النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
باب ٤١ / ح ٥١٣٧
كتاب النكاح
فعَبَّرَ للَّيِّب بالاستثمار ولِلبكرِ بالاستئذان، فيُؤخَذ منه فرقٌ بينهما: من جهة أنَّ الاستثمار
يدلّ على تأكيد المشاوَرة، وجَعْل الأمر إلى المستأمَرة، ولهذا يحتاج الوَليّ إلى صريح إذنها في
العَقْد، فإذا صَرَّحت بمَنعِه امتَنَعَ اتِّفاقاً، والبكر بخِلَاف ذلك، والإذنُ دائرٌ بين القول
والسُّكوت، بخِلَاف الأمر فإنَّه صريح في القول، وإنَّما جُعِلَ السُّكوت إذناً في حَقّ البكر
لأنَّها قد تَستَحي أن تُفصِح.
قوله: ((قالوا: يا رسول الله)) في رواية عمر بن أبي سَلَمةَ(١): ((قلنا))، وحديث عائشة
صريح في أنَّها هي السائلة عن ذلك.
قوله: ((وكيف إذْنُها؟)) في حديث عائشة: ((قلت: إنَّ البكر تَستَحي))، وستأتي ألفاظه.
الحديث الثاني:
٥١٣٧ - حدَّثنا عَمْرو بنُ الرَّبِيعِ بنِ طارقٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ أبِي مُلَيكةَ، عن أبي عَمرِو
مولى عائشةَ، عن عائشةَ: أنَّها قالت: يا رسولَ الله، إنَّ الِكْرَ تَسْتَحي. قال: ((رِضَاها صَمْتُها)).
[طرفاه في: ٦٩٤٦، ٦٩٧١]
قوله: «حدَّثنا عَمْرو بن الرّبيع بن طارق)) أي: ابن قُرّة الهلاليّ أبو حفص المِصريّ، أصله
كوفيّ، سمعَ من مالك واللَّيث ويحيى بن أيوب وغيرهم، روى عنه القُدَماء مثل يحيى بن
مَعِين وإسحاق الكَوْسَج وأبي عُبيد وإبراهيم بن هانئ، وهو من قُدَماء شيوخ البخاريّ،
ولم أرَله عنه في ((الجامع)) إلّا هذا الحديث، وقد وثَّقه العِجليُّ والدَّارَ قُطنيّ، وماتَ سنة تسعَ
عشرة ومئتينِ.
قوله: ((حدثنا الليث)» في روایة الگُشْمِیهنيّ: أخبرنا.
قوله: ((عن أبي عَمْرو مولى عائشة)) في رواية ابن جُرَيج عن ابن أبي مُلَيكة: عن ذَكْوانَ،
وسيأتي في تَركِ الحِيل (٦٩٧١)، ويأتي في الإكراه من هذا الوجه (٦٩٤٦) بلفظ: عن أبي
عَمْرو -هو ذَكْوان ۔۔
(١) عند ابن المنذر، كما سلفت إشارة المصنف إليها قريباً.

٣٨٢
باب ٤١ / ح ٥١٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنَّها قالت: يا رسول الله، إنَّ البكْر تَسْتَحي)) هكذا أورَدَه من طريق اللَّيث مختصراً،
ووَقَعَ في رواية ابن جُرَيج في تَركِ الحيَل: ((قالت: قال رسول الله وَّهِ: البكر تُستأذَن، قلت))
فذكر مثله، وفي الإكراه بلفظ: «قلت: يا رسول الله، تُستأمَر النِّساء في أبضاعهنَّ؟ قال:
نعم، قلت: فإنَّ البكر تُستأمَر فَتَستَحي فتَسكُت))، وفي رواية مسلم (١٤٢٠/ ٦٥) من هذا
الوجه: ((سألت رسول الله وَ له عن الجارية يَنكِحها أهلها: أتُستأمَرُ أم لا؟ قال: نعم تُستأمَر.
قلت: فإنَّها تَستَحي)).
قوله: ((قال: رِضَاها صَمْتُها)) في رواية ابن جُرَيجٍ: ((قال: سُكاتُها إذْنُها))، وفي لفظ له:
((قال: إذْتُها صُماتُها))، وفي رواية مسلم من طريق ابن جُرَيج أيضاً (٦٥/١٤٢٠): ((قال:
فذلك إذنُها إذا هي سَكَتَت))، ودَلَّت رواية البخاريّ على أنَّ المراد بالجارية في رواية مسلم:
البكر دون الثَّيِّب. وعند مسلم أيضاً (٦٦/١٤٢١) من حديث ابن عبّاس: ((والبكر
تُستأذَن في نفسها، وإذنُها صُماتُها))، وفي لفظ له (٦٨/١٤٢١): ((والبكر يَستأذنها أبوها في
نفسها)».
١٩٣/٩ قال ابن المنذر: يُستَحَبّ / إعلام البكر أنَّ سُكوتها إذنٌ، لكن لو قالت بعد العقد: ما
علمت أنَّ صَمْتي إذن، لم يَبطُل العَقد بذلك عند الجمهور، وأبطَلَه بعض المالكيَّة، وقال
ابن شَعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثاً: إن رضِيتِ فاسكُتي، وإن کَرهتِ فانطِقي. وقال
بعضهم: يُطال المقام عندها لئلا تَخْجَل، فيَمنَعها ذلك من المسارَعة.
واختَلَفوا فيما إذا لم تَتَكلَّم، بل ظَهَرَت منها قَرِينة السُّخط أو الرِّضا، بالتَّسُّمِ مثلاً أو
البُكاء، فعند المالكيَّة: إن نَفَرَت أو بَكَت أو قامَت أو ظَهَرَ منها ما يدلّ على الكراهة لم
تُزوَّج، وعند الشافعيّة: لا أثر لشيءٍ من ذلك في المنع، إلّا إن قَرَنَت معَ البُكاء الصّياح ونحوه،
وفَّقَ بعضهم بين الدَّمع فإن كان حارّاً دَلَّ على المنع، وإن كان بارداً دَلَّ على الرِّضا.
قال: وفي هذا الحديث إشارة إلى أنَّ البكر التي أُمِرَ باستئذانها هي البالغ، إذ لا معنى
الاستئذان مَن لا تَدري ما الإذن، ومَن يَستَوي سُكوتها وسُخْطها. ونَقَلَ ابن عبد البَرّ عن

٣٨٣
باب ٤١ / ح ٥١٣٧
كتاب النكاح
مالك: أنَّ سُكوت البكر اليتيمة قبل إذنها وتَفويضِها لا يكون رِضاً منها، بخلاف ما إذا
كان بعد تفويضها إلى وليّها. وخَصَّ بعض الشافعيّة الاكتفاء بسُكوتِ البكر البالغ بالنِّسبة
إلى الأب والجدّ دون غيرهما، لأنَّها تَستَحي منهما أكثر من غيرهما. والصَّحيح الذي عليه
الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنّسبة لجميع الأولياء.
واختَلَفوا في الأب يُزوِّج البكر البالغ بغير إذنها: فقال الأوزاعيُّ والثَّوْريُّ والحنفيَّةِ،
ووافَقَهم أبو ثَور: يُشتَرَط استئذانها، فلو عَقَدَ عليها بغير استئذان لم يَصِحّ. وقال
الآخرونَ: يجوز للأب أن يُزوِّجھا ۔ ولو كانت بالغاً - بغیر استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى
ومالك واللَّيث والشافعيّ وأحمد وإسحاق، ومن حُجَّتهم: مفهوم حديث الباب، لأنَّه
جَعَلَ الثَّيِّب أحقّ بنفسِها من وليّها، فدَلَّ على أنَّ وليّ البكر أحقّ بها منها.
واحتجَّ بعضهم بحديثٍ يونس بن أبي إسحاق عن أبي بُرْدة عن أبي موسى مرفوعاً:
(ُستأمَر اليتيمة في نفسها، فإن سَكَتَت فهو إذنها))(١) قال: فَقُيِّدَ ذلك باليتيمة فيُحمَل المطلَق
عليه، وفيه نظرٌ، لحديثِ ابن عبَّاس الذي ذكرته بلفظ: ((يَستأذِنها أبوها)) فنَصَّ على ذِكْر الأب.
وأجابَ الشافعيّ: بأنَّ المؤامرة قد تكون عن استطابة النَّفس، ويُؤيِّده حديث ابن عمر
رَفَعَه: (وآمِرُوا النِّساء في بناتهنَّ) أخرجه أبو داودَ (٢٠٩٥)، قال الشافعيّ: لا خِلَاف أنَّه
ليس للأُمِّ أمر، لكنَّه على معنى استطابة النَّفْس.
وقال البيهقيُّ: زيادة ذِكْر الأب في حديث ابن عبّاس غير محفوظة، قال الشافعيّ:
زادَها ابن عُيَينَةَ في حديثه، وكان ابن عمر والقاسم وسالم يُزُوِّجونَ الأبكار لا يَستأمِرونَهُنَّ،
قال البيهقيُّ: والمحفوظ من حديث ابن عبّاس: ((البكر تُستأمَر)) ورواه صالح بن كَيْسانَ
بلفظ: ((واليتيمة تُستأمَر))(٢)، وكذلك رواه أبو بُرْدة عن أبي موسى ومحمَّد بن عَمْرو عن
أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة (٣)، فدَلَّ على أنَّ المراد بالبكرِ: اليتيمة. قلت: وهذا لا يَدفَع زيادة
(١) أخرجه أحمد (١٩٥١٦)، والدارمي (٢١٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٠٠)، والنسائي (٣٢٦٣)، وأحمد (٢٣٦٥) و(٣٠٨٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٠٩٣) و(٢٠٩٤)، والترمذي (١١٠٩)، والنسائي (٣٢٧٠)، وانظر «المسند» (٧٥٢٧).

