النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
باب ٣٧ / ح ٥٠٦٢
كتاب فضائل القرآن
عِمران قال: حدَّثنا جُندُب، فذكر الحديث مرفوعاً وفي آخره: ((فإذا اختَلَفْتُم فيه فقوموا».
قوله: ((ولم يرفعه حَمّاد بن سَلَمَةَ وأبانُ)) يعني: ابن سعيد العَطّار، أمَّا رواية حَمَّاد بن سَلَمَةَ
فلم تقعْ لي موصولة، وأمَّا رواية أبان فوَقَعَت في ((صحيح مسلم)) (٤/٢٦٦٧) من طريق
حَبّان بن هلال عنه، ولفظه: ((قال لنا جُندُب ونحنُ غِلمان)) فذكره لكن مرفوعاً أيضاً،
فلعلَّه وَقَعَ للمصنّف من وجهِ آخر عنه موقوفاً.
قوله: ((وقال غُندَر، عن شُعْبة، عن أبي عِمْرانَ: سمعتُ جُنْدُباً؛ قولَه)) وَصَلَه الإسماعيليّ
من طريق بُندارٍ عن غُندَر.
قوله: ((وقال ابن عَوْن: عن أبي عِمْرانَ عن عبد الله بن الصّامِت عن عمر قولَه)) ابنُ عَوْن:
هو عبد الله البصريّ الإمام المشهور، وهو من أقران أبي عمرانَ، وروايته هذه وَصَلَها أبو
عُبيد(١) عن معاذ بن معاذ عنه، وأخرجها النَّسَائُّ (ك٨٠٤٥) من وجهٍ آخر عنه.
قوله: ((وُنْدُبٌ أصُ وأكثر)) أي: أصُّ إسناداً وأكثر طُرِقاً، وهو كما قال، فإنَّ الجَمّ
الغَفِيرِ رَوَوْه عن أبي عمرانَ عن جُندُب، إلّا أنَّهم اختَلَفوا عليه في رفعِهِ ووَقِهِ، والذينَ
رَفَعوه ثقاتٌ حُفّاظ فالحُكم لهم. وأمَّا رواية ابن عَوْن فشاذَّة لم يُتَابَعْ عليها، قال أبو بكر بن
أبي داودَ: لم يُخْطِئِ ابن عَوْن قَطُّ إلّا في هذا، والصَّواب: عن جُندُب. انتهى، ويحتمل أن
يكون ابن عَوْن حَفِظَهَ ويكون لأبي عِمرانَ فيه شيخ آخر، وإنَّما تَوَارَدَ الرُّواة على طريق
جُندُب لعُلوِّها والتَّصريح برفعِها، وقد أخرج مسلم (٢٦٦٦) من وجه آخر عن أبي عمرانَ
هذا حديثاً آخر في المعنى، أخرجه من طريق حمّاد عن أبي عمرانَ الجَوْنيّ عن عبد الله بن
رَبَاح عن عبد الله بن عَمْرو (٢) قال: هاجَرتُ إلى النبيّ ◌َِّ، فسمعَ رجلَينِ اختَلَفا في آية
فخَرَجَ يُعرَف الغضبُ في وجهه فقال: ((إنَّمَا هَلَكَ مَن كان قبلكم بالاختلافِ في الكتاب))،
وهذا ممّا يُقوِّي أن يكون لطريق ابن عَوْن أصلٌ، والله أعلم.
(١) في (فضائل القرآن» له ص ٣٥٥.
(٢) في (س): عبد الله بن عمر، بدون واو، وهو خطأ.

٢٠٢
باب ٣٧ / ح ٥٠٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((النَّزّال)) بفتح النُّون وتشديد الزّاي وآخره لام ((بن سَبْرة)) بفتح المهمَلة وسكون
الموحّدة الهِلاليّ، تابعيٌّ كبير، وقد قيل: إنَّه له صُحْبة، وذَهَلَ الِيُّ فجَزَمَ في ((الأطراف)) بأنَّ
له صُحْبة، وجَزَمَ في ((التَّهذيب)) بأنَّ له روايةً عن أبي بكر الصِّدّيق مُرسَلة.
قوله: ((أَنَّه سمعَ رجلاً يَقْرأْ آيَةً سمعَ النبيَّ ◌َِّهَ قرَأَ خِلَافَها)) هذا الرجل يحتمل أن يكون
هو أُبِيّ بن كعب، فقد أخرج الطَّبَرُّ من حديث أبيّ بن كعب: أنَّه سمعَ ابن مسعود يقرأ
آيَةً قرأ خِلَافَها وفيه: أنَّ النبيّ ◌َِّ قال: ((كِلاكُما مُحسِن)) الحديث، وقد تقدَّم في ((باب أُنزِلَ
القرآن على سبعة أحرف)) (٤٩٩١) بيان عِدّة ألفاظ لهذا الحديث.
قوله: ((فاقرءَ)) بصيغة الأمر للاثنَينِ.
قوله: ((أكبرُ عِلْمي)) هذا الشكُّ من شُعْبة، وقد أخرجه أبو عُبيد(١) عن حَجّاج بن محمَّد
عن شُعْبة قال: أكبر عِلْمي أنّ سمعتُه وحدَّثني عنه مسعود، فذكره.
قوله: ((فإنَّ مَن كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم» في رواية المُستَمْلي: «فأُهلِکوا» بضمٌ
أوَّله، وعند ابن حِبّان (٧٤٧) والحاكم (٢٢٣/٢ -٢٢٤) من طريق زِرّ بن حُبَيش عن ابن
مسعود في هذه القصَّة: ((فإنَّما أهلَكَ مَن كان قبلكم الاختلافُ))، وقد تقدَّم القول في معنى
الاختلاف في حديث جُندُبِ الذي قبله.
وفي رواية زِرّ المذكورة من الفائدة: أنَّ السُّورة التي اختَلَفَ فيها أُبيّ وابن مسعود كانت
من آل حمّ، وفي ((المبهَمات)) للخطيب(٢): أنَّها الأحقاف، ووَقَعَ عند عبد الله بن أحمد في
زيادات «المسنَد)) (٨٣٢) في هذا الحديث أنَّ اختلافهم كان في عَدَدها هل هي خمس وثلاثونَ
آيَةً، أو ستّ وثلاثونَ، الحدیث.
وفي هذا الحديث والذي قبله: الحضُّ على الجماعة والأُلفة، والتَّحذير/ من الفُرْقة
١٠٣/٩
والاختلاف، والنَّهي عن المِراء في القرآن بغير حَقّ، ومن شَرّ ذلك أن تَظهَر دلالةُ الآية على
(١) في ((فضائل القرآن)) ص ٣٥١.
(٢) ((الأسماء المبهمة)) ص٢٠٣.

٢٠٣
باب ٣٧ / ح ٥٠٦٢
كتاب فضائل القرآن
<
شيء يخالف الرَّأي، فيُتُوَسَّل بالنَّظَرِ وتدقيقه إلى تأويلها وحَلِها على ذلك الرَّأي ويقع اللَّجاج
في ذلك والمناضلة علیه.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب فضائل القرآن من الأحاديث المرفوعة على تسعة وتسعينَ حديثاً،
المعلَّق منها وما التَحَقَ به من المتابَعات تسعةَ عشرَ حديثاً والباقي موصولة، المكَرَّر منها فيه
وفيما مَضَى ثلاثة وسبعونَ حديثاً والباقي خالص، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث
أنس فيمَن جَمَعَ القرآن، وحديث قَتَادة بن النُّعمان في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾
وحديث أبي سعيد في ذلك، وحديثه أيضاً: ((أيُعجَزُ أحدُكم أن يقرأ ثُلُث القرآن؟)) وحديث
عائشة في قراءة المعوِّذات عند النَّوم، وحديث ابن عبّاس في قراءته المفصَّل، وحديثه: (لم
يَتْرُكُ إلّا ما بين الدَّقْتَينِ))، وحديث أبي هريرة: ((لا حَسَدَ إلّا في اثنتَينٍ))، وحديث عثمان: ((إنَّ
خيركم مَن تَعلَّمَ القرآن))، وحديث أنس: ((كانت قراءته مَدّا))، وحديث عبد الله بن مسعود:
(«أنَّه سمعَ رجلاً يقرأ آية)».
وفيه من الآثار عن الصَّحابة فمَن بعدهم ستة آثار، والله أعلم.

٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري

٢٠٥
كتاب النكاح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب النكاح
١٠٣/٩
قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم - كتاب النِّكاح)) كذا للنَّسَفيِّ، وعند رُوَاة (١) الفِرَبْريّ
تأخير البسملة.
والنِّكاح في اللُّغة: الضَّمُّ والتَّداخُل، وقيل: إنَّ مَن قال: إنَّه الضَّمُّ، تجوَّزَ، وقال الفَرّاء:
النُّكْحُ، بضمٌّ ثمَّ سكون: اسم الفَرْج، ويجوز كسر أوَّله، وكَثُرَ استعمالُه في الوَطْء، وسُمِّي
به العَقْد لكَونِه سببَه، قال أبو القاسم الزَّجّاجيّ: هو حقيقة فيهما، وقال الفارسيّ: إذا قالوا:
نَكَحَ فلانةَ أو بنتَ فلان، فالمراد العَقْد، وإذا قالوا: نَكَحَ زوجتَه فالمراد الوَطْء. وقال
آخرونَ: أصله لُزوم شيء لشيءٍ مُستعلِياً عليه، ويكون في المحسوسات وفي المعاني، قالوا:
نَكَحَ المطرُ الأرضَ، ونَكَحَ النُّعاسُ عينَه، ونَكَحتُ القمحَ في الأرض: إذا حَرَثْتُها ويَذَرتُه
فيها، ونگحَت الحصاةُ أخفافَ الإبل.
وفي الشَّرْع: حقيقةٌ في العَقْد مَجاز في الوَطْء على الصَّحيح، والحُجّة في ذلك گثْرة ◌ُروده
في الكتاب والسُّنّة للعَقدِ حتَّى قيل: إنَّه لم يَرِدْ في القرآن إلّا للعَقدِ، ولا يَرِدُ مِثلُ قوله:
﴿حَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لأنَّ شرط الوَطْء في التَّحليل إنَّما ثَبَتَ بالسُّنّة، وإلّا
فالعَقْد لا بدَّ منه، لأنَّ قوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ﴾ معناه: حتَّى تَتزوَّج، أي: يعقد عليها، ومفهومه
أنَّ ذلك كافٍ بمُجرَّدِهِ، لكن بيَّنت السُّنّةُ أن لا عِبرةَ بمفهومِ الغاية، بل لا بدَّ بعد العَقْد من
ذَوْق العُسَيلة، كما أنَّه لا بدَّ بعد ذلك من التطليق ثمَّ العِدّة. نعم، أفاد أبو الحسین بن فارس
أنَّ النِّكاح لم يَرِدْ في القرآن إلّا للتَّزويج، إلّا في قوله تعالى: ﴿وَثَلُواْ الْيَنَ حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] فإنَّ المراد به الحُلُم، والله أعلم.
(١) في (س): وعن رواية، وهو خطأ.

٢٠٦
باب ١ / ح ٥٠٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
وفي وجه للشّافعيّة - كقولِ الحنفيَّة - إنَّه حقيقة في الوَطء مَجَاز في العَقْد، وقيل: مَقُولٌ
بالاشتراكِ على كلٍّ منهما، وبه جَزَمَ الزَّجَاجِيّ، وهذا الذي يَتَرَجَّح في نظري، وإن كان أکثر
ما يُستَعمل في العَقْد، ورجّحَ بعضهم الأوَّل بأنَّ أسماء الجِماعِ كلّها کِنایات لاستقباح ذِكْره،
فَيَبعُد أن يستعيرَ مَن لا يَقصِد فُحْشاً اسم ما يَستَفظِعه لمَا لا يَستَفْظِعِه، فدَلَّ على أنَّه في
الأصل للعَقدِ، وهذا يَتَوقَّف على تسليم المدَّعي أنَها كلَّها كِنايات. وقد جَمَعَ أسماءَ النِّكاح
ابنُ القَطّاع فزادَت على الألف.
١- باب التّرغيب في النكاح
١٠٤/٩
لقولِه تعالى: ﴿فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
٥٠٦٣- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، أخبرنا مُميدُ بنُ أبي مُحميدٍ
الطَّوِيلُ، أَنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكِ ﴾ يقول: جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزواجِ النبيِّ وَ لاَيَسْأَلونَ
عن عِبَادِةِ النبيِّ وَّةِ، فلمَّا أُخْبِوا كأنَّهِم تَقالُوها، فقالوا: وأينَ نحنُ منَ النبيِّنَّهِ، قد غَفَرَ اللهُ
له ما تقدَّم من ذَنْبِه وما تَأخَّرَ، قال أحدُهم: فَأَنَا أُصَلّى اللَّيلَ أبداً، وقال آخَرُ: أنا أصومُ الدَّهْرَ
ولا أُفْطِرُ، وقال آخَرُ: أنا أعتَزِلُ النِّساءَ فلا أتزَوَّجُ أبداً، فجاء إليهم رسولُ الله ◌ِوَالِفقال: ((أَنتُمُ
الَّذِينَ قلتُم كذا وكذا، أما والله إنّ لَأخشاكُم لله وأتقاكُم له، لكنّي أصومُ وأُفْطِرُ، وَأُصَلّي
وأرقُّدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُتََّي فليس مِنِّي)).
قوله: ((باب التَّرغيب في النِّكاح، لقولِه تعالى: ﴿فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾)) زاد
الأَصِيليّ وأبو الوقت: ((الآيةَ))، ووجه الاستدلال: أنَّها صيغة أمرِ تقتضى الطَّلبَ، وأقلُّ دَرَجاته
النَّدْبِ فَثَبَتَ التَّرغيب.
وقال القُرطُبيّ: لا دلالةَ فيه، لأنَّ الآية سِيقَت لبيان ما يجوز الجمعُ بينه من أعداد
النِّساء. ويحتمل أن يكون البخاريّ انتَزَعَ ذلك من الأمر بنكاح الطيِّب معَ وُرود النَّهي
عن تَركِ الطيِّب ونِسْبة فاعله إلى الاعتداء في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ
لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾ [المائدة: ٨٧].

