النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب ٢٨ / ح ٥١١١- ٥١١٢
كتاب النكاح
٥١١١- لأنَّ عُرْوةَ حدَّثني، عن عائشةَ قالت: حَرِّموا منَ الرَّضاعةِ ما يَحِرُمُ منَ النَّسَبِ.
قوله: ((لا يُجمَعُ)) و((لا تُنكَحُ)) كلّه في الرِّوايات بالرَّفع على الخبر عن المشروعيَّة وهو
يَتَضَمَّنِ النَّهيَ، قاله/ القُرطُبيّ.
١٦٢/٩
قوله: ((على عَمَّتها)) ظاهره تخصيص المنع بما إذا تزوَّجَ إحداهما على الأُخرَى، ويُؤْخَذ
منه منعُ تزويجهما معاً، فإن جَمَعَ بينهما بعَقدِ بَطَلَا، أو مُرتَّباً بَطَلَ الثّاني.
قوله في الرواية الأخيرة: «فتُرَى)) بضمِّ النُّون، أي: نَظُنّ، وبفتحها، أي: نَعْتَقِد.
قوله: ((خالةَ أبيها بتلك المنزلة)) أي: من التَّحريم.
قوله: ((لأنَّ عُرْوة حدَّثني)) إلى آخره، في أخذ هذا الحُكم من هذا الحديث نظرٌ، وكأنَّه
أراد إلحاق ما يَحُرُم بالصِّهرِ بما يَحِرُم بالنَّسَب، كما يَجِرُم بالرَّضاع ما يَحُرُم بالنَّسَب، ولمَّا
كانت خالة الأب من الرَّضاع لا يَحِلّ نكاحُها، فكذلك خالة الأب لا يُجمَع بينها وبين بنت
ابن أخيها، وقد تقدَّم (٥١٠٣) شرحُ حديث عائشة المذكور.
قال النَّوَويّ: احتجَّ الجمهور بهذه الأحاديث وخَصُّوا بها عمومَ القرآنَ في قوله تعالى:
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقد ذهب الجمهور إلى جواز تخصيص عُموم
القرآن بخَبَرِ الآحاد، وانفَصَلَ صاحب («الهداية» من الحنفيَّة عن ذلك، بأنَّ هذا من
الأحاديث المشهورة التي تجوز الزّيادةُ على الكتاب بمِثلِها، والله أعلم.
٢٨ - باب الشِّغَار
٥١١٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما:
أَنَّ رسولَ الله ◌ََّ نَهَى عن الشِّغَارِ.
والشِّغارُ: أن يُزوِّجَ الرجلُ ابنتَه على أن يُزوِّجَه الآخَرُ ابنتَه ليس بينَهما صَدَاقٌ.
[طرفه في: ٦٩٦٠]
قوله: ((باب الشِّغَار)» بمُعجَمَتَينِ مكسور الأوَّل.

٣٢٢
باب ٢٨ / ح ٥١١٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((نَهَى عن الشِّغار)) في رواية ابن وَهْب عن مالك: نَهَى عن نِكاح الشِّغار، ذكره
ابن عبد البَرّ(١)، وهو مراد مَن حَذَفَه.
قوله: ((والشِّغار: أن يُزوِّج الرجلُ ابنتَه)) إلى آخره، قال ابن عبد البرّ: ذكر تفسير الشِّغار
جميعُ رواه مالك عنه.
قلت: ولا يَرِدُ على إطلاقه أنَّ أبا داود أخرجه عن القَعْنبيِّ (٢٠٧٤) فلم يَذْكُرُ التَّفْسير،
وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (١١٢٤) من طريق مَعْن بن عيسى، لأنَّهما اختَصَرا ذلك في تصنيفهما،
وإلّا فقد أخرجه النَّسائيُّ (٣٣٣٧) من طريق مَعنٍ بالتَّفسير، وكذا أخرجه الخطيب في
((المدرَج)) (١ / ٣٨٧) من طريق القَعنبيِّ.
نعم اختَلَفَ الرُّواة عن مالك فيمَن يُنسَب إليه تفسير الشِّغار، فالأكثر لم يَنسُبوه لأحدٍ،
ولهذا قال الشافعيّ فيما حكاه البيهقيُّ في ((المعرفة)): لا أدري التفسير عن النبيّ يَّر أو عن
ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك، ونَسَبَه مُرِز بن عَوْن وغيره لمالك، قال الخطيب: تفسير
الشِّغار ليس من كلام النبيّ ◌َِّ، وإنَّما هو قول مالك وُصِلَ بالمتنِ المرفوع، وقد بيَّن ذلك
ابنُ مَهديّ والقَعنبيُّ ومُحِرِز بن عَوْن، ثمَّ ساقه كذلك عنهم، ورواية مُرِز بن عَوْن عند
الإسماعيليّ والدَّارَقُطنيّ في ((الموطََّت))، وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ أيضاً من طريق خالد بن مَخَلَد
عن مالك قال: سمعت أنَّ الشِّغار أن يُزوِّج الرجلُ ... إلى آخره، وهذا دالٌّ على أنَّ التَّفسير
من منقول مالك لا من مَقُوله.
ووَقَعَ عند المصنِّف - كما سيأتي في كتاب ترك الحِيل (٦٩٦٠) - من طريق عُبيد الله بن
عمر عن نافع في هذا الحديث تفسيرُ الشِّغار من قول نافع ولفظه: قال عبيد الله بن عمر:
قلت لنافع: ما الشِّغار؟ فذكره؛ فلعلَّ مالكاً أيضاً حَمَلَه عن نافع.
وقال أبو الوليد الباجِيُّ: الظّاهر أنَّه من جُملة الحديث، وعليه يُحمَل حتَّى يَتَبيَّن أنَّه من
قول الراوي وهو نافع.
(١) في ((التمهيد)) ٧٠/١٤.

٣٢٣
باب ٢٨ / ح ٥١١٢
كتاب النكاح
قلت: قد تَبِيَّن ذلك، ولكن لا يَلزَمُ من كَونِه لم يَرفَعْه أن لا يكون في نفس الأمر
مرفوعاً، فقد ثَبَتَ ذلك من غير روايته، فعند مسلم (١٤١٦ / ٦١) من رواية أبي أُسامة
وابن نُمَير عن عبيد الله بن عمر أيضاً عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة مِثلُه سواء،
قال: وزاد ابن نُمَير: والشِّغار: / أن يقول الرجل للرجلِ: زَوِّجني ابنتَك وأُزَوِّجك ابنتي، ١٦٣/٩
وزَوِّ جني أُختَك وأُزوِّجك أُختي؛ وهذا يحتمل أن يكون من كلام عُبيد الله بن عمر فيَرجِع
إلی نافع، ويحتمل أن یکون تلقّاه عن أبي الزناد، ويُؤيِّد الاحتمالَ الثّاني وُرودُه في حديث أنس
وجابر وغيرهما أيضاً، فأخرج عبد الرَّزّاق (١٠٤٣٤) عن مَعمَر عن ثابت وأبانَ عن أنس
مرفوعاً: «لا شِغار في الإسلام، والشِّغار: أن يُزُوِّج الرجلُ الرجلَ أُختَهَ بأُخْتِه)».
وروى البيهقيُّ (٧/ ٢٠٠) من طريق نافع بن يزيد عن ابن جُرَيج عن أبي الزُّبَير عن
جابر مرفوعاً: ((نَهَى عن الشِّغار، والشِّغار: أن يَنكِحِ هذه بهذه بغير صَدَاق، بُضْعُ هذه
صَداقُ هذه، وبُضْعُ هذه صداقُ هذه)).
وأخرج أبو الشَّيخ في كتاب ((النِّكاح)) من حديث أبي رَتْجانة: أنَّ النبيَّ وَّل ◌َهَى عن
المشاغَرة، والمشاغَرة: أن يقول: زَوِّجْ هذا من هذه، وهذه من هذا بلا مَهْر، قال القُرطُبيّ:
تفسير الشِّغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللُّغة، فإن كان مرفوعاً فهو المقصود، وإن كان
من قول الصَّحابيّ فمقبول أيضاً لأنَّه أعلمُ بالمقال وأقعَدُ بالحال، انتهى.
وقد اختَلَفَ الفقهاء: هل يُعتبَرَ في الشِّغار الممنوعِ ظاهرُ الحديث في تفسيره، فإنَّ فيه
وَصْفَينِ: أحدهما: تزويج كلٍّ من الوَلَيَّيْنِ ولَيَّتَه للآخرِ بشرطِ أن يُزِّجه وليَّتَه، والثّاني: خُلوّ
بُضْع كلٌّ منهما من الصَّداق، فمنهم مَن اعتَبَرَهما معاً، حتَّى لا يَمنَع مثلاً إذا زَوَّجَ كلّ منهما
الآخر بغير شرط وإن لم يَذْكُرِ الصَّداق، أو زَوَّجَ كلٌّ منهما الآخر بالشَّرطِ وذِكْرِ الصَّداق.
وذهب أكثر الشافعيَّة إلى أنَّ عِلّة النَّهي الاشتراكُ في البُضْع، لأنَّ بُضعَ كلٌّ منهما يصير
مَورِدَ العَقْد، وجعلُ البُضع صَدَاقاً مخالف لإيراد عَقْد النِّكاح، وليس المقتَضي للبُطْلان ترك
ذِكْرِ الصَّداق، لأنَّ النِّكاح يَصِحّ بدون تسمية الصَّداق.

