النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ سورة الفجر كتاب التفسير وقال الحسنُ: ﴿ يَاأَيَُّهَا النَّفْسُ اَلْمُطْمَيِنَّةُ﴾ [٢٧]: إذا أراد الله عزَّ وجلَّ قَبْضَها اطمأنَّتْ إلى الله واطْمأنَّ الله إليه، ورَضِيَت عن الله ورَضِيَ الله عنه، فأمُرَ بقَبْضِ رُوحِها، وأدخَلَه الله الجنَّةَ، وجعله من عِبادِهِ الصالحينَ. وقال غيرُه: ﴿جَابُواْ﴾ [٩]: نَقَبوا، مِن: جِيبَ القَمِيصُ: قُطِعَ له جَيبٌ، يَجُوبُ الفَلَاةَ: يَقْطَعُها. ﴿لَّمَّا﴾ [١٩]: لَمَمْتُهُ أجْمَعَ: أتيتُ على آخرِه. قوله: ((سورة ﴿ وَلْفَجْرِ﴾. وقال مجاهد: ﴿إِرَمَ ذَاتِ اٌلْعِمَادِ﴾: يعني القديمةَ، والعِمادُ: أهل عَمودٍ لا يُقيمونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: ﴿إِرَمَ﴾ القديمة، و﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ أهل عِمادٍ لا يُقيمونَ. وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: ﴿إِرَمَ﴾ قبيلةٌ من عادٍ، قال: و﴿اَلْعِمَادِ﴾ كانوا أهل عمود، أي: خيام. انتهى، وإرَم: هو ابن سام بن نوح، وعاد: ابنُ عَوْص بن إرَم. وقيل: إِرَم: اسم المدينة، وقيل أيضاً: إنَّ المراد بالعِمادِ: شِدّة أبدانهم وإفراطُ طولهم. وقد أخرج ابن مَرْدويه من طريق المقدام بن مَعْدِي كَرِبَ قال: قال رسول الله وَّ في قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قال: «كان الرجل يأتي الصَّخرةَ، فَيَحمِلها على كاهلِهِ، فيُلِقِيها على أيِّ حَيِّ أراد فيُهلِكهم))(١). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّيّ قال: إرَم: اسمُ أبيهم، ومن / طريق مجاهد قال: ٧٠٢/٨ إرَم: أمُّه، ومن طريق قَتَادة قال: كنَّا نَتَحَدَّث أنَّ إِرَمَ قبيلة. ومن طريق عِكْرمة قال: إِرَم هي دمشق، ومن طريق عطاء الخُراسانيّ قال: إرَم: الأرض، ومن طريق الضَّحّاك قال: الإرَم: الهلاك، يقال: أَرَمَ بنو فلان، أي: هلكوا، ومن طريق شهر بن حَوشَبٍ نحوه، وهذا على قراءة شاذّة قُرِئَت: ((بعادٍ أَزَّمَ)) بفتحَتَينِ والرَّاء ثقيلة على أنَّه فعل ماضٍ، و((ذاتَ)) بفتح التاء على المفعوليَّة، أي: أهلكَ الله ذاتَ العِماد، وهو تركيبٌ قَلِقٍ. (١) وأخرجه ابن أبي حاتم أيضاً - كما في ((تفسير ابن كثير)) ٨/ ٤١٧ - من طريق معاوية بن صالح عمَّن حدَّثه عن المقدام، وهذا إسناد ضعيف لإبهام وجهالة الراوي عن المقدام. ٥٤٢ سورة الفجر فتح الباري بشرح البخاري وأصُ هذه الأقوال الأوَّل: أنَّ إرَمَ اسم القبيلة، وهو إرَم بن سام بن نوح، وعاد: هم بنو عاد بن عَوْص بن إرَم، ومُيِّزَت عادٌ بالإضافة لإِرَمَ عن عادِ الأخيرة، وقد تقدَّم في تفسير الأحقاف (٤٨٢٨) أنَّ عاداً قبيلتان، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ، أَهْلَكَ عَادًا الْأُوْلَى﴾ [النجم: ٥٠]، وأمَّا قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فقد فَسَّرَه مجاهد بأنّها صفة القبيلة، فإنَّهم كانوا أهل عمود، أي: خِيام. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضَّحّاك قال: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ القوّة: ومن طريق ثَوْر ابن زيد قال: قرأتُ كتاباً قديماً: أنا شَدّاد بن عاد، أنا الذي رَفَعتُ ذاتَ العِماد، أنا الذي شَدَدتُ بذِراعِي بطنَ واد. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق وَهْب بن مُنبِّه عن عبد الله بن قِلَابَ قِصّةً مُطوَّلةً جدّاً: أنَّه خرج في طلب إبلٍ له، وأنَّه وَقَعَ في صَحَارى عَدَن، وأَنَّ وَقَعَ على مدينة في تلك الفَلَوات فذكر عجائبَ ما رأى فيها، وأنَّ معاوية لمَّا بَلَغَه خبرُه أحضَرَه إلى دمشقَ وسألَ كعباً عن ذلك، فأخبَرَه بقِصّة المدينة ومَن بناها وكيفيَّة ذلك مُطوَّلاً جدّاً، وفيها ألفاظ مُنكَرة، وراويها عبد الله بن قِلَابةَ لا يُعرَف، وفي إسناده عبد الله بن لَهِيعة. قوله: ((﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: الذي عُذِّبوا به)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: ما عُذِّبوا به. ولابنِ أبي حاتم من طريق قَتَادة: كلّ شيءٍ عَذَّبَ اللهُ به فهو سوطُ عذاب. وسيأتي له تفسیر آخر. قوله: (﴿أَكْلًا لَّمَّا﴾: السَّفُّ، و﴿جَمَّا﴾: الكَثِيرِ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: السَّفُّ: لَفُّ كلِّ شيءٍ، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّا جَمَّا﴾ قال: الكثير. وسيأتي بَسطُ الكلام على السَّفِّ في شرح حديث أمّ زَرْع في النِّكاح (٥١٨٩). قوله: ((وقال مجاهد: كلَّ شيءٍ خَلَقَه فهو شَفْع، السماءُ شَفْع، والوَتْرُ: الله)) تقدَّم في بَدْء الخلق(١) بأتمَّ من هذا. (١) بإثر الحديث رقم (٣٣٢٥)، وهو في بعض النسخ أول كتاب الأنبياء. ٥٤٣ سورة الفجر كتاب التفسير وقد أخرج التُّرمِذيّ (٣٣٤٢) من حديث عمران بن حُصَينِ: أنَّ النبيّ ◌َّ سُئِلَ عن الشَّفع والوَثْر فقال: ((هي الصلاة، بعضُها شَفعٌ، وبعضها وترٌ)) ورجاله ثقات، إلّا أنَّ فيه راوياً مُبهَماً، وقد أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢٢) من هذا الوجه فسَقَطَ من روايته المبهَمُ، فاغتَرَّ فصَحَّحَه. وأخرج النَّسائيُّ (ك١١٦٠٨) من حديث جابر رَفَعَه قال: ((العشر: عشرُ الأضحَى، والشَّفعُ: يوم الأضحَى، والوَتْرُ: يوم عَرَفة)). وللحاكمِ (٢/ ٥٢٢) من حديث ابن عبّاس قال: الفجرُ فجر النَّهار، ولَيالٍ عشر: عشر الأضحَى. ولسعيد بن منصور من حديث ابن الزُّبَير أنَّه كان يقول: الشَّفعُ: قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والوَتْرُ: اليوم الثّالث. تنبيه: قرأ الجمهور ((الوَتْر)) بفتح الواو، وقرأها الكوفيّونَ سِوَى عاصمٍ بكسر الواو، واختارَها أبو عُبيد. قوله: ((وقال غيرُه: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: كلمةٌ تقولها العربُ لكلِّ نوع من العذاب يَدخُل فيه السَّوْطُ)) هو كلام الفَرّاء، وزاد في آخره: جَرَى به الكلامُ، لأنَّ السَّوط أصل ما كانوا يُعذِّبونَ به، فجَرَى لكلِّ عذاب إذ كان عندهم هو الغاية. قوله: (﴿لَبِأَ لْمِرْصَادِ﴾: إليه المَصير)) هو قول الفَرّاء أيضاً، والِرِصاد مِفعالٌ من المَرصَد: وهو مكان الرَّصْد، وقرأ ابن عَطيَّة بما يقتضيه ظاهر اللَّفظ، فجَوَّزَ أن يكون المِرِصادُ بمعنى الفاعل، أي: الرَّاصد، لكن أَتى فيه بصيغة المبالَغة. وتُعقّبَ بأَنَّه لو كان كذلك لم تَدخُل عليه الباءُ في فصيح الكلام، وإن سُمِعَ ذلك نادِراً في الشِّعر، وتأويلُه على ما يَلیقُ بجَلال الله واضحٌ، فلا حاجة للتكلُّفِ. وقد روى عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة عن الحسن قال: بمِرصادٍ أعمال بني آدَم. قوله: (﴿تَّضُونَ﴾: تُحافِظونَ، وتَحُضّونَ: تَأْمُرُونَ بإِطْعامِهِ)) قال الفَرّاءِ: قرأ الأعمَشُ وعاصم بالألفِ وبمُثنّةٍ مفتوحة أوَّله، ومِثلُه لأهلِ المدينة لكن بغير ألفٍ،/ وبعضهم ((يُحاضّونَ)) ٧٠٣/٨ ٥٤٤ سورة الفجر فتح الباري بشرح البخاري بتحتانيَّةٍ أوَّله(١)، والكلّ صَواب. كانوا يَحاضّونَ: يُحافظونَ، ويَحُضّونَ: يأمرونَ بإطعامه، انتھی. وأصل تَحَاضُّونَ: تَتَحاضّونَ، فحُذِفَت إحدى التاءَينِ، والمعنى: لا يَحُضّ بعضُكم بعضاً. وقرأ أبو عَمْرو بالتَّحتائيَّة في ((يُكرِمونَ)) و((يَحُضّونَ)) وما بعدهما، وبمِثلِ قراءة الأعمَش قرأ يحيى بن وَثّاب والأخَوان وأبو جعفر المدنيّ، وهؤلاءِ كلّهم بالمثنّاة فيها وفي (تُكرِمونَ)) فقط، ووافَقَهم على المثنّة فيهما ابنُ كثير ونافع وشَيْبة، لكن بغير ألِف في ((تَحُضُّونَ)). قوله: (﴿اَلْمُظْمَيِنَّهُ﴾: المصَدِّقةُ بِالثَّواب)) قال الفَرّاءِ: ﴿يَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ﴾ بالإيمان، المصَدِّقة بالثَّواب والبَعْث. وأخرج ابن مَرْدويه من طريق ابن عبّاس قال: ﴿الْمُطْمَبِنَّةُ﴾: المؤمنة. قوله: ((وقال الحسن: ﴿يَأَيُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ﴾ إذا أرادَ الله قَبْضَها اطمأنّت إلى الله واطمأنَّ الله إليه، ورَضِيَت عن الله ورَضِيَ الله عنه، فأمَرَ بقَبْضِ رُوحِها وأدخَلَه الله الجنَّة وجعله من عِباده الصالحينَ)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((واطمأنَّ الله إليها، ورضي الله عنها، وأدخَلَها الله الجنَّة)) بالتَّأنيثِ في المواضع الثلاثة، وهو أوجَهُ، وللآخَرِ وجه وهو عَوْد الضَّمير على الشَّخص. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق الحسن قال: إنَّ الله تعالى إذا أراد قبضَ روح عبده المؤمن، واطمأنَّت النَّفْسُ إلى الله واطمأنَّ الله إليها، ورَضِيَت عن الله ورضيَ عنها، أمَرَ بقَبضِها فأدخَلَها الجنَّة وجعلها من عباده الصالحينَ. أخرجه مُفرَّقاً، وإسناد الاطمئنان إلى الله من مجاز المشاکَلَة، والمراد به لازِمُه من إيصال الخير ونحو ذلك. (١) يعني: وبضمها كما في ((مختصر ابن خالويه)) ص١٧٣، ونسبها إلى ابن مسعود وعلقمة. والذي في المطبوع من «معاني القرآن)» للفراء ٢٦١/٣: قرأ بعضهم ((تُحاضُّون)) برفع التاء! ٥٤٥ سورة البلد كتاب التفسير وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة عن الحسن قال: المطمَئِنّة إلى ما قال الله، والمصَدِّقة بما قال الله تعالی. قوله: ((وقال غيره: ﴿جَابُواْ﴾: نَقَبوا، من: جِيبَ القميصُ: قُطِعَ له جَيبٌ، يَجُوبُ الفَلَاةَ، أي: يَقطَعُها)) ثَبَتَ هذا لغير أبي ذرِّ، وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿جَابُواْ﴾ البلاد: نَقَبُوها، ويجوب البلاد: يَدخُل فيها ويَقْطَعها. وقال الفَرّاء: ﴿جَابُواْ الصَّخْرَ﴾: خَرَقُوهُ(١) فاتَّخذوه بيوتاً. وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: ﴿جَابُواْ الصَّخْرَ﴾: نَقَبوا الصَّخر. قوله: (﴿لَّمَّا﴾: لَمَمْتُه أجَمَعَ: أتيتُ على آخره)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وهو قول أبي عبيدة بلفظه، وزادَ: ﴿حُبَّاجَمًّا﴾: كثيراً شديداً. تنبيه: لم يَذْكُر في الفجر حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيه حديثُ ابن مسعود رَفَعَه في قوله تعالى: ﴿ وَجِأْىّءَ يَوْمَيِذٍ بَجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] قال: ((يُؤْنَى بجَهَنَّم يومَئذٍ لها سبعون ألف زِمَام، معَ كلّ زِمامٍ سبعونَ ألف مَلَك يَجُرّونَهَا»، أخرجه مسلم (٢٨٤٢) والتِّرمِذيّ (٢٥٧٣). ٩٠ - سورة ﴿لَّ أُقْسِمُ} وقال مجاهدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌ بِهَذَا الْبَدِ﴾: مكَّةَ، ليس عليكَ ما على الناسِ فيه مِن الإِثْمِ. ﴿وَوَالِدٍ﴾: آدَمَ ﴿وَمَا وَلَّدَ﴾ [٣]. ﴿ فِ كَبَدٍ﴾ [٤]: في شِدّة خَلْقٍ. ﴿لُبَدًا﴾ [٦]: كثيراً. و﴿النَّجْدَيْنِ﴾ [١٠]: الخيرُ والشرُّ. ﴿مَسْغَبَةٍ﴾ [١٤]: مجاعةٍ. ﴿ مَتْرَبَقِ﴾ [١٦]: الساقطُ في التُّراب. (١) تحرَّف في (س) إلى: فرقوه. ٥٤٦ سورة البلد فتح الباري بشرح البخاري يقال: ﴿فَلَا أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ﴾ [١١]: فلم يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ في الدُّنْيا، ثمَّ فَسَّرَ العَقَبَةَ فقال: ﴿وَمَآ أَدْرَنكَ مَالْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ ) أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَكرٍ﴾. ﴿مُؤْصَدَةٌ ﴾ [٢٠]: مُطْبَقةٌ. قوله: ((سورة ﴿لَاَ أَقِْمُ﴾)) ويقال لها أيضاً: سورة البَلَد، واتَّفَقوا على أنَّ المراد بالبَلَدِ مگَّة شرفها الله تعالى. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ ◌ِهَذَا الْلَهِ﴾ مكَّة، ليس عليكَ ما على الناس فيه من الإثم)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظ: يقول: لا تُؤاخَذُ بما عَمِلتَ فيه وليس عليكَ فيه ما على الناس. وقد أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢٣) من طريق منصور عن مجاهد فزاد فيه: عن ابن عبّاس بلفظ: أحَلَّ اللهُ له أن يصنعَ فيه ما شاءَ. ولابنِ مَرْدويه من طريق/ عِكْرمة عن ابن عبّاس: يَحِلّ لك أن تُقاتِلَ فيه. وعلى هذا ٧٠٤/٨ فالصِّيغة للوقتِ الحاضر والمراد الآتي لتَحقُّقِ وقوعه، لأنَّ السّورة مكّيَّة والفتح بعد الهجرة بثمان سنينَ. قوله: ((﴿وَوَالِيٍ﴾: آدم ﴿وَمَاوَلَدَ﴾)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق مجاهد بهذا، وقد أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢٣) من طريق مجاهد أيضاً وزاد فيه: عن ابن عبّاس. قوله: (﴿فِ كَبَدٍ﴾: في شِدّة خَلْق)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحده، وقد أخرجه سعيد بن منصور من طريق مجاهد بلفظ: حَمَلَته أمُّه كُرهاً ووَضَعَته كُرهاً، ومعيشتُه في نَكَد وهو یُکابد ذلك. وأخرجه الحاكم (٢/ ٥٢٣) من طريق سفيان عن ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس مِثْلَه وزادَ: في ولادته ونَبْت أسنانه وسَرَره وخِتَانه ومَعِيشَته. قوله: (﴿لُبَدًا﴾: كَثِيراً) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بهذا، وهي بتخفيفِ الموخَّدة، وشَدَّدَها أبو جعفر وحده. وقد تقدَّم تفسيرها في تفسير سورة الجِنّ(١). (١) بين يدي الحديث رقم (٤٩٢١). ٥٤٧ سورة البلد كتاب التفسير قوله: ((و﴿النَّجْدَيْنِ﴾: الخيرُ والشّ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: سبيل الخير، وسبيل الشّ، يقول: عَرَّفْناه. وأخرج الطبرانيُّ (٩٠٩٧) بإسنادٍ حسن عن ابن مسعود قال: النَّجدینِ: سبیل الخير والشرّ، وصحَّحه الحاكم (٥٢٣/٢)، وله شاهد عند ابن مَرْدویه من حديث أبي هريرة، وقال عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن الحسن عن النبيّ وَّ: ((إنَّما هما النَّجْدانِ، فما جُعِلَ نَجْدَ الشرِّ أحَبُّ إليكم من نَجْد الخير)). قوله: (﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مجاعة)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ عن مجاهد بلفظ: جُوع، ومن وجه آخر عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: ذي مجاعة. وأخرجه ابن أبي حاتم كذلك، ومن طريق قَتَادة قال: يوم يُشتَهَى فيه الطَّعام. قوله: ((﴿ مَتْرَبَةٍ﴾: الساقطُ في التُرابِ) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد بلفظ: المطروح في التُّراب ليس له بيت. وروى الحاكم (٥٢٤/٢) من طريق حُصَين عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: المطروح الذي ليس له بيت، وفي لفظ: المترَبة: الذي لا يَقِيه من التُراب شيء، وهو كذلك لسعيد بن منصور، ولابنِ عُيَينةَ من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: هو الذي ليس بينه وبين الأرض شيء. قوله: ((يقال: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ﴾: فلم يَقتَحِمِ العَقَبَةَ في الدُّنيا، ثمَّ فَسَّرَ العَقَبة فقال: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْعَقَبَةُ ) فَقُّ رَقَّبَةٍ ) أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾)) قال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال: للنّارِ عَقَبَةٌ دون الجنَّة، فلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ، ثمَّ أخبر عن اقتحامِها فقال: ﴿فَقُّ رَقََّةٍ ) أَوْ إِطْعَمٌ فِى يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَلَا أَقْنَحَمَ الْعَقَبَةَ ... ﴾ إلى آخره، بلفظ الأصل، وزاد بعد قوله: ((مَسغَبة: مَجَاعة)): ذا مَترَبَة: قد لَزِقَ بالتُّراب. وأخرج سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال: إنّ من الموجِبات إطعامَ المؤمن السَّغْبان. (١) في ((تفسيره)) ٣٧٤/٢. ٥٤٨ سورة الشمس/ ح ٤٩٤٢ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: قرأ ((فكَّ، وأطعَمَ)) بالفِعْل الماضي فيهما ابنُ كثير وأبو عَمْرو والكِسائيّ، وقرأ باقي السَّبعة (فكّ)) بضمِّ الكاف والإضافة و ((إطعامٌ)) عَطفاً عليها. قوله: (﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مُطْبَقة)) هو قول أبي عبيدة، وقد تقدَّم في صفة النار من بَدْء الخلق(١)، ويأتي في حديث آخر في تفسير الهُمَزة. تنبيه: لم يَذكُر في سورة البَلَد حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيها حديث البراء قال: جاء أعرابيّ فقال: يا رسول الله، عَلِّمني عَمَلاً يُدخِلني الجنَّة، قال: ((لَئِن كنتَ أقصَرتَ الخُطبة لقد أعرَضتَ المسألة، أعتِقِ النَّسَمة، وفُكَّ الرَّقَبة)) قال: أوَليستا بواحدةٍ؟ قال: ((لا، إنَّ عِتَقَ النَّسَمة أن تَنْفَرِد بعِتقِها، وفَكَّ الرَّقَبة أن تُعِين في عِتقها)) أخرجه أحمد (١٨٦٤٧) وابن مَرْدويه من طريق عبد الرَّحمن بن عَوْسَجة عنه، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٣٧٤). ٩١ - سورة ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾ بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهد: ﴿ضُحَهَا﴾ [١]: ضَوْؤُها. ﴿إِذَانَلَهَا﴾ [٢]: تَبِعَها. و﴿لَهَا﴾ [٦]: دَخَاها. ﴿وَسَّهَا﴾ [١٠]: أَغْواها. ﴿فَأَهَمَهَا﴾ [٨]: عَرَّفَها الشَّقاءَ والسَّعادةَ. ﴿ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ [١٥]: عُقْبَى أَحدٍ. ﴿بِطَغْوَنَهَا﴾ [١]: بمعاصِیها. ٧٠٥/٨ ٤٩٤٢- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، أنَّه أخبَرَه عبدُ الله ابنُ زَمْعةَ: أَنَّه سمعَ النبيَّ ◌َهِ يَخْطُبُ، وَذَكَرَ الناقةَ والذي عَقَرَ، فقال رسولُ الله ◌ِّ: (١) بل في الأنبياء ((باب ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾)) بعد