٣٨٤
باب ٤١ / ح ٥١٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
الثّقة الحافظ بلفظ ((الأب))، ولو قال قائل: بل المراد باليتيمة البكر، لم يُدفَع، و((تُستأمَر))
بضمِّ أوَّله يَدخُل فيه الأب وغيره، فلا تَعارُض بين الرِّوايات، ويَبقَى النَّظَر في أنَّ الاستثمار
هل هو شرط في صِحّة العَقد، أو مُستَحَبّ على معنى استطابة النَّفس كما قال الشافعيّ؟
كلّ من الأمرَينِ مُحْتَمِل، وسيأتي مزيد بحث فيه في الباب الذي يليه إن شاءَ الله تعالى.
واستُدِلَّ به على أنَّ الصَّغيرة الثَّيِّب لا إجبار عليها، لعُموم كونها أحقَّ بنفسِها من
وليّها، وعلى أنَّ مَن زالَت بَكارَتها بوَطءٍ - ولو كان زِنّى - لا إجبار عليها لأبٍ ولا غيره،
لعُموم قوله: ((الثَّيِّب أحقّ بنفسِها))، وقال أبو حنيفة: هي كالبكرٍ، وخالَفَه حتَّى صاحباه،
واحتجَّ له: بأنَّ عِلّة الاكتفاء بسُكوتِ البكر هو الحياء، وهو باقٍ في هذه، لأنَّ المسألة
مَفروضَة فيمَن زالت بَكارَتُها بوَطءٍ، لا فيمَن الَّخَذَت الزِّنى دَيدَناً وعادة، وأُجيب: بأنَّ
الحديث نَصَّ على أنَّ الحياء يَتَعلَّق بالبكرِ وقابَلَها بالثَّيِّب، فدَلَّ على أنَّ حُكمهما مُخْتَلِفِ،
وهذه ثَّيِّب لُغةً وشَرعاً، بدليلٍ أَنَّه لو أوصَى بعِتِقِ كلّ ثَيِّب في مِلكِهِ دَخَلت إجماعاً، وأمَّا
١٩٤/٩ بقاءُ حيائها كالبِكْرِ / فممنوع، فإنَّها تَستَحي من ذِكْر وقوع الفُجور منها، وأمَّا ثُبوت الحياء
من أصل النِّكاح، فليست فيه كالبكرِ التي لم تُجرِّبه قَطّ، والله أعلم.
واستُدِلَّ به لمن قال: إنَّ للثَّيِّب أن تَتزوَّج بغير وليّ، ولكنَّها لا تُزَوِّج نفسها، بل تجعل
أمرها إلى رجل فيُزوّجها، حكاه ابن حَزْم عن داودَ، وتَعقَّبَه بحديثٍ عائشة: ((أيما امرأة
نَكَحَت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل)» وهو حديث صحيح كما تقدَّمَ (١)، وهو يُبيِّن أنَّ
معنى قوله: ((أحقّ بنفسِها من وليّها))، أنَّه لا يُنِذ عليها أمْرَه بغير إذنها ولا يُحِرِها، فإذا
أرادت أن تَتزوَّج لم يَجُز لها إلّا بإذنِ وليّها.
واستُدِلَّ به على أنَّ البكر إذا أعلَنَت بالمنع لم يَجُز النِّكاح، وإلى هذا أشارَ المصنّف في
التَّرجمة، وإن أعلَنَت بالرِّضا فيجوز بطريق الأولى، وشَذَّ بعض أهل الظاهر فقال: لا يجوز
أيضاً وقوفاً عند ظاهر قوله: ((وإذنها أن تَسكُت)).
(١) سلف تخريجه ص ٣٧٨.

٣٨٥
باب ٤٢ / ح ٥١٣٨-٥١٣٩
كتاب النكاح
٤٢- بابٌ إذا زوّج ابنته وهي كارهةٌ، فنكاحه مردودٌ
٥١٣٨- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن
عبدِ الَّحمنِ ومُجُمِّعٍ ابنَي يزيدَ بنِ جاريةَ، عن خَنْساءَ بنت خِذَامِ الأنصاريَّةِ: أنَّ أباها زَوَّجَها وهي
تَيِّبٌ فَكَرِهَت ذلك، فأتت رسولَ الله ◌ََّ فَرَدَ نِکاحَه.
[أطرافه في: ٥١٣٩، ٦٩٤٠، ٦٩٦٩]
٥١٣٩- حذَّثنا إسحاقُ، أخبرنا يزيدُ، أخبرنا يحيى، أنَّ القاسمَ بنَ محمَّدٍ حدَّثه، أنَّ عبد الرَّحمنِ
ابنَ يزيدَ ومُجُمِّعَ بنَ يزيدَ حَدَّثاهُ: أَنَّ رجلاً يُدْعَى خِذَاماً أنكَحَ ابنةً له ... نحوَه.
قوله: ((بابٌ إذا زَوَّجَ ابنَتَه وهي كارهةٌ، فنكاحه مَرْدود)» هكذا أطلقَ، فشَمِلَ البكر والنَّيِّب،
لكنَّ حديث الباب مُصرَّح فيه بالثّوبة، فكأنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه كما سأُبِّنُه.
ورَدُّ النِّكاح إذا كانتِ نَيِّاً فزوِّجَت بغير رِضاها إجماعٌ، إلّا ما نُقِلَ عن الحسن أنَّه أجازَ.
إجبار الأب للثَّيِّب ولو كَرهَت كما تقدَّمَ، وعن النَّخَعيِّ: إن كانت في عياله جازَ وإلّا رُدَّ.
واختَلَفوا إذا وَقَعَ العَقد بغير رِضاها، فقالت الحنفيَّة: إن أجازَته جازَ، وعن المالكيَّة، إن
أجازَته عن قُربٍ جازَ وإلّا فلا، ورَدَّه الباقونَ مُطلَقاً.
قوله: ((وُجُمِّع)) بضمِّ الميم وفتح الجيم وكسر الميم الثَّقيلة ثمَّ عين مُهمَلة.
قوله: ((ابنَي يزيد بن جارية) بالجيم، أي: ابن عامر بن العَطّاف الأنصاريّ الأوسيّ، من
بني عَمْرو بن عَوْف، وهو ابن أخي مُجُمِّع بن جارية الصَّحابيّ الذي جَمَعَ القرآن في عهد
النبيّ وَّةِ، وأخرج له أصحاب ((السُّنَن))، وقد وَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّهما واحد، ومنه قيل: إنَّ
المُجمِّع بن يزيد صُحْبة وليس كذلك، وإنَّما الصُّحبة لعَمِّه مُجُمِّع بن جارية، وليس لمُجمِّع
ابن يزيد في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد قَرَنَه فيه بأخيه عبد الرَّحمن بن يزيد،
وعبد الرّحمن وُلِدَ على عهد النبيّ وََّ فيمَا جَزَمَ به العَسكريّ وغيره، وهو أخو عاصم بن
عمر بن الخطّب لأُمِّه، قال ابن سعد: وليَ القضاء لعمر بن عبد العزيز - يعني: لمَّا كان
أمير المدينة - وماتَ سنة ثلاث وتسعينَ، وقيل: سنة ثمان، ووثّقه جماعة، وما له في

