النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ باب ٦٨ / ح ٥١٦٧ كتاب النكاح رواية مَعمَر عن ثابت عند أحمد (١٢٦٨٥): وعليه وضَرٌ من خَلُوق، وأوَّل حديث مالك: أنَّ عبد الرَّحمن بن عَوْف جاء إلى النبيّ وٍَّ وعليه أثر صُفْرة، ونحوه في رواية عبد الَّحمن نفسه، وفي رواية عبد العزيز بن صُهَيب: فرأى النبيّ ◌َّ عليه بَشَاشة العروس، والوَضَر بفتح الواو والضّاد المعجَمة وآخره راء: هو في الأصل الأثر، والرَّدْع بمُهمَلاتٍ - مفتوح الأوَّل ساكن الثّاني ـ: هو أثر الزَّعفَران، والمراد بالصُّفرة صُفْرة الخَلوق، والخَلوق: طِيب يُصنَع من زَعفَران وغيره. قوله في أوَّل الرِّواية الأولى: ((سألَ / النبيُّ ◌َّهِ عبد الرّحمن بن عَوْف وتزوَّجَ امرأة من ٢٣٤/٩ الأنصار)) هذه الجملة حاليّة، أي: سألَه حين تزوَّجَ، وهذه المرأة جَزَمَ الزُّبَير بن بَكّارٍ في ((كتاب النَّسَب)) أنَّها بنت أبي الخَيسَر أنس بن رافع بن امرِئِ القَيْس بن زيد بن عبد الأشْهَل، وفي ترجمة عبد الرّحمن بن عَوْف من ((طبقات ابن سعد)): أنَّها بنت أبي الخشخاش(١) وساقَ نَسَبَه، وأظنّهما ثِنْتَينِ، فإنَّ في رواية الزُّبَير قال: وَلَدَت لعبد الرَّحمن: القاسم وعبد الله، وفي رواية ابن سعد: وَلَدَت له إسماعيل وعبد الله، وذكر ابن القَدّاح في ((نَسَب الأوس)): أنَّها أمّ إياس بنت أبي الخَيسَر بفتح المهمَلتَينِ بينهما تحتانيَّة ساكنة، وآخره راء، واسمه: أنس بن رافع الأوسيّ، وفي رواية مالك: فسألَه فأخبَرَه أنَّه تزوَّجَ امرأة من الأنصار، وفي رواية زُهَير وابن عُليَّة وابن سعد وغيرهم: فقال له النبيّ ◌َّ: ((مَهِيَمْ؟)) ومعناه: ما شأنك؟ أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهام مَبنيّة على السُّكون، وهل هي بسيطة أو مُركَّبة؟ قولان لأهل اللُّغة، وقال ابن مالك: هي اسم فِعْل بمعنى: أَخِرْ. ووَقَعَ في رواية للطََّرانيِّ في ((الأوسط)) (٧١٨٨): فقال له: ((مَهِيَم؟)) وكانت كَلمَته إذا أراد أن يسأل عن الشّيء، ووَقَعَ في رواية ابن السَّكَن: ((مَهْيَن)) بنونٍ آخره بَدَل الميم، والأوَّل هو المعروف. ووَقَعَ في رواية حَمَّاد بن زيد عن ثابت عند المصنِّف، وكذا في رواية عبد العزيز بن (١) كذا في (أ): بنت أبي الخشخاش، وتحرَّفت في (س) إلى: الحشاش، ووقع في (ع): بنت الحسحاس، ولم نقف عليها في المطبوع من ((طبقات ابن سعد)) ولا غيرها، والله أعلم. ٤٦٢ باب ٦٨ / ح ٥١٦٧ فتح الباري بشرح البخاري صُهَيب عند أبي عَوَانة (٤١٥٠): قال: ((ما هذا؟)) وقال في جوابه: تزوَّجتُ امرأة من الأنصار، ولِلطَّبَرانيِّ في «الأوسط)) (٥٧٧٦) من حديث أبي هريرة بسندٍ فيه ضعف: أنَّ عبد الرّحمن بن عَوْف أتى رسول الله وَ له وقد خَضبَ بالصُّفرة، فقال: «ما هذا الخضاب، أعرَّست؟)) قال: نعم ... الحديث. قوله: ((كم أصدَقْتها؟)) كذا في رواية حَمَّد بن سَلَمةَ ومَعمَر عن ثابت، وفي رواية الطبرانيّ: ((على كَم؟))، وفي رواية الثَّوْريّ وزُهَير: ((ما سُقتَ إليها؟)) وكذا في رواية عبد الرّحمن نفسه، وفي رواية مالك: ((كم سُقتَ إليها؟)). قوله: ((وزْن نَواةٍ)) بنصب النُّون على تقدير فِعل، أي: أصدَقتُها، ويجوز الرَّفع على تقدير مُبْتَدَأ، أي: الذي أصدَقتُها هو. قوله: ((من ذهبٍ)) كذا وَقَعَ الجزم به في رواية ابن عُبَينَةَ والثَّوْريِّ، وكذا في رواية حمّاد ابن سَلَمَةَ عن ثابت ومُميدٍ، وفي رواية زُهَير وابن عُليَّة: نَواةً من ذهب، أو وزن نَواة من ذهب، وكذا في حديثٍ عبد الرَّحمن نفسه بالشكِّ، وفي رواية شُعْبة عن عبد العزيز بن صُهَيب: على وزن نَواة، وعن قَتَادة: على وزن نَوَاة من ذهب، ومثل الأخير في رواية حمَّاد ابن زيد عن ثابت، وكذا أخرجه مسلم (١٤٢٧ / ٨٠) من طريق أبي عَوَانة عن قَتَادة، ولمسلمٍ (٨٣/١٤٢٧) من رواية شُعْبة عن أبي حمزة عن أنس: على وزن نَواة، قال: فقال رجل من ولد عبد الرَّحمن: من ذهب. ورَجَّحَ الدَّاووديُّ رواية مَن قال: على نَواة من ذهب، واستَنكَرَ رواية مَن روى: وزن نَواة، واستنكاره هو المنكر، لأنَّ الذينَ جَزَموا بذلكَ أئمَّة حُفّاظ، قال عياض: لا وهمَ في الرِّواية، لأنَّها إن كانت نَواة تَمر أو غيره، أو كان للنَّواة وزنٌ(١) معلوم صَلُحَ أن يقال في كلّ ذلك: وزن نَواة. واختُلِفَ في المراد بقولِه: ((نَوَاة)) فقيلَ: المراد: واحدة نَوَى الَّمر، كما يُوزَن بَنَوَى الْخَرّوب، وأنَّ القيمة عنها يومئذٍ كانت خمسة دراهم، وقيل: كان قَدرُها يومئذٍ رُبعَ دینار، (١) في (أ) و(س): قدر، بدل وزن، والمثبت من (ع). ٤٦٣ باب ٦٨ / ح ٥١٦٧ كتاب النكاح ورُدَّ بأنَّ نَوَى التَّمر يختلف في الوزن، فكيف يُجُعَل مِعْياراً لمَا يوزَن به؟ وقيل: لفظ النَّواة من ذهب عِبارة عَّا قيمته خمسة دراهم من الوَرِق، وجَزَمَ به الخطَّابيُّ واختارَه الأزهَريّ ونَقَلَه عياض عن أكثر العلماء، ويُؤْيِّده أنَّ في روايةٍ للبيهقيّ (٢٣٧/٧) من طريق سعيد بن بشير(١) عن قَتَادة: ((وزن نَواة من ذهب قوِّمَت خمسة دراهم)) وقيل: وزنها من الذَّهَب خمسة دراهم، حكاه ابن قُتَيبة، وجَزَمَ به ابن فارس، وجعله البَيْضاويّ الظاهر، واستُبعِدَ لأَنَّه يَسْتَلِزِم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفاً. ووَقَعَ في رواية حَجّاج بن أرطاةَ عن قَتَادة عند البيهقيِّ (٧/ ٢٣٧): ((قوِّمَت ثلاثة دراهم وتُّلُثا)) وإسناده ضعيف،/ ولكن جَزَمَ به أحمد، ٢٣٥/٩ وقيل: ثلاثة ونصف، وقيل: ثلاثة ورُبع، وعن بعض المالكيَّة: النَّواة عند أهل المدينة رُبع دينار، ويُؤيِّد هذا ما وَقَعَ عند الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٧١٨٨) في آخر حديثٍ قال أنس: حَزَرْناها (٢) ربع دينار، وقد قال الشافعيّ: النَّواة رُبع النَّشّر، والنَّشّ: نصف أوقيَّة، والأوقيَّة: أربعونَ دِرْهماً، فتكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد: إنَّ عبد الرّحمن بن عَوْف دَفَعَ خمسة دَراهم، وهي تُسمَّى نَواة كما تُسمَّى الأربعونَ أوقيَّة، وبه جَزَمَ أبو عَوَانة وآخرونَ. قوله في آخر الرّواية الثّانية: ((فقال النبيّ ◌َِّ: أَوْلِم ولو بشاةٍ) ليست (لَو)) هذه الامتِناعيَّة، وإنَّما هي التي للتَّقليلِ، وزاد في رواية حَمَّد بن زيد ((فقال: بارَكَ الله لك)) قبل قوله: ((أولِم))، وكذا في رواية حَمَّد بن سَلَمَةَ عن ثابت وحُميدٍ، وزاد في آخر الحديث: قال عبد الرّحمن: فلقد رأيتُني ولو رَفَعتُ حجراً لَرَجَوت أن أُصيب ذهباً أو فِضّة، فكأنَّه قال ذلك إشارة إلى إجابة الدَّعوة النبويَّة بأن يُبارِك الله له. ووَقَعَ في حديث أبي هريرة بعد قوله: ((أعرَّست؟ قال: نعم)): ((قال: أولَت؟ قال: لا، فَرَمَى إليه رسول الله ◌َّ بِنَواةٍ من ذهب، فقال: أولِم ولو بشاةٍ)) وهذا لو صَحَّ كان فيه أنَّ الشّاة من إعانة النبيّ وَّهِ، وكان يُعكِّر على مَن استَدَلَّ به على أنَّ الشّاة أقلّ ما يُشرَع للموسِرِ، ولكنَّ الإسناد ضعيف كما تقدَّمَ. (١) كذا في الأصلين و(س): بشر، والصواب: سعيد بن بشير، وهو أبو عبد الرحمن الأزدي صاحب أبي قتادة. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: جاء وزنها. ٤٦٤ باب ٦٨ / ح ٥١٦٧ فتح الباري بشرح البخاري وفي رواية مَعمَر عن ثابت: قال أنس: فلقد رأيته قُسِمَ لكلِّ امرأة من نسائه بعد موته مئة ألف. قلت: ماتَ عن أربع نِسوة، فيكون جميع تَرِكَته ثلاثة آلاف ألف ومَتَتي ألف، وهذا بالنِّسبة لتَرِكة الزُّبَير التي تقدَّم شرحها في فرض الخُمُس قليل جدّاً، فيحتمل أن تكون هذه دنانير وتلك دراهم، لأنَّ كَثْرة مال عبد الرَّحمن مشهورة جدّاً. واستُدِلَّ به على توكيد أمر الوليمة، وقد تقدَّم البحث فيه. وعلى أنَّها تكون بعد الدُّخول، ولا دلالة فيه، وإنَّما فيه أنَّها تُستَدرَك إذا فاتَت بعد الدُّخول، وعلى أنَّ الشّاة أقلّ ما تُجزِئ عن الموسِر. ولولا ثُبُوت أنَّه ◌ِو ◌َ أَوْلَمَ على بعض نسائه - كما سيأتي - بأقلّ من الشّاة لكان يُمكِن أن يُسْتَدَلّ به على أنَّ الشّاة أقلّ ما تُجزِئ في الوليمة، ومع ذلك فلابُدَّ من تقييده بالقادِرِ عليها. وأيضاً فيُعكِّر على الاستدلال أنَّه خِطابُ واحد، وفيه اختلاف هل يَستَلِزِمِ العُمُوم أو لا؟ وقد أشارَ إلى ذلك الشافعيّ فيما نَقَلَه البيهقيُّ عنه قال: لا أعلمه أمرَ بذلكَ غيرَ عبد الرّحمن، ولا أعلم أنَّه هو مََّ تَرَك الوَلِيمَة، فجَعَلَ ذلك مُستَنَداً في كون الوليمة ليست بحَثْمٍ. ويُستَفاد من السّياق طلب تكثير الوليمة لمن يَقدِر، قال عياض: وأجمعوا على أن لا حَدّ لأكثرها، وأمَّا أقلّها فكذلكَ، ومهما تيسّر أجزأ، والمستَحَبّ أنَّها على قَدْر حال الزَّوج، وقد تيسّر على الموسِر الشّاة فما فوقها، وسيأتي البحث في تكرارها في الأيام بعد قليل. وفي الحديث أيضاً مَنقَبة لسعدِ بن الرَّبيع في إيثاره على نفسه بما ذُكِرٍ، ولعبد الرَّحمن بن عَوْف في تَنزّهه عن شيء يَستَلِزِم الحياءُ والمروءةُ اجتِنابَه ولو كان محتاجاً إليه. وفيه اسْتِحباب المؤاخاة وحُسنُ الإيثار من الغني للفقير حتَّى بإحدَى زوجتَه، واستحبابُ رَدّ مِثل ذلك على مَن أَثَرَ به، لمَا يَغْلِب في العادة من تَكلُّف مثل ذلك، فلو تَحقَّقَ أنَّه لم یتکلَّف جازَ. وفيه أنَّ مَن تَرَكَ ذلك بقصدٍ صحيحٍ عَوَّضَه الله خيراً منه. ٤٦٥ باب ٦٨ / ح ٥١٦٧ كتاب النكاح وفيه استحباب التَّكَسُّب، وأن لا نقصَ على مَن يَتَعاطَى من ذلك ما يَلِيق بمُروءة مِثله، وكراهةُ قَبُول ما يُتَوقَّع منه الذُّلّ من مِنَّةٍ(١) وغيرها، وأنَّ العَيش من عَمَل المرء بتجارةٍ أو حِرْفة أولى لنَزاهة الأخلاق من العَيْش بالهِبَة ونحوها. وفيه استحباب الدُّعاء للمُتزوِّج، وسؤالُ الإمام والكبير أصحابَه وأتباعه عن أحوالهم، ولا سيّما إذا رأى منهم ما لم يُعهَد، وجوازُ خروج العَرُوس وعليه أثر العُرْس من خَلُوق وغيره. واستُدِلَّ به على جواز التَّزعفُر للعروسِ، وخُصَّ به عُمُومِ النَّهي عن التَّزعفُر للرِّجال، كما سيأتي بيانه في كتاب اللِّباس (٥٨٤٦)، وتُعقّبَ باحتمال أن تكون تلك الصُّفرة كانت/ ٢٣٦/٩ في ثيابه دون جَسدِه، وهذا الجواب للمالكيَّة على طريقتهم في جوازه في الثَّوب دون البَدَن، وقد نَقَلَ ذلك مالك عن عُلَماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى رَفَعَه: ((لا يَقبَل الله صلاة رجل في جَسدَه شيء من خَلُوق)) أخرجه أبو داودَ (٤١٧٨)، فإنَّ مفهومه أنَّ ما عدا الجسد لا يَتَنَاوَله الوعيد، ومَنَعَ من ذلك أبو حنيفة والشافعيّ ومَن تَبعَهما في الثَّوب أيضاً، وتَمَسَّكوا بالأحاديثِ الواردة في ذلك وهي صحيحة، وفيها ما هو صريح في المدَّعَی کما سيأتي بيانه. وعلى هذا فأُجيب عن قصَّة عبد الرَّحمن بأجوبة: أحدها: أنَّ ذلك كان قبل النَّهي، وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويُؤيِّده أنَّ سياق قصَّة عبد الرَّحمن يُشعِرِ بأنَّها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر مَن روى النَّهي مَمَّن تأخّرَت هِجرَته. ثانيها: أنَّ أثر الصُّفرة التي كانت على عبد الرَّحمن تَعلَّقَت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، ورَجَّحَه النَّوَويّ وعزاه للمُحَقِّقينَ، وجعله البَيْضاويّ أصلاً رَدَّ إليه أحد الاحتمالَينِ، أبداهما في قوله: ((مَهيَم؟» فقال: معناه ما السَّبَب في الذي أراه عليك؟ فلذلكَ أجابَ بأنَّه تزوَّجَ، قال: ويحتمل أن يكون اسْتفهامَ إنكار لما تقدَّم من النَّهي عن التَّضَمُّحِ بالخَلوقِ، فأجابَ بقولِه: تزوَّجت، أي: فَتَعلَّقَ بي منها ولم أقصِد إليه. (١) في (أ): مانِّهِ، والمثبت من (ع)، وتحرَّفت في (س) إلى: هبة. ٤٦٦ باب ٦٨ / ح ٥١٦٧ فتح الباري بشرح البخاري ثالثها: أنَّه كان قد احتاجَ إلى التطَيِّب للدُّخولِ على أهله، فلم يَجِد مَن طيب الرِّجال حينئذٍ شيئاً، فتَطَيَّبَ من طيب المرأة، وصادَفَ أَنَّه كانت فيه صُفْرة فاستباحَ القليل منه عند عَدَم غيره؛ جمعاً بين الدَّليلَينِ، وقد وَرَدَ الأمر في التطَيُّب للجُمعة ولو من طيب المرأة(١) فبقي أثر ذلك عليه. رابعها: كان يسيراً، ولم يَبقَ إلّا أثره، فلذلكَ لم ◌ُنكِرِ. خامسها - وبه جَزَمَ الباجيّ :- أنَّ الذي يُكرَه من ذلك ما كان من زَعفَران وغيره من أنواع الطّیب، وأمّا ما کان ليس بطیبٍ فهو جائز. سادسها: أنَّ النَّهي عن التَّزعفُر للرّجال ليس على التَّحريم، بدلالة تقريره لعبد الرّحمن ابن عَوْف في هذا الحدیث. سابعها: أنَّ العروس يُستَثَنَى من ذلك، ولا سيّما إذا كان شاباً، ذكر ذلك أبو عُبيد، قال: وكانوا يُرَخِّصونَ للشّابِّ في ذلك أيام عُرسِه، قال: وقيل: كان في أوَّل الإسلام مَن تزوَّجَ لبس ثوباً مَصْبوغاً؛ علامةً لزَواجِه، ليُعانَ على وليمة عُرْسه، قال: وهذا غير معروف. قلت: وفي استفهام النبيّ ◌َّ له عن ذلك دلالة على أنَّه لا يَخْتَصّ بالتَّزويجِ، لكن وَقَعَ في بعض طرقه عند أبي عَوَانة (٤١٥١) من طريق شُعْبة عن حُميدٍ بلفظ: فأتيتُ النبيّ ◌َِله فرأى عليَّ بَشاشة العَرُوس(٢)، فقال: ((أتْزَوَّجت؟)) قلت: تزوَّجتُ امرأة من الأنصار، فقد يُتَمسَّك بهذا السّياق للمُدَّعَى، ولكنَّ القصَّة واحدة، وفي أكثر الرِّوايات أنَّه قال له: (مَهَيَم؟)) أو ((ما هذا؟)) فهو المعتمد، وبَشاشَةُ العَرُوس(٢): أثرُه وحُسْنه أو فرحُه وسرورُه، يقال: بَشَ فلان بفلانٍ، أي: أقبَلَ عليه فرِحاً به متلطّفاً(٣) به. واستُدِلَّ به على أنَّ النِّكاح لا بدَّ فيه من صداق، لاستفهامه على الكَميَّة، ولم يَقُل: هل أصدَقها أو لا؟ ويُشعِر ظاهره بأنَّه يحتاج إلى تقدير لإطلاق لفظ ((كم)) الموضوعة للتَّقديرِ، (١) أخرجه مسلم (٨٤٦)، وسلف عند المصنف الأمر بالتطيب يوم الجمعة برقم (٨٨٠). (٢) في (أ) و(س): العرس، والمثبت من (ع). (٣) في (س): مُلطِفاً، والمثبت من (ع). ٤٦٧ باب ٦٨ / ح ٥١٦٧ كتاب النكاح كذا قال بعض المالكيَّة، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون المراد الاستخبار عن الكَثْرة أو القِلّة، فيُخبره بعد ذلك بما يَلِيق بحالٍ مِثله، فلمَّا قال له القَدْر لم يَستَنكِرِه عليه بل أقَرَّه. واستُدِلَّ به على استحباب تَقليل الصَّداق، لأنَّ عبد الرّحمن بن عَوْف كان من مَیاسِیر الصَّحابة، وقد أَقَرَّه النبيّ وَّه على إصداقه وزن نَواة من ذهبٍ، وتُعقّبَ بأنَّ ذلك كان في أوَّل الأمر حين قَدِمَ المدينة، وإنَّما حَصَلَ له اليَسار بعد ذلك من مُلازمة التِّجارة حتَّى ظَهَرَ منه من الإعانة في بعض الغَزَوات ما اشْتَهَرَ، وذلكَ بَبَرَكة دعاء النبيّ وَّل له، كما تقدَّمَ. واستُدِلَّ به على جواز المواعَدَة لمن يريد أن يَتزوَّج بها إذا طَلَّقَها زوجها وأوفَتِ العِدّة، لقولٍ سعد بن الرَّبيع: انظُر أيّ زوجتَيّ أعجَبُ إليك حتَّى أُطَلِّقها، فإذا انقَضَت عِدَّتها تزوَّجتَها، ووَقَعَ تقرير ذلك، ويُعكِّر على هذا أنَّه لم يُنقَل أنَّ المرأة علمت بذلكَ، ولا سيّما ولم يقع تعيينها، لكنَّ الاطّلاع على أحوالهم إذ ذاكَ يقتضي أنَّهما علمَتا معاً، لأنَّ ذلك كان قبل نزول آية الحجاب فكانوا/ يَجْتَمِعونَ، ولولا وُثُوق سعد بن الرَّبيع من كلّ منهما بالرِّضا ٢٣٧/٩ ما جَزَمَ بذلكَ. وقال ابن المنيِّر: لا يَستَلِزِم المواعَدَة بين الرجلينِ وقوعَ المواعَدَة بين الأجنبيّ والمرأة، لأنَّها إذا مُنِعَ وهي في العِدّة من خِطبَتها تصريحاً، ففي هذا يكون بطريق الأولى، لأنَّهَا إذا طُلِّقتْ دَخَلت العِدّة قطعاً، قال: ولكنَّها وإن اطَّلَعَت على ذلك فهي بعد انقضاء عِدَّتها بالخيار، والنَّهي إِنَّا وَقَعَ عن المواعَدَة بين الأجنبيّ والمرأة أو وليّها، لا معَ أجنبيّ آخر. وفيه جواز نَظَر الرجل إلى المرأة قبل أن يَتزوَّجها. تنبيه: حَقُّه أن يُذكَر في مكانه من كتاب الأدب، لكني تَعَجَّته هنا لتَكميلِ فوائد الحديث: وذلكَ أنَّ البخاريّ تَرجَمَ في كتاب الأدب ((باب الإخاء والحِلْف» (٦٠٨٢) ثمَّ ساقَ حديث الباب من طريق يحيى بن سعيد القَطّان عن حُميدٍ واختَصَرَه، فاقتَصَرَ منه على قوله: عن أنس قال: لمَّا قَدِمَ علينا عبد الرَّحمن بن عَوْف فآخَی النبيُّ ێّ بينه وبين سعد ابن الرَّبيع، فقال له النبيّ وَّةَ: ((أوْلِم ولو بشاةٍ)) فرأى ذلك المحِبّ الطَّبَرُّ فظنَّ أنَّه حديث ٤٦٨ باب ٦٨ / ح ٥١٦٨ - ٥١٧٠ فتح الباري بشرح البخاري مُستَقِلّ، فَتَرجَمَ في أبواب الوليمة: ذِكْر الوليمة للإخاءِ، ثمَّ ساقَ هذا الحديث بهذا اللَّفظ، وقال: أخرجه البخاريّ. وكون هذا طَرَفاً من حديث الباب لا يخفى على مَن له أدنَى تُمارَسة بهذا الفَنّ، والبخاريّ يصنع ذلك كثيراً، والأمر لعبد الرَّحمن بن عَوْف بالوليمة إنَّما كان لأجلِ الَّواج لا لأجلِ الإخاء، وقد تَعرَّضَ المحِبّ لشيءٍ من ذلك لكنَّه أبداه احتمالاً، ولا يُحتمل جَرَيان هذا الاحتمال مَمَّن يكون مُحدِّثاً، فالله أعلم بالصَّواب. ٥١٦٨- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمّدٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: ما أوْلَمَ النبيُّ ◌َالـ على شيءٍ من نسائه ما أوْلَمَ على زَينبَ، أوْلَمَ بشاةٍ. ٥١٦٩- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبد الوارثِ، عن شُعَيبٍ، عن أنسِ: أنَّ رسولَ الله وَلَ أَعتَقَ صَفِيَّةَ وتزوَّجَها، وجَعَلَ عِثْقَهَا صَداقَها، وأوْلَمَ عليها بِحَيْسٍ. ٥١٧٠- حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا زُهَيرٌ، عن بيانٍ، قال: سَمِعتُ أنساً يقول: بَنَى النبيُّ ◌َّ بامرأةٍ، فأرسَلَنِي فَدَعَوْتُ رجالاً إلى الطَّعام. الحديث الثالث: حديث: ((ما أوْلَمَ النبيّ وَّرِ على شيء من نسائه ما أَوْلَمَ على زينب)) هي بنت جَحْش كما في الباب الذي بعده، وحمّاد المذكور في