النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ باب ٢٣ / ح ٥١٠٤ كتاب النكاح واستُدِلَّ به على أنَّ مَن اذَّعَى الرَّضاعَ وصَدَّقَه الرَّضيعُ، ثبت حكمُ الرَّضاع بينهما ولا يحتاج إلى بَيِّنة، لأنَّ أفلَحَ اذَّعَى وصَدَّقَته عائشةُ، وأَذِنَ الشّارعِ بمُجرَّدٍ ذلك. وتُعقّبَ باحتمال أن يكون الشّارعِ الطَّلَعَ على ذلك من غیر دَعْوی أفلَحَ وتسلیم عائشة. واستُدِلَّ به على أنَّ قليل الرَّضاع يُحُرِّم كما يُحُرِّم كثيرُه لعَدَمِ الاستفصال فيه، ولا حُجّة فيه، لأَنَّ عَدَم الذِّكرِ لا يدلّ على العَدَم المَحْض. وفيه أنَّ مَن شَكَ في حُكم يَتَوقّف عن العَمَلِ حتَّى يسألَ العلماء عنه، وأنَّ مَن اشْتَبَهَ عليه الشَّيءُ طالَبَ المدَّعي بيانه لَيَرجِعَ إليه أحدهما، وأنَّ العالم إذا سُئلَ يُصدِّق مَن قال الصّوابَ فیھا. وفيه وجوبُ احتجاب المرأة من الرِّجال الأجانب، ومشروعيَّة استئذان المحرَم على مَحَرَمه، وأنَّ المرأة لا تأذَنُ في بيت الرجل إلّا بإذنِهِ، وفيه جواز التَّسمية بأفلَحَ، ويُؤخَذ منه أنَّ المستفتي إذا بادَرَ بالتَّعليلِ قبلَ سماع الفَتَوَى أُنكِرَ عليه لقولِه لها: ((تَرِبَت يمينُك)) فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّه كان من حَقّها أن تسأل عن الحُكم فقط ولا تُعلِّل، وألزَمَ به بعضُهم مَن أطلقَ من الحنفيَّة القائلينَ: أنَّ الصَّحابيّ إذا روى عن النبيّ ◌َِّ حديثاً وصَحَّ عنه، ثمَّ صَحَّ عنه العملُ بخِلَافه، أنَّ العَمَل بما رأى لا بما روى، لأنَّ عائشة صَحَّ عنها أن لا اعتبار بلَبَنِ الفَحْلِ، ذكره مالك في «الموطَّأ)) (٦٠٤/٢) وسعيد بن منصور في ((السُّنَن)) وأبو عُبيد في كتاب ((النِّكاح)) بإسنادٍ حسنٍ، وأخَذَ الجمهور ومنهم الحنفيّة بخِلاف ذلك، وعَمِلوا بروايتِها في قصَّة أخي أبي القُعَيس وحَرَّموا بلَبَنِ الفَحْل، فكان يَلزَمهم على قاعِدَتهم أن يَتَّبِعوا عَمَلَ عائشة ويُعرِضوا عن روايتها، ولو كان روى هذا الحكمَ غيرُ عائشة لكان لهم معذرة، لكنَّه لم يروِه غيرها، وهو إلزام قويّ. ٢٣ - باب شهادة المرضِعة ٥١٠٤- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا أيوبُ، عن عبدِ الله ابنِ أبي مُلَيكةَ، قال: حدَّثني عُبيدُ بنُ أبي مريمَ، عن عُقْبَةَ بنِ الحارثِ - قال: وقد سمعتُهُ من عُقْبَةَ : ٣٠٢ باب ٢٣ / ح ٥١٠٤ فتح الباري بشرح البخاري لكنّ لحديثِ عُبيدٍ أحفَظُ - قال: تزوَّجتُ امرأةً فجاءتْنا امرأةٌ سَوْداءُ فقالت: أرضَعْتُكُما، فأتيتُ النبيَّ ◌َّهِ فقلتُ: تزوَّجتُ فلانةَ بنتَ فلانٍ، فجاءتْنا امرأةٌ سوداءُ فقالت لي: إنّ قد أرضَعْتُكُما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عنِّي، فأتيتُهُ من قِبَلٍ وجهِه قلتُ: إنَّا کاذِبٌ، قال: ((کیفَ بها وقد زَعَمَت أنَّها قد أرضَعَتْكُما! دَعْها عنكَ)). وأشارَ إسماعيلُ بإصْبَعَيْهِ السَّابةِ والوُسْطَى يَحْكي أيوبَ. قوله: ((باب شهادة المُرْضِعة)) أي: وحدها، وقد تقدّم بيان الاختلاف في ذلك في كتاب الشَّهادات (٢٦٤٠). وأغرَبَ ابنُ بَطّال هنا فنَقَلَ الإجماع على أنَّ شهادة المرأة وحدها لا ١٥٣/٩ تجوز في الرَّضاع وشِيْهِه، وهو عجيب منه، فإنَّه قول جماعة من / السَّلَف حتَّى إنَّ عند المالكيَّة رواية: أنَّها تُقبَل وحدها، لكن بشرطِ فُشُوِّ ذلك في الجيران. قوله: ((عليّ بن عبد الله)) هو ابن المَدِينيّ، وإسماعيل بن إبراهيم: هو المعروف بابنِ عُليَّة، وعُبيد بن أبي مريم مَكِّيّ ما له في ((الصَّحيح)) سوى هذا الحديث، ولا أعرِفُ من حاله شيئاً إلّا أنَّ ابن حِبّان ذكره في ثقات التابعينَ، وقد أوضَحتُ في الشَّهادات بيانَ الاختلاف في إسناده على ابن أبي مُلَيكة، وأنَّ العُمدة فيه على سماع ابن أبي مُلَيكة له من عُقْبَةَ بن الحارث نفسه، وتقدَّم تسمية المرأة المعبَّر عنها هنا بفلانة بنت فلان وتسمية أبيها، وأمَّا المرضِعة السَّوداء فما عَرَفتُ اسمها بعدُ. قوله: ((فأعرَضَ عِّي)) في رواية المُستَمْلي: ((فأعرَضَ عنه)) وفيه الْتِفات. قوله: ((دَعْها عنكَ، وأشارَ بإصْبَعَيه السَّابةِ والوُسْطَى يَحْكي أيوبُ)) يعني: يحكي إشارةً أيوب، والقائل عليٌّ والحاكي إسماعيل، والمراد حكاية فِعْلِ النبيّ بَّهِ حيثُ أشارَ بَيَدِه وقال بلسانه: ((دعْها عنك))، فحکی ذلك كلّ راوٍ لمن دونه. واستُدِلَّ به على أنَّ الرَّضاعة لا يُشتَرَط فيها عَدَدُ الرَّضَعات، وفيه نظرٌ، لأنَّه لا يَلزَم من عَدَمِ ذِكْرِها عَدَمُ الاشتراط، لاحتمال أن يكون ذلك قبل تقرير حُكم اشتراط العدد، أو بعد اشتهارِه فلم يحتجْ لذكره في كلّ واقعة، وقد تقدَّم بيانُ الاختلاف في ذلك. ٣٠٣ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ كتاب النكاح ويُؤخَذ من الحديث عند مَن يقول: إنَّ الأمر بفِراقِها لم يكن لتحريمِها عليه بقولِ المرضِعة بل للاحتياطِ: أن يحتاطَ مَن يريد أن يَتزوَّج أو يُزوِّج ثمَّ اطَّلَعَ على أمرٍ فيه خِلاف بين العلماء، كمَن زَنَى بها أو باشَرَها بِشَهوةٍ أو زَنَى بها أصلُه أو فرعُه، أو خُلِقَت من زِناهُ بأُمّها، أو شَكَّ في تحريمها عليه بصِهْرٍ أو قَرابةٍ ونحو ذلك، والله أعلم. ٢٤ - باب ما يحلّ من النّساء وما تَحِرُم وقولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: ٢٣-٢٤]. وقال أنسُ: ﴿ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٢٤] ذواتُ الأزواج الحرائرُ حَرامٌ ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لا يرى بأساً أن يَنزِعَ الرجلُ جارِيَتَه من عبدِه. وقال: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقال ابنُ عبّاسٍ: ما زادَ على أربعٍ فهو حَرامٌ كُّه وابتِه وأُخْتِه. ٥١٠٥- وقال