٣٨٦
باب ٤٢ / ح ٥١٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
البخاريّ أيضاً سوى هذا الحديث.
وقد وافَقَ مالكاً على إسناد هذا الحديث سفيان بن عُيَينةَ عن عبد الرَّحمن بن القاسم،
وإن اختَلَفَ الرُّواة عنهما في وصل هذا الحديث عن خَنْساء وفي إرساله، حيثُ قال
بعضهم: عن عبد الرّحمن وُجُمِّع أنَّ خَنْساء زُوِّجَت، وكذا اختَلَفوا عنهما في نَسَب
١٩٥/٩ عبد الرّحمن وُجُمِّع: فمنهم مَن أسقَطَ ((يزيد)) وقال: ((ابنَي/ جارية))، والصَّواب وصلُه
وإثبات ((يزيد) في نَسَبهما، وقد أخرج طريقَ ابن عُيَينةَ المصنِّف في تَرك الحيَل بصورة
الإرسال كما سيأتي (٦٩٦٩)، وأخرجها أحمد عنه كذلك (٢٦٧٨٧)، وأورَدَها الطبرانيُّ من
طريقه موصولة (٢٤/ ٦٤٢)، وأخرجه الدَّارَ قُطنيُّ في ((الموطآت)) من طريق مُعلَّى بن منصور
عن مالك بصورة الإرسال أيضاً، والأكثر وَصَلوه عنه.
وخالَفَهما معاً سفيان الثَّوْريّ في راوٍ من السَّنَد فقال: عن عبد الرّحمن بن القاسم عن
عبد الله بن يزيد بن وديعة عن خَنْساء، أخرجه النَّسائيُّ في ((الكُبرَى)) (٥٣٦١) والطبرانيُّ
(٢٤ / ٦٤١) من طريق ابن المبارَك عنه، وهي رواية شاذّة لكن لا(١) يَبعُد أن يكون
لعبد الرّحمن بن القاسم فيه شيخان، وعبد الله بن يزيد بن وديعة هذا لم أرَ مَن تَرجَمَ له، ولم
یذکُر البخاريّ ولا ابن أبي حاتم ولا ابن حِبّان إلّا عبد الله بن وديعة بن خدام الذي روی
عن سَلْمان الفارسيّ في غُسلِ الجمعة، وعنه المقبُريّ، وهو تابعيّ غير مشهور إلّا في هذا
الحديث، ووثَّقه الدَّارَقُطنيُّ وابن حِبّان، وقد ذكره ابن مَندَه في ((الصَّحابة)) وخَطّه أبو نُعَيم
في ذلك، وأظنّ شيخ عبد الرّحمن بن القاسم ابن أخيه، وعبد الله بن يزيد بن وديعة هذا
مَمَّن أغفَلَه المِزّيُّ ومَن تَبَعَه، فلم يَذْكُروه في رجال الكتب السِّة.
قوله: ((عن خَنْساء بنت خِدام)) بمُعجَمةٍ ثمَّ نون ثمَّ مُهمَلة: وزن حمراء، وأبوها: بکسٍ
المعجَمة وتخفيف المهملة(٢)، قيل: اسم أبيه وَدِيعة، والصَّحيح أنَّ اسم أبيه خالد، ووَدِیعة
(١) لفظة ((لا)) سقطت من (س).
(٢) كذا ضبطه الحافظ هنا وفي ((تقريب التهذيب))، وقَّده القسطلاني والعيني: بالذال المعجمة، وهو كذلك
في اليونينية، والله أعلم.

٣٨٧
باب ٤٢ / ح ٥١٣٩
كتاب النكاح
اسم جَدّه فيما أحسَب، وَقَعَ ذلك في رواية لأحمد (٢٦٧٩٠) من طريق محمَّد بن إسحاق
عن الحجّاج بن السائب مُرسَلاً في هذه القصَّة، ولكن قال في تسميتها: ((خُناس)) بتخفيفٍ
النُّون وزن فُلان، ووَقَعَ في رواية الدَّارَ قُطنيِّ (٣٥٥٢) والطبرانيّ (٦٤٣/٢٤) وابن السَّكَن:
((خَنْساء)»، ووَصَلَ الحديث عنها فقال: ((عن حَجّاج بن السائب بن أبي لُبَابة عن أبيه عن
جَدَّته خنساء)) وخُناس مُشتَقّ من خنساء، کما یقال في زینب: زُناب.
وكُنية خِدام والد خَنْساء: أبو وديعة، كَنّاه أبو نُعَيم، وقد وَقَعَ ذلك عند عبد الرَّزّاق
(١٠٣٠٨) من حديث ابن عبّاس: أنَّ خِداماً أبا وديعة أنكَحَ ابنَتَه رجلاً ... الحديث، ووَقَعَ
عند المستَغفِريّ من طريق رَبيعَة بن أبي عبد الرّحمن عن عبد الرحمن(١) بن يزيد بن جارية:
((أنَّ وديعة بن خِدام زَوَّجَ ابنَته))، وهو وهمٌّ في اسمه، ولعلَّه كان: أنَّ خداماً أبا وديعة،
فانقَلَبَ. وقد ذكرتُ في كتاب ((الصَّحابة)) ما يدلّ على أنَّ لوَديعةَ بن خِدام أيضاً صُحْبة،
وله قصَّة معَ عمر في ميراث سالم مولى أبي حُذَيفة ذكرها البخاريّ في ((تاريخه))، وقد أطَلتُ
في هذا الموضع، لكن جَرَّ الكلام بعضُه بعضاً، ولا يخلو من فائدة.
قوله: ((أنَّ أباها زَوَّجَها وهي ثَيِّب فكَرِهَت ذلكَ)) وَقَعَ في رواية الثَّوْريّ المذكورة:
(قالت: أنكَحَني أبي وأنا كارهة وأنا بِكْر))(٢) والأوَّل أرجَح، فقد أخرج ذلك الحديث
الإسماعيليّ من طريق شُعْبة عن يحيى بن سعيد عن القاسم، فقال في روايته وأنا أُريدُ أن
أَتَزَوَّج عَمّ ولدي، وكذا أخرج عبد الرَّزّاق (١٠٣٠٩) عن مَعمَر عن سعيد بن
عبد الرَّحمن الجَحْشِيّ عن أبي بكر بن محمَّد: أنَّ رجلاً من الأنصار تزوَّجَ خَنْساء بنت
خِدام، فقُتِلَ عنها يوم أُحُد، فأنكَحَها أبوها رجلاً، فأتت النبيّ ◌َِّ فقالت: إنَّ أبي
أنكَحَني، وإنَّ عَمّ ولدي أحَبُّ إليَّ؛ فهذا يدلُّ على أنَّها كانت ولدت من زوجها الأوَّل،
واستَفَدنا من هذه الرِّواية نسبة زوجها الأوَّل، واسمه أُنيس بن قَتَادة، سَمّاه الواقديُّ في
روايته من وجه آخر عن خَنْساء، ووَقَعَ في ((المبهَمات)) للقُطب القَسطَلّانيّ: أنَّ اسمه أُسَير،
(١) ((عن عبد الرحمن)) سقطت من (س)، وأثبتناها من الأصلين.
(٢) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٥٣٦١)، والطبراني (٢٤/ ٦٤١).

