النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
باب ٧١ / ح ٥١٧٦
كتاب النكاح
أحدها: حديث ابن عمر، أورَدَه/ من طريق مالك عن نافع بلفظ: ((إذا دُعيَ أحدكم ٢٤٤/٩
إلى الوليمة فليأتِها)) وسيأتي البحث فيه بعد بابينِ (٥١٧٩).
وقوله: ((فليأتِها)) أي: فليأتِ مكانها، والتَّقدير: إذا دُعيَ إلى مكان وليمة فليأتِها، ولا
يَضُرّ إعادة الضَّمير مؤنَّئاً.
ثانيها: حديث أبي موسى، أورَدَه لقولِه فيه: ((وأجيبوا الدَّاعي)) وقد تقدَّم في الجهاد
(٣٠٤٦)، قال ابن التِّين: قوله: ((وأجيبوا الدَّاعي)) يريد: إلى وليمة العُرْس كما دَلَّ عليه
حديث ابن عمر الذي قبله، يعني في تخصيص الأمر بالإتيان بالدُّعاءِ إلى الوليمة. وقال
الكِرْمانيُّ: قوله: ((الدَّاعي)» عامٌ، وقد قال الجمهور: تجب في وليمة النِّكاح، وتُستَحَبّ
في غيرها، فيَلزَم استعمال اللَّفظ في الإيجاب والنَّدب، وهو مُتَنِع، قال: والجواب: أنَّ
الشافعيّ أجازَه، وَلَه غيره على عُمُوم المجاز. انتهى، ويحتمل أن يكون هذا اللَّفظ
وإن كان عامّاً فالمراد به خاصّ، وأمَّا استحباب إجابة طعام غير العُرْس فمن دليل
آخر.
ثالثها: حديث البراء بن عازِب: ((أمَرَنا النبيّ ◌َّ بسبعِ ونَهانا)) وفي آخره: ((وإجابة
الدَّاعي))، أورَدَه من طريق أبي الأحوَص عن الأشعَث، وهو ابن أبي الشَّعناء سُلَيم
المحاربيّ، ثمَّ قال بعده: ((تابَعَه أبو عَوَانة والشَّيبانيّ، عن أَشْعَث في إفشاء السَّلام)) فأمَّا
مُتَابَعة أبي عَوَانة فوَصَلَها المؤلِّف في كتاب الأشربة (٥٦٣٥) عن موسى بن إسماعيل عن
أبي عَوَانة عن أشعَث بن سُليم به، وأمَّا مُتَابَعة الشَّيبانيِّ - وهو أبو إسحاق - فَوَصَلَها
المؤلِّف في كتاب الاستئذان (٦٢٣٥) عن قُتَيبة عن جَرِير عن الشَّيبانيِّ عن أشعَثَ بن أبي
الشَّعثاء به، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في أواخر كتاب الأدب (٦٢٢٢) إن شاءَ الله تعالى، وقد
أخرجه في مواضع أُخرى من غير رواية هؤلاءِ الثلاثة فذكره بلفظ: ((رَدّ السَّلام)»
(١٢٣٩)(١) بَدَل «إفشاء السَّلام))، فهذه نُكْتة الاقتصار.
سـ
(١) وانظر جميع أطرافه فيه.

٤٨٢
باب ٧٢ / ح ٥١٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
رابعها: حدیث سَهْل بن سعد.
قوله: ((حدَّثْنا عبد العزيز بن أبي حازِم، عن أبيه)) في رواية المُستَمْلي: ((عن أبي حازِم))،
وذكر الكِرْمانيّ: أنَّه وَقَعَ في روايةٍ: ((عن عبد العزيز بن أبي حازِم، عن سَهل))، وهو سَهْو، إذ
لا بدَّ من واسِطَة بينهما، إمّا أبوه أو غيره. قلت: لعلَّ الرّواية ((عن عبد العزيز عن أبي حازِم))
فَتَصَحَّفَت ((عن)) فصارت ((ابن))، وسيأتي شرحُ الحديث بعدَ خمسة أبواب (٥١٨٢).
٧٢ - باب مَن تَرَك الدّعوةَ فقد عصى الله ورسوله
٥١٧٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن الأعرَجِ، عن أبي
هريرةَ ◌َُ، أَنَّه كان يقول: شَرّ الطَّعام طعامُ الوَلِيمَةِ، يُدْعَى إليها الأغنياءُ، ويُترَكُ الفقراءُ، ومَن
تَرَكَ الدَّعْوةَ فقد عَصَى اللهَ ورسولَه ◌ِّ.
قوله: ((باب مَن تَرَك الدَّعوة، فقد عَصَی الله ورسوله)» أورد فیه حدیث ابن شهاب عن
الأعرج عن أبي هريرة أنَّه كان يقول: شَرُّ الطَّعام طعامُ الوليمة، يُدعَى لها الأغنياء، ويُترَك
الفقراء، ومَن تَرَك الدَّعوة فقد عَصَى الله ورسوله. ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من طريق
مَعْن بن عيسى عن مالك: ((المساكين)) بَدَل ((الفقراء)).
وأوَّل هذا الحديث موقوف، ولكنَّ آخره يقتضي رَفْعه، ذكر ذلك ابن بَطّال، قال:
ومثله حديث أبي الشَّعثاء: أنَّ أبا هريرة أبصَرَ رجلاً خارجاً من المسجد بعد الأذان، فقال:
أمَّا هذا فقد عَصَى أبا القاسم(١). قال: ومثل هذا لا يكون رأياً، ولهذا أدخَلَه الأئمّة في
مَسانيدِهم. انتهى، وذكر ابن عبد البَرّ: أنَّ جُلّ رواة مالك لم يُصرِّحوا برفعِه، وقال فيه
رَوْح بن القاسم عن مالك بسندِه: ((قال رسول الله (وَّ﴾)) انتهى، وكذا أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ
في ((غرائب مالك)) من طريق إسماعيل بن مَسلَمةَ بن قَعنَب عن مالك، وقد أخرجه مسلم
(١٤٣٢) من رواية مَعمَر وسفيان بن عُيَينةَ عن الزُّهْريِّ - شيخ مالك - كما قال مالك،
(١) أخرجه مسلم (٦٥٥)، وأبو داود (٥٣٦)، وابن ماجه (٧٣٣)، والترمذي (٢٠٤)، والنسائي (٦٨٣).
وانظر تمام تخريجه في «مسند أحمد» (٩٣١٥).

٤٨٣
باب ٧٢ / ح ٥١٧٧
كتاب النكاح
ومن رواية / أبي الزناد عن الأعرج كذلك، والأعرَج شيخ الزُّهْريِّ فيه: هو عبد الرَّحمن، ٢٤٥/٩
كما وَقَعَ صريحاً في رواية سفيان قال: سألت الزُّهْريَّ، فقال: حدَّثني عبد الرَّحمن الأعرج
أنَّه سمعَ أبا هريرة، فذكره. ولِسُفيان فيه شيخ آخر بإسنادٍ آخر إلى أبي هريرة، صَرَّحَ فيه
برفعِه إلى النبيّ ◌َّ، أخرجه مسلم أيضاً من طريق سفيان: سمعتُ زياد بن سعد يقول:
سمعتُ ثابتاً الأعرَج يُحدِّث عن أبي هريرة، أنَّ النبيّ ◌َّه قال ... فذكر نحوه، وكذا أخرجه
أبو الشَّيخ من طريق محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة مرفوعاً صريحاً، وأخرج له شاهداً من
حديث ابن عمر كذلكَ.
والذي يَظهَر أَنَّ اللّم في ((الدَّعوة)) للعهدِ من الوليمة المذكورة أوَّلاً، وقد تقدَّم أنَّ
الوليمة إذا أُطلِقَت ◌ُلَت على طعام العُرْس، بخِلَاف سائر الوَلائِم فإنَّها تُقَيَّد.
وقوله: ((يُدعَى لها الأغنياء)) أي: إنَّها تكون شَرَّ الطَّعام إذا كانت بهذه الصِّفة، ولهذا
قال ابن مسعود: إذا خُصَّ الغنيُّ وتُرِك الفقير أُمِرْنا أن لا نُجِيب. قال ابن بَطّال: وإذا ميَّزَ
الدَّاعي بين الأغنياء والفقراء، فأطعَمَ كلًّا على حِدَة لم يكن به بأس، وقد فعَلَه ابن عمر.
وقال البَيْضاويّ: ((مِن)) مُقدَّرة، كما يقال: ((شَرُّ الناس مَن أكَلَ وَحدَه)) أي: من شَرّهم، وإنَّما
سَمَاه شَرّاً لمَا ذُكِرَ عَقِبه، فكأنَّه قال: شَرّ الطَّعام الذي شأنه كذا. وقال الطِّييُّ: اللّم في الوليمة
للعهدِ الخارجيّ، إذ كان من عادة الجاهليّة أن يَدْعُوا الأغنياء ويَترُكوا الفقراء.
وقوله: ((يُدعَى ... )) إلى آخره، استئناف وبيان لكَونِهَا شَرّ الطَّعام.
وقوله: ((ومَن تَرَك ... )) إلى آخره، حال، والعامل يُدعَى، أي: يُدعَى الأغنياء والحال
أنَّ الإجابة واجبة، فيكون دعاؤه سبباً لأكلِ المدعوّ شَرّ الطَّعام، ويَشهَد له ما ذكره ابن
بَطّالِ: أنَّ ابن حَبِيب روى عن أبي هريرة أنَّه كان يقول: أنتُم العاصُونَ في الدَّعوة، تَدْعونَ
مَن لا يأتي، وتَدْعونَ مَن يأتي، يعني بالأوَّل الأغنياء، وبالثّاني الفقراء.
قوله: (شَرّ الطَّعام)) في رواية مسلم (١٠٧/١٤٣٢) عن يحيى بن يحيى عن مالك: ((بئسَ
الطَّعام)) والأوَّل رواية الأكثر، وكذا في بَقِيَّة الطُّرُق.

