النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٢٩ / ح ٥٠٤٦ كتاب فضائل القرآن قوله في الرِّواية الثّانية: «حدَّثْنا عَمْرو بن عاصم)) وَقَعَ في بعض النَّسَخ: عمر(١) بن حفص، وهو غَلَطُ ظاهر. قوله: ((سُئلَ أنس)) ظَهَرَ من الرِّواية الأولى أنَّ قَتَادة الراوي هو السائل، وقوله في الرِّواية: ((كان يَمُدّ مَدّا)) بَيَّن في الرِّواية الثّانية المراد بقولِه: يَمُدّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ ... ﴾ إلى آخره، يَمُدّ اللّمَ التي قبل الهاء من الجَلالة، والميمَ التي قبل النُّون من الرَّحمن، والحاءَ من الرحيم. وقوله في الرواية الثّانية(٢): ((كانت مَدّا)) أي: كانت ذاتَ مَدّ، ووَقَعَ عند أبي نُعَيم من طريق أبي النُّعمان عن جَرِير بن حازم في هذه الرّواية: ((كان يَمُدّ صوته مَدّا)، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من ثلاثة طرق أُخرى عن جَرِير بن حازم، وكذا أخرجه ابن أبي داود من وجه آخر عن جَرِير، وفي رواية له: ((كان يَمُدّ قراءته)) وأفادَ أنَّه لم يَروِ هذا الحديث عن قَتَادة إلّا جَرِير بن حازم وهَّام بن يحيى. وقوله في الثّانية: ((يَمُّ ببسم الله)) كذا وَقَعَ بموحّدةٍ قبل الموحّدة التي في ((بسمِ الله))، كأنَّه حكى لفظ ((بسم الله)) كما حكى لفظ الرَّحمن في قوله: ((ويَمُدّ بالرَّحمنِ)»، أو جعله كالكلمة الواحدة عَلَماً لذلك. ووَقَعَ عند أبي نُعَيم من طريق الحسن الحُلْوانيّ عن عَمْرو بن عاصم شيخ البخاريّ فيه: ((يَمُدّ بسمِ اللهِ، ويَمُدّ الرَّحمن، ويَمُدّ الرحيم)) من غير موحّدة في الثلاثة، وأخرجه ابن أبي داود عن يعقوب بن إسحاق عن عَمْرو بن عاصم عن هنَّام وجَرِير جميعاً عن قَتَادة بلفظ: ((يَمُدّ بِسْمِ الله الرَّحمن الرحيم)) بإثبات الموحَّدة في أوَّله أيضاً، وزاد في الإسناد جَرِيراً معَ هَّام في رواية عَمْرو بن عاصم، وأخرج ابن أبي داود من طريق قُطْبة بن مالك: سمعتُ رسول الله وَّةٍ قرأَ في في الفجر ﴿قَ﴾ فمرَّ بهذا الحرف: ﴿لَمَا طَلْعُ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فمَدَّ (نَضِید))، وهو شاهد جيِّد لحديث أنس، وأصله عند مسلم (٤٥٧) والتِّرمِذيّ (٣٠٦)، والنَّسائيِّ (٩٥٠) من حديث قُطْبة نفسه. (١) في (س): عمرو. (٢) في الأصلين و(س): الأولى، وهو خطأ. ١٨٢ باب ٣٠ / ح ٥٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: استَدَلَّ بعضهم بهذا الحديث على أنَّ النبيَّ وَ له كان يقرأ: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم) في الصلاة، ورامَ بذلك مُعارضةَ حديث أنس أيضاً المخرَّج في ((صحيح مسلم)) (٣٩٩): أَنَّه ◌َ يَّ كان لا يقرؤُها في الصلاة، وفي الاستدلال لذلك بحديثِ الباب نظرٌ، وقد أوضَحتُه فيما كَتَبْتُهُ من النُّكَت على ((علوم الحديث)) لابنِ الصَّلاح، وحاصله: أنَّه لا يَلَزَمُ من وصفه بأنَّه كان إذا قرأ البسملةَ يَمُدُّ فيها، أن يكون قرأ البسملةَ في أوَّل الفاتحة في كلّ ركعة، ولأَنَّ إِنَّمَا وَرَدَ بصورة المثال فلا تَتَعيَّنُ البسملةُ، والعلمُ عند الله تعالى. ٣٠- باب التّرجیع ٩٢/٩ ٥٠٤٧ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا أبو إياسٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ مُغفَّلٍ، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َهِ يَقْرَأُ وهو على ناقَتِهِ - أو جملِهِ - وهي تَسِيرُ به، وهو يَقْرَأُ سورةَ الفَتْحِ - أو من سورةِ الفَتْحِ - قراءةٌ لَّةً، يَقْرَأُ وهو يُرَجِّعُ. قوله: ((باب التَّرجيع)) هو تَقارُبُ ضُروب الحَرَكات في القراءة، وأصله التَّرديد، وترجيع الصَّوت ترديده في الحَلْق، وقد فَشَّرَه كما سيأتي في حديث عبد الله بن مُغفَّل المذكور في هذا الباب في كتاب التَّوحيد (٧٥٤٠) بقولِه: ((أَاأ بهمزةٍ مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثمَّ همزة أُخرَى)) ثمَّ قالوا: يحتمل أمرَينِ: أحدهما: أنَّ ذلك حَدَثَ من هَزِّ الناقة، والآخر: أنَّه أشبَع المدَّ في موضعه فحَدَثَ ذلك، وهذا الثّاني أشبه بالسِّياق، فإنَّ في بعض طرقه: (لولا أن يَجْتَمِعَ الناسُ لَقرأتُ لكم بذلك اللَّحْن)) أي: النَّغَم(١). وقد ثَبَتَ التَّرجيع في غير هذا الموضع، فأخرج التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٣١١) والنَّسائيُّ (١٠١٣) وابن ماجَهْ (١٣٤٩) وابن أبي داود - واللَّفظ له - من حديث أمّ هانئ: كنت أسمَعُ صوتَ النبيّ وَّه وهو يقرأ وأنا نائمة على فِراشي يُرجِّع القرآن، والذي يظهر أنَّ في التَّرجيع قَدْراً زائداً على التَّرتيل، فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن عَلْقمة قال: بِتُّ معَ عبد الله بن مسعود في داره، فنامَ ثمَّ قامَ، فكان يقرأ قراءةَ الرجل في مسجد (١) انظر شرح الحديث السالف برقم (٤٢٨١). ١٨٣ باب ٣١ / ح ٥٠٤٨ كتاب فضائل القرآن حَيِّه لا يَرفَعُ صوته ويُسمِع مَن حولَه، ويُرتِّل ولا يُرجِّع، وقال الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة: معنى التَّرجيع: تحسينُ التِّلاوة لا ترجيع الغِناء، لأنَّ القراءة بترجيع الغِناء تُنافي الخشوعَ الذي هو مقصود التِّلاوة. قال: وفي الحديث مُلازَمتُه ◌َ ليهِ للعبادة، لأنَّه حالةَ رُكوبِه الناقةَ وهو يسير لم يَتْرُك العبادة بالتِّلاوة، وفي جَهْره بذلك إرشادٌ إلى أنَّ الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وهو عند التَّعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك. ٣١- باب حُسْن الصّوت بالقراءة للقرآن ٥٠٤٨ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ خَلَفٍ أبو بكرٍ، حدَّثنا أبو يحيى الحِمَانُّ، حذَّثني بُرَيدُ بنُ عبدِ الله ابنِ أبي بُرْدةَ، عن جَدِّه أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى ◌ُ، عن النبيِّ وَ﴾ قال له: ((يا أبا موسى، لقد أُوتِيتَ مِزْماراً من مَزامِيرِ آلِ داودَ». قوله: ((باب حُسْن الصَّوْت بالقراءةِ للقرآنِ» كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ قوله: ((للقرآنِ)) لغيره. وقد تقدَّم في ((باب مَن لم يَتَغنَّ بالقرآن)» نقلُ الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصَّوت الحسن. وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي مَشْجَعَة (١) قال: كان عمر يُقدِّم الشّابَّ الحسن الصَّوت لحُسنٍ صوته بين يَدَي القوم. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن خَلَف أبو بكر)» هو الحدَّاديّ بالمهمَلات وفتح أوَّله والتَّثقيل، بغداديّ مُقرِئ من صِغار شيوخ البخاريّ، وعاشَ بعد البخاريّ خمس سنين. وأبو يحيى الحِّانيّ، بكسرِ المهمَلة وتشديد الميم: اسمه عبد الحميد بن عبد الرّحمن الكوفيّ، وهو والد يحيى بن عبد الحميد الكوفيّ الحافظ صاحب ((المسنَد))، وليس لمحمَّدٍ بن خَلَف ولا لشيخِه أبي يحيى في البخاريّ إلّ هذا الموضع، وقد أدرَكَ البخاريُّ أبا يحيى بالسِّنِّ، لكنَّه لم يَلقَه. قوله: ((حدَّثْنِي بُرَيد)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: / سمعتُ بُرَيد بن عبد الله. ٩٣/٩ (١) في (س): ابن أبي مسجعة، وهو خطأ وتصحيف. وأبو مشجعة: هو ابن رِبْعي الجهني، من كبار التابعين، روی له ابن ماجه. ١٨٤ باب ٣١ / ح ٥٠٤٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((يا أبا موسى، لقد أُوتِيتُ مِزْماراً من مزاميرِ آل داودَ» كذا وَقَعَ عنده مختصراً من طريق بُرَيد، وأخرجه مسلم (٢٣٦/٧٩٣) من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بُرْدة بلفظ: ((لو رأيتَني وأنا أستَمِعُ قراءتَك البارحةَ)) الحديث، وأخرجه أبو يَعْلى (٧٢٧٩) من طريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه بزيادةٍ فيه: أنَّ النبيّ ◌َّهِ وعائشة مَرَّا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته، فقاما يَستَمِعان لقراءتِه، ثمَّ إنَّمَا مَضَيَا، فلمَّا أصبَحَ لَقِيَ أبو موسى رسولَ الله وَل فقال: ((يا أبا موسى، مَرَرتُ بك) فذكر الحديث، فقال: أمَا إنّي لو علمتُ بمكانك لَحَبَّرُه لك تحبيراً، ولابنٍ سعد (٣٤٤/٢ -٣٤٥) من حديث أنس بإسنادٍ على شرط مسلم: أنَّ أبا موسى قامَ ليلةً يُصَلّي، فسمعَ أزواجُ النبيّ وَّهِ صوته - وكان حُلْوَ الصَّوت - فقُمنَ يَستَمِعنَ، فلمَّا أصبَحَ قيل له، فقال: لو علمتُ لَحَبَّتُه لهنَّ تحبيراً، ولِلرِّويَانيّ من طريق مالك بن مِغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه نحو سیاق سعید بن أبي بُرْدة وقال فيه: لو علمتُ أنَّ رسول الله وَّهِ يَستَمِع قراءَتِي لَحَبَّرتُها تحبيراً، وأصله عند أحمد (٢٢٩٥٢). وعند الدَّارِميِّ (٣٤٩٢) من طريق الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن: أنَّ رسول الله وَل﴿ كان يقول لأبي موسى - وكان حسنَ الصَّوت بالقرآن -: ((لقد أُوتيَ هذا من مَزاميرٍ آل داود)»، فكأنَّ المصنّف أشارَ إلى هذه الطَّريق في التَّرجمة، وأصلُ هذا الحديث عند النَّسائيِّ (١٠١٩) من طريق عَمْرو بن الحارث عن الزُّهْريِّ موصولاً بذِكْر أبي هريرة فيه ولفظه: أنَّ النبيََّ﴿ سمعَ قراءةَ أبي موسى فقال: ((لقد أُوتيَ مِن مَزاميرٍ آل داود)). وقد اختُلِفَ فيه على الزُّهْريِّ، فقال مَعمَر وسفيان: عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة، أخرجه النَّسائيُّ (١٠٢٠ و١٠٢١)، وقال اللَّيث: عن الزّهْريِّ عن عبد الرّحمن بن كعب، مُرسَلاً(١)، ولأبي يَعْلى (١٦٧٠ و١٧٣٣) من طريق عبد الرّحمن بن عَوسَجة عن البراء: سمعَ النبيُّ وََّ صوتَ أبي موسى فقال: ((كأنَّ صوتَ هذا من مَزاميرٍ آل داود)»، وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي عثمان النَّهْديّ قال: دَخَلتُ دار أبي موسى الأشعريّ فما سمعتُ (١) أخرجه من هذا الطريق ابن سعد في ((الطبقات)) ١٠٧/٤-١٠٨، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٦٣/١٠. ١٨٥ باب ٣٢ / ح ٥٠٤٩ كتاب فضائل القرآن صوتَ صَنْجِ ولا بَرْبَطٍ ولا نائٍ أحسنَ من صوته، سنده صحيح، وهو في ((الحِلیة)) لأبي نُعَيم (١/ ٢٥٨)، والصَّنْج بفتح المهمَلة وسكون النُّون بعدها جيم: هو آلة تُنَّخَذ من نُحاسٍ كالطَّبَقَينِ يُضرَب أحدُهما بالآخر، والبَرْبَط بالموخَّدتَينِ بينهما راء ساكنة ثمَّ طاء مُهمَلة بوَزنٍ جَعفَر: هو آلة تُشبِهِ العُودَ، فارسيّ مُعرَّب، والنايُ بنونٍ بغير همٍ: هو المِزْمار. قال الخطَّبيُّ: قوله: ((آل داود)) يريد داودَ نفسَه، لأنَّه لم يُنقَل أنَّ أحداً من أولاد داود ولا من أقاربه كان أُعطيَ من حُسْن الصَّوت ما أُعطيَ. قلت: ويُؤْيِّده ما أوردتُه من الطُّرق الأُخرَى، وقد تقدَّم في «باب مَن لم يَتَغنَّ بالقرآن)» (٥٠٢٣) ما نُقِلَ عن السَّلَف في صِفَة صوت داودَ، والمراد بالِزمار: الصَّوت الحسن، وأصله الآلة، أُطلِقَ اسمه على الصَّوت للمُشابهة. وفي الحديث دلالة بَيِّنة على أنَّ القراءةَ غيرُ المقروء، وسيأتي مزيدُ بحث في ذلك في كتاب التَّوحيد(١) إن شاء الله تعالى. ٣٢ - باب من أحبَّ أن يسمع القرآن من غيره ٥٠٤٩- حدّثنا عمرُ بنُ حفصٍ بنِ غِیاثٍ، حدَّثنا أَبي، عن الأعمَشِ، قال: حدَّثني إبراهيمُ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله ◌ُ، قال: قال لي النبيُّ ◌َِّ: ((اقرَأْ عليَّ القرآنَ)) قلتُ: أَقْرَأُ عليكَ وعليكَ أُنزِلَ؟! قال: «إِّي أُحِبُّ أن أسمعه من غيري)). قوله: ((باب مَن أحَبّ أن يسمع القرآن من غيره)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: القراءة. ذكر فيه حديث ابن مسعود: قال لي النبيّ وَّ: ((اقرأ عليَّ القرآن)) أورَدَه مختصراً، ثمَّ أو رَدَه مُطوَّلاً في الباب الذي بعده: ((باب قول المقرِئ/ للقارئِ: حَسْبُك)). ٩٤/٩ والمراد بالقرآن بعضُ القرآن، والذي في مُعظَم الرِّوايات: ((اقرأْ عليَّ)) ليس فيه لفظ: ((القرآن)) بل أَطلقَ، فيَصدُق بالبعضِ. (١) في شرح الباب (٤٢) منه، وهو: باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ... ﴾ إلى آخره. ١٨٦ باب ٣٣-٣٤ / ح ٥٠٥٠- ٥٠٥١ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطّال: يحتمل أن يكون أحَبَّ أن يسمعه من غيره ليكونَ عَرْضُ القرآن سُنّةً، ويحتمل أن يكون لكَيْ يَتَدبَّرَه ويَتَفَهَّمَه، وذلك أنَّ المستَمِعَ أقوى على التدبُّر ونفسه أَخلَى وأَنْشَطُ لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو رٍَّ على أبيّ بن كعب كما تقدَّم في المناقب (٣٨٠٩) وغيرها، فإنَّه أراد أن يُعلِّمَه كيفيَّة أداء القراءة وتَخَارِج الحروف ونحو ذلك، ويأتي شرحُ الحديث بعد أبواب في ((باب البُكاء عند قراءة القرآن)) (٥٠٥٥). ٣٣ - باب قول المُقرئ للقارئ: حَسْبُك ٥٠٥٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: قال ليَ النبيُّ ◌َ: ((اقرَأْ عليّ) قلتُ: يا رسولَ الله، آقْرَأُ عليكَ وعليكَ أُنزِلَ؟! قال: ((نَعَم)) فقرأْتُ سورةَ النِّساءِ، حتَّى أَتَيتُ إلى هذه الآيةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلّ أُمَّتِ بِشَهِيٍ وَجِئْنَا بِكَ عَ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: ((حَسْبُكَ الآنَ)) فالْتَّفَتُّ إليه فإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ. ٣٤- بابٌ في كم يُقرَأُ القرآنُ؟ وقولُ الله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُوا مَا تَبَتَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ٥٠٥١- حدّثنا عليٍّ، حذَّثنا سفيانُ، قال لي ابنُ شُبْرُمَةَ: نَظَرتُ كم يَكْفي الرجلَ منَ القرآنِ، فلم أجِدْ سورةً أقلّ من ثلاثِ آيَاتٍ، فقلتُ: لا يَنبَغي لأحدٍ أن يَقْرَأَ أقلَّ من ثلاثِ آياتٍ. قال عليٍّ: حدَّثنا سفيانُ، أخبرنا منصورٌ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الَّحمنِ بنِ يزيدَ، أخبَرَه عَلْقمةُ، عن أبي مسعودٍ؛ ولَقِيتُهُ وهو يَطوفُ بالبيتِ، فذكر النبيَّ ◌َّهِ: ((أنَّ مَن قرأَ بالآيتينِ من آخِرِ سورة البقرةِ في ليلةٍ كَفَتَاهُ». قال أبو عبدِ الله: وقال بعضُهم: في ثلاثٍ، أو في خمسٍ أو في سبعٍ، وأكثرُهم على سَبْعٍ. ٩٥/٩ قوله: ((بابٌّ في كم يُقْرأ القرآن؟ وقولُ الله تعالى: ﴿فَقْرَهُوا مَا تَشَرَ مِنْهُ﴾)) كأنَّه أشارَ إلى الردِّ على مَن قال: أقلُّ ما يُجْزِئ من القراءة في كلّ يوم وليلة جزءٌ من أربعينَ جُزءاً من القرآن، وهو منقول عن إسحاق بن راهويه والحنابلة، لأنَّ عُموم قوله: ﴿فَأَقْرَءُوا مَا تَبَتَّرَ مِنْهُ﴾ ١٨٧ باب ٣٤ / ح ٥٠٥٢ كتاب فضائل القرآن يَشمَل أقلّ من ذلك، فمَن ادَّعَى التَّحديدَ فعليه البيان، وقد أخرج أبو داود (١٣٩٥) من وجه آخر عن عبدِ الله بن عَمْرو: في كم يُقرأ القرآن؟ قال: ((في أربعينَ يوماً)) ثمَّ قال: ((في شهر)) الحديث، ولا دلالةَ فيه على المدَّعَى. قوله: ((حدَّثنا عليّ)) هو ابن المَدِينِيّ، وسفيان: هو ابن عُبَينَةَ، وابن شُبْرُمةَ: هو عبد الله قاضي الكوفة ولم يُخْرِجْ له البخاريُّ إلّا في موضع واحد يأتي في الأدب (٥٩٧١) شاهداً، وأخرج من كلامه غيرَ ذلك. قوله: ((كم يَكْفي الرجلَ من القرآن)» أي: في الصلاة. قوله: ((قال عليّ)) هو ابن المَدِينيّ، وهو موصول من تَتِمّة الخبر المذكور، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعيّ. وقد تقدَّم نقلُ الاختلاف في روايته لهذا الحديث عن عبد الرَّحمن بن يزيد وعن عَلْقمة في ((باب فضل سورة البقرة)) (٥٠٠٩)، وتقدَّم بيان المراد بقولِه: ((كَفَتَاه)) وما استَدَلَّ به ابنُ عُبَينَ إِنَّمَا يَجِيءُ على أحدٍ ما قيل في تأويل ((كَفَتَاه)) أي: من القيام في الصلاة باللّيلِ. وقد خَفِيَت مُناسَبةُ حديث أبي مسعود بالتَرجمة على ابن كَثير، والذي يَظهَر أنَّها من جهة أنَّ الآية المترجَمَ بها تناسب ما استَدَلَّ به ابن عُبَينَةَ من حديث أبي مسعود، والجامع بينهما أنَّ كلَّ من الآية والحديث يدلُّ على الاكتفاء، بخلاف ما قال ابن شُبْرُمةَ. ٥٠٥٢- حدَّثْنا موسى، حذَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن مُغِيرةَ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمرو، قال: أنكَحَني أبي امرأةً ذاتَ حَسَبٍ، فكان يَتَعَاهَدُ كَنَّتَه، فيَسْألهما عن بَعْلِها، فتقولُ: نِعْمَ الرجلُ مِن رجلٍ، لم يَطَأْ لنا فِراشاً، ولم يُفتِّشْ لنا كَنَقاً مُذْ أَتَيناه، فلمَّا طالَ ذلك عليه ذكر لِلنبيِّ وَِّ، فقال: (الْقَني به)) فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، قال: ((كيفَ تصومُ؟)) قال: كلَّ يومٍ، قال: ((وكيفَ تَخِتِمُ؟)) قال: كلَّ ليلةٍ، قال: ((صُمْ في كلِّ شهرٍ ثلاثةً، واقرَأِ القرآنَ في كلِّ شهرٍ)) قال: قلتُ: أُطِيقُ أكثرَ من ذلك، قال: ((صُمْ ثلاثةَ أيامٍ في الجمُعةِ)) قلتُ: أُطِيقُ أكثرَ من ذلك، قال: ((أَفطِرْ يومَينٍ وصُمْ يوماً)) قال: قلتُ: أُطِيقُ أكثرَ من ذلك، قال: ((صُمْ أفضلَ الصومِ، صوَ داودَ، صيامَ يومٍ وإِفْطارَ يومٍ، ١٨٨ باب ٣٤ / ح ٥٠٥٢ فتح الباري بشرح البخاري واقرَأْ في كلِّ سبعٍ لَيَالٍ مَّةً))، فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصةَ رسولِ اللهِ وَّةِ، وذاكَ أنّ كَبِرتُ وضَعُفْتُ. فكان يَقْرأُ على بعضِ أهلِهِ السُّبْعَ منَ القرآنِ بالنَّهار، والذي يَقْرَؤُهُ يَعِرِضُه منَ النَّهار ليكونَ أَخَفَّ عليه باللَّيلِ، وإذا أرادَ أن يَتَقَوَّى أَفطَرَ أياماً وأحصَى، وصامَ مِثْلَهُنَّ، كراهِيَةَ أن يَترُكَ شيئاً فارَقَ النبيَّ ◌َّ عليه. قال أبو عبد الله: وقال بعضُهم: في ثلاثٍ أو في خمسٍ أو في سبعٍ، وأكثرُهم على سَبْعٍ. قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكيّ، ومُغِيرة: هو ابن مِقسَم. قوله: (أنكَحَني أَبي)) أي: زَوَّجَني، وهو محمول على أنَّه كان المشيرَ عليه بذلك، وإلّا