النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
كتاب النكاح
حِبّان (٤١٦٢)(١)، وذكره الشافعيّ(٢) بلاغاً عن ابن عمر بلفظ: ((تَناكَحوا تَكاثَروا فإنّ
أَباهي بكم الأُمَم))، وللبيهقيّ (٧/ ٧٨) من حديث أبي أمامةَ: ((تزوَّجوا، فإنّي مُكاثر بكم
الأُمَم، ولا تكونوا كرَهبانيَّة النَّصَارَى))، ووَرَدَ: «فإنّ مُكاثِر بكُم)) أيضاً من حديث
الصُّنابِحِيِّ بنِ الأعسَرَ (٣) ومَعِقِل بن يَسار وسَهل بن حُنَيْفٍ وحَرمَلة بن النُّعمان وعائشة
وعِياض بن غَنْمٍ ومعاوية بن حَيْدة(٤) وغيرهم، وأمَّا حديث: ((لا رَهبانيَّة في الإسلام)) فلم
أرَه بهذا اللَّفظ(٥)، لكن في حديث سعد بن أبي وقّاص عند الطبرانيِّ (٥٥١٩): ((إنَّ الله
أبدَلَنا بالرّهبانيَّةِ الْحَنيفيَّةَ السَّمْحة))، وعن ابن عبّاس رَفَعَه: ((لا صَرُورةً في الإسلام)) أخرجه
أحمد (٢٨٤٤) وأبو داود (١٧٢٩) وصَحَّحَه الحاكم (٤٤٨/١ ١٥٩/٢ - ١٦٠)، وفي الباب
حديث النَّهي عن التَّتُّل وسيأتي في باب مُفرَد (٥٠٧٣)، وحديث: ((مَن كان مُوسِراً فلم
يَنكِحْ فليس مِنّا)) أخرجه الدَّارِمِيُّ (٢١٦٤) والبيهقيُّ (٧٨/٧) من حديث أبي نَجِيحِ(٦)
وجَزَمَ بأنَّه مُرسَل، وقد أورَدَه البَغَويُّ في ((مُعجَم الصَّحابة))، وحديث طاووسٍ: قال عمر
ابن الخطّاب لأبي الزَّوائد: إنَّما يَمنَعك من التّزويج عَجزٌ أو فُجور، أخرجه ابن أبي شَيْبة
(١) وأخرجه أحمد أيضاً في ((مسنده)) (١٢٦١٣) و(١٣٥٦٩).
(٢) في ((الأم)) ١٥٤/٥.
(٣) وقع في (أ): الصنابح الأعسر، وفي (ع): الأعسر، وفي (س): الصنابحي وابن الأعسر، على أنّهما اثنان،
وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، وحديثه هذا أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٩٠٦٩).
(٤) أما حديث معقل بن يسار فأخرجه أبوداود (٢٠٥٠)، والنسائي (٣٢٢٧).
وأما حديث سهل بن حُنيف فأخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٥٧٤٦).
وأما حديث حرملة فأخرجه ابن قانع في ((معجم الصحابة)) كما في ((البدر المنير)) لابن الملقِّن ٧/ ٤٢٤.
وأما حديث عياض بن غنم فأخرجه الطبراني في «الكبير)) ١٧ / (١٠٠٨)، والحاكم ٢٩٠/٣.
وأما حديث معاوية بن حَيْدة فأخرجه الطبراني في «الكبير)) ١٩/ (١٠٠٤).
(٥) أقرب الألفاظ إليه ما أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) ٣١٨/١، ومن طريقه ابن الجوزي في ((العلل
المتناهية)) (١٠٦١) من حديث جابر رفعه: ((ولا رهبانية فينا))، وفي سنده أبو سعد البقّال سعيد بن
المرزُبان، وهو ضعيف منكر الحديث. قلنا: ويُغْني عنه حديثُ عائشة عند أحمد (٢٥٨٩٣) بإسناد رجاله
ثقات، في قصة عثمان بن مظعون قال النبي وَ لّ: «إن الرَّهبانية لم تُكتَبْ علينا».
(٦) في (س): ابن أبي نجيح، وهو خطأ.
١٠

٢٢٢
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
(٤/ ١٢٧) وغيره، وقد تقدَّم في الباب الأوَّل الإشارة إلى حديث عائشة: ((النِّكاح سُنَّتَي،
فمَن رَغِبَ عن سُنََّي فليس منِّي))، وأخرج الحاكم (٢/ ١٦١) من حديث أنس رَفَعَه: ((مَن
رَزَقَه الله امرأةً صالحة فقد أعانَه على شَطِرٍ دينه، فليَتَّقِ اللهَ في الشَّطر الثّاني)).
وهذه الأحاديثُ وإن كان في الكثير منها ضعف، فمجموعها يدلّ على أنَّ لما يَحصُل
به المقصود من التَّرغيب في التَّزويج أصلاً، لكن في حَقّ مَن يَتأَتَّى منه النَّسْلُ كما تقدَّمَ، والله
أعلم.
وفي الحديث أيضاً إرشادُ العاجِز عن مُؤَن النّكاح إلى الصوم، لأنَّ شهوة النِّكاح تابعة
لشهوة الأكل، تَقوَى بقوَّتِه، وتَضعُف بضَعِفِه، واستَدَلَّ به الخطَّبيُّ على جواز المعالجة لقطع
شَهْوة النِّكاح بالأدوية، وحكاه البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة))، وينبغي أن يُحمَل على دواء
يُسَكِّن الشَّهوة دون ما يَقطَعُها أصالةً، لأنَّه قد يَقدِر بعدُ فيَندَمُ لفوات ذلك في حَقّه، وقد
صَرَّحَ الشافعيَّة بأنَّه لا يَكسِرُها بالكافورِ ونحوه، والحُجّة فيه أنَّهم اتَّفَقوا على مَنْع الْجَبّ
١١٢/٩ والخِصاء، فيَلحَق بذلك ما في معناه من التَّداوي بالقطع أصلاً، واستَدَلَّ به الخطّابيُّ أيضاً
على أنَّ المقصود من النِّكاح الوَطْء ولهذا شُرِعَ الخِيَارُ في العُنّة.
وفيه الحثُّ على غَضّ البَصَر، وتحصين الفَرْج بكلِّ مُمكِن وعَدَم التَّكليف بغير
المستطاع، ويُؤخَذ منه أنَّ حُظوظ النُّفوس والشَّهَوات لا تَتقدَّم على أحكام الشَّرع بل هي
دائرة معها، واستَنْبَطَ القَرَافيّ من قوله: ((فإنَّه له وِجاء)) أنَّ التَّشريك في العبادة لا يَقدَح
فيها، بخِلَاف الرِّياء، لأنَّه أمَرَ بالصوم الذي هو قُرْبة، وهو بهذا القصد صحيح مُئاب
عليه، ومع ذلك فأرشَدَ إليه لتحصيلِ غَضّ البَصَرِ وكَفّ الفَرْج عن الوقوع في المحَرَّم.
انتهى، فإن أراد تشريكَ عبادة بعبادةٍ أُخرى، فهو كذلك وليس مَحَلَّ النِّراع، وإن أراد
تشريكَ العبادة بأمرٍ مُباح، فليس في الحديث ما يُساعِده.
واستَدَلَّ به بعضُ المالكيَّة على تحريم الاستمناء، لأنَّه أرشَدَ عند العجز عن التَّزويج إلى
الصوم الذي يَقطَع الشَّهوة، فلو كان الاستمناء مُباحاً، لكان الإرشاد إليه أسهَل. وتُعقِّبَ