٢٠٧
باب ١ / ح ٥٠٦٣
كتاب النكاح
وقد اختُلِفَ في النِّكاح، فقال الشافعيَّة: ليس عبادةً، ولهذا لو نَذَرَه لم يَنعَقِد، وقال
الحنفيَّة: هو عبادة. والتَّحقيق: أنَّ الصُّورة التي يُستَحَبّ فيها النكاح - كما سيأتي بيانه -
تَسْتَلِزِم أن يكون حينئذٍ عبادة، فمَن نَفَى نَظَرَ إليه في حَدّ ذاته، ومَن أثبَتَ نَظَرَ إلى الصّورة
المخصوصة.
ثمَّ ذکر المصنّف في الباب حدیثینِ:
الأول: حديث أنس، وهو من المتَّفَق عليه، لكن من طريقَينٍ إلى أنس.
قوله: ((جاء ثلاثة رَهْط)) كذا في رواية حُميدٍ، وفي رواية ثابت عند مسلم (١٤٠١): ((أنَّ
نَفَراً من أصحاب النبيّ ◌َّ) ولا مُنافاةَ بينهما، فالرَّهْط من ثلاثة إلى عشرة، والنَّفَر من
ثلاثة إلى تسعة، وكلَّ منهما اسمُ جمع لا واحد له من لفظه.
ووَقَعَ في مُرسَل سعيد بن المسيّب عند عبد الرَّزّاق (١٠٣٧٤ و١٠٣٧٥) أنَّ الثلاثة
المذكورِينَ هم عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عَمْرو بن العاص وعثمان بن مَظْعُون، وعند
ابن مَرْدويه من طريق الحسن العُرَني: كان عليٌّ في أُناس مَمَّن أرادوا أن يُرِّموا الشَّهَوات
فنزلت الآية في المائدة، ووَقَعَ في ((أسباب الواحديّ)) بغير إسناد: أنَّ رسول الله ◌َّهَ ذَكَّر
الناسَ وخَوَّفَهم، فاجتَمَعَ عشرةٌ من الصَّحابة - وهم: أبو بكر وعمر وعليّ وابن مسعود
وأبو ذَرِّ وسالم مولى أبي حُذَيفة والمقداد وسَلْمان وعبد الله بن عَمْرو/ بن العاص ومَعقِل بن ١٠٥/٩
مُقَرِّن - في بيت عثمان بن مَظعُون، فاتَّفَقوا على أن يصوموا النَّهار ويقوموا اللَّيل، ولا
يناموا على الفُرُش، ولا يأكلوا اللَّحم، ولا يَقْرَبوا النِّساء، ويَجُبّوا مَذاكِيرَهم؛ فإن كان هذا
محفوظاً احتَمَلَ أن يكون الرَّهطُ الثلاثة هم الذينَ باشَرُوا السُّؤال فُسِبَ ذلك إليهم
بخُصوصِهم تارةً ونُسِبَ تارةً للجميع لاشتراكهم في طلبه، ويُؤيِّد أنَّهم كانوا أكثرَ من ثلاثة
في الجملة ما روى مسلم (٧٤٦) من طريق سعد بن هشام: أنَّه قَدِمَ المدينةَ، فأراد أن يبيع
عَقَارَه فيجعله في سبيل الله، ويجاهد الرُّوم حتَّى يموت، فلَقِيَ ناساً بالمدينة فنَهَوْه عن ذلك،
وأخبروه أنَّ رَهطاً ستّة أرادوا ذلك في حياة رسول الله بَّ فِنَهَاهم، فلمَّا حَدَّثُوه ذلك

٢٠٨
باب ١ / ح ٥٠٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
راجَعَ امرأته وكان قد طَلَّقَها؛ يعني بسبب ذلك، لكن في عَدِّ عبد الله بن عَمْرو معهم نظرٌ،
لأنَّ عثمان بن مَظْعُون ماتَ قبل أن يُهاجِر عبد الله فيما أحسبُ.
قوله: ((يَسْألونَ عن عِبادة النبيّ ◌َّ) في رواية مسلم (١٤٠١): عن عمله(١) في السِّرّ.
قوله: ((كأنَّهم تَقالُّوها)) بتشديد اللّام المضمومة، أي: استَقَلّها، وأصل تَقالُّوها:
تَقالَلُوها، أي: رأى كلٌّ منهم أنَّها قليلة.
قوله: ((فقالوا: وأينَ نحنُ من النبيّ وَِّ، قد غَفَرَ اللهُ له)) في رواية الحَمُِّيِّ والكُشْمِيهنيّ:
((قد غُفِرَ له)) بضمٌّ أوَّله، والمعنى: أنَّ مَن لم يعلم بحصولِ ذلك له، يحتاجُ إلى المبالَغة في
العبادة عسى أن يَحَصُل، بخِلَاف مَن حَصَلَ له، لكن قد بيَّن النبيُّ ◌َ ﴿ أنَّ ذلك ليس بلازِمِ،
فأشارَ إلى هذا بأنَّه أشدُّهم خَشْيَةً وذلك بالنّسبة لمقام العُبودِيَّة في جانب الرُّبوبيَّة، وأشارَ في
حديث عائشة والمغيرة - كما تقدَّم في صلاة اللَّيل (١١٣٠) - إلى معنى آخر بقولِه: ((أَفَلا
أكون عبداً شَكُوراً».
قوله: ((فقال أحدهم: فأنا أُصَلّى اللَّيلَ أبداً» هو قيدٌ للَّيْلِ لا لأُصَلِّي، وقوله: «فلا أتَزَوَّج
أبداً)) أكَّدَ المصلِّي ومُعتَزِلُ النِّساء بالتَّأبيدِ ولم يؤكِّد الصّائم، لأنَّه لا بدَّ له من فِطْرِ اللَّيالي
وكذا أيام العيد، ووَقَعَ في رواية مسلم (١٤٠١): فقال بعضهم: لا أتزَوَّج النِّساء، وقال
بعضهم: لا آكُلِ اللَّحم، وقال بعضهم: لا أنامُ على الفِراش، وظاهره ممَّا يؤكِّد زيادة عَدَد
القائلينَ، لأنَّ تركَ أكل اللَّحم أخصُّ من مُداوَمة الصيام، واستغراق اللَّيل بالصلاة أخصُّ
من تركِ النَّوم على الفِراش، ويُمكِن التَّوفيق بضُروبٍ من التّجُّز.
:
قوله: ((فجاء إليهم رسولُ اللهَ وَل﴿ فقال: أنتم الذينَ قلتُم)) في رواية مسلم (١٤٠١):
فبَلَغَ ذلك النبيَّ نَّ فَحَمِدَ الله وأثنَى عليه وقال: ((ما بالُ أقوام قالوا كذا؟)) ويُجمَع
بأنَّه مَنَعَ من ذلك عُموماً جَهراً معَ عَدَم تعيينهم وخصوصاً فيما بينه وبينهم، رِفقاً بهم
وستراً عليهم.
(١) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرف في (س) إلى: علقمة.

٢٠٩
باب ١ / ح ٥٠٦٣
كتاب النكاح
قوله: (أما والله)) بتخفيفِ الميم حرفُ تنبيهٍ بخِلَاف قوله في أوَّل الخبر: ((أمَّا أنا))(١) فإنَّهَا
بتشديد الميم للتَّقْسیمِ.
قوله: ((إنّي لَأخشاكم لله وأتقاكُم له)) فيه إشارة إلى رَدّ ما بَنَوْا عليه أمرَهم من أنَّ المغفور
له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخِلَاف غيره، فأعلمَهم أنَّه معَ كَونه غيرَ مبالغٍ(٢) في
التَّشديد في العبادة أخشَى لله وأتقَى من الذينَ يُشَدِّدونَ، وإنَّما كان كذلك، لأَنَّ المشدِّد لا
يأمَنُ من الملَل بخِلَاف المقتَصِد فأَنَّه أمكَنُ لاستمراره، وخير العَمَل ما داوَمَ عليه صاحبه،
وقد أرشَدَ إلى ذلك في قوله في الحديث الآخر: ((المنبَتُّ لا أرضاً قَطَعَ ولا ظَهراً أبقَى))(٣)،
وسيأتي مزيدٌ لذلك في كتاب الرِّقاق (٦٤٦١) إن شاءَ الله تعالى، وتقدَّم في كتاب العلم
(٦٨) شيء منه.
قوله: ((لكنّ)) استدراكٌ من شيء محذوف دَلَّ عليه السِّياق، أي: أنا وأنتم بالنِّسبة إلى
العُبودِيَّة سواءٌ، لكن أنا أعمل كذا.
قوله: ((فمَن رَغِبَ عن سُنَّتَي فليس مِنِّي)) المراد بالسُّنّة الطَّريقةُ لا التي تُقابل الفَرْض،
والرَّغبة عن الشّيء: الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: مَن تَرَكَ طريقتي وأخَذَ بطريقة
غيري فليس منِّي، ولَمَّحَ بذلك إلى طريق الرَّهْبانيَّ فإنَّهم الذينَ ابْتَدَعوا التَّشديد كما
وَصَفَهم الله تعالى، وقد عابهم بأنَّهم ما وَفَوْا بما التَزَموه، وطريقة النبيّ ◌ِّهِ الحَنيفيَّة السَّمْحة
فِيُقْطِرِ لَيَتَقَوَّى على الصوم، وينام ليَتَقَوَّى على القيام، ويتزوَّج لكسرِ الشَّهوة وإعفاف
النَّفْس وتكثير النَّسل.
(١) هذا في غير رواية أبي ذر الهروي، ففي حديث أنس عند غيره: قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلِّ الليلَ أبداً، وفي
روايته: قال أحدهم: فأنا أُصلِّ الليلَ أبداً.
(٢) في (أ) و(س): مع كونه يبالغ، والمثبت على الصواب من (ع).
(٣) أخرجه البزار (٧٤ - كشف الأستار)، والبيهقي في ((السنن)) ١٨/٣ من حديث محمد بن المنكدر عن جابر
مرفوعاً، والبيهقي أيضاً ١٩/٣ من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً، وإسناد كلٌّ منهما ضعيف، وأخرجه
الحسن المروزي في زياداته على ((زهد ابن المبارك)) (١١٧٨) عن محمد بن المنكدر عن النبي آل﴿ مرسلاً، ورجاله
ثقات.

