النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة المزمل
كتاب التفسير
﴿ مُنْفَظِرٌ بِهِ﴾ [١٨] قال: مُثقَلةٌ به.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿كَتِبًا مَّهِيلًا﴾ [١٤]: الرَّمْلُ السائلُ.
﴿وَبِيلًا﴾ [١٦]: شديداً.
قوله: ((سورة المزَّمِّل والمدَّثِّر)) كذا لأبي ذرٍّ، واقتَصَرَ الباقونَ على المَّمِّل، وهو أولى، لأنَّه
أفرَدَ الدَّثِّرِ بعدَ بالتَّرجمة.
والمُزَّمِّل بالتَّشديد، أصله: المُتَزَمِّل، فأُدغِمَت التاء في الزّاي، وقد جاءت قراءة أبيّ
ابن كعب على الأصل.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿وَتَبَثَّلْ﴾: أَخْلِص)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ وغيرُه، وقد تقدَّم في كتاب قِيام
اللَّيل(١).
قوله: ((وقال الحسن: ﴿أَنْكَالًا﴾: قُّوداً) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ والطَّبَرَيُّ (١٣٥/٢٩) من
طريق الحسن البصريِّ.
وقال أبو عبيدة: الأنكال واحدها نِكْل بكسر النُّون: وهو القَيْد، وهذا هو المشهور،
وقيل: النِّكْلِ: الغِلّ.
قوله: ((﴿مُنْفَظِرٌ بِهِ،﴾: مُثقَلَة به)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من وجه آخر عن الحسن البصريّ
في قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ،﴾ قال: مُثقَلة به يوم القيامة.
ووَصَلَه الطََّرِيُّ (١٣٨/٢٩) وابن أبي حاتم من طريقه بلفظ: مُثقَلة مُوقَرة (٢).
ولابنِ أبي حاتم من طريق أُخرى عن مجاهد ﴿ مُنْفَظِرٌّ بِهِ﴾: تَنْفَطِر من ثِقَل ربِّها تعالى.
وعلى هذا فالضَّمير لله، ومُتَمَل أن يكون الضَّمير ليومِ القيامة.
وقال أبو عبيدة: أعادَ الضَّمير مُذكَّراً لأنَّ مَجَاز السماء مَجَاز السَّقف، يريد قوله: مُنْفَطِرٍ،
:
(١) قبل الحديث (١١٤١).
(٢) من الوَقْر: وهو النَّقَلُ في الأُذن، وقيل: هو أن يذهب السَّمع كلُّه، والثّقَلُ أخفُّ من ذلك، وقد وَقِرَتْ
أُذُنُه - بالكسر - تَوْقَر وَقْراً؛ أي: صَمَّتْ. ((اللسان)) مادة (وقر).

٤٨٢
سورة المدثر
فتح الباري بشرح البخاري
ويحتمل أن يكون على حذفٍ، والتَّقدير: شيءٌ تَنفَطِرُ به(١).
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿كَثِيبًا قَهِيلًا﴾: الرَّمْل السائل)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق
عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس به.
وأخرجه الحاكم (٥٠٥/٢-٥٠٦) من وجهٍ آخَر عن ابن عبّاس ولفظه: المَهِيل: إذا أخذتَ
٦٧٦/٨
منه شيئاً يَتَبَعُك آخِرُه، والكَثيب: الَّمل.
وقال الفَرّاء: الكَثيب: الرَّمل، والمَهِيل: الذي تَحَرَّكَ أسفَله فيَنهال عليك أعلاهُ.
قوله: (﴿وَبِيلًا﴾: شديداً) وَصَلَه الطََّرِيُّ (١٣٧/٢٩) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن
ابن عبّاس، وقال أبو عبيدة مِثْلَه.
تنبيه: لم يُورِد المصنِّف في سورة المزَّمِّل حديثاً مرفوعاً، وقد أخرج مسلم (٧٤٦) حديث
سعيد بن هشام عن عائشة فيما يَتَعلَّق منها بقيام اللَّيل، وقولها فيه: فصارَ قيام اللَّيل تَطوُّعاً
بعد فَرِيضةٍ (٢).
