمتين، من جِهَة سياق الكلام وتصحيح المعنى، لا من جِهَة تقويم اللفظ، وذلك أنها أودَعَت كلامَها تشبيه شيئين بشيئين: شبَّهت زوجَها باللحم الغَثِّ، وشبَّهت سوءَ خُلُقه بالجبل الوَعر، ثم فَسَّرت ما أجمَلَت، فكأنها قالت: لا الجبلُ سهلٌ فلا يَشُقُّ ارتقاؤُه لأخذ اللحم ولو كان هزيلاً، لأنَّ الشيءَ المزهودَ فيه قد يُؤْخَذ إذا وُجِدَ بغير نَصَبٍ، ثم قالت: ولا اللحمُ سمينٌ فيُتحمَّل المشقّة في صعود الجبل، لأجلِ تحصيله. قوله: ((فِيُرتَقَى)) أي: فيُصعَد فيه، وهو وصفٌ للجبل، وفي روايةٍ للطبراني (٢٦٥/٢٣): ((لا سهلٌ فِيُرْتَقَى إليه)). قوله: ((ولا سمينَ فيُنْتَقَل)) في رواية أبي عُبيد: ((فيُنتَقى)) وهذا وصفُ اللحم، والأول من الانتقال، أي: أنه لهُزاله لا يَرِغَبُ أحدٌ فيه فيَنْتَقِلُهُ(١) إليه، يقال: انتَقلتُ الشيءَ، أي: نَقَلتُه، ومعنى يُنْتَقى: ليس له نِقْيٌ يُستخرَج، والنِّقي: المخّ، يقال: نَقَوتُ العظمَ ونَقَيتُه وانتقيتُه: إذا استَخرجتَ مُخَّه، وقد كَثُر استعمالُه في اختيار الجيِّد من الرديء، قال عياض: أرادت أنه ليس له نِقْي فيُطلَب لأجل ما فيه من النِّقي، وليس المرادُ أنه فيه نِقِيٌّ يُطلَب استخراجُه، قالوا: آخر ما يبقى في الجمل مُّ عظم المفاصل ومُّ العين، وإذا نَفِدا لم يبقَ فيه خيرٌ، قالوا: وَصَفَته بقِلَّة الخير وبُعدِه مع القِلَّة، فشَبَّهته باللحم الذي صَغُرَت عظامُه عن النِّقي، وخَبُثَ طعمُه وريحُه مع كونه في مُرتَقَّى يشقُّ الوصول إليه، فلا يرغب أحدٌ في طلبه ليَنْقُلَه إليه، مع توفُّر دواعي أكثر الناس على تناول الشيءِ المبذولِ مجاناً. وقال النَّوويُّ: فَسَرِه الجمهورُ بأنه قليل الخير من أوجُهٍ، منها: كونُه كلَحْم الجمل لا كلَحْم الضَّأن مثلاً، ومنها: أنه مع ذلك مهزولٌ رَديءٌ، ويؤيِّده قولُ أبي سعيد الضَّرير: ليس في اللحوم أشدُّ غَثاثةً من لحم الجمل، لأنه يجمع خُبْثَ الطعم وخُبثَ الرِّيح، ومنها: أنه صعبُ التناول لا يوصَل إليه إلا بمَشَقَّة شديدة. وذهب الخطَّبي إلى أن تَشبيهَها بالجبل الوَعْرِ إشارةٌ إلى سوءِ خُلُقه، وأنه يترفَع ویتکبَّر (١) تحرَّفت في (س) إلى: فينتقل. ٥١٣ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح ويَسمُو بنفسه فوقَ موضعها، فيجمع البُخلَ وسُوءَ الخُلق. وقال عياض: شبَّهت وُعورةَ خُلُقه بالجبل، وبُعدَ/ خيره ببُعد اللحم على رأس الجبل، ٢٦٠/٩ والزُّهدَ فيما يُرجَى منه مع قِلَّته وتعذّره بالزهد في لحم الجمل الهزيل، فأعطَت التشبيهَ حقّه، ووَفَّتْه قِسطَه. قوله: «قالت الثانيةُ: زوجي لا آبٌثُّ خبرَه)) بالموحَّدة ثم المثلَّثة، وفي روايةٍ حكاها عياضٌ: ((أَنُثُّ)) بالنون بدلَ الموحّدة، أي: لا أُظهِرُ حديثَه، وعلى رواية النون فمرادُها: حديثُه الذي لا خيرَ فيه، لأن النَّثَّ بالنون أكثرُ ما يُستعمَل