النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ سورة الشرح كتاب التفسير قوله: ((سورة ﴿أَلَمَّ نَشْرَحْ لَكَ﴾ - بِسْمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقينَ: ﴿أَمّ نَشْرَحْ﴾ حَسْبُ. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿وِزْرَكَ﴾ في الجاهليّة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريقه، و((في الجاهليَّة)» مُتعلِّق بالوِزْر، أي: الكائن في الجاهليَّة، وليس مُتعلِّقاً بوَضَعَ. قوله: ((﴿ أَنْقَضَ﴾: أتقَنَ)) قال عياض: كذا في جميع النُّسَخِ: ((أنقَنَ)) بمُثنّةٍ وقاف ونون، وهو وهمٌّ، والصَّواب: / أثقَلَ بمُثلَّئةٍ وآخرها لام، وقال الأَصِيلِيُّ: هذا وهمٌ في رواية ٧١٢/٨ الفِرَبْريّ، وَوَقَعَ عند ابن السَّاك: ((أثقن))(١) بالمثلَّثة وهو أصحّ. قال عياض: وهذا لا يُعرَف في كلام العرب، ووَقَعَ عند ابن السَّكَن: ((ويُروَى: أَثْقَلَ)) وهو الصَّواب. قوله: ((ويُروَى: أَثْقَلَ، وهو أصحّ من أتقَنَ)) كذا وَقَعَ في رواية المُستَمْلي، وزاد فيه: قال الفِرَبْريّ: سمعتُ أبا مَعشَر يقول: ﴿ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: أثقَلَ؛ ووَقَعَ في الكتاب خطأ. قلت: أبو مَعشَر: هو حَمْدويه بن الخطّاب بن إبراهيم البخاريّ، كان يَستَملي على البخاريّ ويشاركه في بعض شيوخه، وكان صدوقاً، وأضرَّ بأَخَرَةٍ. وقد أخرجه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: ﴿ الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، قال: أثقَلَ. قال: وهذا هو الصَّواب، تقول العرب: أنقَضَ الحِمِلُ ظَهرَ الناقة: إذا أثقَلَها، وهو مأخوذ من النَّقيض: وهو الصَّوت، ومنه: سمعت نقيضَ الرَّحْل، أي: صَرِیره. قوله: ((﴿مَعَ الْعُسْرِ بُسْرًّا﴾ قال ابن عُيَينَةَ: أي: إنَّ معَ ذلك العُسْرِ يُسْراً آخَرَ، كقوله: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَّآَ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَبْنِ﴾)) وهذا مصيرٌ من ابن عُيَينةَ إلى اتِّباع النُّحاة في قولهم: إِنَّ النَّكِرة إذا أُعيدَت نَكِرةً كانت غير الأُولى، ومَوقِعُ التَّشبيه أنَّه كما ثَبَتَ للمؤمنينَ تعدُّدُ الحُسنَى كذا ثَبَتَ لهم تعدُّد اليُسر، أو أنَّه ذهب إلى أنَّ المراد بأحدِ الْيُسرَينِ الظَّفَر وبالآخرِ الثَّواب، فلا بُدَّ للمؤمنِ من أحدهما. (١) في الأصلين و(س): أثقل، وهو خطأ، لأنَّ القاضي عياضاً نصَّ في كتابه ((المشارق)) ١ / ١٢٤ أنها عند ابن السماك بالمثلثة والنون، ولذلك أعقبها بقوله: هذا لا يُعرف في كلام العرب. ٥٦٢ سورة الشرح فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ)) رُويَ هذا مرفوعاً موصولاً ومُرسَلاً، ورُويَ أيضاً موقوفاً، أمَّا المرفوع فأخرجه ابن مَرْدويه من حديث جابر بإسنادٍ ضعيف ولفظه: ((أُوحِيَ إِلَيَّ ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُبْرَّا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُسْرًا﴾، ولن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرَينٍ)). وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرَّزّاق(١) من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله وَلّ: ((لو كان العُشْر في جُحْرِ لَدَخَلَ عليه اليُسرُ حتَّى يُخْرِجَه، ولن يَغْلِب عُسرٌ يُسرَينِ)) ثمَّ قال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُسْرََّ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِيُسْرًا﴾، وإسناده ضعيف، وأخرجه عبد الرَّزّاق والطَّبَرِيُّ (٢٣٤/٣٠-٢٣٥) من طريق الحسن عن النبيّ وَّةٍ، وأخرجه عبد بن حُميدٍ (٢) من طريق فَتَادة قال: ذُكِرَ لنا: أنَّ رسول الله وَّهِ بَشَرَ أصحابه بهذه الآية فقال: ((لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرینِ إن شاء الله)). وأمَّا الموقوف، فأخرجه مالك (٢/ ٤٤٦) عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر: أنَّ كَتَبَ إلى أبي عُبيدة يقول: مهما يَنزِلْ بامرِئٍ من شِدّة يجعلِ الله له بعدها فَرَجاً، وإِنَّه لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرَينِ، وقال الحاكم: صَحَّ ذلك عن عمر وعليّ، وهو في ((الموطَّأ)) عن عمر لكن من طريقٍ مُنقَطِع. وأخرجه عبد بن حُميدٍ عن ابن مسعود بإسنادٍ جيِّد، وأخرجه الفَرّاء (٢٧٥/٣) بإسنادٍ ضعیف عن ابن عباس. قوله: ((وقال مجاهدٌ: ﴿فَأَنْصَبْ﴾ في حاجَتِك إلى رَبِّك)) وَصَلَه ابن المبارك في ((الزُّهد)) (١١٤٦) عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ﴾ في صَلاتِك ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبِ﴾ قال: اجعَلْ نَيَّتَك ورغبتَك إلى رَبّك. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم قال: إذا فرغت من الجهاد فتَعبَّدْ، ومن طريق الحسن نحوه. (١) في ((تفسيره)) ٣٨٠/٢-٣٨١. (٢) زاد في (أ) و(س) هنا: ((عن ابن مسعود بإسناد جيد)) وهي زيادة مقحمة ولم تُذكَر في (ع) على الصواب، ومكانها في الموقوف لاحقاً. وانظر ((تغليق التعليق)) ٣٧٢/٤. ٥٦٣ سورة التين/ ح ٤٩٥٢ كتاب التفسير قوله: ((ويُذكَر عن ابن عبّاس ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: شَرَحَ اللهِ صَدْرَه للإسلام)) وَصَلَه ابن مَرْدويه من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس، وفي إسناده راوٍ ضعيف. تنبيه: لم يَذْكُر في سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيها حديثٌ أخرجه الطَّبَرِيُّ (٢٣٥/٣٠) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٣٣٨٢) من حديث أبي سعيد رَفَعَه: ((أتاني جِبْريل فقال: يقول رَبّك: أتدري كيف رَفَعتُ ذِكْرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذُكِرِتُ ذُكِرتَ معي))، وهذا أخرجه الشافعيّ(١) وسعيد بن منصور وعبد الرَّزّاق (٢/ ٣٨٠) من طریق مجاهد قولَه. وذكر التِّرمِذيّ (٣٣٤٦)، والحاكم (٥٢٨/٢) في تفسيرها قِصّةَ شَرْح صَدرِه ◌َلاء ليلة الإسراء، وقد مضى الكلام عليه في أوائل السِّيرة النبويَّة (٣٨٨٧). ٩٥ - سورة ﴿وَآَلِئِينِ﴾ ٧١٣/٨ وقال مجاهدٌ: هو التِّينُ والزَّيتونُ الذي يأكلُ الناسُ. ﴿تَقْوِيمٍ﴾ [٤]: خَلْقٍ. ﴿أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ [٥] إلَّا مَن آمَنَ. يقال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ [٧]: فما الذي يُكذِّبُكَ بأنَّ الناسَ يُدَانُونَ بأعمالِهم، كأنَّه قال: ومَن يَقْدِرُ على تكذيِكَ بالثَّوابِ والعِقابِ؟ ٤٩٥٢ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثْنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَدِيٌّ، قال: سمعتُ البراءَ عَلُه: أنَّ النبيَّ ◌َّ كان في سَفَرٍ، فقرأ في العِشاءِ في إحدَى الرَّكْعَتَينِ بـ ﴿وَالِّينِ وَالزَُّونِ﴾. قوله: ((سورة ﴿وَأَلِّنِ﴾. وقال مجاهد: هو التّين والزَّيتون الذي يأكل الناسُ)) وَصَلَه الفِرْيابُّ من طريق مجاهد في قوله: ﴿وَاُلِّينِ وَالزَُّونِ﴾ قال: الفاكهةُ التي يأْكُل الناسُ ﴿ وَطُورٍ سِنِينَ﴾ (١) في كتابه ((الرسالة)) ص١٦. ٥٦٤ سورة التين/ ح ٤٩٥٢ فتح الباري بشرح البخاري الطُّور: الجبل، وسِينينَ: المبارَك(١). وأخرجه الحاكم (٥٢٨/٢) من وجه آخر عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد عن ابن عبّاس. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس مِثله، ومن طريق العَوْفيّ عن ابن عبّاس قال: التّين: مسجد نوح الذي بُنيَ على الجُوديّ، ومن طريق الرَّبيع بن أنس قال: التّين: جبل عليه التّين، والَّيتون: جبل عليه الَّيتون، ومن طريق قَتَادة: الجبل الذي عليه دمشق، ومن طريق محمَّد بن كعب قال: مسجد أصحاب الكهف، والَّيتون: مسجد إيلياء. ومن طريق قَتَادة: جبل عليه بيت المقدس. قوله: (﴿تَقْوِيمٍ﴾: خَلْقٍ)) كذا ثَبَتَ لأبي نُعَيم، وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد في قوله: ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قال: أحسن خلق. وأخرج ابن المنذر عن ابن عبّاس بإسنادٍ حسن قال: أعدل خلق. قوله: ((﴿أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ إلّا مَن آمَنَ)) كذا ثَبَتَ للَّسَفيّ وحده، وقد تقدَّم لهم في بَدْء الخلق(٢). وأخرج الحاكم (٥٢٨/٢) من طريق عاصم الأحول عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: مَن قرأ القرآن لم يُرَدَّ إلى أرذَل العُمُر، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [التين: ٥-٦] قال: الذينَ قَرَؤوا القرآن. قوله: ((يقال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ فما الذي يُكذِّبك بأنَّ الناس يُدَانونَ بأعمالهم؟ كأنَّه قال: ومَن يَقدِرُ على تَكْذِيِك بالثَّواب والعِقاب؟» في رواية أبي ذرِّ عن غيرِ الكُشْمِيهنيِّ: ((تُدالُونَ)) بلامِ (١) وقيل غير ذلك، قال ابن جرير الطبري في تفسيره) ٣٠/ ٢٤١: وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: طور سينين: جبل معروف، لأن الطُّور هو الجبل ذو النبات، فإضافته إلى سِينين تعريفٌ له، ولو كان نعتاً للطور، كما قال من قال: معناه: حسنٌ أو مبارَك، لكان الطورُ منوَّناً، وذلك أن الشيء لا يضاف إلى نعته لغیر علَّةٍ تدعو إلى ذلك. وكان قبلُ ٢٣ / ٩٦ ذكر أن طور سيناء المذكور في سورة المؤمنين آية (٢٠) وطور سينين موضعٌ واحد؛ أي: أن سينين لغة في سيناء. (٢) بين يدي الحديث رقم (٣٣٢٦). ٥٦٥ سورة العلق / ح ٤٩٥٢م كتاب التفسير بَدَل النُّون الأولى، والأوَّل هو الصَّواب، كذا هو في كلام الفَرّاء بلفظه، وزاد في آخره: بعدما تَبَّن له کیفیَّةُ خلقه. قال ابن التِّين: كأنَّه جَعَلَ ((ما)) لمن يَعقِل، وهو بعيد. وقيل: المخاطَب بذلك الإنسان المذكور، قيل: هو على طريق الالْتِفات، وهذا عن مجاهد، أي: ما الذي جَعَلَك كاذِباً؟ لأنَّك إذا كَذَّبتَ بالجزاءِ صِرتَ كاذِباً، لأنَّ كلّ مُكَذِّب بالحقِّ فهو كاذِب. وأمَّا تَعقُّبُ ابن التِّين قولَ الفَرّاء جَعْلَ ((ما)) لمن يَعِقِلُ وهو بعيد، فالجواب: أنَّه ليس ببعيدٍ فيمَن أُبهمَ أمره، ومنه: ﴿إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]. قوله: ((أخبرني عَدِيّ)» هو ابن ثابت الكوفيّ. قوله: ((فقرأ في العِشاء بالتّينِ)) تقدَّم شرحه في صفة الصلاة (٧٦٧). وقد كَثُرَ سؤال بعض الناس: هل قرأ بها في الرَّكعة الأولى أو الثّانية؟ أو قرأ فيهما معاً كأن يقول: أعادَها في الثّانية؟ وعلى أن يكون قرأ غيرها، فهَلْ عُرِفَ؟ وما كنتُ أستَحضِر لذلك جواباً، إلى أن رأيت في (كتاب الصَّحابة)) لأبي عليّ بن السَّكَن في ترجمة زُرْعة بن خليفة رجل من أهل اليمامة أنَّه قال: ((سمعنا بالنبيِّ نَّه فأتيناه، فعَرَضَ علينا الإسلام فأسلَمْنا وأسهَمَ لنا، وقرأ في الصلاة بالتّينِ والَّيتونِ، وإنّا أنزلناه في ليلة القَدْرِ)) فيُمكِن إن كانت/ هي الصلاة التي ٧١٤/٨ عَّنَ البراءُ بن عازِب أنَّها العِشاء أن يقال: قرأ في الأُولى بالتّينِ وفي الثّانية بالقَدْرِ، ويَحَصُل بذلك جوابُ السُّؤال، ويُقوِّي ذلك أنَّا لا نَعرِفُ في خيرٍ من الأخبار أنَّه قرأ بالتّينِ والَّيتون إلّا في حديث البراء ثمَّ حدیث زُرعة هذا. ٩٦ - سورة ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ ٤٩٥٢م- وقال قُتَيبةٌ: حدَّثنا حَمَّادٌ، عن يحيى بنِ عَتِيقٍ، عن الحسن، قال: اكتُبْ في المصحَفِ في أَوَّلِ الإِمامِ: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، واجعَلْ بِينَ السّورَتَيْنِ خَطّاً. وقال مجاهدٌ: ﴿نَادِيَهُ﴾ [١٧]: عَشِیرتَه. ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ [١٨]: الملائكةَ. ٥٦٦ سورة العلق / ح ٤٩٥٢م فتح الباري بشرح البخاري وقال مَعمَرٌ: ﴿الرُّجْعَ﴾ [٨]: المَرْجعُ. (لَنَسْفَعَنْ)) [١٥]: قال: لَنأْخُذَنْ، ولَنَسْفَعنْ بالنّونِ وهي الخَفِيفةُ، سَفَعْتُ بَيَدِهِ: أَخَذْتُ. قوله: ((سورة ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ﴾)) قال صاحب ((الكشّاف): ذهب ابن عبّاس ومجاهد إلى أنَّها أوَّل سورة نزلت، وأكثر المفسّرينَ إلى أنَّ أوَّل سورة نزلت فاتحة الكتاب. كذا قال، والذي ذهب أكثر الأئمّة إليه هو الأوَّل، وأمَّا الذي نَسَبَه إلى الأكثر فلم يقل به إلّا عَدَد أقلُ من القليل بالنّسبة إلى مَن قال بالأوَّلِ. قوله: ((وقال قُتَيبة: حدَّثنا حمّاد عن يحيى بن عَتيق عن الحسن قال: اكتُبْ في المصحَفِ في أوَّل الإمام: بسم الله الرَّحمن الرحيم، واجعَل بين السّورَتَينِ خَطّاً)) في رواية أبي ذرِّ عن غير الكُشْمِيهنيٍّ: ((حدَّثنا قُتَيبة)). وقد أخرجه ابن الضُّرَيسِ في ((فضائل القرآن)) (٤٣): حدَّثنا أبو الرَّبيع الزّهْرانيّ حدَّثنا حَمَّاد بهذا، وحَمَّاد: هو ابن زيد، وشيخه بصريّ ثقة من طبقة أيوب ماتَ قبله، ولم أرَ له في البخاريّ إلّا هذا الموضع. وقوله: ((في أوَّل الإمام)) أي: أمّ الكِتاب. وقوله: ((خَطّا)) قال الدَّاووديّ: إن أراد خَطّاً فقط بغير بسملة، فليس بصَوابٍ، لاتُّفاق الصَّحابة على كتابة البسملة بين كلّ سورتَينِ إلّا براءة، وإن أراد بالإمام إمامَ كلّ سورة فيجعل الخطّ معَ البسملة فحسنٌ، فكان ينبغي أن يَستَثنيَ براءةً. وقال الكِرْمانيُّ: معناه: اجعَل البسملة في أوَّله فقط، واجعَلْ بين كلّ سورتَينِ علامةً للفاصلة، وهو مذهب حمزة من القُرّاء السَّبعة - قلت: المنقول ذلك عن حمزة في القراءة لا في الكتابة - قال: وكأنَّ البخاريّ أشارَ إلى أنَّ هذه السّورة لمَّا كان أوَّلها مُبتَدَأً بقوله تعالى: ﴿أَقْرَأْ بِأَسِْ رَبِكَ﴾ أراد أن يُبيِّن أنَّه لا تجبُ البسملة في أوَّل كلّ سورة، بل مَن قرأ البسملة في أوَّل القرآن كَفَاه في امتثال هذا الأمر. نعم، استَنْبَطَ السُّهَيليُّ من هذا الأمر ثُبُوتَ البسملة في أوَّل الفاتحة، لأنَّ هذا الأمر هو أوَّل شيء نزلَ من القرآن، فأَولى مواضع امتثالِهِ أوَّل القرآن. ٥٦٧ سورة العلق/ ح ٤٩٥٣ كتاب التفسير قوله: «وقال مجاهد: ﴿نَادِیَهُ,﴾: عَشِیرته)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طریق مجاهد به، وهو تفسیر معنَى، لأنَّ المدعوَّ أهلُ النادي، والنادي: المجلِس المتَّخَذ للحديثِ. قوله: (﴿الزَّبَانِيَةَ﴾: الملائكةَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي حازِم عن أبي هريرة مِثلَه. قوله: ((وقال مَعمَر (١): ﴿الرُّجْعَ﴾: المَرْجِع)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لغيره: ((وقال مَعمَر)) فصارَ كأنَّه من قول مجاهد، والأوَّل هو الصَّواب، وهو كلام أبي عبيدة في كتاب (المجاز)) ولفظه: ﴿ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ قال: المرجع والرُّجوع. قوله: (لنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَّةِ: لَنأْخُذَنْ، ولَنَسْفَعنْ بالنّونِ وهي الخفيفة، سَفَعْتُ بِيَدِهِ: أَخَذْتُ)) هو كلام أبي عبيدة أيضاً ولفظه: ولَنَسفَعنْ إِنَّا يُكتَب بالنّونِ لأنَّها نون خفيفة. انتهى، وقد رُويَ عن أبي عَمْرو بتشديد النّون(٢)، والموجود في مرسوم المصحَف بالألفِ، والسَّفْع: القَبْض على الشَّيء بشِدّةٍ، وقيل: أصله الأخذ بسَفْعة الفرس، أي: سواد ناصيته، ومنه قولهم: به سَفْعَةٌ من غَضَب، لِمَا يَعلُو لونَ الغضبان من التغيُّرِ، ومنه: امرأة سَفْعاء. ١ - بابٌ ٧١٥/٨ ٤٩٥٣- حدَّثنا يحيى بن بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ. وحذَّثني سعيدُ ابنُ مروانَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي رِزْمةً، أخبرنا أبو صالح سَلْمويه، قال: حدَّثني عبدُ الله، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، قال: أخبرني ابنُ شِهابٍ، أنَّ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ أخبَرَه، أنَّ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ ◌ََّ قالت: كان أوَّلَ ما بُدِئَ به رسولُ اللهِ وَّهِ الرُّؤْيا الصّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فكان لا يَرَى رُؤْيا إلّا جاءت مِثلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثمَّ حُبِّبَ إليه الخَلَاءُ، فكان يَلْحَقُ بغارِ حِرَاءِ، فِيَتَحَنَّثُ فيه - قال: والتَّحَتُّثُ: التَّعْبُّدُ اللَّيَالِيَ ذواتِ العَدَدِ - قبلَ أن يَرجِعَ إلى أهلِه، ويَتزوَّدُ لذلك، ثمَّ (١) هو معمر بن المثنَّى أبو عُبيدة صاحب كتاب ((مجاز القرآن)). (٢) أبو عمرو: هو ابن العلاء البصري، أحد القراء السبعة، إلا أنَّ قراءته هذه رُوِيَت عنه من طريقين غير معتمدين في قراءته السَّبعية، فهي من القراءات الشاذَّة. وانظر ((البحر المحيط)) لأبي حيان ٤٩٥/٨. ٥٦٨ سورة العلق/ ح ٤٩٥٣-٤٩٥٤ فتح الباري بشرح البخاري يَرجِعُ إلى خَدِيجَةَ فِيَزوَّدُ لِمِثْلِها، حتَّى فَجِتَه الحقُّ وهو في غارِ حِراءٍ، فجاءه الملَكُ فقال: اقرَأْ، فقال رسولُ الله وَلِّ: ((ما أنا بقارئٍ)) قال: ((فأخَذَفي فغَطَّني، حتَّى بَلَغَ منّي الجَهْدَ، ثمَّ أرسَلَني، فقال: اقرأْ، قلتُ: ما أنا بقارئٍ، فأخَذَني فغَطَّني الثّانيةَ، حتَّى بَلَغَ منّي الجَهْدَ، ثمَّ أرسَلَني، فقال: اقرَأْ، قلتُ: ما أنا بقارئٍ، فأخَذَني فغَطَّني الثّالثةَ، حتَّى بَلَغَ منّي الجَهْدَ، ثمَّ أرسَلَني فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ آ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ٥ آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُ الَّذِى عَلََّ بِاَلْقَلَمِ﴾)) الآيات إلى قوله: ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فَرَجَعَ بها رسولُ الله ◌َّهِ تَرْجُفُ بَوادِرُه، حتَّى دَخَلَ على خَدِيجَةَ، فقال: ((زَمِّلُوني! زَمِّلُوني!)) فزَمَّلوه حتَّى ذهب عنه الرَّوْعُ، قال لِخَدِيجَةَ: ((أيْ خَدِيجَةُ، ما لي؟ لقد خَشِيتُ على نَفْسي)) فأخبرها الخبرَ، قالت خَدِيجُ: كلَّا أبشِرْ، فوالله لا يُخْزِيكَ اللهُ أبداً، فوالله إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحديثَ، وَتَحمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضَّيفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحقِّ. فانطَلَقَت به خَدِيجَةُ حتَّى أتتْ به وَرَقَةَ بنَ نَوْفَلٍ، وهو ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أخي أبيها، وكان امرَأَ تَتَضَّرَ في الجاهليَّةِ، وكان يَكتُبُ الكتابَ العربيَّ، ويَكتُبُ مِن الإنجيلِ بالعربيَّةِ ما شاءَ اللهُ أن يَكتُبَ، وكان شيخاً كَبِيراً قد عَمِيَ، فقالت خَدِيجُةُ: يا ابنَ عَمِّ، اسمَعْ مِن ابنِ أخِيكَ، قال وَرَقَةُ: يا ابنَ أخي، ماذا تَرَى؟ فأخبَرَه النبيُّ ◌َِّ خَبَرَ ما رَأَى، فقال وَرَقَةُ: هذا النامُوسُ الذي أَنْزِلَ على موسى، لَيتَني فيها جَذَعاً! لَيْتَنِي أكونُ حَيّاً؛ ذكر حَرْفاً، قال رسولُ اللهِ وَل: (أوَتُرِ جِيَّ هم؟)) قال وَرَقَةُ: نعم، لم يأتِ رجلٌ بما جِئْتَ به إلّا أُوذِيَ، وإن يُدْرِكْني يومُّكَ حَيّاً أَنصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً، ثمَّ لم يَنْشَبْ وَرَقَةُ أن تُوُلِّ، وَفَرَ الوَحْيُّ فَتْرَةً، حتَّى حَزِنَ رسولُ اللهٍَِّ. ٤٩٥٤- قال محمَّدُ بنُ شِهابٍ: فأخبَرني أبو سَلَمَةَ، أَنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله الأنصاريَّ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله وَّةٍ، وهو يُحدِّثُ عن فَتْرةِ الوَحْي، قال في حديثه: ((بَيْنا أنا أَمشي سمعتُ صوتاً مِن السماءِ، فَرَفَعْتُ بَصَري، فإذا الملَكُ الذي جاءني بحِراءٍ جالسٌ على كُرْسِيٍّ بينَ السماءِ والأرضِ، ففَرِقْتُ منه فَرَجَعْتُ، فقلتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني)) فدَتَّرُوه، فأنزَّلَ الله تعالى: ﴿َأَيُّهَا الْمُدَّتِّرُ ) قُرْ فَذِرْ ن وَرَبَّكَ فَكَبِرْ ن وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ ل وَالرُّجْزَ فَأَهْجُزْ﴾. قال أبو سَلَمَةَ: وهي الأوثانُ التي كان أهلُ الجاهليّةِ يَعْبُدُونَ، قال: ثمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ. ٥٦٩ سورة العلق / ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ كتاب التفسير قوله: ((باب، حذَّثنا يحيى بن بُكَير، حدَّثنا اللَّيث، عن عُقَيل، عن ابن شِهاب. وحدَّثني ٧١٦/٨ سعيدُ بن مروان)) الإسناد الأوَّل قد ساقَ البخاريّ المتنَ به في أوَّل الكتاب (٣)، وساقَ في هذا الباب المتنَ بالإسناد الثّاني، وسعيد بن مروان هذا: هو أبو عثمان البغداديّ نَزِيل نَيَسابُور، من طبقة البخاريّ، شارَكَه في الرّواية عن أبي نُعَيم وسليمان بن حَرْب ونحوهما، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الموضع، وماتَ قبل البخاريّ بأربع سنينَ، ولهم شيخ آخر يقال له: أبو عثمان سعيد بن مروان الرُّهَاويّ، حدَّث عنه أبو حاتم وابن أبي رِزْمة وغيرهما، وفَرَّقَ البخاريُّ في ((التاريخ)) بينه وبين البغداديّ، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّهما واحد وآخرُهم الکِرْمانيّ. ومحمَّد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمة بكسر الرَّاء وسكون الزّاي، واسم أبي رِزْمة: غَزْوان، وهو مَروَزيّ من طبقة أحمد بن حَنبَل، فهو من الطَّقة الوُسطَى من شيوخ البخاريّ، ومع ذلك فحدَّث عنه بواسطةٍ، وليس له عنده سِوَى هذا الموضع، وقد حدَّث عنه أبو داود بلا واسطة. وشيخه أبو صالح سَلْمويه: اسمه سليمان بن صالح اللَّيْثِيُّ المروزيُّ، يُلقَّب سَلْمويه، ويقال: اسم أبيه داود، وهو من طبقة الراوي عنه من حيثُ الرِّواية إلّا أنَّه تقدَّمت وفاته، وكان من أخِصّاء عبد الله بن المبارك والمكثِرِينَ عنه، وقد أدرَكَه البخاريّ بالسِّنِّ لأنَّه ماتَ سنة عشر ومئتَينٍ، وما له أيضاً في البخاريّ سِوَى هذا الحديث. وعبد الله: هو ابن المبارك الإمام المشهور، وقد نزلَ البخاريُّ في حديثه في هذا الإسناد دَرَجَتَينٍ، وفي حديث الزُّهْرِيِّ ثلاث دَرَجات. وقد تقدَّم شرحُ هذا الحديث مُستَوفَّى في أوائل هذا الكتاب (٣)، وسأذكرُ هنا ما لم يَتقدَّمِ ذِكْرُهُ ممَّا اشتَمَلَ عليه من سياق هذه الطَّريق وغيرها من الفوائد. قوله: ((إنَّ عائشة زوجَ النبيّ ◌ٍَّ قالت: كان أوَّلَ ما بُدِىَ به رسول الله ◌َّهِ الرُّؤْيا الصّادِقة)» قال النَّوَويّ: هذا من مَراسِيل الصَّحابة، لأنَّ عائشة لم تُدرِكْ هذه القِصّة فتكون سمعَتها ٥٧٠ سورة العلق / ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ فتح الباري بشرح البخاري من النبيّ ◌َّ أو من صحابيّ. وتَعقَّبَه مَن لم يفهم مُرادَه فقال: إذا كان يجوِّز أنَّها سمعَتها من النبيّ وَّةٍ، فكيف يَجِزِم بأنَّها من المراسيل؟ والجواب: أنَّ مُرسَل الصَّحابيّ ما يَرويه من الأُمور التي لم يُدرِكْ زمانها، بخِلَاف الأُمور التي يُدرِك زمانها فإنَّها لا يقال: إنَّها مُرسَلة، بل يُحِمَل على أنَّه سمعَها أو حَضَرَها ولو لم يُصرِّحْ بذلك، ولا يختصُّ هذا بمُرسَلِ الصَّحابيّ، بل مُرسَلُ التابعيّ إذا ذكر قِصّة لم يَحِضُرِها سُمّيَت مُرسَلة، ولو جازَ في نفس الأمر أن يكون سمعَها من الصَّحابيّ الذي وَقَعَت له تلك القِصّة، وأمَّا الأُمور التي يُدرِكها فيُحمَل على أنَّه سمعَها أو حَضَرَها، لكن بشرطِ أن يكون سالماً من التَّدليس، والله أعلم. ويُؤيِّد أنَّها سمعَت ذلك من النبيّ وَ له قولها في أثناء هذا الحديث: ((فجاءه الملَك فقال: اقرأْ، فقال رسول الله و له: ما أنا بقارئ، قال: فأخَذَني)) إلى آخره، فقوله: ((قال: فأخَذَني فغَطَّني)) ظاهرٌ في أنَّ النبيّ ◌ََّ أخبَرَها بذلك، فيُحمَل بَقيَّة الحديث عليه. قوله: («أوَّل ما بُدِئَ به رسول الله وَ ◌ِّ الرُّؤْيا الصّادِقة)) زاد في رواية عُقَيل كما تقدَّم في بَدْء الوحي (٣): ((من الوحي)) أي: في أوَّل المبتَدَآت من إيجاد الوحي الرُّؤيا، وأمَّا مُطلَق ما يدلُّ على نُبوَّته فتقدَّمت له أشياءُ مِثلُ تسليم الحجر كما ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٢٢٧٧) وغير ذلك. و((ما)) في الحديث نَكِرة موصوفة، أي: أوَّل شيء، ووَقَعَ صريحاً في حديث ابن