٣٢٤
باب ٢٨ / ح ٥١١٢
فتح الباري بشرح البخاري
واختَلَفوا فيما إذا لم يُصرِّحا بذِكْر البُضْعِ فالأصُّ عندهم الصِّحّة، ولكن وُجِدَ نصُّ
الشافعيّ على خِلَافه ولفظه: إذا زَوَّجَ الرجل ابنته أو المرأةَ يَلي أمرَها مَن كانت لآخرَ على
أنَّ صَداقَ كلّ واحدة بُضعُ الأُخرى، أو على أن يُنكِحه الأُخرى، ولم يُسمِّ أحد منهما
لواحدةٍ منهما صَداقاً، فهذا الشِّغار الذي نَهَى عنه رسول الله وَّ، وهو مفسوخ؛ هكذا
ساقَه البيهقيُّ (١٩٩/٧) بإسنادِهِ الصَّحيح عن الشافعيّ، قال: وهو الموافق للتَّفسير المنقول
في الحديث، واختَلَفَ نَصُّ الشافعيّ فيما إذا سَمَّى معَ ذلك مَهراً، فَنَصَّ في ((الإملاء)) على
الْبُطْلان، وظاهر نَصّه في ((المختصر)) الصِّحّة، وعلى ذلك اقتَصَرَ في النَّقل عن الشافعيّ مَن
يَنْقُل الخِلاف من أهل المذاهب، وقال القَفّل: العِلّة في البُطْلان التَّعليق والتَّوقيف، فكأنَّه
يقول: لا يَنعَقِد لك نِكَاحُ بنتي حتَّى يَنْعَقِد لي نكاحُ بنتك.
وقال الخطَّبيُّ: كان ابن أبي هريرة يشبِّهه برجلٍ تزوَّجَ امرأةً ويَستَئني عُضواً من
أعضائها، وهو ممّاً لا خِلَاف في فساده، وتقرير ذلك: أنَّه يُزُوِّج وليّتَه ويستثني بُضْعَها
حیثُ يجعله صداقاً للأُخرَى.
وقال الغَزاليّ في ((الوسيط)): صورته الكاملة: أن يقول: زَوَّجِتُك ابنَتي على أن تُزوِّجني
ابنتَك، على أن يكون بُضعُ كلّ واحدة منهما صَداقاً للأُخرَى، ومهما انعَقَدَ نِكَاحُ ابنتي
انعَقَدَ نِكَاحُ ابنتك.
قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): ينبغي أن يُزاد: ولا يكون معَ البُضْع شيء آخر،
ليكونَ مُتَّفَقاً على تحريمه في المذهب.
ونَقَلَ الخِرَقِيّ أنَّ أحمد نَصَّ على أنَّ عِلّة البُطْلان تَرِكُ ذِكْر المهر، ورَجَّحَ ابن قَيميّةَ في
(المحَرَّر)) أنَّ العِلّة التَّشريك في البُضْع.
وقال ابن دقيق العيد: ما نَصَّ عليه أحمد هو ظاهر التَّفسير المذكور في الحديث لقولِه
فيه: ((ولا صَداقَ بينهما)) فإنَّه يُشعِر بأنَّ جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك
ذُكِرَ لملازَمَتِهِ لجهة الفساد، ثمَّ قال: وعلى الجملة ففيه شُعورٌ بأنَّ عَدَم الصَّداق له مَدخَل في

٣٢٥
باب ٢٩ / ح ٥١١٣
كتاب النكاح
النَّهي، ويُؤيِّده حديث أبي رَتْجانة الذي تقدَّم ذِكرُه.
وقال ابن عبد البَرّ: أجمَعَ العلماء على أنَّ نكاح الشِّغار لا يجوز، ولكن اختَلَفوا في
صِحَّته، فالجمهور على البُطْلان، وفي روايةٍ عن مالك: يُفسَخ قبل الدُّخول لا بعده،
وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيِّ، وذهب الحنفيَّة إلى/ صِخَّته ووجوب مَهْر المِثْل، وهو قول ١٦٤/٩
الزّهْريِّ ومكحول والثَّوْريِّ واللَّيث ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثَوْر، وهو قويٌّ على
مذهب الشافعيّ، لاختلاف الجِهة، لكن قال الشافعيّ: إنَّ النِّساء مُحُرَّمات إلّا ما أحَلَّ الله
أو مِلْكَ يمين، فإذا وَرَدَ النَّهي عن نكاحٍ تأكَّدَ التَّحریم.
تنبيه: ذِكرُ البنت في تفسير الشِّغار مِثال، وقد تقدَّم في رواية أُخرى ذِكرُ الأُخت، قال
النَّوَويّ: أجمعوا على أنَّ غير البنات من الأخَوات وبنات الأخ وغيرِهنَّ كالبنات في ذلك،
والله أعلم.
٢٩ - بابٌ هل للمرأة أن تَهَبَ نفسَها لأحدٍ؟
٥١١٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، حذَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه قال: كانت خَوْلةُ
بنتُ حَكِيمٍ منَ اللّائِي وَهَبنَ أَنفُسَهُنَّ لِلنَبِّ ◌َّةِ، فقالت عائشةُ: أَمَا تَسْتَحِي المرأةُ أَن تَهَبَ
نفسَها لِلرجلِ؟! فلمَّا نزلت: ﴿تُرْجِى مَن قَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلتُ: يا رسولَ الله، ما
أَرَى رَبَّكَ إلَّا يُسارعُ فِي هَوَاكَ.
رواه أبو سعيدِ المؤَدِّبُ ومحمَّدُ بنُ بِشْرِ وعَبْدةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، يزيدُ بعضُهم
على بعضٍ.
قوله: ((بابٌ هل للمرأةِ أن تَهَبَ نفسها لأحدٍ؟)) أي: فيَحِلّ له نِكاحُها بذلك، وهذا يَتَناوَل
صورتَينٍ: إحداهما: مُجَّد الهِبة من غير ذِكْر مَهرٍ، والثّاني: العَقْد بلفظ الهِبة.
فالصّورة الأولى ذهب الجمهورُ إلى بُطْلان النِّكاح، وأجازَه الحنفيّة والأوزاعيّ، ولكن
قالوا: يجب مَهرُ المِثْل، وقال الأوزاعيُّ: إن تزوَّجَ بلفظ الهِبة وشَرَطَ أن لا مهرَ، لم يَصِحَّ
النِّكاح. وحُجّة الجمهور قولُه تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]