إسناده: هو ابن زيد، وهذا الذي ذكره بحَسَب الاتِّفاق لا التَّحديد، كما سأُبيِّنُه في الباب الذي بعد، وقد يُؤْخَذ من عِبارة صاحب ((التَّنبيه)) من الشافعيَّةِ: أنَّ الشّاة حَدّ لأكثر الوليمة، لأنَّه قال: وأكمَلُها شاة، لكن نَقَلَ عياض الإجماع على أنَّه لا حَدّ لأكثرها، وقال ابن أبي عَصْرون: أقلّها للموسِرِ شاة، وهذا موافق لحديثٍ عبد الرَّحمن بن عَوْف الماضي، وقد تقدَّم ما فيه. الحديث الرابع: قوله: ((حدّثنا عبد الوارث)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((عن عبد الوارث))، وشُعَيب: هو ابن الحَبحاب، وقد تقدَّم شرح الحديث في ((باب مَن جَعَلَ عِتَقَ الأمَة صَدَاقها)) (٥٠٨٦). وقوله في آخره: ((وأولَمَ عليها بحَيْسٍ)) تقدَّم في ((باب اتّخاذ السَّراريّ)) (٥٠٨٥) من طريق حُميدٍ عن أنس: أنَّه أمَرَ بالأنطاع، فأُلقيَ فيها من التَّمر والأقِط والسَّمْن، فكانت وليمَتَه. ٤٦٩ باب ٦٩ / ح ٥١٧١ كتاب النكاح ولا مُخالَفة بينهما، لأنَّ هذه من أجزاء الخميس، قال أهل اللُّغة: الخَيس: يُؤْخَذ الثَّمر فَيُنْزَع نَواه ويُحْلَط بالأقِطِ أو الدَّقيق أو السَّويق. انتهى، ولو جُعِلَ فيه السَّمن، لم يَخْرُج عن كونه حَيْساً. الحديث الخامس: قوله: ((زُهَير)) هو ابن معاوية الجُعْفيّ. قوله: ((عن بيان)) هو ابن بِشْر الأحَمَسَيّ، ووَقَعَ في رواية ابن خُزَيمةَ(١) عن موسى بن عبد الرَّحمن المسروقيّ عن مالك بن إسماعيل - شيخ البخاريّ فيه - عن زُهَير: ((حدَّثنا بیان)». قوله: ((بامرأةٍ) يَغْلِب على الظَّنّ أنَّها زينب بنت جَحْش، لما تقدَّم قريباً (٥١٦٣) في رواية أبي عثمان عن أنس: أنَّ النبيّ ◌َّ بَعَثَه يَدعُو رجالاً إلى الطَّعام، ثمَّ تَبيَّن ذلك واضحاً من رواية التِّرمِذيّ (٣٢١٩) لهذا الحديث تامّاً من طريق أُخرى عن بيان بن بشر، فزاد بعد قوله: ((إلى الطَّعام)) فلمَّا أكَلوا وخَرَجوا قامَ رسول الله وَّه فرأى رجلينِ جالسَينٍ، فذكر قصَّة نزول: ﴿يَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُوتَ النَّبِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، وهذا في قصَّة زينب بنت جَحْش لا محالة، كما تقدَّم سياقه مُطوَّلاً وشرحُه في تفسير الأحزاب (٤٧٩١). ٦٩ - باب من أولم على بعض نسائه أکثر من بعضٍ ٥١٧١- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، قال: ذُكِرَ تَزوِیجُ زینبَ ابنة جَحْشٍ عندَ أنسٍ، فقال: / ما رأيتُ النبيَّ وَ ◌ّ أَوْلَمَ على أحدٍ من نسائه ما أوْلَمَ عليها، أوْلَمَ بشاةٍ. ٢٣٨/٩ قوله: ((باب مَن أَوْلَمَ على بعض نسائه أكثر من بعض)) ذكر فيه حديث أنس في زينب بنت جَحْش: أولَمَ عليها بشاةٍ، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ لمَا يقتضيه سياقه، وأشارَ ابن بَطّال إلى أنَّ ذلك لم يقع قصداً لتفضيلِ بعض النِّساء على بعض، بل باعتبار ما اتَّفَقَ، وأَنَّه لو وَجَدَ الشّاة في كلِّ منهنَّ لَأولَمَ بها، لأنَّه كان أجوَدَ الناس، ولكن كان لا يُبالِغ فيما يَتَعلَّق بأُمورِ الدُّنيا (١) المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة)) لا يحتوي على كتاب النكاح، ومع ذلك فلم ينسبه الحافظ ابن حجر في («إتحاف المهرة)) ١/ ٤٣٨ إلى ابن خزيمة، والله أعلم. ٤٧٠ باب ٧٠ / ح ٥١٧٢ فتح الباري بشرح البخاري في التَّأَتُّق، وجَوَّزَ غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز، وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّ السَّبَب في تفضيل زينب في الوليمة على غيرها، أنَّه كان للشُّكرِ لله على ما أنعَمَ به عليه من تزويجه إيّاها بالوحي. قلت: ونفيُ أنس أن يكون لم يولم على غير زينب بأكثر ممَّا أولَمَ عليها محمولٌ على ما انتهى إليه عِلْمِه، أو لمَا وَقَعَ من البَرَكة في وليمَتها، حيثُ أشبَعَ المسلمينَ خُبزاً ولحماً من الشّاة الواحدة، وإلّا فالذي يظهر أنَّه لمَّا أولَمَ على ميمونة بنت الحارث لمَّ تزوَّجَها في عمرة القضيّة بمكَّة وطلبَ من أهل مكَّة أن يَحِضُروا وليمَتها فامتَنَعوا، أن يكون ما أولَمَ به عليها أكثر من شاة، لوجودِ التَّوسِعة عليه في تلك الحالة، لأنَّ ذلك كان بعد فتح خَيْبر، وقد وسَّعَ الله على المسلمينَ مُنذُ فتحِها عليهم. وقال ابن المنيِّر: يُؤْخَذ من تفضيل بعض النِّساء على بعض في الوليمة جوازُ تخصيص بعضهنَّ دون بعض بالإتحاف والإلطاف والهدايا. قلت: وقد تقدَّم البحث في ذلك في كتاب الهِبة (٢٥٨٠). ٧٠- باب من أولم بأقلّ من شاةٍ ٥١٧٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورِ ابنِ صَفِيَّةَ، عن أمِّه صَفِيَّةً بنت شَيْبةَ، قالت: أوْلَمَ النبيُّ ◌َ﴿ على بعضِ نسائه بمُّدَّينِ من شَعِيرٍ. قوله: ((باب مَن أَوْلَمَ بأقلَّ من شاة)) هذه التَّرجمة وإن كان حُكمُها مُستَفاداً من التي قبلها، لكنَّ الذي وَقَعَ في هذه بالتّنصیص. قوله: ((حدَّثْنا محمّد بن يوسُف)) هو الفِرْيابيّ، كما جَزَمَ به الإسماعيليّ وأبو نُعَيم في ((مُستَخرجَيهما)) ومَن تَبِعَهما، وسفيان: هو الثَّوْريّ لمَا سيأتي من كلام أهل النَّقد، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن يكون سفيان هو ابن عُيَينةَ، ومحمَّد بن يوسف هو البيكنديّ، وأَيَّدَ ذلك بأنّ السُّفيانَينِ رَوَيا عن منصور بن عبد الرَّحمن، والمجزوم به عندنا أنَّه الفِرْيابيّ عن الثَّوْريّ. قال البَرْقانيّ: روى هذا الحديث عبد الرّحمن بن مَهْديّ ووَكيع والفِرْيابيّ ورَوْح بن عُبَادة عن الثَّوْريّ، فجَعَلوه من رواية صَفيَّة بنت شَيْبة، ورواه أبو أحمد الزُّبَيرِيّ ومُؤمَّل بن ٤٧١ باب ٧٠ / ح ٥١٧٢ كتاب النكاح إسماعيل ويحيى بن اليَمَان عن الثَّوْريّ فقالوا فيه: عن صَفيَّة بنت شَيْبة عن عائشة، قال: والأوَّل أصحّ، وصَفيَّة ليست بصَحابيَّةٍ وحديثها مُرسَل، قال: وقد نَصَرَ النَّسائيُّ قول مَن لم يَقُل: ((عن عائشة)) وأورَدَه (ك٦٥٧١) عن بُنْدار عن ابن مَهْديّ، وقال: إنَّه مُرسَل، انتھی. وروایة و کیع أخرجها ابن أبي شيبة في «مُصنَّقه» (٣١٣/٤) عنه، وأُصلِحَ في بعض النُّسَخِ بذِكْر عائشة، وهو وهمٌ من فاعله. وأخرجه الإسماعيليّ من رواية يزيد بن أبي حَكِيم العَدَنيّ، وأخرجه إسماعيل القاضي في كتاب ((أخلاق النبيّ ◌َّ) عن محمَّد بن كثير العَبديّ كلاهما عن الثَّوْريّ كما قال الفِرْيابيّ، وأخرجه الإسماعيليّ أيضاً من رواية يحيى بن زَكَریّا بن أبي زائدة عن الثَّوْريّ بذِكْرِ («عائشة» فيه، وزَعَمَ ابن الموّاقِ: أنَّ النَّسائيَّ أخرجه من رواية يحيى بن آدم عن الثَّوْريّ وقال: ليس هو بدون الفِرْيابيّ، كذا قال، ولم يُخْرِجه النَّسائيُّ إلَّا من رواية يحيى بن اليَمَان (ك٦٥٧١) وهو ضعيف، وكذلكَ مُؤمَّل بن/ ٢٣٩/٩ إسماعيل في حديثه عن الثَّوْريّ ضعف، وأقوَى مَن زاد فيه ((عائشة)): أبو أحمد الزُّبَيريّ، أخرجه أحمد في «مُسنَده)) (٢٤٨٢١) عنه، ويحيى بن أبي زائدة(١)، والذينَ لم يَذكُرُوا فيه عائشة أكثر عَدَداً وأحفظ وأعرَف بحديثِ الثَّوْريّ مَمَّن زادَ، فالذي يظهر على قواعد المحدِّثينَ أنَّه من المزيد في مُتَّصِل الأسانيد، وذكر الإسماعيليّ: أنَّ عمر بن محمَّد بن الحسن ابن الثّ رواه عن أبيه عن الثَّوْريّ، فقال فيه: ((عن منصور ابن صَفيَّة عن صَفيَّة بنت حُبَيِّ)) قال: وهو غَلَط لا شَكّ فيه، ويحتمل أن يكون مُرادُ بعض مَن أطلقَ أنَّه مُرسَل، يعني من مَراسيل الصَّحابة، لأنَّ صَفيَّة بنت شَيْبة ما حَضَرَت قصَّة زواج المرأة المذكورة في الحديث، لأنَّها کانت بمگّة طفلة أو لم تولد بعد، وتزويج المرأة کان بالمدينة کما سيأتي بيانه. وأمَّا جَزمُ البَرْقانيّ بأنَّه إذا كان بدون ذِكْر عائشة يكون مُرسَلاً، فسَبَقَه إلى ذلك النَّسائيُّ ثمَّ الدَّارَ قُطنيُّ، فقال: هذا من الأحاديث التي تُعَدّ فيما أخرج البخاريّ من المراسيل، وكذا جَزَمَ ابن سعد وابن حِبّان: بأنَّ صَفيَّة بنت شَيْبة تابعيّة، لكن ذكر المِّيُّ في («الأطراف)»: (١) عند الإسماعيلي، كما ذكر الحافظ قبل قليل. ٤٧٢ باب ٧٠ / ح ٥١٧٢ فتح الباري بشرح البخاري أنَّ البخاريّ أخرج في كتاب الحجّ(١) عَقِب حديث أبي هريرة وابن عبّاس في تحريم مكَّة قال: وقال أبانُ بن صالح: عن الحسن بن مُسْلم، عن صَفيَّة بنت شَيْبة قالت: سمعت رسول الله وَ﴿ مِثله، قال: ووَصَلَه ابن ماجه من هذا الوجه (٣١٠٩). قلت: وكذا وَصَلَه البخاريّ في ((التاريخ)) (٤٥١/١-٤٥٢). ثمّ قال المِزّيُّ: لو صَحَّ هذا لكان صريحاً في صُحبتها، لكنَّ أبان بن صالح ضعيف، كذا أطلقَ هنا، ولم يَنقُل في ترجمة أبانُ بن صالح في ((التَّهذيب)) تضعيفَه عن أحد، بل نَقَلَ توثيقَه عن يحيى بن مَعِين وأبي حاتم وأبي زُرعة وغيرهم. وقال الذَّهَبِيّ في ((مختصر التَّهذيب)): ما رأيت أحداً ضَعَّفَ أبان بن صالح، وكأنَّه لم يَقِفْ على قول ابن عبد البَرّ في ((التَّمهيد)) (٣١٢/١) لمَّا ذكر حديث جابر في استقبال قاضي الحاجة القِبْلةَ من رواية أبان بن صالح المذكور: هذا ليس صَحِيحاً، لأنَّ أبان بنَ صالح ضعيف. كذا قال، وكأنَّه التَبَسَ عليه بأبان بن أبي عيَّاش البصريّ صاحب أنس، فإنَّه ضعيف باتِّفاقٍ، وهو أشهر وأكثر حديثاً وروايةً من أبان بن صالح، ولهذا لمَّا ذكر ابن حَزْمٍ الحديث المذكور عن جابر قال: أبان بن صالح ليس بالمشهورِ. قلت: ولكن يكفي توثيق ابن مَعِين ومَن ذُكِر له، وقد روى عنه أيضاً ابن جُرَيج وأُسامة بن زيد اللَّيثيّ وغيرهما، وأشهَر مَن روى عنه: محمَّد بن إسحاق. وقد ذكر المِّيُّ أيضاً حديث صَفيَّة بنت شَيْبة قالت: طافَ النبيّ وََّ على بعير يَستَلم الحجر بمِحْجَنٍ وأنا أنظُر إليه، أخرجه أبو داود (١٨٧٨) وابن ماجه (٢٩٤٧)، قال المِّيُّ: هذا يُضعِف قول مَن أنكَرَ أن يكون لها رُؤية، فإنَّ إسناده حسن. قلت: وإذا ثَبَتَت رُؤيَتُها له بَّهُ وضَبَطت ذلك، فما المانع أن تَسمَع خُطبَتُه ولو كانت صغيرةً؟ قوله: ((عن منصور ابن صَفيَّة)) هي أمّه، واسم أبيه: عبد الرَّحمن بن طَلْحة بن الحارث ابن طَلْحة بن أبي طلحة القُرَشِيّ العَبدَريّ الحَجَبيّ، قُتِلَ جَدُّه الأعلى الحارث يوم أُحُد (١) كذا في ((تحفة الأشراف)» للمزّي ٣٤٣/١١، وهو وهم، بل هو في كتاب الجنائز، حديث رقم (١٣٤٩). ٤٧٣ باب ٧٠ / ح ٥١٧٢ كتاب النكاح كافراً، وكذا أبوه طلحة بنُ أبي طلحة، ولَجَدِّه الأدنَى طلحة بن الحارث رُؤية، وقد أغفَلَ ذِكْرَه مَن صَنَّفَ في الصَّحابة وهو واردٌ عليهم، ووَقَعَ في ((رجال البخاريّ)) للكَلاباذيّ: أنَّه منصور بن عبد الرَّحمن بن طلحة بن عمر بن عبد الرَّحمن التَّيْمَيّ، ووَهِمَ في ذلك، كما نَبَّهَ عليه الرَّضى الشّاطِيّ فيما قرأت بخَطِّه. قوله: ((أَوْلَمَ النبيّ ◌َِّ على بعض نسائِهِ)) لم أَقِفْ على تعيين اسمها صريحاً، وأقرَب ما يُفَسَّر به: أمُّ سَلَمَةَ، فقد أخرج ابن سعد (٨/ ٩١ -٩٢) عن شيخه الواقديّ بسندٍ له إلى أمّ سَلَمَةَ قالت: لمَّا خَطَبني النبيّ ◌َّهِ - فذَكَر قصَّة تزويجه بها - قالت: فأدخَلَني بيت زينب بنت خُزيمةَ، فإذا جَرّةٌ فيها شيء من شَعِير، فأخذتُه فطَحَنته، ثمَّ عَصَدتُه في البُرْمة، وأخذت شيئاً من إهالة فأدَمتُه، فكان ذلك طعامَ رسول الله وَّهِ. وأخرج ابن سعد أيضاً (٩٣/٨-٩٤) وأحمد (٢٦٦١٩) بإسنادٍ صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث: أنَّ أمّ سَلَمَةَ أخبَرَته، فذكر قصَّة خِطبَتها وتزويجها، وفيه قالت: فأخذتُ ثِفالي،/ وأخرجتُ ٢٤٠/٩ حَبّات من شَعِير كانت في جَرَّتِي، وأخرَجتُ شَحْماً فعَصَدته له ثمَّ باتَ، ثمَّ أصبَحَ ... الحديث، وأخرجه النَّسائيُّ أيضاً (ك٨٨٧٦ و٨٨٧٧) لكن لم يذكر المقصود هنا، وأصله في مسلم من وجه آخر بدونِه (١٤٦٠)، وأمَّا ما أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٥٧٤٣) من طريق شَرِيك