النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
النَّسائيّ: ((التَّزويج على الإسلام)) ثُمَّ تَرجَمَ على حديث سَهْل (٣٣٣٩): ((التَّزويج على
سورة من القرآن)) فكأنَّه مالَ إلى ترجيح الاحتمال الثّاني.
ويُؤيِّد أنَّ الباء للتَّعويضِ لا للسَّبيَّة: ما أخرجه ابن أبي شَيْبة والتِّرمِذيّ (٢٨٩٥) من
حديث أنس: أنَّ النبيّ ◌َّ سألَ رجلاً من أصحابه: ((يا فلان هل تزوَّجت؟)) قال: لا،
وليس عندي ما أتزَوَّج به، قال: ((أليس مَعَك ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾؟)) الحديث.
واستَدَلَّ الطَّحاويُّ للقولِ الثّاني من طريق النَّظَرِ: بأنَّ النِّكاح إذا وَقَعَ على مجهول كان
كما لم يُسمَّ، فيُحتاج إلى الرُّجوع إلى المعلوم، قال: والأصل المجمع عليه لو أنَّ رجلاً
استأجَرَ رجلاً على أن يُعلِّمه سورة من القرآن بدِرْهمٍ، لم يَصِحّ، لأنَّ الإجارة لا تَصِحّ إلّا
على عَمَلٍ مُعيَّن، كغَسْلِ الثَّوب، أو وقتٍ مُعيَّن، والتَّعليم/ قد لا يُعلَم مقدار وقته، فقد ٢١٣/٩
يَتَعلَّم في زمان يسير وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعَه داره على أن يُعلِّمه سورةً من
القرآن لم يَصِحّ، قال: فإذا كان التَّعليم لا تُملَك به الأعيان، لم تُملك به المنافع. والجواب عنّا
ذكره: أنَّ المشروط تعليمه مُعيَّن كما تقدَّم في بعض طرقه. وأمَّا الاحتجاج بالجهلِ بمُدّة
التَّعليم فيحتمل أن يقال: اغتُّفِرَ ذلك في باب الزَّوجَينِ، لأنَّ الأصل استمرار عِشرَتهما،
ولأنَّ مقدار تعليم عشرينَ آية لا تختلف فيه أفهام النِّساء غالباً، خُصُوصاً معَ كونها عربيّة
من أهل لسان الذي يَتزوَّجها كما تقدَّمَ.
وانفَصَلَ بعضهم بأنَّه زَوَّجَها إيّاه لأجلِ ما معه من القرآن الذي حَفِظَه، وسَكَتَ عن
المهر، فيكون ثابتاً لها في ذِمَّته إذا أيسَر، كنِكاح التَّفويض، وإن ثَبَتَ حديث ابن عبّاس
المتقدِّم، حيثُ قال فيه: ((فإذا رَزَقَك الله فعَوِّضها)» كان فيه تَقويةٌ لهذا القول، لكنَّه غير
ثابت.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زَوَّجَه لأجلِ ما حَفِظَه من القرآن، وأصدَقَ عنه، كما
كَفَّرَ عن الذي وَقَعَ على امرأته في رمضان، ويكونَ ذِكرُ القرآن وتعليمه على سبيل
التَّحريض على تعلُّم القرآن وتعليمه، وتنويهاً بفضلٍ أهله، قالوا: ومما يدلّ على أنَّه لم يجعل

٤٢٢
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
التَّعليم صَدَاقاً أنَّه لم يقع مَعرِفة الَّوج بفَهمِ المرأة، وهل فيها قابليّة التَّعليم بسُرعةٍ أو
بُبُطءٍ؟ ونحو ذلك ممَّا تَتَفاوَت فيه الأغراض، والجواب عن ذلك قد تقدَّم في بحث
الطَّحاويّ.
ويُؤيِّد قولَ الجمهور قولُه وَ لِ أَوَّلاَ: ((هل مَعَك شيء تُصدِقها؟)) ولو قَصَدَ استكشاف فضلِه
لَسأَلَه عن نَسَبه وطريقته، ونحو ذلك، فإن قيلَ: كيف يَصِحّ جَعْل تعليمها القرآن مهراً، وقد لا
تتعلَّم؟ أُجيب: كما يَصِحّ جَعْل تعليمها الكتابة مَهْراً وقد لا تتعلَّم، وإنَّما وَقَعَ الاختلاف عند مَن
أجازَ جَعَلَ المنفَعة مَهْراً، هل يُشتَرَط أن يعلم حِذق المتعلِّم أو لا كما تقدَّمَ.
وفيه جواز كون الإجارة صَدَاقاً ولو كانت المصدوقةُ المستأجَرَة، فتقوم المنفَعة من
الإجارة مقام الصَّداق، وهو قول الشافعيّ وإسحاق والحسن بن صالح، وعند المالكيَّة فيه
خِلاف، ومَنَعَه الحنفيّة في الحُرّ وأجازوه في العَبد، إلّا في الإجارة في تعليم القرآن، فمَنَعوه
مُطلَقاً بناء على أصلهم في أنَّ أخذَ الأُجرة على تعليم القرآن لا يجوز، وقد نَقَّلَ عِيَاض
جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافّة إلّا الحنفيَّة.
وقال ابن العربيّ: من العلماء مَن قال: زَوَّجَه على أن يُعلِّمها من القرآن، فكأنَّها كانت
إجارة، وهذا كَرِهَه مالك، ومَنَعَه أبو حنيفة، وقال ابن القاسم: يُفسَخ قبل الدُّخول ويَثْبُت
بعده، قال: والصَّحيح جوازه بالتَّعليمِ. وقد روى يحيى بن مُضَر عن مالك في هذه القصَّة:
أنَّ ذلك أُجرة على تعليمها، وبذلك جازَ أخذ الأُجرة على تعليم القرآن، وبالوجهَينِ قال
الشافعيّ وإسحاق، وإذا جازَ أن يُؤخَذ عنه العِوَض جازَ أن يكون عِوَضاً، وقد أجازَه
مالك من إحدَى الْجِهَتَينِ، فَيَلزَم أن يُجيزَه من الجهة الأُخرى، وقال القُرطُبيّ: قوله:
((عَلِّمها)) نَصّ في الأمر بالتَّعليمِ، والسّياق يَشهَد بأنَّ ذلك لأجلِ النِّكاح، فلا يُلتَفَت لقولٍ
مَن قال: إنَّ ذلك كان إكراماً للرجلِ، فإنَّ الحديث يُصرِّح بخِلَافه، وقولهم: إنَّ الباء بمعنى
اللّام ليس بصحيحِ لُغةً ولا مَساقاً.
واستُدِلَّ به على أنَّ مَن قال: زَوِّ جني فلانة، فقال: زَوَّجتُكها بكذا، كَفَى ذلك، ولا

