النص المفهرس

صفحات 1-20

فَتَحُ الْبَطَرِي
بشرح صِيِّح البُخَارِيّ
تأليف
الإِمَّامِ الْحَافِظِّ شَابِ الِّينِ أحَ بِنْ عَلِّ بْنِ حَرِالمَسِّقَّلَا فِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أُشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَجَعه
شُعُيِّب الأهُؤُوط عادتٌ مُّشْد
شارك في تخريج نصوصه
حقّق هذا الجزء وضَّصَهُ وعَلّ عَلَيْ
بَعَبْ اللَّطِيفُ عِ الَّه
عادل محمد أحمد بُرْهُومٌ
الجزءُ الخَامِسْ عَشْرُ
الرسالة العالمية

-3

فَُّ النَّطَرِي
بشرح صحيح البخاريّ
١٥

دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها الا باذن خطي عن:
شركة الرسالة العالمية م.م.
M-Ressich M-A tomich .
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalebonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112-319039- 818615
P.O. BOX:117460
نِـ
جَمْعَ الحَقُقُ محفوظَةٌ لِلنَّاشِرْ
الطبعة الأولىُ
١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م

٥
باب ١ / ح ٤٩٧٨-٤٩٧٩
كتاب فضائل القرآن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب فضائل القرآن
١ - بابٌ کیف نَزَلَ الوحيُ واوّلُ ما نزل
٣/٩
قال ابنُ عبَّاسٍ: المُهَيمِنُ: الأمِينُ، القرآنُ أمِينٌ على كلِّ كتابٍ قبلَه.
٤٩٧٨، ٤٩٧٩ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن شَيْبانَ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ قال:
أخبَرَتْني عائشةُ وابنُ عبّاس رضي الله عنهم، قالا: لَبِثَ النبيُّ وَّه بِمِكَّةَ عَشْرَ سنينَ يَنْزِلُ عليه
القرآنُ، وبالمدينةِ عَشْرَ سِنِينَ.
قوله: (بسم الله الرَّحمن الرحيم - كتاب فضائل القرآن)) ثَبَتَت البسملةُ و((كتاب)) لأبي
ذرِّ، ووَقَعَ لغيره: ((فضائل القرآن)) حَسْبُ.
قوله: ((بابٌ كيف نزل الوَحْي وأوَّلُ ما نزلَ)) كذا لأبي ذرِّ ((نزلَ)) بلفظ الفعل الماضي،
ولغيره: ((كيف نزول الوحي)) بصيغة المصدر(١)، وقد تقدَّم البحث في كيفيَّة نزوله في
حديث عائشة: ((إنَّ الحارث بن هشام سألَ النبيّ ◌َِّ كيف يأتيك الوحي؟)) في أوَّل
((الصَّحيح)) (٢)، وكذا أوَّل نزوله في حديثها (٣): ((أوَّل ما بُدِئَ به رسول الله أَّ من
الوحي الرُّؤيا الصّادِقة)»، لكن التَّعبير بأوَّل ما نزل أخصُّ من التَّعبير بأوَّل ما بُدِئَّ، لأنَّ
التُّزول يقتضي وجودَ مَن يَنزِلُ به، وأَوَّل ذلك مَجيء الملَك له عِياناً مُبلِّغاً عن الله بما شاءَ من
الوحي، وإيحاءُ الوحي أعَمّ من أن يكون بإنزالٍ أو بإلهامٍ، سواءٌ وَقَعَ ذلك في النَّوم أو في
اليَقَظة. وأمَّا انتزاعُ ذلك من أحاديث الباب فسأذكره إن شاءَ الله تعالى عند شرح كلّ
حدیث منها.
قوله: ((قال ابن عبّاس: المهَيمِن: الأمين، القرآن أمينٌ على كلّ كتابٍ قبلَه)) تقدَّم بيانُ هذا ٤/٣
(١) تحرف في (س) إلى: بصيغة الجمع.

٦
باب ١ / ح ٤٩٧٨ -٤٩٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
الأثر وذِكْرُ مَن وَصَلَه في تفسير سورة المائدة(١)، وهو يَتَعلَّق بأصلِ التَّرجمة وهي فضائل
القرآن، وتوجيه كلام ابن عبّاس: أنَّ القرآن تَضَمَّنَ تصديقَ جميع ما أُنزِلَ قبله، لأنَّ
الأحكام التي فيه إمّا مُقرِّرةٌ لمَا سَبَقَ، وإمّا ناسخة، وذلك يستدعي إثباتَ المنسوخ، وإمّا
مُجُدِّدة، وكلُّ ذلك دالٌّ على تفضيل المجَدِّد.
ثمَّ ذكر المصنّف في الباب ستّة أحاديث:
الأول والثاني: حديث ابن عبّاس وعائشة معاً.
قوله: ((عن شَيْبانَ) هو ابن عبد الرَّحمن، ويحيى: هو ابن أبي كثير، وأبو سَلَمةَ: هو ابن
عبد الرَّحمن.
قوله: ((لَبِثَ النبيُّ وَّهِ بِمَّةٌ عَشْرَ سِنِينَ يَنْزِل عليه القرآن، وبالمدينةِ عَشْرَ سِنِينَ)) كذا
للكُشْمِيهنيّ، ولغيره: ((وبالمدينة عشراً) بإبهام المعدود، وهذا ظاهره أنَّه وَله عاشَ ستّينَ
سنةً إذا انضَمَّ إلى المشهور أنَّه بُعِثَ على رأس الأربعينَ، لكن يُمكِنُ أن يكون الراوي ألغَى
الكسرَ كما تقدَّم بيانُه في الوفاة النبويَّة (٤٤٦٤)، فإنَّ كلَّ مَن رَوَى عنه أنَّه عاشَ ستّينَ أو
أكثر من ثلاث وستّينَ، جاء عنه أنَّه عاشَ ثلاثاً وستّينَ، فالمعتمَد أنَّه عاشَ ثلاثاً وستّينَ،
وما يُخَالِفِ ذلك إمّا أن يُحمَل على إلغاء الكسر في السِّنينَ، وإمّا على جَبْر الكسر في الشُّهور،
وأمَّا حديث الباب فيُمكِن أن يُجمَعَ بينه وبين المشهور بوجهٍ آخر، وهو أنَّه بُعِثَ على رأس
الأربعينَ، فكانت مُدّة وحي المنام ستّة أشهرٍ إلى أن نزل عليه الملَكُ في شهر رمضان من غیر
فَتْرة، ثمَّ فَتَرَ الوحيُّ، ثمَّ تَواتَرَ وتَتابَعَ، فكانت مُدّة تَواتُّره وتَتَابُعه بمگَّة عشر سنين من
غير فترة، أو أنَّه على رأس الأربعينَ قُرِنَ به ميكائيل أو إسرافيل فكان يُلقِي إليه الكلمةَ أو
الشَّيءَ مُدّة ثلاث سنين كما جاء من وجه مُرسَل، ثمَّ قُرِنَ به چِبْریل فكان يَنزِل عليه بالقرآن
مُدّة عشر سنين بمكّة(٢).
ويُؤخَذ من هذا الحديث ممّا يَتَعلَّق بالتّرجمة: أنَّه نزل مُفرَّقاً ولم يَنزِلْ جُملةً واحدة، ولعلَّه
(١) في أول باب منها تحت شرحه.
(٢) انظر آخر شرح الحديث (٣) من كتاب بَدْءِ الوحي.