٣٨٨
باب ٤٢ / ح ٥١٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأنَّه استُشهِدَ بيدرٍ، ولم يَذكُر له مُستَنَداً، وأمَّا الثّاني الذي كَرِهَتْه فلم أقِف على اسمه، إلّا
أنَّ الواقديّ ذكر بإسنادٍ له أنَّه من بني مُزَينةَ، ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق عن الحجّاجِ بن
السائب بن أبي لُبَابة عن أبيه عنها: أنَّه من بني عَمْرو بن عَوْف، وروى عبد الرّزّاق
(١٠٣٠٨) عن ابن جُرَيج عن عطاء الخُراسانيّ عن ابن عبّاس: أنَّ خِداماً أبا وديعة أنكَحَ
ابنَتَه رجلاً، فقال له النبيّ وَّ: لا تُكرِهوهُنَّ، فنَكَحَت بعد ذلك أبا لُبَابة، وكانت ثَيِّياً،
١٩٦/٩ وروى الطبرانيُّ (١) بإسنادٍ آخر عن ابن عبّاس، فذكر نحو القصَّة،/ وقال فيه: فَنَزَعَها من
زوجها وكانت ثيّاً، فنَكَحَت بعده أبا لُبَابة))، وروى عبد الرَّزّاق أيضاً (١٠٣٠٧) عن
الثَّوْريّ عن أبي الْحُوَيرِث عن نافع بن جُبَير قال: تَأَيَّمَت خَنْساء، فَزَوَّجَها أبوها ...
الحديث نحوه، وفيه: فَرَدَّ نِكاحَه، ونَكَحَت أبا لُبَابة وهذه أسانيد يَقوَى بعضها ببعضٍ،
وكلُّها دالّة على أنَّها كانت ثَيِّباً.
نعم أخرج النَّسائي (ك٥٣٦٣) من طريق الأوزاعيِّ عن عطاء عن جابر: أنَّ رجلاً
زَوَّجَ ابنتَه وهي بِكْر من غير أمرها، فأتت النبيَّ نِ﴿ فَفَرَّقَ بينهما، وهذا سند ظاهره
الصِّحّة، ولكن له عِلّة، أخرجه النَّسائيُّ (ك٥٣٦٤) من وجه آخر عن الأوزاعيِّ، فأدخَلَ
بينه وبين عطاء إبراهيم ابن مُرّة، وفيه مقال، وأرسَلَه فلم يَذكُر في إسناده جابراً.
وأخرج النَّسائيُّ أيضاً (ك٥٣٦٦) وابن ماجه (١٨٧٥) من طريق جَرِير بن حازم عن
أيوب عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّ جارية بِكْراً أتت النبيّ وََّ، فذكرت أنَّ أباها زَوَّجَها
وهي كارهة، فخَيَّرَها، ورجاله ثقات، لكن قال أبو حاتم وأبو زُرعة: إنَّه خطأ، وإنَّ
الصَّواب إرساله، وقد أخرجه الطبرانيُّ (١٢٠٠١) والدَّارَقُطْنيّ (٣٥٦٣) من وجهٍ آخر عن
يحيى بن أبي كثير عن عِكْرمة عن ابن عبّاس بلفظ: أنَّ رسول الله ﴿ رَدَّ نِكَاحِ بِكْر وَيِّب
أَنكَحَهما أبوهما وهما كارِهَتان، قال الدَّارَ قُطْنيُّ: تفرّد به عبد الملك الذِّمَاري وفيه ضعف،
والصَّواب: عن يحيى بن أبي كثير عن المهاجر بن عِكْرمة، مُرسَل، وقال البيهقيُّ: إن ثَبَتَ
الحديث في البِكر، مُملَ على أنَّهَا زُوِّجَت بغير كُفْء، والله أعلم.
(١) في ((المعجم الأوسط)) (٧٠٦٩).

٣٨٩
باب ٤٢ / ح ٥١٣٩
كتاب النكاح
قلت: وهذا الجواب هو المعتمَد، فإنَّها واقعةُ عينٍ، فلا يَثْبُت الحُكم فيها تعميماً، وأمَّا
الطَّعن في الحديث فلا معنى له، فإنَّ طرقه يقوَى بعضها ببعضٍ، ولِقصَّة خَنْساء بنت خِدام
طريق أُخرى، أخرجها الدَّارَ قُطنيُّ (٣٥٥٤) والطبرانيُّ (٦٤٤/٢٤) من طريق هُشَيم عن
عمر بن أبي سَلَمةَ عن أبيه عن أبي هريرة: أنَّ خَنْساء بنت خِدام زَوَّجَها أبوها وهي كارهة،
فأتت النبيّ ◌َّهِ، فَرَدَّ نِكاحها، ولم يَقُل فيه: بِكْراً ولا نَيِّباً، قال الدَّارَ قُطنيُّ: رواه أبو عَوَانة
عن عمر مُرسَلاً، لم يَذكُر أبا هريرة.
قوله: «حدّثنا إسحاق)) هو ابن راهویه، ویزید هو ابن هارون، ويحيى: هو ابن سعيد
الأنصاريّ.
قوله: ((أنَّ رجلاً يُدْعَى خِداماً أنكَحَ ابنة له ... نحوه)) ساقَ أحمد (٢٦٧٨٩) لفظه عن
يزيد بن هارون بهذا الإسناد: أنَّ رجلاً منهم يُدعَى خداماً أنكَجَ ابنَته، فكَرهَت نِكَاحَ
أبيها، فأتت النبيّ ◌َّهِ، فذكرت ذلك له، فَرَدَّ عنها نِكاحَ أبيها، فتزوَّجَت أبا لُبَابة بن
عبد المنذِر فَذَكَر يحيى بن سعيد: أنَّه بَلَغَه أنَّها كانت ثَيِّباً، وهذا يوافق ما تقدَّمَ، وكذا
أخرجه ابن ماجه (١٨٧٣) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن يزيد بن هارون، وأخرجه
الإسماعيليّ من طرق عن يزيد كذلك، وأخرجه الطبرانيّ (٤١٧٩/٤) والإسماعيليّ من
طريق محمَّد بن فُضَيلٍ عن يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه الطبرانيُّ (١٠٨٤/١٩) من
طریق عیسی بن یونس عن یحیی كذلك.
وأخرجه أحمد (٢٦٧٨٨) عن أبي معاوية عن يحيى كذلك، لكن اقتَصَرَ على ذِكْر ◌ُجُمِّع
ابن يزيد، والذي بَلَّغَ يحيى ذلك يحتمل أن يكون عبد الرَّحمن بن القاسم، فسيأتي في تَركِ
الحيَل (٦٩٦٩) من طريق ابن عُيَينةَ عن يحيى بن سعيد عن القاسم: أنَّ امرأة من ولد
جعفر تَّخَوَّفَت أن يُزِّجها وليّها وهي كارهة، فأرسَلَت إلى شيخَينٍ من الأنصار
عبد الرَّحمن ومُجُمِّع ابني جارية، قالا: فلا تَخْشَينَ، فإنَّ خَنْساء بنت خِدام أنكَحَها أبوها
وهي كارهة، فَرَدَّ النبيُّ ◌َِّ ذلك، قال سفيان: وأمَّا عبد الرَّحمن بن القاسم فسمعته يقول

٣٩٠
باب ٤٣ / ح ٥١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبيه: إنَّ خَنْساء، انتهى. وقد أخرجه الطبرانيُّ(١) من وجه آخر عن سفيان بن عُيَينَةً عن
عبد الرّحمن عن أبيه عن خَنْساء موصولاً.
والمرأة التي من ولد جعفر: هي أمّ جعفر بنت القاسم بن محمَّد بن عبد الله بن جعفر
ابن أبي طالب، ووَليّها هو عَمّ أبيها معاوية بن عبد الله بن جعفر، أخرجه المستَغفِريّ من
طريق يزيد بن الهادِ عن رَبيعَة بإسنادِهِ: أنَّها تأيَّمَت من زوجها حمزة بن عبد الله بن الزُّبَير،
فأرسَلَت إلى القاسم بن محمَّد وإلى عبد الرَّحمن بن يزيد، فقالت: إنّ لا آمَنُ معاوية أن
١٩٧/٩ يَضَعني حيثُ لا يوافقُني، فقال لها عبد الرَّحمن: ليس له ذلك، ولو / صَنَعَ ذلك لم نُجْزِه ...
فذكر الحديث إلّا أنَّه لم يَضِبِطِ اسم والد خَنْساء، ولا سَمَّى بنته كما قَدَّمته. وكنت ذكرت في
المقدِّمة في تسمية المرأة من ولد جعفر ومَن ذُكِرَ معها غير الذي هنا، والمذكور هنا هو المعتمَد،
وقد حَصَلَ من تحرير ذلك ما لا أظنّ أنَّه يُزاد عليه، فلله الحمد على جميع مِنَِّهِ.
٤٣ - باب تزويج اليتيمة
لقولِ الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ اَلْيَ فَأَنكِحُواْمَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣].
وإذا قال لِلوَلِيِّ: زَوِّجْني فلانةَ، فمَكُثَ ساعةً، أو قال: ما مَعَكَ؟ فقال: معي كذا
وكذا، أو لَبِثا، ثمّ قال: زَوَّجُگها، فهو جائزٌ.
فيه سَهْلٌ عن النبيِّ ◌َِلَهُ.
٥١٤٠- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ (ح)
وقال اللَّيثُ: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّه سألَ عائشةً
رضي الله عنها، قال لها: يا أُمَّاهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِ اَلَى فَأَنْكِحُواْ﴾ إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
قالت عائشةُ: يا ابنَ أُخْتي، هذه اليتيمةُ تكونُ في حَجْرِ ولِيِّها، فيَرَغَبُ في جمالها ومالها، ويُرِيدُ
(١) في ((الكبير)) ٢٤/ (٦٤١) من طريق سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن يزيد بن
وديعة، عن خنساء .. ، و٢٤/ (٦٤٢) من طريق سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن
محمد، عن عبد الرحمن ومجمع ابنَي يزيد، عن خنساء.