٢١٠
باب ١ / ح ٥٠٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فليس منِّي)) إن كانت الرَّغبة بضربٍ/ من التَّویل، يُعذَرُ صاحبُه فیه، فمعنی
١٠٦/٩
((فليس منِّي)) أي: على طريقتي، ولا يَلزَم أن يَخْرُج عن الِلّة، وإن كان إعراضاً وتَنَطُّعاً
يُفضي إلى اعتقاد أرجَحيَّ عَمَله فمعنى ((فليس منِّي)): ليس على مِلَّتي، لأنَّ اعتقاد ذلك نوعٌ
من الكفر.
وفي الحديث دلالة على فَضْلِ النِّكاح والتَّرغيب فيه، وفيه تَتَبُّع أحوال الأكابر للتَّأسّي
بأفعالهم، وأنَّه إذا تَعذَّرَت مَعرِفتُه من الرِّجال جازَ استكشافُه من النِّساء، وأنَّ مَن عَزَمَ على
عَمَل بِّ واحتاجَ إلى إظهاره حيثُ يأمَن الرِّياءَ، لم يكن ذلك ممنوعاً.
وفيه تقديمُ الحمد والثّناء على الله عند إلقاء مسائل العلم وبيانِ الأحكام للمُكَلَّفينَ وإزالة
الشُّبهة عن المجتَهِدينَ، وأَنَّ المباحات قد تَنْقَلِب بالقَصْدِ إلى الكراهة أو الاستحباب.
وقال الطَّبَرُّ: فيه الردُّ على مَن مَنَعَ استعمال الحلال من الأطعمة والملابس وآثَرَ غليظَ
الثّيّاب وخَشِنَ المأكَل. قال عياض: هذا ممَّا اختَلَفَ فيه السَّلَف: فمنهم مَن نَحَا إلى ما قال
الطَّبَرِيُّ، ومنهم مَن عَكَسَ واحتجَّ بقولِه تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْفِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ﴾ [الأحقاف:
٢٠] قال: والحقّ أنَّ هذه الآية في الكفَّار، وقد أخَذَ النبيّ ◌َ بالأمرَينِ. قلت: لا يدلُّ ذلك
لأحدِ الفريقَينِ إن كان المراد المداومة على إحدَى الصِّفَتَينِ، والحقّ أنَّ مُلازَمة استعمال
الطيِّات تُفضي إلى الثََّقُّه والبَطَر، ولا يأمَن من الوقوع في الشُّبُهات، لأنَّ مَن اعتادَ ذلك قد
لا يَجِدُه أحياناً، فلا يستطيع الانتقالَ عنه فيقع في المحظور، كما أنَّ مَنْعَ تَناوُل ذلك أحياناً
يُفضي إلى التَّنطَّع المنهيِّ عنه، ويَرُدّ عليه صريح قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، كما أنَّ الأخذ بالتَّشديدِ في العبادة يُفضي
إلى الملَل القاطع لأصلِها، ومُلازَمَةَ الاقتصار على الفرائض مثلاً وترك التَّقَّل، يُفضي إلى
إيثار البَطَالة وعَدَم النَّشاط إلى العبادة، وخيرُ الأُمور الوَسَط، وفي قوله: ((إنّ لَأخشاكم لله))
معَ ما انضَمَّ إليه إشارةٌ إلى ذلك، وفيه أيضاً إشارة إلى أنَّ العلم بالله ومَعرِفة ما يجب من
حَقّه أعظَمُ قَدْراً من مُجرَّد العبادة البَدَنَّة، والله أعلم.

٢١١
باب ١ - ٢ / ح ٥٠٦٤ - ٥٠٦٥
كتاب النكاح
الحديث الثاني:
٥٠٦٤ - حدَّثنا عليٌّ سمعَ حسَّانَ بنَ إبراهيمَ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، عن الزُّهْرِيِّ، قال:
أخبرني عُرْوةُ، أَنَّه سألَ عائشةَ عن قولِه تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ فَنْكِحُواْ مَا طَابَ
لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَتُلَثَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّا
تَعُولُواْ﴾، قالت: يا ابنَ أُخْتي، اليَتِيمةُ تكونُ في حَجْرٍ وَلِيِّها فيَرغَبُ في مالها وجمالها يُرِيدُ أن
يَتزوَّجَها بأدْنَى من سُنّةِ صَدَاقِها، فنُهُوا أن يَنْكِحوهُنَّ إلّا أن يُقْسِطُوا لهنَّ فِيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ،
وأُمِروا بنِكاح مَن سِواهُنَّ منَ النِّساءِ.
قوله: ((حدَّثنا عليٌّ سمعَ حسَّانَ بن إبراهيم)) لم أرَ عليّاً هذا منسوباً في شيء من الرِّوايات،
ولا نَبََّ عليه أبو عليّ الغَسّانيّ ولا نَسَبَه أبو نُعَيم كعادتِه، لكن جَزَمَ الِزّيُّ تَبَعاً لأبي مسعود
بأنَّه عليّ بن المَدِينيّ، وكأنَّ الحامل على ذلك شُهْرةُ عليّ بن المَدِينيّ في شيوخ البخاريّ،
فإذا أَطلَقَ اسمَه كان الحَملُ عليه أَولى من غيره، وإلّا فقد روى عن حسَّان - مَمَّن يُسَمَّى
عليّاً - عليٌّ بن حُجْر، وهو من شيوخ البخاريّ أيضاً، وكان حسَّان المذكور قاضي کِرْمانَ،
ووثَّقه ابن مَعِين وغيره، ولكن له أفراد، قال ابن عَديّ: هو من أهل الصِّدق إلّا أنَّه رُبَّمَا
غَلِطَ.
قلت: ولم أرَ له في البخاريّ شيئاً انفَرَدَ به، وقد أدرَكَه بالسّنِّ إلّا أنَّه لم يَلقَه لأنَّه ماتَ
سنة ستّ ومئتَينٍ قبل أن يَرَحِل البخاريُّ، وقد تقدَّم شرحُ الحديث المذكور فيه مُستَوفَّى في
تفسير سورة النِّساء (٤٥٧٣ و ٤٥٧٤).
٢- باب قول النبيّ وَّة: ((من استطاع الباءةَ فليتزوّج
فإِنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحصَنُ لِلْفَرْجِ»
وهَلْ يَتزوَّجُ مَن لا أَرَبَّ له في النِّكاح؟
٥٠٦٥ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثْنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني إبراهيمُ عن عَلْقمةَ
قال: كنتُ معَ عبدِ الله فلَقِيَه عُثْمانُ بِمِنَّى فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، إنَّ لي إليكَ حاجةً، فخَلَيَا