٧
باب ١ / ح ٤٩٧٨-٤٩٧٩
كتاب فضائل القرآن
أشارَ إلى ما أخرجه النَّسائيُّ (ك٧٩٣٦) وأبو عبيد(١) والحاكم (٢/ ٢٢٢) من وجه آخر عن
ابن عبّاس قال: أُنزِلَ القرآن جُملةً واحدة إلى سَماء الدُّنيا في ليلة القَدْر، ثمّ أُنزِلَ بعد ذلك في
عشرينَ سنة، وقرأ: ﴿ وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠٦]، وفي
رواية للحاكم (٤٧٧/٢ و٥٣٠) والبيهقيّ في ((الدَّلائل))(٢): فُرِّقَ في السِّنينَ، وفي أُخرى
صحيحة لابنِ أبي شَيْبة (٥٣٣/١٠) والحاكم أيضاً (٢/ ٢٢٣ و ٦١١): وُضِعَ في بيت العِزّة
في السماء الدُّنيا، فجَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِل به على النبيّ وَّةِ، وإسناده صحيح، ووَقَعَ في ((المنهاج))
للحَلِيميّ: أنَّ جِبْريل كان يُنزِلُ منه من اللَّوح المحفوظ في ليلة القَدْر إلى السماء الدُّنيا قَدْرَ
ما يَنزِل به على النبيِّ وَّه في تلك السَّنة إلى ليلة القَدْر التي تليها، إلى أن أنزَلَه كلَّه في عشرينَ
ليلةً من عشرين سنة من اللَّوح المحفوظ إلى السماء الدُّنيا، وهذا أورَدَه ابن الأنباريّ من
طريق ضعيفة ومُنقَطِعة أيضاً، وما تقدَّم من أنَّه نزل جُملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ إلى
السماء الدُّنيا ثمَّ أُنزِلَ بعد ذلك مُفرَّقاً، هو الصَّحيح المعتمَد.
وحكى الماورديُّ في تفسير ليلة القَدْر: / أنَّه نزل من اللَّوح المحفوظ جُملةً واحدة، وأنَّ ٥/٩
الحَفَظة نَجَّمَته على جِبْيل في عشرينَ ليلةً، وأنَّ جِبْرِيل نَجَّمَه على النبيّ وََّ في عشرينَ
سنة، وهذا أيضاً غريب، والمعتمَد أنَّ جِبْريل كان يُعارِض النبيَّ ◌َّ﴾ في رمضان بما يَنزِل به
عليه في طول السَّنة، كذا جَزَمَ به الشَّعْبيّ فيما أخرجه عنه أبو عُبيد(٣) وابن أبي شَيْبة(٤)
بإسنادٍ صحيح، وسيأتي مزيدٌ لذلك بعد ثلاثة أبواب.
وقد تقدَّم في بَدْء الوحي (٦): أنَّ أوَّل نزول جِبْريل بالقرآن كان في شهر رمضان،
وسيأتي في هذا الكتاب (٤٩٩٧): أنَّ جِبْريل كان يُعارِض النبيَّ ◌َّ بالقرآن في شهر
(١) في ((فضائل القرآن)) ص ٣٦٧-٣٦٨.
(٢) بل في ((شعب الإيمان)) له برقم (٢٢٥٠).
(٣) في ((فضائل القرآن)) ص٣٥٧.
(٤) الذي في ((مصنفه)) ١٠/ ٥٦٠ من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة: كان جبريل يعرض القرآنَ في
كل عام مرة ...

٨
باب ١ / ح ٤٩٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
رمضان، وفي ذلك حِكمَتان: إحداهما: تَعاهُده، والأُخرى: تَبقيّة ما لم يُنسَخ منه ورفعُ ما
نُسِخَ، فكان رمضان ظَرْفاً لإنزاله جُملةً وتفصيلاً وعرضاً وإحكاماً. وقد أخرج أحمد
(١٦٩٨٤) والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٢٢٤٨) عن واثِلةَ بن الأسقَع أنَّ النبيّ ◌َّ قال:
(أُنزِلَت الثَّوراةُ لستُّ مَضَينَ من رمضان، والإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ خَلَت منه، والَّبُور
لثمان عشرة خَلَت منه، والقرآنُ لأربعٍ وعشرينَ خَلَت من شهر رمضان»(١).
وهذا كلُّه مُطابِقٍ لقولِه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]،
ولقولِه تعالى: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ اٌلْقَدْرِ ﴾ [القدر: ١]، فيحتمل أن تكون ليلةُ القَدْر في تلك
السَّنة كانت تلك اللَّيلةَ، فأُنزِلَ فيها جُملةً إلى سماءِ الدُّنيا، ثمَّ أُنزِلَ في اليوم الرابع والعشرينَ
إلى الأرض أوَّلُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
ويُستَفاد من حديث الباب: أنَّ القرآن نزل كلُّه بمكّة والمدينة خاصّةً، وهو كذلك،
لكن نزل كثيرٌ منه في غير الحرمَينِ حيثُ كان النبيّ ◌َّهِ فِي سَفَر حَجِّ أو عمرة أو غَزَاة،
ولكنّ الاصطِلاح: أنَّ كلَّ ما نزل قبل الهجرة فهو مَكِّيٍّ، وما نزل بعد الهجرة فهو مَدَنيٌّ،
سواءٌ نزل في البلد حالَ الإقامة، أو في غيرها حالَ السَّفَرِ، وسيأتي مزيدٌ لذلك في ((باب
تأليف القرآن)) (٤٩٩٣).
الحديث الثالث:
٤٩٨٠- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، قال: سمعتُ أَبي، عن أبي عثمانَ، قال:
أُنْبِئْتُ أنَّ جِبْرِيلَ أَتَّى النبيَّ ◌َّهِ وعندَه أمُّ سَلَمَةَ، فجَعَلَ يَتَحدَّثُ، فقال النبيُّ ◌َّهِ لِأُمَّ سَلَمَةَ:
((مَن هذا؟)) أو كما قال، قالت: هذا دِخْيةُ، فلمَّا قامَ، قالت: والله ما حَسِبتُهُ إلَّا إيّاه، حتَّى
سمعتُ خُطْبَةَ النبيِّ وَِّ بِخَرِ جِبْرِيلَ؛ أو كما قال.
قال أبي: قلتُ لأبي عثمانَ: مَمَّن سمعتَ هذا؟ قال: من أُسامةَ بنِ زیدٍ.
(١) في سنده عمران القطان وقد تفرَّد به، وهو ممن لا يُتمَل تفرده، وقد ضعَّفه أبو داود والنسائي والعقيلي
وابن معين في رواية. وانظر تمام الكلام عليه وتخريجه في ((مسند أحمد)).