فعبدُ الله ابن عَمْرو حينئذٍ كان رجلاً كاملاً، ويحتمل أن يكون قامَ عنه بالصَّدَاق ونحو ذلك. قوله: ((امرأةً ذات حَسَب)» في رواية أحمد (٦٤٧٧) عن هُشَيم عن مُغِيرة وحُصَين عن مجاهد في هذا الحديث: امرأةً من قُرَيش، أخرجه النَّسائيُّ (٢٣٨٩) من هذا الوجه، وهي أمّ محمَّدٍ بنت مَحمِيَة - بفتح الميم وسكون المهمَلة وكسر الميم بعدها تحتانيَّة مفتوحة خفيفة - ابن جَزْء الزُّبَيديّ حَلِيفِ قُرَيش، ذكرها الزُّبَير وغيره. قوله: ((كَنَّته)) بفتح الكاف وتشديد النُّون: هي زوج الولد. قوله: ((نِعْمَ الرجلُ من رجلٍ لم يَطَأْ لنا فِراشاً)) قال ابن مالك: يُستَفاد منه وقوعُ التَّمييز بعد فاعل (نِعمَ)) الظّاهر، وقد مَنَعَه سيبويه وأجازَه المبرِّد. وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون التَّقدير: نِعمَ الرجلُ من بين الرِّجال، قال: وقد تفيدُ النَّكِرة في الإثبات التَّعميمَ كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، قال: ويحتمل أن يكون من التَّجريد، كأنَّه جَرَّدَ من رجلٍ موصوف بكذا وكذا رجلاً، فقال: نِعمَ الرجلُ المجَرَّدُ من كذا رجلٌ صِفَته كذا. قوله: ((لم يَطَأْ لنا فِراشاً) أي: لم يُضاجِعْنا حتَّى يَطَأْ فِراشَنا. ٩٦/٩ قوله: ((ولم يُفتِّشْ لنا كَنَفاً)) كذا للأكثرِ بفاءٍ ومُثنّة ثقيلة وشين مُعجَمة، وهي(١) رواية (١) تحرَّفت في (س) إلى: وفي. ١٨٩ باب ٣٤ / ح ٥٠٥٢ كتاب فضائل القرآن أحمد والنَّسائيِّ، وللكُشْمِيهني: ((ولم يَغْشَ)) بغَيْنِ مُعجَمة ساكنة بعدها شين مُعجَمة، و((كَنَفاً)) بفتح الكاف والنُّون بعدها فاء: هو السِّتْر والجانب، وأرادت بذلك الكنايةَ عن عَدَم جماعه لها، لأنَّ عادة الرجل أن يُدخِلَ يده معَ زوجته في دَواخِل أمرها. وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون المراد بالكَنَفِ: الكَنِيف، وأرادت أنَّه لم يَطعَمْ عندها حتَّى يحتاج إلى أن يُفتِّش عن موضع قضاء الحاجة، كذا قال والأوَّل أَولَى. وزاد في رواية هُشَيم(١): فأقبَلَ عليَّ يَلومُني فقال: أنكَحتُك امرأةٌ من قُرَيش ذات حَسَبٍ فَعَضَلْتَها وفَعَلَتَ، ثمَّ انطَلَقَ إلى النبيّ ◌َّ فِشَكَاني. قوله: ((فلمَّا طالَ ذلكَ عليه) أي: على عَمْرو ((ذكر للنبيّ وَّ) وكأنَّه تأنَّى في شَكْواه رَجاءَ أن يَتَدَارَك، فلمَّا تَمَادَى على حاله خَشِيَ أن يَلحَقَه إثمٌّ بتضييع حَقّ الزَّوجة فِشَكَاه. قوله: ((فقال: الْقَني)) أي: قال لعبد الله بن عَمْرو، وفي رواية هُشَيم(١): فَأَرسَلَ إليَّ النبيُّ ◌َّ؟ ويُجمَع بينهما بأنَّه أرسلَ إليه أوّلاً ثمَّ لَقِيَه اتِّفاقاً فقال له: اجتَمِعْ بي. قوله: ((فقال: كيف تصومُ؟ قلتُ: أصومُ كلَّ يوم)) تقدَّم ما يَتَعلَّق بالصومِ في كتاب الصيام مشروحاً(٢)، وقوله في هذه الرِّواية: «صُمْ ثلاثة أيام في الجمعة، قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صُمْ يوماً وأفطِرْ يومَينٍ، قلت: أُطِيق أكثرَ من ذلك)) قال الدَّاوُوديّ: هذا وهمٌ من الراوي، لأنَّ ثلاثة أيام من الجمعة أكثرُ من فِطْر يومينٍ وصيام يوم، وهو إنَّما يُدرِّجه من الصيام القليل إلى الصيام الکثیر. قلت: وهو اعتراضٌ مُتَّجِه، فلعلَّه وَقَعَ من الراوي فيه تقديم وتأخير، وقد سَلِمَت رواية هُشَيم من ذلك فإِنَّ لفظه: ((صُمْ في كلّ شهر ثلاثة أيام)) قلت: إنّ أقوَى أكثرَ من ذلك، فلم يزل يَرفَعُني حتَّى قال: ((صُمْ يوماً وأفطِرْ يوماً). قوله: ((واقرَأْ في كلّ سبع ◌َيَالٍ مَّةً)) أي: اختِمْ في كلّ سبع. (١) عند أحمد (٦٤٧٧). (٢) وأطرافه في الصيام (١٩٧٤ - ١٩٨٠). ١٩٠ باب ٣٤ / ح ٥٠٥٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَلَيْتَنِي قَبِلتُ)) كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية اختصاراً، وفي غيرها مُراجَعات كثيرة في ذلك كما سأُبِّنُه. قوله: ((فكان يَقْرأ» هو كلام مجاهد يَصِفُ صَنِيعَ عبد الله بن عَمْرو لمَّا كَبِرَ، وقد وَقَعَ مُصرَّحاً به في رواية هُشَیم. قوله: ((على بعض أهلِه)) أي: على مَن تيسَر منهم، وإنَّما كان يصنعُ ذلك بالنَّهار ليستذكرَ ما يقرأ به في قيام اللّيل خَشْيَةَ أن يكون خَفِيَ عليه شيءٌ منه بالنِّسيان. قوله: ((وإذا أرادَ أن يَتَقَوَّى أفطَرَ أياماً) إلى آخره، يُؤخَذ منه أنَّ الأفضل لمن أراد أن يصوم صومَ داود أن يصوم يوماً ويُفطِرَ يوماً دائماً، ويُؤْخَذ من صنيع عبد الله بن عَمْرو أنَّ مَن أفطَرَ أكثر من ذلك وصامَ قَدْرَ ما أفطَرَ أُنَّه ◌ُجزئ عنه صیام یوم وإفطارَ یوم. قوله: «وقال بعضهم: في ثلاث أو في خمس(١) أو في سَبْع)) کذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: «في ثلاث وفي خمس)) وسَقَطَ ذلك للنَّسَفيِّ، وكأنَّ المصنّف أشارَ بذلك إلى رواية شُعْبة عن مُغيرةَ بهذا الإسناد فقال: ((اقرأ القرآن في كلّ شهر)) قال: إنّي أُطِيق أكثر من ذلك، فما زالَ حتَّى قال: في ثلاث))، فإنَّ الخمس تُؤخَذ منه بطريق التَّضَمُّن، وقد تقدَّم للمصنّف في كتاب الصيام (١٩٧٨). ثمَّ وجدتُ في ((مُسنَد الدَّارِميِّ)) (٣٤٨٦) من طريق أبي بُرْدة(٢) عن عبد الله بن عَمْرو قال: قلت: يا رسول الله، في كم أختِمُ القرآن؟ قال: ((اخْتِمْه في شهر)) قلت: إنّي أُطيق، قال: ((اختِمه في خمسة وعشرينَ)) قلت: إنّي أُطيق، قال: ((اختِمه في عشرينَ)) قلت: إنّي أُطيق، قال: («اختِمه في خمس عشرة)) قلت: إنّي أُطيق، قال: ((اختِمه في خمس)) قلت: إنّي أُطيق، قال: ((لا))، وأبو فَرْوة هذا: هو الجُهَنيّ واسمه عُرْوة بن الحارث، وهو كوفيّ ثقة. ووَقَعَ في رواية هُشَيم المذكورة(٣). قال: ((فاقرأْه في كلّ شهر)) قلت: إنّي أجِدُني أقوى من (١) قوله: ((أو في خمس)) سقط من (س). (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: أبي فروة. وأبو بردة: هو ابن أبي موسى الأشعري. (٣) عند أحمد (٦٤٧٧). ١٩١ باب ٣٤ / ح ٥٠٥٢ كتاب فضائل القرآن ذلك، قال: ((فاقرأْه في كلّ عشرة أيام)» قلت: إنّ أجِدُني أقوَى من ذلك؛ قال أحدُهما إمّا حُصَين وإمّا مُغيرة: قال: ((فاقرأُه في كلّ ثلاث))، وعند أبي داود (١٣٩٠) والتِّرمِذيّ مُصَحَّحاً (٢٩٤٩) من طريق يزيد بن عبد الله بن الشِّخّير عن عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً: ((لا يَفقَهُ/ ٩٧/٩ مَن قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث))، وشاهده عند سعيد بن منصور(١) بإسنادٍ صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود: اقرؤوا القرآن في سبع ولا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث، ولأبي عُبيد(٢) من طريق الطيِّب بن سَلْمان عن عَمْرة عن عائشة: أنَّ النبيّ وَلّ كان لا يَخْتِم القرآنَ في أقلّ من ثلاث. وهذا اختيار أحمد وأبي عُبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وثَبَتَ عن كثير من السَّلَف أنَّهم قَرَؤوا القرآنَ في دون ذلك. قال النَّوَويّ: والاختيار أنَّ ذلك يختلف بالأشخاص، فمَن كان من أهل الفَهْم وتدقيق الفِكر، استُحِبَّ له أن يَقتَصِر على القَدْر الذي لا يَخْتَلُّ به المقصود من التدبُّر واستخراج المعاني، وكذا مَن كان له شُغْل بالعِلم أو غيره من مُهمّات الدِّين ومصالح المسلمينَ العامّة، يُستَحَبّ له أن يَقتَصِر منه على القَدْر الذي لا يُحِلّ بما هو فيه، ومَن لم يكن كذلك فالأَولى له الاستكثارُ ما أمكنَه من غير خروج إلى المَلَل، ولا يقرؤُه هَذْرَمةً، والله أعلم. قوله: ((وأكثرهم)) أي: أكثر الرُّواة عن عبد الله بن عَمْرو. قوله: ((على سَبْع)) كأنَّه يشير إلى رواية أبي سَلَمةَ بن عبد الرّحمن عن عبد الله بن عَمْرو الموصولة عَقِبَ هذا، فإنَّ في آخره: ((ولا تَزِدْ على ذلك)) أي: لا تُغيِّر الحال المذكورة إلى حالة أُخرَى، فأطلقَ الزّيادةَ والمراد النَّقص، والزّيادة هنا بطريق التَّدَلّى، أي: لا تَقرأْه في أقلَّ من سبع. ولأبي داود (١٣٩٥) والتِّرمِذيّ (٢٩٤٧) والنَّسائيِّ (ك٨٠١٤) من طريق وَهْب ابن مُنَبِّه عن عبد الله بن عَمْرو: أنَّه سألَ رسولَ الله وَّةٍ: في كم يقرأُ القرآن؟ قال: ((في أربعينَ يوماً) ثمَّ قال: ((في شهر)) ثمَّ قال: ((في عشرينَ)) ثمَّ قال: ((في خمس عشرة)) ثمَّ قال: (١) في ((سننه - قسم التفسير)) (١٤٦). (٢) في ((فضائل القرآن)) ص١٧٩، وفي سنده الطيب بن سلمان ضعَّفه الدار قطني في سؤالات البرقاني له. ١٩٢ باب ٣٤ / ح ٥٠٥٣ - ٥٠٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ((في عشر)) ثمَّ قال: ((في سبع)) ثمَّ لم يَنزِلْ عن سبع، وهذا إن كان محفوظاً احتُمِلَ في الجمع بينه وبين رواية أبي بُرْدة(١) تعدُّدُ القصَّة، فلا مانع أن يتكرّر قولُ النبيّ ◌َّ لعبد الله بن عَمْرو ذلك تأكيداً، ويُؤيِّده الاختلافُ الواقع في السِّياق، وكأنَّ النَّهي عن الزّيادة ليس على التَّحريم، كما أنَّ الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعُرِفَ ذلك من قَرائن الحال التي أرشَدَ إليها السّياق، وهو النَّظَر إلى عَجْزه عن سوى ذلك في الحال أو في المآل، وأغرَبَ بعضُ الظّاهريَّة فقال: يَجِرُم أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث. وقال النَّوَويّ: أكثر العلماء على أنَّه لا تقدير في ذلك، وإنَّما هو بحَسَب النَّشاط والقوّة، فعلى هذا يختلفُ باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم. ٥٠٥٣ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عبدِ الله بنِ عَمٍو: قال ليَ النبيُّ ◌َيِ: ((في كم تَقْرَأُ القرآنَ؟». ٥٠٥٤ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا عُبيدُ الله، عن شَيْبانَ، عن يحيى، عن محمَّدٍ بنِ عبدِ الَّحمنِ مولى بني زُهْرةَ، عن أبي سَلَمَةَ - قال: وأحسَبُني قال: سمعتُ أنا من أبي سَلَمَةَ - عن عبدِ الله ابنِ عَمرو، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهَ: ((اقرَأِ القرآنَ في شهرٍ)) قلتُ: إنّ أَجِدُ قوّةً، حتَّى قال: ((فاقرَأْه في سبعٍ، ولا تَزِدْ على ذلكَ)). قوله: ((عن يحيى)) هو ابن أبي كَثير، ومحمَّد بن عبد الرَّحمن وَقَعَ في الإسناد الثّاني أنَّه مولى زُهْرة، وهو محمَّد بن عبد الرّحمن بن ثَوْبانَ، فقد ذكر ابن حِبّان في ((الثِّقات)) أنَّه مولى الأخنَس بن شَرِيق الثَّقَفيّ، وكان الأخنَسُ يُنسَب زُهريّاً لأنَّه كان من حُلَفائهم، وجَزَمَ جماعةٌ بأنَّ ابن ثَوْبانَ عامريّ، فلعلَّه كان يُنسَب عامريّاً بالأصالة وزُهْرِيّاً بالخِلْف ونحو ذلك، والله أعلم. تنبيه: هذا التَّعليق، وهو قوله: ((وقال بعضهم ... )) إلى آخره، ذَهَلتُ عن تخريجه في ((تغليق التَّعليق))، وقد يَسَّرَ الله تعالى بتحريره هنا، ولله الحمد. (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: أبي فروة. ١٩٣ باب ٣٤ / ح ٥٠٥٤ كتاب فضائل القرآن. قوله: ((في كم تقرأ القرآن؟)) كذا اقتَصَرَ البخاريّ في الإسناد العالي على بعض المتن ثمَّ حَوَّلَه إلى الإسناد الآخر، وإسحاقُ شيخه فيه: هو ابن منصور، وعُبيد الله: هو ابن موسى، وهو من شيوخ البخاريّ، إلّا أنَّه ◌ُبَّما حدَّث عنه بواسطةٍ كما هنا. قوله: ((عن أبي سَلَمَةَ - قال: وأحسَبُني قال: سمعتُ أنا من أبي سَلَمَةَ)) قائل ذلك هو يحيى بن أبي كثير، قال الإسماعيليّ: خالَفَ أبانُ بن يزيد العَطّارُ شَيْبانَ بن عبد الرّحمن في هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثير، ثمَّ ساقه من وجهَينٍ عن أبان عن يحيى عن محمَّد بن إبراهيم التَّيْمِيِّ عن أبي سَلَمَةَ، وزاد في سياقه بعد قوله: ((اقرأْه في شهر)): قال: إنّ أجِدُ قوّة، قال: ((في عشرينَ)) قال: إنّي أجِدُ قوّة، قال: ((في عَشر)) قال: إنّي أجِدُ قوّة، قال: ((في سبع، ولا تَزِدْ على ذلك))، قال الإسماعيليّ: ورواه عِكْرمة بن عمَّار عن يحيى قال: ((حدَّثنا أبو سَلَمةَ» بغير واسطة، ثم ساقَه من طريقه. قلت: كأنَّ يحيى بن أبي كثير كان يَتَوقَّف