٤٨٤
باب ٧٣ / ح ٥١٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يُدْعَى إليها (١) الأغنياء)) في رواية ثابت الأعرَج: ((يُمنَعُها مَن يأتيها، ويُدعَى إليها
مَن يأباها))(٢)، والجملة في موضع الحال لطعام الوليمة، فلو دَعَا الدَّاعي عامّاً لم يكن طعامه
شَرّ الطَّعام. ووَقَعَ في رواية للطَّبَرانيِّ(٣) من حديث ابن عبّاس: ((بئسَ الطَّعام طعام الوليمة،
يُدعَى إليه الشَّبعان، ويُحبَس عنه الجيعان))(٤).
قوله: ((ومَن تَرَك الدَّعْوة)) أي: تَرَك إجابة الدَّعوة، وفي رواية ابن عمر المذكورة: ((ومَن
دُعيَ فلم يُحِب)) وهو تفسير للرِّواية الأُخرَى.
قوله: ((فقد عَصَى الله ورسوله)) هذا دَليلُ وجوب الإجابة، لأنَّ العِصْيان لا يُطلَق إلّا
على تَرْك الواجب. ووَقَعَ في رواية لابنِ عمر عند أبي عَوَانة (٤٢٠٠): ((مَن دُعيَ إلى وَلِيمَة
فلم يأتِها فقد عصى الله ورسوله)).
٧٣- باب من أجاب إلى ◌ُراعٍ
٥١٧٨- حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي حازِمٍ، عن أبي هريرةَ، عن
النبيِّ نَّم قال: «لو دُعِيتُ إلى كُراعٍ لأجَبتُ، ولو أُهْدِيَ إليَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْت)).
قوله: ((باب مَن أجابَ إلى كُراع)) بضمِّ الكاف وتخفيف الرّاء وآخره عين مُهمَلة: هو
مُستَدَقّ الساق من الرِّجل، ومن حَدّ الرُّسغ من اليد، وهو من البقر والغنم بمَنزِلة
الوَظيف من الفَرَس والبعير، وقيل: الكُراعِ ما دون الكَعْب من الذَّوابّ، وقال ابن فارس:
كُراعُ كلّ شيءٍ: طَرَفه.
قوله: ((حدَّثْنَا عَبْدان)) هو عبد الله بن عثمان، وأبو حمزة - بالمهمَلة والزّاي -: هو السُّكَّري(٥).
(١) في (س): ((لها))، والمثبت من الأصلين.
(٢) أخرجها مسلم (١٤٣٢) (١١٠).
(٣) في ((الأوسط)) (٦١٩٠).
(٤) كذا في الأصلين و(س): ((الجيعان)) بالياء، وفي مطبوع الطبراني: ((الجائع))، قال في ((شرح القاموس)) مادة
(جوع): جاع يَجوعُ جَوْعاً وَجَاعَةً، فهو جائع وجَوْعان، وجَيْعان خطأ.
(٥) تحرَّفت في (س) إلى: اليشكري.
:

٤٨٥
باب ٧٣ / ح ٥١٧٨
كتاب النكاح
قوله: ((عن أبي حازِم)) تقدَّم في الهِبة (٢٥٦٨) من رواية شُعْبة عن الأعمش، وهو لا
يروي عن مشايخِه إلّ ما ظَفَر له بِسَماعِهم(١) فيه، وأبو حازِم هذا: هو سَلمان بسكونِ اللّام،
مولى عَزّة بفتح المهمَلة وتشديد الزّاي،/ ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه سَلَمةُ بن دِينار الراوي عن ٢٤٦/٩
سَهْل بن سعد المقدَّم ذِكرُه قريباً (٥١٧٦)، فإنَّهما وإن كانا مَدَنَّينِ لكنَّ راوي حديث الباب
أکبر من ابن دینار.
قوله: ((ولو أُهْديَ إليَّ كُراعٌ لَقِلْت)) كذا للأكثرِ من أصحاب الأعمَش، وتقدَّم في الهِبة
من طريق شُعْبة عن الأعمَش بلفظ: ((ذِراع وكُراع)) بالتَّغييرِ، والذِّراع أفضل من الكُراع،
وفي المثَل: أَنفَقَ العَبْدِ كُراعاً وطلب ذِراعاً. وقد زَعَمَ بعض الشُّرّاح - وكذا وَقَعَ للغَزالي -
أنَّ المراد بالكُراع في هذا الحديث: المكان المعروف بكُراع الغَميمِ، بفتح المعجَمة، وهو
موضع بين مكَّة والمدينة تقدَّم ذِكرُه في المغازي(٢)، وزَعَمَ أنَّه أطلقَ ذلك على سبيل المبالَغة
في الإجابة ولو بَعُدَ المكان، لكنَّ المبالَغة في الإجابة معَ حَقَارة الشَّيء أوضَحُ في المراد، وهذا
ذهب الجمهور إلى أنَّ المراد بالكُراع هنا: كُراع الشّاة، وقد تقدَّم توجيه ذلك في أوائل الهِبة
في حديث: ((يا نساء المسلمات، لا تَحِقِرَنَّ جارة لجارَتِها ولو فِرْسِن شاة» (٢٥٦٦).
وأغرَبَ الغَزاليّ في «الإحياء)) (١٤/٢) فذكر الحديث بلفظ: ((ولو دُعيت إلى كُراع
الغَميمِ))، ولا أصل لهذ، الزّيادة، وقد أخرج التِّرمِذيّ (١٣٣٨) من حديث أنس وصَحَّحَه
مرفوعاً: ((لو أُهديَ إليَّ كُرائعٌ لَقَبِلتُ، ولو دُعِيتُ لِثْلِه لَأَجَبت))، وأخرج الطبرانيُّ (٣٩٢/٢٥)
من حديث أمّ حَكِيم بنت وادِعٍ: أنَّها قالت: يا رسول الله، أتكرَهُ الهديَّة؟! فقال: ((ما أقبَحَ
رَدَّ الهديَّة)) فذكر الحديث، ويُستَفاد سببه من هذه الرِّواية.
وفي الحديث دليل على حُسْن خُلُقْهِ وَِّ وتَواضُعِه، وجَيْرِه لقلوب الناس، وعلى قَبُول
(١) في (س): ظهر له سماعهم، والمثبت من الأصلين.
(٢) باب غزوة الحديبية، بين يدي الحديث (٤١٥٠)، لكن لم يحدد مكانه الحافظ هناك، وإنما حدده في الصوم
(١٩٤٤) فقال: هو اسم واد أمام عسفان، ثم ذكره في الشروط (٢٧٣١) و(٢٧٣٢)، ونقل عن المحب
الطبري أنه موضع بين مكة والمدينة، ثم قال الحافظ: هو غير كراع الغميم الذي وقع ذكره في الصيام.