٤٢٣
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
يحتاج إلى قول الزَّوج: قبلت، قاله أبو بكر الرّازيُّ من الحنفيَّة، وذكره الرّافعيّ من
الشافعيَّة، وقد استُشكِلَ من جهة طول الفَصْل بين الاستيجاب والإيجاب، وفِراق الرجل
المجلِس لالتماس ما يُصدِقها إيّاه، وأجابَ المهلَّب: بأنَّ بساط القصّة أغنى عن ذلك، وكذا
كُلُّ راغب في التَّزويج إذا استَجوَبَ(١) فأُجيب بشيءٍ مُعيَّن، وسَكَتَ، كفى إذا ظَهَرتْ قَرِينة
القَبُول، وإلّا فُشتَرَط مَعرِفة رِضاه بالقَدْر المذكور.
واستُدِلَّ به على جواز ثبوت العَقْد بدون لفظ النِّكاح والتَّزويج، وخالَفَ ذلك
الشافعيّ، ومن المالكيَّة: ابنُ دينار وغيره. والمشهور عن المالكيَّة: جوازه بكلِّ لفظ دلَّ على
معناه إذا قُرِنَ بِذِكْر الصَّداق، أو قصد النِّكاح، كالتَّمليكِ والهِبة / والصَّدقة والبيع، ولا ٢١٤/٩
يَصِحّ عندهم بلفظ الإجارة ولا العاريَّة ولا الوَصَّة، واختُلِفَ عندهم في الإحلال
والإباحة، وأجازَه الحنفيَّة بكلِّ لفظ يقتضي التَّبيد معَ القصد، وموضع الدَّليل من هذا
الحديث: وُرُود قوله وَّيهِ: ((مَلَّكْتُكها))، لكن وَرَدَ أيضاً بلفظ: ((زَوَّجتكها)). قال ابن دقيق
العيد: هذه لفظة واحدة في قصَّة واحدة، واختُلِفَ فيها معَ اتَّاد ◌َخَرَج الحديث، فالظاهر
أنَّ الواقع من النبيّ وَّل أحد الألفاظ المذكورة، فالصَّواب في مثل هذا النَّظَرُ إلى التَّرجيح،
وقد نُقِلَ عن الدَّارَ قُطْنِيِّ أَنَّ الصَّواب رواية مَن روى: ((زَوَّجتُّكها))، وأنَّهم أكثر وأحفَظ،
قال: وقال بعض المتأخّرينَ: يحتمل صِحّة اللَّفظَينِ، ويكون قال لفظ التَّزويج أوَّلاً، ثمّ
قال: اذهَب فقد مَلَّكتُكها بالتَّزويج السابق، قال ابن دقيق العيد: وهذا بعيدٌ، لأنَّ سياق
الحديث يقتضي تعيين مَوضِع هذه اللَّفظة التي اختُلِف فيها (٢)، وأنَّها هي التي انعَقَدَ بها
النِّكاح، وما ذَكرَه يقتضي وقوعَ أمر آخر انعَقَدَ به النِّكاح، واختلافَ موضع كلِّ واحدةٍ من
اللفظتين، وهو بعيد جدّاً(٣)، وأيضاً فلِخَصمِه أن يَعكِس ويَدَّعي أنَّ العَقْد وَقَعَ بلفظ الثَّمليك،
(١) وقع في الأصلين و(س): استوجب، والوجه ما أثبتنا.
(٢) وقعت العبارة في (أ) و(س): يقتضى تعيين لفظة قبلت لا تعددها، والعبارة التي أثبتناها من (ع)، وهي
الموافقة لما في ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد ص ٤٠١.
(٣) من قوله: ((واختلاف موضع ... )) إلى هنا، أثبتناه من (ع) وهو موافق لما في ((إحكام الأحكام)) ووقع بدلها
في (أ) و(س): والذي قاله بعيد جداً.

٤٢٤
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
ثُمَّ قال: زَوَّجتُكها بالتَّمليكِ السابق. قال: ثمَّ إِنَّه لم يَتعرَّض لرواية: ((أمكَنّاكَها)) معَ ثُبوتها،
وكلّ هذا يقتضي تَعُّن المصير إلى التَّرجيح، انتهى. وأشارَ بالمتأخّرِ إلى النَّوَويّ، فإنَّه كذلك
قال في ((شرح مسلم))، وقد قال ابن التِّين: لا يجوز أن يكون النبيّ وَّهُ عَقَدَ بلفظ التَّمليك
والتَّزويج معاً في وقت واحد، فليس أحد اللَّفْظَينِ بأوْلَى من الآخر، فسَقَطَ الاحتجاج به،
هذا على تقدير تَسَاوِي الرِّوايتَينِ، فكيف معَ التَّرجيح؟ قال: ومَن زَعَمَ أنَّ مَعمَراً وهمَ فيه،
ورد عليه أنَّ البخاريّ أخرجه في غير مَوضِع من رواية غیرِ مَعمَر مِثل مَعمَر، انتھی.
وزَعَمَ ابن الجَوْزيّ في ((التَّحقيق)): أنَّ رواية أبي غَسّان: «أنكَحتُكها))، ورواية الباقينَ:
(زَوَّجتُكها)) إلّا ثلاثة أنفُس، وهم: مَعمَر ويعقوب وابن أبي حازِم، قال: ومَعمَر كثير
الغَلَط، والآخران لم يكونا حافظَينِ. انتهى، وقد غَلِطَ في رواية أبي غَسّان فإنّها بلفظ
((أمكنّاكَها)) في جميع نُسَخ البخاريّ، نعم وَقَعَت بلفظ: ((زَوَّجتُكها)) عند الإسماعيليّ من
طريق حُسَين بن محمَّد عن أبي غَسّان، والبخاريّ أخرجه عن سعيد بن أبي مريم عن أبي
غَسّان بلفظ: ((أمكنّاكَها))، وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق يحيى بن عثمان
ابن صالح عن سعيد شيخ البخاريّ فيه بلفظ: ((أنكَحتُكها)) فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي
غَسّان، ورواية: ((أنكَحتُكها)) في البخاريّ لابنِ عُيَينةَ كما قد حَرَّرته، وما ذكره من الطَّعن
في الثلاثة مردود ولا سيَّما عبد العزيز، فإنَّ روايته تَتَرَجَّح بكون الحديث عن أبيه، وابنُ(١)
المرء أعرَفُ بحديثه من غيره، نعم الذي تَحرَّرَ ممَّا قَدَّمته أنَّ الذينَ رَوَوه بلفظ التَّزويج أكثر
عَدَداً مَمَّن رواه بغير لفظ التَّزويج، ولا سيّما وفيهم من الحُفّاظ مِثل مالك، ورواية سفيان
ابن عُيَينَةَ: ((أنكَحتُكها)) مُساويَة لروايتِهِم، ومثلها رواية زائدة، وعَدَّ ابن الجَوْزيّ فيمَن
رواه بلفظ التَّزويج حمّاد بن زيد، وروايته بهذا اللَّفظ في فضائل القرآن (٥٠٢٩)، وأمَّا في
النِّكاح (٥١٤١) فبلفظ: «مَلَّكتُكها)» وقد تَبِعَ الحافظُ صلاح الدّين العَلائِيُّ ابنَ الجَوْزيّ
فقال في ترجیح روایة التّزویج: ولا سيّما وفیھم مالك وحمّاد بن زيد، انتهى.
وقد تَحرَّرَ أنَّه اختُلِفَ على حَمَّاد فيها كما اختُلِفَ على الثَّوْرِيّ، فَظَهَرَ أنَّ رواية النَّمليك
(١) في (أ) و(س): وآل المرء أعرف بحديثه من غيرهم، والمثبت من (ع).

٤٢٥
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
وَقَعَت في إحدَى الرِّوايتَينِ عن الثَّوْريّ وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازِم ويعقوب بن
عبد الرَّحمن وحماد بن زيد، وفي رواية مَعمَر: ((أملَكْتُكَها))(١) وهي بمعناها، وانفَرَدَ
أبو غَسّان برواية: ((أمكنّاكَها)) وأَخلِقْ بها أن تكون تصحيفاً من ((مَلَّكناكها)) (٢)، فرواية
التَّزويج أو الإنكاح أرجَحُ، وعلى تقدير أنَّ تتساوى الرِّوايات يقف الاستدلال بها لكلّ
من الفريقينِ.
وقد قال البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)): لا حُجّة في هذا الحديث لمن أجازَ انعقاد النِّكاح
بلفظ التَّمليك، لأنَّ العَقْد كان واحداً فلم يكن اللَّفظ إلّ واحداً، واختَلَفَ الرّواة في اللَّفظ / ٢١٥/٩
الواقع، والذي يظهر أنَّه كان بلفظ التَّزويج على وَفْقِ قول الخاطِب: زَوِّجنيها، إذ هو
الغالب في أمر العُقود، إذ قَلَّما يختلف فيه لفظ المتعاقدَينِ، ومن روى بلفظٍ غير لفظ
التَّزويج لم يَقصِد مُراعاة اللَّفظ الذي انعَقَدَ به العَقد، وإنَّما أراد الخبر عن جَرَيان العَقْد على
تعليم القرآن. وقيل: إنَّ بعضهم رواه بلفظ الإمكان، وقد اتَّفَقوا على أنَّ هذا العَقْد بهذا
اللَّفظ لا يَصِحّ. كذا قال، وما ذُكِرَ كافٍ في دفع احتجاج المخالف بانعِقادِ النِّكاح بالتَّمليكِ
ونحوه.
وقال العَلَائيّ: من المعلوم أنَّ النبيّ وَّه لم يَقُل هذه الألفاظ كلّها تلك الساعة، فلم يَبقَ
إلّا أن يكون قال لفظة منها وعَبَّرَ عنه بَقيَّة الرُّواة بالمعنى، فمَن قال: بأنَّ النّكاح يَنْعَقِد
بلفظ الثَّمليك، ثمَّ احتجَّ بمَجيئه في هذا الحديث إذا عورِضَ بَبَقِيَّة الألفاظ لم يَنْتَهِض
احتجاجه، فإن جَزَمَ بأنَّه هو الذي تَلَفَّظَ به النبيّ ◌َّهِ ومَن قال غيره ذكره بالمعنى، قَلَبَه
عليه مخالفُه وادَّعَى ضِدّ دَعواه، فلم يَبقَ إلّ التَّرجيح بأمرٍ خارجيّ، ولكنَّ القلب إلى
ترجيح رواية التَّزويج أمْيَل لكَونِها رواية الأكثرينَ، ولِقَرِينة قول الرجل الخاطِب:
زَوِّجنيها يا رسول الله، قلت: وقد تقدَّم النَّقل عن الدَّارَقُطنيِّ أنَّه رَجَّحَ رواية مَن قال:
(زَوَّ جُتُكها)»، وبالَغَ ابن الِّين فقال: أجمَعَ أهل الحديث على أنَّ الصَّحيح رواية: ((زَوَّجتُكها)»
(١) تحرَّفت في (س) إلى: ملّكتكها، بغير همز، والمثبت من الأصلين.
(٢) في (ع): مكناكها، والمثبت من (أ) و(س) وهو الصواب.