في تحديث أبي سَلَمَةَ له ثمَّ تَذَكَّر أنَّه حدَّثه به، أو بالعكس كان يُصرِّح/ بتحديثِه ثمَّ تَوَقَّفَ وتَحَقَّقَ أنَّه سمعَه بواسطة محمَّد بن عبد الرَّحمن، ٩٨/٩ ولا يَقدَحُ في ذلك مُخالَفةُ أبانَ لأَنَّ شَيْبانَ أحفظُ من أبان، أو كان عند يحيى عنهما ويُؤيِّده اختلافُ سياقهما، وقد تقدَّم في الصيام (١٩٧٥) من طريق الأوزاعيِّ عن يحيى عن أبي سَلَمَةَ مُصرَّحاً بالسَّماع بغير تَوقّف، لكن لبعضِ الحديث في قصَّة الصيام حَسْبُ. قال الإسماعيليّ: قصَّة الصيام لم يُخْتَلَف على يحيى في روايته إيّاها عن أبي سَلَمةَ عن عبد الله بن عَمْرو بغير واسطة. تنبيه: المراد بالقرآن في حديث الباب جميعُه، ولا يَرِدُ على هذا أنَّ القصَّة وَقَعَت قبل موت النبيّ وَّهِ بِمُدّةٍ، وذلك قبل أن يَنزِلَ بعضُ القرآن الذي تأخّرَ نزوله، لأنّا نقول: سَلَّمْنا ذلك، لكنَّ العِبْرة بما دَلَّ عليه الإطلاق وهو الذي فَهِمَ الصَّحابيُّ فكان يقول: لَيْتَنِي لو قبلتُ الرُّخصة، ولا شكَّ أنَّه بعد النبيِّ وَّ كان قد أضافَ الذي نزل آخِراً إلى ما نزل أوَّلاً، فالمراد بالقرآن جميعُ ما كان نزل إذ ذاكَ وهو مُعظَمه، ووَقَعَت الإشارة إلى أنَّ ما نزل بعد ذلك يُوَزَّع بقِسْطِه، والله أعلم. ١٩٤ باب ٣٥ / ح ٥٠٥٥ -٥٠٥٦ فتح الباري بشرح البخاري ٣٥ - باب البكاء عندَ قراءةِ القرآن ٥٠٥٥- حدَّثنا صَدَقةُ، أخبرنا يحيى، عن سفيانَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله - قال يحيى: بعضُ الحديثِ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ: قال لي النبيُّ ◌َّؤ. حذَّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن سفيانَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله - قال الأعمَشُ: وبعضُ الحديث حذَّثني عَمْرُو بنُ مُرّةَ، عن إبراهيمَ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، عن عبدِ الله - قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((اقرَأْ عليَّ) قال: قلتُ: أقرَأُ عليكَ، وعليكَ أُنزِلَ؟! قال: ((إنّي أَشتَهي أن أسمعَه مِن غيري)) قال: فقرأتُ النِّساءَ، حتَّى إذا بَلَغْتُ: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال لي: (كُفَّ)) أو ((أَمسِكْ)) فرأيتُ عينَهِ تَذْرِفانٍ. ٥٠٥٦- حدَّثنا قيسُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عبدِ الله ، قال: قال لي النبيُّ ◌َيِ: ((اقرَأْ عليَّ) قلتُ: أَقْرَأُ عليكَ وعليكَ أُنزِلَ؟! قال: «إنّ أُحِبُّ أن أسمعَه مِن غيري)). قوله: ((باب البُكاء عند قراءةِ القرآن)) قال النَّوَويّ: البُكاء عند قراءة القرآن صِفَة العارفينَ وشِعار الصالحينَ، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، ﴿خَرُّواْ سُجَّدًا وَبِّكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، والأحاديث فيه كثيرة. قال الغَزاليّ: يُستَحَبّ البُكاء معَ القراءةِ وعندها، وطريقُ تحصيله أن يَحِضُرَ قلبَه الحزنُ والخوف بتأمُّلِ ما فيه من التَّهديد والوعيد الشَّديد والوثائق والعُهود، ثمَّ يَنظُر تقصيرَه في ذلك، فإن لم يَحَضُرْه حزنٌ فليَبكِ على فَقْدِ ذلك وأنَّه من أعظم المصائب. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديثَ ابن مسعود المذكور في تفسير سورة النِّساء (٤٥٨٢)، وساقَ المتنَ هناك على لفظ شيخه صَدَقة بن الفضل المروَزيّ، وساقَه هنا على لفظ شيخه مُسدَّد، كلاهما عن يحيى القَطّان، وعُرِفَ من هنا المراد بقوله: ((بعض الحديث عن عَمْرو ابن مُرّة)) وحاصله أنَّ الأعمَش سمع الحديثَ المذكور من إبراهيم النَّخَعيِّ، وسمعَ بعضه ١٩٥ باب ٣٥ / ح ٥٠٥٦ كتاب فضائل القرآن من عَمْرو بن مُرّة عن إبراهيم، وقد أوضحتُ ذلك في تفسير سورة النِّساء أيضاً، ويظهر لي أنَّ القَدْر الذي عند الأعمَش عن عَمْرو/ بن مُرّة من هذا الحديث من قوله: «فقرأتُ ٩٩/٩ النِّساء)) إلى آخر الحديث، وأمَّا ما قبله إلى قوله: ((أن أسمَعَه من غيري)) فهو عند الأعمَش عن إبراهيم كما هو في الطَّريق الثّانية في هذا الباب، وكذا أخرجه المصنّف من وجه آخر عن الأعمَش قبلُ ببابَينِ (٥٠٤٩)، وتقدَّم قبلُ ببابٍ واحد عن محمَّد بن يوسف الفِرْيابيّ عن سفيان الثَّوريّ مُقتَصِراً على طريق الأعمش عن إبراهيم (٥٠٥٠) من غير تبيين التَّفصيل الذي في رواية يحيى القَطّان عن الثَّوْريّ، وهو يقتضي أنَّ في رواية الفِرْيابيّ إدراجاً. وقوله في هذه الرّواية: ((عن أبيه)) هو معطوف على قوله: ((عن سليمان)) وهو الأعمَشُ، وحاصله أنَّ سفيان الثَّوريّ روى هذا الحديث عن الأعمش، ورواه أيضاً عن أبيه - وهو سعيد بن مسروق الثَّوريّ - عن أبي الضُّحَى، ورواية إبراهيم عن عَبيدة بن عَمْرو(١) عن ابن مسعود موصولةٌ، ورواية أبي الضُّحَى عن عبد الله بن مسعود مُنقَطِعة، ووَقَعَ في رواية أبي الأحوَص عن سعيد بن مسروق عن أبي الضُّحَى: أنَّ رسول الله وَ ◌ّ﴿ قال لعبد الله بن مسعود ... فذكره، وهذا أشدُّ انقطاعاً، أخرجه سعيد بن منصور(٢). وقوله: (اقرأْ عليَّ) وَقَعَ في رواية عليّ بن مُسهِر عن الأعمَش(٣) بلفظ: قال لي رسول الله وَه وهو على المِبَرَ: ((اقرأْ عليَّ)، ووَقَعَ في رواية محمّد بن فَضَالَة الظَّفَريّ أنَّ ذلك كان وهو ◌َّهِ فِي بني ظَفَر، أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٦/٣) والطبرانيّ (٥٤٦/١٩) وغيرهما من طريق يونس بن محمَّد بن فَضَالة عن أبيه: أنَّ النبيَّ وَّ أتاهم في بني ظَفرِ ومعه ابن مسعود وناسٌ من أصحابه، فأمَرَ قارئاً فقراً، فأتى على هذه الآية ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فَبَكَى حتَّى ضَرَبَ لَحْيَاهُ ووَجْنَتاه، فقال: ((يا (١) تحرَّف ((عمرو)) في (س) إلى: عمرة. (٢) في ((سننه - قسم التفسير)) (٥٢). (٣) عند مسلم (٨٠٠) (٢٤٧). ١٩٦ باب ٣٦ / ح ٥٠٥٧ - ٥٠٥٨ فتح الباري بشرح البخاري رَبِّ، هذا شهدتُ على مَن أنا بين ظَهرَيهِ، فكيفَ بمَن لم أرَه؟!))