٢١٢
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
فقال عُثْمَانُ: هل لكَ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ في أن نُزَوِّجَكَ بِكْراً تُذكِّرُكَ ما كنتَ تَعْهَدُ، فلمَّا رَأى
عبدُ الله أن ليس له حاجةٌ إلى هذا أشارَ إليَّ فقال: يا عَلْقمةُ، فانتَهَيتُ إليه وهو يقول: أُمَا لَئِن
قلتَ ذلك لقد قال لنا النبيُّ ◌َ له: ((يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ استطاعَ مِنكُمُ الباءةَ فَلْيَتَزوَّجْ، ومَن لم
يستطِعْ فعليه بالصومِ فإنَّه له وَجاءٌ)».
١٠٧/٩
قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: مَن استطاعَ الباءةَ فَلْيَزوَّج، فإِنَّه أَفَضّ للبَصَرِ وأحْصَن للفَرْجِ))
وَقَعَ في رواية السَّرَخْسِيّ: ((لأنَّه)) والأوَّل أَولِى، لأنَّه بَقيَّة لفظ الحديث، وإن كان تَصَرَّفَ
فيه فاختَصَرَ منه لفظ: ((مِنكُمْ)) وكأنَّه أشارَ إلى أنَّ الشِّفَاهِيّ لا يُخُصّ، وهو كذلك اتِّفاقاً،
وإِنَّمَ الِلَاف هل يَعُمّ نَصّاً أو استنباطاً؟ ثمَّ رأيتُه في الصيام أخرجه من وجه آخر عن الأعمش
(١٩٠٥) بلفظ: ((مَن استطاعَ الباءَ)) کما تَرجَمَ به لیس فیہ «مِنگُم)).
قوله: ((وهل يَتزوَّج مَن لا أَرَبَ له في النِّكاح؟» كأنَّه يشير إلى ما وَقَعَ بين ابن مسعود
وعثمان، فعَرَضَ عليه عثمانُ فأجابَه بالحديث، فاحتَمَلَ أن يكون لا أرَبَ فيه له فلم يوافقه،
واحتَمَلَ أن يكون وافَقَه وإن لم يُنقَل ذلك، ولعلَّه رَمَزَ إلى ما بَيَّن العلماءُ فيمَن لا يَتُوق إلى
النِّكاح: هل يُندَب إليه أو لا؟ وسأذكر ذلك بعدُ.
قوله: ((حدَّثني إبراهيم)) هو النَّخَعَيّ، وهذا الإسناد ممَّا ذُكِرَ أنَّه أصحُّ الأسانيد، وهي
ترجمة الأعمش عن إبراهيم النَّخَعيِّ عن عَلْقمة عن ابن مسعود، ولِلأعمَشِ في هذا
الحديث إسناد آخر ذكره المصنِّ في الباب الذي يليه بإسنادِه بعَينِه إلى الأعمَش (٥٠٦٦).
قوله: ((كنتُ معَ عبد الله)) يعني: ابنَ مسعود.
قوله: ((فَلَقِيَه عُثْمَانُ بمِنی)) كذا وَقَعَ في أكثر الرِّوايات، وفي رواية زيد بن أبي أُنيسة عن
الأعمَش عند ابن حِبّان (٤٠٢٦): ((بالمدينة)) وهي شاذَّة.
قوله: ((فقال: يا أبا عبد الرَّحمن)) هي كُنية ابن مسعود، وظنَّ ابنُ المنيِّر أنَّ المخاطَب
بذلك ابن عمر لأنَّها كُنْيته المشهورة، وأكَّدَ ذلك عنده أنَّه وَقَعَ في نُسخَته من ((شرحِ ابن
بَطّال)) عَقِبَ التَّرجمة: ((فيه ابن عمر، لَقِيَه عثمانُ بِمِنَّى)) وقَصَّ الحديث، فكَتَبَ ابنُ المنِّر في

٢١٣
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
كتاب النكاح
حاشيته: هذا يدلُّ على أنَّ ابن عمر شَدَّدَ على نفسه في زمن الشَّباب، لأنَّه كان في زمن عثمان
شابّاً؛ كذا قال، ولا مَدخَل لابنِ عمر في هذه القصَّة أصلاً، بل القصّة والحديث لابنِ
مسعود، معَ أنَّ دَعوَى أنَّ ابن عمر كان شابّاً إذ ذاكَ فيه نظرٌ لمَا سأُبيِّنُه قريباً، فإنَّه كان إذ
ذاكَ جاوَزَ الثلاثينَ.
قوله: ((فخَلَيَا)) كذا الأكثرِ، وفي رواية الأَصِيلِيّ: ((فخَلَوَا)) قال ابن التِّين: وهي
الصَّواب، لأنَّه واويٌّ، يعني من الخَلْوة، مِثل: دَعَوَا، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْقَلَتَ دَّعَوَا ◌َللَّهَ﴾
[الأعراف: ١٨٩]. انتهى، ووَقَعَ في رواية جَرِير عن الأعمَش عند مسلم (١٤٠٠ /٢): إذا لَقِيَه
عثمان فقال: هَلُمَّ يا أبا عبد الرَّحمنِ، فاستَخْلاه.
قوله: ((فقال عُثْمان: هل لك يا أبا عبد الرّحمن في أن نُزَوِّجَك بِكْراً تُذكِّرك ما كنتَ تَعْهَد»
لعلَّ عثمانَ رأى به قَشَفاً ورَثَاثَةَ هَيْئة، فحَمَلَ ذلك على فَقْدِهِ الَّوجة التي تُرَفِّهه، ووَقَعَ في
رواية أبي معاوية عند أحمد (٣٥٩٢) ومسلم (١/١٤٠٠): ولعلَّها أن تُذكِّرك ما مَضَى من
زمانك، وفي رواية جَرِير عن الأعمَش عند مسلم (٢/١٤٠٠): لعلّك يَرجِع إليك من
نفسِك ما كنت تَعهَد، وفي رواية زيد بن أبي أُنيسة عند ابن حِبّان (٤٠٢٦): لعلَّها أن
تُذكِّرك ما فاتَك؛ ويُؤخَذ منه أنَّ مُعاشرة الزَّوجة الشّابّة تزيد في القوّة والنَّشاط، بخِلَاف
عكسها فبالعكس.
قوله: ((فلمَّا رَأى عبدُ الله أن ليس له حاجةٌ إلى هذا أشارَ إليَّ فقال: يا عَلْقَمة، فانتَهَيتُ إليه
وهو يقول: أما لَئِن قلتَ ذلك لقد)) هكذا عند الأكثر: أنَّ مُراجَعة عثمان لابنٍ مسعود في أمر
التَّزويج كانت قبل استدعائه لعَلْقمةَ، ووَقَعَ في رواية جَرِير عند مسلم: (٢/١٤٠٠) وزيد
ابن أبي أُنيسة عند ابن حِبّان (٤٠٢٦) بالعكس، ولفظ جَرِير بعد قوله: ((فاستَخْلاه)»: فلمَّا
رأى عبدُ الله أن ليس له حاجة قال لي: تَعالَ يا عَلْقمة، قال: فجِئتُ، فقال له عثمان: ألا
نُزَوِّجُك، وفي رواية زيد: فَلَقَيَ عثمانَ، فأخَذَ بَيَدِه فقاما، وتَنَخَّيت عنهما، فلمَّا رأى عبد الله
أن ليست له حاجة يُسِرّها قال: ادنُ يا عَلْقمة، فانتَهَيتُ إليه وهو يقول: ألا نُزَوِّجك،