٤٨٦
باب ٧٤ / ح ٥١٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
الهديَّة، وإجابة مَن يَدعُو الرجل إلى مَنزِله، ولو عَلِم أنَّ الذي يدعوه إليه شيء قليل، قال
المهلَّب: لا يَبعَث على الدَّعوة إلى الطَّعام إلّا صِدقُ المحبّة، وسُرُورُ الدَّاعي بأكلِ المدعوّ من
طعامه، والتَّحَبُّبُ إليه بالمؤاكَلة، وتَوكيدُ الذِّمام معه بها، فلذلكَ حَضَّ وَّ على الإجابة ولو
نَزَرَ المدعوَّ إليه.
وفيه الحضُّ على المواصَلة والتَّحابّ والتّوالَفِ، وإجابةِ الدَّعوة لمَا قَلَّ أو كَثُرَ، وقَبُول
الهديَّة كذلك.
٧٤ - باب إجابة الدَّاعي في العُرْس وغيره
٥١٧٩- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله بنِ إبراهيمَ، حدَّثنا الحجّاجُ بنُ محمَّدٍ، قال: قال ابنُ
جُرَيج: أخبَرَني موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، قال: سَمِعتُ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما يقول:
قال رسولُ الله ◌َّ: «أجِيبُوا هذه الدَّعْوةَ إذا دُعِيتُم لها».
قال: كان عبدُ الله يأتي الدَّعْوةَ في العُرْسِ وغيرِ العُرْسِ، وهو صائمٌ.
قوله: ((باب إجابة الدَّاعي في العُرْس وغيره)) ذكر حديث ابن عمر: ((أجيبوا هذه الدَّعوة))
وهذه اللّام يحتمل أن تكون للعهدِ، والمراد وليمة العُرْس، ويُؤْيِّده رواية ابن عمر الأُخرى
(٥١٧٣): ((إذا دُعيَ أحدُكم إلى الوَليمَة فليأتِها))، وقد تَقرَّرَ أنَّ الحديث الواحد إذا تَعَدَّدَت
ألفاظه وأمكَنَ حَملُ بعضها على بعض تَعيَّنَ ذلك، ويحتمل أن تكون اللّام للعُمومِ، وهو
الذي فَهِمَه راوي الحديث، فكان يأتي الدَّعوة للعُرْسِ ولغيره.
قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله بن إبراهيم)) هو البغداديّ، أخرج عنه البخاريّ هنا فقط،
وقد تقدَّم في فضائل القرآن (٥٠٢٦) روايتُه عن عليّ بن إبراهيم عن رَوْح بن عبادة، فقيلَ:
هو هذا، نَسَبَه إلى جَدّه، وقيل غيره كما تقدَّم بيانه، وذكر أبو عَمْرو المُستَمْلِي(١): أنَّ البخاريّ
لمَّا حدَّث عن عليّ بن عبد الله بن إبراهيم هذا، سُئلَ عنه فقال: مُتِقِن.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: أبو عمرو والمستملي، والمثبت من الأصلين، وهو أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي
النيسابوري، سمع أحمد بن حنبل وقتيبة بن سعيد وابن راهويه وطبقتهم، مات سنة ٢٨٤ هـ.

٤٨٧
باب ٧٤ / ح ٥١٧٩
كتاب النكاح
قوله: ((عن نافع)) في رواية فُضَيلٍ بن سليمان عن موسى بن عُقْبة: ((حدَّثني نافع)) أخرجه
الإسماعيليّ.
قوله: ((قال: كان عبد الله)) القائل هو نافع، وقد أخرج مسلم (٩٨/١٤٢٩) من طريق
عبد الله بن نُمَير عن عُبيد الله(١) بن عمر العُمَريِّ عن نافع بلفظ: ((إذا دُعيَ أحدُكم إلى وَليمَة
عُرْس / فليُجِب))، وأخرجه مسلم (١٤٢٩/ ١٠٠) وأبو داود (٣٧٣٨) من طريق أيوب عن ٢٤٧/٩
نافع بلفظ: ((إذا دَعَا أحدكم أخاه فليُجِب، عُرْساً كان أو نحوه))، ولمسلم (١٤٢٩/ ١٠١)
من طريق الزُّبَيديّ عن نافع بلفظ: ((مَن دُعيَ إلى عُرْس أو نحوه فليُجِب))، وهذا يُؤْيِّد ما
فهمَه ابن عمر، وأنَّ الأمر بالإجابة لا يَخْتَصّ بطعام العُرْس، وقد أخَذَ بظاهرِ الحديث
بعض الشافعيَّة فقال بوجوب الإجابة إلى الدَّعوة مُطلَقاً، عُرْماً كان أو غيرَه بشرطِهِ، ونَقَلَه
ابن عبد البَرّ عن عُبيد الله بن الحسن العَنبَرَيّ قاضي البَصْرة، وزَعَمَ ابن حَزْم أنَّه قول
مُهُور الصَّحابة والتابعينَ، ويُعكِّر عليه ما نَقَلناه عن عثمان بن أبي العاص(٢)، وهو من
مَشاهير الصَّحابة: أنَّه قال في وليمة الخِتان: لم يكن يُدعَى لها لكن يُمكِن الانفصال عنه: بأنَّ
ذلك لا يَمنَع القول بالوجوب لو دُعُوا. وعند عبد الرَّزّاق (١٩٦٦٣) بإسنادٍ صحيح عن
ابن عمر: أنَّه دَعَا بالطَّعام، فقال رجل من القوم: أعْفِني، فقال ابن عمر: إنَّه لا عافيةً لك
من هذا، فقُم. وأخرج الشافعيّ(٣) وعبد الرَّزّاق (١٩٦٦٤) بسندٍ صحيح عن ابن عبَّاس: أنَّ
ابن صَفْوان دَعاه فقال: إنّ مَشغُول، وإن لم تُعِفِني جِئْتُه.
وجَزَمَ بعَدَمِ الوجوب في غير وَليمَة النِّكاح: المالكيَّة والحنفيَّة والحنابلة وجُهورُ
الشافعيّة، وبالَغَ السَّرَخْسيّ منهم فنَقَلَ فيه الإجماع، ولفظ الشافعيّ: إتيان دعوة الوَلِيمَة
حَقٍّ، والوليمَةِ التي تُعرَف وليمة العُرْس، وكلّ دَعوة دُعيَ إليها رجلٌ وليمة، فلا أُرَخّص
لأحدٍ في تَركِها، ولو تَرَكَها لم يَتَبَّن أنَّه عاصٍ في تَرْكها كما تَبيَّن لي في وليمة العُرْس.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: ((عبد الله)) مكبراً.
(٢) في باب رقم (٧١) حق إجابة الوليمة والدعوة.
(٣) لم نجد أحداً نسبه للشافعي غير المصنف!

٤٨٨
باب ٧٤ / ح ٥١٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((في العُرْس وغير العُرْس وهو صائم)) في رواية مسلم (١٠٣/١٤٢٩) عن هارون
ابن عبد الله عن حَجّاج بن محمَّد: ويأتيها وهو صائم، ولأبي عَوَانة (٤١٩٣) من وجه آخر
عن نافع: وكان ابن عمر يُجِيبُ صائماً ومُفطِراً، ووَقَعَ عند أبي داود (٣٧٣٧) من طريق أبي
أُسامة عن عُبيد الله بن عمر عن نافع في آخر الحديث المرفوع: «فإن كان مُفطِراً فليَطَعَم،
وإن كان صائماً فليَدْعُ))، ولمسلم من حديث أبي هريرة (١٤٣١): ((فإن كان صائماً فليُصَلِّ)»،
ووَقَعَ في رواية هشام بن حسَّان في آخره: ((والصلاةُ: الدُّعاء))(١) وهو من تفسير هشام راويه،
ويُؤْيِّده الرّواية الأُخرَى، وحَمَلَه بعض الشُّاح على ظاهره فقال: إن كان صائماً فليَشتَغِل
بالصلاة ليَحصُلَ له فضلُها، وتَحَصُلَ لأهلِ المنزل والحاضرينَ بَرَكَتُها. وفيه نظر، لعُمومٍ
قوله: ((لا صلاةَ بحَضْرة طعام)) (٢)، لكن يُمكِن تخصيصه بغير الصّائم، وقد تقدَّم في ((باب
حَقّ إجابة الوليمة))(٣): أنَّ أُبيّ بن كعب لمَّا حَضَرَ الوليمة وهو صائم أثْنَى ودَعا))، وعند
أبي عَوَانة (٤٢٠٩) من طريق عمر بن محمَّد عن نافع: كان ابن عمر إذا دُعيَ أجابَ، فإن
كان مُفطِراً أكَلَ، وإن كان صائماً دَعَا لهم وبَرَّكَ ثمَّ انصَرَفَ.
وفي الحضور فوائد أُخرى مَقصُودة(٤)، كالتَّبُّكِ بالمدعوِّ، والتَّجَمُّل به، والانتفاع
بإشارَتِه، والصّيانة عمَّا لا يَحَصُل له الصِّيانة لو لم يَحِضُر، وفي الإخلال بالإجابة تفويتُ
ذلك، ولا يخفى ما يقع للدّاعي من ذلك من التَّشويش، وعُرِفَ من قوله: ((فَلَيَدْعُ لهم))
حصول المقصود من الإجابة بذلكَ، وأنَّ المدعوّ لا يجب عليه الأكل.
وهل يُستَحَبّ له أن يُفطِرِ إن كان صومه تَطَوُّعاً؟ قال أكثر الشافعيَّة وبعضُ الحنابلة:
إن كان يَشُقّ على صاحب الدَّعوة صَومُه فالأفضل الفِطْرِ وإلّا فالصوم، وأطلقَ الرُّويَانيّ
وابن الفَرّاء استحباب الفِطْرِ، وهذا على رأي مَن يُجُوِّز الخروج من صوم النَّفل، وأمَّا مَن
(١) عند أبي عوانة (٤١٨٧).
(٢) أخرجه مسلم من حديث عائشة برقم (٥٦٠).
(٣) ورقم الباب (٧١).
(٤) لفظة ((مقصودة)) سقطت من (س)، وأثبتناها من الأصلين.