الحديث رقم (٣٤٦٤)، وفي تفسير سورة الكهف أيضاً بعد الحديث رقم (٤٧٢٣)، أما في سورة الهُمَزة فلم يرد لا في المتن ولا في الشرح. ٥٤٩ سورة الشمس / ح ٤٩٤٢ كتاب التفسير ﴿إِذِ الْبَعَثَ أَشْقَنْهَا﴾ [الشمس: ١٢] انبَعَثَ لها رجلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ، مَنِيعٌ في رَهْطِهِ، مِثلُ أبي زَمْعَةَ)). وذكرَ النِّساءَ فقال: ((يَعْمِدُ أحدُكُمْ تَخْلِدُ امرأتَه جَلْدَ العبدِ، فلعلَّه يُضاجِعُها من آخِرِ يومِه)). ثُمَّ وعَظَهم في ضَحِكِهم منَ الضَّرْطِةِ، وقال: ((لِمَ يَضْحَكُ أحدُكم ممَّا يَفْعَلُ؟)). وقال أبو معاويةً: حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ زَمْعَةَ، قال النبيُّ وََّ: ((مِثلُ أبي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ)). قوله: ((سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الزَّعْنِ الرَّحِيمِ)) ثَبَتَت البسملة لأبي ذرٍّ. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿طُحَا﴾: ضَوْؤُها ﴿إِذَا نَهَا﴾: تَبِعَها، و﴿فَهَا﴾: دَحاها، و﴿دَسَّنهَا ﴾ أغواها)) ثَبَتَ هذا كلّه للنَّسَفيّ وحده هنا، وقد تقدَّم لهم في بَدْء الخلق مُفرَّقاً إلّا قوله: ﴿رَسَّنْهَا﴾(١) فأخرجه الطَّبَرِيُّ (٢١٣/٣٠) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بهذا، وقد أخرج الحاكم (٥٢٤/٢) من طريق حُصَين عن مجاهد عن ابن عبّاس جميعَ ذلك. قوله: (﴿فَأَنْهَمَهَا﴾: عَّفَها الشَّقاءَ والسَّعادة)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحده، وقد أخرجه الطَّرُّ (٣٠/ ٢١٠) من طریق مجاهد به. قوله: ((﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾: عُقْبَى أَحد)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق مجاهد في قوله: ﴿ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾: اللهُ لا يَخافُ عُقْبَى أحدٍ. وهو مضبوط بفتح الألف والمهملة، وفي بعض النُّسَخِ بسكونِ الخاء المعجمة بعدها ذال مُعجَمة. قال الفَرّاء: قرأَ أهل البصرة والكوفة بالواو، وأهل المدينة بالفاءِ: ((فلا تخاف»، فالواو صِفةُ العاقر، أي: عَقَرَ ولم يَخَفْ عاقبة عَقرِها (٢)، أو المراد: لا يخاف الله أن تَرجِع بعد إهلاكها، فالفاء على هذا أجوَدُ. والضَّمير في ((عُقباها)) للدَّمدَمة أو لثَمُود أو للنَّفْسِ المقدَّم ذِكْرِها، والدَّمدَمة: الهلاك العامّ. (١) قوله: ﴿ُحها﴾ سلف بین یدي الحديث رقم (٣١٩٩)، وقوله: ﴿لَهَا﴾ سلف بين يدي الحديث رقم (٣١٩٥)، و﴿دَسَّنْهَا﴾ سيأتي أيضاً في القدر بين يدي الحديث رقم (٦٦١١). (٢) زاد الفرّاء في كتابه ٣/ ٢٧٠: والواو في التفسير أَجود. ٥٥٠ سورة الشمس / ح ٤٩٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (﴿بِطَغْوَنِهَا﴾: مَعاصِيها)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: ((مَعصِيَتَها)) وهو الوجه. والطّغوَى بفتح الطاء والقَصْر: الطُّغيان، ويحتمل في الباء أن تكون للاستعانة وللسَّبَب، أو المعنى: كَذَّبَت بالعذاب الناشئ عن طُغيانها. قوله: (هشام) هو ابن عُزْوة بن الزُّبیر. قوله: ((عبد الله بن زَمْعَةَ)) أي: ابن الأسوَد بن المطَّلِب بن أسَد بن عبد العُزَّى، صحابيّ مشهور، وأُمّه قَريبةُ أُخت أمّ سَلَمَةَ أمّ المؤمنينَ، وكان تحته زَينَبُ بنت أمّ سَلَمَةَ. وقد تقدَّم في قِصّة ثَمُود من أحاديث الأنبياء (٣٣٧٧) أنَّه ليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث، وأنَّه يَشتَمِل على ثلاثة أحاديث. قوله: ((وذكرَ الناقةَ)) أي: ناقةَ صالح، والواو عاطِفةٌ على شيء محذوف تقديره: فخَطَبَ فذكر كذا، وذكر الناقةً. قوله: ((والذي عَقَرَ)) كذا هنا بحذفِ المفعول، وتقدَّم بلفظ: ((عَقَرَها)) أي: الناقةَ. قوله: ﴿إِذِ الْبَعَثَ﴾ تقدَّم في أحاديث الأنبياء بلفظ: ((انتَدَبَ)) تقول: نَدَبتُه إلى كذا فانتَدَبَ له، أي: أمَرتُه فامتَثَلَ. قوله: ((عَزيز)) أي: قليل المِثْل. قوله: ((عارِم)) بمُهمَلَتَينِ، أي: صَعْب على مَن يُرُومه، كثير الشَّهامة والشرّ. قوله: ((مَنيع)) أي: قويّ ذو مَنَعةٍ، أي: رَهطٍ يَمنَعونَه من الضَّيم، وقد تقدَّم في أحاديث الأنبياء بلفظ: ((ذو مَنَعة))، وتقدَّم بيان اسمه وسبب عَقْره الناقة. قوله: ((مِثْلُ أبي زَمْعةَ)) يأتي في الحديث الذي بعده. قوله: ((وذكرَ النِّساء)) أي: وذكر في خُطبَته النِّساءَ استطراداً إلى ما يقع من أزواجهنَّ. قوله: (يَعْمِد)) بكسر الميم، وسيأتي شرحه في كتاب النكاح (٥٢٠٤). قوله: ((ثُمَّ وَعَظَهم في ضَحِكِهم)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فِي ضَحِكٍ)) بالتَّنوين ((وقال: لِمَ يَضحَكُ أحدُكم ممّاً يفعل؟)) يأتي الكلام عليه في كتاب الأدب (٦٠٤٢) إن شاء الله تعالى. ٥٥١ سورة الليل كتاب التفسير قوله: ((وقال أبو معاوية ... )) إلى آخره، وَصَلَه إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) قال: أَخبرنا أبو معاوية، فذكر / الحديث بتمامه، وقال في آخره: «مِثْلُ أبي زَمْعةَ عَمّ الزّبَير بن ٧٠٦/٨ العَوّام)) كما عَلَّقَه البخاريّ سواءٌ. وقد أخرجه أحمد (١٦٢٢٢) عن أبي معاوية لكن لم يَقُل في آخره: ((عَمّ الزُّبَير بن العَوّام)). قوله: ((عَمِّ الزُّبَير بن العَوّام)) هو عَمّ الزّبَير مجازاً، لأنَّه الأسوَد بن المطَّلِب بن أسَد، والعَوّام: ابنُ خُوَيلِدِ بن أسَد، فنزَّلَ ابنَ العَمّ مَنزِلَ الأخ فأطلقَ عليه عًّ بهذا الاعتبار، كذا جَزَمَ الدِّمياطيّ باسم أبي زَمْعةَ هنا، وهو المعتمَد. وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): يحتمل أنَّ المراد بأبي زَمْعةَ الصَّحابيّ الذي بايعَ تحت الشَّجَرة، يعني: وهو عُبيد البَلَويّ، قال: ووجهُ تشبيهه به إن كان كذلك، أنَّه كان في عِزّةٍ ومَنَعَةٍ في قومه كما