٢١٤
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
ويحتمل في الجمع بين الرِّوايتَينِ أن يكون عثمان أعادَ على ابن مسعود ما كان قال له بعد أن
استَدعَى عَلْقمة، لگَونِهِ فَهِمَ عنه إرادة إعلام عَلْقمة بما كانا فيه.
قوله: ((لقد قال لنا النبيّ وَّ: يا مَعْشَرَ الشَّباب)) في رواية زيد: لقد كنَّا معَ رسول الله وَلّ
١٠٨/٩ شباباً فقال لَنا، وفي رواية / عبد الرَّحمن بن يزيد في الباب الذي يليه (٥٠٦٦): دَخَلتُ معَ
عَلْقمة والأسوَد على عبد الله، فقال عبد الله: كنَّا معَ النبيّ ◌َ لَّ شَباباً لا نَجِدُ شيئاً، فقال لَنا:
((يا مَعشَر الشَّباب))، وفي رواية جَرِير عن الأعمَش عند مسلم (١٤٠٠ / ٤) في هذه الطَّريق:
قال عبد الرّحمن: وأنا يومئذٍ شابٌ، فحدَّث بحديثٍ رأيت أنَّه حدَّث به من أجلي، وفي
رواية وكيع عن الأعمَش (١٤٠٠ /٤): وأنا أحْدَثُ القوم.
قوله: ((يا مَعْشَرَ الشَّباب)» المَعشَر: جماعة يَشمَلُهم وصفٌ ما، والشَّباب: جمعُ شابٍّ،
ويُجمَع أيضاً على شَبَبَةٍ وشُبّان بضمِّ أوَّله والتَّثقيل، وذكر الأزهَريّ أنَّه لم يُجمَع فاعلٌ على
فُعّال غيره، وأصله: الحركة والنَّشاط، وهو اسم لمن بَلَغَ إلى أن يُكمِل ثلاثينَ، هكذا أطلقَ
الشافعيَّة، وقال القُرطُبيّ في ((المفهم): يقال له: حَدَثٌ إلى ستّ عشرة سنة، ثمَّ شابّ إلى
اثنتَيْنِ وثلاثينَ، ثمَّ كَهْل، وكذا ذكر الزَّتَشَريّ في الشَّباب: أنَّه من لَدُنِ البلوغ إلى اثنتَينِ
وثلاثينَ، وقال ابن شاس المالكيّ في ((الجواهر)): إلى أربعين.
وقال النَّوَويّ: الأصحّ المختار أنَّ الشّابَّ مَن بَلَغَ ولم يُجَاوِز الثلاثينَ، ثمَّ هو كَهلٌ إلى أن
يُجاوِز الأربعينَ، ثمَّ هو شيخ. وقال الرُّويَانيّ وطائفة: مَن جاوَزَ الثلاثينَ سُمّيَ شيخاً، زاد
ابن قُتَيبة: إلى أن يَبلُغ الخمسين، وقال أبو إسحاق الإسفرايينيّ عن الأصحاب: المرجع في
ذلك إلى اللُّغة، وأمَّا بياضُ الشَّعر فيختلف باختلاف الأمزِجة.
قوله: ((مَن استطاعَ منكم الباءةَ» خَصَّ الشَّبابَ بالخِطاب، لأنَّ الغالب وجودُ قوّة
الدَّاعي فيهم إلى النّكاح بخِلَاف الشُّيوخ، وإن كان المعنى مُعتبَرَاً إذا وُجِدَ السَّبَب في
الكُهول والشُّيوخ أيضاً.
قوله: ((الباءة)) بالهمز وتاء تأنيث ممدودٌّ، وفيها لغة أُخرى بغير همز ولا مَدّ، وقد يُهمَز

٢١٥
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
كتاب النكاح
ويُمَدّ بلا هاء، ويقال لها أيضاً: الباهة كالأوَّل لكن بهاءٍ بدلَ الهمزة، وقيل بالمدِّ: القُدْرة على
مُؤَن النِّكاح، وبالقصرِ: الوَطْء، قال الخطَّبيُّ: المراد بالباءة النِّكاح، وأصله: الموضع الذي
يَتَبَوّؤُه ويأوي إليه، وقال المازَرِيّ: اشتُقَّ العَقْد على المرأة من أصل الباءة، لأنَّ من شأن مَن
يَتَزوَّج المرأة أن يُوِّثَها مَنزِلاً.
وقال النَّوَويّ: اختَلَفَ العلماء في المراد بالباءة هنا على قولينِ يَرجِعان إلى معنى واحد:
أصحّهما: أنَّ المراد معناها اللَّغَويّ: وهو الجِماع، فتقديره: مَن استطاعَ منكم الجِماعَ لقُدرَتِه
على مُؤَنه - وهي مُؤَن النُّكاح - فليَتزوَّجِ، ومَن لم يستطع الجماعَ لعَجزِه عن مُؤَنه فعليه
بالصومِ ليَدِفَعَ شَهْوتَه ويَقطَعِ شَرّ مَنّه كما يَقطَعه الوِجاء، وعلى هذا القول وَقَعَ الخطاب
معَ الشَّباب الذينَ هم مَظِنّة شَهْوة النِّساء ولا يَنفَكّونَ عنها غالباً.
والقول الثّاني: أنَّ المراد هنا بالباءة مُؤَنُ النِّكاح، سُمّيَت باسم ما يُلازِمها، وتقديره:
مَن استطاعَ منكم مُؤَن النِّكاح فليَتَزوَّج، ومَن لم يستطع فليَصُمْ لدفع شهوته. والذي حَمَلَ
القائلينَ بهذا على ما قالوه قوله: ((ومَن لم يستطع فعليه بالصومِ))، قالوا: والعاجِزُ عن الجماع
لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشَّهوة، فوَجَبَ تأويلُ الباءة على المؤَن، وانفَصَلَ القائلونَ
بالأوَّل عن ذلك بالتَّقدير المذكور. انتهى، والتَّعليل المذكور للمازَريّ.
وأجابَ عنه عِيَاض بأنَّه لا يَبعد أن تختلف الاستطاعَتان، فيكون المراد بقوله: ((مَن استطاعَ
الباءة)) أي: بَلَغَ الجِمَاعَ وقَدَرَ عليه فليَتزوَّج، ويكون قوله: ((ومَن لم يستطع)) أي: مَن لم يَقدِر
على التّزويج.
قلت: وتَهيَّ له هذا لحذفِ المفعول في المنفيّ، فيحتمل أن يكون المراد: ومَن لم يستطع
الباءةَ أَو مَن لم يستطع التّزويج، وقد وَقَعَ كلٌّ منهما صريحاً، فعند التِّرمِذيّ (١٠٨١) في
رواية عبد الرَّحمن بن يزيد من طريق الثَّوريّ عن الأعمَش: ((ومَن لم يستطع منكم الباءة))،
وعند الإسماعيليّ من هذا الوجه من طريق أبي عَوَانة عن الأعمش: ((مَن استطاعَ منكم أن
يَتزوَّج فليَتزوَّج)»، ويُؤْيِّده ما وَقَعَ في روايةٍ للنَّسائيّ (٢٢٤٣ و٣٢٠٦) من طريق أبي مَعشَر