٩
باب ١ / ح ٤٩٨٠
كتاب فضائل القرآن
قوله: ((حدَّثْنا مُعتَمِرٍ)) هو ابن سليمان الشَّيْمَيّ.
قوله: ((قال: أُنبِئْت أنَّ جِبْريل)) فاعل ((قال)) هو أبو عثمان النَّهْدِيّ.
قوله: (أُنبِئْت)) بضمِّ أوَّله على البناء للمجهولِ، وقد عَيِّنَه في آخر الحديث. ووَقَعَ عند
مسلم (٢٤٥١) في أوَّله زيادةٌ حَذَفَها البخاريُّ عَمداً لكونها موقوفةً، ولِعَدَم تَعلُّقها بالباب
وهي: عن أبي عثمان عن سلمان قال: لا تكونَنَّ إن استَطَعتَ أوَّلَ مَن يَدخُلِ السُّوق،
الحديث موقوف، وقد أورَدَه البَرْقانيّ في ((مُستَخرَجه)) من طريق عاصم عن أبي عثمان عن
سَلْمان مرفوعاً.
قوله: ((فقال لأُمِّ سَلَمَةَ: مَن هذا؟)) قائل ذلك النبيُّ وَّةِ، استَفْهَمَ أمَّ سَلَمَةَ عن الذي كان
يُحدِّثه، هل فَطِنَت لكَونِهِ مَلَكاً أو لا؟
قوله: ((أو كما قال)) يريد أنَّ الراوي شَكَّ في اللَّفظ معَ بقاء المعنى في ذِهْنه، وهذه الكلمة
كَثُرَ استعمالُ المحدِّثينَ لها في مِثل ذلك، قال الدَّاوُوديّ: هذا السُّؤَال إِنَّا وَقَعَ بعد ذهاب
جِبْريل، وظاهر سياق الحديث يخالفُه. كذا قال، ولم يظهر لي ما ادَّعاه من الظّهور، بل هو
مُحْتَمِلٌ للأمرَينِ.
قوله: ((قالت: هذا دِحْيةُ)) أي: ابنُ خليفة الكَلْبِيّ، الصَّحابيّ المشهور، وقد تقدَّم ذِكْره
في حديث أبي سفيان الطّويل في قصَّة هِرَقل أوَّل الكتاب (٧)، وكان موصوفاً بالجمال،
وكان چِبْريلُ يأتي النبيَّ ◌َّ﴾ غالباً على صورته.
قوله: ((فلمَّا قامَ)) أي: النبيُّ ◌َّهِ، أي: قامَ ذاهباً إلى المسجد، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يُنكِر
عليها ما ظنَّته من أنَّه دِخْية، اكتِفاءً بما سيقعُ منه في الخطبة ممَّا يُوضح لها المقصود.
قوله: ((ما حَسِبتُه إلّا إيّاه)) هذا كلام أبي سَلَمَةَ، وعند مسلم (٢٤٥١): فقالت أمّ سَلَمةَ:
أيمُنُ اللهِ ما حَسِبته إلّا إيّاه. وأيمُنُ من حُروف القَسَم، وفيها لُغات قد تقدَّم بيائُها(١).
(١) عند شرح الحديث (٣٥٨١).

١٠
باب ١ / ح ٤٩٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حتَّى سمعتُ خُطْبة النبيِّوَّهُ بِخَبَرِ جِبْريل، أو كما قال)) في رواية مسلم: ((يُخبر(١)
خَبَرَنا)) وهو تصحيف نَبَّهَ عليه عِيَاض، قال النَّوَويّ: وهو الموجود في نُسَخ بلادنا.
قلت: ولم أرَ هذا الحديث في شيء من المسانيد إلّا من هذا الطَّريق، فهو من غرائب
((الصَّحيح))، ولم أقِفْ في شيء من الرِّوايات على بيان هذا الخبر في أيّ قصَّة، ويحتمل أن
٦/٩ يكون في قصّة بني قُرَيظة، فقد وَقَعَ في ((دلائل البيهقيِّ)) (١٠/٤) وفي ((الغَيْلانيّات))/ (٥٤٨)
من رواية عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أنَّها رأت النبيَّ وَّهِ يُكلِّم رجلاً وهو
راكِبٌ، فلمَّا دَخَلَ قلت: مَن هذا الذي كنت تُكلِّمه؟ قال: ((بمَن تُشَبِّهِينَه؟)) قلت: بدِحْيَ
ابن خليفة، قال: ((ذاكِ جِبْرِيلُ، أمَرَني أن أمضىَ إلى بني قُرَيظة))(٢).
قوله: ((قال أَبي)) بفتح الهمزة وكسر الموحّدة الخفيفة، والقائل: هو مُعتَمِر بن سليمان.
وقوله: ((فقلتُ لأبي عثمان)) أي: النَّهديّ الذي حدَّثه بالحديث.
وقوله: ((مَّن سمعتَ هذا؟ قال: من أسامة بن زيد)) فيه الاستفسار عن اسم من أُبِهِمَ من
الرُّواة، ولو كان الذي أُبهمَ ثقةً مُعتمَداً، وفائدته احتمالُ أن لا يكون عند السامع كذلك،
ففي بیانه رفعٌ لهذا الاحتمال.
قال عِياضٌ وغيره: وفي هذا الحديث أنَّ للمَلَكِ أن يَتَصَوَّر على صورة الآدَميّ،
وأنَّ له هو في ذاته صورةً لا يستطيع الآدَميُّ أن يراه فيها لضعفِ القُوَى البشريّة إلّا مَن
يَشاءُ الله أن يُقوِّيَه على ذلك، ولهذا كان غالبُ ما يأتي جِبْيلُ إلى النبيّ وَّه في صورة
الرجل كما تقدَّم في بَدْء الوحي (٢): ((وأحياناً يَتَمثَّل لي الملكُ رجلاً))، ولم يَرَ جِبْرِيلَ
على صورته التي خُلِقَ عليها إلّا مرَّتَيْنِ كما ثَبَتَ في ((الصحيحين))(٣)، ومن هنا يَتَبيَّن
(١) في (أ) و(س): يخبرنا، والمثبت من (ع)، وهو الصواب الموافق لما في ((مسلم)) وشرحه للنووي و((الإكمال))
للقاضي عياض ٤٧٨/٧.
(٢) هو من هذا الطريق في ((الغيلانيات))، أما عند البيهقي فهو من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن
محمد عن عائشة.
(٣) البخاري برقم (٤٨٥٥)، ومسلم برقم (١٧٧) من حديث عائشة.