لنا أحمدُ بنُ حَنْبلِ: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، حذَّثني حبيبٌ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: حَرُمَ منَ النَّسَبِ سبعٌ، ومِنَ الصِّهْرِ سبعٌ، ثمَّ قرأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُنَّهَثُكُمْ﴾ الآيةَ. وَمَعَ عبدُ الله بنُ جعفرٍ بينَ ابنةِ عليٍّ وامرأةٍ عليٍّ. وقال ابنُ سِيرِينَ: لا بأسَ به. و کَرِهَه الحسنُ مَّةً، ثمّ قال: لا بأس به. وجَمَعَ الحسنُ بنُ الحسنِ بنِ عليٍّ بينَ ابنَتَيْ عَمِّ في ليلةٍ. وكَرِهَه جابرُ بنُ زيدٍ لِلْقَطِيعِةِ، وليسَ فيه تَحِرِيمٌ لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وقال عِكْرمةُ عن ابنِ عبّاسٍ: إذا زَنَى بأُخْتِ امرأتِهِ، لم تَحُرُمْ عليه امرأتُه. ٣٠٤ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ فتح الباري بشرح البخاري ويُروَى عن يحيى الكِنْدِيِّ، عن الشَّعْبيِّ وأَبي جعفرٍ فيمَن يَلْعَبُ بالصَّبيِّ: إن أدْخَلَه فيه، فلا يَتزوَّ جَنَّ أَمَّه. ويحيى هذا غيرُ مَعْروفٍ لم يُتابعْ عليه. وقال عِكْرِمةُ عن ابنِ عبَّاسٍ: إذا زَنَى بها لم تَحُمْ عليه امراتُه. ويُذكَرُ عن أبي نَصْرٍ: أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ خَرَّمَه، وأبو نَصْرِ هذا لم يُعرَفْ بسماعِه من ابنِ عبَّاس. ويُروَى عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ / وجابرِ بنِ زيدٍ والحسنِ وبعضِ أهلِ العراق: أنَّها تَحِرُمُ علیه. ١٥٤/٩ وقال أبو هريرةَ: لا تَحُرُمُ حتَّى يُلْزِقَ بالأرضِ؛ يعني: يُجامِع. وجَوَّزَه ابنُ المسيّبِ وعُرْوةُ والزُّهْريّ. وقال الزّهْريُّ: قال عليٍّ: لا تَحْرُمُ؛ وهَذا مُرسَلٌ. قوله: ((باب ما يَحِلّ من النِّساء وما يَحُرُم، وقولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية إلى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في رواية كَرِيمة إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ ثمَّ قال: إلى قوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وذلك يَشمَل الآيَتَينِ، فإنَّ الأولى إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]. قوله: ((وقال أنس: ﴿ وَالْمُحْصَنَنتُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ ذواتُ الأزْواج الحرائرُ حَرامٌ ﴿إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، لا يَرَى بأساً أن يَنزِعَ الرجل جاريتَه)) وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: جاريةً ((من عبدِه)) وَصَلَه إسماعيل القاضي في كتاب ((أحكام القرآن)) بإسنادٍ صحيح من طريق سليمان التَّيْميِّ عن أبي مِجْلَز عن أنس بن مالك: أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ﴾: ذواتُ الأزواج الحرائرُ ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، فإذا هو لا يرى بما مَلَكَ اليمينُ بأساً أن يَنزِعَ الرجلُ الجاريةَ من عبده فيَطَأَها، وأخرجه ابن أبي شَيْبة من طريق أُخرى عن التَّيْميِّ بلفظ: ذوات البُعول، وكان يقول: بيعُها طلاقُها. والأكثر على أنَّ المراد بالمحصَنات ذواتُ الأزواج، يعني: أنَّهُنَّ حرام، وأنَّ المراد بالاستثناءِ ٣٠٥ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ كتاب النكاح في قوله: ﴿إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾: المسبِيّات إذا كُنَّ مُتزوِّجات، فإنَّهُنَّ حلال لمن سَبَاهُنَّ. قوله: ((وقال)) أي: قال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾، أشارَ بهذا إلى التَّنبيه على مَن حَرُمَ نِكاحُها زائداً على ما في الآيتينِ، فذكر المشرِكةَ - وقد استُثنيَت الكِتابِيَّة - والزّائدة على الرّابعة، فدَلَّ ذلك على أنَّ العدد الذي في قول ابن العبَّاس الذي بعدَه لا مفهومَ له، وإنَّما أراد حَصْرَ ما في الآيتينِ. قوله: «وقال ابن عبّاس: ما زادَ على أربع فهو حرامٌ كأُمِّه وابنتِهِ وأُخْتِهِ)) وَصَلَه الفِرْيابيّ وعبد بن حُميدٍ بإسنادٍ صحيح عنه ولفظه: في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَنتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلََّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾: لا يَحِلّ له أن يَتزوَّج فوقَ أربع نِسوة، فما زاد منهنَّ فهنّ عليه حرام، والباقي مِثله، وأخرجه البيهقيُّ (٧/ ١٥٠). قوله: ((وقال لنا أحمد بن حَنْبل)) هذا فيما قيل أخَذَه المصنِّف عن الإمام أحمد في المذاكرة أو الإجازة، والذي ظَهَرَ لي بالاستقراءِ: أنَّه إنَّما استعملَ هذه الصِّيغة في الموقوفات، ورُبَّما استعملَها فيما فيه قصورٌ ما عن شَرْطِهِ، والذي هنا من الشِّقّ الأوَّل، وليس للمصنِّف في هذا الكتاب روايةٌ عن أحمد إلّا في هذا الموضع، وأخرج عنه في آخر المغازي (٤٤٧٣) حديثاً بواسطةٍ، وكأنَّه لم يُكثِرْ عنه لأنَّه في رِحِلَتِهِ القديمة لَقِيَ كثيراً من مشايخ أحمد فاستَغنَى بهم، وفي رِحِلَتِهِ الأخيرة كان أحمد قد قَطَعَ التَّحديث، فكان لا يُحدِّث إلّا نادِراً، فمن ثَمَّ أكثرَ البخاريُّ عن عليّ بن المَدِینيّ دون أحمد. وسفيان المذكور في هذا الإسناد: هو الثَّوْريّ، وحبيب: هو ابن أبي ثابت. قوله: ((حَرُمَ من النَّسَب سبعٌ، ومن الصِّهْر سبعٌ)) في رواية ابن مَهديّ عن سفيان عند الإسماعيليّ: حَرُمَ عليكُم، وفي لفظ: حُرِّمَت عليكم. قوله: ((ثُمَّ قرأَ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَشُكُمْ﴾ الآية» في روایة یزید بن هارون عن سفيان عند الإسماعيليّ: قرأ الآيتينِ، وإلى هذه الرِّواية أشارَ المصنّف بقولِه في التَّرجمة: ((إلى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾)) فإنَّهَا آخر الآيتينِ. ٣٠٦ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ فتح الباري بشرح البخاري ووَفَعَ عند الطبرانيِّ (١٢٢٢٢) من طريق عُمَير مولى ابن عبّاس عن ابن عبّاس في آخر الحديث: ثُمَّ قرأ ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ ثمَّ قال: هذا النَّسَب، ثمَّ قرأ ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وقرأ ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فقال: هذا الصِّھْر، انتھی. فإذا ◌ُمِعَ بين الآيتين كانت الجملة خمسَ عشرةَ امرأة، وفي تسمية ما هو بالرَّضاع صِهراً تَجُّز، وكذلك امرأة الغَيْرِ، وجميعُهنَّ على التَّأبيد إلّ الجمعَ بين الأُختَينِ وامرأةَ الغير، ١٥٥/٩ ويَلتَحِقِ بمَن ذُكِرَ مَوْطوءةٌ/ الجدّ وإن عَلا، وأُمُّ الأُمّ ولو عَلَت وكذا أمّ الأب، وبنت الابن ولو سَفَلَت وكذا بنت البنت، وبنت بنت الأُخت ولو سَفَلَت وكذا بنت بنت الأخ وبنت ابن الأخ والأُخت، وعَمّة الأب ولو عَلَت وكذا عَمّة الأُمّ، وخالة الأُمّ ولو عَلَت وكذا خالة الأب، وجَدّة الَّوجة ولو عَلَت، وبنت الرَّبيبة ولو سَفَلَت وكذا بنت الرَّبيب، وزوجة ابن الابن وابن البنت، والجمع بين المرأة وعَمَّتِها أو خالَتِها، وسيأتي في باب مُفرَد، ويَحُرُم من الرَّضاع ما يَحُم من النَّسَب، وتقدَّم في باب مُفرَد (٥٠٩٩) وبيانُ ما قيل: إنَّه يُستَنَى من ذلك. قوله: ((وجَمَعَ عبد الله بن جعفر)) أي: ابن أبي طالب ((بين بنت عليّ وامرأة عليّ)) كأنَّه أشارَ بذلك إلى دفع مَن يَتَخيَّل أنَّ العِلّة في منع الجمع بين الأُختَينِ ما يقع بينهما من القَطيعة، فَيَطْرُده إلى كلّ قريبَتَينِ ولو بالصِّهارة، فمن ذلك الجمعُ بين المرأة وبنت زوجها. والأثر المذكور وَصَلَه الْبَغَويُّ في («الجَعْدِيّات)» (٢٩٢٣) من طريق عبد الرَّحمن بن مِهرانَ أنَّه قال: جَمَعَ عبد الله بن جعفر بين زينب بنت عليّ وامرأة عليٍّ ليلى بنت مسعود، وأخرجه سعيد بن منصور (١٠١١) من وجه آخر فقال: ليلى بنت مسعود النَّهشَليَّة وأُمّ كُلثوم بنت عليّ لفاطمةَ، فكانتا امرأتيه؛ وقوله: ((لفاطمة)) أي: من فاطمة بنت رسول الله وَلآ، ولا تعاُضَ بین الرِّوایتینِ فی زینب وأُمّ كلثوم، لأنّه تزوَّجهما واحدة بعد أُخرى معَ بقاء ليلى في عِصمته، وقد وَقَعَ ذلك مُبيّناً عند ابن سعد. ٣٠٧ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ كتاب النكاح قوله: ((وقال ابن سِيرِينَ: لا بأس به)) وَصَلَه سعيد بن منصور عنه (١٠٠٥) بسندٍ صحيح، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٤/ ١٩٤) مُطوَّلاً من طريق أيوب عن عِكْرمة بن خالد: أنَّ عبد الله بن صفوان تزوَّجَ امرأة رجل من تَقِيف وابنته - أي: من غيرها - قال أيوب: فسُئلَ عن ذلك ابن سِيرِين فلم يَرَ به بأساً، وقال: نُبِّت أنَّ رجلاً كان بمِصرَ اسمه جَبَلةَ جَمَعَ بين امرأة رجل وبنته من غيرها، وأخرج الدَّارَقُطنيُّ (٣٨٦٨) من طريق أيوب أيضاً عن ابن سِيرِين: أنَّ رجلاً من أهل مصر كانت له صُحْبة، يقال له: جبلة ... فذكره. قوله: ((وكَرِهَه الحسن مرَّة، ثمَّ قال: لا بأسَ به)) وَصَلَه الدَّارَ قُطنيُّ في آخر الأثر الذي قبله بلفظ: وكان الحسن يَكرَهه، وأخرجه أبو عُبيد في كتاب ((النِّكاح)) من طريق سَلَمةً بن عَلْقمة قال: إنّ لجالسٌ عند الحسن، إذ سألَه رجل عن الجمع بين البنت وامرأة أبيها(١) فكّرِهَه، فقال له بعضهم: يا أبا سعيد، هل تَرَى به بأساً؟ فَنَظَرَ ساعة، ثمّ قال: ما أرَى به بأساً، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٤/ ١٩٥) عن عِكْرمة: أنَّه كَرِهَه، وعن سليمان بن يَسَار ومجاهد والشّعْبيّ أنَّهم قالوا: لا بأس به. قوله: ((وجَمَعَ الحسن بن الحسن بن عليّ بين بنتَي عَمِّ في ليلة)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٠٧٧٠) وأبو عُبيد من طريق عَمْرو بن دينار بهذا وزادَ: في ليلة واحدةٍ بنتَ محمَّد بن عليّ وبنتَ عمر بن عليّ، فقال محمَّد بن عليّ: هو أحَبُّ إلينا منهما، وأخرج عبد الرَّزّاق أيضاً (١٠٧٧١) والشافعيّ (٥/٥) من وجه آخر عن عَمْرو بن دينار عن الحسن بن محمَّد بن عليّ فلم يَنسُب المرأتينِ ولم يَذْكُر قول محمّد بن عليّ، وزاد: فأصبَحَ النِّساء لا يَدِرِينَ أين يذهبنَ. قوله: ((وكَرِهَه جابر بن زيد للقَطيعةِ)) وَصَلَه أبو عُبيد من طريقه، وأخرج عبد الرَّزّاق (١٠٧٦٥) نحوه عن قَتَادة وزاد: وليس بحَرامِ. قوله: ((وليس فيه تحريمٌ لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾)) هذا من تَفَقَّه المصنِّف، وقد صَرَّحَ به قَتَادةُ قبله كما تَرَى، وقد قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً أبطَلَ هذا (١) في الأصلين و(س): بين البنت وامرأة زوجها، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا موافقاً لأصل المسألة. ٣٠٨ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ فتح الباري بشرح البخاري النِّكاح، قال: وكان يَلْزَمِ مَن يقول بدخولِ القياس في مثل هذا أن يُحرِّمَه. وقد أشارَ جابر بن زيد إلى العِلّة بقولِه: ((للقَطِيعة) أي: لأجلِ وقوع القطيعة بينهما، لمَا يُوجِبِه التَّنَافُسُ بين الضَّرَّتَينِ في العادة، وسيأتي التَّصريح بهذه العِلّة في حديث النَّهي عن الجمع بين المرأة وعَمَّتها، بل جاء ذلك منصوصاً في جميع القَرابات، فأخرج أبو داود (١) وابن أبي شَيْبة (٢٤٨/٤) من مُرسَل عيسى بن طلحة: نَهَى رسول الله وَّل أن تُنكَح المرأة على قَرَابتها تَخَافَةَ القَطيعة، وأخرج الخَلّال من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ١٥٦/٩ عن أبيه عن أبي بكر وعمر وعثمان: أنَّهم/ كانوا يَكرَهونَ الجمع بين القَرابة مخافةَ الضَّغائن، وقد نُقِلَ العمل بذلك عن ابن أبي ليلى وعن زُفَرَ أيضاً، ولكن انعَقَدَ الإجماع على خلافه، نقله ابن عبد البَرّ وابن حَزْم وغيرهما. قوله: ((وقال عِكْرمة، عن ابن عبّاس: إذا زَنَى بأُخْتِ امرأته لم تَحُرُمْ عليه امرأته)» هذا مَصِير من ابن عبّاس إلى أنَّ المراد بالنَّهي عن الجمع بين الأُختَينِ: إذا كان الجمع بعَقدِ التَّرويج. وهذا الأثر وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٢٧٨١) عن ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس: في رجل زَنَى بأُختِ امرأته، قال: تَخَطَّى حُرْمةً إلى حُزْمة، ولم تَحُرُم عليه امرأته، قال ابن جُرَيج: وبَلَغَني عن عِكْرمة مِثلُه، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (١٨٤/٤) من طريق قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عبّاس قال: جاوَزَ حُرمَتَينٍ إلى حُرْمة ولم تَحِرُم عليه امرأته. وهذا قول الجمهور، وخالَفَت فيه طائفةٌ كما سيجيء. قوله: ((ويُروَى عن يحيى الكِنْديّ عن الشَّعْبيّ وأبي جعفرٍ فيمَن يَلْعَب بالصبيِّ: إن أدْخَلَه فيه فلا يَتزوَّجَنَّ أمّه)) في رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي: ((وابن جعفر)) بدل قوله: ((وأبي جعفر))، والأوَّل هو المعتمَد، وكذا وَقَعَ في رواية أبي نَصْر بن المهديّ عن المُستَمْلي كالجماعة، وهكذا وَصَلَه وكيع في ((مُصنَّفه)) عن سفيان الثَّوْريّ عن يحيى. (١) في كتابه ((المراسيل)) (٢٠٨). ٣٠٩ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ كتاب النكاح قوله: ((ويحيى هذا غير معروف، ولم يُتابَع عليه)) انتهى، وهو ابن قيس، روى أيضاً عن شُرَيحِ، روى عنه الثَّوْرِيُّ وأبو عَوَانة وشَرِيك، فقول المصنّف: ((غير معروف)) أي: غير معروف العَدَالة، وإلّا فاسم الجهالة ارتَفَعَ عنه برواية هؤلاءِ، وقد ذكره البخاريّ في ((تاريخه)) وابن أبي حاتم ولم يَذكُر فيه جَرحاً، وذكره ابن حِبّان في ((الثِّقات)) كعادتِه فيمَن لم يُجْرَحْ. والقول الذي رواه يحيى هذا قد نُسِبَ إلى سفيان الثَّوْريِّ والأوزاعيِّ، وبه قال أحمد وزادَ: وكذا لو تَلَوَّطَ بأبي امرأته أو بأخيها أو بشَخصِ ثمَّ وُلِدَ للشَّخصِ بنت، فإنَّ كلَّا منهنَّ تَّحِرُم على الواطِئِ لكَونِها بنتَ أو أُختَ مَن نَكَحَه، وخالَفَ ذلك الجمهورُ فخَصُّوه بالمرأة المعقودِ عليها، وهو ظاهر القرآن لقوله: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْ اُلْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] والذَّكَر ليس من النِّساء ولا أُختاً. وعند الشافعيّة: فيمَن تزوَّجَ امرأة فَلَاطَ بها، هل ◌َّحُرُم عليه بنتُها أم لا؟ وجهان، والله أعلم. قوله: ((وقال عِكْرمة عن ابن عبّاس: إذا زَنَى بها لا تَحُرُمُ عليه امرأتُه)) وَصَلَه البيهقيُّ (٧/ ١٦٨) من طريق هشام عن قَتَادة عن عِكْرمة بلفظ: في رجل غَشِيَ أمَّ امرأته، قال: تَخْطَّى حُرمَتَينٍ ولا تَّحِرُمُ عليه امرأته، وإسناده صحيح. وفي الباب حديث مرفوع أخرجه الدَّارَقُطنيُّ (٣٦٧٨) والطبرانيُّ(١) من حديث عائشة: أنَّ النبيّ وَِّ سُئلَ عن الرجل يَتْبَعُ المرأةَ حَراماً ثمَّ يَنكِحِ ابنتَها، أو البنتَ ثمَّ يَنكِح أمّها، قال: ((لا يُحرِّم الحرامُ الحلالَ، إِنَّما يُحرِّم ما كان بنكاح حلال))، وفي إسنادهما عثمان بن عبد الرّحمن الوَقّاصِيّ وهو متروك، وقد أخرج ابن ماجَهْ (٢٠١٥) طَرَفاً منه من حديث ابن عمر: ((لا يُحرِّم الحرامُ الحلالَ))، وإسناده أصلَح من الأوَّل. قوله: ((ويُذكَر عن أبي نَصْر عن ابن عبّاس: أنَّه حَرَّمَه)) وَصَلَه الثَّوْريّ في ((جامعه)) من طريقه، ولفظه: أنَّ رجلاً قال: إنَّه أصابَ أمَّ امرأته، فقال له ابن عبّاس: حَرُمَت عليك (١) في ((المعجم الأوسط)) (٤٨٠٣) و(٧٢٢٤). ٣١٠ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ فتح الباري بشرح البخاري امرأتك، وذلك بعد أن ولدت منه سبعة أولاد كلّهم بَلَغَ مَبالغ الرِّجال. قوله: ((وأبو نَصْر هذا لم يُعرَفْ بسماعِه من ابن عبّاس)) كذا للأكثر، وفي رواية ابن المهديّ عن المُستَمْلي: ((لا يُعرَف سماعه)) وهي أوجَهُ، وأبو نَصر هذا بصريّ أسَدي، وثَّقه أبو زُرعة. وفي الباب حديث ضعيف أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٦٥/٤) من حديث أمّ هانئ مرفوعاً: ((مَن نظرَ إلى فرج امرأة لم ◌َّحِلَّ له أمُّها ولا بنتها)) وإسناده مجهول، قاله البيهقيّ (١٦٩/٧). قوله: ((ويُروَى عن عِمْران بن حُصَينٍ والحسن وجابر بن زيد، وبعض أهل العراق: أنَّها تَحُرُم عليه)) أمَّا قول عِمران فوَصَلَه عبد الرَّزّاق من طريق الحسن البصريّ عنه، قال فيمَن فَجَرَ بأُمِّ امرأته: حَرُمَتا عليه جميعاً، ولا بأس بإسنادِه. وأخرجه ابن أبي شَيْبة من طريق قَتَادة عن عِمران، وهو مُنقَطِعٍ (١). ١٥٧/٩ وأمَّا قول جابر بن زيد والحسن فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٦٦/٤) من طريق قَتَادة عنهما / قال: حَرُمَت عليه امرأته. قال قَتَادةُ (١٨٤/٤): لا تَحُرُم، غير أنَّه لا يَغشَى امرأته حتَّى تَنْقَضِيَ عِدّة التي زَنَى بها. وأخرجه أبو عُبيد من وجه آخر عن الحسن بلفظ: إذا فَجَرَ بأُمّ امرأته أو ابنة امرأته حَرُمت علیه امرأته. وروى عبد الرَّزّاق (١٢٧٦٨) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: قال يحيى بن يَعمَر للشَّعْبِيِّ: والله ما حَرَّمَ حَرامٌ قَطُّ حلالاً قَطّ، فقال الشَّعْبيّ: بلى، لو صَبَيت خمراً على ماء حَرُمَ شربُ ذلك الماء. قال قَتَادةُ: وكان الحسن يقول مِثلَ قول الشَّعْبيّ. وأمَّا قوله: ((وقال بعض أهل العراق)) فلعلَّه