٢١٦
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
عن إبراهيم النَّخَعيِّ: ((مَن كان ذا طَوْلٍ فليَنكِح))، ومثله لابنِ ماجَه (١٨٤٦) من حديث
عائشة، ولِلبِزَّار (٦٦٥٣) من حديث أنس.
١٠٩/٩
وأمَّا تعليل المازَرِيّ فيُعكِّر عليه قولُه في الرِّواية الأُخرى التي في الباب الذي/ يليه
(٥٠٦٦) بلفظ: ((كنَّا معَ النبيّ وََّ شَباباً لا نَجِدُ شيئاً» فإنَّه يدلّ على أنَّ المراد بالباءة الجِماع،
ولا مانع من الحَمْل على المعنى الأعَمّ بأن يُراد بالباءة القُدرة على الوَطء ومُؤَن التَّزويج،
والجواب عَّا استَشكَلَه المازَرِيّ: أنَّه يجوز أن يُرشَد مَن لا يستطيع الجماعَ من الشَّباب لفَرْطِ
حياء أو عَدَم شَهْوة أو عُنّة مثلاً إلى ما يُهِّئ له استمرارَ تلك الحالة، لأنَّ الشَّباب مَظِنّة
ثَوَران الشَّهوة الدَّاعية إلى الجِماع، فلا يَلزَمُ من كسرها في حالة أن يَستَمِرْ كَسرُها، فلهذا
أرشَدَ إلى ما يَستَمِّرّ به الكسر المذكور، فيكون قد قَسَمَ الشَّباب إلى قِسمَينِ: قِسمٌ يَتُوقونَ
إليه ولهم اقتدار عليه، فنَدَبَهم إلى التَّزويج دفعاً للمحذور، بخِلَاف الآخرينَ، فَتَدَبَهم إلى
أمر تَستَمِّ به حالتُهم، لأنَّ ذلك أرفَقُ بهم للعِلّة التي ذُكِرَت في رواية عبد الرَّحمن بن
يزيد (١) وهي أنَّهم كانوا لا يَجِدونَ شيئاً، ويُستَفاد منه: أنَّ الذي لا يَجِدُ أُهْبة النِّكاح وهو
تائق إليه، يُندَب له التَّزويج دفعاً للمحذورِ.
قوله: ((فليَزوَّجْ)) زاد في كتاب الصيام (١٩٠٥) من طريق أبي حمزة عن الأعمَش هنا:
((فإنَّه أغَضُّ للبَصَرِ وأحصَن للفَرْجِ))، وكذا ثَبَتَت هذه الزّيادة عند جميع مَن أخرج الحديث
المذكور من طريق الأعمَش بهذا الإسناد، وكذا ثَبَتَ بإسنادِه الآخر في الباب الذي يليه،
ويَغْلِبُ على ظنّي أنَّ حذفَها من قِبَل حفص بن غياث شيخ شيخ البخاريّ، وإنَّما آثَرَ البخاريُّ
روايته على رواية غيره لوقوع التَّصريح فيها من الأعمَش بالتَّحديثِ، فاغتُفِرَ له اختصارُ
المتن لهذه المصلحة.
وقوله: ((أَفَضُّ)) أي: أشدّ غَضّاً ((وأحصَنُ)) أي: أشدّ إحصاناً له ومَنعاً من الوقوع في
الفاحشة. وما ألطَفَ ما وَقَعَ لمسلمِ حيثُ ذكر عَقِبَ حديث ابن مسعود هذا بیسیر حديث
(١) عند الترمذي (١٠٨١).

٢١٧
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
كتاب النكاح
جابر (١٠/١٤٠٣) رَفَعَه: ((إذا أحدُكم أعجَبَتَه المرأة فوَقَعَت في قلبه فليَعمِدْ إلى امرأته
فليُواقِعها، فإنَّ ذلك يَرُدّ ما في نفسه))، فإنَّ فيه إشارة إلى المراد من حديث الباب، وقال ابن
دقيق العيد: يحتمل أن تكون أفعَلُ على بابها، فإنَّ التَّقَوَى سبب لغَضِّ البَصَر وتحصين الفَرج،
وفي مُعارَضَتها الشَّهْوةُ الدَّاعية، وبعد حصول التّزويج يَضعُف هذا العارض فيكون أغَضَّ
وأحصَنَ ممّا لم يكن، لأنَّ وقوع الفعل معَ ضعف الدَّاعي أندَرُ من وقوعه مع وجود الدَّاعي.
ويحتمل أن يكون أفعَلُ فيه لغير المبالَغة بل إخبار عن الواقع فقط.
قوله: ((ومَن لم يَستطِعْ فعليه بالصومِ)) في رواية مُغِيرة عن إبراهيم عند الطبرانيّ (١٠٠٢٧):
((ومَن لم يَقدِرْ على ذلك فعليه بالصومِ)) قال المازَرِيّ: فيه إغراءٌ بالغائب، ومن أُصول النَّحويّينَ
أن لا يُغْرَى بالغائب، وقد جاء شاذاً قولُ بعضهم: عليه رجلاً لَيْسَني(١)، على جهة الإغراء.
وتَعقَّبَهَ عِيَاض بأنَّ هذا الكلام موجود لابنٍ قُتَيبة والزّجّاجيّ، ولكن فيه غلطٌّ من
أوجُهُ: أمَّا أوَّلاً: فمن التَّعبير بقولِه: لا إغراءَ بالغائب، والصَّواب فيه: إغراء الغائب، فأمَّا
الإغراء بالغائب فجائز، ونَصَّ سِيبويه أنَّه لا يجوز: دُونَه زيداً، ولا يجوز: عليه زيداً، عند
إرادة غير المخاطَب، وإنَّما جازَ للحاضرِ لما فيه من دلالة الحال، بخلاف الغائب فلا يجوز
العَدَمِ حضوره ومَعرِفَته بالحالة الدَّالَّة على المراد، وأمَّا ثانياً: فإنَّ المثال ما فيه حقيقةُ الإغراء
وإن كانت صورته، فلم يُرِد القائلُ تبليغ الغائب وإنَّما أراد الإخبار عن نفسه بأنَّه قليل
المبالاة بالغائب، ومثله قولهم: إليكَ عنِّي، أي: اجعل شُغلَك بنفسِك، ولم يُرِدْ أن يُغرِيَه به،
وإِنَّمَا مُراده: دَعْني وكُن كمَن شُغِلَ عنِّي، وأمَّا ثالثاً: فليس في الحديث إغراء الغائب، بل
الخِطاب للحاضرينَ الذينَ خاطَبَهم أوَّلاً بقولِه: ((مَن استطاعَ منكم)) فالهاء في قوله:
((فعليه)) ليست للغائب وإنَّما هي للحاضرِ المبهم، إذ لا يَصِحّ خطابُه بالكاف، ونظير هذا قوله:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَلْلَى﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]،
ومثلُه لو قلتَ لاثنَينِ: مَن قامَ منكما فله دِرْهم، فالهاء للمُبهَمِ من المخاطَبَينِ، لا لغائبٍ.
انتهى مُلخَّصاً.
(١) أي: لِيلزَمْ رجلاً غيري.

٢١٨
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقد استَحسَنَه القُرطُبيّ، وهو حسنٌ بالغ، وقد تَفَطَّنَ له الطِّييُّ فقال: قال أبو عُبيد:
١١٠/٩ قوله: ((فعليه/ بالصوم)) إغراءُ غائب، ولا تكاد العرب تُغرِي إلّا الشّاهدَ تقول: عليكَ
زيداً، ولا تقول: عليه زيداً، إلّا في هذا الحديث، قال: وجوابه: أنَّه لمَّا كان الضَّمير الغائب
راجِعاً إلى لفظة: ((مَن)) وهي عبارة عن المخاطَبِين في قوله: ((يا مَعشَرِ الشَّباب))، وبيانٌ
لقولِه: ((مِنكُمْ))، جازَ قوله: ((عليه))، لأنَّه بمَنزِلة الخِطاب.
وقد أجابَ بعضهم: بأنَّ إيراد هذا اللَّفظ في مِثال إغراء الغائب هو باعتبار اللَّفظ،
وجواب عِيَاض باعتبار المعنى، وأكثرُ كلام العرب اعتبار اللَّفظ. كذا قال، والحقّ مع
عِيَاض، فإنَّ الألفاظ تَوابعُ للمَعَاني، ولا معنى لاعتبار اللَّفظ مُجرَّداً هنا.
قوله: ((بالصوم)) عَدَلَ عن قوله: فعليه بالجوع وقِلّة ما يُثير الشَّهوة ويستدعي طُغيانَ
الماء من الطَّعام والشَّراب، إلى ذِكْر الصوم إذ ما جاء لتحصيلِ عبادةٍ هي برأسِها مطلوبة.
وفيه إشارة إلى أنَّ المطلوب من الصوم في الأصل كسرُ الشَّهوة.
قوله: ((فإنَّه)) أي: الصوم.
قوله: ((له وِجَاء)) بكسرِ الواو والمدّ، أصله الغَمْز، ومنه: وَجَأَه في عُنُقُه: إذا غَمَزَه دافعاً
له، ووَجَأَه بالسَّيفِ: إذا طَعَنَه به، ووَجَأ ◌ُنْشَيْه: غَمَزَهما حتَّى رَضَّهما.
ووَفَعَ في رواية ابن حِبّان (٤٠٢٦) المذكورة: ((فإنَّه له وِجاء، وهو الإخصاء)) وهي
زيادة مُدرَجة في الخبر، لم تقع إلّا في طريق زيد بن أبي أنيسة هذه، وتفسير الوجاء
بالإخصاءِ فيه نظرٌ، فإنَّ الوِجاء رَضُ الأُنثَينِ، والإخصاء سَلَّهما، وإطلاق الوِجاء على
الصيام من مجاز المشابهة، وقال أبو عُبيد: قال بعضهم: وَجَا بفتح الواو مقصور، والأوَّل
أكثرُ. وقال أبو زيد: لا يقال: وِجاء، إلّا فيما لم يَبرَأ وكان قريبَ العهد بذلك.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ مَن لم يستطع الجِماعَ فالمطلوب منه تَركُ التَّزويج، لأنَّه
أرشَدَه إلى ما يُنافيه ويُضعِف دَواعِيه، وأطلقَ بعضهم أنَّه يُكرَه في حَقّه. وقد قَسَّمَ العلماء
الرجل في التّزويج إلى أقسام: الأوَّل: التائق إليه القادر على مُؤَنه الخائف على نفسه، فهذا