٢٢٣
باب ٣-٤ / ح ٥٠٦٦-٥٠٦٧
كتاب النكاح
دَعَوَى كَونِه أسهَلَ، لأنَّ التَّرك أسهَلُ من الفعل، وقد أباحَ الاستمناءَ طائفة من العلماء،
وهو عند الحنابلة وبعض الحنفيّة لأجلِ تسكين الشَّهوة. وفي قول عثمان لابنٍ مسعود: ((ألا
نُزوِّجك شابّة)) استحبابُ نِكاح الشّابّة ولا سيّما إن كانت بكراً، وسيأتي بَسطُ القول فيه
بعد أبواب (٥٠٧٧).
٣- باب من لم يستطع الباءة فليصُمْ
٥٠٦٦- حدَّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِيَاثٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثنی
عُمارةُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يزيدَ قال: دَخَلْتُ معَ عَلْقمةَ والأسوَدِ على عبدِ الله، فقال عبدُ الله:
كنّا معَ النبيِّ وََّ شَباباً لا نَجِدُ شيئاً، فقال لنا رسولُ الله ◌ََّ: ((يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ استطاعَ
الباءةَ فَلْيَتَزوَّجْ، فإِنَّه أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحصَنُ لِلفَرْجِ، ومَن لم يَستطِعْ فعليه بالصومِ، فإنَّه له
وِجَاءٌ».
قوله: ((باب مَن لم يَستطِعِ الباءةَ فَلْيَصُم)) أورَدَ فيه حديث ابن مسعود المذكور في الباب
قبله، وهذا اللَّفظ وَرَدَ في رواية الثَّوْريّ عن الأعمَش في حديث الباب، فعند التِّرمِذيّ
(١٠٨١) عنه بلفظ: ((فمَن لم يستطع الباءةَ فعليه بالصومِ))، وعند النَّسائيِّ (٢٢٤٠ و٣٢٠٧)
عنه بلفظ: ((ومَن لا، فليَصُم))، وقد تقدَّمَت مباحثُه في الباب الذي قبله.
٤ - باب کَثْرة النّساء
٥٠٦٧- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسُفَ، أنَّ ابنَ جُرَيجِ أخبَرَهم،
قال: أخبرني عطاءٌ قال: حَضَرْنا معَ ابنِ عبَّاسٍ جِنازةَ ميمونةَ بِسَرِفَ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: هذه
زَوْجَةُ النبيِّ وََّ، فإذا رَفَعْتُمْ نَعْشَها فلا تُزَعْزِعوها ولا تُزَلْزِلوها وارفُقُوا، فإِنَّه كان عندَ النبيِّ ◌َِّ
تسعٌّ، كان يَقْسِمُ لِثمانٍ ولا يَقْسِمُ لِواحدةٍ.
قوله: ((باب كَثْرة النِّساء)» يعني لمن قَدَرَ على العَدْل بينهنَّ، ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: حدیث عطاء قال: حَضَرْنا معَ ابن عبّاس چِنازة ميمونة، زاد مسلم
(٥١/١٤٦٥) من طريق محمّد بن بكر عن ابن جُرَيج: زَوْجِ النبيّ وَّ.
١١٣/٩

٢٢٤
باب ٤ / ح ٥٠٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بسَرِفَ)) بفتح المهمَلة وكسر الرّاء بعدها فاء: مكان معروف بظاهرٍ مَّة، تقدَّم
بيانُه في الحجّ، وأخرج ابن سعد (١٣٩/٨ - ١٤٠) بإسنادٍ صحيح عن يزيد بن الأصَمّ قال:
دَفَنّا میمونةً بسَرِف في الظلّة التي بَنَی بها فيها رسول الله ێ، ومن وجه آخر عن یزید بن
الأصَمّ قال: ((صَلَّى عليها ابنُ عبَّاس، ونزل في قبرها عبدُ الرَّحمن بن خالد بن الوليد)»
قلت: وهي خالةُ أبيه ((وعُبِيدُ الله الْخَوْلانيّ)) قلت: وكان في حِجْرِها ((ويزيدُ بن الأَصَمّ)»
قلت: وهي خالتُه كما هي خالة ابن عبّاس.
قوله: ((فإذا رَفَعْتُم نَعْشَها)» بعينٍ مُهمَلة وشين مُعجَمة: السَّرير الذي يُوضَع عليه الميِّت.
قوله: ((فلا تُزَعْزِعوها)» بزاءَينِ مُعجَمَتَينِ وعَينَينِ مُهمَلتَينٍ، والّعزَعة: تحريكُ الشَّيء
الذي يُرفَع.
وقوله: ((ولا تُزَلْزِلوها)» الزَّلزلة: الاضطِراب.
قوله: ((وارفُقوا)) إشارة إلى أنَّ مُرادَه السّير الوَسَط المعتَدِل.
ويُستفاد منه أنَّ حُزمة المؤمن بعد موته باقیة کما کانت في حیاته، وفيه حديث: ((کسرُ
عَظْم المؤمن ميِّاً ككسره حَيّاً)) أخرجه أبو داود (٣٢٠٧) وابن ماجَهْ (١٦١٦) وصَحَّحَه
ابن حِبّان (٣١٦٧).
قوله: ((فإِنَّه كان عند النبيّ ◌َِّ تسعُ نِسْوة)) أي: عند موته، وهُنَّ: سَوْدة وعائشة
وحَفْصة وأُمَ سَلَمَةَ وزينب بنت جَحْش وأُمّ حَبيبة وجُوَيِرِيَة وصَفيَّة وميمونة، هذا ترتيب
تزويجه إيّاهُنَّ رضي الله عنهُنَّ، وماتَ وهُنَّ في عِصمَته، واختُلِفَ في رَجانة هل كانت
زوجة أو سُرّيَّة، وهل ماتت قبله أو لا؟
قوله: ((كان يَقْسِم لثمانٍ ولا يَقْسِم لواحدةٍ)) زاد مسلم (٥١/١٤٦٥) في روايته: قال عطاء:
التي لا يَقسِم لها صَفيَّةٌ بنت حُبَيّ بن أخطَبَ. قال عِيَاض: قال الطَّحاويُّ: هذا وهمٌ وصوابُه
سَوْدة، كما تقدَّم (٢٥٩٣) أنَّهَا وَهَبَت يومها لعائشة، وإنَّما غَلِطَ فيه ابنُ جُرَيج راويه عن
عطاء. كذا قال، قال عياض: قد ذَكَروا في قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]

٢٢٥
باب ٤ / ح ٥٠٦٧
كتاب النكاح
أنَّه آوَى عائشةَ وحفصة وزينب وأُمّ سَلَمَةَ، فكان يَستَوفي لهنَّ القَسْمَ، وأرجَأ سودةَ
وجُوَيريَة وأُمّ حبيبة وميمونة وصَفيَّة، فكان يَقسِم لهنَّ ما شاءَ، قال: فيحتمل أن تكون
رواية ابن جُرَيج صحيحة ويكون ذلك في آخر أمره حيثُ آوَى الجميعَ، فكان يَقسِم
لجميعِهِنَّ إلّا لصَفيَّة.
قلت: قد أخرج ابن سعد (١٢٧/٨) من ثلاثة طرق: أنَّ النبيّ وَّ كان يَقسِم لصَفيَّة
كما يَقِمُ لنسائه، لكن في الأسانيد الثلاثة الواقديُّ وليس بحُجّةٍ، وقد تَعَصَّبَ مُغَلْطاي
للواقديّ فَنَقَلَ كلامَ مَن قَوّاه ووثَّقه، وسَكَتَ عن ذِكْر مَن وَهّاه والتَّهَمَه وهم أكثر عَدَداً
وأشدُّ إتقاناً وأقوَى مَعرِفَةً به من الأوَّلينَ، ومن جُملة ما قَوّاه به: أنَّ الشافعيّ روى عنه،
وقد أسنَدَ البيهقيُّ عن الشافعيّ أنَّه كَذَّبَه، ولا يقال: فكيف روى عنه؟! لأنّا نقول: روايةُ
العَدْل ليست بمُجرَّدِها توثيقاً، فقد روى أبو حنيفة عن جابر الجُعْفيِّ، وثَبَتَ عنه أنَّه قال:
ما رأيت أكذَبَ منه، فيَتَرَجَّح أنَّ مُرادَ ابن عبّاس بالتي لا يَقْسِمُ لها سَوْدة كما قاله
الطَّحاويّ، لحديثِ عائشة: أنَّ سودة وَهَبَت يومها لعائشة، وكان النبيّ يَّلِ يَقسِم لعائشة
يومَها ويومَ سودة، وسيأتي في بابٍ مُفرَد وهو قبل كتاب الطَّلاق بأربعةٍ وعشرينَ باباً،
ويأتي بسطُ القصَّة هناك (٥٢١٢) إن شاءَ الله تعالى.
لكن يحتمل أن يقال: لا يَلزَمُ من أنَّه كان لا يبيت عند سَوْدة أن لا يَقْسِمَ لها، بل كان
يَقِم لها لكن يَبيت عند عائشة لمَا وَقَعَ من تلك الهِبة. نعم يجوز نفيُ القَسْمِ عنها مجازاً،
والرّاجح عندي ما ثَبَتَ في ((الصَّحيح))، ولعلَّ البخاريّ حَذَفَ هذه الزّيادة عَمداً.
وقد وَقَعَ عند مسلم أيضاً (١٤٦٥/ ٥٢) فيه زيادة أُخرى من رواية عبد الرَّزّاق عن ١١٤/٩
ابن جُرَيج: قال عطاء: كانت آخرهنَّ موتاً ماتت بالمدينة. كذا قال، فأمَّا كَونُها آخرَهنَّ
موتاً، فقد وافَقَ عليه ابنُ سعد وغيره قالوا: وكانت وفاتها سنة إحدى وستّينَ، وخالَفَهم
آخرونَ فقالوا: ماتت سنة ستّ وخمسين، ويُعكِّر عليه أنَّ أمّ سَلَمَةَ عاشَت إلى قتل الحسين
ابن عليّ، وكان قتلُه يوم عاشوراء سنة إحدَى وستّينَ، وقيل: بل ماتت أمّ سَلَمةَ سنة تسع
وخمسين، والأوَّل أرجَحُ.