ويُمكِن أن يَدخُل في قوله تعالى في آخرها [٢٠]: ﴿وَمَا نُقَدِمُواْلِأَنْفُسِكُ﴾ حديثُ ابن مسعود:
((إنَّما مالُ أحدِكم ما قَدَّمَ، ومالُ وارثِه ما أخّرَ ))، وسيأتي في الرِّقاق (٦٤٤٢).
٧٤ - سورة المدّر
بِسْمِ الَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿عَسِيرٌ﴾ [٩]: شديدٌ.
قَسْوَرَةٌ [٥١]: رِكْزُ الناسِ وأصواتُهم. وكلُّ شديدٍ قَشْوَرةُ.
وقال أبو هريرةَ: القَسْوَرة: الأسَدُ. الرِّكْزُ: الصَّوتُ.
﴿مُسْتَفِرَةٌ﴾ [٥٠]: نافِرةٌ مَذْعورةٌ.
(١) كذا في الأصلين، ووقع في (س): ((شيء منفطر))، وقال النَّسَفي في «تفسيره)) ٢٣٧/٤: يعني أنها تنفطر لشدَّة
ذلك اليوم وهوْله کما ینفطر الشيء بما ینفطر به.
(٢) كذا في (ع) والمطبوع من ((صحيح مسلم))، ووقع في (أ) و(س): فريضته.

٤٨٣
سورة المدثر
كتاب التفسير
قوله: ((سورة المدَّثِّر - بِسْمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِ)) سَقطَت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. قرأ أُبيُّ بن
كعب بإثبات المثنّاة المفتوحة بغير إدغام كما تقدَّم في المُزَّمِّل، وقرأ عِكْرمة فيهما بتخفيف
الزّاي والدَّال، اسمُ فاعِلٍ.
قوله: (قال ابن عبّاس: ﴿عَسِيرُ﴾: شديد)) وَصَلَه ابن أبي حاتم(١) من طريق عِكْرمة عن
ابن عبّاس به.
قوله: (قَسْوَرةٌ: رِكْزُ الناس وأصواتُهم)) وَصَلَه سفيان بن عُيَينَةَ في ((تفسيره)(٢) عن
عَمْرو ابن دينار عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ﴾ قال: هو رِكْز
الناس، قال سفيان: يعني حِسُّهم وأصواتُهم.
قوله: ((وكلُّ شديدٍ قَسْوَرةٌ)) زاد النَّسَفيُّ: وقَسْوَرٌ. وسيأتي القول فيه مبسوطاً.
قوله: ((وقال أبو هريرة: القَسْورَةُ: الأسَد، الرِّكْز: الصَّوْت)) سَقطَ قوله: ((الرِّكز الصَّوت»
لغير أبي ذرٍّ، وقد وَصَلَه عبد بن حُميدٍ (٣) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال:
كان أبو هريرة إذا قرأ: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ ٥ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ﴾ قال: الأسَد. وهذا مُنقَطِعِ
بین زید وأبي هريرة.
وقد أخرجه من وجهَينِ آخرَينٍ عن زيد بن أسلم عن ابن سيلان عن أبي هريرة، وهو
مُتَّصِل (٤)، ومن هذا الوجه أخرجه البزَّار (٨١٧٩)، وجاء عن ابن عبّاس أنَّه بالحَبَشِيَّة،
أخرجه ابن جَرِير (٢٩/ ١٧١) من طريق يوسف بن مهران عنه، قال: القَسْوَرة: الأسَد
بالعربيَّة، وبالفارسيَّة شار(٥)، وبالحبشيّة قَسْوَرة.
(١) وأخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٥٢/٢٩.
(٢) ومن طريقه أخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٣٥/١٦ و١٧٠/٢٩.
(٣) ومن هذا الطريق أخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٧٠/٢٩.
(٤) وهو عند ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٧٠/٢٩.
(٥) في (س): ((شير)) بالياء، وما أثبتناه من الأصلين، وهو كذلك في المطبوع من ((تفسيره))، وزاد: وبالنبطية:
أریا.

٤٨٤
سورة المدثر/ ح ٤٩٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج الفَرّاء من طريق ◌ِكْرمة أنَّه قيل له: القَسْوَرة بالحبشيَّة الأسَد، فقال: القَسْوَرة:
الرُّماة، والأسَد بالحبشيَّة: عَنبَسة. وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.