عَنَى به الثَّوْريّ، فإنَّه مَمَّن قال بذلك من أهل العراق. (١) هو عند عبد الرزاق (١٢٧٧٦) لكن من طريق قتادة عن عمران، وعند ابن أبي شيبة ١٦٥/٤ من طريق قتادة عن الحسن بن عمران، على عكس ما ذكره الحافظ هنا عنهما. ٣١١ باب ٢٤ / ح ٥١٠٥ كتاب النكاح وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٤/ ١٦٥) من طريق حمّاد عن إبراهيم عن عَلْقمة عن ابن مسعود قال: لا يَنظُر الله إلى رجل نظرَ إلى فرج امرأةٍ وبنتِها، ومن طريق مُغِيرة عن إبراهيم وعامر - هو الشَّعْبِيّ - في رجل وَقَعَ على أمّ امرأته قال: حَرُمَتا عليه كلتاهما؛ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، قالوا: إذا زَنَى بامرأةٍ حَرُمَت عليه أمّها وبنتها، وبه قال من غير أهل العراق عطاءٌ والأوزاعيُّ وأحمد وإسحاق، وهي رواية عن مالك. وأبَى ذلك الجمهورُ، وحُجَّتهم: أنَّ النِّكاح في الشَّرع إنَّما يُطلَق على المعقود عليها، لا على مجرَّد الوَطْء، وأيضاً فالزِّنى لا صَدَاق فيه ولا عِدّة ولا ميراث. قال ابن عبد البَرّ: وقد أجمَعَ أهلُ الفتوى من الأمصار على أنَّه لا يَحَرُم على الزّاني تزوّجُ مَنْ زَنَی بها، فنکاحُ أمّها وابنتها أجوَز. قوله: ((وقال أبو هريرة: لا تَحُم عليه حتَّى يُلْزِقَ بالأرضِ، يعني: حتَّى يُجامِع)) قال ابن التِّين: (يَلْزَق)) بفتح أوَّله، وضَبَطَه غيره بالضَّمِّ وهو أوجَهُ، وبالفتح لازِمُ وبالضَّمِّ متعدٍّ، يقال: لَزِقَ به لُزوقاً، وألزَقَه بغيره، وهو كِنايةٌ عن الجِماع كما قال المصنّف. وكأنَّه أشارَ إلى خِلَاف الحنفيَّة فإنَّهم قالوا: تَحُرُم عليه امرأته بمُجرَّدٍ لَمْسِ أمّها والنَّظَر إلى فرجها، فالحاصل أنَّ ظاهر كلام أبي هريرة: أنَّها لا تَحُرُم إلّا إن وَقَعَ الجِماع، فیکون في المسألة ثلاثة آراء: فمذهب الجمهور: لا تَّحُرُم إلّا بالجِماعِ معَ العَقْد، والحنفيَّة وهو قولٌ عن الشافعيّ: تَلتَحِق المباشرة بشهوةٍ بالجِماع لكَونِه استمتاعاً، ومحلّ ذلك إذا كانت المباشرة بسببٍ مُباح، أمَّ المحَرَّم فلا يُؤَثِّر كالزِّنى، والمذهب الثّالث: إذا وَقَعَ الجِماعُ حلالاً أو زِنَىَ أثَّرَ، بخلاف مُقدِّماته. قوله: ((وجَوَّزَه سعيد بن المسيّب وعُرْوة والزُّهْريّ)) أي: أجازوا للرجلِ أن يقيمَ مع امرأته ولو زَنَى بأُمِّها أو أُختها، سواءٌ فعل مُقدِّمات الجِماع أو جامَعَ، ولذلك أجازوا له أن يَتزوَّج بنتَ أو أمَّ مَن فعل بها ذلك، وقد روى عبد الرَّزّاق (١٢٧٧٩) من طريق الحارث ابن عبد الرَّحمن قال: سألتُ سعيد بن المسيّب وعُرْوة بن الزُّبَير عن الرجل يزني بالمرأة: هل ٣١٢ باب ٢٥ / ح ٥١٠٦ فتح الباري بشرح البخاري تَحِلّ له أمّها؟ فقالا: لا يُحرِّم الحرامُ الحلالَ. وعن مَعمَر عن الزُّهْريِّ مِثله. وعند البيهقيِّ (١٦٩/٧) من طريق يونس بن يزيد عن الزُّهْريِّ: أنَّه سُئلَ عن الرجل يَفْجُر بالمرأة أيَتزوَّجُ ابنتَها؟ فقال: قال بعض العلماء: لا يُفسِد اللهُ حلالاً بحَرامِ. قوله: ((وقال الزُّهْرِيُّ: قال عليّ: لا يُحرِّم؛ وهذا مُرسَل)) أمَّا قول الزُّهْرِيِّ فوَصَلَه البيهقيُّ (١٦٨/٧) من طريق يحيى بن أيوب عن عُقَيل عنه: أنَّه سُئلَ عن رجل وَطِئَ أمَّ امرأته، فقال: قال عليّ بن أبي طالب: لا يُحرِّم الحرامُ الحلالَ. وأمَّا قوله: ((وهذا مُرسَل))، ففي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وهو مُرسَل))، أي: مُنقَطِع، فأطلقَ المرسَلَ على المنقَطِع كما تقدَّم في فضائل القرآن (٥٠١٥)، والخَطْبُ فيه سَهلٌ، والله أعلم. ٢٥- بابٌ وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِىِ حُجُورِكُم مِّن نِسَائِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ وقال ابنُ عبَّاسٍ: الدُّخولُ والمَسِيسُ واللّاسُ: هو الجِماعُ. ومَن قال: بناتُ ولِها هُنَّ من بناتِها في التَّحْرِيمِ، لقولِ النبيِّ ◌َِّ لِأُمّ حَبيبةَ: ((لا تَعْرِضْنَ ١٥٨/٩ عليَّ بناتِكُنَّ)، وكذلكَ حَلائلُ ولِدِ الأبناءِ هُنَّ حَلائلُ الأبناءِ، وهل تُسمَّى الرَّبِيةَ وإن/ لم تكن في حَجْرِه؟ ودَفَعَ النبيُّ ◌َّهَ رَبِيبَةً له إلى مَن يَكْفُلُها. وسَمَّى النبيُّ وََّ ابنَ ابنَتِهِ ابناً. ٥١٠٦- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن زينبَ، عن أمِّ حَبِيبةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، هل لكَ في بنت أبي سفيانَ؟ قال: ((فَأَفعَلُ ماذا؟» قلتُ: تَنكِحُ، قال: ((أُحِيِّينَ؟)) قلتُ: لستُ لكَ بِمُخْلِيَةٍ، وأحَبُّ مَن شَرِكَني فيكَ أُخْتي، قال: ((إنَّها لا تَجِلُّ لِي)) قلتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخطُبُ، قال: ((ابنةَ أمّ سَلَمَةَ؟)) قلتُ: نعم، قال: ((لو لم تكن رَبِيَتَي ما حَلَّت لي، أرضَعَتْنِي وَباها ثُوَيبةٌ، فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بَناتِكُنَّ ولا أخَواتِكُنَّ)). ٣١٣ باب ٢٥ / ح ٥١٠٦ كتاب النكاح وقال اللَّيْثُ: حدَّثنا هشامٌ: دُرّةُ بنتُ أبي سَلَمَةَ. قوله: ((بابٌ ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِ حُجُورِكُم مِّن نّسَآَبِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ؛ [النساء: ٢٣])) هذه التَّرجمة معقودة لتفسير الرَّبيبة، وتفسير المراد بالدُّخولِ. فأمَّا الرَّبيبة: فهي بنتُ امرأة الرجل، قيل لها ذلك لأنَّها مربوبة، وغَلِطَ مَن قال: هو من التَّربية. وأمَّ الدُّخول، ففيه قولان: أحدهما: أنَّ المراد به الجِماعُ، وهو أصحُّ قولي الشافعيّ، والقول الآخر وهو قول الأئمَّة الثلاثة: المراد به الخَلْوة. قوله: ((وقال ابن عبّاس: الدُّخول والمَسِيس واللِّماس: هو الجِماع)) تقدَّم ذِكرُ مَن وَصَلَه عنه في تفسير المائدة، وفيه زيادة(١). وروى عبد الرَّزّاق (١٠٨٢٦) من طريق بكر بن عبد الله المُزَنِيِّ قال: قال ابن عبّاس: الدُّخول والتَّغَشّى والإفضاء والمباشَرة والرَّفَت واللَّمْس: الجِماع، إلّا أنَّ الله حَييٍّ كريم يَكْني بما شاءَ عمَّا شَاءَ. قوله: ((ومَن قال: بناتُ ولدِها هُنَّ مِن بناتها في التَّحْرِيم)) سَقَطَ من هنا إلى آخر التَّرجمة من رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسِيّ، وقد تقدَّم حكمُ ذلك في الباب الذي قبله. قوله: ((لقولِ النبيّ ◌َ له لأَمَّ حبيبة)) إلى آخره، قد وَصَلَه في الباب، ووجه الدّلالة من عُموم قوله: ((بناتكُنَّ))، لأنَّ بنتَ الابن بنتٌ. قوله: ((وكذلكَ حلائلُ ولدِ الأبناء مُنَّ حَلائِلُ الأبناء)) أي: مِثْلُهنَّ في التَّحريم، وهذا بالاتّفاق، فكذلك بناتُ الأبناء وبنات البنات. قوله: ((وهل تُسمَّى الرَّبيبةَ وإن لم تكن في حَجْرِهِ؟)) أشارَ بهذا إلى أنَّ التَّقييد بقولِه: ((في حُجورِكُم)) هل هو الغالب، أو يُعتَبر فيه مفهوم المخالَفة؟ وقد ذهب الجمهور إلى الأوَّل، وفيه خِلَاف قديم، أخرجه عبد الرَّزّاق (١٠٨٣٤) وابن المنذر وغيرهما من طريق إبراهيم (١) تقدم ذكر من وصله تحت ((باب ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾)) من تفسير سورة المائدة، بين يدي الحديث (٤٦٠٧)، ج٢٢٨/١٣. ٣١٤ باب ٢٥ / ح ٥١٠٦ فتح الباري بشرح البخاري ابن عُبيد عن مالك بن أوس قال: كانت عندي امرأة قد وَلدَت لي، فماتت فوَجَدتُ عليها، فِلَقِيتُ عليّ بن أبي طالب فقال لي: ما لك؟ فأخبَرَتُه، فقال: أنها ابنة؟ يعني: من غيرك، قلت: نعم، قال: كانت في حَجْرِك؟ قلت: لا، هي في الطائف، قال: فانكِحْها، قلت: فأين قوله تعالى: ﴿وَرَبَيِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]؟ قال: إنَّها لم تكن في حَجْرك. وقد دَفَعَ بعضُ المتأِرينَ هذا الأثر وادَّعَى نفيَ ثُبوته بأنَّ إبراهيم بن عُبيد لا يُعرَف، وهو عجيب، فإنَّ الأثر المذكور عند ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٩١٢/٣) من طريق إبراهيم بن عُبيد بن رِفاعة(١)، وإبراهيم ثقة تابعيّ معروف، وأبوه وجدُّه صحابيّان، والأثر صحيح عن عليّ. وكذا صَحَّ عن عمر أنَّه أفتَى مَن سألَه إذ تزوَّجَ بنتَ رجل كانت تحته جَدَّتُها، ولم تكن البنت في حجره، أخرجه أبو عُبید. وهذا وإن كان الجمهور على خِلافه، فقد احتجَّ أبو عُبيد للجُمهورِ بقولِهِ وَّهِ: ((فلا تَعرِضنَ عليّ بناتكُنَّ)) قال: فعَمَّ ولم يُقَيِّد بالحَجْرِ، وهذا فيه نظرٌ، لأنَّ المطلَق محمول على المقيَّد، ولولا الإجماعُ الحادث في المسألة ونُدْرة المخالف، لكان الأخذ به أَولى، لأنَّ الَّحريم جاء مشروطاً بأمرَينٍ: أن تكون في الحَجْر، وأن يكون الذي يريد التَّزويج قد دَخَلَ بالأُمُّ، فلا تَحِرُمُ بوجودِ أحد الشَّرطَيْنِ. ١٥٩ / واحتجُّوا أيضاً بقولِه وَّ: ((لو لم تكن رَبيبَتَي ما حَلَّت لي))، وهذا وَقَعَ في بعض طرق الحديث كما تقدَّم (٥١٠١)، وفي أكثر طرقه: ((لو لم تكن رَبِيبَتَي في حَجْري)) فقَيَّدَ بالحَجْر كما قَيََّ به القرآن فقَوِيَ اعتبارُه، والله أعلم. قوله: ((ودَفَعَ النبيُّ ◌َهَ رَبيبةً له إلى مَن يَكْفُّلُها)) هذا طَرَف من حديث وَصَلَه البَزَّار والحاكم (١/ ٥٦٥) من طريق أبي إسحاق عن فَرْوة بن نَوفَل الأشجَعيّ عن أبيه: وكان النبيّ وَِّ دَفَعَ إليه زينبَ بنت أمّ سَلَمَةَ وقال: ((إنَّما أنتَ ظِئِري)) قال: فذهب بها ثمَّ جاء، فقال: ((ما فَعَلَتِ الْجُوَيرِيَة؟)) قال: عند أمّها - يعني من الرَّضاعة - وجِئتُ لتُعلِّمَني ... (١) وهو مسمَّى كذلك في رواية عبد الرزاق في ((مصنفه)). ٣١٥ باب ٢٥ / ح ٥١٠٦ كتاب النكاح فذكر حديثاً فيما يقرأ عند النَّوم، وأصله عند أصحاب ((السُّنَن)) الثلاثة بدون القصَّة(١). وأصل قصَّة زينب بنت أمّ سَلَمةَ عند أحمد (٢٦٦١٩) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٠٦٥ و٤٢١٠) من طريق أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث أنَّ أمّ سَلَمةَ أخبَرَته: أنَّها لمَّا قَدِمَت المدينةَ - فذكرت القصَّة في هِجرَتها ثمَّ موت أبي سَلَمَةَ - قالت: فلمَّا وَضَعتُ زينبَ جاءني رسول الله وَل﴿ فخَطَبني ... الحديث، وفيه: فجَعَلَ يأتينا فيقول: ((أين زُنَابُ؟)) حتَّى جاء عمَّار - هو ابن ياسر - فاختَلَجَها وقال: هذه تَنَعُ رسول الله وَلِّ حاجتَه، وكانت تُرضِعها، فجاء النبيّ ◌َله فقال: ((أين زُنَاب؟)) فقالت قَرِيبة بنت أبي أُميَّة، وهي أُخت أمّ سَلَمَةَ: وافَقْتُها عندَما أخَذَها عَّار بن ياسر، فقال النبيّ وَّهِ: ((إنّ آتيكُم الليلةَ))، وفي رواية لأحمد (٢٦٦٦٩): فجاء عَّار وكان أخاها لأُمِّها - يعني: أمّ سَلَمَةَ - فدَخَلَ عليها فانتَشَطَها من حَجْرها، وقال: دَعِي هذه المقبوحة، الحديث. قوله: ((وسَمَّى النبيُّ ◌ََّ ابنَ ابنته ابناً)) هذا طَرَفٌ من حديث تقدَّم موصولاً في المناقب (٣٧٤٦) من حديث أبي بَكْرة وفيه: ((إنَّ ابني هذا سَيِّد)) يعني الحسنَ بن عليّ، وأشارَ المصنّف بهذا إلى تقوية ما تقدَّم ذِكرُه في التَّرجمة أنَّ بنت ابن الزّوجة في حُكْم بنت الزَّوجة. ثمَّ ساقَ حديثَ أمّ حبيبة: ((قلت: يا رسول الله، هل لك في بنت أبي سفيان)) وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى قبل هذا (٥١٠١). وقوله: (أرضَعَتني وأَبَاها تُوَيبةٌ)) هو بفتح الهمزة والموخَّدة الخفيفة، و((ثُوَيبةُ)) بالرَّفع الفاعل، والضَّمير لبنتِ أمّ سَلَمةَ، والمعنى: أرضَعَتني ثويبةُ وأرضَعَت والدَ دُرّة بنت أبي سَلَمَةَ، وقد تقدَّم في الباب الماضي (٥١٠١) التَّصريح بذلك فقال: ((أرضَعَتني وأبا سَلَمَةَ))، وإِنَّا نَبَّهتُ على ذلك لأنَّ صاحب ((المشارق)) نَقَلَ: أنَّ بعض الزُّواة عن أبي ذرِّ رواها بكسر الهمزة وتشديد التَّحتانيَّةِ(٢) فصَخَّفَ، ويكفي في الردّ عليه قولُه في الرِّواية الأُخرى: ((إنَّها ابنة أخي من الرَّضاعة))، ووَقَعَ في روايةٍ لمسلمٍ (١٦/١٤٤٩): «أرضَعَتني وأَباها أبا سَلَمَةَ)). (١) أخرجه أبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٠٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٥٦٩). (٢) يعني: إيّاها. ٣١٦ باب ٢٦ / ح ٥١٠٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال اللَّيث: حدّثنا هشام: دُرّة بنت أمّ سَلَمَةَ)) يعني: أنَّ اللَّيث رواه عن هشام بن عُرْوة بالإِسناد المذكور، فسَمَّى بنتَ أمّ سَلَمةَ: دُرّة، وكأنَّه رَمَزَ بذلك إلى غَلَطِ مَن سَمّاها زينب. وقد قَدَّمتُ(١) أنَّها في رواية الحميديّ عن سفيان، وأنَّ المصنّف أخرجه عن الحميديّ فلم يُسمِّها، وقد ذكر المصنِّف الحديث أيضاً في الباب الذي بعده من طريق اللَّيث أيضاً عن ابن شِهاب عن عُرْوة فسَمّاها أيضاً دُرّةَ. ٢٦- بابٌ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] ٥١٠٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ عُرْوةَ ابنَ الزُّبَيرِ أخبَرَه، أنَّ زينبَ ابنةَ أبي سَلَمَةَ أخبَرَتْه، أنَّ أَّ حبيبةَ قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، انكِحْ أُختي بنتَ أبي سفيانَ، قال: ((وتُحِّينَ؟)) قلتُ: نعم، لستُ بِمُخْلِيَةٍ، وأحَبُّ مَن شارَكَتي في خيرٍ أُخْتِي، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ ذلكِ لا يَحِلُّ لِي)) قلتُ: يا رسولَ الله، فوالله إنّا لَنَتَحدَّثُ ١٦٠/٩ أَنَّكَ تريدُ أن تَنكِحَ دُرّةَ بنتَ أبي سَلَمَةَ، قال: ((بنتَ أمُّ سَلَمَةَ؟!)) فقلتُ:/ نعم، قال: ((فوالله لو لم تكنْ في حَجْري ما حَلَّت لي، إنَّهَا لَابنةُ أخي منَ الرَّضَاعَةِ، أرضَعَتْني وأبا سَلَمَةَ ثُوَيِبةُ، فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بَناتِكُنَّ ولا أخَواتِكُنَّ). قوله: ((بابٌ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ﴾)) أورَدَ فيه حديث أمّ حبيبة المذكور لقوله: ((فلا تَعرِضنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخَواتِكُنَّ)). والجمع بين الأُختَينِ في التَّزويج حرام بالإجماع، سواء كانتا شَقِيقَتَينِ، أمْ من أبٍ، أمْ من أمّ، وسواء النَّسَب والرَّضاع، واختُلِفَ فيما إذا كانتا بمِلْكِ اليمين، فأجازه بعضُ السَّلَف، وهو رواية عن أحمد، والجمهورُ وفقهاءُ الأمصار على المنع، ونظيرُه الجمعُ بين المرأة وعَمَّتها أو خالتها، وحكاه النَّوَوي(٢) عن الشِّيعة. (١) في شرح الحديث (٥١٠١). (٢) تحرَّف في (س) إلى: الثوري، قلنا: وقد حكاه النووي عن الشيعة في شرحه على ((صحيح مسلم)) عند الحديث رقم (١٤٠٨). ٣١٧ باب ٢٧ / ح ٥١٠٨ كتاب النكاح ٢٧ - بابٌ لا تُنكَح المرأة على عمّتها ٥١٠٨- حدَّثنا عَبْدَانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عاصمٌ، عن الشَّعْبِيِّ، سمعَ جابراً غُ، قال: نَهَى رسولُ الله ◌َّه أن تُنْكَحَ المرأةُ على عَمَّتِها أو خالَتِها. وقال داودُ وابنُ عَوْنٍ: عن الشَّعْبِيِّ، عن أبي هريرةَ. قوله: ((باب لا تُنكَحُ المرأة على عَمَّتها)) أي: ولا على خالتها، وهذا اللَّفظ رواية أبي بكر ابن أبي شَيْبة (٢٤٥/٤ -٢٤٦) عن عبد الله بن المبارك بإسنادِ حديث الباب. وكذا هو عند مسلم (١٤٠٨/ ٣٧) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة، ومن طريق هشام بن حسَّان عن محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة (٣٨/١٤٠٨). قوله: ((عاصم)) هو ابن سليمان البصريّ الأحوَل. قوله: ((الشَّعْبيّ سمعَ جابراً)) كذا قال عاصم وحدَه. قوله: ((وقال داود وابن عَوْن: عن الشَّعْبيّ، عن أبي هريرة)) أمَّا رواية داود - وهو ابن أبي هند - فَوَصَلَها أبو داود (٢٠٦٥) والتِّرمِذيّ (١١٢٦) والدَّارِميُّ (٢١٧٨) من طريقه قال: حدَّثنا عامر - هو الشَّعْبِيّ - أخبرنا أبو هريرة: أنَّ رسول الله،بَله نَهَى أن تُنكَحَ المرأة على عَمَّتِها، أو المرأةُ على خالتها، أو العَمّةُ على بنت أخيها، أو الخالةُ على بنت أُختها، لا الصُّغْرَى على الكُبرَى، ولا الكُبرَى على الصُّغرَى؛ لفظ الدَّارِميِّ والتِّرمِذيُّ نحوه، ولفظ أبي داود: ((لا تُنكَحُ المرأة على عَمَّتها ولا على خالتها)). وأخرجه مسلم (٤٠/١٤٠٨) من وجه آخر عن داود بن أبي هند فقال: ((عن محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة)) فكأن لداود فيه شيخَينٍ، وهو محفوظ لابنِ سِيرِين عن أبي هريرة من غير هذا الوجه. وأمَّا رواية ابن عَوْن - وهو عبد الله - فوَصَلَها النَّسائيُّ (ك٥٤٠٧) من طريق خالد بن الحارث عنه/ بلفظ: ((لا تُزوَّجُ المرأة على عَمَّتها ولا على خالتها))، ووَقَعَ لنا في «فوائد أبي ١٦١/٩ ٣١٨ باب ٢٧ / ح ٥١٠٨ فتح الباري بشرح البخاري محمَّد بن أبي شُرَيح)) من وجه آخر عن ابن عَوْن بلفظ: نَهَى أن تُنكَح المرأة على ابنة أخيها أو ابنة أُختها. والذي يظهر أنَّ الطَّريقَينِ محفوظان، وقد رواه حمّاد بن سَلَمةَ عن عاصم عن الشَّعْبيّ عن جابر أو أبي هريرة (١)، لكن نَقَلَ البيهقيُّ (١٦٦/٧) عن الشافعيّ: أنَّ هذا الحديث لم يُروَ من وجهٍ يُثِته أهل الحديث إلّا عن أبي هريرة، ورُوِيَ من وجوه لا يُثبِتِها أهل العلم بالحديث، قال البيهقيُّ: هو كما قال، قد جاء من حديث عليّ(٢) وابن مسعود(٣) وابن عمر (٤) وابن عبَّاس(٥) وعبد الله بن عَمْرو(٦) وأنس وأبي سعيد(٧) وعائشة(٨)، وليس فيها شيء على شرطِ الصَّحيح، وإنَّما أنَّفَقا على إثبات حديث أبي هريرة، وأخرج