في الشر، ووقعَ في روايةٍ للطبراني (٢٦٥/٢٣): ((لا أنُمّ)) بنون وميم من النَّميمة. قوله: ((إني أخافُ أن لا أذَرَه)) أي: أخاف أن لا أترُكَ من خَبَرَه شيئاً، فالضمير للخبر، أي: أنه لطوله وكَثرتِه إن بدأتُه لم أقدر على تكْمِيلِهِ، فاكتفت بالإشارة إلى مَعَايِه خشيةَ أن يطول الخَطْب بإيراد جميعها. ووقع في رواية عبّاد بن منصور عند النسائي (ك٩٠٩٢) ((أخشى أن لا أذَرَه من سُوء)) وهذا تفسير ابن السِّكّيت، ويؤيده أن في رواية عقبة بن خالد: ((إني أخاف أن لا أذرَه أذكُرَه وأذكرَ عُجَرَهُ وبُجَرَهُ)) وقال غيره: الضمير لزوجها وعليه يعود ضمير ((عُجَره وبُجَره)) بلا شكٍّ، كأنها خشيت إذا ذَكَرت ما فيه أن يبلغه فيفارقها، فكأنها قالت: أخاف أن لا أقدر على تركه لعلاقتي به وأولادي منه . . و((أَذَره)) بمعنى: أفارقه، فاكتفت بالإشارة إلى أنه له مَعايِب؛ وفاءً بما التزمتْه من الصدق، وسَكَتتْ عن تفسيرها للمعنى الذي اعتَذَرتْ به، ووقع في رواية الزُّبير: «زوجي مَن لا أذكُره ولا أبتُّ خبرَه)) والأول أليق بالسَّجع. قوله: ((عُجَره وبُجَره)) بضم أوله وفتح الجيم فيهما، الأول بعين مهملة والثاني بموحدة، جمع عُجْرة وبُجْرة - بضم ثم سكون - فالعُجَر: تعقّد العَصَب والعروق في الجسد حتى تصير ناتئة، والبُجَر مثلها إلّا أنها مختصة بالتي تكون في البطن، قاله الأصمعي وغيره، وقال ابن الأعرابي: العُجْرة: نفخة في الظهر، والبُجْرة: نفخة في السُّرة، وقال ابن أبي أُويس: ٥١٤ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري العُجَر: العقد التي تكون في البطن واللسان، والبُجَر: العيوب. وقيل: العُجَر في الجنب والبطن، والبُجَر في السُّرة، هذا أصلهما، ثم استُعملا في الهموم والأحزان، ومنه قول علي يوم الجمل: أشكو إلى الله عُجَري وبُجَري. وقال الأصمعي: استُعملا في المعايب، وبه جزم ابن حَبِيب وأبو عبيد الهروي. وقال أبو عبيد بن سلَّام ثم ابن السِّكِّيت: استُعملا فيما يكتمه المرء ويخفيه عن غيره، وبه جزم المبرّد. قال الخطابي: أرادت عيوبه الظاهرة وأسراره الكامنة، قال: ولعله كان مستور الظاهر رديء الباطن. وقال أبو سعيد الضَّرير: عنَتْ أن زوجها كثير المعايب متعقِّد النفس عن المكارم. وقال الأخفش: العُجَر: العُقد تكون في سائر البدن، والبُجَر: تكون في القلب. وقال ابن فارس: يقال في المثل: أفضيتُ إليه بعُجَري ويجري، أي: بأمري کله. قوله: ((قالت الثالثة: زوجي العَشنَّق)) بفتح المهملة ثم المعجمة وتشديد النون المفتوحة وآخره قاف، قال أبو عُبيد وجماعة: هو الطويل، زاد الثعالبي: المذموم الطول. وقال الخليل: هو الطويل العُنُق. وقال ابن أبي أويس: الصقر من الرجال المقدام الجريء، وحكى ابن الأنباري عن ابن قتيبة أنه قال: هو القصير، ثم قال: كأنه عنده من الأضداد. قال: ولم أره لغيره. انتهى، والذي