النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ سورة العلق / ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ كتاب التفسير الیومَ الذي يُخرِجوك فیه، لأنّه قال ذلك عند قوله: ((أوَمُرِ جیَّ هم؟))، وتعذيب بلال کان بعد انتشار الدَّعوة، وبين ذلك وبين إخراج المسلمينَ من مكَّة للحَبَشة ثمَّ للمدينة مُدّة مُتَطاوِلة. تنبيه: زاد معمر بعد هذا کلاماً یأتي ذكره في كتاب التَّعبیر (٦٩٨٢). قوله: ((قال محمَّد بن شِهاب)) هو موصول بالإسنادَينِ المذكورَينِ في أوَّل الباب، وقد أخرج البخاريُّ حديث جابر هذا بالسَّنَدِ الأوَّل من السَّنَدَينِ المذكورَينِ هنا في تفسير سورة المدَّثِّر (٤٩٢٢). قوله: ((فأخبَرَني)) هو عَطفٌ على شيء، والتَّقدير: قال ابن شِهاب: فأخبرني عُرْوةُ بما تقدَّم، وأخبرني أبو سَلَمةَ بما سيأتي. قوله: ((قال: قال رسول الله وَل﴿ه وهو يُحدِّث عن فَتْرة الوَحْي، قال في حديثه: بَيْنا أنا أمشي)» هذا يُشعِر بأنَّه كان في أصل الرِّواية أشياءُ غير هذا المذكور، وهذا أيضاً من مُرسَل الصَّحابيّ، لأنَّ جابراً لم يُدرِكْ زمان القِصّة فيحتمل أن يكون سمعَها من النبيّ ◌َّ، أو من صحابيِّ آخر حَضَرَها، والله أعلم. قوله: ((قال رسول الله وَّه وهو يُحدِّث عن فَتْرة الوَحْي)) وَقَعَ في رواية عُقَيل في بَدْء الوحي (٤) غيرَ مُصرَّح بِذِكْر النبيّ وَّ فِيه، ووَقَعَ في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمَةَ في تفسير المدَّثِّر عن جابر عن النبيّ وَ لَّه قال: «جاوَرتُ بحِراءٍ، فلمَّا قَضَيتُ جِواري هَبَطتُ فُنُودِيتُ))، وزاد مسلم في روايته (١٦١ / ٢٥٧): «جاوَرتُ بحِراءٍ شهراً)). قوله: ((سمعتُ صوتاً من السماء فَرَفَعْت بَصَري)» يُؤخَذ منه جواز رفع البَصَر إلى السماء عند وُجود حادث من قِبَلها، وقد تَرجَمَ له المصنّف في الأدب (٦٢١٤)، ويُستَثَنَى من ذلك رفعُ البَصَر إلى السماء في الصلاة لتُبُوتِ النَّهي عنه كما تقدَّم في الصلاة من حديث أنس (٧٥٠). وروى ابن السُّنِّيّ (١) بإسنادٍ ضعيف عن ابن مسعود قال: أُمِرنا أن لا نُتْبِعَ أبصارَنا الكَواكِبَ إذا انقَضَّت. (١) في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٥٣). ٥٨٢ سورة العلق/ ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في رواية يحيى بن أبي كثير (٤٩٢٢): ((فنَظَرتُ عن يَميني فلم أرَ شيئاً، ونَظَرتُ عن شِمالي فلم أرَ شيئاً، ونَظَرتُ أمامي فلم أرَ شيئاً، ونَظَرتُ خَلْفي فلم أرَ شيئاً، فَرَفَعتُ رأسي))، وفي رواية مسلم بعد قوله: ((شيئا): ((ثمَّ نُودِيتُ فَنَظَرتُ فلم أرَ أحداً، ثمَّ نُودِيت فرَفَعتُ رأسي)». قوله: ((فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحِراءٍ جالسٌٌ على كُرْسِيّ)» كذا له بالرَّفعِ، وهو على تقدير حذف المبتَدَأ، أي: فإذا صاحبُ الصَّوت هو الملك الذي جاءني بحراء وهو جالس، ووَقَعَ عند مسلم (٢٥٥/١٦١): ((جالساً)) بالنَّصب وهو على الحال، ووَقَعَ في رواية يحيى ابن أبي كثير: ((فإذا هو جالس على عَرشٍ بين السماء والأرض». ٧٢٢/١ قوله: ((فَزِعْتُ منه)) كذا/ في رواية ابن المبارك عن يونس، وفي رواية ابن وَهْب عند مسلم: ((فجُئِثتُ))، وفي رواية عُقَيل في بَدْء الوحي (٤): ((فُرُعِبتُ))، وفي روايته في تفسير المدَّثِّر (٤٩٢٥): ((فجُِثت)) وكذا لمسلمٍ وزاد: ((فجُئِثْتُ منه فَرَقاً))، وفي رواية مَعمَر فيه (٢٥٦/١٦١): ((فجُثِتُ))، وهذه اللَّفظة بضمِّ الجيم. وذكر عياض أنَّه وَقَعَ للقابسيِّ بالمهمَلة قال: وفَسَّرَه بأسرَعتُ، قال: ولا يَصِحّ معَ قوله: ((حتَّى هَوَيتُ)) أي: سَقَطتُ من الفَزَعِ. قلت: ثَبَتَ في رواية عبد الله بن يوسف عن اللَّيث في ذِكْر الملائكة من بَدْء الخلق (٣٢٣٨)، ولكنَّها بضمِّ المهمَلة وكسر المثلَّئة بعدها مُثنّة تحتانيَّةٌ ساكنة ثمَّ مُثنّاة فوقانيّةً(١)، ومعناها إن كانت محفوظة: سقطتُ على وجهي حتَّى صِرِتُ كمَن حُتْيَ عليه التُراب. قال النَّوَويّ: وبعد الجيم مُثَلَّئتان في رواية عُقَيل ومَعمَر، وفي رواية يونس بهمزةٍ مكسورة ثَّ مُثَلَّثة، وهي أرجَحُ من حيثُ المعنى، قال أهل اللُّغة: جُئِثَ الرجلُ فهو مَجَؤُوث: إذا فَزِعَ، وعن الكسائيّ: ◌ُئِثَ و ◌ُثِثَ فهو مجؤوث ومَثُوث، أي: مَذْعور. قوله: ((فقلت: زَمِّلوني زَمِّلوني)) في رواية يحيى بن أبي كثير: ((فقلت: دَثِّروني وصُبُّوا عليَّ (١) يعني: حُثِيْتُ. ٥٨٣ سورة العلق / ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ كتاب التفسير ماءً بارداً)) وكأنَّه رواها بالمعنى، والتَّزميل والتَّدثير يَشتَرِكان في الأصل وإن كانت بينهما مُغايرة في الهيئة، ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٥٧/١٦١): ((فقلت: دَثِّروني، فدَثَّروني وصَبُّوا عليَّ ماءً))، ويُجمَع بينهما بأنَّه أمَرَهم فامتَثَلوا. وأغفَلَ بعضُ الرُّواة ذِكْر الأمر بالصَّبِّ، والاعتبارُ بمَن ضَبَطَ، وكأنَّ الحكمة في الصَّبّ بعد التَّدثير طَلبُ حصول السُّكون لمَا وَقَعَ في الباطن من الانزعاج، أو أنَّ العادة أنَّ الرِّعْدة تَعقُبها الحُمَّى، وقد عُرِفَ من الطِّبّ النبويّ مُعالَجَتُها بالماءِ البارد. قوله: ((فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾)» يُعرَف من اتّحاد الحديثَينِ في نزول ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾ عَقِبَ قوله: دَثِّروني وزَمِّلوني، أنَّ المراد