٤٨٩
باب ٧٥ / ح ٥١٨٠
كتاب النكاح
يُوجِبه فلا يجوز عنده الفِطْر كما في صومِ الفَرْض، ويَبعُد إطلاقُ استحباب الفِطْر معَ وجود
الخِلاف، ولا سيَّما إن كان وقت الإفطار قد قَرُبَ.
ويُؤْخَذ من فِعل ابن عمر أنَّ الصَّوم ليس عُذراً في ترك الإجابة، ولا سيَّمَا معَ وُرود
الأمر للصّائمِ بالحضورِ والدُّعاء، نعم لو اعتَذَرَ به المدعوّ فقبِلَ الدَّاعي عُذْره لكَونِهِ يَشُقّ
عليه أن لا يأكل إذا حَضَرَ، أو لغير ذلك، كان ذلك عذراً له في التَّاخَّر. ووَقَعَ في حديث
جابر عند مسلم (١٤٣٠): ((إذا دُعيَ أحدُكم إلى طعام فليُجِب، فإن شاءَ طَعِمَ وإن شاءَ تَرَك))
فيُؤْخَذ منه أنَّ المفطِر ولو حَضَرَ لا يجب عليه الأكل، وهو أصحّ الوجهَينِ عند/ الشافعيَّة، ٢٤٨/٩
وقال ابن الحاجِب في (مختصره): ووجوب أكل المفطِرِ مُحْتَمَل، وصَرَّحَ الحنابلة بعَدَمِ
الوجوب، واختارَ النَّوَويّ الوجوب، وبه قال أهل الظّاهر، والحُجّة لهم: قوله في إحدَى
روايات ابن عمر عند مسلم: (فإن كان مُفطِراً فليَطعَم))(١)، قال النَّوَويّ: وتُحمَل رواية
جابر على مَن كان صائماً. ويُؤيِّده رواية ابن ماجه فيه بلفظ: ((مَن دُعيَ إلى طعام وهو صائم
فليُجِب، فإن شاءَ طَعِمَ وإن شاءَ تَرَكَ))، ويَتَعيَّن حَملُه على مَن كان صائماً نَفْلاً، ويكون فيه
حُجّة لمن استَحَبَّ له أن يَخْرُج من صيامه لذلكَ، ويُؤيِّده ما أخرجه الطَّيالسيُّ (٢٣١٧)
والطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٢٤٠) عن أبي سعيد قال: دَعا رجلٌ إلى طعام، فقال رجل: إنّ
صائم، فقال النبيّ ◌َّ: ((دَعَاكم أخوكم، وتَكلَّفَ لكم، أفطِرْ وصُمْ يوماً مكانه إن شِئتَ))
في إسناده راوٍ ضعيف لكنَّه توبعَ، والله أعلم.
٧٥ - باب ذهاب النّساء والصّبيان إلى العُرْس
٥١٨٠- حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ المبارَكِ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ
صُهَيبٍ، عن أنسِ بنِ مالكِ ﴾، قال: أبصَرَ النبيُّ ◌َل نساءً وصِبْياناً مُقبِلِينَ من عُرْسٍ، فقامَ
مُمْتَنّاً، فقال: ((اللهمَّ أنتُم من أحَبِّ الناسِ إليّ)).
قوله: ((باب ذهاب النِّساء والصِّبْيان إلى العُرْس)) كأنَّه تَرجَمَ بهذا، لئلا يَتَخيَّل أحد كراهَةَ
(١) هذه اللفظة عند مسلم من رواية أبي هريرة (١٤٣١)، أما رواية ابن عمر فهي عند أبي داود (٣٧٣٧).

٤٩٠
باب ٧٥ / ح ٥١٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك، فأراد أنَّه مشروع بغير كراهة.
قوله: ((حدَّثنا عبد الرّحمن بن المبارَك)) هو العَيْشِيّ بالتَّحتانيَّة والشّين المعجمة، وليس هو
أخا عبد الله بن المبارك المشهور، وعبدُ الوارث: هو ابن سعيد، والإسناد كلّه بصريّونَ.
قوله: ((فقامَ مُمْتَنّاً)) بضمِّ الميم بعدها ميم ساكنة ومُثّة مفتوحة ونون ثقيلة بعدها ألف،
أي: قامَ قياماً قويّاً، مأخوذ من المُنَّة - بضمِّ الميم - وهي القوّة، أي: قامَ إليهم مُسرِعاً
مُشْتَدّاً في ذلك فرحاً بهم.
وقال أبو مروان بن سِرَاجِ - وَرَجَّحَه القُرطُبيّ -: إنَّه من الامتِنان، لأنَّ مَن قَامَ له النبيّ
وَّ وأكرَمَه بذلكَ فقد امتَنَّ عليه بشيءٍ لا أعظَمَ منه، قال: ويُؤيِّده قوله بعد ذلك: ((أنتم
أحَبّ الناس إليَّ). ونَقَلَ ابن بَطّال عن القابِسِيّ قال: قوله: ((ُتَنَا)) يعني: مُتَفَضِّلاً عليهم
بذلكَ، فكأنَّه قال: يَمتَنُّ عليهم بمَحبَّتِهِ. ووَقَعَ في رواية أُخرى: ((مَتينا)» بوزنِ عظيم، أي:
قامَ قياماً مُستَوياً مُنتَصِباً طويلاً. ووَقَعَ في رواية ابن السَّكَن: ((فقامَ يَمشي)) قال عياض:
وهو تصحيف.
قلت: ويُؤيِّد التَّأويل الأوَّل ما تقدَّم في ((فضائل الأنصار)) (٣٧٨٥) عن أبي مَعمَر عن
عبد الوارث بسندِ حديث الباب بلفظ: فقامَ تُمثِلاً، بضمِّ أوَّله وسكون الميم الثّانية بعدها
مُثَلَّثة مكسورة وقد تُفتَح، وضُبِطَ أيضاً بفتح الميم الثّانية وتشديد المثلَّثة، والمعنى: مُنتَصِباً
قائماً، قال ابن التِّين: كذا وَقَعَ في البخاريّ، والذي في اللُّغة: مَثُلَ بفتح أوَّله وضمّ المثلَّثة
وبفتحها قائماً يَمِثُل بضمِّ المثلَّثة مُثولاً فهو مائِل: إذا انتَصَبَ قائماً، قال عياض: وجاء هنا
مُمَثِّلاً، يعني بالتَّشديدِ، أي: مُكَلِّفاً نفسه ذلك. انتهى، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ عن
الحسن بن سفيان عن إبراهيم بن الحجّاج عن عبد الوارث: فقامَ النبيُّ وَّ لهم مَثِيلاً،
بَوَزنٍ عظيم، وهو فَعِيل من ماثِلٍ، وعن إبراهيم بن هاشم عن إبراهيم بن الحجّاج مِثله،
وزاد: يعني مائِلاً.
قوله: ((اللهمَّ أنتم من أحَبّ الناس إليَّ)) زاد في رواية أبي مَعمَر: قالها ثلاث مرَّات، وتقديم