(١)، وأخرج ابن المبارك في (الزُّهد)(٢) من طريق سعيد بن المسيّب قال: ليس من يوم إلّا يُعرَض على النبيِّ نَّهِ أَمَّتُه غُدْوةً وعَشيَّةً فَيَعرِفهم بسِيماهم وأعمالهم، فلذلك يَشْهَدُ عليهم؛ ففي هذا المرسَل ما يَرفَعُ الإشكالَ الذي تَضَمَّنَه حديث ابن فَضَالة، والله أعلم. قال ابن بَطّال: إنَّما بَكَى وَّهِ عند تِلاوَتِه هذه الآيةَ، لأنَّه مَثَّلَ لنفسِه أهوال يوم القيامة وشِدّةَ الحال الدَّاعية له إلى شهادته لأُمَّتِه بالتَّصديق وسؤالِهِ الشَّفاعةً لأهلِ الموقِف، وهو أمر يَحِقّ له طول البُكاء. انتهى، والذي يظهر أنَّه بَكَى رحمةً لأُمَّتِهِ، لأَنَّه عَلِمَ أنَّه لا بدَّ أن يَشهَدَ عليهم بعَمَلِهِم، وعَمَلُهم قد لا يكون مُستَقيماً فقد يُفضي إلى تعذيبهم، والله أعلم. ٣٦- باب مَن راءَى بقراءةِ القرآن أو تَأْكَّلَ به أو فَجَرَ به ٥٠٥٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن خَيْئمةَ، عن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ، قال عليٌّ ◌ُ: سمعتُ النبيَّ وَّهِ يقول: ((يأتي في آخِرِ الزَّمانِ قومٌ حُدَثاءُ الأسنانِ، سُفَهاءُ الأحلامِ، يقولون من خيرٍ قولِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقونَ منَ الإسلامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ منَ الزَّمِيَّةِ، لا يُجاوِزُ إيمانُهُم حَناجِرَهم، فأينَمَا لَقِيتُموهم فاقتُلوهم، فإنَّ قتلَهم أجْرٌ لمن قَتَلَهم يومَ القيامةِ)). ٥٠٥٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ الَّيْميِّ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ ﴾ أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله وَ ◌ّل يقول: ((يَخْرُجُ فيكم قومٌ تَحِقِرونَ صلاتكم معَ صلاتِهِم، ١٠٠/٩ وصيامَكم معَ صيامِهِم، وعَمَلَكم معَ عَمَلِهِم، ويَقْرَؤُون القرآنَ/ لا يُجَاوِزُ حَناجِرَهم، يَمْرُقونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الَّمِيَّةِ، يَنظُرُ فِي النَّصْلِ فلا يَرَى شيئاً، ويَنظُرُ في القِدْحِ فلا يَرَى شيئاً، ويَنظُرُ في الرِّيشِ فلا يَرَى شيئاً، ويَتَمَارَى في الفُوقِ)). (١) وفي إسناده ضعفٌ. (٢) في زيادات نعيم بن حماد عن ابن المبارك في ((الزهد)) (١٦٦)، وفي إسناده رجل مبهم، فالسند إلى سعيد ضعيف. ١٩٧ باب ٣٦ / ح ٥٠٥٩ كتاب فضائل القرآن ٥٠٥٩- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن أبي موسى، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((المؤمنُ الذي يَقْرَأُ القرآنَ ويَعْمَلُ به كالأُتْرُجّةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها طيِّبٌ، والمؤمنُ الذي لا يَقْرأُ القرآنَ ويَعْمَلُ به كالنَّمْرةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ولا رِيحَ لها، ومَثَلُ المنافقِ الذي يَقْرَأُ القرآنَ كالرَّيْجانِةِ، رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها مُرٍّ، ومَثَلُ المنافقِ الذي لا يَقْرأُ القرآنَ كالحَنْظَلِةِ، طَعْمُها مُّ أو خَبِيثٌ ورِيحُها مُرُّ)). قوله: ((باب إثم مَن راءَى بقراءةِ القرآن، أو تَأْكَّلَ به)) كذا للأكثرِ، وفي روايةٍ: ((رایَا)) بتحتانيَّةِ بدلَ الهمزة، و ((تأكَّلَ)) أي: طلبَ الأكل. وقوله: ((أو فَجَرَ به)) للأكثرِ بالجيم، وحكى ابن التِّينِ: أنَّ في روايةٍ بالخاءِ المعجمة. ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عليٍّ في ذِكْر الخوارج، وقد تقدَّم في علامات النَّبّة (٣٦١١)، وأغرَبَ الدَّاوُودِيُّ فَزَعَمَ أنَّه وَقَعَ هنا: ((عن سُوَيد بن غَفَلة قال: سمعت النبيّ ◌َّ) قال: واختُلِفَ في صُحْبة سُوَيد، والصَّحيح ما هنا أنَّه سمعَ من النبيّ وَّهِ؛ كذا قال مُعتَمِداً على الغَلَط الذي نَشَأَ له عن السَّقط، والذي في جميع نُسَخِ ((صحيح البخاريّ)): ((عن سُوَيد بن غَفَلة عن عليّ ظُه قال: سمعتُ)) وكذا في جميع المسانيد، وهو حديث مشهور لسُوَيد بن غَفَلة عن عليّ، ولم يسمع سُوَيد من النبيّ ◌َّهِ على الصَّحيح، وقد قيل: إنَّه صَلَّى مَعَ النبيّ نَّه ولا يَصِحُّ، والذي يَصِحّ أنَّ قَدِمَ المدينة حين نُفِضَت الأيدي من دفن رسول الله وَّهه وصَحَّ سماعُه من الخلفاء الرّاشدينَ وكِبار الصَّحابة، وصَحَّ أنَّه أدَّى صَدَقَةَ ماله في حياة النبيّ وََّ، قال أبو نُعَيم: ماتَ سنة ثمانينَ، وقال أبو عُبيد: سنة إحدَى، وقال عَمْرو بن عليّ: سنة اثنتَيْنِ، وبَلَغَ مئة وثلاثينَ سنة، وهو جُعفيّ يُكْنى أبا أُميَّة، نزل الكوفة وماتَ بها. وسيأتي البحث في قتال الخوارج في كتاب استتابة المرتدين (٦٩٣٠). وقوله: ((الأحلام)) أي: العقول. وقوله: ((يقولون من خير قول التِرِيَّة)) هو من المقلوب والمراد: ((من قول خير البَريَّة))، ١٩٨ باب ٣٦ / ح ٥٠٥٩ فتح الباري بشرح البخاري أي: من قول الله (١)، وهو المناسب للتَّرجمة. وقوله: ((لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم)) قال الدَّاوُوديُّ: يريد أنَّهم تَعلَّقوا بشيءٍ منه. قلت: إن كان مُرادُه بالتَّعَلَّقِ الِحِفْظ فقط دون العلم بمَدلولِه، فعَسَى أن يَتِمَّ له مرادُه، وإلّا فالذي فَهِمَه الأئمّة من السِّياق أنَّ المراد أنَّ الإيمان لم يَرسَخْ في قلوبهم، لأنَّ ما وَقَفَ عند الحلقوم فلم يَتَجاوَزْه لا يَصِلُ إلى القلب، وقد وَقَعَ في حديث حُذَيفة نحو حديث أبي سعيد من الزّيادة: ((لا يُجاوِزُ تَراقيَهم ولا تَعِيهِ قلوبهم)). الحديث الثاني: حديث أبي سَلَمةَ عن أبي سعيد في ذِكْر الخوارج أيضاً، وسيأتي شرحه أيضاً في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٣١)، وتقدَّم من وجهٍ آخر في علامات النُّبوّة (٣٣٤٤). ومُناسَبة هذَينِ الحديثَينِ للتَّرجمة أنَّ القراءة إذا كانت لغير الله، فهي للرِّياءِ أو للتَّكُّلِ به ونحو ذلك، فالأحاديث الثلاثة دالّة لأركان التَّرجمة، لأنَّ منهم مَن رايا به، وإليه الإشارة في حديث أبي موسى، ومنهم مَن تأكَّلَ به، وهو مُخرَّج من حديثه أيضاً، ومنهم مَن فَجَرَ به، وهو مُرَّج من حديث عليّ وأبي سعيد. وقد أخرج أبو عُبيد في ((فضائل القرآن))(٢) من وجه آخر عن أبي سعيد(٣) رَفَعَه: (تَعلَّموا القرآن واسألوا اللهَ به قبل أن يَتَعَلَّمَه قومٌ يسألونَ به الدُّنيا، فإنَّ القرآن يَتَعَلَّمَه ثلاثة نَفَر: رجل يُباهي به، ورجل یستأكِل به، ورجل يقرؤُه لله)، وعند ابن أبي شيبة (١٠/ ١٠١/٩ ٥٢٨) من حديث ابن عبّاس موقوفاً: لا تَضرِبوا كتاب الله/ بعضه ببعضٍ، فإنّ ذلك يُوقِع الشكّ في قلوبكم، وأخرج أحمد (١٥٥٢٩) وأبو يَعْلى (١٥١٨) من حديث عبد الرَّحمن ابن شِبْل رَفَعَه: ((اقرؤوا القرآن ولا تَغْلُوا فيه ولا تَجِفُوا عنه ولا تأكلوا به)) الحديث، وسنده (١) يريد القرآن، فهو قول الله، وهو خير ما تكلّمت به البريّة، ويحتمل أن يكون هذا الحرف على بابه ولیس بمقلوب، والمعنى: خير أقوال الناس، وهو القرآن. وانظر (شرح الكرماني)) ٤٩/١٩، و((عمدة القاري)) ٨٦/٢٤. (٢) ((فضائل القرآن)» ص ٢٠٥ -٢٠٦. (٣) زاد هنا في (س) وحدها: وصححه الحاكم، وهي زيادة مقحمة ولم نقف عليه في كتابه ((المستدرك)). ١٩٩ باب ٣٧ / ح ٥٠٦٠ - ٥٠٦١ كتاب فضائل القرآن قويّ، وأخرج أبو عُبيد(١) عن عبد الله بن مسعود: سيجيءُ زمان يُسأل فيه بالقرآن، فإذا سألوكم فلا تُعطُوهم. الحديث الثالث: حديث أبي موسى الذي تقدَّم مشروحاً في («باب فضل القرآن على سائر الكلام)) (٥٠٢٠) وهو ظاهرٌ فيما تَرجَمَ له. ووَقَعَ هنا عند الإسماعيليّ من طريق معاذ ابن معاذ عن شُعْبة بسندِه: قال شُعْبة: وحدَّثني شِبْل(٢) - يعني ابن عَزْرة - أنَّه سمعَ أنس ابن مالك، بهذا. قلت: وهو حديث آخر(٣) أخرجه أبو داود (٤٨٣١) في مَثَل الجليس الصالح والجليس السُّوء. ٣٧ - بابٌ ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبُكم)) ٥٠٦٠ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثْنا حمادٌ، عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيِّ، عن جُنْدُبٍ بنِ عبدِ الله، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((اقرَؤُوا القرآنَ ما اتْتَلَفَت قلوبُكُم، فإذا اختَلَفْتُم فقُومُوا عنه)». [أطرافه في: ٥٠٦١، ٧٣٦٤، ٧٣٦٥]. ٥٠٦١- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا عبدُ الرّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، حدَّثْنَا سَلّامُ بنُ أبي مُطِيع، عن أبي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ، عن جُنْدُبٍ: قال النبيُّ ◌َّ: ((اقرَؤُوا القرآنَ ما اثْتَلَفَت علیہ قلوبُكُم، فإذا اختلَفتُم فقُومُوا عنه)). تابَعَه الحارثُ بنُ عُبيدٍ وسعيدُ بنُ زيدٍ، عن أبي عِمْرانَ، ولم يَرفَعْه حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ وأَبانُ. وقال غُندَرٌ، عن شُعْبةَ، عن أبي عِمْرانَ: سمعتُ جُنْدُباً قولَه. وقال ابنُ عَوْنٍ، عن أبي عِمْرانَ، عن عبدِ الله بنِ الصّامِتِ، عن عمرَ قولَه. (١) ((فضائل القرآن)) ص٢٠٩. (٢) هكذا في (أ) و(س)، وفي (ع): شُبيل، بالتصغير، وكلاهما صواب، والأشهر شُبيل مصغّراً. (٣) بل هو الحديث نفسه الذي لأبي موسى أو نحوه وفيه زيادة مَثَل الجليس الصالح والجليس السوء، كما في رواية قتادة عن أنس عند أبي داود نفسه برقم (٤٨٢٩)، ومما يؤيد ذلك أنَّ الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) ١٤٠٨/٣ ذكر رواية معاذ عن شعبة بالحديثين جميعاً، ثم ذكر عن شعبة قال: وحدثني شبيل أنه سمع أنساً عن النبي وَّل بهذا كله وحديث الجليس عن النبي وَلٍ. ٢٠٠ باب ٣٧ / ح ٥٠٦٢ فتح الباري بشرح البخاري وجُنْدُبُ أصحُ وأكثرُ. ٥٠٦٢ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِكِ بنِ مَيسَرَةَ، عن النَّزّالِ بنِ سَبْرةَ، عن عبدِ الله: أنَّه سمعَ رجلاً يَقْرَأُ آيَةً سمعَ النبيَّ وََّ قِرَأَ خِلَافَها، فأخَذْتُ بَيَدِه، فانطَلَقْتُ به إلى النبيِّ ◌َِّ فقال: ((كِلاكُما مُحسِنٌ فاقرَءَ)) أكبرُ عِلْمي قال: ((فإنَّ مَن كان قَبلَكُمُ اختَلَفوا، فأهلَکھم». قوله: ((باب اقرؤوا القرآن ما اثْتَلَفَت عليه قلوبكم)) أي: اجتَمَعَت. قوله: ((فإذا اختَلَفْتُمْ)) أي: في فَهْم معانيه ((فقُومُوا عنه)) أي: تَفرَّقوا لئلا يَتَمَادَى بكم الاختلافُ إلى الشّ، قال عِيَاض: يحتمل أن يكون النَّهي خاصّاً بزمنه بَّهِ لئلا يكونَ ذلك سبباً لنزولِ ما يَسوؤُهم كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ويحتمل أن يكون المعنى: اقرؤُوا والزَمُوا الائتلافَ على ما دَلَّ عليه وقادَ إليه، فإذا وَقَعَ الاختلافُ أو عَرَضَ عارض شُبْهة يقتضى المنازَعةَ الدَّاعية إلى الافتِراق فاترُكوا القراءةَ، وَسَّكوا بالمحكَم الموجِبِ للأُلفة وأعرِضوا عن المتشابِهِ المؤَدّي إلى الفُرقة، وهو كقوله وَلّ: ((فإذا رأيتُم الذينَ يَتَّبعونَ ما تَشابَهَ منه فاحذَروهم))(١)، ويحتمل أنَّه يَنْهَى عن القراءة إذا وَقَعَ الاختلافُ في كيفيَّة الأداءِ بأن يَتَفرَّقوا عند الاختلاف ويَستَمِرَّ كلٌّ منهم على قراءته، ومثله ما تقدَّم عن ابن مسعود لمَّا وَقَعَ بينه وبين الصَّحابَّينِ الآخرَينِ الاختلافُ ١٠٢/٩ في الأداء، فَتَرَافَعُوا إلى النبيّ ◌َّه فقال: ((كلُّكم مُحسِن))، وبهذه/ النُّكتة تظهر الحكمةُ في ذِكْر حديث ابن مسعود عقِبَ حدیث جُندُب. قوله: ((تابَعَه الحارثُ بن عُبيد وسعيد بن زيد عن أبي عِمْرانَ)) أي: في رفع الحديث، فأمَّا مُتَابَعة الحارث، وهو ابن قدامةَ الإياديّ، فَوَصَلَها الدَّارِميُّ (٣٣٦١) عن أبي غَسّان مالك ابن إسماعيل عنه، ولفظه مِثْلُ رواية حمّاد بن زيد، وأمَّا مُتَابَعة سعيد بن زيد، وهو أخو حَمَّاد بن زيد، فَوَصَلَها الحسن بن سفيان في ((مُسنَده)) من طريق أبي هشام المخزوميّ عنه قال: سمعت أبا (١) سلف عند البخاري برقم (٤٥٤٧) من حديث عائشة.