٤٢٦
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأنَّ رواية: ((مَلَّكتُكها)) وهمٌّ، وتَعلَّقَ بعض المتأخِّرينَ بأنَّ الذينَ اختَلَفوا في هذه اللَّفظة
أئمّة، فلولا أنَّ هذه الألفاظ عندهم مُتَرَادِفة ما عَبَّروا بها، فدَلَّ على أنَّ كلّ لفظ منها يقوم
مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجوازِ انعِقاد النِّكاح بكلِّ لفظة
منها، إلّا أنَّ ذلك لا يَدِفَعِ مُطالَبَتهم بدليلِ الحصر في اللَّفْظَينِ، معَ الاتِّفاق على إيقاع
الطَّلاق بالكنايات بشرطِها ولا حَصرَ في الصَّرائح.
وقد ذهب جمهورُ العلماء إلى أنَّ النّكاح يَنعَقِد بكلِّ لفظ يدلّ عليه، وهو قول الحنفيَّة
والمالكيَّة وإحدَى الرِّوايتَينِ عن أحمد، واختَلَفَ التَّرجيح في مذهبه، فأكثر نُصُوصه تَدُلّ
على مُوافَقة الجمهور، واختارَ ابن حامد وأتباعه الرّواية الأُخرى الموافقة للشّافعيّة، واستَدَلَّ
ابن عَقِيل منهم لصِحّة الرِّواية الأولى بحديثٍ: أعتَقَ صَفيَّة وجَعَلَ عِتقَها صَدَاقَها (١)، فإنَّ
أحمد نَصَّ على أنَّ مَن قال: أعتَقَتُ أَمَني وجَعَلتُ عِتقَها صَدَاقَها، أنَّه يَنعَقِد نكاحها بذلك،
واشتَرَطَ مَن ذهب إلى الرُّواية الأُخرى بأنَّه لا بدَّ وأن يقول في مِثل هذه الصُّورة:
تزوَّجتها، وهي زيادة على ما في الخبر وعلى نَصِّ أحمد، وأُصولُه تَشْهَد بأنَّ العُقود تَنعَقِد بما
يدلّ على مقصودها من قول أو فِعْل.
وفيه أنَّ مَن رَغِبَ في تزويج مَن هو أعلى قَدْراً منه لا لَومَ عليه، لأنَّه بصَدَدِ أن يُجاب،
إلّا إن كان ممّا تَقطَع العادة برَدِّه، كالسّوقِيِّ يَخْطُب من السُّلطان بنته أو أُخته، وأنَّ مَن
رَغِبَت في تزويج مَن هو أعلى منها لا عارَ عليها أصلاً، ولا سيّما إن كان هناك غَرَض
صحيح أو قصدٌ صالح، إمّا لفضلٍ دينيّ في المخطوب أو لھَوِّى فيه يخشى من السُّكوت عنه
الوقوع في محذور.
واستُدِلَّ به على صِحّة قول مَن جَعَلَ عِتقَ الأمة عِوَضاً عن بُضعها، كذا ذكره الخطّابيّ،
ولفظه: إنَّ مَن أعتَقَ أمة كان له أن يَتزوَّجها ويجعل عِتقَها عِوَضاً عن بُضْعها، وفي أخذِه
من هذا الحديث بُعدٌ، وقد تقدَّم البحث فيه مُفصَّلاً قبل هذا.
(١) سلف برقم (٣٧١) وانظر جميع أطرافه فيه، وأخرجه مسلم (١٣٦٥) (٨٤) و(٨٥).

٤٢٧
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
وفيه أنَّ سُكوت مَن عُقِدَ عليها وهي ساكتة لازِمٌ، إذا لم يَمنَع من كلامها خَوفٌ أو
حياء أو غيرهما.
وفيه جواز نكاح المرأة دون أن تُسأل: هل لها وليّ خاصّ أو لا؟ ودون أن تُسأل: هل
هي في عِصْمة رجل أو في عِدَّتِه؟ قال الخطَّبيُّ: ذهب إلى ذلك جماعة حملاً على ظاهر الحال،
ولكنَّ الحُكّام يَحتاطونَ في ذلك ويسألونَها. قلت: وفي أخذ هذا الحُكْم من هذه القصَّة نظر،
لاحتمال أن يكون النبيّ وََّاطَّلَعَ على جَليَّة أمرها، أو أخبَرَه بذلك مَن حَضَرَ مَجَلِسه مَمَّن يَعِرِ فها،
ومع هذا الاحتمال لا يَنْتَهِضُ الاستدلال به، وقد نَصَّ الشافعيّ على أنَّه ليس للحاكم أن يُزُوِّج
امرأة حتَّى يَشْهَد عَدْلان: أنَّها ليس لها وليّ خاصّ ولا / أنَّها في عِصْمة رجل ولا في عِلَّته، لكن ٢١٦/٩
اختَلَفَ أصحابه: هل هذا على سبيل الاشتراط أو الاحتياط؟ والثّاني المصَحَّح عندهم.
وفيه أنَّه لا يُشتَرَط في صِحّة العَقد تَقَدُّم الخُطبة، إذ لم يقع في شيء من طريق هذا
الحديث وقوع حَمْدٍ ولا تَشَهُّد ولا غيرهما من أركان الخُطبة، وخالَفَ في ذلك الظّاهريَّة
فجَعَلوها واجبة، ووافَقَهم من الشافعيَّة أبو عَوَانة، فتَرجَمَ في ((صحیحه)): ((باب وجوب
الخُطبة عند العَقد)) (٤١٤٣).
وفيه أنَّ الكَفاءة في الحُرّيَّة وفي الدّين وفي النَّسَب، لا في المال، لأنَّ الرجل كان لا شيء
له وقد رَضيَت به، كذا قاله ابن بَطّال، وما أدري من أين له أنَّ المرأة كانت ذاتَ مال.
وفيه أنَّ طالب الحاجة لا ينبغي له أن يُلِحّ في طلبها بل يَطلُبها بِرِفِقٍ وتأنٍّ، ويَدخُل في
ذلك طالب الدُّنيا والدّين من مُستَقْتٍ وسائل وباحث عن عِلمٍ.
وفيه أنَّ الفقير يجوز له نِكاح مَن عَلِمَت بحاله ورضيتْ به إذا كان واجِداً للمَهرِ،
وكان عاجِزاً عن غيره من الحقوق، لأنَّ المراجَعة وَقَعَت في وجدان المهر وفَقدِه، لا في قَدٍ
زائد، قاله الباجيّ، وتُعقّبَ باحتمال أن يكون النبيّ وََّاطَّلَعَ من حال الرجل على أنَّه يَقدِر
على اكتساب قُوتِه وقُوتِ امرأته، ولا سيَّمَا معَ ما كان عليه أهل ذلك العصر من قِلّة الشَّيء
والقَناعة باليسير.