٤٩١
باب ٧٦ / ح ٥١٨١
كتاب النكاح
لفظ ((اللهمَّ)) يقع للتَّبُّكِ، أو للاستشهادِ بالله في صِدْقه، ووَفَعَ في رواية مسلم (٢٥٠٨)
من طريق ابن عُليَّة عن عبد العزيز: ((اللهمَّ إنَّهم))(١)، والباقي مِثْلُه، وأعادَها ثلاث مرَّات(٢)،
وقد اتَّفَقا كما تقدَّم في فضائل / القرآن(٣) على رواية هشام بن زيد عن أنس (٣٧٨٥): جاءت ٢٤٩/٩
امرأة من الأنصار إلى رسول الله ◌َ ل﴿ ومعها صبيٌّ لها فكَلَّمَها، وقال: ((والذي نفسي بيده، إنَّكم
لَأحَبُّ الناس إليَّ) مرَّتَينِ(٤)، وفي رواية تأتي في كتاب النُّور (٦٦٤٥): ثلاث مرَّات، و((مِنْ))
في هذه الرِّوایة مُقدَّرة، بدلیل روایة حدیث الباب.
٧٦ - بابٌ هل يَرجِعُ إذا رأى مُنكراً في الدّعوة؟
ورَأَى ابنُ مسعودٍ صورةً في البيتِ فَرَجَعَ.
ودَعا ابنُ عمرَ أبا أيوبَ، فَرَأى في البيتِ سِتْراً على الجِدار، فقال ابنُ عمرَ: غَلَبَنا عليه
النِّساءُ، فقال: مَن كنتُ أخشَى عليه، فلم أكُن أخشَى عليكَ، والله لا أَطعَمُ لكم طعاماً؛
فَرَجَعَ.
٥١٨١ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ
زَوْجِ النبيِّ وََّ، أَنَّهَا أخبَرَتْهُ: أَنَّهَا اشتَرَت نُمْرُقَةً فيها تَصاوِيرُ، فلمَّا رآها رسولُ اللهَوَّلِ قامَ على
الباب فلم يَدخُل، فعَرَفتُ في وَجْهِهِ الكَرَاهيةَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، أتوبُ إلى الله وإلى
رسولِه، ماذا أذنَبتُ؟ فقال رسولُ اللهِوَّ: ((ما بالُ هذه النُّمْرُقةِ؟» قالت: فقلتُ: اشتَرَيتُها لكَ
لِتَقْعُدَ عليها وتَوَسَّدَها، فقال رسولُ اللهِ وَلَ: ((إنَّ أصحابَ هذه الصُّوَرِ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ،
ويقال لهم: أَحْيُوا ما خَلَقْتُم))، وقال: ((إنَّ البيتَ الذي فيه الصُّوَرُ لا تَدْخُلُه الملائكةُ)).
قوله: ((بابٌ هل يَرجِع إذا رَأى مُنكَراً في الدَّعْوة؟» هكذا أورَدَ التَّرجمة بصورة الاستفهام،
ولم يَبُتَّ الحكمَ، لما فيها من الاحتمال، كما سأَبِّنه إن شاءَ الله تعالى.
(١) كذا وقع للحافظ، وفي الذي بين أيدينا من نسخ ((صحيح مسلم)): ((اللهم أنتم))، والله أعلم.
(٢) في طريق ابن علية عند مسلم أعادها مرتين.
(٣) كذا قال الشارح رحمه الله، والصواب: فضائل الأنصار.
(٤) في رواية مسلم (٢٥٠٩): ثلاث مرات.

٤٩٢
باب ٧٦ / ح ٥١٨١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ورَأى ابنُ مسعود صُورةً في البيت، فَرَجَعَ)) كذا في رواية المُستَمْلِي والأَصِيليِّ
والقابِسيّ وعَبْدُوس، وفي رواية الباقين: أبو مسعود، والأوَّل تصحيف فيما أظنّ، فإنَّني لم
أرَ الأثر المعلَّق إلّا عن أبي مسعود عُقْبة بن عَمْرو، وأخرجه البيهقيُّ (٢٦٨/٧) من طريق
عَديِّ بن ثابت عن خالد بن سعد عن أبي مسعود: أنَّ رجلاً صَنَعَ طعاماً فدعاه، فقال: أفي
البيت صُورَة؟ قال: نعم. فأبى أن يَدخُل حتَّى تُكسَر الصُّورة. وسنده صحيح، وخالد بن
سعد: هو مولى أبي مسعود عُقْبة بن عَمْرو الأنصاريّ، ولا أعرف له عن عبد الله بن مسعود
رواية، ويحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ لعبد الله بن مسعود أيضاً، لكن لم أقِفْ عليه.
قوله: ((ودَعا ابنُ عُمَر أبا أيوب، فرَأى في البيت ◌ِتْراً على الجدار، فقال ابنُ عمر: غَلَبَنا
عليه النِّساء، فقال: مَن كنتُ أخشَى عليه فلم أكن أخشَى عليك، والله لا أطْعَم لكم طعاماً؛
فَرَجَعَ)» وصَلَه أحمد في كتاب ((الوَرَع)»، ومُسدَّد في («مُسنَده))، ومن طريقه الطبرانيُّ
(٤/ ٣٨٥٣) من رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهْريِّ عن سالم بن عبد الله بن عمر
قال: أعرَسْتُ في عهد أبي، فآذَنَ أبي الناسَ، فكان أبو أيوب فيمَن آذنًّا، وقد سَتَروا بيتي
بِجَادٍ أخضر، فأقبَلَ أبو أيوب فاطَّلَعَ فرآه، فقال: يا عبد الله، أتستُّرُونَ الْجُدُر؟ فقال أبي
واستَحيَى: غَلَبَنا عليه النِّساءُ يا أبا أيوب، فقال: مَن خَشِيتُ أن تَغْلِبه النِّساء ... فذكره،
ووَقَعَ لنا من وجه آخر من طريق اللَّيث عن بُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ عن سالم بمعناه،
وفيه: فأقبَلَ أصحاب النبيّ ◌َهِ يَدخُلونَ الأوَّل فالأوَّل، حتَّى أقبَلَ أبو أيوب ... وفيه:
فقال عبد الله: أقسَمتُ عليك لَتَرجِعَنّ، فقال: وأنا أعزِمُ على نفسي أن لا أدخُلَ يومي هذا،
ثُمَّ انصَرَفَ. وقد وَقَعَ نحو ذلك لابنِ عمر فيما بعد، فأنكَرَه، وأزالَ ما أنكَرَ ولم يَرجِع كما
صَنَعَ أبو أيوب، فُرُوّينا في كتاب ((الزُّهد)) لأحمد من طريق عبد الله بن عُتبةَ قال: دَخَلَ ابنُ
٢٥٠/٩ عُمَر بيت/ رجل دعاه إلى عُرْس، فإذا بيته قد سُتِرَ بالكُرور، فقال ابن عمر: يا فلان، متى
تَحَوَّلَت الكعبة في بيتك؟! ثمّ قال لنَفَرِ معه من أصحاب محمَّد ◌ِّ: لِيَهتِكْ كلَّ رجل ما يليه.
وأخرج ابن وَهْب، ومن طريقه البيهقيُّ (٧/ ٢٧٢): أنَّ عُبيدَ الله بن عبد الله بن عمر دُعيَ
العُرسٍ، فرأى البيت قد سُتِرَ فَرَجَعَ، فسُئلَ، فذكر قصَّة أبي أيوب.