٣٩١
باب ٤٣ / ح ٥١٤٠
كتاب النكاح
أن يَنْتَقِصَ من صَدَاقها، فنُهُوا عن نِكاحِهِنَّ إلّا أن يُقْسِطُوا لهنَّ في إكْمالِ الصَّدَاق، وأُمِروا
بنِكَاحِ مَن سِواهُنَّ منَ النِّساءِ.
قالت عائشةُ: اسْتَفْتَى الناسُ رسولَ اللهِ وَّهِ بعدَ ذلك، فَأَنْزَلَ الله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى
النِّسَاءِ﴾ إلى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] فأَنزَلَ الله عزَّ وجلَّ لهم في هذه الآيةِ: أنَّ
اليَئِيمَةَ إذا كانت ذاتَ مالٍ وجمالٍ، رَغِبوا في نِكاحها ونَسَبها والصَّداقِ، وإذا كانت مَرْغوباً عنها في
قِلّةِ المالِ والجَمالِ، تَرَكوها، وأخَذوا غيرَها منَ النِّساءِ، قالت: فكما يَترُكُونَها حينَ يَرْغَبونَ عنها،
فليس لهم أن يَنْكِحوها إذا رَغِبوا فيها إلّا أن يُقسِطوا لها، ويُعْطوها حَقَّها الأَوْنَى منَ الصَّداق.
قوله: «باب تَزْويج اليتيمة، لقولِ الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ فَأَنْكِحُوْمَا
طَابَ لَكُمْ﴾)) ذكر فيه حديث عائشة في تفسير الآية المذكورة، وقد تقدَّم شرحه في التَّفسير
(٤٥٧٣)، وفيه دلالة على تزويج الوَليّ غير الأب التي دون البلوغ، بكراً كانت أو ثَيِّياً، لأنَّ
حقيقة اليتيمة مَن كانت دون البلوغ ولا أب لها، وقد أذِنَ في تزويجها بشرطِ أن لا يُخَس
من صَدَاقها، فيحتاج مَن مَنَعَ ذلك إلى دليل قويّ.
وقد احتجَّ بعض الشافعيَّة بحديثٍ: ((لا تُنكَح اليتيمة حتَّى تُستأمَر))، قال: فإن قيل:
الصَّغيرة لا تُستأمَر، قلنا: فيه إشارة إلى تأخير تزويجها حتَّى تَبلُغ، فتَصيرَ أهلاً للاستثمار،
فإن قيل: لا تكون بعد البلوغ يتيمة، قلنا: التَّقدير: لا تُنكَح اليتيمة حتَّى تَبلُغ فتُستأمَر،
جمعاً بين الأدلّة.
قوله: ((وإذا قال للوَلِيِّ: زَوِّجْني فلانة، فمَكُثَ ساعة، أو قال: ما مَعَك؟ فقال: معي كذا
وكذا، أو لَبِثا، ثمَّ قال: زَوَّجتُكها، فهو جائز، فيه سَهْلٌ عن النبيّ ◌َ()) يعني حديث الواهبة،
وقد تقدَّم مِراراً، ويأتي شرحه قريباً (٥١٤٩)، ومُراده منه: أنَّ التَّفريق بين الإيجاب والقَبُول
إذا كان في المجلس لا يَضُرّ ولو تَخْلَّلَ بينهما كلام آخر، وفي أخذِه من هذا الحديث نظرٌّ، لأنَّها
واقعة عَينٍ يَطْرُقها احتمال أن يكون قَبِلَ عَقِب الإيجاب
قوله: ((حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبَرَنا شُعَيب، عن الزُّهْرِيِّ (ح) وقال اللَّيث: حدَّثني عُقَيل،

٣٩٢
باب ٤٤ / ح ٥١٤١
فتح الباري بشرح البخاري
عن ابن شِهاب)) تقدَّم طريق اللَّيث موصولاً في ((باب الأكفاء في المال)) (٥٠٩٢)، وساقَ
المتن هناك على لفظه، وهُنا / على لفظ شُعَيب، وقد أفرَدَه بالذِّكرِ في كتاب الوصايا (٢٧٦٣)
كما تقدَّمَ، والله أعلم.
٤٤ - بابٌ إذا قال الخاطب: زوّجني فلانة، فقال: قد زوّجتك بكذا وكذا، جاز النكاح
وإن لم يقل للزّوج: أَرَضِيتَ، أو قبلتَ؟
٥١٤١- حذَّثنا أبو النُّعْمان، حدّثنا حَمّادُ بنُ زيدٍ، عن أبي حازِمِ، عن سَهْلٍ: أَنَّ امرأةً أنتِ
النبيَّ نَّهِ فَعَرَضَت عليه نفسَها، فقال: ((ما لي اليومَ في النِّساءِ من حاجةٍ)) فقال رجلٌ: يا
رسولَ الله، زَوِّجْنِيها. قال: «ما عندَكَ؟)) قال: ما عندي شيءٌ، قال: «أعطِها ولو خاتماً من
حديدٍ)) قال: ما عندي شيءٌ، قال: ((فما عندَكَ منَ القرآنِ؟)) قال: كذا وكذا، قال: ((فقد
مَلَّكْتُكَها بما مَعَكَ منَ القرآنِ)).
قوله: ((باب إذا قال الخاطِب: زَوِّجْني فلانة، فقال: قد زَوَّجْتك بكذا وكذا، جازَ النِّكاح
وإن لم يَقُل للزَّوْجِ: أَرَضِيتَ أو قَبِلْتَ؟)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((إذا قال الخاطِب للوَلِيِّ:
زوِّجْني))(١) وبه يَتِمّ الكلام، وهو الفاعل في قوله: ((وإن لم يَقُل)).
وأورَدَ المصنِّف فيه حديث سَهْل بن سعد في قصَّة الواهبة أيضاً، وهذه التَّرجمة معقودة
لمسألة هل يقوم الالتماس مقام القَبُول، فيصير كما لو تقدَّم القَبُول على الإيجاب، كأن يقول:
تزوَّجتُ فلانة على كذا، فيقول الوَليّ: زَوَّجتُكها بذلك، أو لا بدَّ من إعادة القَبُول؟
فاستَنَبَطَ المصنّف من قصَّة الواهبة: أنَّه لم يُنقَل بعد قول النبيّ وَّهَ: ((زَوَّجتُكها بما مَعَك من
القرآن)»(٢) أنَّ الرجل قال: قد قبلت، لكن اعتَرَضَه المهلَّب فقال: بساط الكلام في هذه
القصَّة أغنى عن توقيف الخاطِب على القَبُول، لما تقدَّم من المراوَضة والطَّلَب والمعاوَدة في
ذلك، فمَن كان في مِثل حال هذا الرجل الرّاغِب، لم يَحَتَج إلى تصريح منه بالقَبُولِ، لسَبْقِ
(١) لفظة ((زوجني)) لم ترد في (أ) و(س)، وأثبتناها من (ع).
(٢) سلف برقم (٢٣١٠).