وتفسيره بالرُّماة، أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم (٢/ ٥٠٧) من
حديث أبي موسى الأشعريّ.
ولسعيدٍ من طريق أبي حمزةً (١): قلت لابنِ عبَّاس: القَسْوَرة: الأسَد؟ قال: ما أعلمُه
بلُغَة أحدٍ من العرب، هم عُصَب الرِّجال.
قوله: (﴿مُسْتَفِرَةٌ﴾: نافرة مَذْعُورة)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿كَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ ﴾،
أي: مَذْعورة، و﴿مُسْتَنِفِرَةٌ﴾: نافرة، يريد أنَّ لها مَعنَينِ، وهما على القراءتَينِ، فقد قرأها الجمهور
بفتح الفاءِ، وقرأها عاصم والأعمَش بكسرها.
١ - بابٌ
٤٩٢٢- حدّثنا يحيى، حدَّثنا وَكِيعٌ، عن عليِّ بنِ المبارَكِ، عن يحيى بنِ أبي كَثير، سألتُ أبا
سَلَمَةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ عن أوَّلِ ما نزلَ مِن القرآن، قال: ﴿يَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾ قلتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ
بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ﴾ فقال أبو سَلَمَ: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما عن ذلك، وقلتُ
٦٧٧/٨ له مِثلَ الذي قلتَ، فقال جابرٌ:/ لا أُحدِّثُكَ إلا ما حدَّثَنا رسولُ اللهِ وَّةِ، قال: ((جاوَرْتُ
بحِرَاءٍ، فلمَّا قَضَيتُ جِوَارِيَ هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ، فَتَظَرتُ عن يَمِيني فلم أرَ شيئاً، ونَظَرْتُ عن
شِمالي فلم أرَ شيئاً، ونَظَرْتُ أمامِيَ فلم أرَ شيئاً، ونَظَرْتُ خَلْفِيَ فلم أرَ شيئاً، فَرَفَعْتُ رأسيَ
فرأيتُ شيئاً، فَأَتَيتُ خَدِيجةَ، فقلتُ: دِّروني، وصُبُّوا عليَّ ماءً بارداً) قال: ((فَدَثَّرُوني، وصَبُّوا
عليَّ ماءً بارداً)) قال: فَنَزَلت: ﴿يَأَتُهَا الْمُدَُِّّ نْ قُرْ فَأَنْذِرْ ن وَرَبَّكَ فَكَِّرْ﴾.
(١) في (س): ابن أبي حمزة، وهو خطأ. وأبو حمزة هذا: هو عمران بن أبي عطاء الأسدي مولاهم، أبو حمزة
القصّاب الواسطي.
وقوله: ((عُصَب الرجال)) أي: الجماعة. وفي ((اللسان)) مادة (عصب): العُصْبة والعصابة: جماعة ليس لها
واحد؛ أي: مفرد.
.

٤٨٥
سورة المدثر/ ح ٤٩٢٣
كتاب التفسير
قوله: ((حدَّثني يحيى)) هو ابن موسى البَلْخيّ، أو ابن جعفر.
قوله: ((عن عليّ بن المبارَك)) هو الهُنَائِيُّ بضمٌّ، ثمَّ نون خفيفة ومَدّ، بصريّ ثقة مشهور،
ما بينَه وبينَ عبد الله بن المبارك المشهور قَرَابة.
٢- باب قوله:
﴿قُرْ فَأَنَذِرْ﴾ [المدثر: ٢]
٤٩٢٣ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ وغيرُه، قالا: حدَّثنا حَرْبُ
ابنُ شَدّادٍ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي سَلَمةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، عن
النبيِّ وَِّ قال: ((جاوَرْتُ بحِرَاءٍ)) مِثلَ حديثٍ عثمانَ بنِ عمَرَ، عن عليٍّ بنِ المبارَكِ.
قوله: ((حدَّثني محمَّد بن بشَّار، حدَّثنا عبد الرَّحمن بن مَهْديّ وغيرُه)) هو أبو داود
الطَّيالسيُّ، أخرجه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) من طريق أبي عَرُوبة: حدَّثْنا محمّد بن بشَّار
حدّثنا عبد الرَّحمن بن مهديّ وأبو داود قالا: حدّثنا حرب بن شَدّاد، به.