٤٩٣
باب ٧٦ / ح ٥١٨١
كتاب النكاح
ثمَّ ذكر المصنّف حديث عائشة في الصُّوَر، وسيأتي شرحه وبيان حُكْم الصّوَر مُستَوفَّى
في كتاب اللِّباس (٥٩٥٧)، وموضع التَرجمة منه: قولها: قامَ على الباب فلم يَدخُل. قال ابن
بَطّال: فيه أنَّه لا يجوز الدُّخول في الدَّعوة يكون فيها مُنكَر ممَّا نَى الله ورسوله عنه، لمَا في
ذلك من إظهار الرِّضا بها، ونَقَلَ مذاهب القُدَماء في ذلك، وحاصله: إن كان هناك مُحرَّم
وقَدِرَ على إزالته، فأزالَه فلا بأس، وإن لم يَقدِر فليرجع، وإن کان ممّ ◌ُكرَه كراهةً تنزيه فلا
يخفى الوَرَعِ، ومَمَّا يُؤْيِّد ذلك ما وَقَعَ في قصَّة ابن عمر من اختلاف الصَّحابة في دخول
البيت الذي سُتِرَت جُدُره، ولو كان حراماً ما قَعَدَ الذينَ قَعَدوا ولا فعَلَه ابن عمر، فيُحمَل
فِعْلُ أبي أيوب على كراهة التَّنزيه جمعاً بين الفِعلَينِ. ويحتمل أن يكون أبو أيوب كان يرى
التَّحريم، والذينَ لم يُنكِرِوا كانوا يَرَونَ الإباحة.
وقد فصَّلَ العُلماء ذلك على ما أشرتُ إليه، قالوا: إن كان لَواً ممَّا اختُلِفَ فيه فيجوز
الحضور، والأَوْلى التَّرك، وإن كان حَراماً كَشُرب الخمر، نُظِرَ؛ فإن كان المدعوّ مَمَّن إذا
حَضَرَ رُفِعَ لأجلِه فليَحضُر، وإن لم يكن كذلكَ ففيه للشّافعيّة وجهان:
أحدهما: يَحَضُر وليُنكِرِ بحَسَب قُدرَته، وإن كان الأَولى أن لا يَحَضُر، قال البيهقيُّ: وهو
ظاهر نَصّ الشافعيّ، وعليه جَرَى العراقيّونَ من أصحابه. وقال صاحب ((الهداية)) من
الحنفيّة: لا بأس أن يَقعُد ويأكل إذا لم يكن يُقتَدَى به، فإن كان ولم يَقدِر على مَنْعِهم
فليَخرُج، لما فيه من شَينِ الدّين وفتح باب المعصِيَة، وحكى عن أبي حنيفة أنَّه قَعَدَ، وهو
محمول على أنَّه وَقَعَ له ذلك قبل أن يصير مُقتَدًى به، قال: وهذا كلّه بعد الحُضُور، فإن
علم قبْلَه لم تَلزَمه الإجابة.
والوجه الثّاني للشّافعيَّة: تحريم الحُضُور، لأنَّه كالرِّضا بالمنكَرِ، وصَحَّحَه المرَاوِزة،
فإن لم يَعلَمُ حتَّى حَضَرَ فَليَنْهَهم، فإن لم يَنْتَهوا فليَخرُج، إلّا إن خافَ على نفسه من ذلك،
وعلى ذلك جَرَى الحنابلة. وكذا اعتَبَرَ المالكيَّة في وجوب الإجابة: أن لا يكون هناك
مُنكَر، وإذا كان من أهل الهَيْئَة لا ينبغي له أن يَحِضُر موضعاً فيه لهوٌ أصلاً، حكاه ابن بَطّال
وغيره عن مالك.

٤٩٤
باب ٧٦ / ح ٥١٨١
فتح الباري بشرح البخاري
ويُؤيِّد مَنْع الحضور حديثُ عِمران بن حُصَينٍ: نَهَى رسول الله وَّر عن إجابة طعام
الفاسقينَ، أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٤٤١)، ويُؤيِّده معَ وجود الأمر المحَرَّم ما
أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٧٠٨) من حديث جابر مرفوعاً: «مَن كان يُؤْمِن بالله واليوم الآخِر
فلا يَقعُد على مائدة يُدارُ عليها الخمر))، وإسناده جيِّد(١)، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٨٠١) من
وجه آخر فيه ضعف عن جابر، وأبو داود (٣٧٧٥) من حديث ابن عمر بسندٍ فيه انقطاع،
وأحمد (١٢٥) من حديث عمر.
وأمَّا حُكْم سَتْر البُيوت والجُدْران، ففي جوازه اختلافٌ قديم، وجَزَمَ مُهُور الشافعيَّة
بالكراهة، وصَرَّحَ الشَّيخ نَصْر المقدِسُّ منهم بالتَّحريمِ، واحتَجَّ بحديثٍ عائشةَ: أنَّ النبيّ
وَلَه قال: ((إنَّ الله لم يأمرنا أن نَكسُوَ الحجارة والطّين)) وجَذَبَ السِّتر حتَّى هَتَكَه، وأخرجه
مسلم (٢١٠٧)، قال البيهقيُّ: هذه اللَّفظة تَدُلّ على كراهة سَتِرِ الجدار، وإن كان في بعض
ألفاظ الحديث أنَّ المنع كان بسبب الصُّورة. وقال غيره: ليس في السّياق ما يدلّ على
التَّحريم، وإنَّما فيه نفي الأمر بذلكَ، ونفيُ الأمر لا يَستَلِزِمِ ثُبوت النَّهي، لكن يُمكِن أن
يُحتَجّ بفعله ګ في مَتْکه.
وجاء النَّهي عن سَتْر الْجُدُر صريحاً: منها في حديث ابن عبَّاس عند أبي داود (١٤٨٥)
وغيره(٢): ((ولا تَستُرُوا الْجُدُر بالِّياب)) وفي إسناده ضعف، وله شاهد مُرسَل عن عليّ بن
الحسين، أخرجه ابن وَهْب ثمَّ البيهقيُّ (٧/ ٢٧٢) من طريقه، وعند سعيد بن منصور
(٥٩٢) من حديث سَلْمان موقوفاً: أنَّه أنكَرَ سَتْر البيت وقال: أمحمُومٌ بيتكم، أو تَحوَّلَت
٢٥١/٩ الكعبة عندكم(٣)؟/ ثم قال: لا أدخُله حتَّى يُهْتَك(٤)، وتقدَّم قريباً خَبَر أبي أيوب وابن عمر
(١) وأخرجه أحمد (١٤٦٥١)، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه فيه.
(٢) وأخرجه عبد بن حميد ضمن حديث (٦٧٥)، والبيهقي ٧/ ٢٧٢.
(٣) كذا وقع عند الحافظ هنا، ووقعت العبارة في سائر مصادر التخريج: أم تحولت الكعبة في كندة؟
(٤) وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (١٠٤٦٣)، والطبراني (٦٠٦٧)، والبيهقي ٧/ ٢٧٢، وأبو نعيم في «الحلية))
١٨٥/١.

٤٩٥
باب ٧٧ / ح ٥١٨٢
كتاب النكاح
في ذلك. وأخرج الحاكم(١) والبيهقيُّ (٧/ ٢٧٢) من حديث محمّد بن كعب عن عبد الله بن
يزيد الخَطْميّ: أنَّه رأى بيتاً مَستُوراً فقَعَدَ وبَكَى، وذكر حديثاً عن النبيّ وَّ فيه: «كيف
بكم إذا سَتَرتُم بيوتكم؟» الحديث، وأصله في النَّسائيِّ(٢).
٧٧ - باب قيام المرأة على الرِّجال في العُرْس وخدمتِهِم بالنَّفْس
٥١٨٢- حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ، قال: حدَّثني أبو حازِمِ، عن سَهْلٍ،
قال: لَمَا عَرَّسَ أبو أُسَيدِ الساعِدِيُّ، دَعَا النبيَّ ◌ٍَّ وأصحابَه، فما صَنَعَ لهم طعاماً ولا قَرَّبَه
إليهم إلّا امرأتُه أمُّ أَسَيدٍ، بَلَّت تَمَراتٍ في تَوْرٍ من حِجارةٍ منَ اللَّيلِ، فلمَّا فَرَغَ النبيُّنَّ مِنَ
الطَّعام، أمانَتْه له فسَقَتْه، تُحِفَةً بذلكَ.
قوله: ((باب قيام المرأة على الرِّجال في العُرْس وخِذْمَتِهِم بالنَّفْسِ)) أي: بنفسِها، ذكر فيه
حديث سَهْل بن سعد في قصَّة عُرْس أبي أُسَيد، وتَرجَمَ عليه في الذي بعده: ((النَّقيع
والشَّراب الذي لا يُسْكِر في العُرْس))، وتقدَّم قبل أبواب في إجابة الدَّعوة (٥١٧٦).
قوله: ((عن سَهْل)) في الرِّواية التي بعدها: سمعت سَهْل بن سعد.
قوله: (لمَّا عَرَّسَ)) كذا وَقَعَ بتشديد الرّاء، وقد أنكَرَه الجَوْهريّ فقال: يقال: أعرَسَ،
ولا يقال: عَرَّسَ.
قوله: ((أبو أُسَيد)) في الرِّواية الماضية (٥١٧٦): دَعا أبو أَسَيد النبيَّ وَّهِ فِي عُرْسه، وزاد
في هذه الرِّواية: ((وأصحابَه))، ولم يقع ذلك في الرِّوايتَينِ الأُخرَيَينِ.
قوله: ((فما صَنَعَ لهم طعاماً ولا قَرَّبَه إليهم إلّا امرأته أمّ أَسَيد)) بضمِّ الهمزة، وهي ممَّن
وافَقَت كُنْيتُها كُنيةَ زوجها، واسمها: سَلامة بنت وَهْب.
(١) أصل الحديث عند الحاكم ٩٧/٢ -٩٨، ولكن ليس فيه قصة ستر البيوت الذي هو موضع الشاهد من
الحديث، ولكن قد أخرج الحاكم ٢٦٩/٤ -٢٧٠ من حديث محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس
رفعه، وفيه: (ولا تستروا جُدُرَكم))، لم یذکر فیه عبد الله بن یزید.
(٢) في ((الكبرى)) (١٠٢٦٨)، وأخرجه أبو داود (٢٦٠١).
:

