النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ باب ١٣ / ح ٥٠١٥ كتاب فضائل القرآن قوله: ((حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفر عن مالك)) هو من رواية الأقران. قوله: ((أخبَرَني أخي قَتَادةُ بن النُّعْمان)) هو أخوه لأُمِّه، أمُّهما أُنيسة بنت عَمْرو بن قيس ابن مالك من بني النَّجّار. قوله: ((فلمَّا أصبَحْنا أتى الرجلُ النبيَّ ◌َلِّ ... نحوه)) يعني نحو الحديث الذي قبله، ولفظه عند الإسماعيليّ: فقال: يا رسول الله، إنَّ فلاناً قامَ اللَّيلة يقرأُ من السَّحَر ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾، فساقَ السّورة يُردِّدها لا يزيد عليها - وكأنَّ الرجل يَتَقَالَّا - فقال النبيّ وَّةِ: ((إنَّهَا لتَعِدِلُ ثُلُثَ القرآن». ٥٠١٥- حدّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا إبراهيمُ والضَّحّاكُ المِشْرَقِيُّ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ◌ُ، قال: قال النبيُّ ◌َِّ لأصحابِهِ: ((أَيُعْجِزُ أحدُكم أن يَقْرأَ ثُلُثَ القرآنِ في ليلةٍ؟)) فشَقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أيُّنًا يُطِيقُ ذلك يا رسولَ الله؟ فقال: ((الله الواحدُ الصَّمَدُ، ثُلُثُ القرآنِ». قال الفِرَبْري: سمعت أبا جعفرٍ محمدَ بنَ أبي حاتم وَرّاقَ أبي عبد الله يقول: قال أبو عبدِ الله: عن إبراهيمَ مُرسَلٌ، وعن الضَّحّاكِ المِشَرَقِيِّ مُسنَدٌ. قوله: ((إبراهيم)) هو النَّخَعيُّ، والضَّحّاك المشرقيّ: بكسرِ الميم وسكون المعجَمة وفتح الرّاء نِسبة إلى مِشرَق بن زيد بن جُشَم بن حاشدٍ بطن من ھَمْدانَ، قَّدَه العَسكريّ وقال: مَن فَتَحَ الميم فقد صَخَّفَ، كأنَّه يشير إلى قول ابن أبي حاتم: مَشِق موضعٌ، وقد ضَبَطَه بفتح الميم وكسر الرّاء الدَّارَ قُطنيُّ وابن ماكُولا وتَبِعَهما ابن السَّمعانيّ في موضعٍ، ثمَّ غَفَلَ فذكره بكسرِ الميم كما قال العَسكَريّ، لكن جَعَلَ قافه فاءً، وتَعقَّبَه ابن الأثير فأصاب. والضَّحّاك المذكور: هو ابن شَرَاحِيلَ، ويقال: شُرحبيل، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث وآخرَ يأتي في كتاب الأدب (٦١٦٣) قَرَنَه فيه بأبي سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن كلاهما عن أبي سعيد الخُذْريِّ، وحكى البزَّار أنَّ بعضهم زَعَمَ أنَّه الضَّحّاك بن مُزاحم، وهو غلطٌ. ١٢٢ باب ١٣ / ح ٥٠١٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (أُيَعْجِزُ أحدُكم)) بكسرِ الجيم. قوله: ((أن يَقْرَأَ ثُلُثَ القرآن في ليلة)) لعلَّ هذه قصّة أُخرى غير قصَّة قَتَادة بن النُّعمان. وقد أخرج أحمد (١٧١٠٦)، والنَّسائيُّ (ك١٠٤٦١) من حديث أبي مسعود الأنصاريّ مثل حديث أبي سعيد بهذا. قوله: ((فقال: اللهُ الواحدُ الصَّمَد، ثُلُث القرآن)) عند الإسماعيليّ من رواية أبي خالد الأحمر عن الأعمَش: ((فقال: يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ فهي ثُلُث القرآن)) فكأنَّ رواية الباب بالمعنى. وقد وَقَعَ في حديث أبي مسعود المذكور نَظِير ذلك، ويحتمل أن يكون سَمَّى السُّورةَ بهذا الاسم لاشتمالها على الصِّفَتَينِ المذكورتَينِ، أو يكون بعض رواته كان يقرؤُها كذلك، فقد جاء عن عمر: أنَّه كان يقرأ: ((اللهُ أَحدٌ، اللهُ الصَّمَد)) بغير ((قُل)) في أوَّلها. قوله: ((قال الفِرَبْريّ: سمعتُ أبا جعفر محمَّدَ بن أبي حاتم وَرّاق أبي عبد الله يقول: قال أبو عبد الله: عن إبراهيم مُرسَل، وعن الضَّحَاكُ المِشْرَقيّ مُسنَدٍ)) ثَبَتَ هذا عند أبي ذرِّ عن شيوخه، والمراد أنَّ رواية إبراهيم النَّخَعَيّ عن أبي سعيد مُنقَطِعة، ورواية الضَّحّاك عنه مُتَّصِلة، وأبو عبد الله المذكور: هو البخاريُّ المصنّف، وكأنَّ الفِرَبْريّ ما سمعَ هذا الكلامَ منه فحَمَلَه عن أبي جعفر عنه، وأبو جعفرٍ کان یُورِّق للبخاريّ، أي: یَنسَخُ له، وكان من الملازِمينَ له والعارفينَ به والمكثِرِينَ عنه، وقد ذكر الفِرَبْريُّ عنه في الحجّ والمظالم والاعتصام وغيرها فوائدَ عن البخاريّ. ويُؤخَذ من هذا الكلام أنَّ البخاريّ كان يُطلِقِ على المنقَطِعِ لفظَ المرسَل، وعلى المتَّصِل لفظَ المسنَد، والمشهور في الاستعمال أنَّ المرسَل ما يُضيفه التابعيّ إلى النبيّ ◌ََّ، والمسنَد ما ٦١/٩ يُضيفه الصَّحابيُّ/ إلى النبيّ ◌َّهِ بشرطِ أن يكون ظاهرُ الإسناد إليه الاتِّصال، وهذا الثّاني لا يُنافي ما أطلقَه المصنّف. قوله: ((ثُلُث القرآن)) حَمَلَه بعضُ العلماء على ظاهره فقال: هي ثُلُثُ باعتبار معاني القرآن، لأنَّه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتَمَلَت هي على القسم الثّالث فكانت ثُلُثاً بهذا الاعتبار، ١٢٣ باب ١٣ / ح ٥٠١٥ كتاب فضائل القرآن ويُستأنَسُ لهذا بما أخرجه أبو عُبيد(١) من حديث أبي الدَّرداء قال: جَزَّأ النبيُّ وَلّ القرآنَ ثلاثة أجزاء، فجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ﴾ جُزءاً من أجزاء القرآن. وقال القُرطُبيّ: اشتَمَلَت هذه السّورة على اسمَينِ من أسماء الله تعالى يَتَضَمَّنان جميعَ أوصاف الكمال، لم يُوجَدا في غيرها من السُّوَر، وهما: الأحد الصَّمَد، لأنَّهما يدلّان على أحَدِيَّة الذّات المقدَّسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، وبيانُ ذلك أنَّ الأحدَ يُشعِر بوجودِه الخاصِّ الذي لا يُشاركُه فيه غيره، والصَّمَد يُشعِر بجميع أوصاف الكمال لأنَّه الذي انتهى إليه سُؤْدُده فكان مَرجِع الطَّلَب منه وإليه، ولا يَتِمُّ ذلك على وجه التَّحقيق إلّا لمن حازَ جميع خِصَال الكمال، وذلك لا يَصلُح إلّا لله تعالى، فلمَّا اشتَمَلَت هذه السّورة على مَعرِفة الذّات المقدَّسة، كانت بالنِّسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذّات وصفات الفعل ثُلُثاً، انتھی. وقال غيره: تَضَمَّنَت هذه السّورة توجيه الاعتقاد وصِدْق المعرفة وما يجب إثباتُه لله من الأَحَديَّة المنافية لمُطلَقِ الشَّرِكة، والصَّمَديَّة المثبتة له جميعَ صفات الكمال الذي لا يَلحَقُه نقصٌّ، ونفي الولد والوالد المقرِّر لكمال المعنى، ونفي الكُفْء المتضَمِّن لنفي الشَّبيه والنَّظير، وهذه مجامعُ التَّوحيد الاعتقاديّ، ولذلك عادَلَت ثُلُثَ القرآن، لأنَّ القرآن خبرٌ وإنشاء، والإنشاء: أمرٌ ونهي وإباحة، والخبر: خبرٌ عن الخالق وخبر عن خلقه، فأخلَصَت سورةُ الإخلاص الخبرَ عن الله، وخَلَّصَت قارئَها من الشِّرك الاعتقاديّ. ومنهم مَن حَمَلَ الثَّلْثِيَّة (٢) على تحصيل الثَّواب فقال: معنى كَونها ثُلُثَ القرآن: أنَّ ثواب قراءتها يَحصُل للقارئٍ مِثل ثواب مَن قرأ ثُلُثَ القرآن، وقيل: مثله بغير تضعيف، وهي (١) في ((فضائل القرآن)) له ص٢٦٨-٢٦٩، وفي سنده سعيد بن بشير، عن قتادة، وسعيدٌ ضعيف، وقد فات الحافظَ رحمه الله أن يعزوه إلى مسلم، فهو في ((صحيحه)) (٨١١) (٢٦٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة وأبان العطار عن قتادة بسنده إلى أبي الدرداء رفعه إلى النبي ◌َ ◌ّه قال: ((إنَّ الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء ... )) إلى آخره. (٢) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: المثلية، والتصويب من (ع). ١٢٤ باب ١٣ / ح ٥٠١٥ فتح الباري بشرح البخاري دَعْوَى بغير دليل، ويُؤيِّد الإطلاق ما أخرجه مسلم (٢٥٩/٨١١) من حديث أبي الدَّرداء، فذكر نحوَ حديث أبي سعيد الأخير وقال فيه: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ تَعدِل ثُلُثَ القرآن))، ولمسلم أيضاً (٢٦١/٨١٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((احشُدوا، فسَأقرأ عليكم ثُلُث القرآن)) فخَرَجَ فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾، ثمّ قال: ((أَلَا إِنَّهَا تَعدِل ثُلُث القرآن))، ولأبي عُبيد (١) من حديث أبيّ بن كعب: ((مَن قرأ: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ فكأنَّما قرأ ثُلُث القرآن))، وإذا حُلَ ذلك على ظاهره، فهل ذلك لثُلُثِ من القرآن مُعيَّن، أو لأيِّ ثُلُث فُرِضَ منه؟ فيه نظرٌ، ويَلزَم على الثّاني أنَّ مَن قرأَها ثلاثاً كان كمَن قرأ خَتْمة كاملة. وقيل: المراد: مَن عَمِلَ بما تَضَمَّتَه من الإخلاص والتَّوحيد كان كمَن قرأ ثُلُثَ القرآن. واذَّعَى بعضهم أنَّ قوله: («تَعدِل ثُلُث القرآن)» يَخْتَصّ بصاحب الواقعة، لأنَّه لمَّا رَدَّدَها في ليلته كان كمَن قرأ ثُلُث القرآن بغير ترديد، قال القابِسيّ: ولعلَّ الرجل الذي جَرَى له ذلك لم يكن يَحِفَظُ غيرَها، فلذلك استَقَلَّ عَمَلَه، فقال له الشّارع ذلك ترغيباً له في عمل الخير وإن قَلَّ. وقال ابن عبد البَرّ: مَن لم يَتأوَّلْ هذا الحديث أخلَصُ مَمَّن أجابَ فيه بالرَّأي. وفي الحديث إثباتُ فضل ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾، وقد قال بعض العلماء: إنَّها تُضاهي كلمةَ التَّوحيد لمَا اشتَمَلَت عليه من الجُمَل المثبتة والنافية معَ زيادة تعليل، ومعنى النَّفي فيها أنَّه الخالق الرَّزاق المعبود، لأنَّه ليس فوقه مَن يَمنَعُه كالوالِدِ، ولا مَن يُساوِيه في ذلك كالكُفْءِ، ولا مَن يُعِينه على ذلك كالولد. وفيه إلقاءُ العالم المسائلَ على أصحابه، واستعمال اللَّفظ في غير ما يَتَبَادَر للفَهْم، لأنَّ المتبادِرَ من إطلاق ثُلُث القرآن أنَّ المراد ثُلُث حَجْمه المكتوب مثلاً، وقد ظَهَرَ أنَّ ذلك غیر مُراد. تنبيه: أخرج التِّرمِذيّ (٢٨٩٤) والحاكم (١/ ٥٦٦) وأبو الشَّيخ من حديث ابن عبّاس (١) ((فضائل القرآن)) ص٢٦٨. ١٢٥ باب ١٤ / ح ٥٠١٦-٥٠١٧ كتاب فضائل القرآن رَفَعَه: ((﴿إِذَا زُْزِلَتِ﴾ تَعدِل نصفَ القرآن، والكافرونَ تَعدِل رُبعَ القرآن))، وأخرج الثِّرمِذيّ أيضاً (٢٨٩٥) وابن أبي شَيْبة وأبو الشَّيخ من طريق سَلَمةَ بن وَرْدان عن أنس:/ ٦٢/٩ ((إنَّ الكافرونَ والنَّصر تَعدِل كلٌّ منهما رُبعَ القرآن، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ﴾ تَعدِل رُبعَ القرآن»، زاد ابن أبي شَيْبةٍ وأبو الشَّيخ: ((وآية الكرسيّ تَعدِل رُبعَ القرآن))، وهو حديث ضعيف لضعفٍ سَلَمَةَ وإن حَسَّنَهَ التِّرمِذيّ فلعلَّه تَساهَلَ فيه لكَونِه من فضائل الأعمال، وكذا صَحَّحَ الحاكمُ حديث ابن عبّاس وفي سنده يَمانُ بن المغيرة، وهو ضعيف عندهم. ١٤ - باب فضل المعوِّذات ٥٠١٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةً رضي الله عنها: أنَّ رسولَ اللهِوَِّ كان إذا اشتكَى يَقْرأُ على نفسِه بالمعوِّذات ويَنْفُثُ، فلمَّا اشْتَدَّ وَجَعُه كنتُ أَقَرَأُ عليه، وأمسَحُ بَيَدِه رَجاءَ بَرَ كَتِها. ٥٠١٧- حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا المفضَّلُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ ◌َه كان إذا أَوَى إلى فِراشِه كلَّ ليلةٍ، جَمَعَ كَفَِّهِ ثمَّ نَفَثَ فيهما، فقرأَ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثمَّ ◌َمْسَحُ بهما ما استطاعَ من جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بهما على رأسِه ووَجْهِه، وما أقبَلَ من جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ. [طرفاه في: ٥٧٤٨، ٦٣١٩] قوله: ((باب فضل المعوِّذات)) أي: الإخلاص والفَلَق والناس، وقد كنتُ جَوَّزت في ((باب الوفاة النبويَّة)) من كتاب المغازي (٤٤٣٩) أنَّ الجمع فيه بناءٌ على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، ثمَّ ظَهَرَ من حديث هذا الباب أنَّه على الظّاهر، وأنَّ المراد بأنَّه كان يقرأ بالمعوِّذات، أي: السُّوَر الثلاث، وذكر