عن حُميدٍ عن أنس قال: ((أولَمَ رسول الله وَ ◌ّهِ على أمّ سَلَمَةَ بَتَمرِ وسَمنٍ)) فهو وهم من شَرِيك، لأنَّه كان سيّئَ الحِفْظ، أو من الراوي عنه وهو جَندَل بن والِقٍ، فإنَّ مسلماً والبَزَّار ضَعَّفاه، وقَوّاه أبو حاتم الرّازيّ والبُسْتِيّ، وإنَّما هو محفوظ من حديث حُميدٍ عن أنس: أنَّ ذلك في قصَّة صَفيَّة، كذلكَ أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٥٦٩ و ٦٥٧٠) من رواية سُلَیمان ابن بلال وغيره عن محُميدٍ عن أنس مختصراً، وقد تقدَّم مُطوَّلاً في أوائل النِّكاح للبخاريّ (٥٠٨٥) من وجه آخر عن حُميدٍ عن أنس، وأخرج أصحاب ((السُّنَن))(١) من رواية الزُّهْريِّ عن أنس نحوه في قصَّة صَفيَّة. ويحتمل أن يكون المراد بنسائِه ما هو أعَمّ من أزواجه، أي: مَن يُنسَب إليه من النِّساء (١) أخرجه أبو داود (٣٧٤٤)، وابن ماجه (١٩٠٩)، والترمذي (١٠٩٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٥٦٦). ٤٧٤ باب ٧١ فتح الباري بشرح البخاري في الجملة، فقد أخرج الطبرانيُّ (٣٨٣/٢٤) من حديث أسماء بنت عُمَيسٍ قالت: لقد أولَمَ عليٌّ بفاطمة، فما كانت وَلِيمَةٌ في ذلك الزَّمان أفضلَ من وليمته، رَهَنَ دِرعَه عند يهوديّ بشَطِرِ شَعير، ولا شكَّ أنَّ المُدَّينِ نصف الصّاع، فكأنَّه قال: شَطر صاع، فيَنطَبق على القصّة التي في الباب، وتكون نسبة الوليمة إلى رسول الله وَ له مَجَازِيَّة، إمّا لكَونِه الذي وفَّ اليهوديّ ثَمَن شَعِيره، أو لغير ذلك. قوله: ((بمُدَّينٍ من شَعِير)) كذا وَقَعَ في رواية كلّ مَن رواه عن الثَّوْريّ فيما وقَفتُ عليه مَّنْ قَدَّمت ذِكْرَه، إلّا عبد الرّحمن بن مَهديّ، فَوَقَعَ في روايته: بصاعينٍ من شَعير، أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٥٧٢) والإسماعيليّ من روايته، وهو وإن كان أحفظ مَن رواه عن الثَّوْرِيّ، لكنَّ العَدَد الكثير أولى بالضَّبطِ من الواحد، كما قال الشافعيّ في غير هذا، والله أعلم. ٧١ - باب حَقِّ إجابةِ الوَلِيمَةِ والذَّغْوِ ومَنْ أَوْلَمَ سبعةً أيامٍ ونحوَه ولم يُوَقِّتِ النبيُّ ◌َّ يوماً ولا يومَينٍ. قوله: ((باب حَقّ إجابة الوليمة والدَّعْوة)) كذا عَطَفَ الدَّعوة على الوليمة، فأشارَ بذلكَ إلى ٢٤١/٩ أنَّ الوليمة مُخْتَصّة بطعام العُرْس، ويكون عَطفُ الدَّعوة عليها من العامّ بعد الخاصّ، وقد تقدَّم بيان الاختلاف في وقت الوليمة، وأمَّا اختصاص اسم الوليمة به فهو قول أهل اللُّغة فيما نَقَّلَه عنهم ابن عبد البَرّ، وهو المنقول عن الخليل بن أحمد وثَعلَب وغيرهما، وجَزَمَ به الجَوْهريّ وابن الأثير، وقال صاحب ((المحكم)): الوَليمة طعام العُرْس والإملاك، وقيل: كلَّ طعام صُنِعَ لعُرسٍ وغيره. وقال عياض في ((المشارق)): الوليمة طعام النُّكاح، وقيل: الإملاك، وقيل: طعام العُرس خاصّة. وقال الشافعيّ وأصحابه: تقع الوليمة على كلّ دعوةٍ تُتَّخَذ لسُرورٍ حادثٍ من نِكاح أو خِتان أو غيرهما، لكنَّ الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النِّكاح، وتُقيّدُ في غيره، فيقال: وليمة الخِتان، ونحو ذلك. وقال الأزهَريّ: الوَليمَة مأخوذة من الوَلَم، وهو الجمع وزناً ومعنّى، لأنَّ الَّوجَينِ يَجْتَمِعان. وقال ابن الأعرابيّ: أصلها من تَتمِيم الشَّيء واجتماعه. وجَزَمَ الماوَرْدِيُّ ثمَّ القُرطُبِيّ بأنَّها لا تُطلَق في غير طعام العُرْس إلّا بِقَرِينةٍ. ٤٧٥ باب ٧١ كتاب النكاح وأمَّا الدَّعوة فهي أعَمُّ من الوليمة، وهي بفتح الدَّال على المشهور، وضمَّها قُطُرُب في ((مُثَّثِه))، وغَلَّطوه في ذلك على ما قال النَّوَويّ، قال: ودِعوة النَّسَب: بكسرِ الدَّال، وعَكَسَ ذلك بنو تَيمِ الرِّباب(١) ففَتَحوا دال دعوة النَّسَب، وكَسَروا دال دعوة الطَّعام. انتهى، وما نَسَبَه لبني تَّيمِ الرِّباب نَسَبَه صاحبا ((الصِّحاح)) و (المحْكَم)) لبني عَديّ الرِّباب، فالله أعلم. وذكر النَّوَويّ تَبَعاً لعياضٍ: أنَّ الولائم ثمانية: الإعْذار بعينٍ مُهمَلة وذال مُعجَمة: للخِتان، والعَقِيقة: للولادة، والخُرْس بضمِّ المعجَمة وسكون الرّاء ثمَّ سين مُهمَلة: لسَلامَة المرأة من الطَّلْق، وقيل: هو طعام الولادة، والعَقِيقة تَخْتَصّ بيومِ السابع، والنَّقيعة: لقُدوم المسافر، مُشتَقّة من النَّفْع وهو الغُبار، والوَكيرة: للمَسْكَن المتجَدِّد، مأخوذ من الوَكْر وهو المأوَى والمستَقَرّ، والوَضِيمَة بضادٍ مُعجَمة: لمَا يُتَّخَذ عند المصيبة، والمأدُبة: لمَا يُتَّخَذ بلا سببٍ، ودالها مضمومة ويجوز فتحها، انتهى. والإعذار يقال فيه أيضاً: العُذْرة بضمِّ ثمَّ سكون، والخُرْس يقال فيه أيضاً بالصّادِ المهمَلة بَدَل السّين، وقد تُزاد في آخرها هاء فيقال: خُرْسة وخُرْصة، وقيل: إنَّها لسَلامَة المرأة من الطَّق، وأمَّا التي للولادة بمعنى الفَرَح بالمولودِ فهي العَقِيقة. واختُلِفَ في النَّقِيعة هل التي يصنعها القادِمِ من السَّفَر أو تُصنَع لَه؟ قولان، وقيل: النَّقيعة التي يصنعها القادِم، والتي تُصنَع له تُسمَّى التُّحفة، وقيل: إنَّ الوليمة خاصّ بطعام الدُّخول، وأمَّا طعام الإملاك فيُسَمَّى الشَّنْدَخ، بضمِّ المعجَمة وسكون النُّون وفتح الدَّال المهمَلة - وقد تُضَمّ - وآخره خاء مُعجَمة، مأخوذ من قولهم: فَرَس ◌ُندَخ، أي: يَتقدَّم غيره، سُمّيَ طعام الإملاك بذلكَ، لأنَّه يَتقدَّم الدُّخول. (١) وهي قبيلة من مصر، النسبة إليها: الرِّبابي، بالكسر، انظر: ((لب اللباب)) للسيوطي ص١١٤. وقال ابن الأثير الجزري في ((اللباب)) ٢/ ١٣: وهذه النسبة لعدة قبائل، وهي: تيم الرِّباب، وثور أطحل، وعدي، وعكل، ومُزينة بنو عبد مناة، وضبة بن أد، وإنما لُقبوا بذلك لأنهم تحالفوا على بني سعد بن زيد مناة بن تميم وغمسوا أيديهم عند التحالف في رُبِّ، فسُمُّوا الرِّبَاب، واشتهرت تيم الرِّباب بهذا دون غیرهم، انتھی. ٤٧٦ باب ٧١ فتح الباري بشرح