يظهر أنه تصخَّف عليه مما قال ابن أبي أويس، قاله عياض، وقد قال ابن حَبِب: هو المقدام على ما يريد، الشَّرسُ في أموره، وقيل: السَّيِّئ الخُلُق. وقال الأصمعي: أرادت أنه ليس عنده أكثر من طوله بغير نفع. وقال غيره: هو المستكرَه الطول. وقيل: ذمّتْه بالطول، لأنَّ الطول في الغالب دليل السَّفَه، وعُلِّلَ بُبُعْد الدماغ عن القلب، وأغرَبَ من قال: مَدحَتْه بالطول، لأنَّ العرب تمدح بذلك، وتُعُقِّبَ: بأن سياقها يقتضي أنها ذمّته، وأجاب عنه ابن الأنباري باحتمال أن تكون أرادت مدحَ خَلْقِه وذمَ خُلُقه، فكأنها قالت: له منظر بلا مَخَبَرَ، وهو محتمل. وقال أبو سعيد الضرير: الصحيح أن العشّق: الطويل النجيب الذي يملك أمر نفسه، ولا تَحگُم النساء فیه، بل يحكم ٢٦١/٩ فيهنَّ بما شاء، فزوجته تهابه أن/ تَنْطِقَ بحضرته، فهي تسكت على مَضَض. قال الزمخشري: وهي من الشكاية البليغة، انتهى. ٥١٥ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح ويؤيده ما وقع في رواية يعقوب بن السِّكِّيت من الزيادة في آخره: ((وهي على حَدِّ السّنان المذلَّق)) بفتح المعجمة وتشديد اللام، أي: المجرد بوزنه ومعناه، تشير إلى أنها منه على حذر، ويُحتمل أن تكون أرادت بهذا: أنه أهوج لا يستقر على حال، كالسّنان الشديد الحِدَّة. قوله: ((إن أنطِقْ أُطلَّقْ وأن أسكُتْ أعلّق)) أي: إن ذكرت عيوبه فبَلَغَه طلَّقني، وإن سكت عنها فأنا عنده معلّقة، لا ذات زوج ولا أيِّم، كما وقع في تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾ [النساء: ١٢٩] فكأنها قالت: أنا عنده لا ذات بعل فأنتفع به، ولا مطلَّقة فأتفرّغ لغيره، فهي كالمعلّقة بين العلو والسُّفل، لا تستقر بأحدهما، هكذا توارد عليه أكثر الشراح تبعاً لأبي عبيد، وفي الشقِّ الثاني عندي نظر، لأنه لو كان ذلك مرادها لَنطَقَت(١) ليطلِّقها فتستريح، والذي يظهر لي أيضاً أنها أرادت وَصْفَ سوء حالها عنده، فأشارت إلى سوء خُلُقه، وعدم احتماله لكلامها إن شَكتْ له حالها، وأنها تعلم أنها متى ذَكَرَت له شيئاً من ذلك بادر إلى طلاقها، وهي لا تُؤثِر تطليقه لمحبتها فيه، ثم عبَّرت بالجملة الثانية إشارة إلى أنها إن سكتت صابرةً على تلك الحال، كانت عنده كالمعلّقة التي لا ذات زوج ولا أيِّم، ويُحتمل أن يكون قولها: ((أعلَّق)) مشتقاً من عَلَاقة الحُبِّ، أو من عَلَاقة الوُصْلة، أي: إن نطقتُ طلَّقني وإن سكتُّ استمر بي زوجة، وأنا لا أوثر تطليقه لي، فلذلك أسكت. قال عياض: أوضحَتْ بقولها: على حدِّ السّنان المذلّق، مرادها بقولها قبلُ: إِن أسكُتْ أعلَّق وإن أنطِقِ أطلَّق، أي: أنها إن حادت عن السِّنان سقطَتْ فهلكَتْ، وإن استمرت علیه أهلکھا. قوله: ((قالت الرابعة: زوجي كلَيْلِ تِهامةَ، لا حَرَّ ولا قُرَّ ولا تَخَافَةَ ولا سآمةً)) بالفتح بغير تنوين مبنيّة مع ((لا)) على