١١
باب ١ / ح ٤٩٨١
كتاب فضائل القرآن
وجهُ دخول حديث أُسامة هذا في هذا الباب.
قالوا: وفيه فضيلةٌ لأُمّ سَلَمَةَ ولِدِحْيةَ، وفيه نظرٌ، لأنَّ أكثر الصَّحابة رأَوا جِبْريل في
صورة الرجل لمَّا جاء فسألَه عن الإيمان والإسلام والإحسان(١)، ولأنَّ اتِّفاق الشَّبَه لا
يَستَلِزِم إثباتَ فضيلة مَعنَويَّة، وغايته أن يكون له مَزِيَّة في حُسْن الصّورة حَسْبُ، وقد قال رَ له
لابنِ قَطَنِ حين قال: ((إنَّ الدَّجّال أشبَهُ الناس به)) فقال: أَيَضُرُّني شَبَهُه؟ قال: ((لا))(٢).
الحديث الرّابع:
٤٩٨١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، حدَّثنا سعيدٌ المقبُريُّ، عن أبيه، عن أبي
هريرةَ، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((ما منَ الأنبياءِ نبيٌّ إلّا أُعْطِيَ مِن الآياتِ ما مِثلُه آمَنَ عليه البشرُ،
وإنَّما كان الذي أُوتِيتُهُ وَحْياً أَوْ حَاه اللهُ إليّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعاً يومَ القيامةِ)).
[طرفه في: ٧٢٧٤]
قوله: ((عن أبيه)) هو أبو سعيد المقبُريُّ كَيْسان، وقد سمعَ سعيدٌ المقبُريُّ الكثيرَ من أبي
هريرة وسمعَ من أبيه عن أبي هريرة، ووَقَعَ الأمران في ((الصحيحين))، وهو دالٌّ على تَثُبُّت
سعید وتَحرِّیه.
قوله: ((ما من الأنبياء نبيٌّ إلَّا أُعْطِيَ)) هذا دالٌّ على أنَّ النبيّ لا بدَّ له من مُعجِزة تقتضي
إيمان مَن شاهَدَها بصِدْقِه، ولا يَضُرُّه مَن أصَرَّ على المعانَدة.
قوله: ((من الآيات)) أي: المعجِزات الخوارق.
قوله: ((ما مِثْلُه آمَنَ عليه البشرُ)) ((ما)) موصولة وَقَعَت مفعولاً ثانياً لأُعطيَ، و((مثلُه)»
مُبْتَدَأ، و(آمَنَ)) خبرُهُ، والمِثْلُ يُطلَق ويُراد به عينُ الشَّيء وما يُساويه، والمعنى: أنَّ كلّ نبيِّ
أُعطيَ آية أو أكثر من شأن مَن يشاهدها من البشر أن يُؤمِنَ به لأجلِها، و ((علیه)) بمعنى
(١) انظر حديث أبي هريرة السالف برقم (٤٧٧٧).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٧٩٠٥)، وانظر تعليقنا عليه، وسيأتي كلامٌ للحافظ ابن حجر على هذا الحديث
في كتاب الفتن عند شرح الحديث (٧١٣١).

١٢
باب ١ / ح ٤٩٨١
فتح الباري بشرح البخاري
اللّام أو الباء الموحّدة، والنُّكتة في التَّعبير بها تَضَمُّنُها معنى الغَلَبة، أي: يُؤمِن بذلك مغلوباً
عليه بحيثُ لا يستطيع دفعَه عن نفسه، لكن قد يُحْذَل(١) فيُعانِد، كما قال الله تعالى:
﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤]، وقال الطِّييُّ: الرّاجِع إلى الموصول
ضمير المجرور في ((عليه)) وهو حالٌ، أي: مغلوباً عليه في التحدِّي، والمراد بالآيات: المعجِزات،
ومَوقِعُ المِثْل مَوقِعُه من قوله: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ،﴾ [يونس: ٣٨] أي: على صِفَته من البيان
وعُلوّ الطَّقة في البلاغة.
تنبيه: قوله: ((آمَنَ)) وَقَعَ في رواية حكاها ابن قُرْقُول: ((أُومِنَ)) بضمِّ الهمزة ثمَّ واو،
وسيأتي في كتاب الاعتصام (٧٢٧٤)، قال: وكَتَبها بعضهم بالياءِ الأخيرة بدلَ الواو، وفي
رواية القابِسيّ: ((أَمِنَ)) بغير مَدِّ من الأمان، والأوَّل هو المعروف.
قوله: ((وإنَّما كان الذي أُوتِيتُهُ وَحْياً أوْحاه الله إليَّ)) أي: إنَّ مُعجِزَتي التي تَحَدَّيتُ بها،
الوحيُّ الذي أُنزِلَ عليَّ، وهو القرآن، لمَا اشتَمَلَ عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد
حَصْرَ مُعجِزاته فيه، ولا أنَّه لم يُؤْتَ من المعجِزات ما أُوتِيَ مَن تقدَّمَه، بل المراد أنَّه المعجزة
العُظمَى التي اختُصَّ بها دون غيره، لأنَّ كلّ نبيّ أُعطيَ مُعجِزةً خاصّة به لم يُعطَها بعَينِها
غيرُه تَحَدَّى بها قومه، وكانت مُعجِزة كلّ نبيّ تقع مُناسِبةً لحال قومه، كما كان السِّحر فاشياً
عند فِرِعَون فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السَّحَرة لكنَّها تَلَقَّفَت ما صَنَعوا،
ولم يقع ذلك بعينِه لغيره، وكذلك إحياءُ عيسى الموتَى وإبراءُ الأكمه والأبرَص، لكَونِ
٧/٩ الأطِّاء/ والحُكماء كانوا في ذلك الزَّمان في غاية الظَّهور، فأتاهم من جنس عملهم بما لم تَصِلْ
قُدرَتهم إليه، ولهذا لمَّا كان العرب الذينَ بُعِثَ فيهم النبيُّ ◌َله في الغاية من البلاغة، جاءهم
بالقرآن الذي تَحدّاهم أن يأتوا بسورةٍ مِثلِه فلم يقدروا على ذلك.
وقيل: المراد أنَّ القرآن ليس له مِثْلٌ لا صورةً ولا حقيقةً، بخلاف غيره من المعجِزات،
فإِنَّها لا تَّخُلُو عن مِثل. وقيل: المراد أنَّ كلّ نبيٍّ أُعطيَ من المعجزات ما كان مِثلُه لمن كان
(١) في (س): يجحد.