٤٢٨
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به على صِحّة عقد النِّكاح بغير شُهُود، ورُدَّ بأنَّ ذلك وَقَعَ بحَضْرة جماعة من
الصَّحابة کما تقدَّم ظاهراً في أوَّل الحدیث. وقال ابن حبيب: هو منسوخ بحدیثِ ((لا نِكاح
إلّا بَوَلِيٍّ وشاهدَي عَدْل))(١) وتُعقّبَ.
واستُدِلَّ به على صِحّة النّكاح بغير وليّ، وتُعقِّبَ باحتمال أنَّه لم يكن لها وليٌّ خاصٌّ
والإمام ولُّ مَن لا وليّ له.
واستُدِلَّ به على جواز استمتاع الرجل بشَوْرة (٢) امرأته وما يُشتَرى لِصَداقها، لقولِه:
((إن لَبِسْتَه)) مع أنَّ النِّصف لها، ولم يَمنَعه معَ ذلك من الاستمتاع بنصِفِه الذي وجَبَ لها،
بل جَوَّزَ له لُبْسه كلّه، وإِنَّمَا وَقَعَ المنع لكَونِه لم يكن له ثوب آخر، قاله أبو محمّد بن أبي زيد،
وتَعقَّبَه ◌ِيَاض وغيره بأنَّ السّياق يُرشِد إلى أنَّ المراد تَعذُّر الاكتفاء بنصفِ الإزار، لا في
إياحة لُبْسه كلّه، وما المانع أن يكون المراد أنَّ كلّ منهما يَلبَسه مُهايأة، لتُبُوتٍ حَقّه فيه، لكن
لمَّا لم يكن للرجلِ ما يَستَقِرِ به إذا جاءت نَوبَتها في لُبْسه قال له: ((إن ◌َبِسَته جلستَ ولا إزار
لك)».
وفيه نظرُ الإمام في مصالح رَعيَّته وإرشادُه إلى ما يُصلِحهم.
وفي الحديث أيضاً المراوَضَة في الصَّداق، وخِطبةُ المرء لنفسِه، وأنَّه لا يجب إعفاف
المسلم بالنِّكاح كوجوب إطعامه الطَّعام والشَّراب.
قال ابن التِّين بعد أن ذكر فوائد الحديث: فهذه إحدى وعشرونَ فائدة بَوَّبَ البخاريّ
على أكثرها. قلت: وقد فصَلتُ ما تَرجَمَ به البخاريّ من غيره، ومَن تأمَّلَ ما جمعتُه هنا،
علم أنّه یزید على ما ذَكَرَه مقدار ما ذکر أو أكثر.
ووَقَعَ التَّنصيص على أنَّ النبيّ ◌َّهِ زَوَّجَ رجلاً امرأة بخاتَمٍ من حديد، وهذا هو النُّكتة
في ذِكْر الخاتَم دون غيره من العُرُوض، أخرجه البَغَويُّ في ((مُعجَم الصَّحابة)) من طريق
(١) أخرجه ابن حبان (٤٠٧٥) وغيره من حديث عائشة بإسناد حسن.
(٢) معنى الشَّوْرة هنا: اللباس والمتاع.

٤٢٩
باب ٥١-٥٢ / ح ٥١٥٠
كتاب النكاح
الفَعنبيِّ عن حُسَين بن عبد الله بن ضُمَيرة عن أبيه عن جَدّه: أنَّ رجلاً قال: يا نبيَّ الله، أنكِجْني
فلانة، قال: ((ما تُصدِقها؟)) قال: ما معي شيء، قال: ((لمن هذا الخاتَم؟)) قال: لي، قال: «فأعطِها
إِّه) فَأَنكَحَه. وهذا وإن كان ضعيف السَّنَد، لكنَّه يَدخُل في مثل هذه الأُمَّهات.
٥١ - باب المهرِ بالعُرُوض وخاتم من حديدٍ
٥١٥٠- حدَّثنا يحيى، حدَّثنا وكِيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي حازِمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، أنَّ
النبيَّ ◌َّ قال لِرجلٍ: ((تزوَّجْ ولو بخاتَمِ من حديدٍ)).
قوله: ((باب المَهر بالعُرُوضِ، وخاتَم من حديد)) العُرُوض - بضمِّ العين والرّاء المهمَلتَينِ -:
جمعُ عَرْض، بفتح أوَّله وسكون/ ثانيه والضّاد مُعجَمة: ما يُقابل النَّقْد.
٢١٧/٩
وقوله بعده: ((وخاتَم من حديد)) هو من الخاصّ بعد العامّ، فإنَّ الخاتم من حديد من
◌ُلَة العُرُوض، والتَّرجمة مأخوذة من حديث الباب للخاتَمِ بالتَّنْصيصِ والعُرُوض
بالإلحاق، وتقدَّم في أوائل النِّكاح حديث ابن مسعود (٥٠٧٥): فأرخَصَ لنا أن نَنكِحَ
المرأة بالثَّوب، وتقدَّم في الباب قبله عِدّة أحاديث في ذلك.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن موسى، كما صَرَّحَ به ابن السَّكَن، وسفيان: هو الثَّوريّ.
قوله: ((قال لرجل: تزوَّجْ ولو بخاتَم من حديد)» هذا مختصر من الحديث الطّويل الذي قبله،
وقد ذكرتُ مَّن ساقه عن الثَّوريّ مُطَوَّلاً وهو عبد الرَّزّاق(١)، لكنَّه قَرَنَه في روايته بمَعمَر،
وأخرجه ابن ماجه (١٨٨٩) من رواية سفيان الثَّوريّ أتمَّ ممّا هنا، وقد ذكرت ما في روايته من
فائدة زائده في الحديث الذي قبله، وتقدَّم من الكلام فيه ما يُغنِي عن إعادته، والله أعلم.
٥٢- باب الشّروط في النّكاح
وقال عمرُ: مَقاطِعُ الحقوقِ عندَ الشُّروطِ.
وقال المِسوَرُ بن تَخَرَمة: سمعتُ النبيَّ ◌َّهَ ذَكَرَ صِهْراً له، فأثْنَى عليه في مُصاهَرَتِهِ، فَأَحسنَ،
قال: ((حدَّثْنِي فَصَدَقَني، ووَعَدَنِي فَوَقَ لِي)).
(١) أي: من طريقه، وهي عند الطبراني (٥٩٦١).

٤٣٠
باب ٥٢ / ح ٥١٥١
فتح الباري بشرح البخاري
٥١٥١ - حدّثنا أبو الوليد هشامُ بنُ عبدِ الملِك، حدَّثنا لَیثٌ، عن یزیدَ بنِ أبي حَبیبٍ، عن
أبي الخيرِ، عن عُقْبةَ، عن النبيِّ وَّ قال: ((أحقُّ ما أوْفَيْتُم منَ الشُّروطِ أن تُوفُوا به ما استَحْلَلتُم
به الفُروجَ)».
قوله: ((باب الشُّروط في النِّكاح)) أي: التي تَحِلّ وتُعتبر، وقد تَرجَمَ في كتاب الشُّروط
((الشُّروط في المهر عند عُقْدة النِّكاح)) (٢٧٢١)، وأورَدَ الأثر المعلَّق، والحديث الموصول
المذکور هنا.
قوله: ((وقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشُّروط)) وَصَلَه سعيد بن منصور (٦٦٣) من
طريق إسماعيل بن عُبيدِ الله - وهو ابن أبي المهاجِر - عن عبد الرَّحمن بن غَنْمِ قال: كنت معَ
عمر حيثُ تَسّ رُكَبَتِي رُكبَته، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، تزوَّجتُ هذه وشَرَطَت
لها دارها، وإنّ أَجمَعُ لأمري - أو لشأني - أن أنتقِلَ إلى أرض كذا وكذا، فقال: لها شرطها،
فقال الرجل: هَلَكَ الرِّجال إذ لا تشاء امرأة أن تُطلِّق زوجها إلّا طَلَّقَت، فقال عمر:
المؤمنون على شُرُوطِهم عند مَقاطِع حقوقهم. وتقدَّم في الشُّروط من وجهٍ آخر عن ابن أبي
المهاجِر نحوه (١)، وقال في آخره: فقال عمر: إنَّ مقاطِع الحقوق عند الشُّروط، ولها ما
اشتَرَطَت.
قوله: ((وقال المِسْوَر بن ◌َخَرَمةَ: سمعت النبيّ ◌َِّ ذكر صِهْراً له، فأثْنَى عليه)) تقدَّم
موصولاً في المناقب (٣٧٢٩) في ذِكْر أبي العاص بن الرَّبيع وهو الصِّهر المذكور، وبيَّنت هناك
نَسَبَه والمراد بقوله: ((حدَّثني فصَدَقَني))، وسيأتي شرحه مُستَوَى في أبواب الغَيْرة في أواخر كتاب
النكاح (٥٢٣٠)، والغرض منه هنا: ثناءُ النبيّ ◌َ﴿ عليه لأجلِ وفائه بما شَرَطَ له.
قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد)) هو الطَّيالسيّ.
(١) لم يتقدَّم موصولاً عند البخاري، وإنما معلّقاً في ((باب الشروط في المهر عند عُقدة النكاح)) بين يدي
الحديث (٢٧٢١)، وعزاه المصنّف هناك لابن أبي شيبة وسعيد بن منصور.
قلنا: وهو عند ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١٩٩/٤ و٦/ ٥٧٠ من طریق یزید بن یزید بن جابر، وسعيد
ابن منصور في ((سننه)) (٦٦٣) من طريق أيوب، كلاهما عن ابن أبي المهاجر، بالإسناد المذكور.