الفتح، وجاء الرفع مع التنوين فيها، وهي رواية أبي عُبيد، قال أبو البقاء: وكأنه أَشْيَعُ(٢) بالمعنى، أي: ليس فيه حرّ، فهو اسم ليسَ، وخبرها محذوف. (١) تحرَّفت في (س) إلى: لانطَلقَت. (٢) تصحفت في (س) إلى: أشبع. ٥١٦ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قال: ويقوِّيه ما وقع من التكرير. كذا قال، وقد وقع في القراءات المشهورة البناء على الفتح في الجميع، والرفعُ مع التنوين، وفتحُ البعض ورفع البعض، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ومثل: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ووقع في رواية عمر بن عبد الله عند النسائي: ((ولا برد)) بدل ((ولا قُرّ)) زاد في رواية الهيثم: ((ولا وَخامَة)) بالخاء المعجمة، أي: لا ثِقَل عنده، تَصِف زوجها بذلك، وأنه ليِّن الجانب، خفيف الوَطْأَة على الصاحب، ويحتمل أن يكون ذلك من بقية صفة الليل، وفي رواية الزُّبير بن بكار: ((والغَيث غيث غَمامة)) قال أبو عبيد: أرادت أنه لا شَرَّ فيه يُجاف. وقال ابن الأنباري: أرادت بقولها: ((ولا مخافة)) أي: أن أهل تهامة لا يخافون لتحصنهم بجبالها، أو أرادت وصف زوجها بأنه حامي الذِّمار، مانعٌ لداره وجاره، ولا مخافةً عند من يأوي إليه، ثم وصفته بالجود. وقال غيره: قد ضربوا المثل بليل تِهامَة في الطيب، لأنها بلاد حارّة في غالب الزمان وليس فيها رياح باردة، فإذا كان الليل كان وَهَج الحرِّ ساكناً فيطيب الليل لأهلها بالنسبة لما كانوا فيه من أذى حرِّ النهار، فوصَفَت زوجها بجميل العِشْرة، واعتدال الحال وسلامة الباطن، فكأنها قالت: لا أذّى عنده ولا مكروه، وأنا آمنة منه فلا أخاف من شرّه، ولا مَللَ عنده فيسأمَ من عِشْرتي، أو ليس بسيِّئ الخلُق فأسأمَ من عِشْرته، فأنا لذيذة العيش عنده كلذَّة أهل تهامة بليلهم المعتدل. قوله: («قالت الخامسة: زوجي إن دخل فَهِدَ، وإن خرج أَسِدَ ولا يسأل عما عَهد)» قال أبو عُبيد: ((فَهِد)) بفتح الفاء وكسر الهاء مشتق من الفَهْد، وصفته بالغفلة عند دخول البيت على وجه المدح له. وقال ابن حبيب: شبَّهته في لِينه وغفلته بالفَهْد، لأنه يوصف بالحياء وقلة الشر، وكثرة النوم. وقوله: ((أَسِدَ)) بفتح الألف وكسر السين، مشتق من الأسَد، أي: يصير / بين الناس مثل ٢٦٢/٩ الأسد. وقال ابن السِّكِّت: تصفه بالنشاط في الغزو. وقال: ابن أبي أويس: معناه: إن ٥١٧ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح دخل البيت وَثَبَ عليَّ وثوبَ الفَهْد، وإن خرج كان في الإقدام مثل الأسد، فعلى هذا يحتمل قوله: وَثَب على المدح والذمِّ، فالأول تُشيرُ إلى كثرة جماعه لها إذا دخل، فينطوي تحت ذلك تمذُّحُها بأنها محبوبةٌ لديه، بحيث لا يصبر عنها إذا رآها، والذمُّ إما من جهة أنه غليظُ الطَّبع ليست عنده مُداعبةٌ ولا ملاعبةٌ قبل المواقعة، بل يَئِبُ وثوباً