عبَّاس عند ابن عائذ(١). ووَقَعَ في مُرسَل عبد الله بن أبي بكر بن حَزْمِ عند الدُّولابِيّ(٢) ما يدلّ على أنَّ الذي كان يراه مَّلَ هو جِبْريل، ولفظه: أنَّه قال لخديجة بعد أن أقرأه جِبْرِيل: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ﴾: «أرأيتُكِ الذي كنت أُحدِّثكِ أنّي رأيتُه في المنام، فإنَّه جِبْرِيل استَعلَنَ)). قوله: ((من الوَحْي))(٣) يعني: إليه، وهو إخبارٌ عَّا رآه من دلائل نُبوَّته من غير أن يُوحَى (١) أي: في («مغازيه))، وابن عائذ: هو محمد بن عائذٍ أبو عبد الله القرشيُّ مولاهم، توفي سنة ٢٣٣هـ، انظر ((سير أعلام النبلاء)) ١١/ ١٠٤. (٢) في كتابه ((الذرية الطاهرة)) (٢٠). (٣) هذا الحرف في رواية عُقيل بن خالد التي سلفت برقم (٣). ٥٧١ سورة العلق / ح ٤٩٥٣-٤٩٥٤ كتاب التفسير بذلك إليه هو، وأوَّل(١) ذلك مُطلَقاً ما سمعَه من بَحِيرا الرَّاهب، وهو عند التِّرمِذيّ (٣٦٢٠) بإسنادٍ قويّ عن أبي موسى (٢)، ثمَّ ما سمعَه عند بناء الكعبة حيثُ قيل له: ((اشدُدْ عليك إزارك)»/ وهو في ((صحيح البخاريّ)) (٣٦٤) من حديث جابر، وكذلك تسليم الحجر عليه ٧١٧/٨ وهو عند مسلم (٢٢٧٧) من حديث جابر بن سَمُرة. قوله: (الصالحة))(٣) قال ابن المرابط: هي التي ليست ضِغئاً ولا من تلبيس الشَّيطان ولا فيها ضربُ مَثَلِ مُشكِل، وتُعقّبَ الأخير بأنَّه إن أراد بالمشكِلِ ما لا يُوقَّف على تأويله فَمُسَلَّم، وإلّا فلا. قوله: ((فَلَقِ الصُّبْح)) يأتي في سورة الفَلَق قريباً(٤). قوله: ((ثُمَّ حُبِّبَ إليه الخَلَاء)) هذا ظاهرٌ في أنَّ الرُّؤيا الصّادِقِة كانت قبل أن يُحبَّبَ إليه الخَلاءُ، ويحتمل أن تكون لترتيب الأخبار، فيكون تحبيب الخَلْوة سابقاً على الرُّؤيا الصّادِقة، والأوَّل أظهَر. قوله: ((الخَلَاء)) بالمدِّ: المكان الخالي، ويُطلَق على الخَلوة، وهو المراد هنا. قوله: ((فكان يَلْحَق بغارِ حِراءٍ)) كذا في هذه الرّواية، وتقدَّم في بَدْء الوحي بلفظ: ((فكان يَخْلو)) وهي أوجَهُ، وفي رواية عُبيد بن عُمَير عند ابن إسحاق: فكان يُحاوِر(٥). قوله: (الليالي ذواتِ العدد» في روایة ابن إسحاق: أنَّه کان یعتَكِف شهر رمضان. قوله: ((قال: والتَّحَنُّث: التَّعَبُّد)) هذا ظاهرٌ في الإدراج، إذ لو كان من بَقيَّة كلام عائشة (١) في (أ) و(س): من غير أن يوحي بذلك إليه وهو أول، والمثبت من (ع) وهو الوجه. (٢) كذا قال الحافظ، وقد استنكر هذا الخبرَ غير واحدٍ من أهل العلم كابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، وانظر المجموع الذي فيه فوائد حديثية لابن القيم (طبع دار ابن الجوزي) ص٢١ وما بعدها و التعلیق علیه. (٣) هذا الحرف أيضاً في رواية عُقيل. (٤) بین یدي الحديث رقم (٤٩٧٦). (٥) انظر («سيرة ابن هشام)) ٢٣٦/١. ٥٧٢ سورة العلق / ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ فتح الباري بشرح البخاري لجاءَ فيه: قالت، وهو يحتمل أن يكون من كلام عُرْوة أو مَن دونه، ولم يأتِ التَّصريحُ بصفة تَعبُّده، لكن في رواية عُبيد بن عُمَير عند ابن إسحاق: ((فيُطْعِم مَن يَرِدُ عليه من المساكين))، وجاء عن بعض المشايخ: أنَّه كان يَتَعبَّد بالتفكُّرِ، ويحتمل أن تكون عائشة أطلقَت على الخَلوة بمُجرَّدِها تَعبُّداً، فإنَّ الانعزال عن الناس ولا سيّما مَن كان على باطِلٍ من جُملة العبادة، كما وَقَعَ للخليلِ عليه السلام حيثُ قال: ﴿إِنِّ ذَاهِبُّ إِلَى رَبِ﴾ [الصافات: ٩٩]. وهذا يَلتَفِت إلى مسألة أُصوليّة: وهو أنَّه وَ له هل كان قبل أن يُوحَى إليه مُتَعَبَّداً بشريعة نبيٍّ قبلَه؟ قال الجمهور: لا، لأنَّه لو كان تابعاً لاستُبعِدَ أن يكون متبوعاً، ولأنَّه لو كان لنُقِلَ مَن كان يُنسَب إليه. وقيل: نعم، واختارَه ابنُ الحاجِب، واختلفوا في تعيينه على سبعة(١) أقوال: أحدها: آدم، حكاه ابن بَرْهان، الثّاني: نوح، حكاه الآمِديّ، الثّالث: إبراهيم، ذهب إليه جماعة واستَدَلُّوا بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، الرَّابع: موسى، الخامس: عيسى، السادس: بكلِّ شيءٍ بَلَغَه عن شَرْع نبيّ من الأنبياء، وحُجَّته: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، السابع: الوَقْف، واختارَه الآمديّ. ولا يَخْفَى قوّةُ الثّالث، ولا سيَّمَا معَ ما نُقِلَ من مُلازَمَته للحَجِّ والطَّواف ونحو ذلك ممّاً بَقِيَ عندهم من شريعة إبراهيم، والله أعلم. وهذا كلّه قبلَ النُّة، وأمَّا بعد النُّة فقد تقدَّم القولُ فيه في تفسير سورة الأنعام (٤٦٣٢). قوله: ((إلى أهله)) يعني خديجةَ وأولاده منها، وقد سَبَقَ في تفسير سورة النّور في الكلام على حديث الإفك (٤٧٥٠) تسميةُ الَّوجة أهلاً، ويحتمل أن يريد أقاربه أو أعَمَّ. قوله: ((ثُمَّ يَرجِع إلى خديجةَ فيَزوَّد)) خَصَّ خديجة بالذِّكرِ بعد أن عَبَّرَ بالأهلِ، إمّا تفسيراً بعد إبهام، وإمّا إشارةً إلى اختصاص التزُّد بگوْنِه من عندها دون غيرها. (١) في (أ) و(س): ثمانية، والمثبت من (ع)، وهو الصواب. ٥٧٣ سورة العلق/ ح ٤٩٥٣-٤٩٥٤ كتاب التفسير قوله: ((فيَزوَّد ◌ِثْلِها)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((بِمِثلِها)) بالموخَّدة، والضَّمير للَّيالي أو للخَلْوة أو للعبادة أو للمَرّات، أي: السابقة، ثمَّ يحتمل أن يكون المراد أنَّه يَتزوَّد ويَخْلُو أياماً، ثمَّ یَرجِعُ ويَتزوَّد ويَخْلُو أياماً، ثمَّ يَرجِعُ ويَتزوَّد ويَخْلُو أياماً، إلى أن ينقضيَ الشَّهر. ويحتمل أن يكون المراد أن يَتزوَّد لِثلِها إذا حالَ الحَوْل وجاء ذلك الشَّهر الذي جَرَت عادته أن يَخْلوَ فيه، وهذا عندي أظهَرُ، ويُؤخَذ منه إعداد الزّاد للمُختَلي إذا كان بحيثُ يَتَعذَّر عليه تحصيلُه لبُعدِ مكان اختلائه من البَلَد مثلاً، وأنَّ ذلك لا يَقدَحُ في التوكُّل وذلك لوقوعِه من النبيّ وَّهِ بعدَ حصول النُّبُوّة له بالرُّؤيا الصالحة، وإن كان الوحيُّ في اليقظة قد تَراخَی عن ذلك. قوله: ((وهو في غار حِراءٍ)) جُملة في موضع الحال. قوله: ((فجاءه الملَك)) هو جِبْريل