٣٢٦
باب ٢٩ / ح ٥١١٣
فتح الباري بشرح البخاري
فعَدُّوا ذلك من خصائصه بَّهَ، وأنَّ يَتزوَّج بلفظ الهِبة بغير مَهْر في الحال ولا في المآل،
وأجابَ المجيزونَ عن ذلك، بأنَّ المراد أنَّ الواهبة تَخْتَصّ به لا مُطلَق الهِبة.
والصّورة الثّانية: ذهب الشافعيَّة وطائفة إلى أنَّ النّكاح لا يَصِحُّ إلّا بلفظ النِّكاح أو التَّرويج،
لأنَّهما الصَّريحان اللَّذان وَرَدَ بهما القرآن والحديث، وذهب الأكثر إلى أنَّه يَصِحّ بالكِنايات،
واحتجَّ الطَّحاويُّ لهم بالقياس على الطَّلاق، فإنّه يجوز بصرائحِه وبكِناياته معَ القصد.
قوله: ((حدَّثنا هشام)) هو ابن عُرْوة ((عن أبيه قال: كانت خَوْلة)) هذا مُرسَل، لأنَّ عُرْوة
لم يُدرِك زمن القصّة، لكنَّ السِّياق يُشعِر بأنَّه حَمَلَه عن عائشة. وقد ذكر المصنِّ عَقِبَ هذه
الطَّريق روايةَ مَن صَرَّحَ فيه بذِكْر عائشة تعليقاً، وقد تقدَّم في تفسير الأحزاب (٤٧٨٨) من
طريق أبي أُسامة عن هشام كذلك موصولاً.
قوله: ((بنت حَكيم)) أي: ابن أُميَّةَ بن الأَوقَص السُّلَميَّة، وكانت زوج عثمان بن
مَظعُون، وهي من السابقات إلى الإسلام، وأُمّها من بني أُميَّة.
قوله: ((من اللّائِي وَهَبْنَ)) وكذا وَقَعَ في رواية أبي أسامة المذكورة: قالت: كنت أغار من
اللّائي وَهَبنَ أَنفُسَهنَّ؛ وهذا يُشعِر بتعدُّدِ الواهبات، وقد تقدَّم تفسيرهنَّ في تفسير سورة
الأحزاب.
ووَفَعَ في رواية أبي سعيد المؤَدِّب الآتي ذِكرُها في المعلّقات عن عُرْوة عن عائشة: قالت:
التي وَهَبَت نفسَها للنبيِّ وَّهِ خولةُ بنت حَكيم؛ وهذا محمول على تأويل أنَّها السابقة إلى
ذلك، أو نحو ذلك من الوجوه التي لا تقتضي الحَصْر المطلَق.
قوله: ((فقالت عائشة: أمَا تَسْتَحِي المرأة أن تَهَبَ نفسَها)) وفي رواية محمَّد بن بِشْر
الموصولة عن عائشة: أنَّها كانت تُعيِّر اللّائي وَهَبنَ أَنفُسهنَّ.
قوله: ((أن تَهَبَ نفسها) زاد في رواية محمَّد بن بشر: بغیر صَدَاق.
قوله: ((فلمَّا نزلت: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ﴾)» في رواية عَبْدة بن سليمان: فأنزلَ الله ﴿تُرْجِ﴾،
١٦٥/٩ وهذا أظهَرُ/ في أنَّ نزول الآية بهذا السَّبَب.

٣٢٧
باب ٣٠ / ح ٥١١٤
كتاب النكاح
قال القُرطُبيّ: حَمَلَت عائشةَ على هذا التَّقبيح الغَيْرةُ التي طُبعَت عليها النِّساء، وإلّا
فقد علمت أنَّ الله أباحَ لنبيِّه ذلك، وأنَّ جميع النِّساء لو مَلَّكنَ له رِقابَهَنَّ(١) لكان قليلاً.
قوله: «ما أَرَى رَبَّك إلّا يُسارع في هَوَاك)» في رواية محمَّد بن بشر: إنّي لَأَرَى رَبّك يُسارع
لك(٢) في هَوَاك، أي: في رِضاك، قال القُرطُبيّ: هذا قول أبرَزَه الدَّلال والغَيْرة، وهو من
نوع قولها: ما أحمَدُكُما ولا أحمدُ إلّا الله (٣)، وإلّا فإضافة الهَوَى إلى النبيّ وَّوَ لا تُحمَل على
ظاهره، لأنَّه لا يَنطِقُ عن الهَوَى ولا يفعل بالهَوَى، ولو قالت: إلى مَرضاتِكَ لكان أليَقَ،
ولكنَّ الغَيْرةِ يُغتَفَر لأجلِها إطلاق مثل ذلك.
قوله: ((رواه أبو سعيد المؤَدِّ ومحمّد بن بِشْر وعَبْدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة،
يزيد بعضُهم على بعض)) أمَّا رواية أبي سعيد - واسمه محمَّد بن مسلم بن أبي الوَضّاح -
فَوَصَلَها ابن مَرْدويه في ((التَّفْسير)) والبيهقيُّ (٧/ ٥٥) من طريق منصور بن أبي مُزاحِم عنه
مختصراً كما نَبَّهتُ عليه: قالت: التي وَهَبَت نفسَها للنبِّ وَّ خولةُ بنت حكيم؛ حَسْبُ.
وأمَّا رواية محمَّد بن بِشْر فَوَصَلَها الإمام أحمد عنه (٢٥٢٥١) بتمام الحديث، وقد بيّنت
ما فيه من زيادة فائدة.
وأمَّا رواية عَبْدة - وهو ابن سليمان - فَوَصَلَها مسلم (٥٠/١٤٦٤) وابن ماجه
(٢٠٠٠) من طريقه، وهي نحو رواية محمَّد بن بشر.
٣٠- باب نکاح المُحرِم
٥١١٤- حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، أخبرنا ابنُ عُيَينَةَ، أخبرنا عَمْرٌو، حدَّثْنا جابرُ بنُ زيدٍ،
قال: أنبَنا ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: تَزوَّجَ النبيُّوَّه وهو مُحِمٌ.
قوله: ((باب نِكاح المُحرِم)) كأنَّه يَحتجّ إلى الجواز، لأنَّه لم يَذكُر في الباب شيئاً غيرَ
حديث ابن عبّاس في ذلك، ولم يُرِّج حديثَ المنع، كأنَّه لم يَصِحَّ عنده على شرطِهِ.
(١) في (أ) و(س): رقّهنَّ، والمثبت من (ع) وهو أَوجه.
(٢) لفظ ((لك)) لم يرد في الأصلين، وأثبتناه من (س) لموافقته لما في ((مسند أحمد)) (٢٥٢٥١).
(٣) سلف هذا في قصة الإفك برقم (٤٧٥٧).

٣٢٨
باب ٣٠ / ح ٥١١٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أخبَرَنا عَمْرو)) هو ابن دينار، وجابر بن زيد: هو أبو الشَّعثاء.
قوله: («تزوَّجَ النبيّ ◌َّه وهو مُحِرِم)) تقدَّم في أواخر الحجّ (١٨٣٧) من طريق الأوزاعيِّ
عن عطاء عن ابن عبّاس بلفظ: تزوَّجَ ميمونة وهو مُحُرِم، وفي رواية عطاء المذكورة عن ابن
عبَّاس عند النَّسائيِّ (٣٢٧٣): تزوَّجَ النبيُّ ◌َّ ميمونة وهو مُرِم، جَعَلَت أمرَها إلى
العبَّاس فأنكَحَها إيّاه، وتقدَّم في عمرة القضاء (٤٢٥٨) من رواية عِكْرمة بلفظ حديث
الأوزاعيِّ وزادَ: وبَنَى بها وهي حلال، وماتت بسَرِفَ.
قال الأثرم: قلت لأحمد: إنَّ أبا ثَوْر يقول: بأيِّ شيءٍ يُدفَع حديث ابن عبّاس؟ - أي:
معَ صِحَّته - قال: فقال: اللهُ المستَعان، ابن المسيّب يقول: وَهِمَ ابن عبّاس، وميمونةُ تقول:
تزوَّجني وهو حلال(١)، انتهى.
وقد عارَضَ حديثَ ابن عبّاس حديثُ عثمان: ((لا يَنكِحُ المحرِمُ ولا يُنكِح)) أخرجه
مسلم (١٤٠٩)، ويُجمَع بينه وبين حديث ابن عبّاس بحَمْلِ حديث ابن عبّاس على أنَّه من
خصائص النبيّ گۆ.
وقال ابن عبد البَرّ: اختَلَفَت الآثار في هذا الحُكْم، لكنَّ الرِّواية: أنَّه تزوَّجَها وهو
حلال، جاءت من طرق شَتَّى، وحديثُ ابن عبّاس صحيح الإسناد، لكنَّ الواحد إلى
الوَهْم أقرَبُ من الجماعة، فأقلّ أحوال الخبرَينِ أن يَتَعارَضا فتُطلَب الحُجّة من غير هما،
وحدیثُ عثمان صحیح في مَنْع نِکاح المحرم، فهو المعتمد، انتهى.
وقد تقدَّم في أواخر كتاب الحجّ البحثُ في ذلك مُلخَّصاً، وأنَّ منهم مَن حَلَ حديث
عثمان على الوَطْء، وتُعقّبَ بأنَّه ثَبَتَ فيه: ((لا يَنكِحِ)) بفتح أوَّله ((ولا يُنكِحِ)) بضمِّ أوَّله ((ولا
يَخْطُب))، ووَقَعَ في ((صحيح ابن حِبّان)) (٤١٢٤) زيادة: ((ولا يَخْطُّب عليه))، ويَتَرَجَّح
حديث عثمان بأنَّه تقعيدُ قاعدة، وحديث ابن عبّاس واقعةُ عَيْن تحتمِل أنواعاً من الاحتمالات:
فمِنها: أنَّ ابن عبّاس كان يرى أنَّ مَن قَلَّدَ الهدْيَ صير مُرِماً كما تقدَّم تقرير ذلك عنه في
(١) أخرجه من حديث ميمونة مسلمٌ في ((صحيحه)) (١٤١١).