٣٩٣
باب ٤٥ / ح ٥١٤٢ - ٥١٤٤
كتاب النكاح
العلم برغبته، بخلاف غيره ممّن لم تَقُم القَرائنُ على رِضَاه. انتهى، وغايته أنَّه يَسلَم
الاستدلال، لكن يَخُصّه بخاطِبٍ دون خاطِب، وقد قَدَّمتُ في الذي قبله وجه الخدش في
أصل الاستدلال.
قوله في هذه الرِّواية: ((فقال: ما لي اليوم في النِّساء من حاجة)) فيه إشكال من جهة أنَّ في
حديث: فصَعَّدَ النَّظَرِ إليها، وصَوَّبَه(١)، فهذا دالٌّ على أنَّه كان يريد التَّزويج لو أعجَبَتَه،
فكان معنى الحديث: ما لي في النِّساء إذا كُنَّ بهذه الصِّفة من حاجة. ويحتمل أن يكون جواز
النَّظَر مُطلَقاً من خصائصه، وإن لم يُرِدِ التَّزويج، وتكون فائدته احتمال أنَّها تُعجِبه، فيَتزوَّجها
معَ استغنائه حينئذٍ عن زيادةٍ على مَن عنده من النِّساءِ وَلِّ.
٤٥ - بابٌ لا يَخْطُبُ على خِطْبةِ أخِيه حتَّى يَنْكِحَ، أو بَدَعَ
٥١٤٢- حدَّثْنَا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: سمعتُ نافعاً يُحدِّثُ، أنَّ ابنَ
عمرَ رضي الله عنهما كان يقول: نَهَى النبيُّ نَ ◌ّ أَن يَبِيعَ بعضُكم على بيعِ بعضٍ، ولا يَخْطُب
الرجلُ على خِطْبةٍ أخِيه حتَّى يَترُكَ الخاطِبُ قبلَه، أو يأذَنَ له الخاطِب.
٥١٤٣، ٥١٤٤- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن الأعرَجِ،
قال: قال أبو هريرة يأثرُ عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((إيّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أَكَذَبُ الحديثِ، ولا
تَجَسَّسوا، ولا تَحسَّسوا، ولا تَبَاغَضوا، وكونوا/ إخْواناً ولا يَخْطُبُ الرجلُ على خِطْبةٍ أخِيه حتَّى ١٩٩/٩
يَنْكِحَ، أو يَترُكَ»
[أطرافه في: ٦٠٦٤، ٦٧٢٤،٦٠٦٦]
قوله: ((باب لا يَخْطُب على خِطْبة أخيه حتَّى يَنْكِح، أو يَدَع)) كذا أورَدَه بلفظ: ((أو يَدَع»،
وذكره في الباب عن أبي هريرة بلفظ: ((أو يَترُك))، وأخرجه مسلم (١٤١٤) من حديث
عُقْبةَ بن عامر بلفظ: ((حتَّى يَذَرَ))، وقد أخرجه أبو الشَّيخ في كتاب ((النِّكاح)) من طريق
عبد الوارث عن هشام بن حسَّان عن محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة بلفظ: ((حتَّى يَنكِح
(١) سلف برقم (٥٠٨٧).

٣٩٤
باب ٤٥ / ح ٥١٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
أو يَدَعَ))، وإسناده صحيح.
قوله: (نَهَى النبيّ ◌َّل أن يبيع بعضكم على بيع بعض)) تقدَّم شرحه في البيوع (٢١٣٩)،
والبحث في اختصاص ذلك بالمسْلِم، وهذا اللَّفظ لا يعارض ذلك من جهة أنَّ المخاطَبين
هم المسلمون.
قوله: ((ولا يَخْطُب)) بالجزم على النَّهي، أي: وقال: لا يَخْطُب، ويجوز الرَّفع على أنَّه نفي،
وسياق ذلك بصيغة الخبر أبلغ في المنع، ويجوز النَّصب عَطفاً على قوله: ((يبيع)) على أنَّ (لا))
في قوله: ((ولا يَخْطُب)) زائدة، ويُؤْيِّد الرَّفع قوله في رواية عُبيدِ الله بن عمر عن نافع عند
مسلم (٥٠/١٤١٢): ((ولا يبيعُ الرجل على بيع أخيه، ولا يَخْطُّبُ)) برفع العين من يبيع
والباء من يَخْطُب، وإثبات التَّحتانيَّة في يبيع.
قوله: ((أو يأذن له الخاطِب)) أي: حتَّى يأذَن الخاطبُ(١) الأوَّل للثّاني.
قوله في حديث أبي هريرة: ((اللَّيث، عن جعفر بن رَبِيعَة)) لِلَّيثِ فيه إسناد آخر، أخرجه
مسلم (١٤٢٤) من طريقه عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرَّحمن بن شِماسة عن عُقْبَةَ بن
عامر في قصَّة الخِطبة فقط، وسأذكر لفظه.
قوله: ((قال: قال أبو هريرة بأثر)) بفتح أوَّله وضمّ المثلَّثة تقول: أثَرتُ الحديث أَثُره - بالمدِّ -
أثْراً، بفتح أوَّله ثمَّ سكون: إذا ذكرتَه عن غيرك، ووَقَعَ عند النَّسائيِّ (٣٢٤٠) من طريق محمَّد بن
يحيى بن حِبّان عن الأعرج عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَّه قال ... فذكره مختصراً.
قوله: ((إيّاكم والظَّنّ ... ) إلى آخره، يأتي من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة في كتاب الأدب مع
شرحه (٦٠٦٤)، وقد أخرجه البيهقيُّ (٧/ ١٨٠) من طريق أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان
عن يحيى بن بُكَير شيخ البخاريّ فيه، فزاد في المتن زيادات ذكرها البخاريّ مُفرَّقة، لكن
من غير هذا الوجه.
قوله: ((حتَّى يَنْكِحِ)) أي: حتَّى يَتزوَّج الخاطِب الأوَّل فيَحصُل اليأس المحضُ.
(١) لفظة ((الخاطب)) أثبتناها من (ع)، ولم ترد في (أ) و(س).

٣٩٥
باب ٤٥ / ح ٥١٤٤
كتاب النكاح
وقوله ((أو يَترُك)) أي: الخاطبُ الأوَّل التَّزويجَ، فيجوز حينئذٍ للثّاني الخِطبةُ، فالغايتان
مُخْتَلِفَتان: الأولى تَرجِع إلى اليأس، والثّانية تَرجِع إلى الرَّجاء، ونَظِير الأولى قوله تعالى:
﴿حَقّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠](١).
قال الجمهور: هذا النَّهي للتَّحريم، وقال الخطَّبيُّ: هذا النَّهي للتَّأديب وليس بنَهي
تحريم يُبطِلِ العَقدَ عند الفقهاء، كذا قال، ولا مُلازَمة بين كونه للتَّحريمِ وبين البُطْلان عند
الجمهور، بل هو عندهم للتَّحريمِ ولا يُبطِلِ العَقد، بل حكى النَّوَويّ أنَّ النَّهي فيه
للتَّحريمِ بالإجماع، ولكن اختَلَفوا في شُروطه، فقال الشافعيّة والحنابلة: مَحَلَّ التَّحريم: ما
إذا صَرَّحَت المخطوبة أو وليّها الذي أذِنَت له، حيثُ يكون إذنها مُعتبَرَاً بالإجابة، فلو وَقَعَ
التَّصريح بالردِّ فلا تحريم، فلو لم يعلم الثّاني بالحال فلا يَحُرُم(٢) الهجوم على الخِطبة، لأنَّ
الأصلَ الإباحةُ، وعند الحنابلة في ذلك روايتان.
وإن وَقَّعَت الإجابة بالتَّعريضِ، كقولها: لا رَغبةَ عنك، فقولان عند الشافعيَّة، الأصحّ
- وهو قول المالكيَّة والحنفيَّة - لا يَحَرُم أيضاً، وإذا لم تَرُدّ ولم تَقبَل فيجوز. والحُجّة فيه قول
فاطمة بنت قيس: خَطَبني معاوية وأبو جَهْم، فلم يُنكِرِ النبيّ ◌َّ ذلك عليهما، بل خَطَبَها
لأُسامة(٣). وأشارَ النَّوَويّ وغيره: إلى أنَّه لا حُجّة فيه، لاحتمال أن يكونا خَطَبا معاً، أو لم
يعلم الثّاني بخِطبة الأوَّل، والنبيّ ◌َيه أشارَ بأُسامة ولم يَخْطُب، وعلى تقدير تكون خِطْبة،
فكأنَّه لمَّا ذكر لها ما في معاوية وأبي جَهْم، ظَهَرَ منها الرَّغبة عنهما، فخَطَبَها لأُسامة.
وحكى التِّرمِذيّ عن الشافعيّ: أنَّ معنى حديث الباب: إذا خَطَبَ الرجل المرأة
فَرَضَيَت به ورَكَنَت إليه، فليس لأحدٍ أن يَخْطُّب على خِطبَته، فإذا لم يعلم بِرِضاها ولا
رُكونها، فلا بأس أن يَخِطُبها، والحُجّة/ فيه: قصَّة فاطمة بنت قيس، فإنَّها لم تُخبره برِضاها ٢٠٠/٩
(١) الفِقرتان من قوله: ((قوله: حتى ينكح)) إلى هنا، وقعتا في (س) في آخر شرح هذا الباب، ووقعتا في (أ)
و(ع) قبل قوله: ((إياكم والظن))، وأثبتناهما في هذا المكان ليستقيم الكلام.
(٢) في (أ) و(س): ((فيجوز)) بدل: فلا يحرم، والمثبت من (ع).
(٣) انظر هذه القصة عند أحمد (٢٧٣٣)، ومسلم (١٤٨٠) من حديث فاطمة نفسها.