٢٢٦
باب ٤ / ح ٥٠٦٨ - ٥٠٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
ويحتمل أن تكونا ماتتا في سنة واحدة لكن تأخَّرَت ميمونة، وقد قيل أيضاً: إنَّها ماتت
سنة ثلاث وستّينَ، وقيل: سنة ستّ وستّينَ، وعلى هذا لا ترديدَ في آخِرِيّتها في ذلك.
وأمَّا قوله: وماتت بالمدينة، فقد تَكلَّمَ عليه عِيَاض فقال: ظاهره أنَّه أراد ميمونة،
وكيف يَلَئِمِ معَ قوله في أوَّل الحديث: ((إنَّها ماتت بسَرِفَ))، وسَرِفُ من مكَّة بلا خِلَاف،
فيكون قوله: ((بالمدينة)) وهماً.
قلت: يحتمل أن يريد بالمدينة البلدَ وهي مكَّة، والذي في أوَّل الحديث: أنَّهم حَضَروا
جِنازتَها بسَرِف، ولا يَلزَم من ذلك أنَّها ماتت بسَرِف، فيحتمل أن تكون ماتت داخل مكَّة
وأوصَت أن تُدفَنَ بالمكان الذي دَخَلَ بها رسول الله وَِّ فيه، فَتَفَّذَ ابن عبّاس وصيّتها،
ويُؤْيِّد ذلك أنَّ ابن سعد (٨/ ١٤٠) لمّا ذکر حديث ابن جُرَیج هذا قال بعده: وقال غیر
ابن جُرَيج في هذا الحديث: تُوُفِّيت بمكّة فحَمَلَها ابن عبَّاس حتَّى دَفَنَها بسَرِفَ.
٥٠٦٨- حدَّثنا مُسَّدٌ، حذَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ
النبيَّ نَِّ كان يَطُوفُ على نسائِه في ليلةٍ واحدةٍ وله تسعُ نِسْوةٍ.
وقال لي خَلِيفةُ: حدّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ: أنَّ أنساً حدَّثهم عن النبيِّ وَّ.
٥٠٦٩- حذَّثنا عليٌّ بنُ الحَكَم الأنصاريُّ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن رَقَبَةَ، عن طَلْحةَ اليامِيِّ،
عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: قال لي ابنُ عبَّاسٍ: هل تَزوَّجْتَ؟ قلتُ: لا، قال: فتزوَّجْ، فإنَّ خيرَ
هذه الأُمَّةِ أكثرُها نساءً.
الحديث الثاني: حديث أنس: ((أَنَّ النبيّ وَّهِ كان يَطُوف على نسائه في ليلةٍ واحدة بغُسلِ
واحد وله تِسعُ نِسوة»، وتقدَّم شرحه في كتاب الغُسل (٢٦٨)، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ له، وقد
أَّفَقَ العلماء على أنَّ من خصائصه ◌َّهِ الزّيادةَ على أربع نسوة يَجمَع بينهنَّ، واختَلَفوا هل للزّيادة
انتهاء أو لا؟ وفيه دلالة على أنَّ القَسْم لم یکن واجباً علیه، وسيأتي البحث فيه في بابه(١).
(١) انظر الباب رقم (٩٨): باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك؟ وانظر أيضاً الباب
رقم (١٠٢): باب من طاف على نسائه في غُسل واحد.

٢٢٧
باب ٤ / ح ٥٠٦٩
كتاب النكاح
وقوله: ((وقال لي خليفة ... )) إلى آخره، قَصَدَ به بيان تصريح قَتَادة بتحديثٍ أنس له بذلك.
الحدیث الثالث:
قوله: ((حدَّثنا عليّ بن الحَكَم الأنصاريّ)) هو المروَزيّ، ماتَ سنة ستّ وعشرينَ
و مئتین.
قوله: ((عن رَقَبة)) بفتح القاف والموخَّدة: هو ابن مَصقَلة، بصادٍ مُهمَلة ساكنة ثمَّ قاف،
ويقال: بالسِّين المهمَلة بَدَل الصّاد، وطلحة: هو ابن مُصرِّف الياميّ، بتحتانيَّةٍ مُفَّفاً.
قوله: ((قال لي ابن عبّاس: هل تزوَّجْتَ؟ قلت: لا)) زاد فيه أحمد بن مَنيع في ((مُسنَده)) من
طريق أُخرى عن سعيد بن جُبَير: قال لي ابن عبّاس، وذلك قبل أن يَخْرُج وجهي - أي:
قبل أن يَلتَحي -: هل تزوَّجتَ؟ قلت: لا، وما أُريدُ ذلك يومي هذا، وفي رواية سعيد بن
منصور (٤٩٥) من طريق أبي بِشْر عن سعيد بن جُبَير: قال لي ابن عبّاس: هل تزوَّجت؟
قلت: ما ذاكَ في ... الحديث.
قوله: ((فإنَّ خير هذه الأُمّة أكثرُها نساءً)) قَيَّدَ بهذه الأُمّة ليَخرُج مِثلُ سليمان عليه
السلام، فإنَّه كان أكثر نساءً كما تقدَّم في ترجمته (٣٤٢٤)، وكذلك أبوه داود، ووَقَعَ عند
الطبرانيِّ(١) من طريق أيوب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: تزوَّجوا فإنَّ خيرنا كان
أكثرَنا نساء؛ قيل: المعنى: خير أمّة محمَّد مَن كان أكثر نساءً من غيره ممَّن يَتَساوى معه فيما
عَدَا ذلك من الفضائل.
والذي يظهر أنَّ مُراد ابن عبّاس بالخير النبيُّ وَّةِ، وبالأُمّة أخِصّاء أصحابه، وكأنَّه
أشارَ إلى أنَّ تركَ التَّزويج مَرجُوح، إذ لو كان راجحاً ما آثَرَ النبيُّ نَّهِ غيرَه، وكان معَ كَونِه
أخشَى الناس لله وأعلمهم به يُكثِرِ التَّزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يَطَّلِعُ عليها
الرِّجال، ولإظهار المعجزة البالغة في خَرْقِ العادةِ لكَونِه كان لا يَجِدُ ما يَشبَع به من القُوتِ
غالباً، وإن وَجَدَ كان يُؤثِر بأكثره، ويصوم كثيراً ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على
(١) في ((المعجم الأوسط)) (٢٦٥٩).