٣٢٩
باب ٣٠ / ح ٥١١٤
كتاب النكاح
كتاب الحجّ(١)، والنبيّ وَّكان قَلَّدَ الهدْيَ في عُمرته تلك التي تزوَّجَ فيها ميمونة، فيكون
إطلاقه / أنَّه وَّه تزوَّجَها وهو مُحُرِم، أي: عَقَدَ عليها بعد أن قَلَّدَ الهدْيَ وإن لم يكن تَلَّسَ ١٦٦/٩
بالإحرام، وذلك أنَّه كان أرسَلَ إليها أبا رافع يَخْطُبها، فجَعَلَت أمرَها إلى العبَّاس فَزَوَّجَها
من النبيّ ◌َلآ.
وقد أخرج التِّرمِذيّ (٨٤١) وابن خُزَيمةَ وابن حِبّان (٤١٣٠) في ((صحيحَيهما)) من
طريق مَطَر الوَرّاق عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن عن سليمان بن يَسَار عن أبي رافعٍ: أنَّ
النبيّ ◌َ ﴿ تزوَّجَ ميمونةَ وهو حلال، وبَنَى بها وهو حلال، وكنتُ أنا الرَّسولَ بينهما، قال
التِّرمِذيّ: لا نعلم أحداً أسنَدَه غير حمَّد بن زيد عن مَطَر، ورواه مالك (٣٤٨/١) عن
ربيعة عن سلیمان مُرسَلاً.
ومنها: أنَّ قول ابن عبّاس: تزوَّجَ ميمونةَ وهو مُحُرِم، أي: داخل الحرم أو في الشَّهر
الحرام، قال الأعشَى:
قَتَّلوا كِسرَى بليلٍ مُرِما
أي: في الشّهر الحرام، وقال آخر:
قَتَلوا ابنَ عَفّانَ الخليفةَ مُرِما
أي: في البلد الحرام، وإلى هذا التّاويل جَنَحَ ابن حِبّان فجَزَمَ به في ((صحیحه)).
وعارَضَ حديثَ ابن عبّاس أيضاً حديثُ يزيد بن الأصَمّ: أنَّ النبيّ وَلَ تزوَّجَ ميمونة
وهو حلال، أخرجه مسلم (٤٦/١٤١٠) من طريق الزُّهْرِيِّ قال: وكانت خالته كما كانت
خالة ابن عبّاس. وأخرج مسلم من وجه آخر عن يزيد بن الأصَمّ قال: حدَّثتني ميمونة:
أنَّ رسول الله وَّاه تزوَّجَها وهو حلال، قال: وكانت خالَتي وخالةَ ابن عبَّاس.
وأمَّا أثر ابن المسيّب الذي أشارَ إليه أحمد فأخرجه أبو داود (١٨٤٥)، وأخرج البيهقيُّ
(١) في شرح الحديث (١٧٠٠).

٣٣٠
باب ٣٠ / ح ٥١١٤
فتح الباري بشرح البخاري
(٧/ ٢١٢) من طريق الأوزاعيِّ عن عطاء عن ابن عبّاس الحديثَ قال: وقال سعيد بن المسيّب:
ذَهَلَ ابنُ عبَّاس وإن كانت خالتَه، ما تزوَّجَها إلّا بعدَما أحَلَّ.
قال الطَّبَريُّ: الصَّواب من القول عندنا: أنَّ نِکاحَ المحرم فاسد لصِحّة حدیث عثمان،
وأمَّا قصَّة ميمونة فَتَعارَضَت الأخبار فيها، ثمَّ ساقَ من طريق أيوب قال: أُنبئت أنَّ
الاختلاف في زواج ميمونة إِنَّا وَقَعَ لأنَّ النبيّ وَّهِ كان بَعَثَ إلى العبّاس لِيُنكِحَها إيّاه،
فأنكَحَه، فقال بعضهم: أنكَحَها قبل أن يُحِرِمِ النبيّ وَِّ، وقال بعضهم: بعدما أحرَمَ، وقد
ثَبَتَ أنَّ عمر وعليّاً وغيرهما من الصَّحابة فرَّقوا بين مُحرِمِ نَكَحَ وبين امرأته، ولا يكون هذا
إلّا عن ثَبتٍ.
تنبيه: قَدَّمتُ في الحجّ (١٨٣٧) أنَّ حديث ابن عبّاس جاء مِثلُه صحيحاً عن عائشة
وأبي هريرة: فأمَّا حديث عائشة فأخرجه النَّسائيُّ من طريق أبي سَلَمَةَ عنها (١)، وأخرجه
الطَّحاويُّ (٢٦٩/٢)، والبزَّار(٢) من طريق مسروق عنها وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤١٣٢)،
وأكثرُ ما أُعِلَّ بالإرسال، وليس ذلك بقادحٍ فيه.
وقال النَّسائيُّ (ك ٥٣٨٨): أخبرنا عَمْرو بن عليّ، حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن
الأسوَد، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، مِثْلَه، قال عَمْرو بن عليّ: قلت لأبي عاصم: أنتَ
أملَيتَ علينا من الرُّقعة ليس فيه عائشة، فقال: دَعْ عائشة حتَّى أنظُرَ فيه، وهذا إسناد
صحيح لولا هذه القصَّة، لكن هو شاهدٌ قويّ أيضاً.
وأمَّا حديث أبي هريرة فأخرجه الدَّارَ قُطنيُّ (٣٦٦٢)، وفي إسناده كامل أبو العلاء وفيه
ضعف، لكنَّه يَعتَضِد بحديثَي ابن عبّاس وعائشة، وفيه رَدٌّ على قول ابن عبد البَرّ: إنَّ ابن
عبّاس تفرَّد من بين الصَّحابة بأنَّ النبيّ وَّهِ تزوَّجَ وهو مُحُرِم.
وجاء عن الشَّعْبيّ ومجاهد مُرسَلاً مِثلُه، أخرجهما ابن أبي شَيْبة(٣).
(١) لم نقف عليه عند النسائي من هذا الطريق.
(٢) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (١٤٤٣).
(٣) لم نقف عليه في ((مصنفه)) عن الشعبي ومجاهد، ووقع عنده ٥١٨/٣ و٥١٩ عن عطاء ومسروق مرسلاً.

٣٣١
باب ٣١ / ح ٥١١٥
كتاب النكاح
وأخرج الطَّحاويُّ(١) من طريق عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر قال: سألتُ أنساً عن
نِکاح المحرم فقال: لا بأس به، وهل هو إلّا(٢) کالبيع، وإسناده قويّ، لكنَّه قیاس في مُقابل
النَّصّ فلا عبرةَ به، وكأنَّ أنساً لم يبلُغه حديث عثمان.
٣١- باب نهي النبيِّ ◌َّ عن المتعة أخيراً
٥١١٥- حدّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، أَنَّه سمعَ الزُّهْريَّ يقول: أخبَرَني
الحسنُ بنُ محمَّدٍ بنِ عليٍّ وأخوه عبدُ الله، عن أبيهما، أنَّ عليّاً ﴾ قال لابنِ عبَّاسٍ: إنَّ النبيَّ ◌َِّه
نَهَى عن المُتْعةِ، وعن لحومِ الحُمُرِ / الأهلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ.
١٦٧/٩
قوله: ((باب نَهْي النبيّ وَّهِ عن المُتْعة أخيراً)) يعني: تزويجَ المرأة إلى أجَلِ، فإذا انقَضَى
وَقَعَت الفُرقة.
وقوله في التَّرجمة: ((أخيراً» يُفهَم منه أنَّه كان مُباحاً، وأنَّ النَّهيَ عنه وَقَعَ في آخر الأمر،
وليس في أحاديث الباب التي أورَدَها التَّصريحُ بذلك، لكن قال في آخر الباب: إنَّ عليّاً
بيَّن أنَّه منسوخ.
وقد وَرَدَت عِدّة أحاديث صحيحة صريحة بالنَّهي عنها بعد الإذن فيها، وأقرَبُ ما فيها
عهداً بالوفاة النبويَّة: ما أخرجه أبو داود (٢٠٧٢) من طريق الزُّهْريّ قال: كنّا عند عمر
ابن عبد العزيز، فتَذاكَرْنا مُتعةَ النِّساء، فقال رجل يقال له: رَبيع بن سَبْرة: أشهَدُ على أَبي
أنَّه حدَّث: أنَّ رسول الله وَّلْ نَهَى عنها في حَجّة الوداع. وسأذكر الاختلاف في حديث
سَبْرة هذا - وهو ابن مَعبَد - بعد هذا.
الحديث الأول:
قوله: ((أخبَرَني الحسن بن محمَّد بن عليّ)) أي: ابن أبي طالب، وأبوه محمَّد: هو الذي
يُعرَف بابنِ الحنفيّة، وأخوه عبد الله بن محمّد، أمَّا الحسن فأخرج له البخاريّ غيرَ هذا،
(١) في ((شرح معاني الآثار)) ٢/ ٢٧٣.
(٢) لفظ ((إلّا)) سقط من أصل (س) فاستُدرك بين معقوفين، وهو ثابت في أصلَينا (أ) و(ع).

٣٣٢
باب ٣١ / ح ٥٥١٥
فتح الباري بشرح البخاري
منها: ما تقدَّم له في الغُسل من روايته عن جابر (١)، ويأتي له في هذا الباب (٥١١٧) آخر عن
جابر وسَلَمَةَ بن الأكوَعِ.
وأمَّا أخوه عبد الله بن محمَّد فكُنْيته أبو هاشم، وليس له في البخاريّ سوى هذا
الحديث، ووثَّقه ابن سعد والنَّسائيُّ والعِجْلِّ، وقد تقدَّمَت له طريق أُخرى في غزوة خيبر
من كتاب المغازي (٤٢١٦)، وتأتي أُخرى في كتاب الذَّبائح (٥٥٤٣)، وأُخرى في تَركِ الحِيَل
(٦٩٦١)، وقَرَنَه في المواضع الثلاثة بأخيه الحسن، وذكر في ((التاريخ)) (١٨٧/٥) عن ابن عُيَينةً
عن الزُّهْريِّ: أخبرنا الحسن وعبد الله ابنا محمَّد بن عليّ، وكان الحسن أوثَقَهما، ولأحمد(٢) عن
سفيان: وكان الحسن أرضاهما إلى أنفسنا، وكان عبد الله يتبع السَّبئيّة، انتهى.
والسَّبَيَّة - بمُهمَلةٍ ثمَّ موخَّدة -: يُنسَبونَ إلى عبد الله بن سَبَأ، وهو من رُؤَساء
الرَّوافض، وكان المختار بن أبي عُبيد على رأيه، ولمَّا غَلَبَ على الكوفة وتَتَبَّعَ قَتَلَةَ الحسين
فقَتَلَهم، أحَبَّتْه الشّيعة، ثمَّ فارَقَه أكثرُهم لِمَا ظَهَرَ منه من الأكاذيب، وكان من رأي السَّبَيَّة
موالاةُ محمَّد بن عليّ بن أبي طالب، وكانوا يَزِعُمونَ أنَّه المهديّ، وأنَّه لا يموت حتَّى يَخْرُج
في آخر الزّمان، ومنهم مَن أقَرَّ بموتِه وزَعَمَ أنَّ الأمر بعده صارَ إلى ابنه أبي هاشم هذا،
١٦٨/٩ وماتَ أبو هاشم في آخر ولاية سليمان بن عبد الملك / سنة ثمان أو تسع وتسعينَ.
قوله: ((عن أبيهما)) في رواية الدَّارَقُطنيِّ في ((الموطََّت)) من طريق يحيى بن سعيد
الأنصاريّ، عن مالك، عن الزّهْريِّ: أنَّ عبد الله والحسن ابنَي محمَّد أخبَرَاه، أنَّ أباهما محمَّد
ابن عليّ بن أبي طالب أخبَرَهما.
قوله: ((أنَّ عليّاً قال لابنِ عِبَّاس)) سيأتي بيانُ تحديثه له بهذا الحديث في تَركِ الحِيل (٦٩٦١)
بلفظ: أنَّ عليّاً قيل له: إنَّ ابن عبّاس لا يرى بمُتْعة النِّساء بأساً.
(١) الذي تقدم في الغسل برقم (٢٥٢) هو من رواية أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين عن جابر، وفيه:
((فقال رجل)) في أثناء المحاوَرة مع جابر، وهذا الرجل هو الحسن بن محمد، فليست تلك رواية.
(٢) في ((المسند)) (٥٩٢)، لكن ليس فيه «وكان عبد الله يتبع السبئية))، وهو من تكملة قول الزهري عند
البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٨٧/٥.

٣٣٣
باب ٣١ / ح ٥٥١٥
كتاب النكاح
وفي رواية الثَّوْريّ ويحيى بن سعيد كلاهما عن مالك عند الدَّارَ قُطنيّ: أنَّ عليّاً سمعَ
ابنَ عبَّاس وهو يُفتي في مُتعة النِّساء، فقال: أما علمتَ.
وأخرجه سعيد بن منصور (٨٤٩) عن هُشَيم عن يحيى بن سعيد عن الزّهْريِّ بدون
ذِكْر مالك، ولفظه: أنَّ عليّاً مرَّ بابنِ عبّاس وهو يُفتي في متعة النِّساء: أنَّه لا بأس بها.
ولمسلمٍ (٢٩/١٤٠٧) من طريق جُوَيِرِيَةَ عن مالك بسنده: أنَّه سمعَ عليّبن أبي طالب
يقول لفلانٍ: إنَّك رجلٌ تائه، وفي رواية الدَّارَقُطنيِّ من طريق الثَّوْريّ أيضاً: تَكلَّمَ عليٌّ
وابن عبَّاس في مُتعة النِّساء، فقال له عليّ: إنَّك امرُؤٌ تائه، ولمسلم (٣١/١٤٠٧) من وجه
آخر: أنَّه سمعَ ابن عبّاس يُلِيِّنُ في مُتعة النِّساء، فقال له: مَهلاً يا ابن عبّاس، ولأحمد (١٢٠٤)
من طريق مَعمَر: رَخَّصَ في مُتعة النِّساء.
قوله: ((إنَّ النبيّ وَِّ نَهَى عن المُتْعة)) في رواية أحمد (٥٩٢) عن سفيان: نَهَى عن نِكاح
المتعة.
قوله: ((وعن لحوم الحُمُر الأهليّة زمن خَيْبر)) هكذا لجميع الرُّواة عن الزُّهْرِيِّ: ((خَيْبر))
بالمعجَمة أوَّلَه والرّاءِ آخرَه، إلّا ما رواه عبد الوهّاب الثَّقَفيّ عن يحيى بن سعيد عن مالك
في هذا الحديث فإنَّه قال: ((حُنَين)) بمُهمَلةٍ أوَّله ونونَينِ، أخرجه النَّسائيُّ (٣٣٦٧)
والدَّارَ قُطنيّ، ونَبَّها على أنَّه وهمٌّ تفرَّد به عبد الوهَّاب، وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ من طريق أُخرى
عن يحيى بن سعيد فقال: ((خَيْبر)) على الصَّواب، وأغرب من ذلك روایة إسحاق بن راشد عن
الزّهْريِّ عنه بلفظ: نَهَى في غزوة تَبُوك عن نِكاح المتعة، وهو خطأ أيضاً.
قوله: ((زَمَنَ خَيْبر)) الظّاهر أنَّه ظرفٌ للأمرَينِ، وحكى البيهقيُّ (٧/ ٢٠١) عن الحميديّ: أنَّ
سفيان بن عُبَينَةَ كان يقول: قوله: ((يوم خَيْبر)) يَتَعلَّق بالحُمُرِ الأهليَّة لا بالمتعة، قال البيهقيُّ: وما
قاله مُحْتَمَل؛ يعني: في روايته هذه، وأمَّا غيره فصَرَّحَ أنَّ الظَّرْف يَتَعلَّق بالمتعة. وقد مَضَى في غزوة
خَيْبر من كتاب المغازي (٤٢١٦)، ويأتي في الذَّبائح (٥٥٢٣) من طريق مالك بلفظ: نَهَى
رسول الله وَ ل﴿ يوم خَيْبر عن مُتعة النِّساء، وعن لحوم الحُمُر الأهليّة.