٤٩٦
باب ٧٨ / ح ٥١٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بَلَّت تَمَرات)) بموخَّدةٍ ثمَّ لام ثقيلة، أي: أنقَعَت كما في الرِّواية التي بعدها،
وإنَّما ضَبَطتُه لأنّي رأيته في شرح ابن التِّين: ((ثلاث)) بلفظ العَدَد وهو تصحيف، وزاد في
الرِّواية التي بعدها: ((فقالت - أو قال -)) كذا بالشكِّ لغير الكُشْمِيهنيّ، وله: ((فقالت: أو ما
تَدرونَ» بالجزم، وتقدَّم في الرّواية الماضية: ((قال سَهْل) وهي المعتمَدة، فالحديث من رواية
سَهل وليس لأمِّ أُسَيد فيه رواية، وعلى هذا فقوله: ((أتدرونَ ما أنقَعَتْ)) يكون بفتح العين
وسکون التاء في الموضعین، و على رواية الگُشْمِیھنیّ یکون بسکونِ العین وضمّ التاء.
قوله: ((في تَوْر)) بالمثنّاة: إناء يكون من نُحاسٍ وغيره، وقد بيَّن هنا أنَّه كان من حجارة.
قوله: ((أماثَتْه)) بمُثلَّثةٍ ثمَّ مُثنّاة، قال ابن التِّين: كذا وَقَعَ رُباعيّاً، وأهل اللُّغة يقولونه
ثلاثيّاً((مائَتْه)) بغير ألفٍ، أي: مَرَسَتْه بَيَدِها، يقال: مائَه يَمُوثه ويَمِيتُه، بالواو وبالياءٍ، وقال
الخليل: مِثْتُ المِلح في الماء مَيْئاً: أذَبته، وقد انماثَ هو. انتهى، وقد أثبت الهَرَويُّ اللُّغَتَيْنِ:
مائَه وأماثَه ثُلاثيّاً ورُباعيّاً.
قوله: ((تُخْفةَّ بذلكَ)) كذا للمُستَمْلِي والسَّرَخْسِّ: ((تُحفة) بوَزنِ لُقْمة، ولِلأَصِيليّ مِثله،
وعنه بوزنِ: تَخُصّه، وهو كذلكَ لابنِ السَّكَن بالخاءِ المعجمة والصّاد المهملة الثَّقيلة، وكذا
هو لمسلم (٨٧/٢٠٠٦)، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أتَحَفَته بذلكَ))، وفي رواية النَّسَفيّ:
((تُتحِفه بذلكَ)».
وفي الحديث جواز خِدمَة المرأة زوجَها ومَن يَدْعُوه، ولا يخفى أنَّ مَحَلّ ذلك عند أمن
الفتنة، ومُراعاةٍ ما يجب عليها من السَّتر، وجوازُ استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك،
وشُربُ ما لا يُسكِرِ في الوَلِيمَة.
وفيه جوازُ إيثار كبير القوم في الوَلیمة بشيءٍ دون من معه.
٧٨- باب النَّقِيع والشَّراب الذي لا يُسکِر في المُرْس
٥١٨٣- حدَّثْنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ القاريُّ، عن أبي حازمٍ، قال:
٢٥٢/٩ سمعتُ سَهْلَ بنَ/ سعدٍ: أنَّ أبا أُسَيدِ الساعِدِيَّ دَعَا النبيَّ ◌َّ لِعُرْسِه، فكانتِ امرأتُه خادِمَهم

٤٩٧
باب ٧٩ / ح ٥١٨٤
كتاب النكاح
يومَئذٍ وهي العَروسُ، فقالت - أو قال -: أتذْرُونَ ما أَنقَعَتْ لِرسولِ الله وَلَ؟ أَنْفَعَتْ له تَمَراتٍ
مِنَّ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ .
قوله: ((باب النَّقيع والشَّراب الذي لا يُسْكِر في العُرْس)» تقدَّم في الذي قبله.
وقوله ((الذي لا يُسكِر)) استَنْبَطَه من قُرب العهد بالنَّقع، لقولِه: أنقَعَتْه من اللَّيل، لأنَّه
في مثل هذه المدّة من أثناء اللَّيل إلى أثناء النَّهار لا يَتَخَمَّر، وإذا لم يَتَخَمَّر لم يُسكِر.
٧٩ - باب المدارَاة مع النِّساء، وقولِ النبيِّ وَّ: ((إِنَّما المرأةُ كالصِّلَعِ))
٥١٨٤ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزّنادِ، عن الأعرج،
عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((المرأةُ كالصِّلَع، إن أقَمْتَها كَسَرْتَها وإنِ استَمتَعْتَ بها،
استَمتَعْتَ بها وفِیھا عِوٌَ)).
قوله: ((باب المداراة)) هو بغير همزٍ، بمعنى: المجامَلة والملاينة، وأمَّا بالهمز فمعناه: المدافعة،
وليس مراداً هنا.
وقوله: ((مَعَ النِّساء، وقولِ النبيّ ◌َّ: إنَّما المرأةُ كالصِّلَع)) أورَدَه في الباب عن أبي هريرة
بلفظ: ((المرأة كالضِّلَع))، وقد أخرجه الإسماعيليّ من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ
بلفظ: ((إنَّما)) في أوَّلِهِ، وذلكَ أنَّ البخاريّ قال: حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله، وهو
الأوَيسيّ، قال: حدَّثني مالك، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة عن خالد
ابن ◌َلَد، ومن طريق إسحاق بن إبراهيم بن سُوَيد عن الأوَيسِيّ كلاهما عن مالك، وأوَّله:
(إنََّ))، وكذا أخرجه الدَّارَ قُطنيّ(١) من طريق أبي إسماعيل التِّرمِذيّ عن الأَوَيسِيّ، وأخرجه
من طريق خالد بن عَلَد(٢)، وأوَّله: ((إنَّ المرأة))، وكذا أخرجه مسلم (٥٩/١٤٦٨) من رواية
(١) لم يخرجه الدار قطني في ((السنن)) ولا في غيره من كتبه المطبوعة التي بين أيدينا، ولم يعزه إليه الحافظ ابن
حجر في («إتحاف المهرة)) ٢١٣/١٥، وإنما أخرجه من طريق أبي إسماعيل الترمذي عن الأُويسي بالإسناد
المذكور: البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٧٢٢)، وفي الآداب (٥٤)، والله أعلم.
(٢) وكذلك لم نجده في الدار قطني، وإنما أخرجه الدارمي (٢٢٢٢) عن خالد بن مخلد، عن مالك، بالإسناد
المذكور، وأوله: ((إنما المرأة)).