كما جَزَمَ به السُّهَيلِيّ، وكأنَّه أَخَذَه من كلام وَرَقة المذكور في حديث الباب. ووَقَعَ عند البيهقيِّ في ((الدَّلائل)) (١٣٥/٢ - ١٣٧): فجاءه الملكُ فيه؛ أي: في غار حِراء، كذا عَزاه شيخُنا البُلْقِينِيّ لـ(الدَّلائلِ)) فَتَبِعتُه، ثمَّ وجدتُه بهذا اللَّفظ في كتاب التَّعبير فعَزْوُه له أولى. تنبيه: إذا عُلِمَ أنَّه كان/ يُجاوِر في غار حِراءٍ في شهر رمضان، وأنَّ ابتداء الوحي جاءه ٧١٨/٨ وهو في الغار المذكور، اقتَضَی ذلك أنّه نُبِّى في شهر رمضان، ويُعگِّر علی قول ابن إسحاق: إِنَّه بُعِثَ على رأس الأربعينَ، معَ قوله: إنَّه وُلِدَ في شهر رَبيعٍ(١)، ويُمكِن أن يكون المجيءُ في الغار كان أوَّلاً في شهر رمضان وحينئذٍ نُبِّىَ وأُنزِلَ عليه: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، ثمَّ كان المجيء الثّاني في شهر ربيع الأوَّل بالإنذار وأُنزِلَت عليه: ﴿وَيُّهَا الْمَُّّفِرُ ٥ قُرْ فَنَذِرُ﴾ فيُحمَل قول ابن إسحاق: ((على رأس الأربعينَ)) أي: عند المجيء بالرِّسالة، والله أعلم. (١) هكذا في (ع)، وهو الصواب الموافق لما في ((سيرة ابن إسحاق))، وفي (أ) و(س): ((إنه في شهر رمضان ولد» وهو خطأ. ٥٧٤ سورة العلق/ ح ٤٩٥٣-٤٩٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((اقرأْ)) يحتمل أن يكون هذا الأمرُ لمجَرَّدِ التَّنبيه والتَّقُّظ لمَا سَيُلقَى إليه، ويحتمل أن يكون على بابه من الطََّب فيُستَدَلَّ به على تكليف ما لا يُطاقُ في الحال وإِن قَدِرَ علیه بعد ذلك، ويحتمل أن تكون صيغةُ الأمر محذوفة، أي: قل: اقرأ، وإن كان الجواب: ما أنا بقارئٍ، فعلى ما فُهِمَ من ظاهر اللَّفظ، وكأنَّ السَّ في حذفها لئلّا يُتُوهَّمَ أنَّ لفظ ((قل)) مِن القرآن. ويُؤْخَذ منه جوازُ تأخير البيان عن وقت الخِطاب، وأنَّ الأمر على الفَوْر، لكن يُمكِن أن يُجابَ بأنَّ الفَوْرِ فُهِمَ من القَرِينة. قوله: ((ما أنا بقارئٍ)) وَقَعَ عند ابن إسحاق في مُرسَل عُبيد بنَّ عُمَير: أنَّ النبيّ وَّ قال: ((أتاني جِبْرِيلُ بنَمَطٍ من دِيباج فيه كتابٌ قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئٍ)) قال السُّهَيليُّ: قال بعض المفسّرينَ: إنَّ قوله: ﴿الَّ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١-٢] إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جِبْرِيلُ حيثُ قال له: ((اقرأ)). قوله: (فغَطَّني)) تقدَّم بيانُه في بَدْء الوحي، ووَقَعَ في («السِّيرة)) لابنِ إسحاق: فغَتَّنِي، بالمثنّاة بَدَلَ الطاء، وهما بمعنَّى، والمراد: غَمَّني، وصَرَّحَ بذلك ابنُ أبي شَيْبة(١) في مُرسَل عبد الله بن شَدّاد. وذكر السُّهَيلِيُّ أنَّه رُوِيَ: سَأَبَني(٢)، بمُهمَلةٍ ثمَّ همزة مفتوحتين ثمَّ موخَّدة أو مُثنّاة، وهما جميعاً بمعنى الخَنْق، وأغرَبَ الدَّاووديُّ فقال: معنى ((فَغَطَّني)) صَنَعَ بي شيئاً حتَّى ألقاني إلى الأرض كمَن تأخذُه الغَشْية. والحكمة في هذا الغَطّ شُغْلُه عن الالتِفات لشيءٍ آخر، أو لإظهار الشِّدّة والجِدّ في الأمر تنبيهاً على ثِقَل القول الذي سيُلقَى إليه، فلمَّا ظَهَرَ أنَّه صَبَرَ على ذلك أُلقيَ إليه، وهذا وإن كان بالنّسبة إلى عِلْم الله حاصلٌ، لكن لعلَّ المراد إبرازُه للظّاهِرِ بالنّسبة إليه وَلِّ. وقيلَ: لِيُختَبَرَ هل يقول مِن قِبَل نفسه شيئاً، فلمَّا لم يأتِ بشيءٍ دَلَّ على أنَّه لا يَقدِرُ عليه، (١) في (مصنفه)) ١٤/ ٢٩٢. (٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: سأبي، بإسقاط النون. ٥٧٥ سورة العلق / ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ كتاب التفسير وقيل: أراد أن يُعلِّمه أنَّ القراءة ليست من قُدرَته ولو أُكره عليها، وقيل: الحكمة فيه أنَّ التَّخَيُّل والوَهْم والوَسَوَسة ليست من صفات الجسم، فلمَّا وَقَعَ ذلك لجِسمِه عَلِمَ أنَّه من أمر الله. وذكر بعضُ مَن لَقِيناه: أنَّ هذا من خصائص النبيّ وَِّ، إذ لم يُنقَل عن أحدٍ من الأنبياء أنَّه جَرَى له عند ابتداء الوحي مِثلُ ذلك. قوله: ((فَغَطَّني الثّالثَ)) يُؤْخَذ منه أنَّ مَن يريد التّأکید في أمرٍ وإيضاح البیان فيه أن يُحرِّره ثلاثاً، وقد كان وَلّ يفعل ذلك كما سَبَقَ في كتاب العلم (٩٤)، ولعلَّ الحكمة في تكرير الإقراء الإشارةُ إلى انحِصار الإيمان الذي يَنشَأ الوحيُّ بسببه في ثلاث: القول، والعَمَل، والنِّيَّة، وأنَّ الوحي يَشتَمِل على ثلاثٍ: التوحيد، والأحكام، والقَصَص، وفي تكرير الغَطِّ الإشارةُ إلى الشَّدائد الثلاث التي وَقَعَت له وهي: الحَصْر في الشِّعْب، وخروجه في الهجرة، وما وَقَعَ له يومٍ أُحُد، وفي الإرسالات الثلاثة إشارةٌ إلى حصول التَّيسير له عَقِبَ الثلاث المذكورة: في الدُّنيا، والبَرزَخ، والآخِرة. قوله: ((فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾)) هذا القَدْر من هذه السّورة هو الذي نزلَ أوَّلاً، بخِلَاف بَقِيَّة السّورة فإِنَّما نزلَ بعد ذلك بزمانٍ. وقد قَدَّمتُ في تفسير المدَّثِّرِ (٤٩٢٢) بيانَ الاختلاف في أوَّل ما نزلَ، والحكمةُ في هذه الأوَّليّة أنَّ هذه الآيات الخمس اشْتَمَلَت على مقاصد القرآن: ففيها بَراعةُ الاستهلال، وهي جَدِيرة أن تُسمَّى عُنْوان القرآن لأنَّ عُنوان الكتاب يجمع مقاصدَه بعبارةٍ وَجِيزة في أوَّله، وهذا بخِلَاف الفَنّ البَديعيّ المسمَّى ((العنوان)) فإنَّهم عَرَّفوه بأن يأخذَ المتكلُّم في فنّ فُؤكِّده بذِكْر مِثالٍ سابق. وبيان كَوْنها اشتَمَلَت على مقاصد القرآن / أنَّها تَنحَصِر في علوم التوحيد والأحكام ٧١٩/٨ والأخبار، وقد اشتَمَلَت على الأمر بالقراءة والبِداءة فيها ببِسْمِ الله، وفي هذه الإشارة إلى الأحكام، وفيها ما يَتَعلَّق بتوحيدِ الرَّبّ وإثبات ذاته وصفاته من صفة ذاتٍ وصفة فِعلٍ، وفي هذا إشارة إلى أُصول الدِّين، وفيها ما يَتَعلَّق بالأخبار من قوله: ﴿عََّ آلْإِنسَنَ مَا لَمْيَعلَمْ﴾. ٥٧٦ سورة العلق / ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ﴿بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ اسْتَدَلَّ به السُّهَيلُّ على أنَّ البسملة يُؤمَر بقراءتِها أوَّلَ كلِّ سورة، لكن لا يَلزَمُ من ذلك أن تكون آيَةً من كلّ سورة، كذا قال، وقَرَّرَه الطِّييُّ فقال: قوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسِْ رَبِّكَ﴾ قَدَّمَ الفِعلَ الذي هو مُتَعلَّق الباء لكَوْنِ الأمر بالقراءة أهمَّ، وقوله: ﴿اقْرَأْ ﴾ أمرٌ بإيجادِ القراءة مُطلَقاً، وقوله: ﴿بِسْمِ رَبِّكَ﴾ حال، أي: اقرأ مُفتَتِحاً باسم رَبِّك، وأصحُ تَقاديره: قل: باسم الله، ثمَّ اقرأْ، قال: فيُؤخَذ منه أنَّ البسملة مأمورٌ بها في ابتداء كلّ قراءة. انتهى، لكنْ لا يَلزَم من ذلك أن تكون مأموراً بها، فلا تَدُلّ على أنَّها آيةٌ من كلّ سورة، وهو كما قال، لأنَّها لو كان لَلَزِمَ أن تكون آيةً قبل كلّ آية، وليس كذلك. وأمَّا ما ذكره القاضي عياض عن أبي الحسن بن القَصّار من المالكيَّة أنَّه قال: في هذه القِصّة رَدٌّ على الشافعيّ في قوله: إنَّ البسملة آية من كلّ سورة، قال: لأنَّ هذا أوَّل سورة أُنزِلَت وليس في أوَّلها البسملة، فقد تُعقّبَ بأنَّ فيها الأمر بها وإن تأخّرَ نزولها. وقال النَّوَويّ: ترتيب آي السّوَر في النُّزول لم يكن شرطاً، وقد كانت الآية تَنزِل فَتُوضَع في مكانٍ قبلَ التي نزلت قبلها، ثمَّ تَنزِل الأُخرى فتُوضَع قبلها، إلى أن استَقرَّ الأمر في آخر عَهْده ◌َِّ على هذا التَّرتيب، ولو صَحَّ ما أخرجه الطََّرِيُّ (٥١/١) من حديث ابن عبّاس: ((أنَّ جِبْرِيل أمَرَ النبيَّ ◌َله بالاستعاذة والبسملة قبل قوله: اقرأْ)) لكان أولى في الاحتجاج، لكن في إسناده ضعف وانقطاع، وكذا حديث أبي مَيَسَرة(١): أنَّ أَوَّل ما أمَرَ به جِبْريلُ قال له: «قل: بسم الله الرَّحمن الرحيم، الحمد لله رَبّ العالمينَ)) هو مُرسَل وإن كان رجاله ثقات، والمحفوظ أنَّ أوَّل ما نزلَ: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ وأنَّ نزول الفاتحة كان بعد ذلك. قوله: ((تَرْجُف بَوادِرُه)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: «فؤادُه) وقد تقدَّم بيان ذلك في بَدْء الوحي، و(تَرجُف)) عندهم بمُثنّةٍ فوقانيَّةً، ولعلَّها في رواية: ((يَرجُف فُؤاده)) بالتَّحتانيَّة. قوله: ((زَمِّلوني زَمِّلوني)» كذا للأكثرِ مرَّتَينٍ، وكذا تقدَّم في بَدْء الوحي، ووَقَعَ لأبي ذرِ هنا (١) عند البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٥٨/٢. ٥٧٧ سورة العلق / ح ٤٩٥٣-٤٩٥٤ كتاب التفسير مرَّة واحدة. والتَّزميل: التَّلفيف، وقال ذلك لشِدّة ما لَحِقَه من هَوْل الأمر، وجَرَت العادة بسكونِ الرِّعْدة بالتَّلفيفِ. ووَقَعَ في مُرسَل عُبيد بن عُمَير (١): ((أَنَّه ◌َِِّ خرج فسمعَ صوتاً من السماء يقول: يا محمَّد، أنتَ رسول الله، وأنا جِبْريل، فوَقَفتُ أَنظُر إليه فما أتقدَّمُ وما أتأخّر، وجَعَلتُ أصرِف وجهي في ناحية آفاق السماء، فلا أنظُرُ في ناحيةٍ منها إلّا رأيتُه كذلك))، وسيأتي في التَّعبير (٦٩٨٢) أنَّ مِثل ذلك وَقَعَ له عند فَتْرة الوحي، وهو المعتمَد، فإنَّ إعلامه بالإرسال وَقَعَ بقولِهِ: ﴿قُرْفَذِرْ﴾. قوله: ((فزَمَّلوه حتَّى ذهب عنه الرَّوْعُ)) بفتحِ الرَّاء، أي: الفَزَع، وأمَّا الذي بضمِّ الرَّاء فهو موضع الفَزَع من القلب. قوله: ((قال لخديجة: أيْ خديجةُ، مالي؟ لقد خَشيتُ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((قد خشيتُ)). قوله: ((فأخبَرَها الخبر)) تقدَّم في بَدْء الوحي (٣) بلفظ: ((فقال لخديجةَ وأخبَرَها الخبر: لقد خشيتُ))، وقوله: ((وأخبَرَها الخبر)) جُملة مُعتَرِضة بين القول والمقُول، وقد تقدَّم في بَدْء الوحي ما قالوه في مُتَعلَّق الخشية المذكورة. وقال عياض: هذا وَقَعَ له أوَّلَ ما رأى التَّباشير في النَّومِ ثمَّ في اليَقَظة، وسمعَ الصَّوت قبل لقاء الملَك، فأمَّا بعد مَجَيء الملك فلا يجوز عليه الشُّ ولا يُحْشَى من تَسَلُّط الشَّيطان. وتَعقَّبَه النَّوَويّ بأنَّه خِلَافُ صريح السِّياق(٢)، فإنَّه قال بعد أن غَطَّه الملكُ وأقرأَه: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، قال: إلّا أن يكون أراد أنَّ قوله: ((خَشِيتُ على نفسي)) وَقَعَ منه إخباراً عَّا حَصَلَ له أوَّلاً، لا أنَّه حالةَ إخبارها بذلك(٣)، فيَتَّجِه، والله أعلم. قوله: ((كَلّ/ أبشِرْ)) بهمزة قطع ويجوز الوَصل، وأصل البِشارة في الخير. وفي مُرسَل عُبيد بن ٧٢٠/٨ عُمَير: فقالت: أبشِرْ يا ابن عمّ واثبت، فوالذي نفسي بيده إنّي لَأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأُمّة. قوله: ((لا يُخْزِيكَ الله)) بخاءٍ مُعجَمة وتحتانيَّة، ووَقَعَ في رواية مَعمَر في التَّعبير (٦٩٨٢): (١) عند ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٢٣٧. (٢) تحرف في (س) إلى: الشفاء. (٣) زاد في (ع) و(س) بعدها: ((جازت))، وكانت في (أ) ثم رُمِّجت، والصواب إسقاطها. ٥٧٨ سورة العلق / ح ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤ فتح الباري بشرح البخاري (يُحِزِئُك)) بِمُهمَلٍ ونون ثُلاثيّاً ورُباعيّاً، قال اليَزِيديّ: أحزَنَه لغة تَيم، وحَزَنَه لغة قُرَيش، وقد نَبَّهَ على هذا الضَّبط مسلم. والخِزْي: الوقوعُ في بَليَّة، وشُهْرةٌ بذِلّةٍ. ووَقَعَ عند ابن إسحاق(١) عن إسماعيل بن أبي حَكيم مُرسَلاً: ((إنَّ خديجة قالت: أي ابنَ عمِّ، أتستَطيعُ أن تُخبرَني بصاحبك إذا جاء؟ قال: نعم، فجاءه جبريل، فقال: يا خديجة، هذا جِبْريل، قالت: قُمْ فاجلس على فَخِذي اليُسرَى، ثمَّ قالت: هل تَراه؟ قال: نعم، قالت: فَتَحَوَّلْ إلى اليُمنَى، كذلك، ثمَّ قالت: فَتَحوَّلْ فاجلس في حِجْري، كذلك، ثمَّ القَت ◌ِارَها وتَحَسَّرَت وهو في حِجْرها وقالت: هل تَراه؟ قال: لا، قالت: اثبُت، فوالله إنَّه لَمَلَك وما هو بشيطانٍ». وفي رواية مُرسَلة عند البيهقيِّ في ((الدَّلائل)) (١٤٣/٢): أنَّها ذهبت إلى عَدّاس، وكان نَصرانيّاً، فذكرت له خَبَرَ جِبْریل فقال: هو أَمين الله بينه وبين النبّينَ، ثمَّ ذهبت إلى وَرَقة. قوله: «فانطَلَقَت به إلى وَرَقة)» في مُرسَل عُبيد بن عُمَير: أنَّها أمَرَت أبا بكر أن يَتَوجَّه معه، فیحتمل أن یکون عند توجهها أو مرَّة أُخرى. قوله: ((ماذا تَرَى؟)) في رواية ابن مَندَهْ في ((الصَّحابة))(٢) من طريق سعيد بن جُبَير، عن ابن عبّاس، عن وَرَقة بن نَوفَل قال: قلت: يا محمَّد، أخبرني عن هذا الذي يأتيك، قال: ((يأتيني من السماء جناحاه لُؤلُؤ، وباطِن قَدَمَيه أخضر)). قوله: «وكان يَكتُّب الكتابَ العربيّ، ويَكتُب من الإنجيل بالعربيّةِ ما شاءَ الله)) هكذا وَقَعَ هنا وفي التَّعبير (٦٩٨٢)، وقد تقدَّم القولُ فيه في بَدْء الوحي (٣)، ونَّهتُ عليه هنا لأنّي نسبتُ هذه الرّواية هناكَ لمسلمٍ فقط تَبَعاً للقُطب الحَلَبيّ. قال النَّوَويّ: العِبارَتان صحيحتان، والحاصل أنَّه تمكَّنَ حتَّى صارَ يَكتُب من الإنجيل أيَّ موضعٍ شاءَ بالعربيَّة وبالعِبرانيَّة. وقال الدَّاوُوديّ: كَتَبَ من الإنجيل الذي هو بالعِبرانيَّة (١) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٢٣٨/١ -٢٣٩. (٢) وإسناده إلى سعيدٍ لا يصحُّ، وانظر ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر (٩١٣٧). ٥٧٩ سورة العلق/ ح ٤٩٥٣ -٤٩٥٤ كتاب التفسير هذا الكتاب الذي هو بالعربيَّة. قوله: ((اسمَعْ من ابن أخيك)) أي: الذي يقول. قوله: ((أُنزِلَ على موسى)) كذا هنا على البناء للمجهولِ، وقد تقدَّم في بَدْء الوحي: ((أَنزَلَ اللهُ). ووَقَعَ في مُرسَل أبي مَيسَرة: ((أبشِرْ فأنا أشهَدُ أَنَّك الذي بَشَّرَ به ابنُ مريم، وأنَّك على مِثل ناموس موسى، وأنَّك نبيّ مُرسَل، وأنَّك ستُؤْمَرُ بالجهاد))، وهذا أصرَحُ ما جاء في إسلام وَرَقة، أخرجه ابن إسحاق(١). وأخرج التُّرمِذيّ (٢٢٨٨) عن عائشة: أنَّ خديجة قالت للنبيِّ نَّهِ لِمَّا سُئِلَ عن وَرَقة: كان قد صَدَّقَك، ولكنَّه ماتَ قبل أن تَظهَر، فقال: ((رأيتُه في المنام وعليه ثيابٌ بِيضٌ، ولو كان من أهل النار لكان لباسُه غيرَ ذلك»(٢). وعند البزَّار(٣)، والحاكم (٦٠٩/٢) عن عائشة مرفوعاً: ((لا تَسُبُّوا وَرَقَ، فإنّ رأيت له جَنّةً أو جَنَّتَيْنِ)). وقد استَوعَبتُ ما وَرَدَ فيه في ترجمته مِن كتابي في الصَّحابة، وتقدَّم بعضُ خبره في بَدْء الوحي، وتقدَّم أيضاً ذِكْرُ الحكمة في قول وَرَقة: ((ناموس موسى)) ولم يَقُل: عيسى، معَ أنَّه كان تَنَصَّرَ، وأنَّ ذلك وَرَدَ في رواية الزُّبَير بن بَكّار بلفظ ((عيسى))، ولم يَقِفْ بعضُ مَن لَقِيناه على ذلك فبالَغَ في الإنكار على النَّوَويّ ومَن تَبِعَه بأنَّه وَرَدَ في غير ((الصحيحين)) بلفظ: ناموس عيسى. وذكر القُطْب الحَلَبيّ في وجه المناسبة لِذِكْر موسى دون عيسى: أنَّ النبيّ وَّ لعلَّه لمَّا ذَكَر الوَرَقَةَ مَّا نزلَ عليه من ﴿اقْرَأْ﴾، و﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾، و﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾، فَهِمَ وَرَقُ من ذلك أنَّه (١) كذا قال، والذي وقفنا عليه رواية البيهقي له في ((الدلائل)) ١٥٨/٢ من طريق يونس بن بكير - راوية ابن إسحاق - عن يونس بن عمرو أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه أبي إسحاق، عن أبي ميسرة. (٢) وأخرجه أحمد في «مسنده)) (٢٤٣٦٧)، وإسناده ضعيف. (٣) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢٧٥٠) من طريق عروة عن عائشة، ورجاله ثقات، وروي عند البزار أيضاً (٢٧٥١) عن عروة مرسلاً، قال الدار قطني في «العلل)) (٣٤٩٥): والمرسل هو المحفوظ. ٥٨٠ سورة العلق / ح ٤٩٥٣-٤٩٥٤ فتح الباري بشرح البخاري كُلِّفَ بأنواعٍ من التَّكاليف، فناسَبَ ذِكْرُ موسى لذلك، لأنَّ الذي أُنزِلَ على عيسى إنَّما كان مَواعِظَ. كذا قال، وهو مُتَعقَّب، فإنَّ نزول و﴿ يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾، و﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّّلُ﴾، إنَّمَا نَزَلَ بعد فَتْرة الوحي كما تقدَّم بيانه في تفسير المدَّثِّر (٤٩٢٢)، والاجتماع بوَرَقَةَ كان في أوَّل البِعْثة. وزَعْمُه أنَّ الإنجيل كلَّ مَواعِظُ، مُتَعقَّب أيضاً، فإنَّه مُنزّل أيضاً على الأحكام الشَّرعيَّة وإن ٧٢١/٨ كان مُعظَمها/ موافقاً لمَا في التوراة، لكنَّه نَسَخَ منها أشياءَ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]. قوله: ((فيها)) أي: أيام الدَّعوة، قاله السُّهَيليّ، وقال المازَرِيُّ: الضَّمير للنُّة، ويحتمل أن يعود للقِصّة المذكورة. قوله: (لَيَتَنَي أكونُ حَيّاً، ذكر حَرْفاً) كذا في هذه الرِّواية، وتقدَّم في بَدْء الوحي (٣) بلفظ: ((إذ يُخْرِجُك قومك))، ويأتي في رواية مَعمَر في التَّعبير (٦٩٨٢) بلفظ: ((حين يُرِ جك»، وأبْهَمَ موضع الإخراج والمرادُ به مكَّة، وقد وَقَعَ في حديث عبد الله بن عَديّ في ((السُّنَن)): ((ولولا أنّ أخرَ جوني مِنكِ ما خَرَجتُ))(١) يُخَاطِب مكَّة. قوله: ((يومُّك)) أي: وقت الإخراج، أو وقت إظهار الدَّعوة، أو وقت الجهاد. وتَسَّكَ ابن القَيِّم الحنبليّ بقوله في الرِّواية التي في بَدْء الوحي: «ثمَّ لم يَنشَبْ وَرَقَةُ أن تُوُلِّ)) يَرُدُّ ما وَقَعَ في ((السِّيرة النبويَّة)) لابنِ إسحاق: أنَّ وَرَقة كان يَمُرّ ببلالٍ والمشركونَ يُعذِّبونَه وهو يقول: أَحَدٌ أَحَدٌّ، فيقول: أحد والله يا بلال، لَئِن قتلتموه لأَّخْذَنَّ قبرَه حَناناً، فقال(٢): هذا - واللهُ أعلم - وَهْمٌ، لأنَّ وَرَقة قال: ((وإن أدرَكَني يَومُك حَيّاً لَأَنصُرَنَّك نَصراً مُؤَزَّراً)) فلو كان حَيّاً عند ابتداء الدَّعوة لكان أوَّلَ مَن استَجابَ وقامَ بنَصِرِ النبيّ ◌َّ كقيام عمر وحمزة. قلت: وهذا اعتراضٌ ساقط، فإنَّ وَرَقة إِنَّما أراد بقوله: ((فإن يُدرِكْني يومُك حَيّاً أَنصُرْك)) (١) أخرجه ابن ماجه (٣١٠٨)، والترمذي (٣٩٢٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٢٣٨). (٢) لفظ ((فقال)) سقط من (س)، وتحرَّف في (أ) و(ع) إلى: بلال، وما أثبتناه هو الصواب.