٤٣١
باب ٥٢ / ح ٥١٥١
كتاب النكاح
قوله: ((عن يزيد بن أبي حبيب)) تقدَّم في الشُّروط (٢٧٢١) عن عبد الله بن يوسف عن
اللَّیث: حدّثني یزید بن أبي حبيب.
قوله: ((عن أبي الخير)) هو مَرَد بن عبد الله اليَزَنيّ، وعُقْبة: هو ابن عامر الجُهَنيّ.
قوله: ((أحقّ ما أوْفَيْتُم من الشُّروط أن توفوا به)) في رواية عبد الله بن يوسف: ((أحقّ
الشُّرُوط أن تُوفُوا به))، وفي رواية مسلم (١٤١٨) من طريق عبد الحميد بن جعفر عن يزيد
ابن أبي حبيب: ((إن أحقّ الشُّروط أن يوفَى به)).
قوله: ((ما اسْتَحْلَلْتُم به الفُروج)) أي: أحقّ الشُّروط بالوَفاءِ شُرُوط النِّكاح، لأنَّ أمرَه
أحوَطُ وبابه أضيقُ.
وقال الخطَّبيُّ: الشُّروط في النِّكاح مُخْتَلِفة، فمِنها ما يجب الوفاء به اتِّفاقاً، وهو ما أمَرَ الله
به من إمساكٍ بمعروفٍ أو / تَسْريح بإحسانٍ، وعلیه حَلَ بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا ٢١٨/٩
يُوفَى به اتّفاقاً كسؤال طَلاق أُختها، وسيأتي حُكمُه في الباب الذي يليه، ومنها ما اختُلِفَ
فيه كاشتراطِ أن لا يَتزوَّج عليها أو لا يَتَسَرَّى أو لا يَنقُلها من مَنِزِلها إلى منزله.
وعند الشافعيَّة الشُّروط في النِّكاح على ضربينٍ: منها ما يَرجِع إلى الصَّداق فيجب
الوَفاء به، وما يكون خارجاً عنه فيختلف الحُكم فيه، فمنه ما يَتَعلَّق بحَقِّ الَّوج وسيأتي
بيانه، ومنه ما يَشتَرِطه العاقد لنفسِه خارجاً عن الصَّداق، وبعضهم يُسَمّيه الحُلْوان،
فقيلَ: هو للمرأة مُطلَقاً، وهو قول عطاء وجماعة من التابعينَ، وبه قال الثَّوْريّ وأبو عُبيد،
وقيل: هو لمن شَرَطَه، قاله مسروق وعليّ بن الحسين، وقيل: يَخْتَصّ ذلك بالأب دون غيره
من الأولياء، وقال الشافعيّ: إن وَقَعَ في نفس العَقد وجَبَ للمرأة مَهرُ مِثلِها، وإن وَقَعَ
خارجاً عنه لم يَجِب، وقال مالك: إن وَقَعَ في حال العَقد فهو من جُملة المهر، أو خارجاً عنه
فهو لمن وُهِبَ له، وجاء ذلك في حديث مرفوع أخرجه النَّسائيُّ (٣٣٥٣) من طريق ابن
جُرَيج عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص: أنَّ النبيّ وَّم قال:
((أيما امرأة نَكَحَت على صَدَاق أو حِباءٍ أو عِدّة قبل عِصْمة النِّكاح، فهو لها، فما كان بعد

٤٣٢
باب ٥٢ / ح ٥١٥١
فتح الباري بشرح البخاري
عِصْمة النِّكاح، فهو لمن أُعطيه، وأحقّ ما أُكرِم به الرجل ابنتُه أو أُختُه))، وأخرجه البيهقيُّ
(٧/ ٢٤٨) من طريق حَجّاج بن أرطاةَ عن عَمْرو بن شُعَيب عن عُرْوة عن عائشة نحوه،
وقال التِّرمِذيّ بعد تخريجه (١١٢٧): والعَمَل على هذا عند بعض أهل العلم من الصَّحابة
منهم عمر قال: إذا تزوَّجَ الرجل المرأة وشَرَطَ أن لا يُخْرِجها لَزِمَ، وبه يقول الشافعيّ وأحمد
وإسحاق، كذا قال، والنَّقل في هذا عن الشافعيّ غريب، بل الحديث عندهم محمول على
الشُّروط التي لا تُنافي مُقْتَضَى النِّكاح، بل تكون من مُقْتَضَياته ومقاصده، كاشتراطِه
العِشْرة بالمعروفِ والإنفاق والكِسْوة والسُّكنَى، وأن لا يُقَصِّر في شيء من حَقّها من قِسمة
ونحوها، وكَشرطِه عليها ألّا تَّخْرُج إلّا بإذنِهِ، ولا تَمَنَعه نفسها ولا تَتَصَرَّف في مَتاعِه إلّا
برِضاه ونحو ذلك، وأمَّا شرط يُنافي مُقتَضَى النِّكاح كأن لا يَقسِم لها، أو لا يَتَسَرَّى عليها،
أو لا يُنفِق أو نحو ذلك، فلا يجب الوفاء به بل إن وَقَعَ في صُلْب العَقد لَغَى، وصَحَّ النِّكاح
بمَهرِ المِثل. وفي وجهٍ: يجب المسَمَّى ولا أثر للشَرطِ، وفي قول للشّافعيِّ: يَبطُل النِّكاح.
وقال أحمد وجماعة: يجب الوَفاء بالشَّرطِ مُطلَقاً.
وقد استَشكَلَ ابن دقيق العيد حَلَ الحديث على الشُّروط التي هي من مُقْتَضَيات النِّكاح،
قال: تلك الأُمور لا تُؤَثِّر الشُّروط في إيجابها، فلا تَشتَدّ الحاجة إلى تعليق الحُكمِ باشتراطِها،
وسياق الحديث يقتضي خِلاف ذلك، لأنَّ لفظ: ((أحقّ الشُّروط)» يقتضي أن يكون بعض
الشُّروط يقتضي الوَفاء بها، وبعضها أشدّ اقتضاء، والشُّروط التي هي من مُقتَضَى العَقد مُستَوية
في وجوب الوَفاء بها. قال الثِّرمِذيّ: وقال عليّ: سَبَقَ شرطُ الله شرطَها، قال: وهو قول الثَّوْرِيّ
وبعض أهل الكوفة، والمراد في الحديث الشُّروط الجائزة لا المنهيّ عنها، انتهى.
وقد اختُلِفَ عن عمر، فروى ابن وَهْب(١) بإسنادٍ جَيِّد عن عُبيد بن السَّاقِ: أنَّ رجلاً
تزوَّجَ امرأة، فشَرَطَ لها أن لا يُخْرِجها من دارها، فارتَفَعوا إلى عمر فوَضَعَ الشَّرط، وقال:
المرأة معَ زوجها. قال أبو عُبيد: تَضادَّت الرّوايات عن عمر في هذا، وقد قال بالقولِ
(١) رواه عن ابن وهبٍ سعيد بن منصور في ((سننه)) (٦٧٠)، ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه البيهقي
٢٤٩/٧.