٣٩٦
باب ٤٥ / ح ٥١٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
بواحدٍ منهما، ولو أخبَرَته بذلك لم يُشِر عليها بغير مَن اختارَت.
فلو لم توجَد منها إجابةٌ ولا رَدٌّ، فقطَعَ بعض الشافعيَّة بالجوازِ، ومنهم مَن أجرَى
القولَينِ، ونَصَّ الشافعيّ في البكر: على أنَّ سُكوتها رِضاً بالخاطِب، وعن بعض المالكيَّة: لا
تُمنَعَ الخِطبة إلّا على خِطبة مَن وَقَعَ بينهما التَّراضي على الصَّداق.
وإذا وُجِدَتِ شُروط الَّحريم ووَقَعَ العَقد للثّاني، فقال الجمهور: يَصِحّ معَ ارتكاب
التَّحريم، وقال داود: يُفسَخ النِّكاح قبل الدُّخول وبعده، وعند المالكيَّةِ خِلَافٌ كالقولَينِ،
وقال بعضهم: يُفسَخ قبله لا بعده، وحُجّة الجمهور: أنَّ المنهيّ عنه الخِطبة، والخِطبة ليست
شرطاً في صِحّة النِّكاح، فلا يُفسَخ النكاح بوقوعِها غير صحيحة.
وحكى الطَّبَرُّ أنَّ بعض العلماء قال: إنَّ هذا النَّهيَ منسوخ بقصَّة فاطمة بنت قيس،
ثَّ رَدَّه وغَلَّطَه بأنَّهَا جاءت مُستَشيرة، فأُشير عليها بما هو الأَولى، ولم يكن هناك خِطبة على
خِطبة كما تقدَّمَ، ثمَّ إِنَّ دَعوَى النَّسخ في مِثل هذا غَلَط، لأنَّ الشّارع أشارَ إلى عِّة النَّهي في
حديث عُقْبةَ بن عامر بالأُخوّة، وهي صِفَة لازِمة وعِلّة مطلوبة للدَّوام، فلا يَصِحّ أن
يَلحَقها النَّسْخُ، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على أنَّ الخاطِب الأوَّل إذا أذِنَ للخاطِب الثّاني في التَّزويج ارتَفَعَ الَّحریم،
ولكن هل يَخْتَصّ ذلك بالمأذونِ له، أو يَتَعَدَّى لغيرِهِ، لأنَّ مُجرَّد الإذن الصّادِر من الخاطِب
الأوَّل دالٌ على إعراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يَخْطُبها؟ الظّاهر
الثّاني، فيكون الجواز للمأذونِ له بالتَّنصيصِ، ولغير المأذون له بالإلحاق، ويُؤيِّده قوله في
الحديث الثّاني من الباب: ((أو يَتْرُك)).
وصَرَّحَ الرُّويَانيّ من الشافعيَّةِ: بأنَّ مَحَلّ التَّحريم إذا كانت الخِطبة من الأوَّل جائزة،
فإن كانت ممنوعة كَخِطبة المعتَدّة، لم يَضُرّ الثّاني بعد انقضاء العِدّة أن يَخْطُبها، وهو واضح
لأنَّ الأوَّل لم يَتْبُت له بذلك حَقّ.
واستُدِلَّ بقولِه: ((على خطبة أخيه)) أنَّ مَحَلّ التَّحريم: إذا كان الخاطِب مسلماً، فلو خَطَبَ

٣٩٧
باب ٤٥ / ح ٥١٤٤
كتاب النكاح
الذِّمّيّ ذِمّيَّة فأراد المسلم أن يَخْطُبها جازَ له ذلك مُطلَقاً، وهو قول الأوزاعيِّ، ووافَقَه من
الشافعيّة ابنُ المنذر وابنُ حَرْبويه(١) والخطَّابِيّ، ويُؤيِّده قوله في أوَّل حديث عُقْبة بن عامر
عند مسلم (١٤١٤): ((المؤمن أخو المؤمن، فلا يَحِلّ للمؤمنِ أن يَبتاعَ على بيع أخيه، ولا
يَخْطُب على خِطبَتِه حتَّى يَذَرَ)) وقال الخطَّبيُّ: قَطَعَ الله الأُخوّة بين الكافر والمسلم فيَختَصّ
النَّهي بالمسلم. وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتَّى يَرِد المنع، وقد وَرَدَ المنعِ مُفَيَّداً
بالمسلم، فبقيَ ما عدا ذلك على أصل الإباحة، وذهب الجمهور إلى إلحاق الذِّمّيّ بالمسلم في
ذلك، وأنَّ التَّعبير بأخيه خرجَ على الغالب فلا مفهوم له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْئُلُوّا
أَوْلَادَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] وكقوله: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]
ونحو ذلك. وبناه بعضهم على أنَّ هذا المنهيّ عنه هل هو من حقوق العَقْد واحترامه، أو
من حقوق المتعاقدَينِ؟ فعلى الأوَّل فالرّاجح ما قال الخطَّابيّ، وعلى الثّاني فالرّاجح ما قال
غيره، وقريب من هذا البناء اختلافهم في ثُبُوت الشُّفعة للكافرِ، فمَن جعلها من حقوق
المِلك أثبَتَها له، ومَن جعلها من حقوق المالك مَنَعَ.
وقريب من هذا البحث ما نُقِلَ عن ابن القاسم صاحب مالك: أنَّ الخاطِب الأوَّل إذا
كان فاسقاً جازَ للعَفيفِ أن يَخْطُب على خِطبَته، ورَجَّحَه ابن العربيّ منهم، وهو مُتَّجِه فيما
إذا كانت المخطوبة عَفيفةً، فيكون الفاسق غير كُفء لها فتكون خِطبَته كلا خِطْبة. ولم يَعتَبر
الجمهور ذلك إذا صَدَرَت منها علامة القَبُول، وقد أطلقَ بعضهم الإجماع على خِلاف هذا
القول. ويَلتَحِق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطِب الأوَّل أهلاً في العادة
لِخِطبة تلك المرأة، كما لو خَطَبَ سُوقِيٌّ بنتَ مَلِكِ، وهذا يَرجِع إلى التَّكافُؤْ.
واستُدِلَّ به على تحريم خِطْبة المرأة على خِطْبة امرأة أُخرى، إلحاقاً لحُكمِ النِّساء بحُكمِ
(١) تحرف في (س) إلى: ابن جويرية، وفي (ع) إلى: ابن جرير، والمثبت من (أ)، وابن حربويه: هو علي بن
الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي القاضي، أبو عبيد بن حربويه، أحد أصحاب الوجوه المشهورين
في المذهب الشافعي، توفي سنة ٣١٩هـ. انظر: ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي ٤٤٦/٣، و((طبقات
الشافعية)) لابن قاضي شهبة ١ / ٩٦.