٢٢٨
باب ٤ / ح ٥٠٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
نسائه في اللَّيلة الواحدة، ولا يُطاقُ ذلك إلّا معَ قوّة البَدَن، وقوّة البَدَن كما تقدَّم في أوَّل
أحاديث الباب تابعة لما يقوم به من استعمال المقوِّيات من مأكول ومشروب، وهي عنده
نادرة أو معدومة.
ووَقَعَ في ((الشِّفاء): أنَّ العرب كانت تَمَّح بكَثْرة النِّكاح لدلالتِهِ على الرُّجوليَّة، إلى أن قال:
١١٥/٩ ولم/ تَشْغَلْه كَثرتُهنَّ عن عبادة رَبّه، بل زادَه ذلك عبادةً لتحصينِهِنَّ وقيامه بحقوقِهِنَّ واكِتِسابِهِ
لهنَّ وهِدايته إيّاهُنَّ، وكأنَّه أراد بالتَّحصينِ قَصْرَ طَرْفِهِنَّ عليه فلا يَتَطَلَّعنَ إلى غيره، بخِلَاف
العَزَبة فإنَّ العفيفة تَتَطَلَّع بالطَّبع البشريّ إلى التَّزويج، وذلك هو الوصف اللّائق بهنَّ.
والذي تَحَصَّلَ من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النِّساء عشرةُ أوجُه
تقدَّمَت الإشارة إلى بعضها:
أحدها: أن يَكثُر مَن يشاهد أحوالَه الباطنة فيَنتَفي عنه ما يَظُنّ به المشركونَ من أنَّه
ساحر أو غير ذلك.
ثانيها: لتتشرَّف به قبائلُ العرب بمُصاهَرَتِه فيهم.
ثالثها: للزّيادة في تألُّفهم لذلك.
رابعها: للزّيادة في التَّكليف حيثُ كُلِّفَ أن لا يَشغَلَه ما حُبِّبَ إليه منهنَّ عن المبالَغة في
التَّبليغ.
خامسها: لتَكثُر عشيرتُه من جهة نسائه فتُزاد أعوانه على مَن يُحارِبه.
سادسها: نقل الأحكام الشّرعيَّة التي لا يَطَّلِعِ عليها الرِّجال، لأنَّ أكثر ما يقع مع
الزَّوجة ممّا شأنه أن يختفيَ مِثلُه.
سابعها: الاطّلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوَّجَ أمَّ حبيبة وأبوها إذ ذاكَ
يُعادِيه، وصَفيَّة بعد قتل أبيها وعَمّها وزوجها، فلو لم يكن أكمَلَ الخلق في خِلْقته(١) لَنَفَرِنَ
منه، بل الذي وَقَعَ أنَّه كان أحَبّ إليهنَّ من جميع أهلهنَّ.
(١) في (س): خلقه.

٢٢٩
باب ٥ / ح ٥٠٧٠
كتاب النكاح
ثامنها: ما تقدَّم مبسوطاً من خَرْقِ العادة له في كَثْرة الجماعِ معَ التَّقْلَّل من المأكول والمشروب
وكَثْرة الصيام والوِصَال، وقد أمَرَ مَن لم يَقدِرْ على مُؤَن النِّكاح بالصومِ، وأشار إلى أنَّ
كَثْرته تَکسِر شهوته فانخَرَقَت هذه العادة في حَقّه وَلِّ .
تأسعها وعاشرها: ما تقدَّم نقلُه عن صاحب ((الشِّفاء)) من تحصينهنَّ والقيام بحقوقِهِنَّ،
والله أعلم.
ووَقَعَ عند أحمد بن مَنيع من الزّيادة في آخره: أمَا إنَّه يُستَخرَج من صُلْبك مَن كان
مُستَودَعاً. وفي الحديث الحضُّر على التزوُّج وتَرك الرّهبانيَّة.
٥- باب من هاجر أو عمل خيراً لتزويج امرأةٍ فله ما نوی
٥٠٧٠- حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمَّدِ ابنِ إبراهيمَ
ابن الحارثِ، عن عَلْقمةَ بنِ وَقّاصٍ، عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﴾ قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((العَمَلُ
بالنِّيَّةِ، وإنَّما لامرِئٍ ما نَوَى، فمَن كانت هِجْرتُه إلى الله ورسولِه، فِهِجْرتُه إلى الله ورسوله
- وَ﴾ - ومَن كانت هِجْرتُه إلى دُنْيا يُصِيبُها أو امرأةٍ يَنْكِحُها، فِهِجْرتُه إلى ما هاجَرَ إليه)).
قوله: ((باب مَن هاجَرَ أو عَمِلَ خيراً لتزويج امرأة فله ما نَوَى)) ذکر فیه حدیث عمر
بلفظ: ((العَمَل بالنيّة، وإنَّما لا مِرِئ ما نَوَى))، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوَّل الكتاب (١)،
وما تَرجَمَ به من الهجرة منصوص في الحديث، ومِن عَمَلِ الخير مُستَنْبَطَ منه، لأنَّ الهجرة
من ◌ُملة أعمال الخير، فكما عَمَّمَ في الخير في شِقّ المطلوب وتَمَّمَه بلفظ: ((فهِجرَته إلى ما
هاجَرَ إليه))، فكذلك شِقُّ الطَّلَب يَشمَل أعمال الخير هِجرةً أو حَجّاً مثلاً أو صلاة أو
صَدَقة، وقصَّة مُهاجِر أمّ قيس أورَدَها الطبرانيُّ (٨٥٤٠) مُسنَدَةً والآجُرّيُّ في كتاب ((الشَّريعة))
بغير إسناد.
ويَدخُل في قوله: ((أو عَمِل خيراً) ما وَقَعَ من أمّ سُلَيم في امتناعها من التَّزويج بأبي
طلحة حتَّى يُسلِم، وهو في الحديث الذي أخرجه النَّسائيُّ (٣٣٤١) بسندٍ صحيح عن أنس
قال: خَطَبَ أَبو طلحة أمّ سُلَیم فقالت: والله ما مِثلُك يا أبا طلحة يُرَدّ، ولكنَّك رجل كافر

٢٣٠
باب ٦ / ح ٥٠٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وأنا امرأة مسلمة، ولا يَحِلّ لي أن أتزَوَّجك، فإن تُسلِمْ فذاكَ مَهْري، فأسلَمَ فكان ذلك
مَهرَها، الحديث. ووجه دخوله أنَّ أمّ سُلَيم رَغِبَت في تزويج أبي طلحة ومَنَعَها من ذلك
١١٦/٩ كفرُه، فَتَوَصَّلَت إلى بلوغْ غَرَضها ببَذلِ نفسها فظَفِرَت بالخيرَينِ، وقد استَشكله بعضهم /
بأنَّ تحريم المسلمات على الكفّار إنَّا وَقَعَ في زمن الخُدَيبية وهو بعد قصَّة تزوُّج أبي طلحة
بأُمّ سُلَيم بمُدّةٍ، ويُمكِن الجواب بأنَّ ابتداءً تحريم تزوُّج الكافر بالمسلمة كان سابقاً على
الآية، والذي دَلَّت عليه الآيةُ الاستمرار، فلذلك وَقَعَ التَّفريق بعد أن لم يكن، ولا يُحِفَظ
بعد الهجرة أنَّ مسلمة ابتَدَأَت بتزوُّج كافر، والله أعلم.
٦ - باب تزويج المعسر الّذي معه القرآن والإسلام
فيه سَهْلُ بنُ سَعْدٍ عن النبيِّ ◌َّ.
٥٠٧١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حذَّثني قيسٌ، عن ابنِ
مسعودٍ ﴾ قال: كنَّا نَغْزُو معَ النبيِّ وَِّ ليس لنا نساءٌ، فقُلْنا: يا رسولَ الله، أَلَّا نَسْتَخْصي؟!
فنهانا عن ذلك.
قوله: ((باب تزويج المُعسِر الذي معه القرآن والإسلام. فيه سَهْل بن سَعْد، عن النبيّ وَّ
يعني: حديث سَهْل بن سعد في قصَّة التي وَهَبَت نفسَها، وما تَرجَمَ به مأخوذ من قوله:
((التَمِسْ ولو خاتَماً من حديد))(١) فالتَمَسَ فلم يَجِد شيئاً ومع ذلك زَوَّجَه، قال الكِرْمانيُّ: لم
يَسُقْ حديث سهل هنا، لأنَّه ساقَه قبلُ وبعدُ اكتِفاءَ بذِكره، أو لأنَّ شيخه لم يَروِه له في
سياق هذه التَّرجمة. انتهى، والثّاني بعيد جدّاً، فلم أجِدْ مَن قال: إنَّ البخاريّ يتقيَّد في
تَراجِم كتابه بما يُتَرجِم به مشائُه، بل الذي صَرَّحَ به الجمهور أنَّ غالب تَراجمه من تَصَرُّفه،
فلا وجه لهذا الاحتمال، وقد لَهِجَ الکرْمانيُّ به في مواضعَ وليس بشيءٍ.
ثمَّ ذكر طَرَفاً من حديث ابن مسعود: «كنَّا نَغْزُو وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله،
نَستَخصي؟ فنَهانا عن ذلك))، وقد تَلَطَّفَ المصنّف في استنباطه الحُكمَ كأنَّه يقول: لمَّا
(١) سلف برقم (٥٠٢٩) من حديث سهل، وسيأتي برقم (٥٠٨٧)، وأخرجه مسلم أيضاً (١٤٢٥).