بزَمِّلوني: دثِّروني، ولا يُؤخَذ من ذلك نزول ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّّلُ﴾ حينئذٍ، لأنَّ نزولها تأخّرَ عن نزول ﴿وَيُّهَا الْمَُّّفِرُ﴾ بالاتّفاق، لأنَّ أوَّل ﴿يَأَيُّهَ الْمُدَّثِّرُ﴾ الأمرُ بالإنذار، وذلك أوَّل ما بُعِثَ، وأوَّل المَّمِّل الأمر بقيام اللّيل وترتيل القرآن، فيقتضي تقدُّمَ نزول كثير من القرآن قبل ذلك، وقد تقدَّم في تفسير المدَّثِّر أنَّه نزلَ من أوَّلها إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُزْ﴾، وفيها مُحُصَّل ما يَتَعلَّق بالرِّسالة، ففي الآية الأولى المؤانسةُ بالحالة التي هو عليها من التَّدَثُّر إعلاماً بعظيم قَدْره، وفي الثّانية الأمرُ بالإنذار قائماً، وحُذِفَ المفعول تفخيماً، والمراد بالقيام إمّا حقيقتُه، أي: قُمْ من مَضجَعك، أو مَجَازُه، أي: قُمْ مقامَ تصميم، وأمَّا الإنذار فالحكمة في الاقتصار عليه هنا، فإنَّه أيضاً بُعِثَ مُبشِّراً، لأنَّ ذلك كان أوَّلَ الإسلام، فمُتعلَّق الإنذار مُحقَّق، فلمَّا أطاعَ مَن أطاعَ نزلت: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٤٥، والفتح: ٨]، وفي الثالثة تكبيرُ الرَّبّ تمجيداً وتعظيماً، ويحتمل الحملُ على تكبير الصلاة كما ◌ُلَ الأمر بالتطهير على طهارة البَدَن والثّياب كما تقدَّم البحثُ فيه وهي(١) الآية الرَّابعة، وأمَّ الخامسة فهِجْران ما يُنافي التوحيدَ وما يؤول إلى العذاب، وحَصَلَت المناسَبة بين السُّورتَينِ المبتَدَأِ بهما التُّزول فيما اشتَمَلَتا عليه من المعاني الكثيرة باللَّفظِ الوَجِيز وفي عِدّة ما نزلَ من كلّ منهما ابتداءً، والله أعلم. (١) في (أ) و(س): وفي، والمثبت من (ع)، وهو الصواب. ٥٨٤ سورة العلق/ ح ٤٩٥٥ -٤٩٥٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال أبو سَلَمةَ: وهي الأوثانُ التي كان أهل الجاهليَّةِ يَعْبُدُونَ)) تقدَّم شرح ذلك في تفسير المدَّثِّر (٤٩٢٥)، وتقدَّم الكثير من شرح حديث عائشة وجابر في بَدْء الوحي (٣ و٤)، وبَقِيَت منهما فوائدُ أَخَّرتها إلى أول كتاب التَّعبير (٦٩٨٢) ليأخذ كلُّ موضع ساقَهما المصنّف فيه مُطوَّلاً يقِسطٍ من الفائدة. قوله: ((ثُمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُّ)) أي: استَمرَّ نزوله. ٢ - باب قولِه: ﴿خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ٤٩٥٥- حدَّثنا ابنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، أنَّ عائشةَ ٧٢٣/٨ رضي الله عنها قالت: / أوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ اللهِ وَّهِ الرُّؤْيا الصالحةُ، فجاءَه الملَكُ فقال: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُ﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾)) ذكر فيه طرفاً من الحديث الذي قبلَه برواية عُقَيل عن ابن شهاب واختصره جدّاً قال: ((أولُ ما يُدِىَ به رسولُ اللهِ وَّر من الوحي الرؤيا الصالحةُ))، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((الصادقةُ))، قال: «فجاءه الملَكُ فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَقَ ا خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ))) وهذا في غاية الإجحاف، ولا أظنُّ يحيى بن بُكَير حدَّث البخاريَّ به هكذا، ولا كان له هذا التصرُّف، وإنما هذا صنیعُ البخاريِّ، وهو دالٌّ على أنه كان يُجيز الاختصارَ من الحديث إلى هذه الغاية. ٣- باب قوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبِّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق:٣] ٤٩٥٦- حذَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ (ح) وقال اللَّيثُ: حدَّثني عُقَيلٌ قال: قال محمَّدٌ: أخبرني عُرْوةُ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أوَّلُ ما بُدِىَ به رسولُ اللهِوَّهِ الرُّؤْيَا الصّادِقَةُ، جاءه الملَكُ فقال: ﴿اقْرَأْبِاسْمِ رَبِكَ الَّذِى خَقَ ا خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُ ) الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْمُ﴾. حدَّثنا عبد الله بن محمَّد، حدَّثنا عبد الرَّزّاق، أخبَرَنا ٥٨٥ سورة العلق / ح ٤٩٥٧ كتاب التفسير مَعمَر، عن الزُّهْريِّ (ح) وقال اللَّيث: حدَّثني عُقَيل قال: قال محمَّد: أخبَرَني عُرْوة)) أمَّا رواية مَعمَر فستأتي بتمامها في أوَّل التَّعبير (٦٩٨٢). وأمَّا رواية اللَّيث فوَصَلَها المصنّف في بَدْء الوحي (٣)، ثمَّ في الباب الذي قبله، ثمَّ في التَّعبير، أخرجه في المواضع الثلاثة عن يحيى بن بُكَير عن اللَّيث، فأمَّا في بَدْء الوحي فأفرَدَه، وأمَّا في الذي قبله فاختَصَرَه جدّاً، وساقَه قبله بتمامه لكن قَرَنَه برواية يونس وساقَه على لفظ يونس، وأمَّا التَّعبير فقَرَنَه برواية مَعمَر وساقَه على لفظ مَعمَر أيضاً. ولكنْ لم يقع في شيء من المواضع المذكورة: ((حدَّثْنِي عُقَيل، قال: قال محمَّد)) وإنَّما في بَدْء الوحي: ((عن عُقَيل عن ابن شِهاب))، وكذا في بَقِيَّة المواضع، وكذا ذكره عن عبد الله ابن يوسف عن اللَّيث في الباب الذي بعد هذا، وذكره في بَدْء الخلق (٣٣٩٢) عنه عن اللَّيث بلفظ: حدَّثني عُقَيل عن ابن شهاب. ورواه أبو صالح عبد الله بن صالح عن اللَّيث: حدَّثني عُقَيل قال: قال محمَّد بن شِهاب؛ فساقَه بتمامه، وقد ذكر المصنِّ مُتابعةً أبي صالح في بَدْء الوحي (٤)، وبيَّنْتُ هناكَ مَن وَصَلَها، ولله الحمد. ٤- بابٌ ﴿اَلَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ٤٩٥٧- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّنَا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: سمعتُ عُرْوةَ، قالت عائشةُ رضي الله عنها: فَرَجَعَ النبيُّ ◌َّهِ إِلى خَدِيجَةَ، فقال: ((زَمِّلوني! زَمِّلوني!»