٣٣٤
باب ٣١ / ح ٥٥١٥
فتح الباري بشرح البخاري
وهكذا أخرجه مسلم (٣٠/١٤٠٧) من رواية ابن عُيَينةَ أيضاً.
وسيأتي في تَركِ الحِيَل (٦٩٦١) في رواية عُبيد الله بن عمر عن الزُّهْريِّ: أنَّ رسول اله ◌َهل
◌َهَى عنها يوم خَيْبر، وكذا أخرجه مسلم (٣١/١٤٠٧) وزاد من طريقه: فقال: مَهلاً يا ابن
عبَّاس.
ولأحمد (١٢٠٤) من طريق مَعمَر بسندِه: أَنَّه بَلَغَه أنَّ ابن عبّاس رَخَّصَ في مُتْعة النِّساء،
فقال له: إنَّ رسول الله وَّلْ نَهَى عنها يوم خَيْبر، وعن لحوم الحُمُر الأهليَّة.
وأخرجه مسلم (٣٢/١٤٠٧) من رواية يونس بن يزيد عن الزُّهْريِّ مِثلَ رواية مالك،
والدَّارَقُطنيُّ من طريق ابن وَهْب عن مالك ويونس وأُسامة بن زيد ثلاثتهم عن الزُّهْريِّ
کذلك.
وذكر السُّهَيلُّ: أنَّ ابن عُيَينَةَ رواه عن الزّهْرِيِّ بلفظ: نَهَى عن أكل الحُمُر الأهليّة عام
خَيْبر، وعن المتعة بعد ذلك، أو في غير ذلك اليوم. انتهى، وهذا اللَّفظ الذي ذكره لم أرَه
من رواية ابن عُيَينةَ، فقد أخرجه أحمد (٥٩٢) وابن أبي عمر والحميديّ (٣٧) وإسحاق في
((مسانيدهم)) عن ابن عُيَينةَ باللَّفظِ الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، لكن منهم مَن زاد
لفظ: «نِکاح)) كما بيَّنتُه.
وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة وإبراهيم بن موسى والعبّاس بن
الوليد، وأخرجه مسلم (١٤٠٧/ ٣٠) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة ومحمَّد بن عبد الله بن ثُمَير
وزُهَير بن حَرْب، جميعاً عن ابن عُيَينةَ بمِثْل لفظ مالك، وكذا أخرجه سعيد بن منصور
(٨٤٨) عن ابن عُيَينةَ لكن قال: ((زَمَن)) بَدَل ((يوم)).
قال السُّهَيلِيُّ: ويَتَّصِل بهذا الحديث تنبيهٌ على إشكال، لأنَّ فيه النَّهيَ عن نكاح المتعة
١٦٩/٩ يوم خَيْبر، وهذا شيء لا يَعرِفه أحدٌ من أهل السِّيَر ورواة الأثر، قال: فالذي يظهر أنَّه/ وَقَعَ
تقديم وتأخير في لفظ الزُّهْريِّ.
وهذا الذي قاله سَبَقَه إليه غيره في النَّقل عن ابن عُيَينَةَ، فذكر ابن عبد البَرّ من طريق

٣٣٥
باب ٣١ / ح ٥٥١٥
كتاب النكاح
قاسم بن أصبَغ: أنَّ الحُميديّ ذكر عن ابن عُيَينَةَ: أنَّ النَّهي زمن خَيْبر عن لحوم الحُمُر
الأهليَّة، وأمَّا المتعة فكان في غير يوم خَيْبر، ثمَّ راجَعتُ ((مُسنَد الحميديّ)) (٣٧) من طريق
قاسم بن أصبَغَ عن أبي إسماعيل السُّلَميّ عنه فقال بعد سياق الحديث: قال ابن عُيَينةَ:
يعني أنَّه نَهَى عن لحوم الحُمُر الأهليّة زمن خَيْبر، ولا يعني نِكاح المتعة.
قال ابن عبد البرّ: وعلى هذا أكثرُ الناس، وقال البيهقيُّ: يُشبِه أن يكون كما قال،
لِصِحّة الحديث في أنَّه ◌َّ رَخَّصَ فيها بعد ذلك ثمَّ نَهَى عنها، فلا يَتِمُّ احتجاج عليّ إلّا إذا
وَقَعَ النَّهيُ أخيراً لتقومَ به الحُجّة على ابن عبّاس. وقال أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٤٠٨٥):
سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث عليّ: أنَّه نَهَى يوم خَيْبر عن لحوم الحُمُر، وأمَّا
المتعةُ فسَكَتَ عنها، وإنَّما نَهَى عنها يومَ الفتح. انتهى، والحامل لهؤلاءِ على هذا: ما ثَبَتَ من
الرُّخصة فيها بعد زمن خَيْبر كما أشارَ إليه البيهقيّ، لكن يُمكِن الانفصالُ عن ذلك بأنَّ
عليّاً لم تَبلُغه الرُّخصةُ فيها يوم الفتح لوقوع النَّهي عنها عن قُربٍ كما سيأتي بيانه، ويُؤيِّد
ظاهرَ حديث عليّ ما أخرجه أبو عَوَانة وصَخَّحَه (٤٠٨٣) من طريق سالم بن عبد الله: أنَّ
رجلاً سألَ ابنَ عمر عن المتعة فقال: حرامٌ، فقال: إنَّ فلاناً يقول فيها، فقال: والله لقد عَلِمَ
أنَّ رسول الله وََّ حَرَّمَها يومٍ خَيْبر وما كنَّا مُسافِحِينَ.
قال السُّهَيليُّ: وقد اختُلِفَ في وقتٍ تحريم نكاح المتعة، فأغرَبُ ما رُوِيَ في ذلك رواية
مَن قال: في غزوة تَبُوك، ثمَّ رواية الحسن: أنَّ ذلك كان في عُمْرة القضاء، والمشهور في تحريمها:
أنَّ ذلك كان في غزوة الفتح كما أخرجه مسلم (١٤٠٦) من حديث الرَّبيع بن سَبْرة عن أبيه،
وفي روايةٍ عن الرَّبيع أخرجها أبو داود (٢٠٧٢): أنَّه كان في حَجّة الوداع، قال: ومَن قال من
الرُّواة: كان في غزوة أوطاسٍ، فهو موافق لمن قال: عام الفتح، انتهى.
فَتَحَصَّلَ ممّا أشارَ إليه ستّة مَواطِن: خَيْبر، ثمَّ عمرة القضاء، ثمَّ الفتح، ثمَّ أوطاس، ثمَّ
تَبُوك، ثمَّ حَجّة الوَدَاعِ، وبَقِيَ عليه حُنَين، لأنَّهَا وَقَعَت في رواية قد نبَّهتُ عليها قبلُ، فإمّا أن
يكون ذَهَلَ عنها أو تَرَكَها عَمداً لخطأ راويها، أو لكَونِ غزوة أوطاسٍ وحُنَين واحدة.

٣٣٦
باب ٣١ / ح ٥٥١٥
فتح الباري بشرح البخاري
فأمَّا رواية تَبُوك، فأخرجها إسحاق بن راهويه وابن حِبّان (٤١٤٩) من طريقه من
حديث أبي هريرة: أنَّ النبيّ ◌َّ لَمَّا نزل بثَنَّة الوَدَاعِ رأى مصابيح وسمعَ نساءً يبكينَ،
فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا: يا رسول الله، نساء كانوا تَتَّعوا منهنَّ، فقال: «هَدَمَ المتعةَ النِّكاحُ
والطَّلاقُ والميراث))، وأخرجه الحازِميُّ(١) من حديث جابر قال: خَرَجْنا معَ رسول اللهِ وَل
إلى غزوة تَبُوك حتَّى إذا كنَّا عند العَقَبة ممّا يَلي الشّامَ جاءت نِسوةٌ قد كنَّا تَتَّعنا بهنَّ يَطُفْنَ
برِ حَالنا، فجاء رسول الله وَ ﴿ فَذَكَرْنا ذلك له، قال: فَغَضِبَ وقامَ خطيباً، فحَمِدَ الله وأثنَى
عليه ونَهَى عن المتعة، فتَوادَعْنا يومئذٍ فسُمّيَت ثَنِيَّة الوَدَاعِ.
وأمَّا رواية الحسن - وهو البصريّ - فأخرجها عبد الرَّزّاق (١٤٠٤٢) (٢) من طريقه
وزادَ: ما كانت قبلها ولا بعدها؛ وهذه الزّيادة مُنكَرة من راويها عَمْرو بن عُبيد، وهو
ساقط الحديث، وقد أخرجه سعيد بن منصور (٨٤٤) من طريق صحيحة عن الحسن
بدون هذه الزّيادة(٣).
وأمَّا غزوة الفتح، فثَبَتَت في ((صحيح مسلم)) (١٤٠٦) كما قال.
وأمَّا أوطاس، فثَبَتَت في مسلم أيضاً (١٤٠٥ /١٨) من حديث سَلَمةَ بن الأكوع.
وأمَّا حَجّة الوَدَاعِ، فَوَقَعَ عند أبي داود (٢٠٧٢) من حديث الرَّبيع بن سَبْرة عن أبيه.
وأمَّا قوله: لا مُالَفة بين أوطاس والفتح، ففيه نظرٌ، لأنَّ الفتح كان في رمضان ثمَّ
خَرَجوا إلى أوطاسٍ في شؤَّال، وفي سياق مسلم (١٤٠٦/ ٢٠): أنَّهم لم يَخْرُجوا من مكَّة
حتَّى حُرِّمَت، ولفظه: أنَّه غَزَا معَ رسول اللهِوَ الفتحِ، فَأَذِنَ لنا في مُتعة النِّساءِ، فخرجتُ
أنا ورجلٌ من قومي - فذكر قصَّة المرأة، إلى أن قال : ثمَّ استَمتَعتُ منها، فلم أخرُج حتَّى
حَرَّمَها، وفي لفظ له: رأيتُ رسول الله وََّ قائماً بين الرُّكن والباب وهو يقول، بمِثلِ
(١) في كتاب ((الاعتبار)) ص ١٧٨، وإسناده ضعيف جداً، وإسناد ابن حبان فيه مؤمّل وهو سيّئ الحفظ.
(٢) وقع في المطبوع منه سقط في الإسناد وخلل صوابه: عن معمر عن عمرو بن عبيد عن الحسن، وهو إسناد
تكرر في عدة مواضع من ((مصنف عبد الرزاق».
(٣) وذكره سعيد بإثره (٨٤٥) من الطريق نفسه وذكر هذه الزيادة!

٣٣٧
باب ٣١ / ح ٥٥١٥
كتاب النكاح
حديث ابن نُمَير، وكان تقدَّم في حديث ابن / نُمَير: أنَّه قال: ((يا أيُّها الناس، إنّي قد كنتُ ١٧٠/٩
أذِنتُ لكم في الاستمتاع من النِّساء، وإِنَّ الله قد حَرَّمَ ذلك إلى يوم القيامة)»، وفي رواية:
أمَرَنا بالمتعة عامَ الفتح حين دَخَلْنا مَّة، ثمَّ لم نَخرُج حتَّى نَهانا عنها، وفي رواية له: أمَرَ
أصحابَه بالتَّمَتُّع من النِّساء - فذكر القصَّة قال -: فَكُنَّ مَعَنا ثلاثاً، ثمَّ أمَرَنا رسول الله وَه
يفِراقِهنَّ، وفي لفظ: فقال: ((إنَّها حَرامٌ من يومِكم هذا إلى يوم القيامة))، فأمَّا أوطاس فلفظ
مسلم (١٨/١٤٠٥): رَخَّصَ لنا رسول الله وَّهِ عامَ أوطاس في المتعة ثلاثاً، ثمَّ نَهَى عنها؛
وظاهر الحديثَينِ المغايرة، لكن يحتمل أن يكون أطلقَ على عام الفتح عامَ أوطاس
لتقارُبهما، ولو وَقَعَ في سياقه أَّهم تَمتَّعوا من النِّساء في غزوة أوطاس لمَا حَسُنَ هذا الجمع،
نعم ويَبعُد أن يقع الإذنُ في غزوة أوطاس بعد أن يقع التَّصريحُ قبلها في غزوة الفتح: بأنّها
حُرِّمَت إلى يوم القيامة، وإذا تَقرَّرَ ذلك فلا يَصِحُّ من الرّوايات شيء بغير عِلّة إلّا غزوةً
الفتح.
وأمَّا غزوة خَيْبر وإن كانت طرقُّ الحديث فيها صحيحة، ففيها من كلام أهل العلم ما
تقدَّمَ.
وأمَّا عُمْرة القَضاء، فلا يَصِحّ الأثرُ فيها لكَونِه من مُرسَل الحسن، ومَراسيلُه ضعيفة،
لأَنَّه كان يأخُذ عن كلّ أحدٍ، وعلى تقدير ثُبُوته فلعلَّه أراد أيام خَيْبر، لأنَّهما كانا في سنة
واحدة كما في الفتح وأوطاس سواء.
وأمَّا قصَّة تَبُوك، فليس في حديث أبي هريرة التَّصريحُ بأنَّهم استَمتَعوا منهنَّ في تلك
الحالة، فيحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ قديماً ثمَّ وَقَعَ التَّوديعُ منهنَّ حينئذٍ والنَّهيُّ، أو كان
النَّهيُ وَقَعَ قديماً فلم يَبلُغْ بعضَهم فاستَمرَّ على الرُّخصة، فلذلك قُرِنَ النَّهيُ بالغضب
لَقَدُّمِ النَّهي في ذلك، على أنَّ في حديث أبي هريرة مقالاً، فإنَّه من رواية مُؤمَّل بن إسماعيل
عن عِكْرمة بن عمّار وفي كلٌّ منهما مقال.
وأمَّا حديث جابر فلا يَصِحّ، فإنَّه من طريق عبَّاد بن كثير وهو متروكٌ.

٣٣٨
باب ٣١ / ح ٥٥١٥
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا حَجّة الوَدَاعِ فهو اختلاف على الرَّبيع بن سَبْرة، والرِّواية عنه بأنَّها في الفتح أصُ
وأشهَر، فإن كان حَفِظَه فليس في سياق أبي داود سوى مُجرَّد النَّهي، فلعلَّه وَلِّ أراد إعادة
النَّهي لِيَشيعَ ويسمعه مَن لم يسمعه قبل ذلك.
فلم يَبْقَ من المَواطِن كما قلنا صحيحاً صريحاً سوى غزوة خَيْبر وغزوة الفتح، وفي
غزوة خَيْبر من كلام أهل العلم ما تقدَّمَ، وزاد ابن القَيِّم في ((الهدي)): أنَّ الصَّحابة لم يكونوا
يَسْتَمْتِعونَ باليهوديّات؛ يعني: فيقوى أنَّ النَّهي لم يقع يومَ خَيْبر أو لم يقع هناك نِكَاحُ مُتعة،
لكن يُمكِن أن يُجابَ بأنَّ يهود خَيْبرِ كانوا يُصاهِرونَ الأوسَ والخَزَرَج قبل الإسلام، فيجوز أن
يكون هناك من نسائهم مَن وَقَعَ التَّمَتُع بهنَّ، فلا یَنهَضُ الاستدلال بما قال.
قال الماوَرْدِيُّ في (الحاوي)): في تعيين موضع تحريم المتعة وجهان: أحدهما: أنَّ التَّحريم
تَكرَّرَ ليكونَ أظهَرَ وأنشَر، حتَّى يَعلَمَه مَن لم يكن علمَه، لأنَّه قد تَحَضُر في بعض المواطن
مَن لا يَضُر في غيرها، والثّاني: أنَّهَا أُبيحَت مِراراً، ولهذا قال في المرّة الأخيرة: ((إلى يوم
القيامة)) إشارة إلى أنَّ التَّحريم الماضي كان مُؤذِناً بأنَّ الإباحة تَعقُبه، بخلاف هذا فإنَّه تحریم
مُؤيَّدٍ لا تَعقُبه إياحةٌ أصلاً، وهذا الثّاني هو المعتمَد، ويَرُدّ الأوَّلَ التَّصريحُ بالإذنِ فيها في الموطِن
المتأخّر عن الموطِن الذي وَقَعَ التَّصريح فيه بتحريمِها كما في غزوة خَيْبر ثمَّ الفتح.
وقال النَّوَويّ: الصَّواب أنَّ تحريمها وإباحتَها وَقَعا مرَّتَينِ، فكانت مباحة قبل خَيْبر، ثمَّ
حُرِّمَت فيها، ثمَّ أَبِيحَت عامَ الفتح وهو عام أوطاس، ثمَّ حُرِّمَت تحريماً مُؤَبَّداً، قال: ولا
مانعَ من تَكرير الإباحة، ونَقَلَ غيره عن الشافعيّ: أنَّ المتعة نُسِخَت مرَّتَينِ. وقد تقدَّم في
أوائل النِّكاح (٥٠٧١ و ٥٠٧٥) حديث ابن مسعود في سبب الإذن في نكاح المتعة، وأنَّهم
كانوا إذا غَزَوْا اشْتَدَّت عليهم العُزْبة فأذِنَ لهم في الاستمتاع، فلعلَّ النَّهيَ كان يَتَكَّر في كلّ
موطن بعد الإذن، فلمَّا وَقَعَ في المرّة الأخيرة: أنَّهَا حُرِّمَت إلى يوم القيامة، لم يقع بعد ذلك
إذنٌّ، والله أعلم.
والحكمة في جمع عليٍّ بين النَّهي عن الحُمُر والمتعة، أنَّ ابن عبّاس كان يُرَخِّص في الأمرَينِ