٢١٩
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
كتاب النكاح
يُندَب له النُّكاح عند الجميع، وزاد الحنابلة في روايةٍ: أنَّه يجب، وبذلك قال أبو عَوَانة
الإسفَرايينيّ من الشافعيَّة، وصَرَّحَ به في «صحيحه))، ونَقَلَه المُصعَبيّ(١) في ((شرح مختصر
الجُوَينيّ)) وجهاً، وهو قول داود وأتباعه، ورَدَّ عليهم عِيَاض ومَن تَبِعَه بوجهَينِ:
أحدهما: أنَّ الآية التي احتجُّوا بها خَيَّرَت بين النِّكاح والتَّسَرّي - يعني قوله تعالى:
﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾ [النساء: ٣] - قالوا: والتَّسَرّي ليس واجباً اتِّفاقاً، فيكون
التَّزويج غيرَ واجب، إذ لا يقعُ التَّخيير بين واجب ومندوب، وهذا الردّ مُتَعقَّب، فإنَّ
الذينَ قالوا بوجوبه قَيَّدوه بما إذا لم يَندَفِعِ التَّوَقان بالتَّسَرّي، فإذا لم يَندَفِعِ تَعيَّنَ التَّزويجُ،
وقد صَرَّحَ بذلك ابن خَزْم فقال: وفَرْضُ على كلّ قادرٍ على الوَطْء إِن وَجَدَ ما يَتزوَّج به أو
يَتَسَرَّى أن يفعل أحدهما، فإن عَجَزَ عن ذلك فليُكثِر من الصوم، وهو قول جماعة من
السَّلَف.
الوجه الثاني: أنَّ الواجب عندهم العَقْد لا الوَطْء، والعَقد بمُجرَّدِه لا يَدِفَع مَشَقّة
التَّوَقان، قال: فما ذهبوا إليه لم يَتَناوَله الحديث، وما تَناوَلَه الحديثُ لم يذهبوا إليه. كذا قال،
وقد صَرَّحَ أكثر المخالفينَ بوجوب الوَطء فاندَفَعَ الإيراد.
وقال ابن بَطّال: احتجَّ مَن لم يُوجِبه بقولِه ◌ََِّ: ((ومَن لم يستطعْ فعليه بالصومِ)) قال:
فلمَّا كان الصوم الذي هو بَدَلُه ليس بواجبٍ فمُبدَله مِثلُه. وتُعقّبَ بأنَّ الأمر بالصوم
مُرتَّب على عَدَم الاستطاعة، ولا استحالةَ أن يقول القائل: أوجَبتُ عليك كذا، فإن لم
تَستَطِعِ فأندُبُك إلى كذا. والمشهور عن أحمد: أنَّه لا يجب للقادرِ التائق إلّا إذا خَشِيَ العَنَت،
وعلى هذه الرِّواية اقتَصَرَ ابن هُبَيرة، وقال المازَرِيّ: الذي نَطَقَ بهِ مذهب مالك أنَّه
مندوب، وقد يجبُ عندنا في حَقّ مَن لا يَنكَفّ عن الزِّنى إلّا به. وقال القُرطُبيّ: المستَطيع
الذي يخاف الضَّرَر على نفسه ودينه من العُزوبة بحيثُ لا يَرتَفِعُ عنه ذلك إلّا بالتَّزويجِ، لا
(١) تحرَّف في (س) إلى: المصيصي. والمصعبي: هو عثمان بن محمد بن أبي أحمد، شارح ((مختصر الجويني)) في
فروع الشافعية، من علماء القرن السادس الهجري، انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) لابن السبكي
٢٠٩/٧ -٢١٠.

٢٢٠
باب ٢ / ح ٥٠٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
يُخْتَلِف في وجوب التَّزويج عليه. ونَبَّهَ ابن الرِّفعة على صورةٍ يجب فيها، وهي ما إذا نَذَرَه
حيثُ كان مُستَحَبّاً.
١١١/٩ وقال ابن دقيق العيد: فَسَّمَ بعضُ الفقهاء النِّكاح إلى / الأحكام الخمسة، وجَعَلَ
الوجوب فيما إذا خافَ العَنَتَ وقَدَرَ على النِّكاح وتَعذَّرَ الشَّسَرّي، وكذا حكاه القُرطُبيّ عن
بعض عُلَمائهم وهو المازَرِيّ، قال: فالوجوب في حَقّ مَن لا يَنكَفُّ عن الزِّنى إلّا به كما
تقدَّمَ، قال: والتَّحريم في حَقّ مَن يُخِلّ بالَّوجة في الوَطْء والإنفاق معَ عَدَم قُدرَتِه عليه
وتَوَقانه إليه، والكراهة في حَقٌّ مِثلِ هذا حيثُ لا إضرارَ بالَّوجة، فإن انقَطَعَ بذلك عن
شيء من أفعال الطاعة من عبادة أو اشتغالٍ بالعلم اشتَدَّت الكراهة، وقيل: الكراهة فيما
إذا كان ذلك في حال العُزوبة أجْمَعَ منه في حال التَّزويج، والاستحباب فيما إذا حَصَّلَ به
معنَّى مقصوداً من كسرٍ شهوة، وإعفاف نفس، وتحصين فرج ونحو ذلك، والإباحة فيها
انْتَفَت الدَّواعي والموانع.
ومنهم مَن استَمرَّ بدَعوَى الاستحباب فيمَن هذه صِفَتُه للظَّواهرِ الواردة في التَّرغيب
فيه، قال عِيَاض: هو مندوبٌ في حَقّ كلّ مَن يُرجَى منه النَّسل ولو لم يكن له في الوَطْء
شهوةً، لقولِه وَّ: ((فإنّ مُكاثر بكم))، ولِظَواهر الحضّ على النِّكاح والأمر به، وكذا في حَقّ
مَن له رَغْبة في نوع من الاستمتاع بالنِّساءِ غيرِ الوَطْء، فأمَّا مَن لا يَنِسِلُ ولا أرَبَ له في
النِّساء ولا في الاستمتاع، فهذا مباح في حَقّه إذا عَلِمَت المرأة بذلك ورَضِيَت، وقد يقال:
إنَّه مندوب أيضاً لعُمومٍ قوله: ((لا رَهبانيَّة في الإسلام)».
وقال الغَزاليّ في ((الإحياء)): مَن اجتَمَعَتَ له فوائدُ النِّكاح، وانتَفَت عنه آفاتُه،
فالمستَحَبّ في حَقّه التَّزويج، ومَن لا فالثَّركُ له أفضل، ومَن تَعارَضَ الأمر في حَقّه
فلَيَجْتَهِدْ ويعمل بالرّاجحِ.
قلت: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأمَّا حديث: ((فإنّي مُكاثِرٌ بكم)) فصَحَّ من
حديث أنس بلفظ: ((تزوَّجوا الوَدُود الوَلُود، فإنّي مُكاثر بكم يوم القيامة)) أخرجه ابن