البخاريّ (٥١٠٨) رواية عاصم عن الشَّعْبيّ عن جابر، وبيَّن الاختلاف على الشَّعْبيّ فيه، قال: والحُفّاظ يَرَونَ رواية عاصم خطاً، والصّواب رواية ابن عَوْن وداود بن أبي هند، انتھی. وهذا الاختلاف لم يَقدَح عند البخاريّ، لأنَّ الشَّعْبيّ أشهَرُ بجابر منه بأبي هريرة، وللحديثِ طريق أُخرى عن جابر بشرطِ الصَّحيح، أخرجها النَّسائيُّ (٣٢٩٩) من طريق ابن جُرَيج عن أبي الزُّبَير عن جابر، والحديث محفوظ أيضاً من أوجُهٍ عن أبي هريرة، فلِكلِّ من الطَّريقَينِ ما يَعْضُده، وقول مَن نَقَلَ البيهقيُّ عنهم تضعيفَ حديث جابر، مُعارَضٌ بتصحيح التِّرمِذيّ وابن حِبّان (٤١١٤) وغير هما له، وكَفَى بتخريج البخاريّ له موصولاً قوّةً. (١) هذا الكلام منقول عن الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف)) (٢٣٤٥)، ولم نقف على هذا الطريق فيما بين أيدينا من مصادر الحديث المسندَة. (٢) أخرجه أحمد في ((المسند» (٥٧٧). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٤٦/٤، والطبراني (٩٨٠١). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٤٧، وابن حبان (٥٩٩٦). (٥) أخرجه أحمد (١٨٧٨)، وأبو داود (٢٠٦٧)، والترمذي (١١٢٥). (٦) أخرجه أحمد ضمن حديث (٦٦٨١). (٧) أخرجه أحمد (١١٦٣٧)، وابن ماجه (١٩٣٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٤٠٣)، ولم نقف على حديث أنس. (٨) أخرجه أبو يعلى (٤٧٥٧)، والبيهقي ٢٩/٨ - ٣٠، والحاكم ٣٤٩/٤. ٣١٩ باب ٢٧ / ح ٥١٠٨ كتاب النكاح قال ابن عبد البَرّ: كان بعض أهل الحديث يَزعُم أنَّه لم يَروِ هذا الحديث غيرُ أبي هريرة - يعني: من وجه يَصِحّ - وكأنَّه لم يُصَحِّح حديث الشَّعْبِيّ عن جابر وصَحَّحَه عن أبي هريرة، والحديثان جميعاً صحيحان. وأمَّا مَن نَقَلَ البيهقيُّ أنَّهم رَوَوه من الصَّحابة غير هذَينٍ، فقد ذكر مِثل ذلك التِّرمِذيّ (١١٢٥) بقولِه: ((وفي الباب))، لكن لم يَذكُر ابنَ مسعود ولا ابنَ عبَّاس(١) ولا أنساً، وزاد بَدَلهم أبا موسى وأبا أُمامةَ وسَمُرةً(٢). ووَقَعَ لي أيضاً من حديث أبي الذَّرداء ومن حديث عَتّاب بن أُسَيد، ومن حديث سعد ابن أبي وقّاص ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود(٣)، فصارَ عِدّة مَن رواه غير الأوَّلِينَ ثلاثةَ عشرَ نفساً، وأحاديثهم موجودة عند ابن أبي شَيْبة، وأحمد، وأبي داود، والنَّسائيِّ، وابن ماجَهْ، وأبي يَعْلى، والبزَّار، والطبرانيِّ، وابن حِبّان وغيرهم، ولولا خَشْيةُ التطويل لَأوردتها مُفَصَّلة، لكن في لفظ حديث ابن عبّاس عند أبي داود(٤) (٢٠٦٧): أنَّ كَرِهَ أن يُجمَع بين العَمّة والخالة وبين العَمَّتَينِ والخالتَينِ، وفي روايته عند ابن حِبّان (٤١١٦): نَهَى أن تُزوَّج المرأة على العَمّة والخالة، وقال: ((إِنَّكُنَّ إذا فعَلتُنَّ ذلك قَطَعَتُنَّ أُرحامَكُنَّ». قال الشافعيّ: تحريم الجمع بين مَن ذُكِرَ هو قول مَن لَقِيتُه من المفتِينَ لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال التِّرمِذيّ بعد تخريجه: العَمَل على هذا عند عامّة أهل العلم لا نعلمُ بينهم اختلافاً: (١) هو لم يذكر ابن عباس ذلك لأنه خرَّج حديثه بالإسناد في الباب نفسه. (٢) حديث أبي موسى أخرجه ابن ماجه (١٩٣١)، وأما حديث سمرة فأخرجه البزار (٤٥٦٧)، والطبراني (٦٩٠٨)، وحديث أبي أمامة لم نقف عليه. (٣) حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني كما في ((مجمع الزوائد» ٢٦٤/٤، وأما حديث عتّاب فأخرجه الطبراني أيضاً في ((الكبير)) ١٧ / (٤٢٦)، وأما حديث سعد فأخرجه ابن عدي في ((الكامل)) ٢١/٣، وأما حديث زينب فإنها لم تروه مباشرة عن النبي و # وإنما بواسطة زوجها عبد الله بن مسعود، وهو عند البزار (١٤٦٢)، والطبراني (٩٨٠١). (٤) في (س): ابن أبي داود، وهو خطأ. ٣٢٠ باب ٢٧ / ح ٥١٠٩ - ٥١١٠ فتح الباري بشرح البخاري أنَّه لا يَحِلّ للرجلِ أن يجمع بين المرأة وعَمَّتها أو خالتها، ولا أن تُنكَحَ المرأة على عمَّتها أو خالتها. وقال ابن المنذر: لستُ أعلم في مَنْع ذلك اختلافاً اليوم، وإنَّما قال بالجوازِ فِرقةٌ من الخوارج، وإذا ثَبَتَ الحكم بالسُّنّة، واتَّفَقَ أهلُ العلم على القول به، لم يَضُرَّه خِلَاف مَن خالَفَه. وكذا نَقَّلَ الإجماعَ ابنُ عبد البَرّ وابن حَزْمِ والقُرطُبيّ والنَّوَويّ، لكن استَئِنَى ابنُ حَزْم عثمانَ البَتِّيَّ وهو أحد الفقهاء القُدَماء من أهل البصرة، وهو بفتح الموحّدة وتشديد المثنّة، واستَثْنَى النَّوَويّ طائفةً من الخوارج والشّيعة، واستَئِنَى القُرطُبيّ الخوارجَ، ولفظه: اختارَ الخوارج الجمعَ بين الأُختَينِ، وبين المرأة وعَمَّتها وخالتها، ولا يُعتَدُّ بخلافهم لأنَّهم مَرَقوا من الدِّین، انتھی. وفي نَقْلِه عنهم جواز الجمع بين الأُختَينِ غَلَطُ بيِّنٌ، فإنَّ عُمدتَهم التَّمَسُّك بأدلّة القرآن لا يخالفونَها البَنّةَ، وإنَّما يَرُدّونَ الأحاديث لاعتقادِهِم عَدَمَ الثَّقة بنَقَلَتِها، وتحريمُ الجمع بين الأُختَيْنِ بنُصوصِ القرآن. ونَقَلَ ابن دقيق العيد تحريمَ الجمع بين المرأة وعَمَّتها عن جمهور العلماء، ولم يُعيِّن المخالف. ٥١٠٩- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ◌َُ، أَنَّ رسولَ اللهِ ◌ّ قال: ((لا يُجمَعُ بينَ المرأةِ وعَمَّتِها، ولا بينَ المرأةِ وخالَتِها». [طرفه في: ٥١١٠] ٥١١٠- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرني يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني قَبِيصةُ بنُ ذُؤَيبٍ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ يقول: نَهَى النبيُّ ◌َّهِ أَن تُنْكَحَ المرأةُ على عَمَّتِها، والمرأةُ وخالتها. فنُرَى خالةَ أَبِيِها بتلك المَنزِلِةِ: