النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ سورة عبس / ح ٤٩٣٧ كتاب التفسير وقال ابن الِّين: قيل ﴿تَصَدَّى﴾: تَعرَّضَ. وهو اللّائق بتفسير الآية؛ لأنَّه لم يَتَغافَل عن المشرِك (١) إِنَّمَا تَغْافَلَ عن الأعمَى. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾: لا يَقْضي أحد ما أُمِرَ به)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظ: لا يقضي أحدٌ أبداً ما افتُرِضَ عليه. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿تَرْفَقُهَا قَثَرَةُ ﴾(٢): تَغْشاها شِدّة)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، به. وأخرج الحاكم (٢/ ٥٠٠, ٥١٥) من طريق أبي العاليَة عن أُبيِّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَنَا دَكَّةً وَحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] قال: / يَصيران غَبَرَةً على وُجُوه الكفَّار لا ٦٩٣/٨ على وُجُوه المؤمنينَ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]. قوله: (﴿مُسْفِرَةٌ﴾: مُشْرِقَةٌ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة أيضاً. قوله: (﴿بِأَيْدِى سَفَرَةٍ﴾: قال ابن عبّاس: كَتَبَة، ﴿أَسْفَارًا﴾: كُتُباً)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿بِأَيَّدِى سَفَرَقٍ﴾ قال: كَتَبة، واحدُها سافِرٍ، وهي كقوله: ﴿كَمَثَلِ اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] قال: كُباً. وقد ذَكَر عبد الرَّزّاق(٣) من طريق مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿بِأَيَّدِى سَفَرَةٍ﴾ قال: كَتَبة. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿ِأَيَدِى سَفَرَةٍ﴾، أي: كتبة، واحدُها سافِر. قوله: (﴿فَلَقَّى﴾: تَشاغَلَ)) تقدَّم القولُ فيه. قوله: ((يقال: واحد الأسفارِ: سِفْرٌ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرّ، وهو قول الفَرّاء، قال في قوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الأسفار: واحدُها سِفْر، وهي الكتب العِظَام. (١) كذا في الأصلين، ووقع في (س): المشركين. (٢) لم يقع قوله: ((قَتَرة)) في النسخة اليونينية ولا في ((إرشاد الساري))، دون حكاية خلاف أو فرق بين رواة (الصحیح) في ذلك، وهو في الأصلین و (س). (٣) في («تفسيره)) ٣٤٨/٢. ٥٢٢ سورة التكوير فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((﴿ فَأَقْبَهُ﴾، يقال: أقبَرَتُ الرَّجلَ: جَعَلْتُ له قَبْراً، وقَبَرَتُه: دَفَتُه)) قال الفَرّاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَانَهُ فَقْرَهُ﴾: جعله مَقْبوراً، ولم يَقُل: قَبَرَه، لأنَّ القابِرَ هو الدَّافنُ. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَقْرَهُ﴾: أَمَرَ بأنْ يُقْبَرَ؛ جَعَلَ له قَبْراً، والذي يَدفِن بيدِه هو القابِرِ. قوله: ((عن سَعْد بن هشام)) أي: ابن عامر الأنصاريّ، لأبيه صُحْبة، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الموضع، وآخر مُعلَّق في المناقب(١). قوله: ((مَثَلُ)) بفتحَتَينِ؛ أي: صِفَتُه، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ اُلْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]. قوله: ((وهو حافِظٌ له معَ السَّفَرة الكِرام البَرَرة» قال ابن التِّين: معناه كأنَّه معَ السَّفَرة فيما يَسْتَحِقُّه من الثَّواب. قلت: أراد بذلك تصحيحَ التَّركيب، وإلّا فظاهرُه أنَّه لا رَبْط بينَ المبتَدَأ الذي هو ((مَثَلُ)) والخيرِ الذي هو ((معَ السَّفَرة))، فكأنَّه قال: المثَل بمعنى الشَّبيه، فيصير كأنَّه قال: شبيهُ الذي يَحفَظ كائنٌ معَ السَّفَرة، فکیف به! وقال الخطَّبيُّ: كأنَّه قال: صِفَتُه وهو حافظٌ له كأنَّه معَ السَّفَرة، وصِفَتُه وهو عليه شديدٌ أن يَسْتَحِقَّ أجرَينٍ. قوله: ((ومَثَلُ الذي يقرأ القرآنَ وهو يَتَعاهَدُه وهو عليه شديدٌ، فله أجرانٍ)) قال ابن التِّين: اختُلِفَ هل له ضِعف أجر الذي يقرأ القرآن حافظاً أو يُضاعَف له أجرُه وأجرُ الأوَّل أعظَم؟ قال: وهذا أظهَر، ولمن رَجَّحَ الأوَّل أن يقول: الأجرُ على قَدْر المشَقّة. ٨١ - سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴾ بِسْمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ ﴿سُجِرَتْ﴾ [٦]: ذَهَبَ ماؤُها، فلا تَبْقَى قَطْرةٌ. وقال مجاهدٌ: ﴿الَْسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]: المَمْلوء. وقال غيرُه: ﴿سُجِرَتْ﴾: أَفضِيَ بعضُها إلى بعضٍ، فصارَت بَحْراً واحداً. (١) بل في الرقاق بإثر الحديث رقم (٦٥٠٨)، وهو حديثه عن عائشة أيضاً مرفوعاً: ((من أحب لقاء الله ... )) إلخ، وأخرجه من طريقه موصولاً مسلم برقم (٢٦٨٤). ٥٢٣ سورة التكوير كتاب التفسير ﴿أَنكَدَرَتْ﴾ [٣]: انتَثَرَتْ. ﴿َكُثِطَتْ﴾ [٣]: أي: غُيِّرَت، وقَرَأَ عبدُ الله: ((قُشِطَتْ))، مِثلُ: الكافُورِ والقَانُورِ، والقُسْطِ والگُسْطِ. والخُنَّسُ: تَخْنِسُ في ◌َجرَاها: تَرجِعُ، وتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ كما تَكْنِسُ الظِّاءُ. ﴿َفَّسَ﴾ [١٨]: ارتَفَعَ النَّهارُ. والظَّنِينُ: المتَّهَمُ، والضَّنِينُ: يَضَُّ به. وقال عمرُ: ﴿النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [٧]: يُزوَّجُ نَظِيرَه من أهلِ الجنَّةِ والنار، ثمَّ قرأ: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. ﴿عَسْعَسَ﴾ [١٧]: أدبَرَ. قوله: ((سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ - بِسْمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِمِ)) سَقَطَت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. ويقال لها أيضاً: سورة التَّكوير. قوله: ((سُجِرَتْ﴾: ذَهَبَ ماؤُها فلا تَبْقَى قَطْرةٌ)) تقدَّم في تفسير سورة الطُّور(١)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة، بهذا. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿اَلْسْجُورِ﴾: المَمْلوءُ)) تقدَّم في تفسير سورة الطُّور أيضاً. قوله: ((وقال غيرُه: سُجِرَتْ: أَقْضِيَ بعضُها إلى بعض، فصارَت بَحْراً واحداً)) هو معنى قول السُّدِّيِّ، أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه بلفظ: ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾ أي: فُتِحَت وسُيِّرَت. قوله: (﴿أَنكَدَرَتْ﴾: انتَثَرَت) قال الفَرّاء في / قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ﴾ يريد: ٦٩٤/٨ انتَثَرَت، وَقَعَت في وَجْه الأرضِ. وقال عبد الرَّزّاق(٢): عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ﴾، قال: تَنَاثَرَت. (١) بين يدي الحديث رقم (٤٨٥٣). (٢) في «تفسيره)) ٢/ ٣٥٠. ٥٢٤ سورة التكوير فتح الباري بشرح البخاري قوله: (﴿كُتِطَتْ﴾: أي: غُيِّرَت، وقرأ عبدُ الله: قُشِطَت، مِثلُ الكافُورِ والقافُورِ، والقُسْطِ والكُسْط)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وذَكَره غيرُه في الطِّبّ(١). وهو قول الفَرّاء، قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَءُ كُشِطَتْ﴾: يعني: نُزِعَت وطُوِيَت، وفي قراءة عبد الله - يعني: ابن مسعود : ((قُشِطَت)) بالقاف، والمعنى واحد، والعرب تقول: القافور والكافور، والقُسْط والكُسْط، إذا تَقارَبَ الحرفانِ في المخرَجِ تَعاقَبًا في اللُّغة كما يقال: حَدَث وحَدَف(٢)، والأثافي والأثاثي (٣). قوله: ((والخُنَّس: تَخْنِس في نَجَرَاها: تَرجِع، وتَكنِس: تَستَتِ في بيوتها كما تَكْنِس الظِّبَاءُ)) قال الفَرّاء في قوله: ﴿فَلَ أُقْسِمُ بِْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]: وهي النُّجوم الخمسة تَخْنِس في مَجراها: تَرجِع، وتَكنِسُ: تَستَتِرِ في بيوتها كما تَكْنِس الظِّباء في المَغَار (٤) وهي الكِنَاس، قال: والمراد بالنُّجوم الخمسة: بَهرام وزُحَل وعُطارد والزُّهْرة والمُشتَري. وأسنَدَ هذا الكلام ابنُ مَرْدويه من طريق الكَلْبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس. وروى عبد الرَّزّاق(٥) بإسنادٍ صحيح عن أبي مَيسَرة عن عَمْرو بن شُرَحبيل قال: قال لي ابن مسعود: ما الُنَّس؟ قال: قلت: أظنُّهُ بَقَر الوحش. قال: وأنا أظنّ ذلك. وعن مَعمَر عن الحسن قال: هي النُّجومِ تَخْنِس بالنَّهار، والكُنَّس: تَستُّرُ هنَّ(٦) إذا غِبْنَ. (١) قبل الحديث (٥٦٩٢). (٢) كذا في الأصلين، ووقع في المطبوع من ((معاني القرآن)) للفرّاء ٢٤١/٣: ((جدف وجدث))، وفي (س): ((حدث وحدت)) بتعاقب الثاء التاء، وما أثبتناه هو الأقرب لكلامه فقد قال: ((تعاقبت الفاء الثاء))، وإن كان ما وقع في (س) صحيحاً من جهة تقارب تَخَرَجَي التاء والثاء. (٣) كذا في الأصلين، وهو الموافق لما في المطبوع من ((معاني القرآن)) للفراء، ووقع في (س): الأتاني والأثاني. بالتاء والثاء، ويقال فيه ما قيل في الذي قبله. والأثافي: حجارة تُنْصَب ويُجعَل القدر عليها. (٤) كذا في الأصلين، وهو كذلك في ((معاني القرآن)) للفراء، وفي (س): المغاير. (٥) في «تفسيره)) ٢/ ٣٥٢. (٦) وقع في المطبوع من ((تفسير عبد الرزاق)) ٣٥٢/٢ بلفظ: ((سيرهنّ)) بدل: تسترهنّ. ٥٢٥ سورة التكوير كتاب التفسير قال: وقال بعضُهم: الكُنَّس: الظِّباء. وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ حسنٍ عن عليّ قال: هُنَّ الكَواكِب تَكْنِس باللَّيل وتَخْنِس بالنَّهار، فلا تُرَى. ومن طريق مُغيرة قال: سُئِلَ مجاهد عن هذه الآية فقال: لا أدري، فقال إبراهيم: لمَ لا تَدري؟ قال: سمعنا أنَّهَا بَقَر الوَحْش، وهؤلاءِ يَروُونَ عن عليٍّ أَنَّهَا النُّجوم، قال: إنَهم يَكَذِبونَ على عليٍّ، وهذا كما يقولون: إنَّ عليّاً قال: لو أنَّ رجلاً وَقَعَ من فَوق بيتٍ على رجلٍ فماتَ الأعلى، ضَمِنَ الأسفلُ(١). قوله: ((﴿نَنَفَسَ﴾: ارتَفَعَ النَّهَارُ)) هو قول الفَرّاء أيضاً. قوله: ((والظَّنين: المُنَّهَم، والضَّنين: يَضَنّ به)) هو قول أبي عُبيدة، وأشارَ إلى القراءتَينِ. فمَن قرأها بالظّاءِ المُشالَة فمعناها: ليس بمُتَّهَم، ومَن قرأها بالساقطة فمعناها: البخيلُ(٢). وروى الفَرّاء عن قيس بن الرَّبيع عن عاصم عن زِرّ (٣) قال: أنتم تَقرَؤونَ ﴿بِضَنِينٍ﴾: ببخيلٍ، ونحنُ نَقرأ (بظَنِينٍ)): بِمُتَّهَمٍ. وروى عبد الرَّزّاق(٤) بإسنادٍ صحيح عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: الظَّنين: المتَّهَم، والضَّنين: البخيل. وروى ابن أبي حاتم بسندٍ صحيح: كان ابن عبّاس يقرأ ﴿بِضَنِينٍ﴾، قال: والضَّنين والظَّنين سواء، يقول: ما هو بكاذب، والظَّنين: المتَّهم، والضَّنين: البخيل. (١) أخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٧٦/٣٠. (٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (بظنين) بالظاء، وقرأ الباقون (بضنين) بالضاد. انظر ((السبعة في القراءات)» لابن مجاهد ص ٦٧٣ . (٣) كذا في (ع) على الصواب، وتحرَّف في (أ) و(س) إلى: ورقاء، ووقع في ((معاني القرآن)) للفراء ٢٤٢/٣: (زِرّ بن حبيش)) على الصحيح. (٤) في ((تفسيره)) ٢/ ٣٥٣. ٥٢٦ سورة التكوير فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال عمر: ﴿النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، يُزوَّج نَظِيرَه من أهل الجنَّة والنار، ثمَّ قرأ: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ والحاكم (٥١٥/٢-٥١٦) وأبو نُعَيم في ((الحِلية)) وابن مَرْدويه من طريق الثَّوريّ وإسرائيلَ وحَمَّاد بن سَلَمَةَ وشَرِيك كلّهم عن سِماك بن حَرْب، سمعت النُّعمان بن بشير، سمعت عمر يقول في قوله: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: هو الرجل يُزوَّج نَظِيرَه من أهل الجنَّة، والرجل يُزوَّج نَظِيرَه من أهل النار. ثمَّ قرأ: ﴿أَحْشُرُواْ الَِّينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾، وهذا إسناد مُتَّصِل صحيح، ولفظ الحاكم: هما الرجلان يَعملان العَمَلِ يَدخُلان به الجنَّةَ والنارَ: الفاجِرِ معَ الفاجِرِ، والصالحِ معَ الصالح. وقد رواه الوليد بن أبي ثَوْر عن سِماك بن حَرْب فَرَفَعَه إلى النبيّ ◌َِّ، وقَصَّرَ به فلم يَذكُر فيه عمر، جعلَه من مُسنَد النُّعمان، أخرجه ابن مردويه، وأخرجه أيضاً من وجهٍ آخر عن الثَّوريّ كذلك، والأوَّل هو المحفوظ. وأخرج الفَرّاء من طريق عِكْرمة قال: يُقرَن الرجل بقَرِينِهِ الصالح في الدُّنيا، ويُقرَن الرجل الذي كان يعمل السُّوء في الدُّنيا بقَرِينِه الذي كان يُعينه في النار. قوله: (﴿عَسْعَسَ﴾: أدبَرَ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، بهذا. ٦٩٥/٨ وقال أبو عُبيدة: قال بعضُهم: ﴿عَسْعَسَ﴾: أقبَلَت ظَلْماؤُه،/ وقال بعضهم: بل معناه: ولَّ، لقوله بعد ذلك: ﴿وَلِصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ﴾. وروى أبو الحسن الأثرَم بسندٍ له عن عمر قال: إنَّ شَهرَنا قد عَسعَسَ؛ أي: أدَبَرَ. وتَمَسَّكَ مَن فَسَّرَه بأقبَل بقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ﴾. قال الخليل: أقسَمَ بإقبال اللَّيل وإدباره. تنبيه: لم يُورِد فيها حديثاً مرفوعاً، وفيها حديث جيِّد أخرجه أحمد (٤٨٠٦) والتِّرمِذيّ (٣٣٣٣) والطبرانيُّ (١٤١٤٩) وصَحَّحَه الحاكم (٥٧٦/٤) من حديث ابن عمر رَفَعَه: ((مَن ٥٢٧ سورة الانفطار كتاب التفسير سَرَّه أن يَنظُرَ إلى يوم القيامةِ كأنَّه رأيُ عَينٍ، فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾)) لفظ أحمد. ٨٢ - سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ انفطارُها: انشِقاقُها. ويُذكر عن ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: يَخْرُج مَن فيها منَ المَوْتی. وقال غيرُهُ: أَثِيرَتْ، بَعْثَرَتُ حَوْضي: جعلتُ أسفَلَه أَعلاهُ. وقال الرَّبِيعُ بنُ خُثَيِمِ: ﴿فُِرَتْ﴾ [٣]: فاضَتْ. وقرأ الأعمَشُ وعاصمٌ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ [٧] بالتَّخْفيفِ، وقرأَه أهلُ الحِجازِ بالتَّشديدِ، وأرادَ: مُعتَدِلَ الخَلْقِ، ومَن خَفَّفَ، يعني: في أيِّ صُورةٍ شاءَ: إمّا حسنٌ وإمّا قَبِيحٌ، أو طويلٌ أو قَصِيرٌ. قوله: ((سورة ﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ - بِسْمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) ويقال لها أيضاً: سورة الانفطار. قوله: ((انِفِطارُها: انشِقَاقُها)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وهو قول الفَرّاء. قوله: ((ويُذكَر عن ابن عبّاس ﴿بُعْثِرَتْ﴾: يَخْرُج مَن فيها من الموتَى)) ثَبَتَ هذا أيضاً للنَّسَفيّ وحدَه، وهو قول الفَرّاء أيضاً. وقد أخرج ابن أبي حاتم أيضاً من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾ أي: بُحِثَت. قوله: ((وقال غيره: أَثِيرَتْ، بَعثَرَتُ حَوْضي: جَعَلتُ أسفَلَه أعلَاهُ)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ أيضاً وحدَه، وتقدَّم في الجنائز(١). (١) بين يدي الحديث رقم (١٣٦٢). ٥٢٨ سورة المطففين فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال الرَّبيع بن خُثَيم: ﴿فُجِرَتْ﴾: فاضَت)) قال عبد بن حُميدٍ: حدَّثنا مُؤمِّل وأبو نُعَيم قالا: حدَّثنا سفيان - هو ابن سعيد الثَّوريّ - عن أبيه عن أبي يَعْلى - هو مُنذِر الثَّوريّ - عن الرَّبيع بن خُثَيِم به. قال عبد الرَّزّاق: أخبرنا الثَّوريّ مِثلَه، وأتمَّ منه. والمنقول عن الرَّبيع: ((فُجِرَت)) بتخفيف الجيم، وهو اللّائق بتفسيره المذكور. قوله: ((وقرأ الأعمَش وعاصم ﴿فَعَدَلَكَ﴾: بالتَّخْفيفِ، وقرأه أهل الحِجاز بالتَّشديدِ)) قلت: قرأَ أيضاً بالتَّخفيفِ حمزة والكِسائيّ وسائر الكوفّينَ، وقرأ أيضاً بالتَّثقيلِ مَن عَداهم من قَرَأَة الأمصار. قوله: ((وأرادَ مُعتَدِلَ الخَلْقِ، ومَن خَفَّفَ، يعني: في أي صورةٍ شاءَ: إمّا حسن وإمّا قبيح، أو طويل أو قصير)) هو قول الفَرّاء بلفظه إلى قوله: بالتَّشديدِ، ثمَّ قال: فمَن قرأ بالتَّخفيفِ فهو - والله أعلم - يُصرِّفك في أيِّ صورة شاءَ: إمّا حسن ... إلى آخره، ومَن شَدَّد فإنَّه أراد - والله أعلم -: جَعَلك مُعتَدِلاً، مُعتَدِلَ الخَلْق. قال: وهو أجوَدُ القِراءَتَينِ(١) في العربيَّة وأحبّهما إليَّ. وحاصل القراءتَينِ أنَّ التي بالتَّثقيلِ من: التَّعديل. والمراد: التَّنَاسُب، وبالتَّخفيفِ من: العَدل، وهو الصَّرف إلى أيِّ صفةٍ أرادَ. تنبيه: لم يُورِد فيها حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيها حديث ابن عمر المنَبَّه عليه في التي قبلَها. ٨٣ - سورة ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿بَلْ رَانَ﴾ [١٤]: ثَبَتُ الخَطَايَا. ﴿ثُّبَ﴾ [٣٦]: جُوزِيَ. (١) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع): القولين، وفي المطبوع من ((معاني القرآن)) للفرّاء ٢٤٤/٣: وهو أعجب الوجهين إليّ، وأجودهما في العربية. ٥٢٩ سورة المطففين كتاب التفسير الرَّحيقُ: الخمرُ. ﴿خِتَلُهُ مِسٌْ﴾ [٢٦]: طِينُه. التَّسنيمُ: يَعْلُو شرابَ أهلِ الجنَّةِ. وقال غيرُه: المُطَفِّفُ: لا يُوَّ غيرَه. قوله: ((سورة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ - بِسْمِ اللهِالزَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ. أخرج النَّسائيُّ (ك١١٥٩٠) وابن ماجَهْ (٢٢٢٣) بإسنادٍ / صحيح من طريق يزيد ٦٩٦/٨ النَّحويّ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: لمَّا قَدِمَ النبيّ وَّر المدينة كانوا من أخبَث الناس كَيلاً، فأنزلَ الله ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأَحسَنوا الكَيلَ بعدَ ذلك. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿بَلَّ رَانَ﴾: ثَبَتُ الخَطَايا)) وَصَلَه الفِرْيابيّ، ورُوِّينا في ((فوائد الدِّيباجيّ)) من طريق عيسى عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم قال: ثَبَتَتْ على قلوبهم الخَطَايا حتَّى غَمَرَتها، انتهى. والرّانُ والرِّينُ: الغِشَاوة، وهو كالصَّدَى على الشَّيء الصَّقيل. وروى ابن حِبّان (٩٣٠ و٢٧٨٧) والحاكم (٥١٧/٢) والتِّرمِذيّ (٣٣٣٤) والنَّسائيُّ (ك١٠٧٩ و١١٥٩٤) من طريق القَعْقاع بن حَكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّل قال: ((إنَّ العبد إذا أخطأْ خَطيئةً نُكِتَت في قلبه، فإن هو نَزَعَ واستَغفَرَ صُقِلَت، فإن هو عادَ زِيدَ فيها حتَّى تَعلُوَ قلبَه، فهو الرَّانُ الذي ذكر الله تعالى: ﴿كَلَّابَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾)»، ورُوِّينا في (المحامليّات)) من طريق الأعمَش عن مجاهد قال: كانوا يَرَونَ الرَّينَ هو الطَّبْع. تنبيه: قول مجاهد هذا ((ثَبَت)) بفتح المثلَّثة والموحَّدة بعدها مُثنّاة، ويجوز تسكين ثانيهِ(١). قوله: (﴿ثُّبَ﴾: جُوزِيَ)) هو قول أبي عبيدة، ووَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد أيضاً. (١) وضُبطت في أصل النسخة اليونينية و((إرشاد الساري)) ٧/ ٤١٣ بفتح المثلّثة وتسکین ثانیه فحسب، دون حكاية خلاف أو فرق في ضبطها بين رواة ((الصحيح))، ووقع في ((تفسير ابن جرير الطبري)) ٣/ ١٠٠ عن مجاهد: انبثَّت على قلبه الخطايا، ووقع في المطبوع من ((تفسير مجاهد)) ٧٣٨/٢: نبتت الخطايا على القلب حتی غمرته. ٥٣٠ سورة المطففين/ ح ٤٩٣٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((الرَّحيق: الخمر، ﴿خِتَمُهُ مِسٌْ﴾: طِينُه، التَّسْنيم: يَعْلو شرابَ أهل الجنَّة)) ثَبَتَ هذا النَّسَفيّ وحدَه، وتقدَّم في بَدْء الخلق(١). قوله: «وقال غيره: المُطَفِّف: لا يُؤَنّ غيرَه)) هو قول أبي عُبيدة. ١ - ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ٤٩٣٨- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا مَعْنٌ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ حتَّى يَغِيبَ أحدُهم فِي رَشحِه إلى أنصافٍ أُذُنَیِهِ». [طرفه في: ٦٥٣١] قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، زاد في رواية ابن وَهْب: يوم القيامة. قوله: «حدّثنا مَعْن)) هو ابن عیسی. قوله: ((حدَّثني مالك)) هذا الحديث من غرائب حديث مالك، وليس هو في ((الموطَّ))، وقد تابَعَ مَعْنَ بن عيسى عليه عبدُ الله بن وَهْب - أخرجه الإسماعيليّ وأبو نُعَيم - والوليدُ ابن مسلم وإسحاق الفَرْويّ وسعيد الَّنْبَريّ(٢) وعبد العزيز بن يحيى، أخرجها الدَّارَ قُطنيُّ في («الغرائب)» كلّهم عن مالك(٣). قوله: ((في رَشَحِه)) بفتحَتَينِ (٤)، أي: عَرَقِه، لأنَّه يَخْرُج من البَدَن شيئاً بعد شيء كما يَرشَح الإناءُ المتحلِّلُ الأجزاءَ، ووَقَعَ في رواية سعيد بن داود: ((حتَّى إنَّ العَرَق يُلجِم أحدَهم إلى أنصاف ◌ُذُنیه». (١) بين يدي الحديث رقم (٣٢٤٠). (٢) تحرف في (س) إلى: سعيد بن الزبير، وسعيد هذا: هو سعيد بن داود بن أبي زَنبَرَ الَّنبَري، حدَّث عن مالك وله عنه أحادیث مناکیر، انظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)» ٩/ ٨١. (٣) من قوله: ((حدثنا معن)) إلى هنا وقع خطأً في الأصلين و(س) في نهاية الباب السابق بعد قوله: ((وقال غيره: المطفف ... ))، وقد أثبتناه في موضعه الصحيح على مقتضى موقعه في سياق الحديث وشرحه. (٤) كذا ضبطه الحافظ بفتحتين، ونسبه القسطلّاني في ((الإرشاد)) أيضاً إلى صاحب ((المصابيح))، ولم نقف على هذا الضبط في شيء من كتب اللغة، وضُبط في فروع اليونينية بفتح الراء وسكون الشين على الصواب. ٥٣١ سورة الانشقاق كتاب التفسير قوله: ((إلى أنصاف أُذُنَيْهِ)) هو من إضافة الجميع إلى الجميع حقيقةً ومعنّى، لأنَّ لكلِّ واحد أُذُنَينٍ. وقد روى مسلم (٢٨٦٤) من حديث المقداد بن الأسوَد عن النبيّ وَّ: «تَدْنو الشمسُ يومَ القيامة من الخلق حتَّى تكون منهم كمِقْدار مِيلٍ، فيكون الناس على قَدْر أعمالهم في العَرَق: فمنهم من يكون إلى كَعْبَيه، ومنهم من يكون إلى حَقْوَيه، ومنهم مَن يُلحِمُه العَرَقُّ إجاماً)). ٨٤ - سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ وقال مجاهدٌ: ﴿أَذِنَتْ﴾ [٢]: سَمِعَت وأطاعَت لَرَبِّها، ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ [٤]: أَخرَجَت ما فيها من الموتَى ﴿وَخَلَّتْ﴾ عنهم، ﴿كِتَبَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]: يُعطَى