٤٩٨
باب ٨٠ / ح ٥١٨٥ -٥١٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
سفيان عن أبي الزِّناد بلفظ: ((إنَّ المرأةَ خُلِقَت من ضِلَع، لن تَستَقيم لكَ على طريقة)».
قوله: ((عن أبي الزناد، عن الأعرج)) في رواية سعيد بن داود عند الدَّارَ قُطنيِّ في ((الغرائب)):
عن مالك، أخبرني أبو الزِّناد، أنَّ عبد الرَّحمن بن هُرمُز - وهو الأعرَج - أخبَرَه أنَّه سمعَ أبا
هريرة، وساقَ المتن بنحوٍ لفظ سفيان، لكن قال: على خَلِيقَة واحدة، إنَّما هي كالصِّلَعِ ...
الحديث. ووَقَعَ لنا بلفظ المداراة من حديث سَمُرة رَفَعَه: ((خُلِقَت المرأة من ضِلَع، فإن
تُقِمْها تَكسِرْها، فدارِها تَعِشْ بها)» أخرجه ابن حِبّان (٤١٧٨) والحاكم (١٧٤/٤) والطبرانيّ
في «الأوسط)) (٨٤٨٩)(١).
وقوله: ((وفيها عِوَج)) بكسر العين وفتح الواو بعدها جيم للأكثر، وبالفتح لبعضِهم،
وقال أهل اللُّغة: العَوَج - بالفتح - في كلّ مُنتَصِب كالحائطِ والعود وشِبْهه، وبالكسرِ: ما
كان في بساط أو أرض أو مَعاش أو دِين. ونَقَلَ ابن قُرقُولٍ عن أهل اللُّغة: أنَّ الفتح في
الشَّخص المرئيّ، والكسر فيما ليس بمَرئيٍّ. وقال القُرطُبيّ: بالفتح في الأجسام وبالكسرِ في
المعاني، وهو نحو الذي قبله. وانفَرَدَ أبو عَمْرو الشَّيبانيّ فقال: كلاهما بالكسرِ، ومصدرهما
بالفتح.
٨٠ - باب الوَصَاةِ بالنّساء
٥١٨٥ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثْنَا حُسَينٌ الجُعْفيُّ، عن زائدةَ، عن مَيسَرةَ، عن أبي حازِمِ،
عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ يَّةِ، قال: ((مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذي جارَه .. ».
[أطرافه في: ٦٠١٨، ٦١٣٦، ٦١٣٨، ٦٤٧٥]
٥١٨٦- (( .. واستَوْصُوا بالنِّساءِ خيراً، فإنَّهُنَّ خُلِقْنَ من ضِلَع، وإنَّ أعوَجَ شيءٍ في الضِّلَعِ
أعلاه، فإن ذهبْتَ تُقِيمُه كَسَرْتَه، وإن تَرَكْتَه لم يَزَلْ أعوَجَ، فاستَوْصُوا بالنِّساءِ خيراً».
٢٥٣/٩
قوله: ((باب الوَصَاة بالنِّساءِ)) بفتح الواو والصّاد المهمَلة مقصور، وهي لغة في الوَصيّة
كما تقدَّمَ، وفي بعض الرِّوايات: ((الوصاية)).
(١) وهو له في ((الكبير)) أيضاً (٦٩٩٢)، وانظره في ((المسند)) (٢٠٠٩٣).

٤٩٩
باب ٨٠ / ح ٥١٨٦
كتاب النكاح
قوله: ((عن مَيسَرة)) هو ابن عَّر الأشجَعيّ، وقد تقدَّم ذِكْره في بَدْء الخلق(١) (٣٣٣١)،
وأبو حازِم: هو الأشجَعيّ سَلْمان مولى عَزّة، بمُهمَلةٍ مفتوحة ثمَّ زاي ثقيلة.
قوله: ((مَن كان يُؤْمِن بالله واليوم الآخِرِ فلا يُؤْذي جاره، واستَوْصوا بالنِّساءِ خيراً))
الحديث، هما حديثان يأتي شرح الأوَّل منهما في كتاب الأدب (٦٠١٨)، وقد أخرجه مسلم
(٦٠/١٤٦٨) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن حُسَين بن عليّ الجُعْفيِّ شيخ شيخ البخاريّ
فيه، فلم يَذْكُر الحديث الأوَّل، وذكر بَدَله: «مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخِرِ، فإذا شَهِدَ
أمراً(٢) فليتكلّم بخيرٍ أو ليَسكُت)).
والذي يظهر أنَّها أحاديث كانت عند حُسَين الجُعْفيِّ عن زائدة بهذا الإسناد، فرُبَّمَا جَمَعَ
ورُبَّما أفرَدَ، ورُبَّما استَوعَبَ ورُبَّما اقتَصَرَ، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(١) من وجه آخر عن
حُسَين بن عليّ مُقْتَصِراً على الثّاني (٣٣٣١)، وكذا أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٠٩٥) عن القاسم
ابن زكريّا عن حُسَين بن عليّ، وأخرجه الإسماعيليّ عن أبي (٣) يَعْلى عن إسحاق بن أبي
إسرائيل عن حُسَين بن عليّ بالأحاديثِ الثلاثة، وزاد: ((ومَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخِر
فليُحسِن قِرَى ضَيْفِه)) الحدیث.
قوله: ((فإنَّهُنَّ خُلِقْنَ من ضِلَعِ)) بكسرِ الضّاد المعجَمة، وفتح اللّام وقد تُسكّن، وكأنَّ فيه
إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق في ((المبتَدَأ)) عن ابن عبّاس: إنَّ حَوّاء خُلِقَت من ضِلَع آدم
الأقصَر الأيسَر وهو نائم، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم(٤) وغيره من حديث مجاهد، وأغرَبَ
النَّوَويّ فعَزاه للفقهاءِ أو بعضهم، فكأن المعنى: أنَّ النِّساء خُلِقِنَ من أصلِ خُلِقَ من شيء مُعوَجٌ،
وهذا لا يُخالف الحديث الماضي من تشبيه المرأة بالضِّلَعِ، بل يُستَفاد من هذا نُكْتَة التَّشبيه، وأنَّها
عَوْجاء مِثله لكَونِ أصلها منه، وقد تقدَّم شيء من ذلك في كتاب بَدْء الخلق(٥).
(١) بل في أحاديث الأنبياء.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: امرؤ.
(٣) تحرَّفت في (س) إلى: ابن.
(٤) تحرَّفت في (س) إلى: حازم.
(٥) بل في أحاديث الأنبياء، كما أشرنا إلى ذلك قريباً.

٥٠٠
باب ٨٠ / ح ٥١٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وإنَّ أعوَجَ شيءٍ في الصِّلَع أعلاه)) ذكر ذلك تأكيداً لمعنى الكسر، لأنَّ الإقامة
أمْرُها أظهَر في الجهة العُليا، أو إشارة إلى أنَّها خُلِقَت من أعوَج أجزاء الصِّلع؛ مُبالَغة في
إثبات هذه الصِّفة لهنَّ، ويحتمل أن يكون ضَرَبَ ذلك مثلاً لأعلى المرأة، لأنَّ أعلاها
رأسُها، وفيه لسانها وهو الذي يَحصُل منه الأذَى، واستعملَ ((أعوَج)) وإن كان من العُيوب
لأَنَّه أفعَل الصفة(١)، أو أنَّه شاذّ، وإنَّما يَمتَنِع عند الالتباس بالصِّفة، فإذا تَميَّزَ عنها بالقَرِينة
جازَ البناء.
قوله: ((فإن ذهبْتَ تُقيمُه كَسَرْتَه)) الضَّمير للضِّلع لا لأعلى الضِّلع، وفي الرِّواية التي
قبله: ((إن أقَمتَها كَسَرتَها)) والضَّمير أيضاً للضِّلع وهو يُذكَّر ويُؤنَّث، ويُحتمل أن يكون
للمرأة، ويُؤيِّده قوله بعده: ((وإن استَمتَعتَ بها))، ويحتمل أن يكون المراد بكسره الطَّلاق،
وقد وَقَعَ ذلك صريحاً في رواية سفيان عن أبي الزناد عند مسلم (٥٩/١٤٦٨) بلفظ: ((وإن
ذهبتَ تُقيمُها کَسَرتها وکسرُها طَلَاقُها».
قوله: ((وإن تَرَكْته، لم يزل أعوَج)) أي: وإن لم تُقِمه.
وقوله: ((فاستَوصُوا)) أي: أوصيكم بهنَّ خيراً فاقبلوا وصيَّتَي فيهنَّ واعملوا بها، قاله
٢٥٤/٩ البَيْضاويّ. والحامل على هذا التَّقدير: أنَّ الاستيصاء استفعال، وظاهره طلب / الوَصيَّة
وليس هو المراد، وقد تقدَّم له توجيهات أُخَر في بَذْء الخلق(١).
قوله: ((بالنِّساءِ خيراً) كأن فيه رمزاً إلى التَّقويم بِرِفق، بحيثُ لا يُبالغ فيه فيُكسَر ولا
يَتْرُكُه فيَستَمِرّ على عِوَجه، وإلى هذا أشارَ المصنّف بإتْباعه بالتَّرجمة التي بعده («باب قُوا
أنفُسَكم وأهليكم ناراً) فيُؤْخَذ منه أن لا يَترُكها على الاعوِجاج إذا تَعَدَّت ما طُبعَت عليه
من النَّقص إلى تعاطي المعصية بمُباشَرَتِها أو تَركِ الواجب، وإنَّما المراد أن يَترُكها على
اعوجاجها في الأُمور المباحة.
وفي الحديث النَّدْبُ إلى المداراة لاستمالة النُّفُوس وتألُّف القلوب.
(١) في (أ) و(س): للصفة، والمثبت من (ع).