كالوَحْش، أو من جهة أنه كان سيِّئَ الخُلُقْ يَبْطِشُ بها ويَضِرِبُها، وإذا خرج على الناس كان أمرُه أشدَّ في الجُرأة والإقدام والمهابة كالأسَد. قال عِيَاض: فيه مطابقةٌ بين ((خرج)) و((دخل)) لفظيةٌ، وبين ((فهد)) و((أسد)) معنوية، ويسمى أيضاً المقابلةَ. وقولها: ((ولا يَسأل عما عَهِد)) يَحتملُ المدحَ والذمَّ أيضاً، فالمدحُ بمعنى أنه شديدُ الكرم، كثيرُ التغاضي، لا يَتفقَّدُ ما ذهب من ماله، وإذا جاء بشيء لبيته، لا يسألُ عنه بعد ذلك، أو لا يَلتفتُ إلى ما يَرى في البيت من المعايِب، بل يُسامحُ ويُغْضِي، ويَحَتمِلُ الذمَّ بمعنى أنه غير مُبالٍ بحالها، حتى لو عَرَف أنها مريضةٌ أو مُعْوِزةٌ، وغاب ثم جاء، لا يسألُ عن شيء من ذلك، ولا يتفقَّدُ حالَ أهلِه، ولا بيته، بل إن عَرَّضَت له بشيء من ذلك، وَبَ عليها بالبَطش والضَّرب. وأكثرُ الشّاحِ شَرَحوه على المدح، فالتمثيل بالفَهْد من جهة كثرة التكرُّم أو الوُثُوب، وبالأسَد من جهة الشَّجاعة، وبعدَمَ السؤال من جهة المسامحة. وقال عِيَاض: حَمَلَه الأكثرُ على الاشتقاق من خُلُقَ الفَهْد، إما من جهة قوَّة وُثوبِهِ، وإما من كثرة نومِه، ولهذا ضربوا المثلَ به، فقالوا: أنّومُ من فَهْد، قال: ويحتمل أن يكونَ من جهة كثرة كَسْبه، لأنهم قالوا في المثل أيضاً: أكسَبُ من فَهْد، وأصلُه أن الفُهود الهرِمَة تجتمعُ على فَهْد منها فَتَيٍّ، فيتصيّدُ عليها كلَّ يوم حتى يُشبعَها، فكأنها قالت: إذا دخل المنزلَ، دخل معه بالكسب لأهله، كما يجيءُ الفَهد لمن يلوذُ به من القُهود الهرمة، ثم لمَّا كان في وصفها له بخُلُق الفَهد ما قد يحتملُ الذَّ من جهة كثرة النَّومِ، رَفَعَت اللَّبسَ بوصفها له بخُلُق الأسَد، فأوضَحَت(١) أن الأول سَجَيَّةُ كرمٍ، ونزاهةَ شمائل، ومُسامَحَةٌ في العشرة، لا سَجِيَّةُ جُبْن، وخَوَرٌ(٢) في الطَّبع. (١) في (س): فأفصحت، والمثبت من الأصلين. (٢) تصحفت في (س) إلى: وجور، والمثبت من الأصلين، ومعنى الخَوَر - بفتحتين -: الضعف. ٥١٨ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قال عياض: وقد قَلَب الوصفَ بعضُ الرواة - يعني: كما وقع في رواية الزُّبير بن بكّار - فقال: ((إذا دخل أسِدَ، وإذا خرج فَهِد)) فإن كان محفوظاً فمعناه: أنه إذا خرج إلى مجلسِه، كان على غاية الرَّزانة والوقار وحُسْن السَّمت، أو على الغاية من تحصيل الكَسْب، وإذا دخل منزلَه كان مُتفضِّلاً مواسياً، لأن الأسدَ يوصَفُ بأنه إذا افترس، أكل من فريسته بعضاً، وترك الباقي لمن حوله من الوحوش، ولم يُهاوِشهم عليها. وزاد في رواية الزُّبير بن بكّار في آخره: ((ولا يَرفعُ اليومَ لغَد)) يعني: لا يدَّخِرُ ما حَصَل عنده اليوم من أجل الغد، فكنَّت بذلك عن غاية جُودِهِ، ويحتمل أن يكون المرادُ أنه يأخذُ بالحَزْم في جميع أموره، فلا يُؤخِّرُ ما يجب عملُه