كتابَه مِن وراءِ ظَهْرِه، ﴿وَسَقَ﴾ [١٧]: جَمَعَ من دابّةٍ، ﴿ظَنَّأَنْ لَّنْ يَحُورَ﴾ [١٤]: أن لا يَرجِعَ إلينا. وقال ابن عبّاس: ﴿يُوعُونَ﴾ [٢٣]: يُسِرُّونَ. قوله: ((سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾)) ويقال لها أيضاً: سورة الانشقاق، وسورة الشَّفَق. ٦٩٧/٨ قوله: ((وقال مجاهد: أَذِنَت: سمعَت وأطاعَت لَرَبِّها، ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾: أخرجَت ما فيها من الموتَى وَخَلَّت عنهم)) وَقَعَ هنا للنَّسَفيّ وتقدَّم لهم في بَدْء الخلق(١). وقد أخرجه الحاكم (٥١٨/٢) من طريق مجاهد عن ابن عبّاس، وَصَلَه بذِكْر ابن عيَّاس فيه، لكنَّه موقوف علیه. قوله: ((﴿كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ،﴾: يُعْطَى كتابَه من وراءِ ظَهْرِه)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عنه، قال في قوله: ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَبَهُوَرَآءَ ظَهْرِهِ،﴾ قال: تُجُعَل يدُه من وراء ظهره فيأخُذ بها كتابه. قوله: ((﴿وَسَقَ﴾: جَمَعَ من دابّة) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً من طريقه، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق مِثْلُه وأتمّ منه (٢). وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَأَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ؟ (١) بين يدي الحديث (٣١٩٥). (٢) بين يدي الحديث (٣١٩٩). ٥٣٢ سورة الانشقاق/ ح ٤٩٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قال: وما دَخَلَ فیه، وإسناده صحيح. قوله: (﴿ظَنَّ أَن ◌َّنْ يَحُورَ﴾: أن لن يَرجِعَ إلينا)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريقه أيضاً، وأصل يَحُورِ الخَوْرُ بالفتح: وهو الرُّجوع، وحاوَرتُ فلاناً، أي: راجَعتُه، ويُطلَق على التردُّد في الأمر. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿يُوعُونَ﴾: يُسِرُونَ)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحده، ووَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، وقال عبد الرَّزّاق: أخبرنا مَعمَر عن قَتَادة: ﴿يُوعُونَ﴾ قال: في صُدورِهم. ١ - بابٌ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] ٤٩٣٩- حدَّثنا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى، عن عثمانَ بنِ الأسوَدِ، قال: سمعتُ ابنَ أبي مُلَيكةَ، سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سمعتُ النبيَّ وَلِّ. وحدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا خَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةً، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َّد. وحدَّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن أبي يونُسَ حاتمٍ بنِ أبي صَغِيرةَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةً، عن القاسمِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله ◌َفيِ: ((لَيس أحدٌ يُحاسَبُ إلَّا هَلَكَ)) قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ! أليسَ يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قال: ((ذاكِ العَرْضُ، يُعرَضُونَ ومَن نُوقِشَ الِحِسابَ هَلَكَ)). قوله: ((بابٌ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾)) سَقَطَت هذه التَّرجمة لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((حدّثنا يحيى)) هو القَطّان، وله في هذا الحديث شيخ آخر بإسنادٍ آخر وهو مذكور في هذا الباب، وعثمان بن الأسوَد، أي: ابن أبي موسى المكِّيّ مولى بني جُمَح، ووَقَعَ عند القابِسيّ: عثمان الأسوَد، صفة لعثمان وهو خطأ. واشتَمَلَ ما ساقَه المصنّف على ثلاثة أسانيد: عثمان عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة، وتابَعَه ٥٣٣ سورة الانشقاق/ ح ٤٩٤٠ كتاب التفسير أيوبُ عن عثمان، وخالَفَهما أبو يونس فأدخَلَ بين ابن أبي مُلَيكة وعائشة رجلاً: وهو القاسم بن محمَّد، وهو محمول على أنَّ ابن أبي مُلَيكة حَلَه عن القاسم ثمَّ سمعَه من عائشة، أو سمعَه أوَّلاً من عائشة ثمَّ اسْتَثْبَتَ القاسمَ، إذ في رواية القاسم زيادة ليست عنده. وقد استَدرَكَ الدَّارَ قُطنيُّ هذا الحديث لهذا الاختلاف، وأُجيبَ بما ذَكَرناه، ونَبَّهَ الْجَيّانيُّ على خَبْطٍ لأبي زيد المروزيِّ في هذه الأسانيد، قال: سَقَطَ عنده ابن أبي مُلَيكة من الإسناد الأوَّل ولا بُدَّ منه، وزِيدَ عنده القاسم بن محمَّد في الإسناد الثّاني وليس فيه وإنَّما هو في رواية أبي یونس. وقال الإسماعيليّ: جَمَعَ البخاريُّ بين الأسانيد الثلاثة ومُتوُها مُخْتَلِفة. قلت: وسأُبُِّ ذلك وأوضِّحه في كتاب الرِّقاق (٦٥٣٦) معَ بَقيَّة الكلام على الحديث، وتقدَّمت بعض مباحثه في أواخر كتاب العلم (١٠٣). ٦٩٨/٨ ٢ - بابٌ ﴿لَتَرَّكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقِ﴾ [الانشقاق: ١٩] ٤٩٤٠- حدَّثنا سعيدُ بنُ النَّضْرِ، أخبرنا هُشَيمٌّ، أخبرنا أبو بِشْرِ جعفرُ بنُ إياسٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عبّاسٍ: ﴿لَتَركَبَنَّ(١) طَبَقًّا عَنْ طَبَقٍ﴾: حالاً بعدَ حالٍ، قال هذا نبيُّكُمْ وَلّ. قوله: ((بابٌّ ﴿لَتَرَّكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقٍ﴾)) سَقَطَت هذه التَّرجمة لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((قال ابن عبّاس: ((﴿لَرَ كَبَنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالاً بعد