قوله: ((عن أبي سَلَمَةَ)) كذا قال أكثر الرُّواة: عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ، وقال
شَيْبانُ بن عبد الرّحمن: عن يحيى عن إبراهيم بن عبد الله بن قارِظ عن جابر، أخرجه
النَّسائيُّ (ك١١٥٦٩) من طريق آدم بن أبي إياس عن شَيْبانَ. وهكذا ذكره البخاريّ في
((التاريخ)) (٣١٢/١) عن آدَم، ورواه سعد بن حفص عن شَيْيانَ كرواية الجماعة، وهو
المحفوظ.
قوله: ((مِثلَ حديث عثمان بن عمر عن عليّ بن المبارَك)) لم يُرِّج البخاريُّ روایةً عثمان بن
عمر التي أحالَ روايةَ حرب بن شَدّاد عليها، وهي عن محمَّد بن بشّار شيخ البخاريّ فيه،
أخرجه أبو عَرُوبة في ((كتاب الأوائل)) (٤١) قال: حدَّثنا محمَّد بن بشَّار، حدَّثنا عثمان بن عمر،
أخبرنا عليّ بن المبارك، وهكذا أخرجه مسلم (٢٥٨/١٦١) والحسن بن سفيان جميعاً عن
أبي موسى محمَّد بن المثنَّى عن عثمان بن عمر.

٤٨٦
سورة المدثر/ ح ٤٩٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
٣- باب قوله:
﴿ وَرَبَّكَ فَكَِّرْ﴾ [المدثر:٣]
٤٩٢٤- حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، حدَّثنا حَرْبٌ، حذَّثنا يحيى، قال:
سألتُ أبا سَلَمَةَ: أيُّ القرآنِ أُنزِلَ أوَّلَ؟ فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمَُِّّرُ﴾، فقلتُ: أَنْبِشْتُ أنَّه: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمٍ
رَيِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾، فقال أبو سَلَمَةَ: سألتُ جابَرَ بنَ عبدِ الله: أيُّ القرآنِ أُنزِلَ أوَّلَ؟ فقال: ﴿يَأَيُّهَا
الْمُدَّفِرُ﴾ فقلتُ: أُنْبِشْتُ أَنَّه: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ فقال: لا أُخبرُكَ إلا بما قال رسولُ الله
وَهِ، قال رسولُ الله ◌َّ: «جاوَرْتُ في حِرَاءٍ، فلمَّا قَضَيتُ جِواريَ هَبَطْتُ، فاستَبْطَنْتُ الواديَ،
٦٧٨/٨ فتُودِيتُ فَنَظَرْتُ أمامِيَ وخَلْفِيَ، وعن يَمِيني وعن شِمالي، فإذا هو / جالسٌ على عَرشٍ بينَ
السماءِ والأرضِ، فأتيتُ خَدِيجَةَ، فقلتُ: دَثِّروني! وصُبُّوا عليَّ ماءً بارداً، وأُنزِلَ عليَّ: ﴿يَأَتِها
الْمُدَّقُِّ نْ قُرْ فَأَذِرْ ن وَرَبَّكَ فَكَِّرْ﴾)).
قوله: ((باب قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَتِ﴾)) ذكر فيه حديث جابر المذكور من طريق حرب بن شَدّاد
أيضاً عن يحيى بن أبي كثير.
قوله: ((سألت أبا سَلَمَةَ)) أي: ابن عبد الرَّحمن بن عَوْف.
قوله: ((فقلت: أُنْبِئْت أنَّه ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾)» في رواية أبي داود الطَّالسيّ (١٧٩٣) عن
حرب: قلت: إنَّه بَلَغَني أنَّه أوَّل ما نزلَ ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾. ولم يُبيِّن يحيى بن أبي كثير مَن أنبأه
بذلك، ولعلَّه يريد عُرْوة بن الزُّبَير، كما لم يُبيِّن أبو سَلَمَةَ مَن أنبَاه بذلك، ولعلَّه يريد عائشةً
فإنَّ الحديث مشهور عن عُرْوة عن عائشة كما تقدَّم في بَدْء الوحي (٣) من طريق الزُّهْريِّ
عنه مُطوَّلاً، وتقدَّم هناكَ أنَّ رواية الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمةَ عن جابر تَدُلّ على أنَّ المراد
بالأوَّلَيَّة في قوله: ((أوَّل ما نزلَ سورة المدَّثِّر))، أوَّلِيَّة مخصوصةٌ بما بعدَ فترة الوحي، أو
تَخصوصة بالأمرِ بالإنذار، لا أنَّ المراد أنَّها أوَّلِيَّة مُطلَقة، فكأنَّ مَن قال: أوَّل ما نزلَ ((اقرأ)»
أراد أوَّلَيَّةً مُطلَقة، ومَن قال: إنَّها المدَّثِّر، أراد بقَيْد التَّصريح بالإرسال.