٢٣١
باب ٧ / ح ٥٠٧٢
كتاب النكاح
نَهاهم عن الاختصاء معَ احتياجهم إلى النِّساء، وهم مع ذلك لا شيءَ لهم كما صَرَّحَ به في
نفس هذا الخبر كما سيأتي تامّاً بعد باب واحد، وكان كلّ منهم لا بدَّ وأن يكون حَفِظَ شيئاً
من القرآن، فتَعيَّنَ التَّزويجُ بما معهم من القرآن، فحِكْمة التَّرجمة من حديث سهل
بالتَّنصیصِ، ومن حديث ابن مسعود بالاستدلال.
وقد أغرَبَ المهلَّبُ فقال: في قوله: ((تزويج المعسِر)) دليل على أنَّ النبيَّ ◌َّه لم يُزُوِّج
الرجل على أن يُعلِّم المرأةَ القرآنَ، إذ لو كان كذلك ما سَمّاه مُعِراً. قال: وكذلك قوله:
((والإسلام)) لأنَّ الواهبة كانت مسلمة. انتهى، والذي يظهر أنَّ مُرادَ البخاريّ المعسِرُ من
المال بدليل قول ابن مسعود: ((وليس لنا شيء)»، والله أعلم.
٧- باب قول الرَّجل لأخيه: انظر أيَّ زوجتيَّ شئت
حتَّى أَنزِلَ لكَ عنها
رواه عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ.
٥٠٧٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، عن سفيانَ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ
قال: قَدِمَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ فَآَخَى النبيُّ ◌َّهِ بينَه وبينَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ الأنصاريِّ وعندَ
الأنصاريِّ امرأتانٍ، فعَرَضَ عليه أن يُناصِفَه أهلَه ومالَه، فقال: بارَكَ اللهُ لكَ في أهلِكَ ومالِكَ،
دُلُّوني على السُّوقِ، فأتى السّوقَ فَرَبِحَ شيئاً من أَقِطٍ وشيئاً من سَمْنٍ، فرآه النبيُّ ◌َّهِ بعدَ أيامٍ
وعليه وَضَرٌ من صُفْرةٍ، فقال: ((مَهْيَمْ يا عبدَ الرَّحمنِ؟)) فقال: تَزوَّجْتُ أنصارِيَّةً، قال: ((فما
سُقْتَ؟)) قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذهبٍ، قال: ((أَوْلِمْ ولو بشاةٍ».
قوله: ((باب قول الرجل لأخيهِ: انظُرُ أيَّ زَوْجَتَيَّ شئتَ حتَّى أَنزِلَ لك عنها» هذه التَّرجمة ١١٧/٩
لفظ حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف في البيوع (٢٠٤٨).
قوله: ((رواه عبد الرّحمن بن عَوْف)) وَصَلَه في البيوع (٢٠٤٨) عن عبد العزيز بن
عبد الله عن إبراهيم بن سعد، أي: ابن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عَوْف، عن أبيه عن جَدّه
قال: قال عبد الرَّحمن بن عَوْف، وأورَدَه في فضائل الأنصار (٣٧٨٠) عن إسماعيل بن أبي

٢٣٢
باب ٨ / ح ٥٠٧٣ - ٥٠٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
أَوَيس عن إبراهيم، وقال في روايته: انظُر أعجَبَهما إليك فسَمِّها لي أُطلِّقْها، فإذا انقَضَت
عِدَّتُها فتزوَّجْها، وهو معنى ما ساقَه موصولاً في الباب عن أنس بلفظ: فعَرَضَ عليه أن
يُناصفَه أهله وماله، ويأتي في الوليمة (٥١٦٧) من حديث أنس بلفظ: أُقَاسمُك مالي، وأنزِلُ
لك عن إحدَى امرأتيَّ. وسيأتي بقيّة شرح الحديث المذكور في أبواب الوليمة.
وفيه ما كانوا عليه من الإيثار حتَّى بالنَّفْسِ والأهل. وفيه جوازُ نظر الرجل إلى المرأة
عند إرادة تزويجها، وجواز المواعَدة بطلاق المرأة، وسُقوط الغَيْرة في مِثْل ذلك، وتَنُّه
الرجل عمَّا يُبذَل له من مثل ذلك، وترجيح الاكتساب بنفسِه بتجارةٍ أو صناعة.
وفيه مُباشَرة الكِبار التِّجارةَ بأنفُسِهم معَ وجود مَن يكفيهم ذلك من وكيلٍ وغيره،
وقد أخرج الزُّبَير بن بَكّارٍ في ((الموَفَّقيّات)) من حديث أمّ سَلَمةً قالت: خَرَجَ أبو بكر
الصِّدّيقِ ◌ّه تاجِراً إلى بُصْرَى في عهد النبيّ وَِّ، ما مَنَعَ أبا بكر حُبُّه لمُلازَمَة النبيّ ◌َِّ،
ولا مَنَعَ النبيَّ وَِّ حبُّه لقُرب أبي بكر عن ذلك، لمَحبَّتِهم في التِّجارة؛ هذا أو معناه، وبقيّة
الحديث في قصَّة سُوَبِط بن حَرمَلة والنعيمان وأصلها عند ابن ماجَهْ (٣٧١٩) (١)، وقد تقدَّم
بيان البحث في أفضل الكَسب بما يُغني عن إعادته، والله أعلم.
٨- باب ما يُكرَه من التبتُّل والخِصاء
٥٠٧٣ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حذَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، سمعَ سعيدَ
ابنَ المسيّبِ يقول: سمعتُ سَعْدَ بنَ أبي وَقّاصٍ يقول: رَدَّ رسولُ اللهَوَّلَ على عُثْمَانَ بنِ مَظْعونٍ
التَّبُّلَ، ولو أَذِنَ له لاختَصَينا.
[طرفه في: ٥٠٧٤]
٥٠٧٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ،
أنَّه سمعَ سَعْدَ بنُ أبي وَقّاصٍ يقول: لقد رَدَّ ذلكَ - يعني النبيَّ ◌ََّ - على عُثْمانَ، ولو أجازَ له
النَّبْلَ لاختَصَينا.
(١) حديث ابن ماجه في سنده زمعة بن صالح، وهو ضعيف.