، فَذَكَرَ الحديثَ. قوله: ((بابٌ ﴿الَّذِى عَلََّ بِالْقَلَمِ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَت التَّرجمة لغيره. وأورَدَ طَرَفاً من حديث بَدْء الوحي عن عبد الله بن يوسف عن اللَّيث مُقتَصِراً منه على قوله: «فرجع النبيُّ څ إلى خديجة فقال: زَمِّلوني زَمِلوني)» فذكر الحديث، کذا فیه، وقد ذكر من الحديث في ذِكْر الملائكة من بَدْء الخلق (٣٢٣٨) حديثَ جابر مُقتَصِراً عليه. ٥٨٦ سورة العلق/ ح ٤٩٥٨ فتح الباري بشرح البخاري ٧٢٤/٨ ٥- بابٌ ﴿كَّا لَيِنْ لَّرْبَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ ٥ نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥-١٦] ٤٩٥٨- حدّثنا يحيى، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَرٍ، عن عبدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ، عن ◌ِكْرمةَ، قال ابنُ عبّاسٍ: قال أبو جَهْلٍ: لَئِن رأيتُ محمَّداً يُصَلّ عندَ الكعبةِ، لَأَطَأنَّ على عُنُقِهِ، فِبَلَغَ النبيَّ ◌َّ فقال: ((لو فعَلَه لأخَذَتْه الملائكة)). تابَعَه عَمْرو بنُ خالٍ، عن عُبيدِ الله، عن عبدِ الكَرِيمِ. قوله: ((بابٌ ﴿كَّ لَكِن لَّْ بَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ (٥ نَصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾)) سَقَطَ لغير أبي ذرِّ (باب)»، ومن ﴿نَاصِيَةٍ﴾(١) ... إلى آخِرِه. قوله: ((عن عبد الكريم الجَزَريِّ)» هو ابن مالك وهو ثقة، وفي طَبَقَته عبد الكريم بن أبي المُخارِقِ، وهو ضعيف. قوله: ((قال أبو جَهْل)) هذا ممّا أرسَلَه ابن عبّاس، لأنَّه لم يُدرِك زمنَ قولِ أبي جهل ذلك، لأنَّ مَولِده قبلَ الهجرة بنحوِ ثلاثٍ سنينَ. وقد أخرج ابن مَرْدويه بإسنادٍ ضعيف عن عليٍّ بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه عن العبَّاس بن عبد المطَّلِب قال: كنت يوماً في المسجد، فأقبَلَ أبو جهل فقال: إنَّ لله عليَّ إن رأيت محمَّداً ساجِداً. فذكر الحديثَ(٢). قوله: (لو فَعَلَه لَأَخَذَتْه الملائكة)) وقع عند البَلَاذُريِّ(٣): ((نزلَ اثنا عشر مَلكاً من الزّبانية، رُؤُوسُهم في السماء وأرجلُهم في الأرض))، وزاد الإسماعيليّ في آخره من طريق مَعمَر عن (١) كذا ذكر هنا كما وقع في الأصلين و(س)، ومثله في ((عمدة القاري)) ٣٠٨/١٩، وهذا بخلاف ما وقع في أصل النسخة اليونينية و((إرشاد الساري)) ٧/ ٤٢٩ ففيهما أنه سقط عند أبي ذر من ﴿نَاصِيَةِ﴾ إلى آخره، وثبت لغيره. (٢) وأخرجه من الطريق نفسها الطبراني في ((الأوسط)) (٨٦٩١)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٢٥/٣، ومن طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ١٩١/٢. (٣) في ((أنساب الأشراف)) له ١/ ٥٧. ٥٨٧ سورة العلق / ح ٤٩٥٨ كتاب التفسير عبد الكريم الجَزَريِّ: قال ابن عبّاس: لو تَمَنَّى اليهود الموتَ لَماتوا، ولو خرج الذينَ يُباهِلونَ رسولَ الله وَّهِ، لَرجَعوا لا يَجِدونَ أهلاً ولا مالاً. وأخرج النَّسائيُّ(١) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة نحوَ حديث ابن عبّاس، وزاد في آخِره: فلم يَفجَأهم منه إلّ وهو - أي: أبو جهل - يَنْكُص على عَقِبَهُ ويَتَّقِي بَيَدَيْهِ(٢)، فقيلَ له، فقال: إنَّ بيني وبينه لَخَندَقاً من نارٍ، وهَوْلاً وأجنِحة. فقال النبيُّ ◌َّ: (لو دَنا لاختَطَفَته الملائكة عُضواً عُضواً)). وإِنَّا شَدَّدَ الأمر في حَقّ أبي جهل، ولم يقع مِثل ذلك لعُقْبَةَ بن أبي مُعَيط حيثُ طَرحَ سَلَى الجُزُور على ظَهره وَِّ وهو يُصَلّي كما تقدَّم شرحه في الطَّهارة (٢٤٠)، لأنَّهما وإن اشتَرَكا في مُطلَق الأذَّة حالةَ صلاته، لكن زاد أبو جهل بالتَّهديدِ وبدَعوَى أهل طاعَته وبإرادة وَطْءِ العُنُق الشّريف، وفي ذلك من المبالَغة ما اقتَضَى تَعجيلَ العُقوبة لو فعَلَ ذلك، ولأنَّ سَلَى الجَزور لم يَتَحقق نجاستها، وقد عوقِبَ عُقْبةُ بدعائه ێ عليه وعلى من شارَگه في فعله، فقُتلوا يوم بدر. قوله: ((تابَعَه عَمْرو بن خالد عن عُبيد الله عن عبد الكريم)) أمَّا عَمْرو بن خالد: فهو من شيوخ البخاريّ، وهو الحَرّانيُّ، ثقة مشهور. وأمَّا عُبيد الله: فهو ابن عَمْرو الرَّقّيّ، وعبد الكريم: هو الجَزَرِيُّ المذكور، وهذه المتابعة وَصَلَها عليّ بن عبد العزيز البَغَويُّ في ((مُنتَخَب المسنَد)) له عن عمرو بن خالد، بهذا. وقد أخرجه ابن مَرْدويه من طريق زكريّا بن عَديٍّ عن عُبيد الله بن عَمْرو بالسَّنَدِ المذكور، ولفظه بعدَ قوله: ((لو فَعَلَ لَأَخَذَته الملائكة عِياناً، ولو أنَّ اليهود ... )) إلى آخر الزّيادة التي ذكرتها من عند الإسماعيليّ، وزاد بعد قوله: (لَمَاتُوا)): ((ورأوْا مقاعدَهم منَ النار))(٣). (١) في ((الكبرى)) برقم (١١٦١٩)، والحديث في ((صحيح مسلم)) برقم (٢٧٩٧) من الطريق نفسها، وقد فات الحافظ رحمه الله أن يعزوَه له. (٢) كذا في (ع)، وهو الموافق لما في المطبوع من مسلم، ووقع في (أ) و(س): بيده، كما عند النسائي. (٣) وهاتان الزيادتان عند أحمد في ((مسنده)) برقم (٢٢٢٥) بإسناد صحيح من طريق فُرات - وهو ابن سلمان الحضرمي الجَزَريّ - عن عبد الكريم - وهو الجَزَريّ - بالسند المذكور، وقد فات الحافظَ رحمه الله أن یعزو ذلك له. ٥٨٨ سورة القدر فتح الباري بشرح البخاري ٩٧ - سورة ﴿إِنَّا أَنَزَلْنَهُ﴾ يقال: المَطْلَعُ: هو الطَّلوعُ، والمَطْلِعُ: الموضعُ الذي يُطْلَعُ منه. ﴿أَنَزَلْنَهُ﴾: الهاءُ كِنايةٌ عن القرآنِ. ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ﴾ خَرَجَ تَخَرَجَ الجميع، والمُنزِلُ هو الله، والعربُ تُوكِّدُ فِعَلَ الواحدِ فَتَجْعَلُه بلفظِ الجميعِ، ليكونَ أَثبَتَ وأوْكَدَ. قوله: ((سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾)) في رواية غير أبي ذرٍّ: سورة القَدْر. ٧٢٥/٨ قوله: (يقال: المَطْلَع: هو الطُّوع، والمَطْلِع: الموضع الذي يُطلَع منه)) قال الفَرّاء: المَطلَع بفتح اللّام، وبكسرها قرأ يحيى بن وَثّاب، والأوَّل أَولى، لأنَّ المَطلَع بالفتح: هو الطَّلوع، وبالكسرِ: الموضِعُ، والمراد هنا الأوَّل، انتھی. وقرأ بالكسرِ أيضاً الكِسائيُّ والأعمَش وخَلَف. وقال الجَوْهريُّ: طَلَعَتِ الشَّمسُ مَطَلَعاً ومَطلِعاً؛ أي: بالوجهَينِ. قوله: ((﴿أَنَزَلْنَهُ﴾ الهاء كِناية عن القرآن)) أي: الضَّمير راجع إلى القرآن وإن لم يَتقدَّم له ذِكْر. قوله: ((﴿ إِنَّ أَنَزَلْنَهُ﴾ خَرَجَ تَخْرَجَ الجميع، والمُنزِل هو الله تعالى، والعربُ تُوَكِّدْ فِعلَ الرجل الواحد فتَجْعَلُه بلَفْظِ الجميع؛ ليكونَ أَثْبَتَ وأَوْكَدَ)» هو قول أبي عبيدة، ووقع في رواية أبي نُعَيم في ((المستَخرَج)) نِسبتُه إليه، قال: قال مَعمَر، وهو اسم أبي عبيدة كما تقدَّم غيرَ مرَّة. وقوله: ((ليكونَ أثْبَتَ وأَوْكَد)) قال ابن التِّين: النُّحاة يقولون بأنَّه للتَّعظيم، يقوله المعظِّم عن نفسِه ويُقال عنه. انتهى، وهذا هو المشهور أنَّ هذا جمْعُ التَّعظيم. تنبيه: لم يَذْكُر في سورة القَدْر حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيها حديثُ: ((مَن قامَ ليلةَ القَدْر))، وقد تقدَّم في أواخر الصيام (٢٠١٤). ٥٨٩ سورة البينة / ح ٤٩٥٩- ٤٩٦٠ كتاب التفسير ٩٨ - سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿مُنْفَكِينَ﴾ [١]: زائلِينَ. ﴿قَيِّمَةٌ﴾ [٢ و٥]: القائمةُ. ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [٥]: أضافَ الدِّينَ إلى المؤنَّث. ٤٩٥٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارِ، حذَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، سمعتُ قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ◌َُ: قال النبيُّ نََّ لأَبِيِّ: ((إنَّ اللهَ أمَرَني أن أقرَأَ عليكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال: وسَمّني؟ قال: (نَعَمْ))، فبَكَى. ٤٩٦٠- حدَّثنا حسَّانُ بنُ حسَّانَ، حدَّثْنَا هَمٌَّ، عن قَتَادَ، عن أنسٍ عَ﴾، قال: قال النبيُّ وَل لأَبِّ: ((إنَّاللهَ أمَرَني أن أقرَأَ عليكَ القرآنَ)) قال أُبيّ: أَاللهُ سَمّاني لكَ؟ قال: ((اللّهُ سَّكَ لِي)) فجَعَلَ أُبُّ یتکي. قال قَتَادَةُ: فَأُنبِئْتُ أَنَّه قرأَ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ﴾. قوله: ((سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ - بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ، ويقال لها أيضاً: سورة القَيِّمة، وسورة البيِّنة. قوله: ((﴿مُنْفَكِينَ﴾: زائلينَ)) هو قول أبي عبيدة. قوله: ((﴿قَيِّمَةٌ﴾: القائمةُ ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: أضافَ الدِّين إلى المؤنَّث)) هو قول أبي عُبيدة بلفظِهِ. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مُقاتل بن حَيّان قال: القيِّمةُ: الحِساب المُبِين. قوله: ((إنَّ الله أمَرَني أن أقرَأَ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾)) كذا في رواية شُعْبة، وبيَّن في رواية همَّام أنَّ تسمية السّورة لم يَحمِلْهُ قَتادةُ عن أنس، فإنَّه قال في آخر الحديث: قال قتادةُ: فأُنبئتُ أنَّه قرأَ عليه ﴿ لَمْ يَكُنِّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾، وسَقَطَ بیان ذلك من رواية ٥٩٠ سورة البينة/ ح ٤٩٦١ فتح الباري بشرح البخاري سعيد بن أبي عَرُوبة(١). هذا ما في هذه الطّرق الثلاثة التي أخرجها البخاريّ. وقد أخرجه الحاكم (٢٢٤/٢ و٥٣١)، وأحمد (٢١٢٠٢)، والتِّرمِذيّ (٣٧٩٣ و ٣٨٩٨) من طريق زِرّ بن حُبَيشٍ عن أُبيِّ بن كعب نفسِه مُطوَّلاً، ولفظه: ((إنَّ الله أمَرَني أن أقرأ عليك القرآنَ» قال: فقرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. والجمعُ بين الرِّوايتَينِ حَمْلِ المطلَق على المقَيَّد لقراءتِه ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ دونَ غيرها، فقيل: ٧٢٦/٨ الحكمة في تَخصيصها بالذِّكرِ لأنَّ فيها: ﴿يَنْلُواْ مُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾، وفي تخصيص أُبيِّ بن/ کعب التَّنويهُ به في أنَّه أقرأُ الصَّحابةِ، فإذا قرأ عليه النبيُّ ◌ََّ مِعَ عظيم مَنْزِلَتِه كان غيرُه بطريق التَّبَع له، وقد تقدَّم في المناقب (٣٨٠٩) مَزيدُ كلام في ذلك. ٤٩٦١- حدَّثني أحمدُ بنُ أبي داودَ أبو جعفرِ المُنادِي، حدَّثنَا رَوْعٌ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ: أنَّ نبيَّ اللهَ وَِّ قال لأَبِيِّ بنِ كعبٍ: ((إنَّ الله أمَرَني أن أُقْرِئَكَ القرآنَ)) قال: آللهُ سَّاني لكَ؟ قال: ((نعم)) قال: وقد ذُكِرْتُ عندَ رَبِّ العالمينَ؟ قال: (نَعَمْ))، فَذَرَفَت عَيناهُ. قوله: ((حدَّثني أحمد بن أبي داودَ أبو جعفر المُنادِي)) كذا وَقعَ عند الفِرَبْريِّ عن البخاريّ، والذي وَقعَ عند النَّسَفيِّ: ((حدَّثني أبو جعفر المنادي)) حَسْبُ، فكأنَّ تسميته من قِبَل الفِرَبريّ، فعلى هذا لم يُصِبْ مَن وَهَّمَ البخاريَّ فيه، وكذا مَن قال: إنَّه كان يرى أنَّ محمَّداً وأحمد شيءٌ واحد، وقد ذكر ذلك الخطيبُ عن اللّالكائيِّ احتمالاً، قال: واشتَبَهَ على البخاريّ، قال: وقيل: كان لأبي جعفر أخٌّ اسمُه أحمد، قال: وهو باطل والمشهور أنَّ اسم أبي جعفر هذا محمّد، وهو ابن عبيد الله بن یزید، وأبو داود گُنية أبيه، وليس لأبي جعفر في البخاريّ سِوَى هذا الحديث، وقد عاش بعد البخاريِّ ستّةَ عشرَ عاماً، ولكنَّه عَمَّرَ وعاشَ مئةَ سنةٍ وسنةً وأشهُراً، وقد سمعَ منه هذا الحديث بعَينِهِ مَن لم يُدرِك البخاريَّ، وهو أبو عَمْرو بن السَّاك، فشارَكَ البخاريَّ في روايته عن ابن المُنادي هذا الحديث وبينهما في (١) الآتية مباشرة في الباب التالي. ٥٩١ سورة الزلزلة / ح ٤٩٦٢- ٤٩٦٣ كتاب التفسير الوفاة ثمانٍ وثمانون سنة، وهو من لطيف ما وَقعَ من نوع السابق واللاحق. قوله: ((أن أُفْرِئَك)) أي: أُعَلِّمك بقراءتي عليك كيف تقرأُ، حَتَّى لا تَتَخالَف الرِّوايتان، وقيل: الحكمة فيه لتَحقَّقِ قوله تعالى فيها: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَنْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢]. قوله: ((فَذَرَفَت)) بفتح الرَّاء وقبلَها الذّالُ مُعجَمٌ؛ أي: تَساقَطَت بالدُّموع، وقد تقدَّم شرح الحديث في مناقب أُبيِّ بن كعب (٣٨٠٩). ٩٩ - سُورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١ - باب قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [٧] ﴿أَوْحَ لَهَا﴾ [٥] يُقال: أَوْحَى إليها، ووَحَى لها، ووَحَى إليها، واحدٌ. ٤٩٦٢- حدّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبي صالحٍ السَّانِ، عن أبي هريرةَ عُ، أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((الخيلُ لِثلاثةٍ: لِرجلٍ أَجْرٌ، ولِرجلٍ سِتْرُ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، فأمَّا الذي له أجْرٌ فرجلٌ رَبَطَها في سبيلِ الله، فأطالَ لها في مَرْج أو رَوْضةٍ، فما أصابتْ فِي طِيَلِها ذلك مِنَ المَرْجِ والرَّوْضةِ، كان له حسناتٍ، ولو أنَّهَا قَطَعَت طِيَلَها، فاستَنَّت شَرَفاً أو شَرَفَينٍ، كانت آثَارُها وأرواتُها حسناتٍ له، ولو أنَّهَا مَرَّت بنَهَرٍ فَشَرِبَت منه ولم يُرِد أن يَسْقِيَ به، كان ذلك حسناتٍ له، وهي لذلك الرجلِ أجْرٌ، ورجلٌ رَبَطَها تَغَنِّاً وتَعَقُّفاً، ولم يَنْسَ حَقّ الله في رِقابها ولا ظُهورِها، وهي له سِتْرٌ، ورجلٌ رَبَطَها فَخْراً ورِئاءً ونواءً، فهي على ذلك وِزْرٌ)). وسُئِلَ رسولُ اللهِوَّهِ عن الحُمُرِ، قال: «ما أَنزَلَ اللهُ عليَّ فيها إلا هذه الآيةَ الفاذّةَ الجامِعةَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَا يَرَهُ، ٥) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾». ٢- بابٌ ٧٢٧/٨ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ٤٩٦٣ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني مالكٌ، عن زيدِ بنِ ٥٩٢ سورة العاديات فتح الباري بشرح البخاري أسلَمَ، عن أبي صالح السَّانِ، عن أبي هريرةَ عَُّ: سُئِلَ النبيُّ وَّه عن الحُمُرِ، فقال: ((لم يُنزَلْ عليَّ فيها شيءٌ إلَّا هذه الآيةُ الجامِعةُ الفاذّةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, ٥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾)». قوله: ((سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ. باب قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾)) إلى آخره، سَقَطَ ((باب قوله)) لغير أبي ذرِّ. قوله: ((﴿أَوْحَ لَهَا﴾ يقال: أَوحَى لها، وأَوحَى إليها، ووَحَى لها، ووَحَى إليها، واحدٌ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: أي: أَوحى إليها (١)، قال العَجّاج: أوْحَى لها القَرارَ فاستَقرَّت وقيل: اللّام بمعنى ((مِن أجْل)) والموحَى إليه محذوف؛ أي: أوحَى إلى الملائكة من أجل الأرض، والأوَّل أصوَب. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾: أَوحَى إليها. ثُمَّ ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((الخيلُ لثلاثةٍ)) وفي آخره: ((فسُئِلَ رسول الله ◌َّه عن الحُمُر)) الحديث، ثمَّ ساقَه من وجهٍ آخر عن مالكِ بسندِه المذكور مُقتَصِراً على القِصّة الآخرة، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوفَّى في كتاب الجهاد (٢٨٦٠). ١٠٠ - ﴿ وَالْعَدِيَتِ﴾ و﴿اَلْفَارِعَةُ﴾ وقال مجاهدٌ: الكَنُود: الكَفُور. يقال: ﴿فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَقْعًا﴾ [٤]: رَفَعْنَ به غُباراً. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [٨]: من أجْلِ حُبِّ الخيرِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾: لَبَخِيلٌ، ويقال للبَخِيلِ: شديدٌ. ﴿وَحُصِّلَ﴾ [١٠]: مُيِّزَ. (١) قوله: ((أي: أوحى إليها)) سقط من (س). ٥٩٣ سورة العاديات كتاب التفسير قوله: ((والعاديات والقارعة)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((والعاديات)) حَسْب. والمراد بالعاديات الخيلُ، وقيل: الإبلُ. قوله: ((وقال مجاهد: الكَنُود: الكَفُور)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد بهذا، وأخرج ابن مَرْدويه عن ابن عبّاس مِثْلَه. ويقال: إنَّه بلسان قُرَيش: الكَفُور، وبلسان كِنانة: البخيل، وبلسان كِنْدة: العاصي. وروى الطبرانيُ(١) من حديث أبي أُمامةَ رَفَعَه: ((الكَنُود: الذي يأكلُ وحدَه، ويَمنَع رِفْدَه(٢)، ويَضرِب عبده)). قوله: ((يقال: ﴿فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَفْعًا﴾: رَفَعْنَ به غُباراً)) هو قول أبي عُبيدة. والمعنى: أنَّ الخيل التي أغارَت صباحاً أثَرْنَ به غُباراً. والضَّمير في ((به)) للصُّبح؛ أي: أثَرْنَ به وقتَ الصُّبح. وقيل: للمكان، وهو وإن لم يَجرِ له ذِكْر لكن دَلَّت عليه الإثارة. وقيل: الضَّمير للعَدْوِ الذي دَلَّت عليه العادیات. وعند البزَّار(٣) والحاكم من حديث ابن عبّاس قال: بَعَثَ رسول الله وَ ◌َّ خِيلاً فَلَبِثَت شهراً لا يأتيه خبرُها، فنزلت: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَت بأرجُلِها ﴿فَلْمُورِبَتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَت الحجارة فَأَورَتْ بِحَوافِها ﴿فَالْغِيَرَتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَت القومَ بغارةٍ ﴿فَثَرَّنَ بِهِ، نَقْعً ﴾ التُرابِ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ صَبَّحَت القوم جميعاً، وفي إسناده ضعف. (١) في ((الكبير)) برقم (٧٧٧٨) و(٧٩٥٨) بإسنادين ضعيفين، ففي الأول محمد بن مسمع الصفار، وهو مجهول، وفي الثاني جعفر بن الزبير متروك، وأخرجه من طريق أخرى ضعيفة من حديث ابن عباس (١٠٧٧٥) وفي إسناده عنبس بن ميمون ضعيف جدّاً. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٢/٧: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما جعفر بن الزبير وهو ضعيف، وفي الآخر من لم أعرفه، ومثله قال ابن كثير في «تفسيره)) ٨/ ٤٦٧ بعد أن عزاه لابن أبي حاتم. (٢) الرّفد، بكسر الراء: العطاء والصلة، وبفتحها المصدر. (٣) كما في ((كشف الأستار)) (٢٢٩١)، ولم نقف عليه في المطبوع من ((مستدرك الحاكم))، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٧/ ١٤٢ وقال: رواه البزار وفيه حفص بن جميع وهو ضعيف. ٥٩٤ سورة القارعة فتح الباري بشرح البخاري وهو مخالفٌ لمَا روى ابن مَرْدويه(١) بإسنادٍ أحسنَ منه عن ابن عبَّاس قال: سألَني رجلٌ عن العاديات فقلت: الخيلُ، قال: فذهب إلى عليٍّ فسألَه فأخبَرَه بما قلتُ، فدَعاني فقال لي: إنَّما العادياتُ الإبلُ من عَرَفة إلى مُزدَلِفة، الحديث. ٧٢٨/٨ وعند سعيد بن منصور من طريق حارثة بن مُضرِّب قال: كان عليٌّ/ يقول: هي الإبل، وابن عبّاس يقول: هي الخيل. ومن طريق عكرمة عنهما نحوه بلفظ: الإبلُ في الحجِّ والخيلُ في الجهاد. وبإسنادٍ حسن عن عبد الله بن مسعود قال: هي الإبلُ. وبإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس: ما ضَبَحَت دابّةٌ قَطُّ إلَّ كلبٌ أو فرس. قوله: ((﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: من أجْل حُبِّ الخير ﴿لَشَدِيدٌ﴾)) هو قول أبي عبيدة أيضاً، فَسَّرَ اللّام بمعنى: من أجل؛ أي: لأنَّ لأجلِ حُبّ المال لَبخيلٌ، وقيل: إنَّها للتَّعدية، والمعنى: إنَّه لَقويٌّ مُطِيقٌ لحبِّ الخير. قوله: (﴿وَحُصِّلَ﴾: مُيِّزَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِ الصُّدُورِ﴾: أي: مُيِّزَ، وقيل: ◌ُمعَ. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله: ﴿وَحُصِّلَ﴾، أي: أُخِرِجَ. ١٠١ - سورة ﴿اَلْفَارِعَةُ﴾ ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [٤]: كغَوْغاءِ الجَرَادِ، يَرْكَبُ بعضُه بعضاً، كذلك الناسُ يَحُول بعضُهم في بعضٍ. ﴿كَالْمِهْنٍ﴾ [٥]: كألوانِ العِهْنِ. وقرأ عبدُ الله: کالصُّوفِ. (١) وأخرجه أيضاً الحاكم في ((المستدرك)) ١٠٥/٢. ٥٩٥ سورة التكاثر كتاب التفسير قوله: ((سورة القارعة)) كذا لغير أبي ذرٍّ، واكتَفَى هو بذِكْرها معَ التي قبلَها. قوله: ((﴿كَالْفَرَاشِ اٌلْمَبْثُوثِ﴾: كَغَوْغاء الجَراد يَرْكَب بعضُه بعضاً. كذلك الناسُ يَجُولُ بعضُهم في بعض)) هو كلام الفَرّاء، قال في قوله: ﴿كَالْفَرَاشِ﴾: يريد كَغَوغاء الجَراد، ... إلى آخره. وقال أبو عبيدة: الفَراتٌ: طَيْرٌ لا ذُبابٌ ولا بَعوضٌ، والمَبْثوث: المتفرِّق. وحَمْلُ الفَراش على حقيقته أَولى، والعرب تُشَبِّه بالفراش كثيراً كقولٍ جَریر: إِنَّ الفَرَزِدَقَ ما عَلِمِتَ وقومَه(١) مِثْلُ الفَراش غَشِينَ نارَ المُصطَلى وصَفَهم بالخِرصِ والتَّهافُت، وفي تَشبيه الناس يومَ البَعث بالفَراش مُناسَباتٌ كثيرةٌ بَليغةٌ، كالطَّيِشِ، والانتشار، والكَثْرة، والضَّعف، والذِّلّة، والمجيء بغير رُجوع، والقصد إلى الدَّاعي، والإسراع ورُكوب بعضهم بعضاً والتطاير إلى النار. قوله: (﴿كَالْعِهْنِ﴾: كأَلوان العِهْن)) سَقطَ هذا لأبي ذرٍّ، وهو قول الفَرّاء، قال: ((كالعِهِنِ)) لأنَّ ألوانَها مُخْتَلِفَةٌ كالعِهِنٍ وهو الصُّوف. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عِكْرمة قال: ﴿كَالْعِهْنِ﴾: كالصُّوفِ. قوله: ((وقرأ عبدُ الله: كالصُّوفِ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وهو بَقيَّة كلام الفَرّاء، قال: في قراءة عبد الله - يعني ابن مسعود -: ((كالصُّوفِ المَنْفُوشِ)). ١٠٢ - سورة ﴿أَلَهَنْكُمُ ﴾ بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿التَّكَاثُرُ﴾: مِن الأموال والأولادِ. (١) كذا وقع صدر هذا البيت للحافظ ابن حجر وهو كذلك في بعض كتب التفسير، والذي في «ديوان جرير)) وبعض كتب اللغة بلفظ: أزْرَى بحِلْمِكُمُ الفِيَاشُ فأنتُم وفي ((اللسان)) مادة (فيش): فاشَ الرَّجل فَيْشاً وهو فَيُوش: فَخَر، وقيل: هو أن يفخر ولا شيء عنده. ٥٩٦ سورة العصر فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((سورة ﴿أَلْهَنَكُمُ﴾ - بِمِاللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرٍّ، ويقال لها: سورة التكاثر. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن أبي هلال قال: كان أصحاب رسول الله وَ ل يُسمُّونَهَا المقبرة. قوله: ((وقال ابن عبّاس: التَّكاثُر مِن الأموال والأولاد)) وَصَلَه ابن المنذر من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس. تنبيه: لم يَذكُر في هذه السُّورة حديثاً مرفوعاً، وسيأتي في الرِّقاق (٦٤٤٠) من حديث أُبيِّ بن كعب ما يَدخُل فيها. ١٠٣ - سورة ﴿ وَاَلْعَصْرِ﴾ وقال يحيى: الذَّهْرُ، أقسَمَ به. وقال مجاهد: ﴿خُسْرٍ﴾: ضَلَالٍ، ثمَّ استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ﴾. ٧٢٩/٨ قوله: ((سورة ﴿وَالْعَصْرِ﴾)) العَصْرُ: اليومُ واللَّيلةُ: قال الشّاعر: ولن يَلْبَثَ العَصْرانِ: يومٌ وليلةٌ(١) إذا طَلَبا أن يُدرِكا ما تَيمَّما(٢) قال عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر، قال الحسن: العَصْر: العَشِّ، وقال قَتَادةُ: ساعةٌ من ساعاتِ النّهار. قوله: ((وقال يحيى: العَصْر: الدَّهْر، أقسَمَ به)) سَقَطَ ((یحیی)) لأبي ذرٍّ، وهو يحیی بن زياد (١) كذا في (ع) على الصحيح وعلى مقتضى المعنى الذي أورده الحافظ، وتحرَّف في (أ) و(س) إلى: ((يوماً وليلةً)) بالنصب، ولم نقف عليه إلّا برفع ((يوم)) و((ليلة)) على البدلية من ((العَصْران))، انظر ((الكامل)) للمبرد ١٧٦/١ و٩٥/٣، و((معجم مقاييس اللغة)) لابن فارس ٣٤١/٤، ووقع في ((اللسان)) مادة (عصر): والعصران: الليل والنهار، والعصر: الليلة، والعصر: اليوم. وورد في ((تهذيب اللغة)) للأزهري فيما نقله عن ابن السِّكِّيت: يقال: العصران: الغَداة والعشيّ؛ قلنا: وعليه تُوجَّه رواية النصب على الظرف لهما وإن لم نقف عليها إلّا بالرفع. (٢) هذا البيت للشاعر حميد بن ثور الهلالي العامري، وهو من الشعراء المخضرمين، عاش زمناً في الجاهلية وشهد حنيناً مع المشركين، وأسلم ووفد على النبيِّ ◌َّة، ومات في خلافة عثمان ﴾. ٥٩٧ سورتا الهمزة والفيل كتاب التفسير الفَرّاء، فهذا كلامه في ((معاني القرآن». قوله: ((وقال مجاهد: ﴿خُسْرٍ﴾: ضَلَالٍ، ثمَّ استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ﴾)) ثَبَتَ هذا هنا للنَّسَفيّ وحدَه، ولم أرَه في شيء من التَّفاسير المسنَدة إلّا هكذا عن مجاهد: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾، قال: إلّا مَن آمَنَ. تنبيه: لم أرَ في تفسير هذه السُّورة حديثاً مرفوعاً صحيحاً، لكن ذكر بعضُ المفسِّرِينَ فيها حديثَ ابن عمر: ((مَن فاتَتْه صلاةُ العصر))، وقد تقدَّم في صفة الصلاة (٥٥٢) مشروحاً. ١٠٤ - سورة ﴿ وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَقٍ﴾ بِسْمِ الَهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ ﴿اَلْخُطَمَةُ ﴾: اسمُ النّارِ، مِثْلُ: سَقَرَ، ولَظَى. قوله: ((سورة ﴿ وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَقٍ﴾ - بِسْمِ الَّهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرٍّ، ويقال لها أيضاً: سورة الهُمَزة، والمراد: الكثيرُ الهَمْزِ، وكذا اللُّمَزة: الكثيرُ(١) اللَّهْزِ. وأخرج سعيد بن منصور من حديث ابن عبّاس، أنَّه سُئِلَ عن الهُمَزة قال: المشَّاءُ بالنَّميمة، المفرِّق بين الإخوان. قوله: (﴿الْخُطَمَةُ﴾: اسمُ النار، مِثْل: سَقَر وَلَظَى)) هو قول الفَرّاء، قال في قوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ أي: الرجلُ ومالُه ﴿فِى الْخُطَمَةِ ﴾ اسمٌ من أسماء النار، كقوله: جَهَنَّم وسَقَر ولَظَى. وقال أبو عُبيدة: يقال للرجلِ الأَكُول: حُطَمة؛ أي: الكثيرُ الخَطْم. ١٠٥ - سورة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أَلَمْ تَعلَمْ. قال مجاهدٌ: ﴿أَبَابِيلَ﴾ [٣]: مُتَابِعَةً مُجتَمِعةً. وقال ابنُ عبّاسٍ: ﴿مِّن سِجِيلٍ﴾ [٤]: هي سَنْكِ وكِلْ. (١) قوله: ((وكذا اللُّمَزَة: الكثير)) سقط من (س). ٥٩٨ سورة قريش فتح الباري بشرح البخاري قوله: (سورة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾)) كذا لهم، ويقال لها أيضاً: سورة الفيل. قوله: (﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تَعلَمْ)) كذا لغير أبي ذرٍّ، وللمُستَمْلي: «﴿ أَلَمْ تَرَ﴾ قال مجاهد: ﴿أَمْ تَرَ﴾: ألم تَعلَم)) والصَّواب الأوَّل، فإنَّه ليس من تفسير مجاهد. وقال الفَرّاء: ﴿أَلَّ تَرَ﴾(١): أَلم تُخُبَرَ عن الحَبَشة والفيل. وإنَّما قال ذلك، لأنَّه ◌َله لم يُدرِكْ قِصّة أصحاب الفيل، لأَنَّ وُلِدَ في تلك السَّنة. قوله: ((﴿أَبَابِيلَ﴾: مُتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد في قوله: ﴿أَبَابِلَ ﴾ قال: شَتَّى مُتابعةً مجتمعةً. وقال الفَرّاء: لا واحدَ لها، وقيل: واحدُها: إِيَالَة بالتَّخفيف، وقيل: بالتَّشديد، وقيل: إِنَّوْل کعِجَّوْلٍ وعَجَاچِیل. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿مِّن سِجِيلٍ﴾: هي سَنْكِ وكِلْ)) وَصَلَه الطََّرِيُّ (٩٤/١٢) من طريق السُّدِّيِّ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: سَنكِ وكِلْ: طِين وحِجارة. وقد تقدَّم في تفسير سورة هود(٢). ووَصَلَه ابن أبي حاتم (٢٠٦٨/٦) من وجه آخر عن عِكْرمة عن ابن عيَّاس. ورواه جَرِیر بن حازم عن يَعْلی بن حَکیم عن عكرمة. وروى الطَّبَريُّ (٢٩٩/٣) من طريق عبد الرّحمن بن سابط قال: هي بالأعجميَّة: سَنكِ وكِلْ، ومن طريق حُصَين عن عِكْرمة قال: كانت تَرمِيهم بحجارةٍ معها نار، قال: فإذا أصابت أحدَهم خرج به الجُدَريّ، وكان أوَّل يوم رُئِّيَ فيه الجُدَريّ. ٧٣٠/٨ ١٠٦ - سورة﴿لِإِیلَفِ قُرَیْشِ ﴾ قال مجاهد: ﴿لإِيلَفٍ﴾: ألِفُوا ذلك فلا يَشُقُّ عليهم في الشِّتاء والصَّيف. ﴿وَءَامَنَهُمْ﴾: من كلِّ عدوِّهم في حَرَمِهم. قال ابنُ عُبَينَةَ: ﴿لِإِيَفِ﴾: لِنِعْمَتِي على قُرَيشٍ (١) قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ من الأصلين، وسقط من (س). (٢) بإثر الحديث رقم (٤٦٨٤). ٥٩٩ سورة قريش كتاب التفسير حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ. قوله: ((سورة ﴿لِإِيلَفِ قُرَيْشٍ﴾)) قيل: اللّم مُتعلِّقة بالقِصّة التي في السُّورة التي قبلَها، ويُؤيِّده أنَّهما في مُصحَف أُبيِّ بن كعب سورة واحدة، وقيل: مُتعلِّقة بشيءٍ مُقدَّر؛ أي: اعجَبْ لِنِعمَتي على قُریش. قوله: ((قال مجاهد: ﴿لإِيلَفٍ﴾: أَلِفُوا ذلك، فلا يشقُّ عليهم في الشتاء والصيف، ﴿وَءَامَنَهُمْ﴾ من كلِّ عدوِّهم في حَرَمِهِم)) وَصَلَه الفِريابيُّ من طريق ابن أبي نَجيحِ عنه بلفظ ﴿رِحْلَةَ الشِنَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ إلفَهم ذلك فلا يَشُقُّ عليهم شتاءً ولا صَيفاً، وفي قوله(١): ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ قال: من كلِّ عَدوِّهم في حَرَمِهم. وأخرج ابن مَرْدويه من أوّله إلى قوله: ﴿وَالصَّيْفِ﴾ من وجهٍ آخرَ عن مجاهد، عن ابن عباس. قوله: ((وقال ابن عُبَينَ: ﴿لإِيلَفِ﴾: لِنِعْمَتِي على قُرَيش)) هو كذلك في ((تفسير ابن عُيَينةَ)) رواية سعيد بن عبد الرَّحمن عنه، ولابنِ أبي حاتم من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس، مِثلُه. تنبيهان: الأوَّل: قرأ الجمهور ﴿لِإِيلَفِ﴾ بإثبات الياء إلّا ابنَ عامر فحَذَفَها، واتَّفَقوا على إثباتها في قوله: ﴿ إِلَفِهِمْ﴾ إلّا في رواية عن ابن عامر فکالأوَّلِ، وفي أُخرى عن ابن کثیر بحذفٍ الألف(٢) التي بعد اللّام أيضاً. وقال الخليل بن أحمد: دَخَلَت الفاء في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ لمَا في السِّياق من معنى الشَّرط؛ أي: فإن لم يَعبُدُوا رَبَّ هذا البيت لنِعمَتِهِ السالفة، فليَعبُدوه للائتلاف المذكور. الثّاني: لم يَذكُر في هذه السّورة ولا التي قبلَها حديثاً مرفوعاً، فأمَّا سورة الهُمَزة، ففي ((صحيح ابن حِبّان)) (٦٣٣٢) من حديث جابر: أنَّ النبيّلنََّ قرأ ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ، أَخْلَدَهُ,﴾، (١) من قوله: (﴿وَءَامَنَهُم﴾ من كل عدوِّهم)) إلى هنا من (ع) وسقط من (س)، وسقط من (أ) إلى قوله: إلفهم. (٢) تحرَّف في (س) إلى: الأولى، مكان: الألف. ٦٠٠ سورة الماعون فتح الباري بشرح البخاري يعني: بفتح السِّين(١)، وأمَّا سورة الفيل ففيها من حديث المِسوَر الطّويل في صُلْح الحُدَيبية (٢٧٣١). قوله: ((حَبَسَها حابِسُ الفيلِ)) قد تقدَّم شرحه مُستَوقَى في الشُّروط (٢٧٣١ و٢٧٣٢)، وفيها حديث ابن عبَّاس مرفوعاً: ((إنَّ الله حَبَسَ عن مكَّة الفيل)) الحديث(٢). وأمَّا هذه السُّورة فلم أرَ فيها حديثاً مرفوعاً صحيحاً. ١٠٧ - سُورة ﴿أَرَءَيْتَ ﴾ وقال مجاهدٌ: ﴿يَدُغُ﴾ [٢]: يَدْفَعُ عن حَقِّه، يقال: هو من دَعَعْتُ، ﴿يُدَعُونَ﴾ [الطور: ١٣]: يُدْفَعونَ. ﴿سَاهُونَ﴾ [٥]: لاهونَ. و﴿ اُلْمَاعُونَ﴾ [٧]: المعروفَ، كلُّه، وقال بعضُ العربِ: الماعونُ: الماء. وقال عِكْرمةُ: أعلاها: الزكاةُ المفروضةُ، وأدْناها: عاريَّةُ المَتاع. قوله: ((سورة ﴿أَرَءَيْتَ﴾)) كذا لهم، ويقال لها أيضاً: سورة الماعون. قال الفَرّاء: قرأ ابن مسعود: ((أرأيتُك الذي يُكذِّب)) قال: والكاف صِلَة، والمعنى في إثباتها وحَذْفها لا يختلف، كذا قال، لكن التي بإثبات الكاف قد تكون بمعنى: أخبرني، والتي بحذفِها الظّاهر أنَّها من رُؤية البَصَر. (١) كذا قال الحافظ ابن حجر، وخالفه السيوطي في ((الدر المنثور)) فذكر أنه عند ابن حبان بكسر السين، وكذا أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٥٦/٢ بالإسناد نفسه الذي عند ابن حبان وزاد في متنه: بكسر السين، والحديث قد أخرجه أيضاً أبو داود (٣٩٩٥) والنسائي في ((الكبرى)) (١١٦١٤) وضُبِط لفظ ((يحسب)) في بعض أصولهما بكسر السين، وعلى كل حالٍ فإن مدار الحديث عند الكل على عبد الملك بن عبد الرحمن الذِّماري، وهو متكلَّم فيه، وقال أحمد: كان يُصحِّف ولا يُحسِن يقرأ كتابه. قلنا: والقراءتان مشهورتان، قرأ بفتح السين من السبعة ابنُ عامر وعاصم وحمزة، وقرأ الباقون بكسرها. انظر ((حجة القراءات)) لابن زنجلة ص١٤٨. (٢) إنما هو من حديث أبي هريرة، وقد سلف برقم (١١٢) و(٢٤٣٤)، وسيأتي برقم (٦٨٨٠). وأما حديث ابن عباس في قصة الفيل، فقد أورده الحافظ في سياق شرحه للحديث (٦٦٨٠) وعزاه هناك لابن مردويه.