١٣
باب ١ / ح ٤٩٨١
كتاب فضائل القرآن
قبله صورةً أو حقيقةً، والقرآن لم يُؤتَ أحد قبلَه مِثلَه، فلهذا أردَفَه بقولِه: ((فأرجو أن أكون
أكثرهم تابعاً».
وقيل: المراد أنَّ الذي أُوتِيتُهُ لا يَتَطَرَّق إليه تخييل، وإنَّما هو كلامٌ مُعجِزٍ لا يَقدِر أحد أن
يأتي بما يُتَخِيَّل منه التَّشبيه به، بخِلَاف غيره، فإنَّه قد يقع في مُعجِزاتهم ما يَقدِرُ الساحر أن
يُيِّل شَبَهه، فيحتاج مَن يُميِّز بينهما إلى نظر، والنَّظَر عُرْضة للخطأ، فقد يُخْطِئ الناظر فيَظُنُّ
تَساوِیهما.
وقيل: المراد أنَّ مُعجِزات الأنبياء انقَرَضَت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلّا مَن
حَضَرَها، ومُعجِزة القرآن مُستَمِّة إلى يوم القيامة، وخَرْقه للعادة في أُسلوبه وبَلاغَته
وإخباره بالمغيَّيات، فلا يَمُرّ عصرٌ من الأعصار إلّا ويظهر فيه شيء ممَّا أَخبر به أنَّه سيكون،
يدلّ على صِحّة دَعْواه، وهذا أقوى المحتَمَلات، وتکمیله في الذي بعده.
وقيل: المعنى أنَّ المعجِزاتِ الماضية كانت حِسّيَّة تُشاهَد بالأبصار كناقة صالح وعصا
موسى، ومُعجِزة القرآن تُشاهَد بالبَصِيرة فيكون مَن يَتَبَعُه لأجلِها أكثرَ، لأنَّ الذي يُشاهَد
بعينِ الرَّأس يَنقَرِض بانقراض مُشاهِده، والذي يُشاهَد بعينِ العقل باقٍ يُشاهِده كلَّ مَن
جاء بعد الأوَّل مُستَمِرّاً.
قلت: ويُمكِن نظمُ هذه الأقوال كلِّها في كلام واحد، فإنَّ مُحُصَّلَها لا يُنافي بعضُه
بعضاً.
قوله: ((فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة)) رَتَّبَ هذا الكلام على ما تقدَّم من
مُعجِزة القرآن المستَمِرّة لكَثْرة فائدته وعُموم نفعه، لاشتماله على الدَّعوة والحُجّة والإخبار
بما سيكون، فعَمَّ نَفعُه مَن حَضَرَ ومَن غابَ، ومَن وُجِدَ ومَن سيُوجَد، فحَسُنَ ترتیب
الرَّجْوَى المذكورة على ذلك، وهذه الرَّجوَى قد تَحقَّقَت، فإنَّه أكثر الأنبياء تَبَعاً، وسيأتي
بيانُ ذلك واضحاً في كتاب الرِّقاق إن شاءَ الله تعالى. وتَعلَّقُ هذا الحديثِ بالتَّرجمة من جهة
أنَّ القرآن إنَّما نزل بالوحي الذي يأتي به الملَكُ، لا بالمنام ولا بالإلهام.

١٤
باب ١ / ح ٤٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقد جَمَعَ بعضُهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء: أحدها: حُسْن تأليفه والْتِئام كَلِمِه معَ
الإيجاز والبلاغة، ثانيها: صورة سياقه وأُسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من
العرب نظماً ونَثراً، حتَّى حارَتْ فيه عقولهم ولم يَهَتَدوا إلى الإتيان بشيءٍ مثلِهِ معَ تَوَقُّر
دَواعِيهم على تحصيل ذلك وتقريعه لهم على العَجْز عنه، ثالثها: ما اشتَمَلَ عليه من الإخبار
عَّا مَضَى من أحوال الأُمَم السالفة والشَّرائع الدَّائِرة، ممّا كان لا يَعلَمُ منه بعضَه إلّا النادر
من أهل الكتاب، رابعها: الإخبار بما سيأتي من الكَوائن التي وَقَعَ بعضُها في العصر النبويّ
وبعضها بعده. ومن غير هذه الأربعة آياتٌ وَرَدَت بتعجيزِ قوم في قضايا أنَّهم لا يفعلونَها،
فَعَجَزوا عنها معَ تَوَفَّر دَوَاعِيهم على تكذيبه، كتَمنِّي اليهودِ الموتَ، ومنها: الرّوعة التي تَحصُل
السامعِه، ومنها: أنَّ قارئَه لا يَمَلّ من تَرْداده، وسامعه لا يَمُجّه، ولا يزداد بكَثْرة التَّكرار إلّا
طَراوةً وَلَذَاذة، ومنها: أنَّه آية باقية لا تُعدَم ما بَقِيَت الدُّنيا، ومنها: جمعُه لعلومٍ ومَعارفَ لا
تَنْقَضي عجائبُها ولا تنتهي فوائدُها. انتهى مُلَّصاً من كلام عیاض، وغيره.
الحديث الخامس:
٤٩٨٢- حدَّثنا عَمْرو بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أَبي، عن صالحٍ بنِ
كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكِ : أنَّ اللهَ تعالى تابَعَ على رسولِه ◌َلـ
قبلَ وفاتِهِ، حتَّى تَوَفّه أكثرَ ما كان الوَحْيُ، ثمَّ تُوفِّيَ رسولُ اللهِ وَّ بَعْدُ.
قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن محمَّد)) هو الناقدُ، وبذلك جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وكذا
أخرجه مسلم (٣٠١٦) عن عَمْرو بن محمَّد الناقد وغيره عن يعقوب بن إبراهيم. ووَقَعَ في
(الأطراف)) لَخَلَفٍ: ((حدَّثْنا عَمْرو بن عليّ الفَلَاس))، ورأيت في نُسْخة مُعتمَدة من رواية
النَّسَفيّ عن البخاريّ: ((حدَّثْنا عَمْرو بن خالد)» وأظنّه تصحيفاً، والأوَّل هو المعتمد، فإنَّ
٨/٩ الثلاثة وإن كانوا معروفِينَ/ من شيوخ البخاريّ، لكن الناقد أخصُّ من غيره بالرِّواية عن
يعقوب بن إبراهيم بن سعد.
ورواية صالح بن كَيْسانَ عن ابن شِهاب من رواية الأقران، بل صالح بن کَیْسانَ أكبرُ