سورة الإخلاص معهما تغليباً لمَا اشْتَمَلَت عليه من صِفَة الَّبّ وإن لم يُصرِّحْ فيها بلفظ التَّعويذ. وقد أخرج أصحاب ((السُّنَن)) الثلاثة وأحمد وابن خُزيمةَ (٥٣٤ , ٥٣٥) وابن حِبّان (٧٩٥) من حديث عُقْبةَ بن عامر قال: قال لي رسول الله وَّه: ١٢٦ باب ١٤ / ح ٥٠١٧ فتح الباري بشرح البخاري ((﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ تَعَوَّذْ بهنَّ، فإِنَّه لم يُتَعَوَّذِ بِمِثْلِهِنَّ))(١)، وفي لفظ(٢): ((اقرأ المعوِّذاتِ دُبرَ كلِّ صلاة)) فذَكَرهنَّ. قوله: ((كان إذا اشتكَى يَقْرأُ على نفسه بالمعوِّذات)) الحديث تقدَّم في الوفاة النبويَّة (٤٤٣٩) من طريق عبد الله بن المبارك عن يونس عن ابن شِهاب، وتقدَّم بعضُ شرحه، ويأتي بقيَّته في كتاب الطِّبّ (٥٧٣٥). ورواية عُقَيل عن ابن شِهاب في هذا الباب وإن انّحدَ سندُها بالذي قبله من ابن شهاب فصاعِداً، لكن فيها: أنَّه كان يقرأ المعوِّذات عند النَّوم، فهي مُغايرة لحديثِ مالك المذكور، فالذي يَتَرَجَّح أنَّهما حدیثان عند ابن شهاب بسندٍ واحد، عند بعض الرُّواة عنه ما ليس عند بعض، فأمَّا مالكٌ ومَعمَر ويونس وزياد بن سعد عند مسلم (٢١٩٢/ ٥١) فلم تختلف الرُّواةُ عنهم في أنَّ ذلك كان عند الوَجَع، ومنهم مَن قَّدَه بمرضِ الموت، ومنهم مَن زاد فيه فِعلَ عائشة، ولم يُفسِّر أحدٌ منهم المعوِّذات، وأمَّا عُقَيل فلم تختلف الرُّواةُ عنه في ذلك عند النَّوم. ووَقَعَ في رواية يونس من طريق سليمان بن بلال عنه: أنَّ فِعلَ عائشة كان بأمره وَلِّ، وسيأتي في كتاب الطِّبّ (٥٧٤٨) لكن فيها: أنه كان يقرأ المعوذات عند النوم(٣). وقد جعلهما أبو مسعود حديثاً واحداً، وتَعقَّبَه أبو العبّاس الطَّرْقِيّ، وفَرَّقَ بينهما خَلَفٌ(٤)، والله أعلم. وسيأتي شرحه في كتاب الطِّبّ إن شاء الله تعالى. (١) لم يخرجه بذِكْر السور الثلاثة غير أحمد (١٧٣٣٤)، والنسائي (٥٤٣٠) و(٥٤٣١)، أما البقية: أبو داود (١٤٦٢)، والترمذي (٢٩٠٢) و(٣٣٦٧)، وابن خزيمة (٥٣٤) و(٥٣٥) فذكروا الفلق والناس فقط، وأما ابن حبان (٧٩٥) فذكر الفلق فقط، وقد فات الحافظَ أن يخرجه من عند مسلم (٨١٤) فهو عنده كرواية أبي داود والترمذي بذكر الفلق والناس. (٢) عند أحمد (١٧٤١٧)، وأبي داود (١٥٢٣)، والترمذي (٢٩٠٣)، والنسائي (١٣٣٦)، إلّا أنهم لم يذكروهنَّ. (٣) قوله: ((لكن فيها أنَّه كان يقرأ المعوذات عند النوم)) من (ع) ولم يرد في (أ) و(س). (٤) زاد في (س) بعد هذا: وتبعه المزي، وهي زيادة مقحمة لم ترد في الأصلين، والمزي في كتابه ((تحفة الأشراف)» (١٦٧٠٧) إنما تبع أبا مسعود في جعلهما حديثاً واحداً ولم يفصلهما. ١٢٧ باب ١٥ / ح ٥٠١٨ كتاب فضائل القرآن ٦٣/٩ ١٥ - باب نزول السَّكينة والملائكة عند قراءة القرآن ٥٠١٨ - وقال اللَّيثُ: حدَّثني يزيدُ بنُ الهادٍ، عن محمَّدٍ بنِ إبراهيمَ، عن أَسَيدِ بنِ حُضَيرٍ قال: بينما هو يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سورةَ البقرةِ، وفَرَسُه مَرْبوطٌ عندَه، إذْ جالَتِ الفرسُ، فسَكَتَ فسَكَتَت، فقرأَ فجالَتِ الفرسُ، فسَكَتَ وسَكَتَتِ الفرسُ، ثمَّ قرأَ فجالَتِ الفرسُ، فانصَرَفَ وكان ابنُه يحيى قريباً منها، فأشفَقَ أن تُصِيبَه، فلمَّا اجْتَرَّه رَفَعَ رأسَه إلى السماءِ حتَّى ما يراها، فلمَّا أصبَحَ حدَّث النبيَّ ◌َِّ، فقال: ((اقرَأْ يا ابنَ حُضَيرٍ، اقرَأْ يا ابنَ خُضَيرٍ)) قال: فأشفَقْتُ با رسولَ الله أن تَطَأَ يحيى، وكان منها قريباً، فَرَفَعْتُ رأسي فانصَرَفْتُ إليه، فَرَفَعْتُ رأسي إلى السماءِ فإذا مِثْلُ الظُّلّةِ فيها أمثالُ المصابيح، فخَرَجَت حتَّى لا أَراها، قال: ((وتَذْري ما ذاكَ؟» قال: لا، قال: ((تلك الملائكةُ دَنَت لِصوتِكَ، ولو قرأْتَ لأصبَحَتْ يَنظُرُ الناسُ إليها، ما تَتَواری منهم». قال ابنُ الهادِ: وحدَّثني هذا الحديثَ عبدُ الله بنُ خَبّابٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ، عن أُسَيدِ ابنِ حُضَيرٍ. قوله: ((باب نزول السَّكينة والملائكة عند قراءة القرآن)) كذا جَمَعَ بين السَّكينة والملائكة، ولم يقع في حديث الباب ذِكرُ السَّكينة، ولا في حديث البراء الماضي في فضل سورة الكهف (٥٠١١) ذِكرُ الملائكة، فلعلَّ المصنّفَ كان يرى أنَّهما قصَّة واحدة، ولعلَّه أشارَ إلى أنَّ المراد بالظُّلّة في حديث الباب السَّكينة، لكنَّ ابن بَطّال جَزَمَ بأنَّ الظُّلّة السّحابة، وأنَّ الملائكة كانت فيها ومعها السَّكينة. قال ابن بَطّال: قضيّة التَّرجمة أنَّ السَّكينة تَنزِل أبداً معَ الملائكة، وقد تقدَّم (٥٠١١) بيانُ الْخِلاف في السَّكينة ما هي، وما قال النَّوَويّ في ذلك. قوله: ((وقال اللَّيث)) إلى آخره، وَصَلَه أبو عُبيد في ((فضائل القرآن))(١) عن يحيى بن بُكَير عن اللَّيث بالإسنادَينِ جميعاً. قوله: ((حدَّثْني يزيدُ بن الهادِ)) هو ابن أُسامة بن عبد الله بن شدَّاد بن الهادِ. (١) ((فضائل القرآن)) ص ٦٣ -٦٤ و٦٤. ١٢٨ باب ١٥ / ح ٥٠١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن محمّد بن إبراهيم)) هو التَّيْميُّ، وهو من صِغَار التابعينَ، ولم يُدرِكْ أُسَيدَ بن حُضَير فروايته عنه مُنقَطِعة، لكنَّ الاعتماد في وَصْلِ الحديث المذكور على الإسناد الثّاني، قال الإسماعيليّ: محمَّد بن إبراهيم عن أُسَيد بن حُضَير مُرسَل، وعبدُ الله بن خَبّاب عن أبي سعيد مُتَّصِل؛ ثمَّ ساقه من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن يزيد بن الهادِ بالإسنادَينِ جميعاً، وقال: هذه الطَّريق على شرط البخاريّ. قلت: وجاء عن اللَّيث فيه إسناد ثالث أخرجه النَّسائيُّ من طريق شُعَيب بن اللَّيث (ك٧٩٦٢) وداود بن منصور (ك ٨٠٢٠) كلاهما عن اللَّيث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن الهادِ بالإسناد الثّاني فقط، وأخرجه مسلم (٧٩٦) والنَّسائيُّ أيضاً (ك٨١٨٧) من طريق إبراهيم بن سعد عن يزيد بن الهادِ بالإسناد الثّاني، لكن وَقَعَ في روايته: عن أبي سعيد عن أُسَيد بن حُضَير، وفي لفظٍ: عن أبي سعيد أنَّ أُسَيد بن حُضَير قال؛ لكن في سياقه ما يدلُّ على أنَّ أبا سعيد إنَّما ◌َمَلَه عن أُسَيْد، فإنَّه قال في أثنائه: قال أُسَيد: فخَشِيتُ أن يَطَأ يحيى، فَغَدَوتُ على رسول الله وَِّ، فالحديث من مُسنَدَ أُسَيد بن حُضَير، وليحيى بن بُكَير فيه عن اللَّيث إسناد آخر، أخرجه أبو عُبيد أيضاً (١) من هذا الوجه فقال: عن ابن شِهَاب عن ابن كعب (٢) بن مالك عن أُسَيد بن حُضَير. قوله: ((بينما هو يَقْرأُ من اللَّيل سورة البقرة)) في رواية ابن أبي ليلى عن أُسَيد بن حُضَير: بينما أنا أقرأُ سورةً، فلمَّا انتَهَيت إلى آخرها، أخرجه أبو عُبيد(٣)، ويُستَفاد منه أنَّه خَتَمَ ٦٤/٩ السّورةَ التي / ابتَدَأ بها، ووَقَعَ في رواية إبراهيم بن سعدٍ المذكورة: بينما هو يقرأُ في مِربَده؛ أي: المكان الذي فيه الثَّمر، وفي رواية ابن(٤) كعب المذكورة: أنَّه كان يقرأ على ظَهرِ بيته، وهذا مُغَايِرٌ للقصَّة التي فيها أنَّه كان في مِربَده، وفي حديث الباب: أنَّ ابنه كان إلى جانبه (١) ((فضائل القرآن)) ص٦٤. (٢) في (ع) و(س): عن أبي بن كعب، وهو خطأ، والتصويب من (أ) وكتاب أبي عبيد. وابن كعب هذا: هو عبد الرحمن، وقع مسمَّى في رواية الحاكم في ((المستدرك)) ١/ ٥٥٣. (٣) المصدر السابق ص ٦٥. (٤) في (س) وحدها: رواية أبي بن، وهو خطأ كما تقدم. ١٢٩ باب ١٥ / ح ٥٠١٨ كتاب فضائل القرآن وفرسُه مربوطة فخشيَ أن تَطَأَه، وهذا كلُّه مخالف لكَونِه كان حينئذٍ على ظَهرِ البيت، إلّا أن يُرادَ بظَهرِ البيت خارجُه لا أعلاه، فتَتَّحد القِصَّتان. قوله: ((إِذْ جالَت الفرسُ فسَكَتَ فسكَتَت)» في رواية إبراهيم بن سعد: أنَّ ذلك تَكرَّرَ ثلاثَ مِرَار وهو يقرأ، وفي رواية ابن أبي ليلى: سمعتُ رَجّةً من خَلْفي حتَّى ظَنَنتُ أنَّ فرسي تَنْطَلِقِ. قوله: «فلمَّا اجْتَرَّه)» بجيمٍ ومُثنّة وراء ثقيلة والضَّميرُ لولدِه، أي: جرَّ ولدَه من المكان الذي هو فيه حتَّى لا تَطأَه الفرس، ووَقَعَ في رواية القاِسيّ: «أَخَّرَه)) بمُعجَمةٍ ثقيلة وراء خفيفة، أي: عن الموضع الذي كان به خَشْيةً عليه. قوله: ((رَفَعَ رأسه إلى السماء حتَّى ما يراها)) كذا فيه باختصارٍ، وقد أورَدَه أبو عُبيد كاملاً(١) ولفظه: رَفَعَ رأسه إلى السماء، فإذا هو بمِثْل الظُّلّة فيها أمثالُ المصابيح عَرَجَت إلى السماء حتَّى ما يراها، وفي رواية إبراهيم بن سعد: فقمتُ إليها فإذا مِثلُ الظَّة فوق رأسي فيها أمثال السُّرُج، فعَرَجَت في الجوِّ حتَّى ما أَراها. قوله: ((اقرَأْ يا ابن حُضَير)) أي: كان ينبغي أن تَستَمِرَّ على قراءتك، وليس أمراً له بالقراءة في حالة التَّحديث، وكأنَّه استَحضَرَ صورةَ الحال، فصارَ كأنَّه حاضرٌ عنده لمّا رأَى ما رأَى، فكأنَّه يقول: استَمِّرَّ على قراءتك، لتَستَمِّرَّ لك البَرَكةُ بنزولِ الملائكة واستماعِها لقراءتِك، وفَهِمَ أُسَيدٌ ذلك، فأجابَ بعُذْره في قطع القراءة، وهو قوله: ((خِفتُ أن تَطَأ يحيى)) أي: خَشِيت إن استَمرَّيتُ على القراءة أن تَطَأ الفرسُ ولدي، ودَلَّ سياق الحديث على مُحافظة أُسَيد على خُشوعِه في صلاته، لأنَّه كان يُمكِنِه أوَّلَ ما جالت الفرسُ أن يَرفَع رأسه، وكأنَّه كان بَلَغَه حديث النَّهي عن رفع المصلِّ رأسه إلى السماء فلم يَرفَعه حتَّى اشْتَدَّ به الخَطْب، ويحتمل أن يكون رَفَعَ رأسه بعد انقضاء صلاته، فلهذا تَمَادَى به الحالُ ثلاث مرَّات. ووَقَعَ في رواية ابن أبي ليلى المذكورة: ((اقرأْ أبا عَتِيكِ)) وهي كُنية أُسَيْد. (١) في ((فضائل القرآن)) ص٦٣. ١٣٠ باب ١٦ / ح ٥٠١٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((دَنَت لصوتِك)) في رواية إبراهيم بن سعد: (تَستَمِع لك))، وفي رواية ابن كعب المذكورة: وكان أُسَيد حسنَ الصَّوت، وفي رواية يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهادِ عند الإسماعيليّ أيضاً: ((اقرأْ أُسَيدُ، فقد أُوتِيتَ من مزامير آل داود))، وفي هذه الزّيادة إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته. قوله: ((ولو قرأتَ)) في رواية ابن أبي ليلى: ((أمَا إنَّك لو مَضَيتَ)). قوله: «ما تتواری منهم» في روایة إبراهيم بن سعد: «ما تستِر منهم))، وفي رواية ابن أبي ليلى: ((لَرأيتَ الأعاجيب)). قال النَّوَويّ: في هذا الحديث جواز رُؤْية آحاد الأُمّة للملائكة؛ كذا أطلقَ، وهو صحيح لكنَّ الذي يظهرُ الَّقييدُ بالصالح مَثَلاً والحسن الصَّوت، قال: وفيه فضيلة القراءة وأنَّها سببُ نزول الرَّحمة وحضور الملائكة. قلت: الحُكم المذكور أعَمُّ من الدَّليل، فالذي في الرِّواية إنَّما نَشَأَ عن قراءة خاصّة من سورة خاصّة بصِفَةٍ خاصّة، ويحتمل من الخَصُوصيّة ما لم يَذكُر، وإلّا لو كان الإطلاق لحَصَلَ ذلك لكلِّ قارئ. وقد أشارَ في آخر الحديث بقولِه: ((ما تتوارى منهم)) إلى أنَّ الملائكة الاستغراقهم في الاستماع كانوا يَستَمِّرّونَ على عَدَم الاختفاء الذي هو من شأنهم. وفيه مَنْقَبةٌ لأُسَيد بن حُضَير، وفضلُ قراءة سورة البقرة في صلاة اللَّيل، وفضل الخُشوع في الصلاة، وأنَّ التَّشاغُل بشيءٍ من أُمور الدُّنيا ولو كان من المباح قد يُفْوِّت الخير الكثير، فكيف لو كان بغير الأمر المباح. ١٦ - باب مَن قال: لم يَترُكِ النبيُّ ◌َ إلّا ما بينَ الدَّقَّتَيْنِ ٥٠١٩- حدّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيع، قال: دَخَلْتُ أنا وشدَّادُ ابنُ مَعِلٍ على ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، فقال له شدَّاهُ بنُ مَعْقِلٍ: أتَكَ النبيُّ ◌َّه من شيءٍ؟ قال: ما تَرَكَ إلّ ما بينَ اللَّقَّتَيْنِ. قال: ودَخَلْنا على محمَّدِ ابنِ الحنفِيَّةِ فسألْناه، فقال: ما تَرَكَ إلّا ما بينَ الدَّقَّتَينِ. قوله: ((باب من قال: لم يَترُكُ النبيُّ وَّهَ إلّا ما بين الدَّقَّتَينِ)) أي: ما في المصحف، وليس المراد ٦٥/٩ أَنَّه تَرَكَ القرآنَ مجموعاً بین الدَّقَّتینِ، لأنَّ ذلك يخالف ما تقدَّم من جَمْع أبي بکر ثمَّ عثمان. ١٣١ باب ١٦ / ح ٥٠١٩ كتاب فضائل القرآن وهذه التَّرجمة للرَّدِّ على مَن زَعَمَ أنَّ كثيراً من القرآن ذهب لذهاب حَمَتِهِ، وهو شيء اختَلَقَه الرَّوافضُ لتصحيح دَعْواهم أنَّ التَّنصيص على إمامة عليّ واستحقاقِهِ الخِلافةَ عند موت النبيّ وَ ﴿ كان ثابتاً في القرآن، وأنَّ الصَّحابة كَتَمُوه، وهي دَعْوَى باطِلة لأنَّهم لم يَكتُموا مثلَ: ((أنتَ عندي بمَنزِلة هارون من موسى))(١)، وغيرها من الظَّواهر التي قد يَتَمسَّك بها مَن يَدَّعي إمامته، كما لم يَكتُموا ما يعارض ذلك أو يُخْصِّص عُمومَه أو يُقَيِّد مُطلَقَه، وقد تَلَطَّفَ المصنّف في الاستدلال على الرّافضة بما أخرجه عن أحد أئمَّتهم الذينَ يَدَّعونَ إمامتَه وهو محمَّد ابن الحنفيّة: وهو ابن عليّ بن أبي طالب، فلو كان هناك شيءٌ مما يَتَعلَّق بأبيه، لكان هو أحقَّ الناس بالاطّلاع عليه، وكذلك ابنُ عبَّاس فإنَّه ابن عمِّ عليٍّ وأشدُّ الناس له لُزوماً واطِّلاعاً على حاله. قوله: ((عن عبد العزيز بن رُفَيع)) في رواية عليّ بن المَدِينيّ عن سفيان: حدَّثنا عبد العزيز، أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)). قوله: ((دَخَلْتُ أنا وشدَّاد بن مَعقِل)) هو الأسَدُّ الکوفيّ، تابعيُّ کبیر من أصحاب ابن مسعود وعليّ، ولم يقع له في رواية البخاريّ ذِكْر إلّا في هذا الموضع، وأبوه بالمهمَلة والقاف، وقد أخرج البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)) (٣٦٧) من طريق عبد العزيز بن رُفَيع عن شدَّاد بن مَعِقِل عن عبد الله بن مسعود حديثاً غيرَ هذا. قوله: ((أتَرَكَ النبيُّ ◌َالقر من شيء؟)) في رواية الإسماعيليّ: شيئاً سوى القرآن. قوله: ((إلّا ما بين الدَّقَتَينِ)) بالفاءِ تثنية دَفّةٍ بفتح أوَّله: وهو اللَّوح، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: بين اللَّوحَينِ. قوله: ((قال: ودَخَلْنا)) القائل: هو عبد العزيز، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ: لم يَدَعْ إلّا ما في هذا المصحَف؛ أي: لم يَدَع من القرآن ما يُتْلَى إلّا ما هو داخل المصحَف الموجود، ولا يَرِدُ على هذا ما تقدَّم في كتاب العلم (١١١) عن عليّ أنَّه قال: ((ما عندنا إلّا كتابُ الله وما في (١) سلف في المناقب (٣٧٠٦)، وأخرجه مسلم (٢٤٠٤). ١٣٢ باب ١٧ / ح ٥٠٢٠ فتح الباري بشرح البخاري هذه الصَّحيفة))، لأنَّ عليّاً أراد الأحكام التي كَتَبَها عن النبيّ وَّهِ، ولم يَنْفِ أنَّ عنده أشياء أُخَرَ من الأحكام لم يكن كَتَبَها. وأمَّا جوابُ ابن عبّاس وابن الحنفيَّة، فإنَّما أرادا مِن القرآن الذي يُتَلَى، أو أرادا ممَّا يَتَعلَّق بالإمامة، أي: لم يَتْرُكْ شيئاً يَتَعلَّق بأحكام الإمامة إلّا ما هو بأيدي الناس، ويُؤيِّد ذلك ما ثَبَتَ عن جماعة من الصَّحابة من ذِكْر أشياءَ نزلت من القرآن فُنُسِخَت تِلاوَتُها وبَقِيَ حكمُها أو لم يَبقَ، مِثل حديث عمر: ((الشَّيخُ والشَّيخة إذا زَنَيا فارُوهما البَّة))(١)، وحديث أنس في قصَّة القُرّاء الذينَ قُتِلوا في بئر مَعُونة، قال: فأَنزَلَ الله فيهم قرآناً: ((بلِّغوا عَنّا قومَنا أنا قد لَقِينا رَبَّنَا))(٢)، وحديث أبيّ بن كعب: كانت الأحزاب قَدْرَ البقرة(٣)، وحديث حُذيفة: ما يقرؤونَ رُبعَها؛ يعني براءة(٤)، وكلّها أحاديث صحيحة! وقد أخرج ابن الضُّريس من حديث ابن عمر: أنَّه كان يَكرَه أن يقول الرجل: قرأتُ القرآن كلَّه، ويقول: إنَّ منه قرآناً قد رُفعَ. وليس في شيء من ذلك ما يُعارِض حديث الباب، لأنَّ جميع ذلك مَّا نُسِخَت تِلاوَتُه في حياة النبيِّ ◌ََّ. ١٧ - باب فضلِ القرآن على سائرِ الكلام ٥٠٢٠- حدَّثنا هُذْبةُ بنُ خالدٍ أبو خالدٍ، حدَّثنَا هَمَّامٌ، حدَّثْنَا قَتَادُ، حدَّثنا أنس، عن أبي ٦٦/٩ موسى،/ عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَثَلُ الذي يَقْرأُ القرآنَ كالأُتْرُجَّةٍ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها طيِّبٌ، والذي لا يَقْرأُ القرآنَ كالثَّمْرةِ، طَعْمُها طَيِّبٌ ولا رِيحَ لها، ومَثَلُ الفاجرِ الذي يَقْرأُ القرآنَ كَمَثَلِ الرَّيْجَانِةِ، رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مٍُّ، ومَثَلُ الفاجرِ الذي لا يَقْرَأُ القرآنَ كَمَثَلِ الخَنْظَلِةِ، طَعْمُها مُرُّ ولا رِیحَ لها)). [أطرافه في: ٥٠٥٩، ٥٤٢٧، ٧٥٦٠] (١) أخرجه أحمد (٢١٥٩٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧١١٨). (٢) سلف برقم (٢٨٠١)، وأخرجه مسلم (٦٧٧) (٢٩٧). (٣) أخرجه أحمد (٢١٢٠٦) و(٢١٢٠٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧١١٢)، وفيه مقالٌّ. (٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٣٠-٣٣١، والطبراني في «الأوسط)) (١٣٣٠)، وفي سنده عبد الله بن سلمة المرادي وقد تفرد به، وله ما يُنگر. ١٣٣ باب ١٧ / ح ٥٠٢٠ كتاب فضائل القرآن قوله: (باب فضل القرآن على سائر الكلام)) هذه التَّرجمة لفظ حديثٍ أخرج التِّرمِذيّ (٢٩٢٦) معناه من حديث أبي سعيد الخُدْريِّ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((يقول الرَّبُّ عَزَّ وجلَّ: مَن شَغَلَه القرآنُ عن ذِكْري وعن مسألَتي، أعطَيْتُه أفضلَ ما أُعطي السائلينَ، وفضلُ كلام الله على سائر الكلام كفضلِ الله على خلقه)) ورجاله ثقات إلّا عَطيَّة العَوْفيّ ففيه ضعفٌ، وأخرجه ابن عَديّ(١) من رواية شَهْر بن حَوشَبٍ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((فضلُ القرآن على سائر الكلام كفضلِ الله على خلقه)) وفي إسناده عمر بن سعيد الأَشَجّ، وهو ضعيف، وأخرجه ابن الضُّريس(٢) من وجه آخر عن شَهْر بن حَوشَبِ مُرسَلاً، ورجاله لا بأس بهم(٣)، وأخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِّانيّ في ((مُسنَده)) من حديث عمر بن الخطّاب، وفي إسناده صفوان بن أبي الصَّهباء مُخْتَلَف فيه، وأخرجه ابن الضُّريس أيضاً (١٣٩) من طريق الجرّاح بن الضَّحّاك عن عَلْقمة بن مَرَد عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ عن عثمان رَفَعَه: ((خيرُكم مَن تَعلَّمَ القرآن وعَلَّمَه)) ثمَّ قال: ((وفضلُ القرآن على سائر الكلام كفضلِ الله تعالى على خلقِهِ، وذلك أنَّه منه))، وحديث عثمان هذا سيأتي بعد أبواب بدون هذه الزّيادة (٥٠٢٧)، وقد بيَّن العَسكريّ أنَّها من قول أبي عبد الرَّحمن السُّلَمَيّ، وقال المصنِّف في ((خلق أفعال العباد)) (٩٤): ((وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَميّ)) فذكره، وأشارَ في ((خلق أفعال العباد)» إلى أنَّه لا يَصِحُّ مرفوعاً، وأخرجه العسكريّ أيضاً عن طاووسٍ والحسن من قولهما. ثمَّ ذكر المصنّف في الباب حديثَينِ: أحدهما: حديث أبي موسى. قوله: ((مَثَلُ الذي يَقْرأ القرآن كالأَنْرُجّةِ» الأُتْرُجُ: بضمِّ الهمزة والرّاء بينهما مُثنّاة ساكنة وآخره جيم ثقيلة، وقد تُحُفَّف. ويُزاد قبلَها نون ساكنة، ويقال: بحذفِ الألف معَ الوجهَينِ، فتلك أربعُ لُغات، وتَبلُغ معَ النَّخفيف إلى ثمانية. (١) في كتابه ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ١٧٠٥/٥. (٢) في ((فضائل القرآن)) له (١٤٠). (٣) شهرٌ نفسه متكلَّم فيه، وهو صاحب أوهام. ١٣٤ باب ١٧ / ح ٥٠٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((طَعْمها طيِّب وريحها طيِّب)) قيل: خَصَّ صِفَة الإيمان بالطَّعم وصِفَة التِّلاوة بالرِّيحِ، لأنَّ الإيمان ألزَمُ للمؤمنِ من القرآن، إذ يُمكِن حصولُ الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطَّعمُ ألزَمُ للجوهرِ من الرِّيحِ، فقد يذهب ريحُ الجوهر ويَبقَى طَعمُه، ثمَّ قيلَ: الحكمة في تخصيص الأَنْرُجّة بالتَّمثيلِ دون غيرها من الفاكهة التي تَّجَمَع طيبَ الطَّعم ٦٧/٩ والرِّيح كالتُّفّاحة، لأنَّه يُتَداوَى/ بقِشْرها وهو مُفرِح بالخاصّيَّة، ويُستَخرَج من حَبِّها دُهنٌ له منافع، وقيل: إنَّ الجِنّ لا تَقَرَبُ البيت الذي فيه الأُتْرُجّ، فناسَبَ أن يُمثِّلَ به القرآنَ الذي لا تَقرَبُهُ الشَّياطين، وغِلافُ حَبّه أبيض فيناسِبَ قلب المؤمن، وفيها أيضاً من المزايا كِبَرَ جِرمُها وحُسْن مَنظَرها وتفريح لونها ولِين مَلمَسها، وفي أَكلِها معَ الالتذاذ طيبُ نَكْهة ودِباغ مَعِدة وجَوْدة هَضْمٍ، ولها منافعُ أُخرى مذكورة في المفرَدات. ووَقَعَ في رواية شُعْبة عن قَتَادة كما سيأتي بعد أبوابٍ (٥٠٥٩): ((المؤمن الذي يقرأ القرآنَ ويعمل به)) وهي زيادة مُفسِّرة للمُرادِ وأنَّ التَّمثيل وَقَعَ بالذي يقرأ القرآن ولا يُخالِفِ ما اشتَمَلَ عليه من أمرٍ ونهي لا مُطلَق التِّلاوة، فإن قيل: لو كان كذلك لكَثُرَ التَّقسيمُ كأن يقال: الذي يقرأ ويعمل، وعكسه، والذي يعمل ولا يقرأ، وعكسه، والأقسام الأربعة مُمكِّنة في غير المنافقُ، وأمَّا المنافقُ فليس له إلّا قسمان فقط، لأنَّه لا اعتبار بعَمَلِه إذا کان نِفاقُه نفاقَ کفرٍ. وكأنَّ الجواب عن ذلك: أنَّ الذي حُذِفَ من التَّمثيل قسمان: الذي يقرأُ ولا يعمل، الذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق، فيُمكِن تشبيهُ الأوَّل بالرَّيجانة، والثّاني بالحَنظَلة، فاكتَفَى بذِكْر المنافق، والقسمان الآخران قد ذُكِرا. قوله: ((ولا ريحَ فيها)) في رواية شُعْبة: ((لها)). قوله: ((ومَثَلُ الفاجرِ الذي يَقْرأ)) في رواية شُعْبة: ((ومَثَل المنافق)) في الموضعَينِ. قوله: ((ولا ريحَ لها)) في رواية شُعْبة (٥٠٥٩): ((وريحها مُرُّ)) واستُشكِلَت هذه الرِّواية من جهة أنَّ المرارةَ من أوصاف الطُّعوم، فكيف يُوصَف بها الرّيح؟ وأُجيب: بأنَّ ريحها لمَّا ١٣٥ باب ١٨ / ح ٥٠٢١ -٥٠٢٢ كتاب فضائل القرآن كان كَريهاً استُغيرَ له وصفُ المرارة، وأطلقَ الَّرْكَشِيّ هنا: أنَّ هذه الرِّواية وهمٌّ، وأنَّ الصَّواب ما في رواية هذا الباب: (ولا ریحَ ها»، ثمّ قال في كتاب الأطعمة لمَّا جاء فيه (٥٤٢٧): ((ولا رِيحَ لها»: هذا أصوَبُ من رواية التِّرمِذيّ (٢٨٦٥): ((طَعمُها مُرّ، ورِيحها مُّ))، ثمَّ ذكر توجيهَها، وكأنَّه ما استَحضَرَ أنَّها في هذا الكتاب وتَكلَّمَ عليها، فلذلك نَسَبَها للتِّرمِذيِّ. وفي الحديث فضيلةُ حامِلِي القرآن، وضربُ المثَل للتَّقريب للفَهْم، وأنَّ المقصود من تلاوة القرآن العَمَلُ بما دَلَّ علیه. ٥٠٢١- حدَّثْنا مُسلَّدٌ، عن يحيى، عن سفيانَ، حدَّثْني عبدُ الله بنُ دِينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّه قال: ((إنَّما أجَلُكُم في أجَلِ مَن خَلَا مِنَ الأُمَمِ، كما بينَ صلاةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشمسِ، ومَثَلُكم ومَثَلُ اليهودِ والنَّصَارَى، كمَثَلِ رجلٍ اسْتَعمَلَ عُمَّالاً، فقال: مَن يَعْمَلُ لي إلى نِصْفِ النَّهارِ على قيراطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليهودُ، فقال: مَن يَعْمَلُ لي من نِصْفِ النَّهارِ إلى العَصْرِ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثمَّ أنتم تَعمَلونَ منَ العَصْرِ إلى المغربِ بِقِيراَينِ قِيراطَينٍ، قالوا: نحنُ أكثرُ عَمَلاً وأقلُّ عطاءً! قال: هل ظَلَمْتُكم من حَقِّكُم؟ قالوا: لا، قال: فَذَاكَ فَضْلٍ أُوتِهِ مَن شِئتُ)). الحديث الثاني: حديث ابن عمر: ((إنَّما أجَلُكم في أجَلِ مَن قبلَكم)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في المواقيت من كتاب الصلاة (٥٥٧). ومُطابقة الحديث الأوَّل للتَّرجمة من جهة ثُبُوت فضل قارئ القرآن على غيره، فيَستَلِزِم فضلَ القرآن على سائر الكلام كما فَضَّلَ الأُتْرُجَّ على سائر الفواكه، ومُناسَبة الحديث الثّاني من جهة ثُبُوتِ فضل هذه الأُمّة على غيرها من الأُمَم، وثُبوتِ الفضل لها بما ثَبَتَ من فضل كتابها الذي أُمِرَت بالعَمَلِ به. ١٨ - باب الوَصاةِ بكتاب الله عزَّ وجلَّ ٥٠٢٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، حدَّثنا طَلْحةُ، قال: سألتُ عبدَ الله بنَ أبي أَوْلَى: آوْصَى النبيُّ ◌ََّ؟ فقال: لا، فقلتُ: كيفَ كُتِبَ على الناسِ الوَصِيَّةُ، أُمِروا بها ولم يُوصٍ؟ قال: أوصى بكتاب الله. ١٣٦ باب ١٩ / ح ٥٠٢٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (باب الوَصَاة بكتاب الله)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((الوَصَّة))، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في كتاب الوصايا، وتقدَّم فيه (٢٧٤٠) حديث الباب مشروحاً. وقوله فيه: ((أوصَى بكتاب الله)) بعد قوله: ((لا)) حين قال له: هل أوصَى بشيءٍ؟ ظاهر هما التَّخالُف، وليس كذلك، لأنَّ المنفيَّ ما يَتَعلَّق بالإمارة ونحو ذلك لا مُطلَقَ الوَصِيَّة، والمراد بالوَصِيَّة بكتاب الله: حِفْظُهُ حِسّاً ومعنَّى، فيُكرَم ويُصَان، ولا يُسافَر به إلى أرض العدوّ، ويُنَّبَع ما فيه فيُعْمَلُ بأوامره ويُجْتَنَبُ مَناهِيه، ويُداوِمِ تِلاوَتَه وتَعلَّمَه وتعليمَه، ونحو ذلك. ١٩ - بابٌ مَن لم يَتَغنَّ بالقرآنِ ٦٨/٩ وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. ٥٠٢٣- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثني اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرّحمنِ، عن أبي هريرةَ ﴾ أنّه كان يقول: قال رسولُ الله ◌ِ ◌ّ: ((لم يأذَنِ اللهُ لنبيِّ ما أَذِنَ لِنبِيٍّ أَنْ يَتَغْنَى بالقرآنِ)». وقال صاحبٌ له: نَجِهَرُ به. [أطرافه في: ٥٠٢٤، ٧٤٨٢، ٧٥٤٤] قوله: (باب مَن لم يَتَغْنَّ بالقرآنِ)) هذه التَّرجمة لفظ حديث أورَدَه المصنّف في الأحكام(١) من طريق ابن جُرَيج عن ابن شِهاب بسندِ حديث الباب بلفظ: ((مَن لم يَتَغْنَّ بالقرآن فليس مِنّ)، وهو في السُّنَن من حديث سعد بن أبي وقّاص وغيره(٢). قوله: ((وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾)) أشارَ بهذه الآية إلى ترجيح تفسير ابن عُيَينةً: يَتَغنَّى يَستَغني، كما سيأتي في هذا الباب عنه، وأخرجه أبو داود (١٤٧٢) عن ابن عُيَينةَ ووَكِيع جميعاً، وقد بيَّن إسحاقُ بن راهويه عن ابن عُيَينَةَ: (١) بل في التوحيد برقم (٧٥٢٧). (٢) أخرجه أبو داود (١٤٦٩) و(١٤٧٠)، وابن ماجه (١٣٣٧) من حديث سعد بن أبي وقاص، وأبو داود (١٤٧١) من حديث أبي لُبَابة. ١٣٧ باب ١٩ / ح ٥٠٢٣ كتاب فضائل القرآن أنَّه استغناءٌ خاصّ، وكذا قال أحمد عن وكيع: يَستَغْني به عن أخبار الأَمَم الماضية(١)، وقد أخرج الطَّبَريُّ (٧/٢١) وغيره من طريق عَمْرو بن دينار عن يحيى بن جَعْدة قال: جاء ناسٌ من المسلمينَ بكُتُبٍ وقد كَتَبوا فيها بعضَ ما سمعوه من اليهود، فقال النبيّ ◌ِصلّ: ((كَفَى بقومٍ ضَلالة أن يَرغَبوا عَّا جاء به نبيُّهم إليهم إلى ما جاء به غيرُه إلى غيرهم)) فنزلَ: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾. وقد خَفِيَ وجهُ مُناسَبة تلاوة هذه الآية هنا على كثير من الناس كابنٍ كثير، فنَفَى أن يكون لِذِكْرِها وجهٌ، على أنَّ ابن بَطّال معَ تَقَدُّمه قد أشارَ إلى المناسَبة، فقال: قال أهل التَّأويل في هذه الآية؛ فذكر أثر يحيى بن جَعْدة مختصراً، قال: فالمراد بالآية الاستغناءُ عن أخبار الأُمَم الماضية، وليس المراد الاستغناءَ الذي هو ضِدّ الفقر، قال: وإتباع البخاريِّ التَّرجمةَ بالآية يدلّ على أنَّه يذهب إلى ذلك. وقال ابن التِّين: يُفهَم من التَّرجمة أنَّ المراد بالتغنّي الاستغناءُ، لكَونِهِ أَتَبَعَه الآيةَ التي تَتَضَمَّن الإنكار على مَن لم يَستَغنِ بالقرآن عن غيره، فحَمَلَه على الاكتفاء به وعَدَم الافتقار إلى غيره، وحَملُه على ضِدّ الفقر من ◌ُملة ذلك. قوله: ((عن أبي هريرة)) في رواية شُعَيب عن ابن شِهاب: حدَّثني أبو سَلَمةَ أنَّه سمعَ أبا هريرة، أخرجه الإسماعيليّ. قوله: ((لم يأذَنِ اللهُ لنبيِّ)) كذا لهم بنونٍ وموخَّدة، وعند الإسماعيليّ: ((لشيءٍ)) بشينٍ مُعجَمة، وكذا عند مسلم (٧٩٢) من جميع طرقِه، ووَقَعَ في رواية سفيان التي تَلي هذه في الأصل كالجمهورِ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ کروایة عُقَیل. قوله: ((ما أَذِنَ لنبيٍّ)) كذا للأكثر، وعند أبي ذرٍّ: ((للنبيِّ)) بزيادة اللّام، فإن كانت محفوظةً فهي للجِنس، ووَهِمَ مَن ظنَّها للعهدِ وتَوهَّمَ أنَّ المراد نبيُّنا محمَّد ◌َِّ فقال: ما أَذِنَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلم، وشَرَحَه على ذلك. (١) هو عند أحمد في ((مسنده)) (١٤٧٦) لكن دون قوله: ((من أخبار الأمم الماضية)). ١٣٨ باب ١٩ / ح ٥٠٢٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أن يَتَغَنَّى)) كذا لهم، وأخرجه أبو نُعَيم من وجه آخر عن يحيى بن بُكَير شيخ البخاريّ فيه بدون ((أن))، وزَعَمَ ابن الجَوْزيِّ أنَّ الصَّواب حذف ((أن))، وأنَّ إثباتها وهمٌّ من بعض الرُّواة، لأنَّهم كانوا يَرُؤُونَ بالمعنى، فرُبَّما ظنَّ بعضهم المساواةَ فَوَقَعَ في الخطأ، ٦٩/٩ لأنَّ الحديث لو كان بلفظ ((أن))، لكان من الإذْن - بكسرِ الهمزة وسكون الذّال ــ/ بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مُراداً هنا، وإنَّما هو من الأَذَن - بفتحَتَينِ -: وهو الاستماع، وقوله: ((أَذِنَ)) أي: اسْتَمَعَ، والحاصل أنَّ لفظ: ((أَذِنَ)) بفتحةٍ ثمَّ كسرة في الماضي وكذا في المضارع مُشتَرَك بين الإطلاق والاستماع، تقول: أَذِنتُ آذَنُ بالمدِّ، فإن أردتَ الإطلاق فالمصدر بکسرة ثمّ سکون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحَتینِ، قال عديّ بن زيد: أيُّها القلبُ تَعلَّلْ بدَدَنْ إنَّ هَمِّي في سماعِ وأَذَنْ أي: في سماع واستماع(١). وقال القُرطُبيّ: أصل الأذَن - بفتحَتَينِ - أنَّ المستَمِعِ يَمِيل بأُذُنِه إلى جهة مَن يسمعه، وهذا المعنى في حَقّ الله لا يُراد به ظاهرُه، وإنَّما هو على سبيل التوسُّع على ما جَرَى به عُرْف التخاطب، والمراد به في حَقّ الله تعالى إكرامُ القارئِ وإجزال ثوابه، لأنَّ ذلك ثَمَرة الإصغاء. ووَقَعَ عند مسلم (٧٩٢/ ٢٣٤) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ في هذا الحديث: ((ما أَذِنَ لشيءٍ كأَذَنِه) بفتحَتَينِ، ومثله عند ابن أبي داود من طريق محمَّد بن أبي حفصة عن عَمْرو بن دينار عن أبي سَلَمَةَ، وعند أحمد (٢٣٩٤٧ و٢٣٩٥٧) وابن ماجَهْ (١٣٤٠) والحاكم وصَحَّحَه (١/ ٥٧٠-٥٧١) من حديث فَضَالة بن عبيد: (لَلَهُ أشدُّ أَذَناً إلى الرجل الحسنِ الصَّوت بالقرآن من صاحب القَيْنة إلى قَينَتِه))(٢). (١) والدَّدَنُ: هو اللهو واللعب. (٢) وإسناده ضعيف، وأخطأ الحاكم رحمه الله بتصحيحه بناءً على سقوط راوٍ مجهول من سنده على ما هو مبيَّن في تعليقنا على ((مسند أحمد)» (٢٣٩٤٧). ١٣٩ باب ١٩ / ح ٥٠٢٤ كتاب فضائل القرآن قلت: ومع ذلك كلُّه فليس ما أنكَرَه ابن الجَوْزيّ بمُنكَرِ، بل هو موجَّه، وقد وَقَعَ عند مسلم في رواية أُخرى كذلك، ووَجَّهَها عِيَاض بأنَّ المراد الحثُّ على ذلك والأمر به. قوله: ((وقال صاحبٌ له: يَجَهَر به)) الضَّمير في ((له)) لأبي سَلَمَةَ، والصّاحب المذكور: هو عبد الحميد بن عبد الرَّحمن بن زيد بن الخطّاب، بيَّنه الزُّبَيديّ عن ابن شِهاب في هذا الحديث، أخرجه ابن أبي داود عن محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيِّ في ((الزُّهْريّات)) من طريقه بلفظ: ((ما أَذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أذِنَ لنبيِّ يَتَغَّى بالقرآن)) قال ابن شِهاب: وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرَّحمن عن أبي سَلَمَةَ: ((يَتَغْنَّى بالقرآن يَجِهَرُ به))، فكأنَّ هذا التَّسير لم يسمعه ابن شِهاب من أبي سَلَمةَ وسمعَه من عبد الحميد عنه، فكان تارةً يُسَمّيه وتارةً يُبهِمه، وقد أدرَجَه عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عنه، قال الذُّهْلُّ: وهو غير محفوظ في حديث مَعمَر، وقد رواه عبد الأعلى عن مَعمَر بدون هذه الزّيادة. قلت: وهي ثابتة عن أبي سَلَمةَ من وجه آخر، أخرجه مسلم (٧٩٢/ ٢٣٤) من طريق الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة بلفظ: ((ما أَذِنَ اللهُ لشيءٍ كَأَذَنِه النبيِّ يَتَغْنَى بالقرآن يَجِهَرُ به))، وكذا ثَبَتَ عنده من رواية محمَّد بن إبراهيم التَّيْميِّ عن أبي سَلَمةَ (٧٩٢/ ٢٣٣). ٥٠٢٤- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((ما أَذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أَذِنَ لِلنبيِّ أن يَتَغَنَّى بالقرآنِ». قال سفيانُ: تفسیرُه: يستغني به. قوله: ((عن سُفْيان)) هو ابن عُيَينَ. قوله: ((عن الزُّهْريِّ)) هو ابن شِهاب المذكور في الطَّريق الأولى، ونَقَلَ ابن أبي داود عن عليّ ابن المَدِينيّ شيخ البخاريّ فيه قال: لم يَقُل لنا سفيانُ قَطُّ في هذا الحديث: حدَّثنا ابن شِهاب. قلت: قد رواه الحميديُّ في «مُسنَده)) (٩٤٩) عن سفيان قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، ومن طريقه أخرجه أبو نُعَيم في (المستخرَج))، والحُميديّ من أعرَف الناس بحديثٍ ١٤٠ باب ١٩ / ح ٥٠٢٤ فتح الباري بشرح البخاري سفيان، وأكثرِهم تَثُّناً عنه للسّماع من شيوخه. قوله: ((قال سُفْيان: تفسيره: يَسْتَغني به)) كذا فَسَّرَه سفيان، ويُمكِّن أن يُستأنَسَ بما أخرجه أبو داود (١٤٦٩ و١٤٧٠) وابن الضُّرَيس وصَحَّحَه أبو عَوَانة (٣٨٧٣ -٣٨٧٧) عن ابن أبي مُلَيكة عن عُبيد الله بن أبي نَهِيك قال: لَقِيَني سعدُ بن أبي وقّاص وأنا في السُّوق فقال: تُجّارٌ كَسَبَة، سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((ليس مِنّا مَن لم يَتَغْنَّ بالقرآن))، وقد ارتَضَى أبو عُبيدٍ(١) تفسيرَ يَتَغْنَّى بِيَستَغني، وقال: إنَّه جائز في كلام العرب، وأنشَدَ الأعشى: وكنتُ امِرَأْ زَمَناً بالعراقِ عَفِيفَ المُناخ طويلَ التغنِّي ٧٠/٩ أي: كثيرَ الاستغناء، وقال المغيرة بن حَبْناء: كِلَانا غَنيُّ عن أخيهِ حياتَهُ ونحنُ إذا مُشْنا أشدُّتَغَانِيَا قال: فعلى هذا يكون المعنى: مَن لم يَستَغنِ بالقرآن عن الإكثار من الدُّنيا فليس مِنّ، أي: على طريقتنا. واحتجَّ أبو عُبيد أيضاً بقولِ ابن مسعود: مَن قرأ سورةَ آل عمران فهو غَنِيٌّ، ونحو ذلك. وقال ابن الجَوْزيّ: اختَلَفوا في معنى قوله: ((يَتَغْنَّى)) على أربعة أقوال: أحدها: تحسينُ الصَّوت، والثّاني: الاستغناء، والثّالث: التحزُّن، قاله الشافعيّ، والرّابع: التَّشاغُل به، تقول العرب: تَغْنَّى بالمكان: أقامَ به. قلت: وفيه قول آخر حكاه ابن الأنباريّ في ((الزّاهر)) قال: المراد به: التلذُّذ والاستحلاء له، كما يَسْتَلِذُّ أهلُ الطَّرَب بالغِناءِ، فأطلقَ عليه تَغَنّياً من حيثُ إنَّه يُفعَل عنده ما يُفْعَل عند الغِناء، وهو كقولِ النابغة: بُكاء حَمامةٍ تَدْعو هَدِيلاً مُفجَّعةً على فَنَنِ تُغنِّي (١) في ((غريب الحديث)) له ٢/ ١٧١.