٣٩٨
باب ٤٦ / ح ٥١٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
الرِّجال، وصورته أن تَرغَب امرأة في رجل وتَدعُوه إلى تزويجها، فيُجيبها كما تقدَّم، فتَجيء
٢٠١/٩ امرأة أُخرى فتَدعُوه وتُرَغِّبه في نفسها وتُزَهِّده في التي/ قبلها، وقد صَرَّحوا باستحباب
خِطْبة أهل الفضل من الرِّجال، ولا يخفى أنَّ مَحَلّ هذا إذا كان المخطوب عَزَمَ أن لا يَتزوَّج
إلّا واحدةً، فأمَّا إذا جَمَعَ بينهما فلا تحريم، وسيأتي بعد ستّة أبواب (٥١٥٢) في (باب
الشُّروط التي لا تَحِلّ في النِّكاح)) مزيد بحث في هذا.
٤٦- باب تفسير ترك الخِطبة
٥١٤٥- حذَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالم بنُ عبدِ الله،
أنَّه سمعَ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما يُحدِّثُ: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّبِ حِينَ تَأَيَّمَت حفصةُ، قال
عمرُ: لَقِيتُ أبا بَكْرٍ، فقلتُ: إن شئتَ أنكَحْتُكَ حفصةَ بنتَ عمرَ، فَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثمَّ خَطَبَها
رسولُ الله ◌َّهِ فَلَقِيَني أبو بكرٍ، فقال: إنَّه لم يَمْتَعْني أن أرجِعَ إليكَ فيما عَرَضْتَ إلّا أنّي قد
علمْتُ أنَّ رسولَ اللهِ لَ قد ذكرها، فلم أَكُن لِأَفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله ◌ِِّ، ولو تَرَكَها لَقَبِلْتُها.
تابَعَه يونسُ وموسى بنُ عُقْبةَ وابنُ أبي عَتِيقٍ، عن الزُّهْريِّ.
قوله: ((باب تفسير تركِ الْخِطْبة)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث عمر حين تأيَّمَت حفصة، وفي
آخره قول أبي بكر الصِّدّيق رضي الله عنه: ولو تَرَكَها لَقِلتُها، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى
قبل أبواب (٥١٢٢ ,٥١٢٩).
قال ابن بَطّال ما مُلخَّصه: تقدَّم في الباب الذي قبله تفسير تَرك الخِطبة صريحاً في قوله:
((حتَّى يَنكِح، أو يَترُك))، وحديث عمر في قصَّة حفصة لا يظهر منه تفسير تَركِ الخِطبة، لأنَّ
عمر لم يكن عَلِمِ أنَّ النبيّ وَّهِ خَطَبَ حفصة، قال: ولكنَّه قَصَدَ معنَى دَقيقاً يدلّ على
تُقُوب ذِهْنه، ورُسُوخه في الاستنباط، وذلك أنَّ أبا بكر علم أنَّ النبيّ ◌َّ إذا خَطَبَ إلى
عمر أنَّه لا يَرُدّه، بل يَرغَب فيه، ويَشكُر الله على ما أنعَمَ الله عليه به من ذلك، فقامَ عِلمُ أبي
بكر بهذا الحال مقام الرُّكون والتَّراضي، فكأنَّه يقول: كلّ مَن عُلِم أنَّه لا يُصرَف إذا خَطَبَ
لا ينبغي لأحدٍ أن تَخْطُّب على خطبته.

٣٩٩
باب ٤٧ / ح ٥١٤٦
كتاب النكاح
وقال ابن المنّيِّر: الذي يظهر لي أنَّ البخاريّ أراد أن يُحقِّق امتناع الخِطْبة على الخِطبة
مُطلَقاً، لأنَّ أبا بكر امتَنَعَ ولم يكن انبَرَمَ الأمر بين الخاطِب والوَليّ، فكيف لو انبَرَمَ وتَرَاكَنا؟
فكأنَّه استدلال منه بالأولى. قلت: وما أبداه ابن بَطّال أدَقّ وأولَى، والله أعلم.
قوله: ((تابَعَه يونس وموسى بن عُقْبة وابن أبي عَتِيق عن الزُّهْريِّ) أي: بإسنادِهِ، أمَّا مُتَابَعة
يونس - وهو ابن يزيد - فَوَصَلَها الدَّارَ قُطْنيُّ في ((العِلَل)) (١/ ١٥٧) من طريق أصبَغَ عن
ابن وَهْب عنه، وأمَّا مُتَابَعة الآخرينَ فوَصَلَها الذُّهْلُّ في ((الزُّهْریّات)) من طريق سليمان بن
بلال عنهما، وقد تقدَّم للمصنِّف هذا الحديث من رواية مَعمَر (٥١٢٢)، ومن رواية صالح
ابن كَيْسانَ أيضاً (٥١٢٩) عن الزُّهْريِّ أيضاً.
٤٧ - باب الخُطْبة
٥١٤٦- حدَّثْنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ يقول:
جاء رجلانٍ منَ المشرقِ فَخَطَبًا، فقال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ منَ البيان لَسِحْراً)).
[طرفه في: ٥٧٦٧]
قوله: ((باب الخُطْبة)) بضمِّ أوَّله، أي: عند العقد، ذکر فیه حديث ابن عمر: جاء رجلان من ٢٠٢/٩
المشرق فخَطَبًا، فقال النبيّ ◌َّهِ: ((إنَّ من البيان لَسِحراً))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((سِحراً)) بغير
لام، وهو طَرَف من حديث سيأتي بتمامه في الطِّبّ معَ شرحه (٥٧٦٧).
قال ابن التِّين: أدخَلَ هذا الحديث في كتاب النكاح وليس هو موضعه، قال: والبيان
نوعان: الأوَّل: ما يُبيِّن به المراد، والثّاني: تحسين اللَّفظ حتَّى يَستَميل قلوب السامعينَ.
والثّاني هو الذي يُشَبَّه بالسِّحْرِ، والمذموم منه ما يُقصد به الباطِل، وشَبَّهَه بالسِّحْرِ لأنَّ
السِّحْر صَرْف الشّيء عن حقيقته.
قلت: فمن هنا تُؤْخَذ المناسَبة، ويُعرَف أنَّه ذكره في موضعه، وكأنَّه أشارَ إلى أنَّ
الخُطبة وإن كانت مشروعة في النِّكاح، فينبغي أن تكون مُقتَصِدة، ولا يكون فيها ما
يقتضي صَرْف الحقّ إلى الباطِل بتحسينِ الكلام. والعرب تُطلِقِ لفظ السِّحْر على الصَّرف،

٤٠٠
باب ٤٨ / ح ٥١٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
تقول: ما سَحَرك عن كذا؟ أي: ما صَرَفَك عنه؟
وأخرجه أبو داود (٥٠١٢) من حديث صخر بن عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه عن جَدّه
رَفَعَه: ((إنَّ من البيان سِحراً)) قال: فقال صعصعة بن صُوحان: صَدَقَ رسول الله
ـلىالله
الرجل يكون عليه الحقّ وهو ألْحَن بالحُجّة من صاحب الحقّ، فَيَسحَر الناس ببيانه
فيذهب بالحقِّ.
وقال المهلَّب: وجه إدخال هذا الحديث في هذه التَّرجمة: أنَّ الخُطبة في النّكاح إنَّما
شُرِعَت للخاطِب لتَسهِيل أمره، فشُبِّهَ حُسن التَّوَصُّل إلى الحاجة بحُسنِ الكلام فيها
باستنزال المرغوب إليه بالبيان بالسِّحرِ، وإنَّما كان كذلك لأنَّ النُّفُوس طُبعَت على الأنَفة
من ذِكْر المولِيَّات في أمر النِّكاح، فكان حُسن التَّوَصُّل لرفع تلك الأنَفة وجهاً من وجوه
السِّحر الذي يَصرِف الشّيء إلى غيره.
ووَرَدَ في تفسير خُطبة النِّكاح أحاديث، من أشهرها ما أخرجه أصحاب ((السُّنَن))(١)،
وصَحَّحَه أبو عَوَانة (٤١٤٣ و٤١٤٤)، وابن حِبّان عن ابن مسعود مرفوعاً: ((إنَّ الحمد لله
نَحمَده، ونَستَعينه ونستَغفِره)) الحديث، قال التِّرمِذيّ: حسن، رواه الأعمش عن أبي
إسحاق عن أبي الأحوَص عن ابن مسعود، وقال شُعْبة عن أبي إسحاق عن أبي عُبيدة عن
أبيه، قال(٢): فكِلا الحديثَينِ صحيح، لأنَّ إسرائيل رواه عن أبي إسحاق فجمعهما. قال:
وقد قال أهل العلم: إنَّ النِّكاح جائز بغير خُطبة، وهو قول سفيان الثَّوْريّ وغيره من أهل
العلم. انتهى، وقد شَرَطَه في النِّكاح بعض أهل الظّاهر، وهو شاذّ.
٤٨- باب ضربٍ الدّفّ في النكاح والوليمة
٥١٤٧ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثْنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، حدَّثنا خالدُ بنُ ذَكْوانَ، قال: قالت الرُّبَيِّعُ
بنتُ مُعَوِّذِ بنِ عَفْراءَ: جاء النبيُّ ◌َِّ يَدْخُلُ عَلَيَّ حينَ بُنِيَ عليَّ، فَجَلَسَ على فِراشي كمَجلِسِكَ
(١) أخرجه أبو داود (٢١١٨)، وابن ماجه (١٨٩٢)، والترمذي (١١٠٥)، والنسائي في ((المجتبى)) (٣٢٧٧).
(٢) القائل الترمذي.