كان ذلك الكافر، قال: ويحتمل أن يريد غيرَه مَمَّن يُكْنى أبا زَمْعةَ من الكفَّار. قلت: وهذا الثّاني هو المعتمَد، والغير المذكور هو الأسوَد، وهو جَدُّ عبد الله بن زَمْعَ راوي هذا الخبر، لقوله في نفس الخبر: ((عَمّ الزُّبَير بن العَوّام))، وليس بين البَلَويّ وبين الزُّبَير نسبٌ. وقد أخرج الزُّبَير بن بكّار هذا الحديث في ترجمة الأسوَد بن المطَّلِب من طريق عامر بن صالح عن هشام بن عُرْوة، وزاد: قال: فتَحدَّث بها عُرْوةُ وأبو عبيدة بن عبد الله بن زَمْعةً جالسٌ، فكأنَّه وَجَدَ منها، فقال له عُرْوة: يا ابن أخي، والله ما حدَّثَنيها أبوك إلّا وهو يَفخَر بها. وكان الأسوَدُ أحدَ المستَهزِئِينَ (١)، وماتَ على كفره بمَّة، وقُتِلَ ابنه زَمْعةُ يوم بدر كافراً أيضاً. ٩٢ - سورة ﴿وَّلِ إِذَا يَغْشَى﴾ بِسمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿ وَكَذَّبَ يِالْمُسْنَى﴾ [٩]: بالخَلَفِ. وقال مجاهدٌ: ﴿تَرَدََّ﴾[١١]: ماتَ، و﴿تَلَظَّى﴾ [١٤]: تَوهَّجُ. وقرأ عُبيدُ بنُ عُمَيٍ : تَتَلَظَّى. (١) يعني: المرادِينَ في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، وهم خمسة على ما ذكر المفسِّرون، وهم: العاص بن وائل والوليد بن المغيرة والأسود بن المطلب أبو زمعة والأسود بن عبد يغوث والحارث بن عَيْطَل. ٥٥٢ سورة الليل/ ح ٤٩٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((سورة ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ - بِسْمِ الَِّالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) ثَبَتَت البسملةُ لأبي ذرٍّ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿وَكَذَبَ بِالْمُشْفَ﴾: بالخَلَفِ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق حُصَین عن عكرمة عنه، وإسناده صحيح. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿تَرَدٌَّ﴾: ماتَ، و﴿تَلَّى﴾: تَوهَّجُ)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طریق مجاهد في قوله: ﴿إِذَا تَرََّ﴾: إذا ماتَ، وفي قوله: ﴿نَارًا تَلَّى﴾: تَوهَّجُ. قوله: ((وقرأ عُبيد بن عُمَير: تَتَلَظَّى)) وَصَلَه سعيد بن منصور عن ابن عُيَينةَ وداود العَطّار، كلاهما عن عَمْرو بن دينار عن عُبيد بن عُمَير أنَّه قرأ: ((ناراً تَتَلَظَّى)). وقال الفَرّاء: حدَّثنا ابن عُيَينةَ عن عَمْرو قال: فاتَت عُبيدَ بن عُمَير ركعةٌ من المغرب، فسمعته يقرأ ((فأنذَرتُكم ناراً تَتَلظَّى)) وهذا إسناد صحيح، ولكن رواه سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميّ عن ابن عُيَينةَ بهذا السَّنَد بتاءٍ واحدةٍ(١)، فالله أعلم، وهي(٢) قراءة زيد بن عليّ وطلحة بن مُصرِّف أيضاً، وقد قيل: إنَّ عُبيد بن عُمَير قرأها بالإدغام في الوَصْل لا في الابتداء، وهي قراءة البَزِّيّ من طريق ابن كثير. ١ - بابٌ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَّى﴾ [الليل: ٢] ٤٩٤٣- حدَّثنا قبيصةُ بنُ عُقْبةَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: دَخَلْتُ في نَفَرِ من أصحابٍ عبدِ الله الشَّامَ، فسَمِعَ بنا أبو الدَّرْداءِ، فأتانا فقال: أفِيكم مَن يقرأُ؟ فقُلْنا: نعم، قال: فأيُّكم أقرَأُ؟ فأشاروا إليَّ، فقال: اقرَأْ، فقرأْتُ: ((وَلَيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّارِ إِذَا تَجَلَّى * والذَّكَرِ والأَنْثَى)) قال: أنتَ سمعتَها مِن في صاحبِكَ؟ قلتُ: نعم، قال: وأنا سمعتُها من في النبيِّ وَّةِ، وهؤلاءِ يأْبَوْنَ علينا. قوله: ((بابٌ ﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾) ذكر فيه الحديث الآتي في الباب الذي بعده، وسَقَطَت التَّرجمة ٧٠٧/٨ لأبي ذرِّ والنَّسَفيّ. (١) قوله: ((بتاء واحدة)) سقط من (أ) و(س)، واستدركناه من (ع). (٢) يعني ((تتلظى)) بتاءَين. ٥٥٣ سورة الليل/ ح ٤٩٤٤ كتاب التفسير ٢- بابٌ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَّ﴾ [الليل: ٣] ٤٩٤٤- حدَّثنا عمرُ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ، قال: قَدِمَ أصحابُ عبدِ الله على أبي الدَّرْداءِ، فطَلَبَهم فوَجَدَهم، فقال: أيُّكم يقرأُ على قراءةِ عبدِ الله؟ قال: كلُنا، قال: فأيُّكم أحفَظُ؟ فأشاروا إلى عَلْقمةَ، قال: كيفَ سمعتَه يقرأُ: ﴿وَأَلَّلِ إِذَا يَغْتَى﴾؟ قال عَلْقمةُ: ((والذَّكَرِ والأُنثَى))، قال: أشهدُ أنّي سمعتُ النبيَّ ◌َ﴿ يقرأُ هكذا، وهؤلاءِ يُرِيدوني على أن أقرَأَ: ﴿ وَمَا خَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنَ﴾، واللّهِ لا أُتَابِعُهم. قوله: ((بابٌ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَّ﴾. حدَّثنا عمر)) هو ابن حفص بن غياث، ووَقَعَ لأبي ذرّ: حدَّثنا عمر بنُ حفص. قوله: ((قَدِمَ أصحابُ عبد الله)) أي: ابن مسعود ((على أبي الدَّرْداء، فطَلَبَهم فوَجَدَهم فقال: أيكم يقرأُ على قراءة عبد الله؟ قالوا: كلّنا، قال: فأيكم أحْفَظُ؟ فأشاروا إلى عَلْقَمة)) هذا صورته الإرسالُ، لأنَّ إبراهيم ما حَضَرَ القِصّة، وقد وَقَعَ في رواية سفيان عن الأعمَش في الباب الذي قبله: ((عن إبراهيم عن عَلْقمة)) فَتَبَيَّن أنَّ الإرسال في هذا الحديث، ووَقَعَ في رواية الباب عند أبي نُعَيم أيضاً ما يقتضي أنَّ إبراهيم سمعَه من عَلْقمة. وقوله في آخره: ((وهؤلاءِ يريدوني على أن أقرَأَ: ﴿ وَمَا خَلَقَ الَذَّكَرَ وَآلْأُنثَ﴾ واللهِ لا أُتابعهم)) ووَقَعَ في رواية داود بن أبي هِند عن الشَّعْبِيّ عن عَلْقمة في هذا الحديث: ((وإنَّ هؤلاءٍ يريدونَني أنْ أزول عمَّا أقرأَني رسول الله وَّه ويقولون لي: اقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ الذُّكَرَ وَآلْأُنثَ﴾، وإنّ والله لا أُطيعهم)) أخرجه مسلم (٨٢٤/ ٢٨٢) وابن مَرْدويه. وفي هذا بيانٌ واضح أنَّ قراءة ابن مسعود كانت كذلك، والذي وَقَعَ في غير هذه الطَّريق أنَّه قرأ ((والذي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْشَى))، كذا في كثير من كتب القراءات الشّاذّة، وهذه القراءة لم يَذكُرها أبو عُبيدٍ إلّا عن الحسن البصريّ، وأمَّا ابن مسعود فهذا الإسناد المذكور في ((الصحيحين)) عنه من أصحّ إسنادٍ تُروی به الأحادیث. قوله: ((كيف سمعتَه)) أي: ابن مسعود ((يقرأُ ﴿وَلَّلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ قال عَلْقمة: والذَّكَرِ والأُنثَى)) ٥٥٤ سورة الليل / ح ٤٩٤٥ فتح الباري بشرح البخاري في رواية سفيان: ((فقرأت: واللَّيل إذا يَغشَى والنَّهار إذا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأُنثَى)) وهذا صريح في أنَّ ابن مسعود كان يقرؤُها كذلك، وفي رواية إسرائيل عن مُغيرة في المناقب (٣٧٤٣): (واللَّيلِ إذا يَغْشَى والذَّكَرِ والأُنثَى)) بحذفٍ ((والنَّهارِ إذا تَجَلَّى))، كذا في رواية أبي ذرٍّ وأثبَتَها الباقونَ. قوله: ((وهؤلاءٍ)) أي: أهل الشّام ((يريدوني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنَّ﴾ والله لا أُتابعُهم)) هذا أبيَنُ من الرِّواية التي قبلها حيثُ قال: ((وهؤلاءِ يأَبُونَ عليّ)). ثمَّ هذه القراءة لم تُنقَل إلّا عَمَّن ذُكِرَ هنا، ومَن عَدَاهم قَرَؤوا: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُنَْ﴾ وعليها استَقَرَّ الأمر معَ قوّة إسناد ذلك إلى أبي الدَّرداء ومَن ذُكِرَ معه، ولعلَّ هذا ممَّا نُسِخَت تِلاوَتُه ولم يَبلُغِ النَّسخُ أبا الدَّرداء ومَن ذُكِرَ معه. والعَجَبُ مِن نقل الحُفّاظ من الكوفّينَ هذه القراءة عن عَلْقمة وعن ابن مسعود وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثمَّ لم يقرأ بها أحدٌ منهم، وكذا أهل الشّام حَمَلوا القراءة عن أبي الدَّرداء ولم يقرأُ أحدٌ منهم بهذا، فهذا ممَّ يُقَوِّي أنَّ التِّلاوة بها نُسِخَت. ٣- باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى﴾ [الليل:٥] ٧٠٨/٨ ٤٩٤٥- حدّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ عَ﴾، قال: كنّا معَ النبيِّ وَّ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازةٍ، فقال: ((ما مِنكُم مِن أحدٍ إلّا وقد كُتِبَ مَفْعَدُه مِن الجنَّةِ، ومَفْعَدُه مِن النارِ)) فقالوا: يا رسولَ الله، أَفَلا تَنَّكِلُ؟ فقال: ((اعْمَلوا، فكلٌّ مُيَسَّرٌ)) ثمَّ قرأ: (﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّغَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إِلى قوله: ﴿لِلْمُسْرَى﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿فَمَا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى﴾) ذكر فيه حديث عليّ قال: ((كنَّا معَ النبيّ ◌َلِّ فِي بَقيعِ الغَرَقَد في جِنازة، فقال: ما منكم من أحدٍ إلّا وكُتِبَ مَقعَدُه من الجنَّة ومَقعَدُه من النار)) الحديث، ذكره في خمسة تَراحِمَ أُخرى لآياتٍ(١) في هذه السّورة كلُّها من طريق الأعمَش إلّا الخامسَ فمن طريق منصور، كلاهما عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميِّ (١) تحرَّف في (س) إلى: لا يأتي. ٥٥٥ سورة الليل / ح ٤٩٤٥م-٤٩٤٨ كتاب التفسير عن عليّ، وصَرَّحَ في التَّرجمة الأخيرة بسماع الأعمَش له من سعدٍ، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب القَدَر (٦٦٠٥) إن شاء الله تعالى. ٤ - باب قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ﴾ [الليل: ٦] ٤٩٤٥م- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن عليٍّ ◌ُه، قال: كنَّا قُعوداً عندَ النبيِّ وَِّ ... فذكر الحديثَ. قوله: ((باب قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ﴾)) سَقَطَت هذه التَّرجمة لغير أبي ذرِّ والنَّسَفيّ، وسَقَطَ لفظ ((باب)) من الثَّراجِم كلِّها لغير أبي ذرٍّ. ٥ - بابٌ ﴿فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٧] ٤٩٤٦- حدَّثْنا بِشرُ بنُ خالدٍ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حذَّثنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الَّحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٌّ ◌َّ، عن النبيِّ وََّ: أَنَّه كان في جِنازةٍ، فَأَخَذَ عُوداً يَنْكُتُ في الأرضِ، فقال: ((ما مِنكُم من أحدٍ إلّا وقد كُتِبَ مَفْعَدُهُ مِن النارِ، أو مِن الجنَّةِ)) قالوا: يا رسولَ الله، أَفَلا نَتَّكِلُ؟ قال: «اعمَلُوا، فكلٌّ مُيَسٌَّ ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى( ٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْفَى﴾ الآيةَ)). قال شُعْبةُ: وحذَّثني به منصورٌ، فلم أُنكِرْه من حديثٍ سليمانَ. ٦ - بابٌ ﴿ وَأَمَا مَنْ بَحِلَ وَأُسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] ٤٩٤٧ - حدَّثنا يحيى، حدَّثنا وَكِيعٌ، عن الأعمَشِ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن عليٍّ عليه السلام، قال: كنّا جُلوساً عندَ النبيِّوََّ، فقال: ((ما مِنكُم من أَحدٍ إلّا وقد كُتِبَ مَفْعَدُه مِن الجنَّةِ، وَمَفْعَدُه مِن / النارِ)) فقُلْنا: يا رسولَ الله، أَفَلا ◌َتَّكِلُ؟ قال: ((لا، اعمَلوا فكلٍّ مُيٌَّ)) ثمَّ قرأ: ٧٠٩/٨ فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى ن وَصَدَّقَ بِالْحُسْفَى فسنَيَسِّرَهُولِليُسْرَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنْيَسْرَهُولِلْعُسْرَى﴾. ٧- باب قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالْمُسْنَى﴾ [الليل: ٩] ٤٩٤٨- حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ عَّه قال: كنَّا في جِنازةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فأتانا رسولُ اللهِنَّهِ فَقَعَدَ ٥٥٦ سورة الضحى / ح ٤٩٤٩ فتح الباري بشرح البخاري وقَعَدْنا حَوْلَه، ومعه مِخْصَرةٌ، فَنَكَّسَ فجَعَلَ يَنكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثمَّ قال: ((ما مِنكُم من أَحدٍ، وما من نفسٍ مَنْفوسةٍ، إلَّا كُتِبَ مكانُها مِن الجنَّةِ والنارِ، وإِلَّا قد كُتِبَت شَقيَّةً أو سعيدةً)) قال رجلٌ: يا رسولَ الله، أفلا نَتَّكِلُ على كتابِنا ونَدَعُ العَمَلَ؟ فمَن كان مِنّ من أهلِ السَّعادةِ، فسَيَصِيرُ إلى أهلِ السَّعادةِ، ومَن كان مِنّا من أهلِ الشَّقاءِ، فسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهلِ الشَّقاوةِ، قال: ((أمَّا أهلُ السَّعادةِ، فَيُسَّرونَ لِعَمَلِ أهلِ السَّعادةِ، وأمَّا أهلُ الشَّقاوةِ، فَيُسَّرونَ لِعَمَلِ أهلِ الشَّقاءِ)) ثمَّ قرأ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى ٥ وَصَدَّقَ بِالْمُنْفَ﴾ الآيَةَ. ٨- بابٌ ﴿فَسَنُفَسُِّ لِلْمُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] ٤٩٤٩ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، قال: سمعتُ سعدَ بنَ عُبيدةَ يُحدِّثُ عن أبي عبدِ الَّحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ◌ُه، قال: كان النبيُّ وَّهِ فِي جِنازةٍ، فَأَخَذَ شيئاً فجَعَلَ يَنْكُتُ به الأرضَ، فقال: ((ما مِنكُم من أحدٍ إلّا وقد كُتِبَ مَفْعَدُه مِن النارِ، ومَفْعَدُه مِن الجنَّةِ)) قالوا: يا رسولَ الله، أَفَلا نَتَّكِلُ على كتابنا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ قال: ((اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، أمَّا مَن كان مِن أهلِ السَّعادةِ، فَيُسَّرُ لعَمَلِ أهلِ السَّعادةِ، وأمَّا مَن كان مِن أهلِ الشَّقَاءِ، فَيُسَّرُ لعَمَلِ أهلِ الشَّقاوَةِ)) ثمَّ قرأ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْمُنْفَ﴾ الآيَةَ. ٩٣ - سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ بِسمِ اللهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿إِذَا سَجَى﴾ [٣]: استَوَى. وقال غيرُه: ﴿سَجَى﴾ [٣]: أَظْلَمَ وسَكَنَ. ﴿عَابِلًا﴾ [٨]: ذو عِیالٍ. قوله: ((سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ - بِسْمِ اللهِالرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿إِذَاسَجَى﴾: استَوَى)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق مجاهد بهذا. قوله: ((وقال غيره: ﴿سَجَى﴾: أَظْلَمَ وسَكَنَ)) قال الفَرّاء في قوله: ﴿وَالضُّحَى ) وَاَلَّيْلِ إِذَا ٥٥٧ سورة الضحى/ ح ٤٩٥٠ كتاب التفسير سَجَى﴾ قال: الضُّحَى: النَّهارُ كلّه، واللَّيلُ إذا سَجَى: إذا أظلَمَ ورَكَدَ في طولِه، تقول: بحرٌ ساچ، ولیلٌ ساجٍ: إذا سَكَنَ. وروى الطَّبَرِيُّ (٢٣٠/٣٠) من طريق قَتَادة في قوله: ﴿إِذَاسَجَى﴾ قال: إذا سَكَنَ بالخلْق. قوله: (﴿عَآَبِلًا﴾: ذو عِيالٍ)) هو قول أبي عبيدة، وقال الفَرّاء: معناه: فقيراً، وقد وجدتُها في مُصحَف عبد الله: ((عَديماً)). والمراد: أنَّه أغناهُ بما أرضاه، لا بكَثْرة المال. ١ - بابٌ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] ٧١٠/٨ ٤٩٥٠- حدّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثنا الأسوَدُ بنُ قيسٍ، قال: سمعتُ جُندُبَ بنَ سفيانَ عَه، قال: اشتكَى رسولُ الله ◌َِّ، فلم يَقُمْ ليلتَينِ أو ثلاثاً، فجاءتٍ امرأةٌ فقالت: يا محمَّدُ، إنّي لَأَرجُو أن يكونَ شيطانُكَ قد تَرَكَكَ، لم أرَه قَرِبَكَ منذُ ليلتَينِ أو ثلاثاً. فأَنزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالضُّحَىِ ) وَلَيْلِ إِذَا سَجَى ٥) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قوله: ((بابٌّ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾)) سَقَطَت هذه التَّرجمة لغير أبي ذرٍّ، وذكر في سبب نزولها حديث جُندُبٍ، وأنَّ ذلك سبب شَكْواه وَّةِ، وقد قدَّمتُ في صلاة اللَّيل (١١٢٤) أنَّ الشَّكوَى المذكورة لم تَرِدْ بعينِها، وأنَّ مَن فَسَّرَها بإصبَعِه التي دَمِيَت لم يُصِبْ. ووَجَدتُ الآن في الطبرانيِّ (٦٣٦/٢٤) بإسنادٍ فيه مَن لا يُعرَف أنَّ سبب نزولها وُجود جَرْو كَلبٍ تحت سريره وَ لَه لم يَشعُر به، فأبطَأً عنه جِبْرِيلُ لذلك، وقِصّة إبطاء جِبْريل بسبب گوْن الكلب تحت سريره مشهورة(١)، لکن گوْنها سبب نزول هذه الآية غریب، بل شاذٌّ، مردود بما في ((الصَّحيح))، والله أعلم. ووَرَدَ لذلك سببٌّ ثالث، وهو ما أخرجه الطَّبَريُّ (٢٣٠/٣٠-٢٣١) من طريق العَوْفيّ عن ابن عبَّاس قال: لمَّا نزلَ على رسول اللهِ لَه القرآنُ أبطَاً عنه جِبْرِيلُ أياماً، فَتَعِيَّرَ(٢) بذلك، فقالوا: وَدَّعَهَ رَبُّه وقَلَاه، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. (١) وستأتي عند البخاري من حديث ابن عمر برقم (٥٩٦٠). (٢) تصحف في (س) إلى: فتغير، بالغين المعجمة. ٥٥٨ سورة الضحى / ح ٤٩٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ومن طريق إسماعيل مولى آلِ الزُّبَير قال: فَتَرَ الوحيُّ حتَّى شَقَّ ذلك على النبيّوَّ وأحزَنَه فقال: ((لقد خشيتُ أن يكون صاحبي قَلَاني)) فجاءه جِبْرِيلُ بسورة ﴿وَالضُّحَى﴾(١). وذكر سليمان التَّيْمِيُّ في السِّيرة التي جمعها ورواها محمَّد بن عبد الأعلى عن مُعتَمِر بن سليمان عن أبيه قال: وفَتَرَ الوحيُّ، فقالوا: لو كان من عند الله لَتَتَابَعَ، ولكن الله قَلَاه، فَأَنزَلَ الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ و﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما. وكلّ هذه الرِّوايات لا تَنْبُت، والحقّ أنَّ الفَتْرة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غیر الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإنَّ تلك دامَت أياماً، وهذه لم تكن إلّا ليلتَينِ أو ثلاثاً، فاختَلَطَتا على بعض الرّواة، وتحريرُ الأمر في ذلك ما بيَّنْتُه، وقد أوضَحتُ ذلك في التَّعبير (٦٩٨٢) ولله الحمد. ووَقَعَ في ((سيرة ابن إسحاق)) في سبب نزول ﴿ وَالضُّحَى﴾ شيء آخر، فإنَّه ذكر: أنَّ المشرِكينَ لمَّا سألوا النبيَّ وََّ عن ذي القَرنَينِ والرُّوحِ وغير ذلك ووَعَدَهم بالجواب ولم يَستَئِنِ، فأبطّاً عليه جِبْريل اثنتي عشرة ليلة أو أكثر، فضاقَ صَدرُه، وتَكلَّمَ المشركونَ، فنزلَ جِبْريل بسورة ﴿وَالضُّحَى﴾، وبجواب ما سألوا، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ) إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣]. انتهى، وذِكْر سورة الضُّحَى هنا بعيد، لكن يجوز أن يكون الزَّمانُ في القِصَّتَينِ مُتَقارِباً، فضَمَّ بعضُ الرُّواة إحدى القِصَّتَيْنِ إلى الأُخرى، وكلٌّ منهما لم يكن في ابتداء البعث، وإنَّما كان بعد ذلك بمُدّةٍ، والله أعلم. قوله: ((سمعت جُندُب بن سُفْيان)) هو البَجَليّ. قوله: ((فجاءت امرأةٌ فقالت: يا محمَّد، إنّي لَأرجو أن يكون شيطانُك تَرَكَك)) هي أمّ جميل بنت حربٍ امرأةٌ أبي لهب. وقد تقدَّم بيان ذلك في كتاب قيام اللَّيل (١١٢٤). وأخرجه الطََّرُّ (٢٣٠/٣٠) من طريق المفضَّل بن صالح عن الأسوَد بن قيس بلفظ: فقالت امرأةٌ من أهله، ومن وجه آخر عن الأسوَد بن قيس بلفظ: حتَّى قال المشركونَ. ولا (١) ذكر نحو هذا الخبر ابنُ إسحاق في ((السيرة)) - كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢٤١/١ - ولم يذكر له إسناداً. ٥٥٩ سورة الضحى / ح ٤٩٥١ كتاب التفسير مُخالَفةَ لأَّهم قد يُطلِقونَ لفظ الجمع ويكون القائل أو الفاعل واحداً، بمعنى أنَّ الباقينَ راضونَ بما وَقَعَ من ذلك الواحد. قوله: ((قَرِبَك)) بكسر الرَّاء، يقال: قَرِبَه يَقرَبُه، بفتح الرَّاء مُتَعَدّياً، ومنه: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوْةَ﴾ [النساء: ٤٣]، وأمَّا قَرُبَ/ بالضَّمِّ فهو لازِمٌ، تقول: قَرُبَ الشَّيءُ، أي: دَنَا. وقد ٧١١/٨ بيَّنْتُ هناكَ(١) أنَّه وَقَعَ في رواية أُخرى عند الحاكم (٦١٠/٢): فقالت خديجة .. وأخرجه الطَّبَريُّ أيضاً (٢٣١/٣٠ و٢٣٢) من طريق عبد الله بن شَدّاد: فقالت خديجة: ولا أرَى رَبَّك، ومن طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه: فقالت خديجة لمَا تَرَى من جَزَعه؛ وهذان طريقان مُرسَلان ورواتهما ثِقات، فالذي يَظهَر أنَّ كلَّا من أمّ جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أمّ جميل عَبَّرَت - لكَوْنِها كافرةً - بلفظ: ((شيطانك))، وخديجة عَبَّرَت - لگوْنِها مُؤمِنَةً - بلفظ: ((رَبّك)) أو ((صاحبك))، وقالته أمُّ جميل شَماتَةً، وخديجةُ تَوَجُعاً. ٢ - باب قولِه: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ، بمعنَّى واحدٍ: ما تَرَكَكَ رَبُّكَ، وقال ابنُ عبَّاسِ: ما تَرَكَكَ وما أبغَضَكَ. ٤٩٥١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأسوَدِ بنِ قيسٍ، قال: سمعتُ جُندُباً البَجَلِيَّ: قالت امرأةٌ: يا رسولَ الله، ما أُرَى صاحبَكَ إلَّا أبطأَكَ، فنزلت: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾)) كذا ثَبَتَت هذه التَّرجمة في رواية المُستَمْلِي، وهو تَكرارٌ بالنِّسبة إليه لا بالنّسبة للباقينَ، لأنَّهم لم يَذكُروها في الأولى. قوله: ((تُقْرَأ بالتَّشْديدِ والتَّخْفيف، بمعنَّى واحدٍ: ما تَرَكَك رَبُّك)) أمَّا القراءة بالتَّشديدِ فهي قراءة الجمهور، وقرأ بالتَّخفيفِ عُرْوةُ وابنه هشام وابن أبي عَبْلة(٢). (١) أي: في قيام الليل، عند شرح الحديث (١١٢٤). (٢) تحرَّف في (س) إلى: علية. وابن أبي عبلة: اسمه إبراهيم، روى له البخاري ومسلم. ٥٦٠ سورة الشرح / ح ٤٩٥١ فتح الباري بشرح البخاري وقال أبو عبيدة: ((ما وَدَّعَك)) - يعني بالتَّشديد - من التوديع، و((ما وَدَعَك)) - يعني بالتَّخفیفِ - من وَدَعْت، انتھی. ويُمكِن تخريج كَوْنهما بمعنّى واحدٍ على أنَّ التوديع مُبالَغَةٌ في الوَدْعِ، لأَنَّ مَن وَدَّعَك مُفارِقاً فقد بالَغَ في تَرْكِك. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ما تَرَكَك وما أبغَضَك)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس بهذا. قوله في الرِّواية الأخيرة: ((قالت امرأة: يا رسول الله، ما أرَى صاحِبَك إلّا أبطَأَك)) هذا السِّياق يَصلُح أن يكون خِطابَ خديجة، دون الخِطاب الأوَّل فإنَّه يَصلُح أن يكون خِطابَ حَمّالة الْخَطَب لتعبيرها بالشَّيطان والتَّرك، ومُخاطَبَتَها بمحمَّدٍ، بخِلاف هذه فقالت: صاحبك، وقالت: أبطّاً، وقالت: يا رسول الله. وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن يكون هذا من تَصَرُّف الرُّواة، وهو موجَّهُ لأَنَّ مَرَج الطَّریقینِ واحد. وقوله: ((أبطأَك)) أي: صَيَّرَكْ بَطيئاً في القراءة، لأنَّ بُطْئَه في الإقراء يَسْتَلِم بُطْءَ الآخر في القراءة، ووَقَعَ في رواية أحمد (١٨٧٩٦) عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبة: إلّا أبطأَ عنك. ٩٤ - سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ ﴾ بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿وِزْرَكَ﴾ [٤٢]: في الجاهليَّةِ. ﴿أَنْقَضَ﴾ [٣]: أتقَنَ، ويُروَى: أَنْقَلَ، وهو أصُّ من أَنقَنَ. ﴿وَمَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [٥، ٦]: قال ابنُ عُيَينةَ: أي: إنَّ معَ ذلك العُشْرِ يُسْراً آخَرَ، كقوله: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]، ولن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ. وقال مجاهدٌ: ﴿فَأَنْصَبْ﴾ [٧]: في حاجَتِكَ إلى رَبِّكَ. ويُذكَرُ عن ابنِ عِبَّاس: ﴿أَلَمْ نَشْرَعْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: شَرَحَ اللهُ صَدْرَه للإسلامِ.