البخاري وأغرَبَ شيخُنا(١) في ((التّدريب)) فقال: الولائم سبع: وليمة الإملاك وهو التزوُّج، ويقال لها: نَقِيعَة بنونٍ وقاف، ووليمة الدُّخول وهو العُرس، وقَلَّ مَن غايرَ بينهما، انتهى. وموضع إغرابه تسمية وليمة الإملاك نَفِيعة، ثمَّ رأيته تَبعَ في ذلك المنذريّ في ((حواشيه)» وقد شَذَّ بذلكَ. وفاتَهم ذِكرُ الحِذَاق، بكسرِ المهمَلة وتخفيف الذال المعجَمة وآخره قاف: الطَّعام الذي يُتَّخَذ عند حَذْق الصبيّ في القرآن، ذكره ابن الصَّاغ في ((الشّامل))، وقال ابن الرِّفعة: هو الذي يُصنَع عند الخَتْم، أي: خَتمِ القرآن، كذا قَيَّدَه، ويحتمل خَتمُ قَدْر مقصود منه، ويحتمل أن يَطَرِد ذلك في/ حَذْقِه لكلِّ صِناعة. وذكر المَحَامليّ في ((الرَّونَق)) في الولائم: العَتِيرة، بفتح المهمَلة ثمَّ مُثنّاة مكسورة: وهي شاة تُذبَح في أوَّل رَجَب، وتُعقّبَ بأنّها في معنى الأُضحيَّة، فلا معنى لِذِكْرها معَ الوَلائم، وسيأتي حُكمُها في أواخر كتاب العَقيقة، وإلّا فلتُذكَر الأُضحيَّة، وأمَّا المأدبة ففيها تفصيل، لأنَّها إن كانت لقومٍ مخصُوصِينَ فهي النَّقَرَى، بفتح النُّون والقاف مقصور، وإن كانت عامّة فهي الجَفَلَى، بجيم وفاء بوَزنِ الأوَّل، قال الشّاعر(٢): ٢٤٢/٩ نحنُ في المَشْتاة نَدْعُو الجَفَلَى لا تَرَى الْآدِبَ مِنّا يَنَقِرْ وَصَفَ قومَه بالجود، وأَّهم إذا صَنَعوا مأدُبة دَعَوا إليها عُمُوماً لا خُصُوصاً، وخَصَّ الشِّتاء لأنَّهَا مَظِنّة قِلّة الشَّيء وكَثْرة احتياج مَن يُدعَى، والآدِب بوزنِ اسم الفاعل: من المأدبة، ويَنْتَقِر: مُشتَقّ من النَّقَرَى. وقد وَقَعَ في آخر حديث أبي هريرة الذي أوَّله: ((الوليمة حَقّ وسُنّة)) كما أشرت في ((باب الوليمة حَقّ))(٣): «قال: والخُرْس والإعذار والتَّوكير أنتَ فيه بالخيار)) وفيه تفسير ذلك، وظاهر سياقه الرَّفع، ويحتمل الوَقْف. وفي ((مُسنَد أحمد)) (١٧٩٠٨) من حديث عثمان بن أبي العاص في وليمة الخِتان: ((لم يكن يُدعَى لها». وأمَّا قول المصنّف: ((حَقّ إجابة)) فيشير إلى وجوب الإجابة، وقد نَقَلَ ابن عبد البَرّ ثمَّ (١) يريد سراج الدين عمر بن رسلان البُلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ هـ، وكتابه ((التدريب)) في فروع الشافعية. (٢) هو طرفة بن العبد. (٣) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٩٦٠)، ورقم الباب المذكور (٦٧). ٤٧٧ باب ٧١ كتاب النكاح عياض ثمَّ النَّوَويّ الاتّفاق على القول بوُجُوب الإجابة لوليمة العُرْس، وفيه نظر، نعم، المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصَرَّحَ مُهُور الشافعيّة والحنابلة بأنَّها فرض عين، ونَصَّ عليه مالك، وعن بعض الشافعيّة والحنابلة: أنَّهَا مُستَحَبّة، وذكر اللَّخميّ من المالكيَّة: أنَّه المذهب، وكلام صاحب ((الهداية)) يقتضي الوجوب معَ تصريحه بأنَّهَا سُنّة، فكأنَّه أراد أنَّهَا وَجَبَت بالسُّنّة، وليست فرضاً كما عُرِفَ من قاعِدَتهم، وعن بعض الشافعيَّة والحنابلة: هي فرض كِفَاية، وحكى ابن دقيق العِيد في ((شرح الإلمام)): أنَّ مَحَلّ ذلك إذا عَمَّت الدَّعوة، أمَّا لو خُصَّ كلّ واحد بالدَّعوة فإنَّ الإجابة تَتَعيَّن. وشرط وجوبها: أن يكون الدَّاعي مُكَلَّفاً حُرّاً رَشِيداً، وأن لا يُخُصّ الأغنياء دون الفقراء - وسيأتي البحث فيه في الباب الذي يليه - وأن لا يظهر قصد التَّوَدُّد لشَخصِ بعَينِه لرغبةٍ فيه أو رَهْبة منه، وأن يكون الدَّاعي مسلماً على الأصحّ، وأن يَخْتَصّ باليومِ الأوَّل على المشهور - وسيأتي البحث فيه - وأن لا يُسبَق فمَن سَبَقَ تَعيَّنَت الإجابة له دون الثّاني، وإن جاءا معاً قُدِّمَ الأقرَب رَحِماً على الأقرَب جِواراً على الأصحّ، فإن استَوَيا أُقْرِع، وأن لا يكون هناك مَن يتأذَّى بحضوره من مُنكَر وغيره، كما سيأتي البحث فيه بعد أربعة أبواب، وأن لا يكون له عُذر، وضَبَطَه الماوَرْدِيُّ بما يُرَخَّص به في تَركِ الجماعة، هذا كلّه في وليمة العُرْس، فأمَّا الدَّعوة في غير العُرس فسيأتي البحث فيها بعد بابينٍ. قوله: ((ومَن أوْلَمَ سبعة أيام، ونحوه)) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٣/٤-٣١٤) من طريق حفصة بنت سِيرِين قالت: لمَّ تزوَّجَ أبي دَعَا الصَّحابة سبعة أيام، فلمَّا كان يومُ الأنصار دَعَا أُبِيَّ بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما، فكان أُبيّ صائماً، فلمَّا طَعِموا دَعَا أُبِيٌّ وأثْنَى. وأخرجه البيهقيُّ (٧/ ٢٦١) من وجه آخر أتمّ سياقاً منه، وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٩٦٦٥) من وجه آخر إلى حفصة (١) وقال فيه: ((ثمانية أيام))، وإليه أشارَ المصنّف بقولِه: ((أو نحوَه)) لأنَّ القصَّة واحدة، وهذا وإن لم يَذكُره المصنّف لكنَّه جَنَحَ إلى ترجيحه، لإطلاق الأمر بإجابة الدَّعوة بغير تقييد، كما سَيظهرُ من كلامه الذي سأذكره، وقد نَبَّهَ على ذلك ابن المنيِّر. (١) ولكن في المطبوع من ((مصنف عبد الرزاق)) أنه من طريق ابن سيرين، وليس حفصة بنت سيرين. ٤٧٨ باب ٧١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولم يوَقِّت النبيّ ◌َ له يوماً ولا يومَينٍ)) أي: لم يجعل للوليمة وقتاً مُعيَّناً يَخْتَصّ به الإيجاب أو الاستحباب، وأَخَذَ ذلك من الإطلاق، وقد أفصَح بمُرادِه في ((تاريخه)) فإنَّه أورَدَ في ترجمة زُهَير بن عثمان (٤٢٥/٣) الحديث الذي أخرجه أبو داود (٣٧٤٥) والنَّسائيُّ (ك٦٥٦١) من طريق قَتَادة عن عبد الله بن عثمان الثَّقَفيّ عن رجل من ثَقِيف ٢٤٣/٩ كان يُثنَى / عليه، إن لم يكن اسمه زُهَير بن عثمان فلا أدري ما اسمه - يقوله قَتَادةُ - قال: قال رسول الله وَسَّ: ((الوليمة أوَّل يوم حَقّ، والثّاني معروف، والثّالث رياء وسُمْعة)) قال البخاريّ: لا يَصِحّ إسناده ولا يَصِحّ له صُحْبة - يعني لزُهَيرٍ - قال: وقال ابن عمر وغيره