٤٣٣
باب ٥٣ / ح ٥١٥٢
كتاب النكاح
الأوَّل عَمْرو بن العاص، ومن التابعينَ طاووسٌ وأبو الشَّعثاء، وهو قول الأوزاعيِّ، وقال
اللَّيث والثَّوْريُّ والجمهور بقولِ عليّ، حتَّى لو كان صَدَاقُ مِثلِها مئةً مثلاً، فرضيت
بخمسين على أن لا يُخْرِجها فله إخراجها، ولا يَلزَمه إلّ المسمَّى، وقالت الحنفيَّة: لها أن
تَرجِع عليه بما نَقَصَته له من الصَّداق. وقال الشافعيّ: يَصِحّ النِّكاح ويَلغو الشَّرط ويَلَزَمه
مَهرُ المِثْل، وعنه: يَصِحّ وتَستَحِقّ الكلّ. وقال أبو عُبيد: والذي نأخُذ به أنّا نأمُرُه بالوَفاءِ
بشرطِه من غير أن يُحِكَم عليه بذلكَ. قال: وقد أجمعوا على أنَّها لو اشتَرَطَت عليه أن لا
يَطَأْها لم يجب الوَفاء بذلكَ الشَّرط، فكذلكَ هذا.
/ وما يُقوِّي حَمْل حديث عُقْبةَ على النَّدب ما سيأتي في حديث عائشة في قصَّة بَرِيرة(١): ٢١٩/٩
((كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل)) والوَطء والإسكان وغيرهما من حقوق الزَّوج،
إذا شُرِطَ عليه إسقاط شيء منها كان شرطاً ليس في كتاب الله فيَبطُل، وقد تقدَّم في البيوع
الإشارةُ إلى حديث: ((المسلمونَ عند شُرُوطهم، إلّا شرطاً أحَلَّ حَراماً، أو حَرَّمَ حلالاً))
وحديث: ((المسلمونَ عند شرطهم ما وافَقَ الحقّ))(٢) وأخرج الطبرانيُّ في ((الصَّغير)) (١١٥٧)
بإسنادٍ حسن عن جابر: أنَّ النبيّ وََّ خَطَبَ أمّ مُبَشِّر بنت البراء بن مَعْرور، فقالت: إنّ
شَرَطت لزوجي أن لا أتَزَوَّج بعده، فقال النبيّ ◌َّ: ((إِنَّ هذا لا يَصلُح)). وقد تَرجَمَ المحِبّ
الطَّبَرِيُّ على هذا الحديث: ((استحباب تَقدِمة شيء من المهر قبل الدَّخول)) وفي انتزاعه من
الحديث المذكور غُمُوض، والله أعلم.
٥٣- باب الشّروط الّتي لا تحلّ في النّكاح
وقال ابنُ مسعودٍ: لا تَشْتَرِطِ المرأةُ طَلَاقَ أُخْتِها.
٥١٥٢ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن زكريّا هو ابنُ أبي زائدةً، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ،
عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ نَّهِ قال: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تَسألُ طَلاقَ أُخْتِها
(١) بل سلف بهذا اللفظ في كتاب المكاتب (٢٥٦٣)، وفي الشروط (٢٧٣٥).
(٢) سلف معلقاً في كتاب الإجارة تحت باب رقم (١٤) باب أجر السمسرة قبل الحديث رقم (٢٢٧٤)،
مختصراً بقوله: ((المسلمون عند شروطهم)).

٤٣٤
باب ٥٣ / ح ٥١٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها)).
قوله: ((باب الشُّروط التي لا تَحِلّ في النِّكاح)) في هذه التَّرجمة إشارة إلى تخصيص الحديث
الماضي في عُمُوم الحثّ على الوَفاء بالشَّرطِ بما يُباح، لا بما نُهي عنه، لأنَّ الشُّروط الفاسدة لا
يَحِلّ الوَفاء بها، فلا يناسب الحثّ عليها.
قوله: ((وقال ابن مسعود: لا تَشْترِط المرأة طَلَاقَ أُخْتها)) كذا أورَدَه مُعلَّقاً عن ابن
مسعود، وسأُبِّنُ أنَّ هذا اللَّفظ بعينِهِ وَقَعَ في بعض طرق الحديث المرفوع عن أبي هريرة،
ولعلَّه لمَّا لم يقع له اللَّفظ مرفوعاً أشارَ إليه في المعلَّق إيذاناً بأنَّ المعنى واحد.
قوله: ((لا يَحِلّ لامرأةٍ تَسأل طَلَاقَ أُخْتها لتَسْتَفْرِغ صَحْفَتها، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها)) هكذا
أورَدَه البخاريّ بهذا اللَّفظ، وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق ابن الجُنَيد عن
عُبيدِ الله بن موسى شيخ البخاريّ فيه بلفظ: ((لا يَصلُح لامرأة أن تَشتَرط طلاقَ أُختها
لتُكفِئ إناءَها)»، وكذلكَ أخرجه البيهقيُّ (٢٤٩/٧) من طريق أبي حاتم الرّازيّ عن
عُبيدِ الله بن موسى، لكن قال: ((لا ينبغي)) بَدَل ((لا يَصلُح))، وقال: (لِتَكْفاً))(١)، وأخرجه
الإسماعيليّ من طريق يحيى بن زَكَريّاء بن أبي زائدة عن أبيه بلفظ ابن الجُنَيد لكن قال:
(لِتَكْفاً))(٢)، فهذا هو المحفوظ من هذا الوجه من رواية أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة، وأخرج
البيهقيُّ (٧/ ١٨٠) من طريق أحمد بن إبراهيم بن مِلْحانَ عن اللَّيث عن جعفر بن ربيعة
عن الأعرج عن أبي هريرة في حديث طويل أوَّله: ((إيّاكم والظَّنَّ)) وفيه: ((ولا تَسألِ المرأةُ
طلاقَ أُختها لتَستَفرِغَ إناءَ صاحبتها، ولْتَنكِحْ، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها)) وهذا قريب من اللَّفظ
الذي أورَدَه البخاريّ هنا.
وقد أخرج البخاريّ (٥١٤٤,٥١٤٣) من أوَّل الحديث إلى قوله: ((حتَّى يَنكِح أو
يَترُك)) ونَبَّهتُ على ذلك فيما تقدَّم قريباً في ((باب لا تَخْطُب على خِطْبة أخيه))، فإمّا أن يكون
عُبيد الله بن موسى حدَّث به على اللَّفظَينِ أو انتَقَلَ الذِّهن من متنٍ إلى متنٍ، وسيأتي في كتاب
(١) في (ع) و(س): ((لتُكِفِئ))، والمثبت من (ع) و ((سنن البيهقي)).
(٢) في (س): ((لتُكفِئ))، والمثبت من الأصلين.

٤٣٥
باب ٥٣ / ح ٥١٥٢
كتاب النكاح
القَدَر (٦٦٠١) من رواية أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: ((لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ
أُختها لتَستَفرِغ صَحِفَتها، ولْتَنكِح، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها)) وتقدَّم في البيوع (٢١٤٠) من رواية
الزُّهْريّ عن ابن المسيّب عن أبي هريرة في حديث أوَّله: نَهَى رسول الله وَّ﴾ أن يبيع حاضرٌ
لبادٍ - وفي آخره ـ ((ولا تَسألِ المرأةُ طَلاق أُختها لتُكفِئ ما في إنائها)).
/ قوله: ((لا يَحِلّ)) ظاهر في تحريم ذلك، وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سببٌ مُوِّز ٢٢٠/٩
ذلك، كَريبةٍ في المرأة لا ينبغي معها أن تَستَمِرّ في عِصْمة الزَّوج، ویکون ذلك على سبيل
النَّصيحة المحْضَة، أو لضَرَرٍ يَحَصُل لها من الزَّوج أو للَّوجِ منها، أو يكون سؤالها ذلك
بعِوَضٍ، ولِلَّوجِ رَغبة في ذلك، فيكون كالخُلع معَ الأجنبيّ، إلى غير ذلك من المقاصد
المختلفة.
وقال ابن حبيب: حَمَلَ العلماء هذا النَّهيَ على النَّب، فلو فعل ذلك لم يُفسَخ النِّكاح.
وتَعقَّبَه ابن بَطّال بأنَّ نفيَ الِحِلّ صريح في التَّحريم، ولكن لا يَلزَم منه فسخُ النِّكاح، وإنَّما
فيه التَّغليظ على المرأة أن تسأل طَلَاقَ الأُخرَى، ولتَرضَ بما قَسَمَ الله لها.
قوله: ((أُخْتها)) قال النَّوَويّ: معنى هذا الحديث نهيُ المرأة الأجنبيّة أن تسأل رجلاً
طلاق زوجته وأن يَتزوَّجها هي، فيصير لها من نَفَقَته ومعروفه ومُعاشَرَته ما كان للمُطَلَّقة،
فعَبَّرَ عن ذلك بقوله: ((تَكتفئَ ما في صَحفَتها))، قال: والمراد بأُختِها غيرها سواء كانت
أُختها من النَّسَب أو الرَّضاع أو الدّين، ويُلحَق بذلكَ الكافرة في الحُكم وإن لم تكن أُختاً في
الدّين؛ إمّا لأنَّ المراد الغالب أو أنَّها أُختها في الجِنس الآدَميّ، وحَمَلَ ابن عبد البَرّ الأُخت
هنا على الضَّرّة فقال: فيه من الفقه أنَّه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يُطَلِّق ضَرَّتها
التَنْفَرِد به. انتهى، وهذا يُمكِن في الرِّواية التي وَقَعَت بلفظ: ((لا تسأل المرأة طلاقَ أُختها»،
وأمَّ الرِّواية التي فيها لفظ الشَّرط فظاهرها أنَّها في الأجنبيَّة، ويُؤيِّده قوله فيها: ((ولْتَنكِحِ))
أي: ولْتَتَزوَّج الزّوج المذكور من غير أن تشترط أن يُطلِّق التي قبلها.
وعلى هذا فالمراد هنا بالأُختِ الأُختُ في الدِّين، ويُؤيِّده زيادة ابن حِبّان (٤٠٧) في