اليوم إلى غَدِه. قوله: ((قالت السادسة: زوجي إن أكل لَفَّ، وإن شرب اشتفَّ، وإن اضطجع التَفَّ، ولا يولجُ الكَفَّ لَيَعلِمَ البَثَّ)) في رواية عمر بن عبد الله عند النسائي (ك٩٠٩٣): ((إذا أكل اقتفَّ)) وفيه: ((وإذا نام)) بدلَ: ((اضطجَع))، وزاد: ((وإذا ذَبَح اغتَثَّ)) أي: تحرَّى الغَثَّ، وهو الهزيلُ، کما تقدم في شرح کلام الأولى. وفي رواية للطبراني (٢٦٥/٢٣): ((ولا يُدخِل) بدلَ ((يُولِج))(١)، و((إذا رَقَد)) بدل ((اضطَجع)) وفي رواية الترمذي(٢) والطبراني (٢٦٥/٢٣): ((فيعلمَ)) بالفاء بدل اللام في رواية غيره. والمراد باللفِّ: الإكثارُ منه واستقصاؤُه، حتى لا يَترُك منه شيئاً، وقال أبو عُبيد: الإكثارُ مع التخليط، يقال: لَفَّ الكتيبةَ بالأخرى: إذا خَلَطها في الحرب، ومنه: اللَّفيفُ من الناس، فأرادت أنه يخلطُ صُنُوف الطعام من ثَهمتِه وشَرَهه، ثم لا يُبقي منه شيئاً. وحكى عياضٌ روايةَ من رواه: «رفَّ)» بالراء بدل اللام، قال: وهي بمعناها، ورواية ٢٦٣/٩ من رواه: ((اقتفَّ)) بالقاف، قال: ومعناه التجميعُ، قال الخليل: قِفافُ كلِّ/ شيءٍ: جماعُه واستيعابه، ومنه سُميِّتِ القُفَّةُ، لجمعها ما وُضِعَ فيها. (١) وكذا هي في رواية عمر بن عبد الله عند النسائي في ((الكبرى)) التي أشار إليها الحافظ آنفاً. (٢) في ((الشمائل)) (٢٥١)، ولكن الذي في المطبوع: ((ليعلم)) باللام وليس بالفاء. ٥١٩ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ كتاب النكاح والاشتِفافُ في الشُّرب: استقصاؤه، مأخوذٌ من الشُّفافة بالضم، والتخفيف، وهي البقيَّةُ تبقى في الإناء، فإذا شَرِبها الذي شَرِب الإناءَ، قيل: اشتفّها، ومنهم من رواها بالمهملة، وهي بمعناها. وقوله: ((التفَّ)) أي: رقدَ ناحيةً، وتلفَّفَ بكِسائه وحدَه، وانقَبَض عن أهله إعراضاً، فهي كئيبةٌ حزينةٌ لذلك، ولذلك قالت: ((ولا يُولِج الكفَّ لِيَعلمَ البَثَّ)) أي: لا يَمُدُّ يدَه ليعلمَ ما هي عليه من الحزن، فيُزِيله، ويحتمل أن تكون أرادت أنه ينامُ نومَ العاجز الفَشِل الكَسِل. والمراد بالبثِّ: الحزن، ويقال: شدّة الحزن، ويُطلَق البثُّ أيضاً على الشكوى، وعلى المرض، وعلى الأمر الذي لا يُصبَرُ عليه، فأرادت أنه لا يسأل عن الأمر الذي يقع اهتمامها به، فوَصَفَته بقلَّة الشَّفَقة عليها، وأنه إن لو رآها عليلةً، لم يُدخِلِ يدَه في ثوبها، لِيَتَفقَّدَ خبرها كعادة الأجانب فضلاً عن الأزواج، أو هو كنايةٌ عن ترك المُلاعبة، أو عن ترك الجماع كما سيأتي. وقد اختلفوا في هذا، فقال أبو عُبيد: كان في جَسَدها عيبٌ، فكان لا يُدخِل يده في ثوبها ليَلِمِسَ ذلك العيب، لئلا يَشُقَّ عليها، فمدحَته بذلك، وقد تَعقَّبَه كلُّ من جاء بعده إلّا النادرَ، وقالوا: إنما شَكَت منه، وذَمَّته، واستقصَرَت حَظَّها منه، ودلَّ على ذلك قولها قبلُ: ((وإذا اضطَجَع التَفَّ))، كأنها