عن النبيّ وََّ: ((إذا دُعيَ أحدُكم إلى الوَليمة فليُجِبْ)) ولم يَخُصّ ثلاثة أيام ولا غيرها، وهذا أصحّ، قال: وقال ابن سِيرِين عن أبيه: إنَّه لمَّا بَنَى بأهلِه، أولَمَ سبعة أيام، فدَعَا في ذلك أُبيّ ابن کعب فأجابه، انتھی. وقد خالَفَ يونسُ بن عُبيد قَتَادةَ في إسناده، فرواه عن الحسن عن النبيّ ◌َِّ مُرسَلاً أو مُعضَلاً، لم يَذكُر عبد الله بن عثمان ولا زُهَيراً، أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٥٦٢) ورَجَّحَه على الموصول، وأشارَ أبو حاتم إلى ترجيحه، ثمَّ أخرج النَّسائيُّ (ك٦٥٦٣) عَقِبه حديث أنس: أنَّ رسول الله وَّهِ أقامَ على صَفيَّة ثلاثة أيام حتَّى أعرَسَ بها، فأشارَ إلى تضعيفه أو إلى تخصيصه، وأصرَح من ذلك ما أخرجه أبو يَعْلى (٣٨٣٤) بسندٍ حسن عن أنس قال: تزوَّجَ النبيُّ وَ لِ صَفيَّةِ وجَعَلَ عِتقها صَدَاقها، وجَعَلَ الوليمَة ثلاثة أيام .. الحديث. وقد وجدنا حديثٍ زُهَير بن عثمان شواهد، منها: عن أبي هريرة مثله، أخرجه ابن ماجه (١٩١٥) وفيه عبد الملك بن حُسَين وهو ضعيف جدّاً، وله طريق أُخرى عن أبي هريرة أشرتُ إليها في ((باب الوليمة حَقّ))(١)، وعن أنس مِثله أخرجه ابن عَديٍّ (٤٥٨/٢) والبيهقيُّ (٧/ ٢٦٠) وفيه بكر بن خُنَيَس وهو ضعيف، وله طريق أُخرى، ذكر ابنُ أبي حاتم أنَّه سألَ أباه عن حديثٍ رواه مروان بن معاوية عن عوف عن الحسن عن أنس نحوه، فقال: إنّما (١) رقم الباب المذكور (٦٧)، وسلف تخريجه هناك. ٤٧٩ باب ٧١ كتاب النكاح هو عن الحسن عن النبيّ وَل﴿ مُرسَل، وعن ابن مسعود أخرجه التِّرمِذيّ (١٠٩٧) بلفظ: ((طعام أوَّل يوم حَقّ، وطعام يوم الثّاني سُنّة، وطعام يوم الثّالث سُمْعة، ومَن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به)) وقال: لا نعرفه إلّا من حديث زياد بن عبد الله البَكّائيّ، وهو كثير الغرائب والمناكير. قلت: وشيخه فيه عطاء بن السائب، وسماع زياد منه بعد اختلاطه، فهذه عِلَّته. وعن ابن عبَّاس رَفَعَه: ((طعام في العُرْس يومٌ سُنّة، وطعام يومينٍ فَضْلٌ، وطعام ثلاثة أيام رياء وسُمْعة)) أخرجه الطبرانيُّ بسندٍ ضعيف (١١٣٣١/١١)، وهذه الأحاديث وإن كان كلٌّ منها لا يخلو عن مقال، فمجموعها يدلّ على أنَّ للحديثِ أصلاً، وقد وَقَعَ في رواية أبي داود (٣٧٤٥) والدَّارِميّ (٢٠٦٥) في آخر حديث زُهَير بن عثمان: «قال قَتَادَةُ: بَلَغَني عن سعيد بن المسيّب أنَّه دُعيَ أوَّل يوم فأجابَ، ودُعيَ ثاني يوم فأجابَ، ودَعي ثالث يوم فلم يُجِب، وقال: أهل رياء وسُمْعة)) فكأنَّه بَلَغَه الحديث فعَمِلَ بظاهره إِن ثَبَتَ ذلك عنه، وقد عَمِلَ به الشافعيّة والحنابلة. قال النَّوَويّ: إذا أولَمَ ثلاثاً فالإجابة في اليوم الثّالث مَكرُوهَة، وفي الثّاني لا تجب قطعاً، ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأوَّل، وقد حكى صاحب ((التَّعجيز)) في وجوبها في اليوم الثّاني وجهَينٍ، وقال في ((شرحه)): أصحُّهما الوجوب، وبه قَطَعَ الجُرْجانيّ لوصفِه بأنَّه معروف أو سُنّة، واعتَبرَ الحنابلة الوجوب في اليوم الأوَّل، وأمَّا الثّاني فقالوا: سُنّة، تَمسُّكاً بظاهرٍ لفظ حديث ابن مسعود، وفيه بحث، وأمَّا الكراهة في اليوم الثّالث فأطلقَه بعضُهم لظاهرِ الخبر. وقال العِمرانيّ: إنَّما تُكرَه إذا كان المدعوّ في الثّالث هو المدعوّ في الأوَّل، وكذا صَوَّرَه الرُّويَانيّ، واستَبعَدَه بعض المتأخِّرينَ، وليس ببعيدٍ، لأنَّ إطلاق كونه رياء وسُمْعة يُشعِر بأنَّ ذلك صُنِعَ للمُباهاة، وإذا كَثُرَ الناس فدَعَا في كلّ يوم فِرِقةً لم يكن في ذلك مُباهاةٌ غالباً، وإلى ما جَنَحَ إليه البخاريّ ذهب المالكيَّة، قال عياض: استَحَبَّ أصحابنا لأهلِ السَّعة كونها أُسبوعاً، قال: وقال بعضهم: مَحَّه إذا دَعَا في كلّ يوم مَن لم يُدعَ قبله ولم يُكَرِّر ٤٨٠ باب ٧١ / ح ٥١٧٣-٥١٧٦ فتح الباري بشرح البخاري عليهم. وهذا شبيه بما تقدَّم عن الرُّويَانيّ، وإذا حَمَلنا الأمر في كراهة الثّالث على ما إذا كان هناك رياء وسُمْعة ومُباهاة، كان الرّابع وما بعده كذلكَ، فيُمكِن حَل ما وَقَعَ من السَّلَف من الزّيادة على اليومينِ عند الأمن من ذلك، وإنَّما أطلقَ ذلك على الثّالث لكَونِه الغالب، والله أعلم. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب أربعة أحاديث: ٥١٧٣- حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((إذا دُعِيَ أحدُكم إلى الوَلِيمِةِ فَلْيأْتِها)». [طرفه في: ٥١٧٩] ٥١٧٤- حدَّثَنَا مُسدّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني منصورٌ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى، عن النبيِّ وَّ قال: ((فُكّوا العانيَ، وأجِيبُوا الدَّاعِيَ، وعُودُوا المِرِيضَ)). ٥١٧٥- حدّثنا الحسنُ بنُ الرَّبِيعِ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، عن الأشعَثِ، عن مُعاوِيةَ بنِ سُوَيدٍ، قال البراءُ بنُ عازِبٍ رضي الله عنهما: أمَرَنا النبيُّ بِّرَ بِسَبْعِ ونَهانا عن سبعٍ: أَمَرَنا بعِيادةِ المرِيضِ، وأتِباع الجِنازةِ، وتَشْمِيتِ العاطِسِ، وإبرار القَسَمِ، ونَصْرِ المظْلومِ، وإنْشاءِ السَّلامِ، وإجابةِ الدَّاعي، ونَهانا عن خَواتِيمِ الذَّهَبِ، وعن آنِيةِ الفِضّةِ، وعن المَبائِرِ والقَسِّيَّةِ، والإستَبْرَقِ والدِّیباجِ. تَابَعَه أبو عَوَانَةَ والشَّيبانيُّ، عن أشعَثَ في إنْشاءِ السَّلامِ. ٥١٧٦- حدَّثنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازِمِ، عن أبيه، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: دعا أبو أُسَيدِ الساعِدِيُّ رسولَ الله وَلِّ فِي عُرْسِه، وكانت امرأتُه يومئذٍ خادِمَهم وهي العَرُوس. قال سَهْلٌ: تَدْرونَ ما سَقَت رسولَ الله وََّ؟ أَنْقَعَت له تَمَراتٍ منَ اللَّلِ، فلمَّا أكَلَ سَقَتْه إيّاه. [أطرافه في: ٥١٨٢، ٥١٨٣، ٥٥٩١، ٥٥٩٧، ٦٦٨٥]