حالٍ، قال: هذا نبيُّكم: وَسَلام أي: الخِطابُ له، وهو على قراءة فتح الموخَّدة وبها قرأ ابنُ كثير والأعمَش والأخَوَان(٢). وقد أخرج الطَّبَريُّ (١٢١/٣٠) الحديث المذكور عن يعقوب بن إبراهيم عن هُشَيمٍ بلفظ: إِنَّ ابن عبّاس كان يقرأ: ﴿لَتَركَبَنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقٍ﴾ يعني نبيَّكم، حالاً بعد حال. وأخرجه (١) هكذا في اليونينية بفتح الباء كما في ((إرشاد الساري)) للقسطلّاني ٤١٥/٧، وهي قراءة ابن عباس كما في (تفسير الطبري)) ١٢٢/٣٠، وهو الموافق لتفسيره إذ اعتبره خطاباً للنبي وكلفه .. (٢) الأخوان: هما حمزة والكسائي الكوفيّان، وليس المراد هنا بالأخوَّة أخوَّةَ النسب، وإنما أخوَّة العلم والوطن، وقرأ بقيّة السبعة نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم: (لتَركَبُنَّ)) بضم الباء. ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص ٦٧٧. ٥٣٤ سورة البروج فتح الباري بشرح البخاري أبو عُبيد في ((كتاب القراءات)) عن هُشَيمٍ وزادَ: يعني بفتح الباء. قال الطَّبَرُّ: قرأها ابن مسعود وابن عبَّاس وعامّة قُرّاء أهل مكَّة والكوفة بالفتح، والباقونَ بالضَّمِّ على أنَّه خِطابٌ للأُمّة، وَرَجَّحَها أبو عُبيدٍ لسياق ما قبلها وما بعدها. ثمَّ أخرج عن الحسن وعِكْرمة وسعيد بن جُبير وغيرهم قالوا: ﴿طَبَقًّا عَنْ طَبَقٍ﴾ يعني حالاً بعد حال، ومن طريق الحسن أيضاً وأبي العاليَة ومسروق قال: السَّماوات. وأخرج الطَّبَرُّ أيضاً والحاكم (٥١٨/٢) من حديث ابن مسعود إلى قوله: ﴿لَتَرَّكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: السماء. وفي لفظ للطََّرَيِّ عن ابن مسعود قال: المراد أنَّ السماء تصير مرَّة كالدِّهان، ومرَّة تتشقَّق، وفي لفظ (١): تَشَقَّقُ ثُمَّ تَحمَرٌ ثُمَّ تَنفَطِرِ. ورَجَّعَ الطَّبَرِيُّ الأوَّل. وأصل الطَّبَق: الشِّدّة، والمراد بها هنا ما يقع من الشَّدائد يوم القيامة. والطَّبَق: ما طابَقَ غيره، يقال: ما هذا بطَبِقِ كذا، أي: لا يطابقُه. ومعنى قوله: ((حالاً بعد حال)) أي: حالٌ مُطابِقَةٌ للَّتي قبلها في الشِّدّة، أو هو جمع طَبَقة: وهي المرتبة، أي: هي طبقات بعضها أشدّ من بعض. وقيلَ : المراد اختلاف أحوال المولود مُنذُ يكون جَنيناً إلى أن يصير إلى أقصى العُمُر، فهو قبل أن يولد جَنينٌ، ثمَّ إذا وُلِدَ صبيٍّ، فإذا فُطِمَ غلامٌ، فإذا بَلَغَ سبعاً يافعٌ، فإذا بَلَغَ عشراً حَزَوَّرٌ، فإذا بَلَغَ خمسَ عشرةَ قُهُدٍّ، فإذا بَلَغَ خمساً وعشرينَ عَنَطَنَطْ، فإذا بَلَغَ ثلاثينَ صُمُلٍّ، فإذا بَلَغَ أربعينَ كَهْلٌ، فإذا بَلَغَ خمسين شيخٌ، فإذا بَلَغَ ثمانِينَ هِمٌّ، فإذا بَلَغَ تسعينَ فانٍ. ٨٥- سورة البروج وقال مجاهدٌ: ﴿آلْأُخْدُودِ﴾ [٤]، شَقٌّ في الأرضِ. ﴿فَنُواْ﴾ [١٠]: عَذَّبوا. وقال ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالى: ﴿اَلْوَدُودُ﴾ [١٤]: الحبيبُ، ﴿الْجِيدُ﴾ [١٥]: الكَرِيم. (١) قوله: ((تتشقق وفي لفظ)) سقط من (س). ٥٣٥ سورة الطارق كتاب التفسير قوله: ((سورة البُروج)) تقدَّم في أواخر الفُرقان تفسير البُروج(١). قوله: ((وقال مجاهد: ﴿اَلْأُخْدُودِ﴾: شَقُّ في الأرض» وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظ: شَقٌّ بنَجْران كانوا يُعذِّبونَ الناس فيه، وأخرج مسلم (٣٠٠٥) والتِّرمِذيّ (٣٣٤٠) وغيرهما من حديث صُهَيبٍ قِصّة أصحاب الأخدود مُطوَّلة، وفيه قِصّة الغلام الذي كان يَتَعلَّم من الساحر، فمَرَّ بالرَّاهب فتابَعَه على دينه، فأراد الملك قتلَ الغلام لمخالَفَتِهِ دينَه فقال: إنَّك لن تَقْدِرَ على قتلي حتَّى تقول إذا رَمَيتني: باسمِ الله رَبّ الغلامِ، فَفَعَلَ، فقال الناس: آمَنّا بَرَبِّ الغلام، فخَدَّ لهم الملكُ الأخاديدَ في السِّكَك وأضرَمَ فيها النّيران ليَرجِعوا إلى دينه. وفيه قِصّة الصَّبيّ الذي قال لأُمِّه: اصبِرِي فإنَّك على الحقّ. صَرَّحَ برفع القِصّة بطولها حَمَّاد بن سَلَمَةَ عن ثابت عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن صُهَيبٍ، ومن طريقه أخرجه مسلم (٣٠٠٥) والنَّسائيُّ (ك١١٥٩٧) وأحمد (٢٣٩٣١)، ووَقَفَها مَعمَر عن ثابت، ومن طريقه أخرجها التِّرمِذيّ، وعنده في آخره: يقول الله تعالى: ﴿قُلَ أَصْحَبُ الْأُخْدُودِ﴾ إلى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. قوله: (﴿فَثَنُواْ﴾: عَذَّبوا)) وَصَلَه/ الفِرْيابيُّ من طريقه، وهذا أحد معاني الفتنة، ومِثلُه ٦٩٩/٨ ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْنَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي: يُعذَّبونَ. قوله: ((وقال ابن عبَّاس: ﴿اَلْوَدُودُ﴾: الحبيب، ﴿الْمَجِيدُ﴾: الكريم)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحده، ويأتي في التوحيد(٢). وأخرج الطَّبَريُّ (١٣٨/٣٠ و١٣٩) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ قال: الوَدُود: الحبيب، وفي قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ يقول: الكريم. ٨٦ - سورة الطّارق هو النَّجْمُ وما أتاكَ ليلاً فهو طارقٌ. ﴿النَّجْمُ الَّقِبُ﴾ [٣]: المُضِيءُ، يقال: أَثْقِبْ نَارَكَ للمَوقِدِ. (١) بل في بدء الخلق وتفسير سورة الحجر بين يدي الحديثين (٣١٩٩) و(٤٧٠١). (٢) بين يدي الحديث رقم (٧٤١٨). ٥٣٦ سورة الطارق فتح الباري بشرح البخاري وقال مجاهدٌ: ﴿الَّقِبُ﴾: الذي يَتَوَجِ. ﴿ذَاتِ أَجْعْ﴾ [١١]: سَحابٌ يَرجِعُ بالمطرِ. و﴿ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [١٢]: الأرضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَضْلٌ﴾ [١٣]: لَحَقٌّ. لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [٤]: إلّا عليها حافظٌ. قوله: ((سورة الطّارق: هو النَّجْمُ وما أتاك ليلاً فهو طارق)) ثمَّ فَسَّرَه فقال: ((﴿ النَّجُمُ الثَِّبُ﴾: المضيء، يقال: أثقِبْ نارَك للمَوقِدِ)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وأبي نُعَيم، وسيأتي للباقينَ في كتاب الاعتصام (٧٣٤٧)، وهو كلام الفَرّاء قال في قوله تعالى: ﴿وَلَِّ وَالطَّارِقِ﴾ إلى آخره. وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة: الثّاقب: المضيء. وأخرجه الطََّرِيُّ (١٤١/٣٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس مِثْلَه. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿الثَّقِبُ﴾: الذي يَتَوهَّجُ)) ثَبَتَ هذا لأبي نُعَيم عن الجُرْجانيِّ، ووَصَلَه الغِرْيابيُّ والطََّرِيُّ من طريق مجاهد بهذا. وأخرج الطَّبَريُّ من طريق السُّدِّيّ قال: هو النَّجم الذي يُرمَى به، ومن طريق عبد الرَّحمن بن زيد قال: النَّجم الثّاقب: الثُّرَيّا. قوله: ((﴿ذَاتِ الرَّجْ﴾: سَحَابٌ يَرجِع بالمطرِ، و﴿ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: الأرض تَتَصَدَّع بالنَّبات)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: ﴿وَلَمِّذَاتِ الرَّعْ﴾ قال: يعني ذاتَ السَّحاب تُطِر ثمَّ تَرجِع بالمطرِ، وفي قوله: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: ذات النَّبَات. وللحاكمِ (٢/ ٥٢٠) من وجهٍ آخر عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ذَاتِ أَرَّعْ﴾: المطر بعد المطر(١)، وإسناده صحيح. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾: لَحَقٌّ)) وَقَعَ هذا للنَّسَفيّ، وسيأتي في التوحيد بزيادةٍ(٢). (١) قوله: ((بعد المطر)) ليس في المطبوع من ((المستدرك))، وهو عند ابن أبي حاتم وابن مردويه في ((تفسيريه)). (٢) بین یدي الحديث رقم (٧٤٩١). ٥٣٧ سورة الأعلى / ح ٤٩٤١ كتاب التفسير قوله: ((﴿ََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: إلّا عليها حافظ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق يزيد النَّحْويّ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، وإسناده صحيح، لكن أنكَرَه أبو عُبيدة وقال: لم نَسمَع لقولِ ((لمَّا)) بمعنى ((إلّا)) شاهداً في كلام العرب. وقُرِئَت ((لما)) بالتَّخفيفِ والتَّشديد، فقرأها ابن عامر وعاصم وحمزة بالتَّشديد، وأخرج أبو عُبيدة عن ابن سِيرِين: أنَّه أنكَرَ التَّشديد على مَن قرأ به. تنبيه: لم يُورِدْ في الطارق حديثاً مرفوعاً، وقد وَقَعَ حديث جابر في قِصّة معاذ: فقال النبيّ ◌َ: ((أفَتَانٌ يا معاذ؟ يكفيكَ أن تقرأ بالسماءِ والطارق، والشمس وضُحاها)) الحديث، أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٦٠٠) هكذا، وأصله في ((الصحيحين))(١). ٨٧ - سورة ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ وقال مجاهدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [٣]: قَدَّرَ للإنسان الشَّقاءَ والسَّعادةَ، وهَدَى الأنعامَ لمَرَاتعِها. وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿غُثَاءَ أَحْوَى﴾: هَشِيماً مُتَغيِّراً. ٤٩٤١- حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاق، عن البراءِ ظُ، قال: أوَّلُ مَن قَدِمَ علينا من أصحاب النبيِّ ◌َِّ مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ وابنُ أمِّ مكتومٍ، فجَعَلا يُقْرِآنِنا القرآنَ، ثمَّ جاءَ عَّارٌ وبِلالٌ/ وسعدٌ، ثمَّ جاء عمرُ بنُ الخطّاب في عشرينَ، ثمَّ جاء النبيُّ ◌َّ، ٧٠٠/٨ فما رأيتُ أهلَ المدينةِ فَرِحُوا بشيءٍ فَرَحَهم به، حتَّى رأيتُ الولائدَ والصِّبْيانَ يقولون: هذا رسولُ الله قد جاءَ، فما جاءَ حتَّى قرأتُ: ﴿سَيِحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها. قوله: ((سورة ﴿سَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾)) ويقال لها: سورة الأعلى، وأخرج سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جُبَير: سمعت ابنَ عمر يقرأ ﴿سَيِّح ◌َسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى الَّذِى خَقَ فَسَوَى﴾، وهي قراءة ◌ُبيِّ بن كعب. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾: قَدَّرَ للإنسان الشَّقاءَ والسَّعادة، وهَدَى الأنعامَ لمراتعِها)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفِيّ، وقد وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٣٠/ ١٥٢) من طريق مجاهد. (١) عند البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥). ٥٣٨ سورة الغاشية فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿غُثَ أَحْوَى﴾: هَشيماً مُتَغيِّرًا) ثَبَتَ أيضاً للنَّسَفيّ وحده، ووَصَلَه الطَّبَريُّ (٣٠/ ١٥٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث البراء في أوَّل مَن قَدِمَ المدينةَ من المهاجِرِينَ، وقد تقدَّم شرحه في أوائل الهجرة (٣٩٢٤)، ووَقَعَ في آخر هذا الحديث هنا: ((يقولون: هذا رسول الله (وَ)) وحَذَفَ (ََّ)) من رواية أبي ذرٍّ، قال: لأنَّ الصلاة عليه إنَّمَا شُرِعَت في السَّنة الخامسة، وكأنَّه يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ لأنَّها من ◌ُملة سورة الأحزاب [٥٦] وكان نزولها في تلك السَّنة على الصَّحيح، لكن لا مانع أن تَتقدَّم الآيةُ المذكورة على مُعظَم السّورة. ثمَّ من أين له أنَّ لفظ نَّهَ من صُلْب الرِّواية من لفظ الصَّحابيّ، وما المانعُ أن يكون ذلك صَدَرَ ممّن دونه؟ وقد صَرَّحوا بأنَّه يُندَب أن يُصَلَّى على النبيّ ◌َّهِ، وأن يُتَرَضَّى عن الصَّحابيّ، ولو لم يَرِدْ ذلك في الرِّواية. ٨٨ - سورة ﴿هَلْ أَتَنكَ﴾ بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ﴾ [٣]: النَّصَارَى. وقال مجاهدٌ: ﴿عَيْنِءَانِيَةٍ﴾ [٥]: بَلَغَ إِنَاها، وحانَ شُرْبُها، ﴿حَيْرٍ،َانٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]: بَلَغَ إناهُ. ﴿لَّا تَسَّمَعُ فِيهَ لَغِيَةٌ﴾ [١١]: شَتْماً. ويقال: الضَّرِيعُ: نَبْتُ يقال له: الشِّتِقُ، يُسمِيه أهلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ إذا ◌َيِسَ، وهو سُمٌّ. (بُمُسَيطٍِ)) [٢٢]: بمُسَلَّطٍ، ويُقرَأُ بالصّادِ والسِّينِ. وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿إِيَابَهُمْ﴾ [٢٥]: مَرْجِعَهم. قوله: ((سورة ﴿هَلْ أَتَئِكَ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)» كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَت البسملة للباقينَ، ويقال لها أيضاً: سورة الغاشية. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: الغاشيةُ من أسماء يوم القيامة. ٥٣٩ سورة الغاشية كتاب التفسير قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ﴾: النَّصارَى)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق(١) شَبِيب بن بشر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، وزادَ: اليهود، وذكر الثَّعلَبيّ من رواية أبي الضُّحَى عن ابن عبّاس قال: الرُّهبان. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿عٍَّ ءَانِيَةٍ﴾ بَلَغَ إناها وحانَ شُربُها ﴿حَمِيرٍ ءَانٍ﴾ بَلَغَ إناهُ)) وَصَلَه الفِرْیابُّ من طريق مجاهد مُفرَّقاً في مواضعه. قوله: ((﴿لَّا تَسْمَعُ فَِهَا لَغِيَّةٌ﴾: شَتْ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً عن مجاهد، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: لا تَسمَعُ فيها باطِلاً ولا مأثَماً، وهذا على قراءة الجمهور بفتح (تَسمَعُ)) بمُثّةٍ فوقيَّة، وقرأها الجَحدَريُّ بتحتانيَّةٍ كذلك، وأمَّا أبو عَمْرو وابن کثیر فضَمّا التَّحتانيَّة، وضمَّ نافع أيضاً لكن بفَوقائيَّةٍ. قوله: ((ويقال: الضَّريع: نَبْتُ يقال له: الشِّبْرِق، يُسمِّيه أهل الحجاز الضَّرِيعَ إذا يَبِسَ، وهو سُمٌّ)) هو كلام الفَرّاء بلفظه، والشِِّق بكسر المعجمة بعدها/ موحّدة، قال الخليل بن أحمد: ٧٠١/٨ هو نَبتُ أخضرُ مُنتِن الرّیح یَرمي به البحر. وأخرج الطَّبَرُّ (١٦١/٣٠ و١٦٢) من طريق عِكْرمة ومجاهد قال: الضَّريع: الشِّرِق. ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: الضَّريع: شجرٌ من نار. ومن طريق سعيد بن جُبَير قال: الحجارة. وقال ابن التِّين: كأنَّ الضَّريع مُشتَقّ من الضّارع: وهو الذَّليل، وقيل: هو السُّلّا، بضمِّ المهمَلة وتشديد اللّام: وهو شَوْك النَّخل. قوله: ((بمُسَيطِرٍ: بِمُسَلَّطٍ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾: بِمُسَلَّطٍ، قال: ولم نَجِدْ مِثْلَها إلّا مُبَيطِر، أي: بالموخَّدة، قال: لم نَجِد لهما ثالثاً. كذا قال، وقد قَدَّمتُ في تفسير سورة المائدة(٢) زياداتٍ عليهما. (١) هكذا في (أ) و(ع)، وفي (س): وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ومن طريق ... (٢) في أول تفسير سورة المائدة. ٠٫٠ ٥٤٠ سورة الفجر فتح الباري بشرح البخاري قال ابن التِّين: أصله السَّطْر، والمعنى: أنَّه لا يَتَجاوَز ما هو فيه. قال: وإنَّما كان ذلك وهو بمكَّة قبل أن يُهاجِرَ ويُؤذَنَ له في القتال. قوله: ((ویُقرَأ بالصّادِ والسّین» قلت: قراءة الجمهور بالصّاد، وفي رواية عن ابن كثير بالسِّين، وهي قراءة هشام. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿إِيَابَهُمْ﴾: مَرْجِعَهم)) وَصَلَه ابن المنذر من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس، وذكره ابن أبي حاتم عن عطاء، ولم يجاوِزْ به. تنبيه: لم يَذْكُر فيها حديثاً مرفوعاً، ويَدْخُل فيها حديث جابر رَفَعَه: ((أُمِرتُ أن أُقاتل الناسَ حتَّى يقولوا: لا إله إلّا الله)) الحديث، وفي آخره: ((وحِسابُهم على الله)) ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّما أنتَ مُذكِّرٌ لستَ عليهم بمُسَيطِرٍ﴾ إلى آخر السُّورة، أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٤١) والنَّسائيُّ (ك ١١٦٠٦) والحاكم (٥٢٢/٢)(١)، وإسناده صحيح. ٨٩ - سورة ﴿وَالْفَجْرِ﴾ وقال مجاهدٌ: ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِعَادٍ﴾ [٧]: يعني القَدِيمةَ، والعِمادُ: أهلُ عَمودٍ لا يُقِيمونَ. ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [١٣]: الذي عُذِّبوا به. ﴿أَكْلًا لَّمَّا ﴾ [١٩]: السَّفُّ. و﴿جَمَّا﴾ [٢٠]: الكَثيرُ. وقال مجاهدٌ: كلُّ شيءٍ خَلَقَه فهو شَفْعٌ، السماءُ شَفْعٌ، والوَتْرُ [٣]: اللهُتَبَارَكَ وتعالى. وقال غيرُه: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: كلمةٌ تقولها العربُ لكلِّ نوع مِن العذابِ يَدخُلُ فيه السَّوْطُ. ﴿لَِاَ لْمِرْصَادِ﴾ [١٤]: إليه المَصِير. ﴿تَحَُّونَ﴾ [١٨]: تُحافظونَ، تَحُضّونَ: تأمرونَ بإطْعَامِه. ﴿اَلْمُطْمَيِنَّهُ﴾ [٢٧]: المصَدِّقَةُ بِالثَّواب. (١) فاتَ الحافظَ رحمه الله أن يخرج الحديث من ((صحيح مسلم)) (٢١) (٣٥).