٢٣٣
باب ٨ / ح ٥٠٧٤
كتاب النكاح
قوله: (باب ما يُكْرَه من التَّتُّل)) المراد بالتَّبتُّلِ هنا: الانقطاعُ عن النِّكاح وما يَتْبعه من ١١٨/٩
الملاذِّ إلى العبادة. وأمَّا المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبِيلًا﴾ [المزمل: ٨] فقد فَسَّرَه
مجاهد فقال: أخلِصْ له إخلاصاً؛ وهو تفسير معنى، وإلّا فأصل التَّتُّل: الانقطاع،
والمعنى: انقَطِعْ إليه انقطاعاً، لكن لمَّا كانت حقيقة الانقطاع إلى الله إنَّما تقعُ بإخلاص
العبادة له فَسَّرَها بذلك، ومنه: صَدَقةٌ بَتْلة، أي: مُنقَطِعة عن المِلك، ومريمُ البَتُول:
لانقطاعِها عن التَّزويج إلى العبادة، وقيل لفاطمةَ: البَتُول، إمّا لانقطاعِها عن الأزواج غير
عليٍّ، أو لانقطاعِها عن نُظَرائها في الحُسن والشَّرَف.
قوله: ((والخِصاء)) هو الشَّقّ على الأُنثَينِ وانتزاعهما، وإنَّما قال: ((ما يُكرَه من النَّبُّل والخِصاء»
للإشارة إلى أنَّ الذي يُكرَه من التَّتُّل هو الذي يُفضى إلى الشَّطُّع وتحريم ما أحَلَّ الله، وليس النَّتُل
من أصله مكروهاً، وعَطَفَ الخِصاءَ عليه لأنَّ بعضه يجوز في الحيوان المأكول.
ثمَّ أورد المصنّف ثلاثة أحادیث:
أحدها: حديث سعد بن أبي وقّاص في قصَّة عثمان بن مظعون، أورَدَه من طريقَينٍ إلى
ابن شِهاب الزُّهْريِّ، وقد أورَدَه مسلم (١٤٠٢/ ٨) من طريق عُقَيل عن ابن شِهاب بلفظ:
أراد عثمانُ بن مظعون أن يَتَبتَّل، فنَهَاه رسول الله وَّهِ؛ فَعُرِفَ أنَّ معنى قوله: ((رَدَّ على
عثمان)) أي: لم يأذَنْ له بل نهاه، وأخرج الطبرانيُّ (٨٣٢٠) من حديث عثمان بن مظعون
نفسه: أنَّه قال: يا رسول الله، إنّ رجل يَشُقّ عليَّ العُزُوبة، فأذَنْ لي في الخِصاء، قال: ((لا،
ولكن عليك بالصیام)) الحديث، ومن طریق سعيد بن العاص (٥٥١٩): أنَّ عثمان قال: يا
رسول الله، ائذن لي في الاختصاء، فقال: ((إنَّ الله قد أبدَلَنا بالرَّهبانيَّة الْحَنيفيَّةَ السَّمْحَةَ))(١)،
فيحتمل أن يكون الذي طلبَه عثمانُ هو الاختصاء حقيقةً، فعَبَّرَ عنه الراوي بالتَّبتُّلِ، لأنَّه
يَنشَأ عنه، فلذلك قال: ولو أَذِنَ له لاختَصَينا، ويحتمل عكسه: وهو أنَّ المراد بقولِ سعد:
((ولو أذِنَ له لاختَصَينا)»: لَفَعَلْنَا فِعَلَ مَن يَخْتَصي، وهو الانقطاع عن النِّساء.
(١) وإسناده ضعيف جداً.

٢٣٤
باب ٨ / ح ٥٠٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
قال الطَّبَرِيُّ: التَّتُّل الذي أرادَه عثمانُ بن مظعون تحريمُ النِّساء والطِّيب وكلُّ ما يُلتَذّ
به، فلهذا أنزل في حَقّه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]،
وقد تقدَّم في الباب الأوَّل من كتاب النِّكاح تسميةٌ مَن أراد ذلك معَ عثمان بن مظعون ومَن
وافَقَه، وكان عثمان من السابقينَ إلى الإسلام، وقد تقدَّمَت قِصَّته معَ لَبيد بن ربيعة في
كتاب المبعَث (٣٨٤١)، وتقدَّمَت قصَّة وفاته في كتاب الجنائز (١٢٤٣)، وكانت في ذي
الحِجّة سنة اثنتَينِ من الهجرة، وهو أوَّل من دُفِنَ بالبقيع.
وقال الطِّييُّ: قوله: ((ولو أَذِنَ له لاختَصَينا)) كان الظّاهر أن يقول: ولو أذِنَ له لَتَّلنا، لكنَّه
عَدَلَ عن هذا الظّاهر إلى قوله: ((لاختَصَينا)) لإرادة المبالَغة، أي: لَبالَغْنا في التَّتُّل حَتَّى يُفضِيَ بنا
الأمر إلى الاختصاء، ولم يُرِدْ به حقيقة الاختصاء لأنّه حرام، وقيل: بل هو على ظاهره، وكان
ذلك قبل النَّهي عن الاختصاء، ويُؤيِّده تَوارُد استئذان جماعة من الصَّحابة النبيَّ وَّ في ذلك
كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما، وإنَّما كان التَّعبير بالخِصاءِ أبلَغَ من التَّعبير بالتَّتُّلِ، لأنَّ وجود
الآلة يقتضي استمرارَ وجود الشَّهوة، ووجود الشَّهوة يُنافي المراد من التَّتُّل، فيَتَعَيَّن الخِصاءُ
طريقاً إلى تحصيل المطلوب، وغايته أنَّ فيه ألماً عظيماً في العاجل يُغَفَر في جَنْب ما يَندَفِع به في
الآجِل، فهو كقطع الإصبَع إذا وَقَعَت في اليد الأَكَلة صيانةً لبقيّة اليد، وليس الهلاك بالخِصاءِ
مُحَقَّقاً بل هو نادر، ويَشهَد له كَثْرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعلَّ الراوي عَبَّرَ
بالخِصاءِ عن الجَبّ لأَنَّه هو الذي يُحصِّل المقصود. والحكمة في مَنْعهم من الاختصاء إرادةُ
تكثير النَّسل ليَستَمِرَّ جهاد الكفَّار، وإلّا لو أذِنَ في ذلك لَأوشَكَ تَوارُدُهم عليه فيَنْقَطِعِ النَّسل
فيَقِلّ المسلمونَ بانقطاعِه ويَكثُر الكفَّار، فهو خِلَاف المقصود من البِعْثة المحمَّديَّة.
الحديث الثاني:
٥٠٧٥- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال: قال عبدُ الله:
كنَّا نَغْزُو مَعَ رسولِ اللهِ له وليس لنا شيءٌ، فَقُلْنا: ألا نَسْتَخْصِي؟! فَتَهَانا عن ذلك، ثمَّرَخَّصَ
لنا أن نَنْكِحَ المرأةَ بالَّوْبِ، ثمَّ قرأَ علينا: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللّهُ

٢٣٥
باب ٨ / ح ٥٠٧٥
كتاب النكاح
لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧].
قوله: ((جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم،
وعبد الله: هو ابن/ مسعود. وقد تقدَّم قبلُ ببابٍ (٥٠٧١) من وجه آخر عن إسماعيل بلفظ: ١١٩/٩
عن ابن مسعود، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة عن جَرِير بلفظ: سمعتُ
عبد الله، وكذا لمسلمٍ (١١/١٤٠٤) من وجه آخر عن إسماعيل.
قوله: ((ألا نَسْتَخْصِي) أي: ألا نَستَدعي مَن يفعلُ بنا الخِصاء أو نُعالِج ذلك بأنفُسنا.
وقوله: ((فتَهانا عن ذلكَ)) هو نَهيُ تحريم بلا خِلاف في بني آدم، لمَا تقدَّمَ.
وفيه أيضاً من المفاسد تعذيبُ النَّفْس والتَّشويه معَ إدخال الضَّرَر الذي قد يُفضي إلى
الهلاك. وفيه إبطال معنى الرُّجوليَّة، وتغييرُ خلقِ الله، وكفرُ النِّعمة، لأنَّ خلقَ الشَّخص
رجلاً من النِّعَم العظيمة، فإذا أزالَ ذلك فقد تَشَبَّهَ بالمرأة واختارَ النَّقص على الكمال.
قال القُرطُبيّ: الخِصاءُ في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلّا لمنفَعةٍ حاصلة في ذلك
كتطييب اللَّحم أو قطع ضَرَرٍ عنه. وقال النَّوَويّ: يَجِرُمِ خِصاءُ الحيوان غير المأكول مُطلَقاً،
وأمَّا المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره. وما أظنُّه يَدِفَع ما ذكره القُرطُبيّ من إباحة ذلك
في الحيوان الكبير عند إزالة الضَّرَر.
قوله: ((ثُمَّ رَخَّصَ لنا)) في الرّواية السابقة في تفسير المائدة (٤٦١٥): ثُمَّ رَخَّصَ لنا بعدَ
ذلك.
قوله: ((أن تَنكِحَ المرأة بالثَّوْب)) أي: إلى أجَلِ، أي: في نِكاح المُتْعة.
قوله: (ثُمَّ قرأَ)) في رواية مسلم (١٤٠٤/ ١١): ثُمَّ قرأ علينا عبد الله، وكذا وَقَعَ عند
الإسماعيليّ في تفسير المائدة.
قوله: (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية)) ساقَ الإسماعيليّ
إلى قوله: ((المعتَدِينَ))، وظاهر استشهاد ابن مسعود بهذه الآية هنا يُشعِر بأنَّه کان یری جوازَ
المتعة، فقال القُرطُبيّ: لعلَّه لم يكن حينئذٍ بَلَغَه الناسخُ، ثمَّ بَلَغَه فَرَجَعَ بعدُ.