٤٣٦
باب ٥٣ / ح ٥١٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
آخِره من طريق أبي كَثِير عن أبي هريرة بلفظ: ((لا تسأل المرأةُ طَلاق أُختها لتَستَفرِغ
صَحْفَتها، فإنَّ المسلمة أُخت المسلمة))، وقد تقدَّم في ((باب لا يَخْطُب الرجل على خِطبة
أخيه)) (٥١٤٢) نَقُلُ الخِلاف عن الأوزاعيِّ وبعض الشافعيَّة أنَّ ذلك مخصُوصٌ بالمسلمة،
وبه جَزَمَ أبو الشَّيخ في كتاب ((النِّكاح))، ويأتي مِثله هنا، ويَجِيءُ على رأي ابن القاسم أن
يُستَنَى ما إذا كانت المسؤولُ طلاقُها فاسقةً، وعند الجمهور لا فرقَ.
قوله: ((لتَسْتَفِرِغَ صَحْفتَها)) يُفسِّرِ المراد بقولِه: ((تَكتَفِئ)) وهو بالهمز افتِعال من كَفَأْتُ
الإناء: إذا قَلَبتَه وأفرَغتَ ما فيه، وكذا يَكْفَأ، وهو بفتح أوَّله وسكون الكاف وبالهمزِ،
وجاء أكفَأْتُ الإناء: إذا أمَلْتَه، وهو في رواية ابن المسيّب: (لتُكفِئ)) بضمِّ أوَّله من أكفَأت
وهي بمعنى أمَلْته، ويقال: بمعنى أكبَبته أيضاً، والمراد بالصَّحفة ما يَحصُل من الَّوج، كما
تقدَّم من كلام النَّوويّ.
وقال صاحب ((النّهاية)): الصَّحفة: إناء كالقَصْعة المبسوطة، قال: وهذا مَثَل، يريد
الاستئثار عليها بحَظِّها، فيكون كمَن قَلَبَ إناء غيره في إنائه. وقال الطِّييُّ: هذه استعارة
مُستَمِلَحة تمثيليَّة، شَبَّهَ النَّصيب والبَخْت بالصَّحفة، وحُظوظَها وتَتُّعها بها(١) بما يُوضَع في
الصَّحفة من الأطعمة اللَّذيذة، وشَبَّهَ الافتراق المسبّب عن الطَّلاق باستفراغ الصَّحفة عن
تلك الأطعمة، ثمَّ أدخَلَ المشَبَّه في جِنس المشَبَّه به، واستعملَ في المشَبَّه ما كان مُستَعمَلاً في
المشَبَّه به.
قوله: (ولتَنكِحْ)) بكسرِ اللّم وبإسكانها وبسكونِ الحاء على الأمر، ويحتمل النَّصب
عَطفاً على قوله: ((لتَكتَفِئ)) فيكون تعليلاً لسؤال طلاقها، ويَتَعيَّن على هذا كسر اللّام، ثمّ
يحتمل أنَّ المراد: ولِتَنكِح ذلك الرجل من غير أن تَتَعرَّض لإخراجِ الضَّرّة من عِصمته، بل
تَكِلُ الأمر في ذلك إلى ما يُقدِّره الله، ولهذا خَتَمَ بقولِه: «فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها)) إشارة إلى أنَّهَا
وإن سألت ذلك وألَخَّت فيه واشتَرَطَته، فإنَّه لا يقع من ذلك إلّا ما قَدَّرَه الله، فينبغي أن
(١) في (س): وتمتعاتها، والمثبت من الأصلين.

٤٣٧
باب ٥٤-٥٥ / ح ٥١٥٣-٥١٥٤
كتاب النكاح
لا تَتَعرَّض هي لهذا المحذُور الذي لا يَقَع منه شيء بمُجرَّدِ إرادَتها، وهذا ممّا يُؤْيِّد أنَّ
الأُخت من النَّسَب أو الرَّضاع لا تَدخُل في هذا، ويحتمل أن يكون المراد ولتَنكِح غيره
وتُعرِض عن هذا الرجل، أو المراد ما يَشمَل الأمرَينِ، والمعنى: ولِتَنكِحِ مَن تيسَّر لها؛ فإن
كانت التي قبلها أجنبيّة فلتَنكِح الرجل / المذكور، وإن كانت أُختها فلتَنكِح غيره، والله ٢٢١/٩
أعلم.
٥٤- باب الصُّفرة للمتزوّج
ورواه عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ عن النبيِّ ◌َّ.
٥١٥٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ
أنَّ عبد الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ جاء إلى رسولِ اللهِوَّهُ وبِهِ أثرُ صُفْرةٍ، فسألَه رسولُ الله ◌َِّ، فأخبره
أَّه تزوَّجَ امرأةً منَ الأنصار، قال: ((كم سُقْتَ إليها)) قال: زِنَ نَواةٍ من ذهبٍ، قال رسولُ الله ◌َّ:
(أَوْلِمْ ولو بشاٍ)).
قوله: ((باب الصُّفْرة للمُتزوِّجِ)) كذا قَّدَه بالمتزوِّچِ إشارةً إلى الجمع بين حديث الباب
وحديث النَّهي عن التَّزعفُر للرِّجال، وسيأتي البحث فيه بعد أبواب (٥١٦٧).
قوله: ((رواه عبد الرَّحمن بن عَوْف، عن النبيّ ◌َّ) يشير إلى حديثه الذي تقدَّم موصولاً
في أوَّل البيوع (٢٠٤٩) قال: لمَّا قَدِمْنا المدينة؛ فذكر الحديث بطولِه، وفيه: جاء عبد الرَّحمن
ابن عَوْف وعليه أثر صُفْرة فقال: ((تزوَّجت؟)) قال: نعم.
وأورَدَ المصنّف هذه القصَّة في هذا الباب من طريق مالك عن حُميدٍ مختصرة، وسيأتي
شرحها في ((باب الوليمة ولو بشاةٍ)) (٥١٦٧) مُستَوَى إن شاءَ الله تعالى.
٥٥- بابٌ
٥١٥٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن حُميدٍ، عن أنسٍ قال: أوْلَمَ النبيُّ ◌َّهِ بزينبَ
فأوْسَعَ المسلمينَ خيراً، فخَرَجَ كما يَصْنَعُ إذا تزوَّجَ، فأتى حُجَرَ أَمَّهاتِ المؤمنينَ يَدْعو ويَدْعونَ،
ثُمَّ انصَرَفَ، فَرَأَى رجلَينِ فَرَجَعَ، لا أدْري آَخْبَرْتُه أو أُخْبِرَ بخُروجِهما.

٤٣٨
باب ٥٦ / ح ٥١۵۵
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب)) كذا لهم بغير ترجمة، وسَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية النَّسَفيّ، وكذا من
((شرحٍ ابن بَطّال))، ثمَّ استشكَلَه بأنَّ الحديث المذكور لا يَتَعلَّق بترجمة الصُّفرة للمُتزوِّجِ،
وأُجيب بما ثَبَتَ في أكثر الرِّوايات من لفظ ((باب)) والسُّؤال باقٍ، فإنَّ الإتيان بلفظ ((باب))
وإن كان بغير ترجمة لكنَّه كالفَصلِ من الباب الذي قبله كما تَقرَّرَ غير مرَّة.
والحديث المذكور هنا حديث أنس: ((أولَمَ النبيّ ◌َّهِ بزينب)) يعني: بنت جَحْش، أورَدَه
مختصراً، وقد تقدَّم مُطوَّلاً في تفسير سورة الأحزاب معَ شرحِه (٤٧٩٣)، ومُناسَبته للتَّرجمة
من جهة أنَّه لم يقع في قصَّة تزويج زينبَ بنت جَحْشٍ ذِكْرٌ للصُّفرة، فكأنَّه يقول: الصُّفرة
للمُتزوِّجِ من الجائز لا من المشروط لكلِّ مُتزوِّج.
٥٦- باب کیف یُدعَی للمتزوّج
٥١٥٥- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا حَمَّدٌ - هو ابنُ زيدٍ - عن ثابتٍ، عن أنسٍ رضي الله
عنهُ، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ رَأى على عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرةٍ، قال: ((ما هذا؟)) قال: إنّي تزوَّجْتُ
امرأةً على وزْنِ نَواةٍ من ذهبٍ، قال: ((بارَكَ الله لكَ، أَوْلِمْ ولو بشاةٍ».
قوله: ((باب كيف يُدْعَى للمُتزوِّج؟)) ذكر فيه قصَّة تزويج عبد الرّحمن بن عَوْف مختصرة
من طريق ثابت عن أنس، وفيه: ((قال: بارَكَ الله لك)) قال ابن بَطّال: إنَّما أراد بهذا الباب
٢٢٢/٩ - والله أعلم - رَدَّ قول العامّة عند العُرْس: بالرِّفاءِ والبَنِينَ، فكأنَّه/ أشارَ إلى تضعيفه ونحو
ذلك، كحديث معاذ بن جبل: أنَّ شَهِدَ إمْلاكَ رجل من الأنصار، فخَطَبَ رسولُ الله ◌َله
وأنكَحَ الأنصاريّ وقال: ((على الأُلفة والخير والبَرَكة والطَّير الميمون والسَّعة في الرِّزق)) الحديث
أخرجه الطبرانيُّ في «الكبير» (١٩١/٢٠) بسندٍ ضعيف، وأخرجه في «الأوسط)» (١١٨) بسندٍ
أضعَف منه، وأخرجه أبو عُمَر النُّوقاتي(١) في كتاب ((مُعاشَرة الأهلِينَ)) من حديث أنس،
(١) تحرَّفت في (س) إلى: البرقاني، والمثبت من الأصلين، وكذلك تحرَّفت ((أبو عُمر)) في الأصلين و(س) إلى
((أبو عمرو))، والصواب ما أثبتنا، وهو أبو عُمر محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان السِّجْزي النُّوقاتي
(ت٣٨٢هـ)، والنُّوقاتي بنون مضمومة ومثناة فوق قبل ياء النسبة: نسبة إلى نُوقات؛ قرية من سِجِستان.
انظر ((توضيح المشتبه)) لابن ناصر الدين الدمشقي ١/ ٤٦١.