١٥
باب ١ / ح ٤٩٨٣
كتاب فضائل القرآن
سِنّاً من ابن شهاب وأقدمُ سماعاً، وإبراهيم بن سعد قد سمعَ من ابن شهاب كما سيأتي
تصريحُه بتحديثه له في الحديث الآتي بعد باب واحد (٤٩٨٦).
قوله: ((إنَّ الله تابَعَ على رسوله وَّهَ قبلَ وفاته)) كذا للأكثرِ، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((إنَّ الله
تابَعَ على رسوله الوحيَ قبل وفاته)) أي: أكثرَ إنزالَه قُربَ وفاته بَِّ، والسِّرُّ في ذلك أنَّ
الوفود بعد فتح مكَّة كَثُروا، وكَثُرَ سؤالهم عن الأحكام فكَثُرَ النُّزول بسبب ذلك. ووَقَعَ
لي سببُ تحديث أنس بذلك من رواية الدَّرَاوَزْديِّ عن الأُماميّ عن الزّهْرِيِّ: سألتُ أنسَ
ابن مالك: هل فَتَرَ الوحيُّ عن النبيّ وَّقبل أن يموت؟ قال: أكثر ما كان وأَجُّه؛ أورَدَه
ابن یونس في «تاریخ مِصر» في ترجمة محمّد بن سعید بن أبي مریم.
قوله: ((حتَّى تَوَفّاه أكثرَ ما كان الوَحْيُ)) أي: الزّمان الذي وَقَعَت فيه وفاتُه كان نزولُ
الوحي فيه أكثرَ من غيره من الأزمنة.
قوله: (ثُمَّ تُقِّيَ رسول الله ◌ِِّ بَعْدُ)) فيه إظهار ما تَضَمَّتَه الغايةُ في قوله: ((حتَّى تَوَفّاه الله))،
وهذا الذي وَقَعَ أخيراً على خِلَاف ما وَقَعَ أوَّلاً، فإنَّ الوحي في أوَّل البِعْثَة فَتَرَ فَتْرةً ثمَّ
كَثُرَ، وفي أثناء التُّزول بمكّة لم يَنزِل من السُّوَر الطِّوال إلّا القليل، ثمّ بعد الهجرة نزلت
السّوَر الطِّوال المشتَمِلة على غالب الأحكام، إلّا أنَّه كان الزَّمَنُ الأخير من الحياة النبويَّة
أكثرَ الأزمنة نزولاً بالسَّبَب المتقدِّم، وبهذا تظهرُ مُناسَبة هذا الحديث للتَرجمة لتَضَمُّنِهِ
الإشارةَ إلى كيفيَّة التُّزول.
الحديث السادس:
٤٩٨٣- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن الأسوَدِ بنِ قيسٍ، قال: سمعتُ جُنْدُباً
يقول: اشتَكَى النبيُّ وَّه، فلم يَقُمْ ليلةً أو ليلتَينِ، فأنتْه امرأةٌ فقالت: يا محمَّدُ، ما أُرَى
شيطانَكَ إلّا قد تَرَكَكَ، فَأَنزَلَ الله عزَّ وجلّ: ﴿وَالضُّحَىِ ) وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى (٥) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ
وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ -٣].
قوله: ((حدَّثْنَا سُفْيان)) هو الثَّوريّ، وقد تقدَّم شرح الحديث قريباً في سورة ﴿وَالضُّحَى﴾

١٦
باب ٢ / ح ٤٩٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
(٤٩٥٠)، ووجه إيراده في هذا الباب: الإشارةُ إلى أنَّ تأخير التُّزول أحياناً إنَّما كان يقع الحِكمةٍ
تقتضي ذلك لا لقصدِ تركِه أصلاً، فكان نزوله على أنحاءٍ شَتَّى: تارةً يَتَابَع، وتارةً يَتَراخَی.
وفي إنزاله مُفرَّقاً وجوهٌ من الحكمة: منها: تسهيل حِفْظه، لأنَّه لو نزل جُملةً واحدة على أُمّة
أُمَيَّة لا يقرأُ غالبُهم ولا يَكتُب، لَشَقَّ عليهم حِفظُه، وأشارَ سبحانه وتعالى إلى ذلك بقولِهِ رَدّاً
على الكفَّار وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَحِدَةٌ كَذَلِكَ ﴾ أي: أنَزَلْناه مُفرَّقاً ﴿لِنُقَبِّتَ بِهِ،
فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]، وبقولِه تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦].
ومنها: ما يَستَلزِمه من الشَّرَف له والعِنايةِ به لكَثْرة تَرَدُّد رسول رَبّه إليه يُعلِمه بأحكام ما يقع له
وأجوبةِ ما يُسأل عنه من الأحكام والحوادث. ومنها: أنَّه أُنزِلَ على سبعة أحرف، فناسَبَ أن
يَنْزِل مُفرَّقاً، إذلو نزل دُفْعة واحدة ◌َشَقَّ بيائُها عادة. ومنها: أنَّ الله قَدَّرَ أن يَنسَخ من أحكامه ما
شاءَ، فكان إنزاله مُفرَّقاً ليَنفَصِل الناسخُ من المنسوخ أولى من إنزالهما معاً.
وقد ضَبَطَ النَّقَلةُ ترتيب نزول السُّوَر كما سيأتي في ((باب تأليف القرآن)) (٤٩٩٣) ولم
يَضِطوا من ترتيب نزول الآيات إلّا قليلاً، وقد تقدم في تفسير ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ (٤٩٥٣)
أنَّها أول سورة نزلت، ومع ذلك فنزَلَ من أوَّلها أوّلاً خمسُ آيات ثم نزل باقيها بعد ذلك،
وكذلك سورة المدَّثّر التي نزلت بعدَها نزل أولها أولاً ثم نزل سائرُها بعدُ، وأَوضح من
ذلك ما أخرجه أصحاب «السنن)) الثلاثة، وصححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس
عن عثمان قال: كان النبيِ وَ لَ يَنْزِلُ عليه الآياتُ فيقول: ((ضَعُوها في السورة التي يُذكَر
فيها كذا))(١)، إلى غير ذلك مما سيأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.
٢ - بابٌ نزل القرآنُ بلسانِ قُرَیشٍ والعربِ
﴿قُرَُّانَّا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]: بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ.
٤٩٨٤- حدَّثنا أبو اليَمَان، حدَّثنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ: وأخبرني أنسُ بنُ مالكِ، قال:
(١) أخرجه أبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٥٣)، وأحمد (٣٩٩)، وابن
حبان (٤٣)، والحاكم ٢٢١/٢ و٣٣٠. وانظر تمام تخريجه في «مسند أحمد)».