٣٣٩
باب ٣١ / ح ٥٥١٥
كتاب النكاح
معاً، وسيأتي / النَّقل عنه في الرُّخصة في الحُمُر الأهليّة في أوائل كتاب الأطعمة (٥٥٢٩)، ١٧١/٩
فَرَدَّ عليه عليٌّ في الأمرَينِ معاً وأنَّ ذلك يوم خَيْبر، فإمّا أن يكون على ظاهره وأنَّ النَّهيَ
عنهما وَقَعَ في زمن واحد، وإمّا أن يكون الإذن الذي وَقَعَ عام الفتح لم يَبلُغ عليّاً لِقِصَرِ مُدّة
الإذن وهو ثلاثة أيام كما تقدَّمَ.
والحديث في قصَّة تَبُوك على نَسخ الجواز في السَّفَر، لأَنَّه نَهَى عنها في أوائل إنشاء السَّفَر، معَ
أَنَّه كان سَفَراً بعيداً والمشَقّة فيه شديدة كما صَرَّحَ به في الحديث في تَوْبة كعب(١)، وكان عِلّة
الإباحة - وهي الحاجة الشَّديدة - انتَهَت من بعد فتح خَيْبر وما بعدها، والله أعلم.
والجواب عن قول السُّهَيليّ: إنَّه لم يكن في خَيْبر نساء يُستَمتَع بهنَّ، ظاهرٌ ممَّا بَيَّتُه من
الجواب عن قول ابن القَيِّم: لم تكن الصَّحابة يَتَمتَّعونَ باليهوديّات، وأيضاً فيقال كما تقدَّم:
لم يقع في الحديث التَّصريحُ بأنَّهم استَمْتَعوا في خَيْبر، وإنَّما فيه مُجرَّد النَّهي، فَيُؤخَذ منه: أنَّ
التَّمَتُّع من النِّساء كان حلالاً، وسبب تحليله ما تقدَّم في حديث ابن مسعود (٥٠٧٥) حيثُ
قال: كنَّا نَغْزُو وليس لنا شيء، ثمَّ قال: فَرَخَّصَ لنا أن نَنكِحَ المرأة بالثَّوب؛ فأشارَ إلى سبب
ذلك وهو الحاجة مع قِلّة الشَّيء، وكذا في حديث سَهْل بن سعد الذي أخرجه ابن
عبد البَرّ(٢) بلفظ: ((إِنَّمَا رَخَّصَ النبيُّ ◌َّهِ في المتعة لعُزبةٍ كانت بالناس شديدة، ثمَّ نَهَى
عنها))، فلمَّا فُتِحَتِ خَيْبر وسّع عليهم من المال ومن السَّبْي فناسَبَ النَّهيُ عن المتعة
لارتفاع سبب الإباحة، وكان ذلك من تمام شُكرِ نِعْمة الله على التَّوسِعة بعد الضِّيق، أو
كانت الإباحة إنَّما تقع في المغازي التي يكون في المسافة إليها بُعدٌ ومَشَقّة، وخَيْبر بخِلَاف
ذلك، لأنَّهَا بِقُرْب المدينة، فوَقَعَ النَّهيُ عن المتعة فيها إشارةً إلى ذلك من غير تَقَدُّم إذن
فيها، ثمَّ لمَّا عادوا إلى سَفْرة بعيدة المدّة وهي غَزَاة الفتح، وشَقَّت عليهم العُزوبةُ أَذِنَ لهم
في المتعة، لکن مُقيّداً بثلاثة أيام فقط دفعاً للحاجة، ثمَّ نهاهم بعد انقضائها عنها كما سيأتي
من رواية سَلَمَةَ، وهكذا يُجابُ عن كلّ سَفْرة ثَبَتَ فيها النَّهيُ بعد الإذن.
(١) سلف عند البخاري في المغازي برقم (٤٤١٨).
(٢) في ((التمهيد)) ١٠٩/١٠ - ١١٠.

٣٤٠
باب ٣١ / ح ٥٥١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا حَجّة الوَدَاعِ فالذي يظهر أنَّ الذي وَقَعَ فيها النَّهيُ مُجَّداً إن ثَبَتَ الخبرُ في ذلك،
لأنَّ الصَّحابةِ حَجُّوا فيها بنسائهم بعد أن وُسِّعَ عليهم فلم يكونوا في شِدّة ولا طول عُزْبةٍ،
وإلّا فَمَخرَجُ حديث سَبْرة راويه هو من طريق ابنه الرَّبيع عنه، وقد اختُلِفَ عليه في
تعيينها، والحديث واحد في قصَّة واحدة فتَعيَّنَ التَّرجيحُ، والطَّريق التي أخرجها مسلم (١٤٠٦)
مُصرِّحةً بأنَّهَا في زمن الفتح أرجَحُ فَتَعيَّنَ المصيرُ إليها، والله أعلم.
الحديث الثاني:
٥١١٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حَدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي جَمْرةَ، قال: سمعتُ
ابنَ عبَّاسٍ سُئلَ عن مُتْعَةِ النِّساءِ فَرَخَّصَ، فقال له مَوْلِى له: إنَّما ذلكَ في الحالِ الشَّدِيدِ وفي
النِّساءِ قِلّةٌ! أو نحوَه، فقال ابنُ عَّاسٍ: نعم.
قوله: ((عن أبي جَمْرة)) هو الضُّبَعِيُّ، بالجيم والرّاء، ورأيته بخَطِّ بعض مَن شَرَحَ هذا
الكتاب بالمهملة والزّاي وهو تصحيف.
قوله: ((سمعتُ ابن عبّاس يُسْأل)) بضمٍّ أوَّله.
قوله: ((فَرَخَّصَ)) أي: فيها، وثَبَتَت في رواية الإسماعيليّ.
قوله: ((فقال له مَوْلَّى له)» لم أقِفْ على اسمه صريحاً، وأظنّه عِكْرمة.
قوله: ((إنَّما ذلكَ في الحال الشَّديد، وفي النِّساء قِلّة؟ أو نحوه)) في رواية الإسماعيليّ: إنَّما
کان ذلك في الجهاد والنِّساء قليل!
قوله: ((فقال ابن عبّاس: نعم)) في رواية الإسماعيليّ: صَدَقَ، وعند مسلم (٢٧/١٤٠٦) من
طريق الزُّهْريِّ عن خالد بن المهاجِرِ: أنَّ(١) ابن أبي عَمْرة الأنصاريّ: قال لرجلٍ - يعني لابنِ
عِبَّاس - وصَرَّحَ به البيهقيُّ في روايته (٧/ ٢٠٥) -: إنَّها كانت - يعني المتعة - رُخصةً في أوَّل
الإسلام لمن اضطُرَّ إليها كالمَيْتَة والدَّم ولحم الخنزير، ويُؤْيِّده ما أخرجه الخطّابيُّ والفاکھيّ(٢) من
(١) تحرَّفت في (س) إلى: أو.
(٢) الخطابي في ((معالم السنن)) ١٩١/٣، والفاكهي في ((أخبار مكة)) (١٧١٢).