٢٣٦
باب ٨ / ح ٥٠٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: يُؤيِّده ما ذكره الإسماعيليّ أنَّه وَقَعَ في رواية أبي معاوية عن إسماعيل بن أبي
خالد: ((ففَعَلَه ثمَّ تَرَكَ ذلك)) قال(١): وفي رواية لابنِ عُيَينةَ عن إسماعيل: ثُمَّ جاء تحريمُها
بعدُ، وفي رواية مَعمَر عن إسماعيل: ثُمَّ نُسِخَ. وسيأتي مزيدُ البحث في حُكْم المتعة بعد
أربعة وعشرينَ باباً (٥١١٥).
الحديث الثالث:
٥٠٧٦- وقال أصبَغُ: أخبَرني ابنُ وَهْب، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي
سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنّ رجلٌ شابٌّ، وأنا أخافُ على نفسي
العَنَتَ، ولا أجِدُ ما أتَزَوَّجُ به النِّساءَ، فسَكَتَ عِّي، ثمَّ قلتُ مِثلَ ذلك فسَكَتَ عَنِّي، ثمَّ قلتُ
مِثْلَ ذلك فسَكَتَ عِنِّي، ثمّ قلتُ مِثلَ ذلك، فقال النبيُّ ◌َ: ((يا أبا هريرةَ، جَفَّ القَلَمُ بما أنتَ
لاقٍ، فاختَصِ على ذلكَ أو ذَرْ)).
قوله: ((وقال أصبَغُ)) كذا في جميع الرِّوايات التي وَقَفتُ عليها، وكلام أبي نُعَيم في
((المستخرَج)) يُشعِر بأنَّه قال فيه: حدَّثنا، وقد وَصَلَه جعفر الفِرْيابيّ في كتاب ((القَدَر)»
(٤٣٧) والجَوْزَقيّ في ((الجمع بين الصحيحين)) والإسماعيليّ من طرق عن أصبَغَ، وأخرجه
أبو نُعَيم من طريق حَرمَلة عن ابن وَهْب، وذكر مُغَلْطاي أنَّه وَقَعَ عند الطَّرْقِي(٣): رواه
البخاريّ عن أصبَغَ بن محمَّد، وهو غَلَطُ، هو أصبَغُ بن الفَرَج ليس في آبائه محمَّد.
قوله: ((إنّ رجل شابٌّ وأنا أخاف)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: وإنّ أخاف، وكذا في رواية
حَرملة.
قوله: ((العَنَت)) بفتح المهمَلة والُّون ثمَّ مُثنّاة: هو الزِّنى هنا، ويُطلَق أيضاً على الإثم
والفُجور والأمر الشّاقٌّ والمكروه، وقال ابن الأنباريّ: أصل العَنَت: الشِّدّة.
(١) يعني الإسماعيلي، وقد نقله عنه أيضاً البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٠٧/٧.
(٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: الطبري، والتصويب من ((عمدة القاري)) ٧٤/٢٠، والطَّرْقي: هو أبو
العباس أحمد بن ثابت، له أطراف على الكتب الخمسة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي،
توفي سنة ٥٢١ هـ، وطرق: من قری أصبهان.

٢٣٧
باب ٨ / ح ٥٠٧٦
كتاب النكاح
قوله: ((ولا أجِدُ ما أتزَوَّجُ النِّساء، فسَكَتَ عنِّي)) كذا وَقَعَ، وفي رواية حَرمَلة: ولا أجِدُ
ما أتَزَوَّج النِّساء، فائذَنْ لي أختَصي، وبهذا يَرتَّفِع الإشكال عن مُطابقة الجواب للسُّؤال.
قوله: ((جَفَّ القلمُ بما أنتَ لاقٍ)) أي: نَفَذَ المقدورُ بما كُتِبَ في اللَّوح المحفوظ فبقيَ القلمُ
الذي كُتِبَ به جافّاً لا مِدادَ فيه لفَراغ ما كُتِبَ به، قال عِيَاض: كتابة الله ولَوْحه وقلمه من
غيب عِلْمه الذي نُؤمِن به ونَكِلُ عِلمَه إليه.
قوله: ((فاختَصِ على ذلك أو ذَرْ)) في رواية الطَّبَرِيِّ وحكاها الحُميديُّ في ((الجمع))(١)
ووَفَعَت في ((المصابيح)): ((فاقتَصِرْ على ذلك أو ذَرْ))، قال الطِّييُّ: معناه: اقتَصِرْ على الذي
أمَرتُك به، أو اترُكه وافعَلْ ما ذكرتَ من الخِصاء. انتهى، وأمَّا اللَّفظ الذي وَقَعَ في الأصل
فمعناه: فافعَلْ ما ذكرتَ أو اترُكه واتَّبع ما أمَرتُك به، وعلى الرِّوايتَينِ فليس الأمر فيه
لطلب الفعل، بل هو للتَّهديدِ، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن زَبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن
وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، والمعنى: إن فعَلتَ أو لم تَفعَل فلا بُدَّ من نُفوذ القَدَر،
وليس فيه تعرُّضْ لِحُكمِ الخِصاء.
ومُحُصَّل الجواب: أنَّ جميع الأُمور بتقدير الله في الأزَل، فالخِصاء وتركُه سواءٌ، فإنَّ
الذي قُدِّرَ/ لا بدَّ أن يقع، وقوله: ((على ذلك)) هي مُتعلِّقة بمُقدَّرٍ، أي: اختَصِ حالَ استعلائك ١٢٠/٩
على العلم بأنَّ كلّ شيء بقضاءِ الله وقَدَره، وليس إذناً في الخِصاء، بل فيه إشارة إلى النَّهي
عن ذلك، كأنَّه قال: إذا علمتَ أنَّ كلّ شيء بقضاءِ الله فلا فائدةَ في الاختصاء، وقد تقدَّم:
أنَّهِوَ ◌ِّ نَهَى عثمانَ بن مَظْعون لمَّا استأذَنه في ذلك، وكانت وفاته قبل هِجْرة أبي هريرة
بمُدّةٍ، وأخرج الطبرانيُّ (١١٣٠٤) من حديث ابن عبّاس قال: شَكًا رجل إلى رسول الله وَل
العُزوبةَ، فقال: ألا أختَصي؟ قال: ((ليس مِنّا مَن خَصَى أو اختَصَى))(٢).
وفي الحديث ذُّ الاختصاء، وقد تقدَّم ما فيه وأنَّ القَدَر إذا نَفَذَ لا تَنفَع الحِيَل. وفيه
مشروعيّة شكوى الشّخص ما يقع له للكبير ولو كان ممّا يُستَهجَن ويُستَقبَح. وفيه إشارة
(١) لم نقف على رواية الطبري، والرواية في المطبوع من ((الجمع)) للحميدي (٢٤٩٧): ((فاختص))!
(٢) إسناده تالف، فيه معلَى الجعفي - وهو ابن هلال - كذَّاب.

٢٣٨
باب ٩ / ح ٥٠٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
إلى أنَّ مَن لم يَجِدِ الصَّدَاقَ لا يَتعرَّض للتَّزويج. وفيه جواز تَكْرار الشَّكوَى إلى ثلاث، والجواب
لمن لا يقتنع بالسُّكوتِ، وجواز السُّكوت عن الجواب لمن يُظَنّ به أنَّه يفهم المراد من مُجَّد
السُّكوت. وفيه استحباب أن يُقدِّم طالبُ الحاجة بين يَدَي حاجته عُذْرَه في السُّؤال.
وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة، نَفَعَ الله به: ويُؤْخَذ منه أنَّ مهما أمكنَ المكلَّفَ فِعلُ
شيء من الأسباب المشروعة، لا يَتَوَّلْ إلَّا بعد عَمَلِها، لئلا يُخالفَ الحكمة، فإذا لم يَقدِر
عليه وَطَّنَ نفسَه على الرِّضا بما قَدَّرَه عليه مولاه، ولا يتكلَّف من الأسباب ما لا طاقة له
به. وفيه أنَّ الأسباب إذا لم تُصادِفِ القَدَرَ لا تُجدي. فإن قيلَ: لِمَ لم يُؤمَرْ أبو هريرة بالصيام
لكسرِ شهوته كما أُمِرَ غيره؟ فالجواب: أنَّ أبا هريرة كان الغالبُ من حاله مُلازَمة الصيام،
لأَنَّه كان من أهل الصُّفّة.
قلت: ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمعَ: ((يا مَعشَرَ الشَّباب، مَن استطاعَ منكم الباءةَ
فلْيَتَزوَّج)) الحديث(١)، لكنَّه إنَّما سألَ عن ذلك في حال الغَزْو كَما وَقَعَ لابنِ مسعود، وكانوا
في حال الغَزْو يُؤْثِرونَ الفِطْر على الصيام للتَّقوّي على القتال، فأدّاه اجتهاده إلى حَسْمِ مادّة
الشَّهوة بالاختصاءِ كما ظَهَرَ لعثمانَ، فمَنَعَه ◌َله من ذلك. وإنَّما لم يُرِشِدْه إلى المُتْعة التي
رَأَخَّصَ فيها لغيره لأنَّه ذكر أنَّه لا يَجِدُ شيئاً، ومَن لم يَجِدْ شيئاً أصلاً، لا ثوباً ولا غيره،
فكيف يستمتع؟ والتي يَستَمتِعِ بها لا بدَّ لها من شيءٍ.
٩- باب نکاح الأبکار
وقال ابنُ أبي مُلَيكةً: قال ابنُ عبَّاسٍ لعائشةَ: لم يَنْكِحِ النبيُّ ◌ََّ بِكْراً غيرَكِ.
٥٠٧٧- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أَخي، عن سليمانَ، عن هشامِ بنِ
عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ لو نَزلْتَ وادياً
وفيه شجرةٌ قد أُكِلَ منها، ووَجَدْتَ شَجَراً لم يُؤْكَلْ منها، في أيُّها كنتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قال: ((في
الَّتي لم يُرتَعْ منها))، تَعْنِي أَنَّ رسولَ الله وَّ لم يتزوَّجْ بِكْراً غيرَها.
(١) سلف برقم (١٩٠٥) و(٥٠٦٥) و(٥٠٦٦)، وأخرجه مسلم (١٤٠٠).

٢٣٩
باب ٩ / ح ٥٠٧٨
كتاب النكاح
٥٠٧٨- حدَّثْنَا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً
قالت: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أُرِيتُكِ في المَنامِ مرَّتَينٍ إذا رجلٌ يَحْمِلُكِ في سَرَقةِ حَرِيرٍ فيقولُ:
هذه امرأتُكَ، فأكشِفُها فإذا هي أنتِ، فأقولُ: إنْ يكنْ هذا من عندِ الله ◌ُمْضِهِ)).
قوله: ((باب نِكاح الأبكار)) جمع بِكْر: وهي التي لم تُوطَأُ واستَمرَّت على حالَتها الأُولى.
قوله: ((وقال ابن أبي/ مُلَيكة: قال ابن عبّاس لعائشة: لم يَنكِح النبيُّ وَلَهَ بِّكْراً غيرَك)) هذا ١٢١/٩
طَرَف من حديث وَصَلَه المصنِّف في تفسير سورة النّور (٤٧٥٣)، وقد تقدَّم الكلام عليه
هناك.
قوله: ((حدَّثني أخي)) هو عبد الحميد، وسليمان: هو ابن بلال.
قوله: «فيه شجرة قد أُكِلَ منها، ووَجَدْتَ شَجَراً لم يُؤْكَل مِنْها)» كذا لأبي ذرِّ، ولغيره:
((ووَجَدتَ شجرةً))، وذكره الْحُميديُّ بلفظ: ((فيه شجرٌ قد أُكِلَ منها)»، وكذا أخرجه أبو نعيم في
(المستخرَج)) بصيغة الجمع، وهو أصوَبُ، لقولِه بعد: ((في أيّها)) أي: في أيِّ الشَّجَر، ولو أراد
الموضعَينِ لَقال: في أيّهما.
قوله: ((تُرتع)) بضمٌّ أوَّله، أرتَعَ بعيرَه: إذا تَرَكَه يَرعَى ما شاءَ، وَرَتَعَ البعيرُ في المرعَى:
إذا أكَلَ ما شاءَ، ورَتَعَه اللهُ، أي: أنبَتَ له ما يَرعاه على سَعَةٍ.
قوله: ((قال: في التي لم يُرْتَعْ مِنْها)) في رواية أبي نُعَيم: ((قال: في الشَّجَرة التي)) وهو أوضَحُ.
وقوله: ((يعني ... )) إلى آخره، زاد أبو نُعَيم قبل هذا: ((قالت: فأنا هِيَهْ)) بكسرِ الهاء وفتح
التَّحتانيَّة وسكون الهاء، وهي للسَّكْت.
وفي هذا الحديث مشروعيَّة ضرب المثَل، وتشبيه شيء موصوف بصِفَةٍ بمثله مسلوبٍ
الصِّفة، وفيه بلاغة عائشة وحُسْن تأتِيها في الأُمور.
ومعنى قوله وَّ: ((في التي لم يُرتَعْ منها)) أي: أُوثِرُ ذلك في الاختيار على غيره، فلا يَرِدُ
على ذلك كونُ الواقع منه أنَّ الذي تزوَّجَ من الثَّيِّيات أكثر، ويحتمل أن تكون عائشة كنَّت
بذلك عن المحبّة بل عن أدَقَّ من ذلك.

٢٤٠
باب ١٠ / ح ٥٠٧٩ - ٥٠٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ ذكر المصنِّف حديث عائشة أيضاً: ((أُرِيتُكِ في المنام)) وسيأتي شرحُه بعد ستّة وعشرينَ
باباً (٥١٢٥)، ووَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ (٣٨٨٠): أنَّ الملَكَ الذي جاء إلى النبيّ ◌َّ بصورتها
چِبريلُ.
١٠ - باب تزويج الثّيِّبات
وقالت أمُّ حَبِيبَةَ: قال ليَّ النبيُّ ◌َّ: ((لا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخَوَاتِكُنَّ)).
٥٠٧٩ - حدّثنا أبو الُّعْمان، حدَّثنا هُشَيمٌّ، حدَّثنا سَيّارٌ، عن الشَّعْبِيِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله
قال: قَفَلْنا مِعَ النبيِّ وََّ مِن غَزْوةٍ فَتَعَجَّلْتُ على بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَني راكِبٌ من خَلْفي
فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزةٍ كانت معه فانطَلَقَ بَعِيري كأجْوَدِ ما أنتَ راءٍ منَ الإبلِ، فإذا النبيُّ ◌َِّه
فقال: ((ما يُعْجِلُكَ؟)) قلتُ: كنتُ حديثَ عَهْدٍ بعُرُسٍ، قال: ((بِكْراً أم ◌َيِّاً؟)) قلتُ: ثِيِّبٌ، قال:
((فَهَلَّا جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ)) قال: فلمَّا ذهبْنا لِنَدْخُلَ قال: ((أَمهِلوا حتَّى تَدْخُلوا ليلاً - أي:
عِشاءً - لكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِنثةُ وتَسْتَجِدَّ المُغِيبُ)).
٥٠٨٠- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا مُحارِبٌ، قال: سمعتُ جابَرَ بنَ عبدِ الله رضي الله
عنهما يقول: تَزوَّجْتُ، فقال لي رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما تَزوَّجْتَ؟)) فقلتُ: تَزوَّجْتُ نَيِّاً، فقال: ((ما
لكَ ولِلْعَذَارَى ولِعَابِها».
فَذَكَرْتُ ذلك لِعَمْرِو بنِ دِينارٍ، فقال عَمْرٌو: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: قال لي
رسولُ الله ◌َّةِ: ((هَلَّا جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ)).
قوله: ((باب تَزْويج الثَِّّات)) جمع نَيِّة - بمثلَّةٍ ثمَّ تحتانيَّة ثقيلة مكسورة ثمَّ موحّدة -:
ضدّ البكر.
قوله: ((وقالت أمّ حَبيبة: قال لي النبيّ ◌َّهِ: لا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخَواتِكُنَّ) هذا
طَرَفٌ من حديث سيأتي موصولاً بعد عشرة أبواب (٥١٠١).
واستنْبَطَ المصنِّ التَّرجمة من قوله: ((بناتكُنَّ)) لأنَّه خاطَبَ بذلك نساءَه، فاقتَضَى أنَّ
١٢٢/٩ لهنَّ بناتٍ من غيره، / فيَستَلِزِمِ أَهنَّ ثيِّات كما هو الأكثر الغالب.