١٧
باب ٢ / ح ٤٩٨٥
كتاب فضائل القرآن
فأمَرَ عُثْمَانُ زيدَ بنَ ثابتٍ، وسعيدَ بنَ العاصِ، وعبد الله بنَ الزُّبَيرِ، وعبدَ الرَّحمنِ بنَ الحارثِ بنِ
هشامٍ أن يَنسَخُوها في المصاحفِ، وقال لهم: إذا اختَلَفْتُم أنتم وزيدُ بنُ ثابتٍ في عَرَبِيَّةٍ من
عَرَبِيَّةِ القرآنِ، فاكْتُبُوها بلِسانِ قُرَيشٍ، فإنَّ القرآنَ أُنزِلَ بلِسانِهِم، ففَعَلُوا.
٤٩٨٥- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنا همَّامٌ، حدَّثنا عطاءٌ. وقال مُسدَّدٌ: حدَّثنا يحيى، عن ابنِ ٩/٩
جُرَيج، قال: أخبرني عطاءٌ، قال: أخبرني صَفْوانُ بنُ يَعْلَى بِنِ أُميَّةً: أنَّ يَعْلَى كان يقول: لَيْتَنِي
أَرَى رسولَ اللهِ وَِّ حِينَ يُنْزَلُ عليه الوَحْيُّ، فلمَّا كان النبيُّ ◌َه بالجِعرانةِ عليه ثوبٌ قد أَظَلَّ
عليه، ومعه ناسٌٌ من أصحابِهِ، إذ جاءه رجلٌ مُتَضَمِّخٌ بطِيبٍ، فقال: يا رسولَ الله، كيفَ تَرَی
في رجلٍ أحرَمَ في جُبّةٍ بعدَما تَضَمَّخَ بطِيبٍ؟ فنَظَرَ النبيُّ ◌َِّ ساعةً، فجاءه الوَحْيُ، فأشارَ عمرُ
إلى يَعْلَى: أن تَعالَ، فجاءَه يَعْلَى، فأدْخَلَ رأسَه، فإذا هو مُحمَزُّ الوَجْه، يَغِطُّ كذلكَ ساعةً، ثمَّ
سُرِّيَ عنه، فقال: ((أينَ الذي يَسْألُني عن العُمْرةِ آَنِفاً؟)) فالتُمِسَ الرجلُ، فجِيءَ به إلى النبيِّ ◌َّ،
فقال: ((أمَّ الطِّيبُ الذي بكَ، فاغسِلْه ثلاثَ مرَّاتٍ، وأمَّا الجُبَةُ فانزِعْها، ثمَّ اصْنَعْ في عُمْرَتِكَ
كما تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ)).
قوله: (بابٌ نزل القرآن بلِسان قُرَيشٍ والعربِ. ﴿قُرَُّ نَا عَرَبِيًّا﴾: بلسانٍ عربيٍّ مبين)) في
رواية أبي ذرٍّ: ((لقولِ الله تعالى: ﴿قُّءَنَا﴾ ... )) إلى آخره. وأمَّا نزوله بلُغة قُرَيش، فمذكور
في الباب من قول عثمان، وقد أخرج أبو داود من طريق كعب الأنصاريّ: أنَّ عمر كَتَبَ إلى
ابن مسعود: إنَّ القرآن نزل بلسان قُرَيش، فأقرِئ الناس بلُغة قُرَيش لا بلُغة هُذَيل(١)، وأمَّا
عَطفُ العرب عليه فمن عَطْف العامِّ على الخاصّ، لأنَّ قُرَيشاً من العرب، وأمَّا ما ذكره من
الآيتينِ فهو حُجّة لذلك، وقد أخرج ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٣٤) من طريق أُخرى
عن عمر قال: إذا اختَلَفْتُم في اللَّغة فاكتُبوها بلسان مُضَر. انتهى، ومُضَر: هو ابن نِزَار بن
مَعَدّ بن عدنان، وإليه تنتهي أنساب قُرَيش وقيس وهُذَيل وغيرهم.
(١) هذا الخبر عن أبي داود من رواية محمد بن بكر بن داسَهْ عنه، أخرجه من طريقه ابن عبد البر في ((التمهيد)»
٢٧٨/٨.

١٨
باب ٢ / ح ٤٩٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقال القاضي أبو بكر بن الباقلانيّ: معنى قول عثمان: ((نزل القرآنُ بلسان قُرَيش)) أي:
مُعظَمه، وإنَّه لم تَقُمْ دلالة قاطعة على أنَّ جميعه بلسان قُرَيش، فإنَّ ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]: أنَّه نزل بجميع ألسنة العرب، ومَن زَعَمَ أنَّه أراد مُضَر
دون رَبيعة، أو هما دون اليمن، أو قُرَيشاً دون غيرهم، فعليه البيان، لأنَّ اسم العرب
يَتَنَاوَل الجميع تَناوُلاً واحداً، ولو ساغَتْ هذه الدَّعوَى لَساغَ للآخرِ أن يقول: نزل بلسان
بني هاشم مثلاً، لأنَّهم أقرَبُ نَسَباً إلى النبيّ ◌َّ من سائر قُرَيش.
وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون قوله: ((نزل بلسان قُريش)) أي: ابتداء نزوله، ثمَّ ◌ُبیحَ
أن يُقرأَ بلُغة غيرهم كما سيأتي تقريره في ((باب أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف)) (٤٩٩١)،
انتھی.
وتَكمِلَته أن يقال: إنَّه نزل أوَّلاً بلسان قُرَيش أحدُ الأحرف السَّبعة، ثمَّ نزل بالأحرُفِ
السَّبعة المأذون في قراءتها تسهيلاً وتیسیراً كما سيأتي بيانه، فلمَّا جَمَعَ عثمانُ الناس على حرف
واحد، رأى أنَّ الحرف الذي نزل القرآن أوَّلاً بلسانه أَولى الأحرُف بحَمْل الناس عليه،
لكَونِه لسانَ النبيّ وَّةِ، ولما له من الأوَّليَّة المذكورة، وعليه يُحمَل كلام عمر لابنِ مسعود
أيضاً.
قوله: ((وأخبَرَني)) في رواية أبي ذرٍّ: فأخبرني ((أنسُ بن مالك، قال: فأمَرَ عثمانُ» هو
معطوف على شيء محذوف يأتي بيانه في الباب الذي بعده، فاقتَصَرَ المصنِّف من الحديث
على موضع الحاجة منه وهو قول عثمان: ((فاكتُبوه بلسانهم)) أي: قُرَیش.
١٠/٩ قوله: ((أن يَنْسَخوها في المصاحف)) كذا للأكثرِ، والضَّمير للسُّوَرِ أو للآيات أو
الصُّحُف التي أُحضِرَت من بيت حفصة، ولِلكُشْمِيهنيّ: ((أن يَنسَخوا ما في المصاحف»
أي: يَنقُلوا الذي فيها إلى مصاحفَ أُخرَى، والأوَّل هو المعتمَد لأنَّه كان في صُحُف لا
مصاحفَ.
قوله: ((وقال مُسدّد: حدَّثنا يحيى)) في رواية أبي ذرّ: ((يحيى بن سعيد)) وهو القَطّان، وهذا