قالت: إنه يتجنبها، ولا يُدْنيها منه، ولا يُدخِل يده في جنبها فيَلمِسَها، ولا يُباشرُها، ولا يكون منه ما يكون من الرِّجال، فيَعلمَ بذلك محبّتَها له، وحزنَها لقلَّة حظّها منه، وقد جَمعَت في وصفها له بين اللؤم والبُخل والنَّهمَة والمهانة وسوء العشرة مع أهله، فإن العرب تذُمُّ بكثرة الأكل والشرب، وتَتمدَّحُ بقلَّتهما، وبكثرة الجماع، لدلالتها على صحة الذُّكورية والفُحولِية. وانتصر ابنُ الأنباري لأبي عُبيد، فقال: لا مانعَ من أن تَجمع المرأةُ بين مَثالب زوجِها ومناقبه، لأنهنَّ كنَّ تَعاهَدنَ أن لا يَكتُمنَ من صفاتهم شيئاً، فمنهنَّ من وَصَفتْ زوجَها بالخير في جميع أموره، ومنهن من وصَفَته بضدِّ ذلك، ومنهن من جَمَعَت. ٥٢٠ باب ٨٢ / ح ٥١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وارتضى القُرطُبي هذا الانتصار، واستدلَّ عِياضٌ للجمهور بما وقَعَ في رواية سعيد بن سلَمَة بن(١) أبي الحسام(٢): أنَّ عُرْوة ذكر هذه في الخمس اللاتي يَشكوُنَ أزواجهن، فإنه ذكر في روايته الثلاث المذكورات هنا أولاً على الوَلاء، ثم السابعةَ المذكورة عَقِبَ هذا، ثم السادسة هذه، فهي خامسةٌ عنده، والسابعةُ رابعةٌ. قال: ويُؤيِّدُ أيضاً قولَ الجمهور كثرةُ استعمال العرب لهذه الكِناية عن تَّرْك الجِماع والملاعبة، وقد سَبَق في فضائل القرآن (٥٠٥٢) في قصة عمرو بن العاص مع زوج ابنه عبد الله بن عمرو حيث سَألهما عن حالها مع زوجها، فقالت: ((هو كخير الرِّجال من رجل لم يُفتِّش لنا كَنَفاً))، وسبق أيضاً في حديث الإفك (٤١٤١) قولُ صفوان بن المعَطَّل: ما كشفتُ كَنَفَ أُنثى قَطُّ، فعَبَّر عن الاشتغال بالنِّساء بكَشف الكَنَف، وهو الغطاء، ويحتمل أن يكون معنى قولها: ((ولا يُولِجُ الكَفَّ)) كنايةٌ عن ترك تفقُّده أُمورَها، وما تَهتَمُّ به من مصالحها، وهو كقولهم: لم يُدخِل يدَه في الأمر، أي: لم يَشتغِل به، ولم يَتفقَّده. وهذا الذي ذكره احتمالاً جزم بمعناه ابنُ أبي أوَيس، فإنه قال: معناه لا ينظُرُ في أمر أهله، ولا يُبالي أن يجوعُوا. وقال أحمد بن عُبيد بن ناصح: معناه لا يَتفقَّدُ أُمورِي ليعلمَ ما أكرهُه، فيُزِيله، يقال: ما أدخَلَ يدَه في الأمر، أي: لم يَتفقَّده. قوله: ((قالت السابعة: زوجي غَيَاياءُ أو عَياياءُ)) كذا في ((الصحيحين))(٣) بفتح المعجمة، بعدها تحتانية خفيفة، ثم أُخرى بعد الألف الأولى، والتي بعدها بمُهملَة، وهو شَكٍّ من راوي الخبر عيسى بن يونس، وقد صَرَّح بذلك أبو يعلى (٤٧٠١) في روايته عن أحمد بن جَنَاب (٤) عنه، ووقع في رواية عُمَر بن عبد الله عند النسائي (ك٩٠٩٣): ((غياياء)) بمعجمة بغير شكٌّ. (١) تحرَّفت في (س) إلى: عن. (٢) رواية سعيد بن سلمة سيذكرها المصنف تعليقاً بإثر هذا الحديث. (٣) البخاري روايتنا هذه، ومسلم (٢٤٤٨) (٩٢). (٤) تصحفت في (س) إلى: خباب.