٤٣٩
باب ٥٦ / ح ٥١٥٥
كتاب النكاح
وزاد فيه: ((والرِّفاء والبنينَ)) وفي سنده أبان العَبْديّ وهو ضعيف.
وأقوى من ذلك ما أخرجه أصحاب ((السُّنَن))(١) وصَحَّحَه التِّرمِذيّ (١٠٩١) وابن
حِبّان (٤٠٥٢) والحاكم (٢/ ١٨٣) من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُرَيرة
قال: كان رسول الله وَ﴿ إذا رَفَّأَ إنساناً قال: ((بارَكَ الله لك وبارَكَ عليك وجَمَعَ بينكُما في
خير)). وقوله: ((رَفَّأ)) بفتح الرّاء وتشديد الفاء مهموز معناه: دَعًا له في موضع قولهم: بالرِّفاءِ
والبنينَ. وكانت كلمةً تقولها أهل الجاهليّة، فوَرَدَ النَّهي عنها، كما روى بَقيّ بن تَخَلَد من
طريق غالب عن الحسن عن رجل من بني تميم قال: كنَّا نقول في الجاهليّة: بالرِّفاءِ والبنينَ،
فلمَّا جاء الإسلام عَلَّمَنا نبيُّنا قال: ((قولوا: بارَكَ الله لكم وبارَكَ فيكم وبارَكَ عليكم)).
وأخرج النَّسائيُّ (٣٣٧١) والطبري (٢) والطبرانيُّ (٥١٢/١٧-٥١٨) من طريق أُخرى
عن الحسن عن عَقِيل بن أبي طالب: أنَّه قَدِمَ البصرة فتزوَّجَ امرأة، فقالوا له: بالرِّفاءِ
والبنينَ، فقال: لا تقولوا هكذا، وقولوا كما قال رسول الله وَ له: ((اللهمَّ بارِْ لهم وبارك
عليهم)) ورجاله ثقات، إلّا أنَّ الحسن لم يسمع من عَقِيل فيما يقال، ودَلَّ حديث أبي هريرة
على أنَّ اللَّفظ كان مشهوراً عندهم غالباً حتَّى سُمّيَ كلّ دعاء للمُتزوِّجِ تَرفِئة.
واختُلِفَ في عِلّة النَّهي عن ذلك فقيلَ: لأنَّه لا حَدَ فيه ولا ثَناء ولا ذِكْر لله، وقيل: لمَا
فيه من الإشارة إلى بُغض البنات لتخصيصِ البنينَ بالذِّكرِ، وأمَّا الرِّفاء فمعناه: الالتئام من
رَفَأْتُ الثَّوب ورَفَوته رَفْواً ورِفاء، وهو دعاء للَّوجِ بالالتئام والائتلاف فلا كراهة فيه.
وقال ابن المنيِّر: الذي يظهر أنَّه وَلَّ كَرِهَ اللَّفظ لما فيه من مُوافَقة الجاهليّة، لأنَّهم كانوا
يقولونه تفاؤُلاً لا دعاء، فيظهر أنَّه لو قيل للمُتزوِّج بصورة الدُّعاء لم يُكرَه، كأن يقول:
اللهمَّ أَلُّف بينهما وارزُقهما بنينَ صالحينَ مثلاً، أو أَلَّفَ الله بينكما ورَزَقَكُما ولداً ذَكَراً ونحو
ذلك.
(١) أخرجه أبو داود (٢١٣٠)، وابن ماجه (١٩٠٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٠١٧).
(٢) قوله: ((والطبري)) لم ترد في (س)، وأثبتناها من الأصلين، لكن لم نقع على الحديث فيما بين أيدينا من كتب
ابن جرير الطبري المطبوعة، والله أعلم.

٤٤٠
باب ٥٧ / ح ٥١٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا ما أخرجه ابن أبي شَيْبة(١) من طريق عمر بن قيس الماصر(٢) قال: شَهِدت شُرَيحاً
وأتاه رجل من أهل الشّام فقال: إنّ تزوَّجت امرأة، فقال: بالرِّفاءِ والبنينَ .. الحديث،
وأخرجه عبد الرَّزاق (١٠٤٥٨) من طريق عَديّ بن أرطاةَ قال: حَدَّثْتُ شُرَيحاً أنّي تزوَّجتُ
امرأة، فقال: بالرِّفاءِ والبنينَ. فهو محمول على أنَّ شُرَيحاً لم يَبلُغه النَّهيُّ عن ذلك، ودَلَّ صنيع
المؤلّف على أنَّ الدُّعاء للمُتزوِّج بالبَرَكة هو المشروع، ولا شكَّ أنَّها لفظة جامعة، يَدخُل
فيها كلُّ مقصود من ولد وغيره، ويُؤيِّد ذلك ما تقدَّم من حديث جابر: أنَّ النبيّ وَِّ لِمَّا
قال له: ((تزوَّجتَ بكراً أو ثِيِّاً؟)) قال له: ((بارَكَ الله لك))(٣)، والأحاديث في ذلك معروفة.
٥٧- باب الدّعاء للنِّسوة اللّاتي يهدِين العَروس وللعَروس
٥١٥٦- حدَّثْنَا فَرْوةُ، حدَّثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها: تزوَّجَني النبيُّ ◌َِّ فأتتْنِي أمّي فأدْخَلَتْني الدَّارَ، فإذا نِسْوةٌ منَ الأنصار في البيتِ، فقُلْنَ:
على الخير والبرَ کةِ وعلی خیرِ طائرٍ.
قوله: ((باب الدُّعاء للنِّسْوةِ اللّاقي يهدينَ العَروسَ ولِلْعَروسِ» في رواية الكُشْمِيهنيّ
((للنِّساءِ)) بَدَل «النِّسوة)».
٢٢٣/٩
وأورَدَ فيه/ حديث عائشة: ((تزوَّجَنِي رَّهِ فأتْني أمّي فأدخَلَتني الدَّار، فإذا نِسْوة من
الأنصار، فقُلنَ: على الخير والبَرَكة)) وهو مختصر من حديث مُطوَّل تقدَّم بتمامه بهذا السَّنَد
بعينِه في ((باب تزويج عائشة)) قُبَيل أبواب الهجرة إلى المدينة (٣٨٩٤)، وظاهر هذا الحديث
مخالف للتَّرجمة، فإنَّ فيه دعاء النِّسوة لمن أهدى العروس لا الدُّعاء لهنَّ، وقد استشكَلَه ابن
الِّين فقال: لم يَذكُر في الباب الدُّعاء للنِّسوة، ولعلَّه أراد كيف صِفَة دعائهِنَّ للعروسِ،
لكنَّ اللَّفظ لا يُساعِد على ذلك.
(١) لم نقع عليه عند ابن أبي شيبة من طريق عمر بن قيس، وأخرجه من هذا الطريق سعيد بن منصور في
(«السنن)) برقم (٦٦٥).
(٢) تحرَّفت في (ع) و(س) إلى: الماضي، والتصويب من (أ).
(٣) بل سيأتي بهذا اللفظ الذي ذكر برقم (٥٣٦٧).