١٩
باب ٢ / ح ٤٩٨٥
كتاب فضائل القرآن
الحديث وَقَعَ لنا موصولاً في رواية مُسدَّد من رواية معاذ بن المثنَّى عنه كما بيَّتُه في «تغليق
التَّعليق)) (٣٨٢/٤).
قوله: ((أنَّ يَعْلَى)) هو ابن أُميَّة والد صفوان.
قوله: ((كان يقول: لَيْتَنِي أَرَى رسول الله وََّ)) إلى آخره، هذا صورته مُرسَل، لأنَّ
صفوان بن يَعْلى ما حَضَرَ القصَّة، وقد أورَدَه في كتاب العمرة من كتاب الحج (١٧٨٩)
بالإسناد الآخر المذكور هنا عن أبي نُعَيم عن همَّام فقال فيه: ((عن صفوان بن يَعْلى عن أبيه)»
فَوَضَحَ أنَّه ساقَه هنا على لفظ رواية ابن جُرَيج، وقد أخرجه أبو نُعَيم من طريق محمَّد بن
خَلّاد عن يحيى بن سعيد بنحوِ اللَّفظ الذي ساقَه المصنِّف هنا، وقد تقدَّم شرحُ هذا
الحديث مُستَوفَّى في كتاب الحجّ (١٥٣٦).
وقد خَفِيَ وجهُ دخوله في هذا الباب على كثير من الأئمّة حتَّى قال ابنُ كَثير في
(تفسيره): ذِكْرُ هذا الحديث في التَّرجمة التي قبل هذه أظهَرُ وأبيَن، فلعلَّ ذلك وَقَعَ من
بعض النُّاخِ. وقيل: بل أشارَ المصنِّف بذلك إلى أنَّ قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ
إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ،﴾ [إبراهيم: ٤] لا يَسْتَلِمُ أن يكون النبيُّ وَلَه ◌ُرسِلَ بلسان قُرَيش فقط
لكَونِهِم قومَه، بل أُرسِلَ بلسان جميع العرب لأنَّه أُرسِلَ إليهم كلِّهم، بدليلِ أنَّه خاطَبَ
الأعرابيّ الذي سألَه بما يفهمُه بعد أن نزل الوحي عليه بجواب مسألته، فدَلَّ على أنَّ
الوحي كان يَنْزِل عليه بما يفهمُه السائل من العرب قُرَشيّاً كان أو غير قُرَشِيّ، والوحي أعَمُّ
من أن يكون قرآناً يُتْلَى أو لا يُتْلَى، قال ابن بَطّل: مُناسَبة الحديث للتَّرجمة أنَّ الوحي كلّه
مَتلوّاً كان أو غير مَتلوّ إنَّما نزل بلسان العرب، ولا يَرِدُ على هذا كُونُهُ بِّهِ بُعِثَ إلى الناس
كافّةً عَرَباً وعَجَماً وغيرهم، لأنَّ اللِّسان الذي نزل عليه به الوحيُّ عربيّ، وهو يُبلِّغه إلى
طَوائف العرب، وهم يُتَرجِمونَه لغير العرب بألسِنَتِهم، ولِذا قال ابن المنيِّر: كان إدخال هذا
الحديث في الباب الذي قبله أليَقَ، لكن لعلَّه قَصَدَ التَّنبيه على أنَّ الوحي بالقرآن والسُّنّة
کان على صِفَة واحدة، ولسان واحد.

٢٠
باب ٣ / ح ٤٩٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
٣- باب جمع القرآن
٤٩٨٦- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن عُبيدِ
ابن السَّاق، أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ ﴾ قال: أرسَلَ إليَّ أبو بكرٍ مَقْتَلَ أهلِ اليَمامَةِ، فإذا عمرُ بنُ
الخطّاب عندَه، قال أبو بكرٍ ﴾: إنَّ عمرَ أناني فقال: إنَّ القتلَ قد استَحرَّ يومَ الَمَامَةِ بِقُرّاءٍ
القرآنِ، وإنّ أخشى أن يَستَحِرَّ القتلُ بالقُرّاءِ بالمَواطِنِ، فيذهبَ كَثِيرٌ منَ القرآنِ، وإنّ أَرَى أن
تَأْمُرَ بجَمْعِ القرآنِ، قلتُ لِعمرَ: كيفَ تَفْعَلُ شيئاً لم يَفْعَلْه رسولُ الله ◌ِ؟ قال عمرُ: هذا والله
خيرٌ، فلم يَزَلْ عمرُ يُراجِعُني حتَّى شَرَحَ الله صَدْري لذلكَ، ورأيتُ في ذلك الذي رَأَى عمرُ،
قال زيدٌ: قال أبو بكرٍ: إنَّكَ رجلٌ شابٌّ عاقلٌ، لا نَتَّهِمُكَ، وقد كنتَ تَكتُبُ الوَحْيَ
لِرسولِ الله وَّةِ، فَتَتَبَّعِ القرآنَ فاجَمَعْه، فوالله لو كَلَّفوني نَقْلَ جبلٍ منَ الجبالِ، ما كان أثقَلَ عليَّ
١١/٩ ممَّا / أمَرَني به من جمع القرآنِ، قلتُ: كيفَ تَفْعَلونَ شيئاً لم يَفْعَلْه رسولُ الله ◌َلَ؟ قال: هو والله
خيرٌ، فلم يَزَلْ أبو بكرٍ يُراجِعُني حتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ له صَدْرَ أبي بكرٍ وعمرَ
رضي الله عنهما، فَتَبَّعْتُ القرآنَ أجمَعُه منَ العُسُبِ، واللِّخَافِ، وصُدورِ الرِّجال، حتَّى وَجَدْتُ
آخِرَ سورةِ التَّوْبةِ معَ أبي خُزَيمةَ الأنصاريِّ، لم أجِدْها معَ أحدٍ غيرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُوكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ ﴾ حتَّى خاتمةٍ براءةَ [التوبة: ١٢٨ -١٢٩]، فكانت
الصُّحُفُ عندَ أبي بكرٍ حتَّى تَوَفّه اللهُ، ثمَّ عندَ عمرَ حياته، ثمَّ عندَ حفصة بنتِ عمرَ ﴾.
قوله: (باب جمع القرآن)) المراد بالجمع هنا جمعٌ مخصوص، وهو جمع مُتَفَرِّقه في صُحُف،
ثمَّ جمعُ تلك الصُّحُف في مُصحَف واحد مُرتَّب السّوَر. وسيأتي بعد ثلاثة أبواب: ((باب
تأليف القرآن))، والمراد به هناك تأليفُ الآيات في السّورة الواحدة، وترتيب السُّوَر في
المصحف.
قوله: ((عن عُبيد بن السَّاق)) بفتح المهملة وتشديد الموحّدة، مدنيّ يُكنى أبا سعيد، ذكره
مسلمٌ في الطَّقة الأولى من التابعينَ، لكن لم أرَ له رواية عن أقدَمَ من سَهْل بن حُنَيَف الذي
مات في خلافة عليّ، وحديثه عنه عند أبي داود (٢١٠) وغيره، وليس له في البخاريّ سوى