قال الكِرْمانيُّ: استَخرَج جابر أنَّ أوَّل ما نزلَ ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّذِرُ﴾ باجتهاده وليس هو من

٤٨٧
سورة المدثر/ ح ٤٩٢٤
كتاب التفسير
روايته، والصَّحيح ما وَقَعَ في حديث عائشة، ويحتمل أن يكون قوله في هذه الرِّواية:
((فرأيتُ شيئاً - أي: جِبْريل - بحِرَاءٍ، فقال لي: اقرأْ، فخِفتُ، فأتيتُ خديجةَ فقلت: دَثِّروني،
فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾)».
قلت: ويحتمل أن تكون الأوَّليَّة في نزول ﴿يَتُهَا الْمَُّّفِرُ﴾ بقَيدِ السَّبَب، أي: هي أوَّل ما
نزلَ من القرآن بسَببٍ مُتَقَدِّم، وهو ما وَقَعَ من التَّدَثُّر الناشئ عن الزُّعب، وأمَّا («اقرأ»
فنزلت ابتداءً بغير سببٍ مُتَقَدِّم، ولا يَخْفَى بُعد هذا الاحتمال.
وفي أوَّل سورة نزلت قولٌ آخر نُقِلَ عن عطاء الحُراسانيّ قال: المَّمِّل نزلت قبل المدَّثِّر.
وعطاء ضعيف، وروايته مُعضَلة لأنَّه لم يَثْبُت لقاؤه لصحابيِّ مُعيَّن، وظاهر الأحاديث
الصَّحيحة تأخّر المزَّمِّل لأنَّ فيها ذِكْر قيام اللّيل وغيرُ ذلك ممَّا تَراخَى عن ابتداء نزول
الوحي، بخِلَاف المدَّثِّر فإنَّ فيها: ﴿قُرْفَنَذِرْ﴾.
وعن مجاهد: أوَّل سورة نزلت ﴿تَ وَاُلْقَلَمِ﴾، وأوَّل سورة نزلت بعد الهجرة ﴿وَيْلٌ
لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
والمشكِل من رواية يحيى بن أبي كثير قوله: « جاوَرتُ بحِرَاءٍ شهراً، فلمَّا قَضَيتُ چِواريَ
نزلتُ فاستَبَطَنتُ الوادي، فنُودِيت - إلى أن قال : - فَرَفَعتُ رأسي فإذا هو على العَرش في
الهواء - يعني جِبْريل - فأتيت خديجةَ فقلت: دَثِّرُوني).
ويُزيل الإشكال أحد أمرَينٍ: إمّا أن يكون سَقَطَ على يحيى بن أبي كثير وشيخِه من
القِصّة مَجَيءُ جِبْرِيل بحِرَاءِ بـ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ وسائرُ ما ذكرتْهُ عائشةُ، وإمّا أن يكون جاوَرَ
وَلَه بحِرَاءٍ شهراً آخر، فقد تقدَّم أنَّ في مُرسَل عُبيد بن عُمَير عند البيهقيِّ: أنَّه كان يُجَاوِر في
كلّ سنة شهراً، وهو رمضان، وكان ذلك في مُدّة فترة الوحي، فعادَ إليه جِبْريل بعدَ انقضاء
جواره.
قوله: ((فُثْت)) يأتي ضبطه في سورة ((اقرأ)) (٤٩٥٤) إن شاء الله تعالى(١).
(١) هذه اللفظة لم ترد في حديث هذا الباب، وستأتي في الباب الذي يليه.

٤٨٨
سورة المدثر/ ح ٤٩٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
٤ - باب
﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]
٤٩٢٥- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ. وحدَّثني
عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْرِيُّ، فأخبرني أبو سَلَمةَ بنُ
عبدِ الرَّحمنِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ وهو يُحدِّثُ عن
فَتْرةِ الوَحْرٍ، فقال في حديثه: ((فبَيْنا أنا أَمشي إذ سمعتُ صَوتاً مِن السماءِ، فَرَفَعْتُ رأسي، فإذا
٦٧٩/٨ الملَكُ الذي جاءَني بحِرَاءٍ جالسٌٌ على كُرْسٍّ بينَ السماءِ والأرضِ، فجُِثْتُ منه رُعْباً،/ فَرَجَعْتُ
فقلتُ: زَمِّلوني! زَمِّلوني! فَدَتَّرُونِي، فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾ إلى: ﴿وَالرِّجْزَ (١) فَأَهْجُرْ﴾
قبلَ أن تُفرَضَ الصلاةُ))، وهي الأوثانُ.
قوله: ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ذَكَر فيه حديثَ جابر المذكورَ، لكن من رواية الزّهْريِّ عن أبي
سَلَمَةَ، وأورَدَه بإسنادَينٍ من طريق عُقَيل ومَعمَر، وساقَه على لفظ مَعمَر، وساقَ لفظ
عُقَيل في الباب الذي يَليه. ووَقَعَ في آخر الحديث: (﴿وَثِيَ فَطَهِرْ س وَالرُّجْزَ فَأَهْجُزْ﴾ قبلَ أن
تُفرَض الصلاة))، وكأنَّه أشارَ بقوله: ((قبلَ أن تُفرَض الصلاة)) إلى أنَّ تطهير الثّياب كان
مأموراً به قبلَ أن تُفرَض الصلاة.
وأخرج ابن المنذر(٢) من طريق محمَّد بن سِيرِين قال: اغسِلْها بالماءِ. وعلى هذا حَمَلَه ابنُ
عبَّاس فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج من وجه آخر عنه قال: فطَهِّر من الإثم، ومن
طُرق عن قَتَادة والشَّعْبيّ وغيرهما نحوَه، ومن وجه ثالث عن ابن عبّاس قال: لا تَلَسْها
على غَدْرةٍ ولا فَجْرةٍ. ومن طريق طاووس قال: شَمِّر. ومن طريق منصور - قال: وعن
مجاهد مِثله- قال: أصلِحْ عملك.
(١) هكذا هي بالكسر في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون حكاية خلاف بين رواة ((الصحيح)) فيها، وهي قراءة
الجمهور، وقرأ حفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوبُ بضم الراء، وسيأتي التنبيه على قراءة حفص في شرح
الحديث التالي.
(٢) في ((الأوسط)) ٢/ ١٣٦، وأخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٤٦/٢٩.

٤٨٩
سورة المدثر/ ح ٤٩٢٦
كتاب التفسير
وأخرجه سعيد بن منصور أيضاً عن طريق منصور عن مجاهد.
وأخرجه ابن أبي شَيْبة(١) من طريق منصور عن أبي رَزين، مِثْلَه.
وأخرج ابن المنذر (٢) من طريق الحسن قال: خُلُقَك فحَسِّنه. وقال الشافعيّ رحمه الله:
قيل في قوله: ﴿وَتِيَابَ فَطَهِرْ﴾: صَلِّ في ثياب طاهرة، وقيل غير ذلك، والأوَّل أشبه. انتهى.
ويُؤيِّده ما أخرج ابن المنذر في سبب نزولها من طريق زيد بن مَرثَد قال: أُلقيَ على
رسول الله ◌َ ﴿ سَلَى جَزُورٍ؛ فنزلت. ويجوز أن يكون المراد جميع ذلك.
٥- باب قوله:
﴿ والرِّجْزَ فَأَهْجُرْ﴾ [المدثر:٥]
يقال: الرِّجْزُ والرِّجْسُ: العذابُ.
٤٩٢٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، قال ابنُ شِهابٍ: سمعتُ أبا
سَلَمَةَ، قال: أخبرني جابرُ بنُ عبدِ الله: أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ وَّهِ يُحدِّثُ عن فَتْرةِ الوَحْي: ((فَينا
أنا أمشي، سَمعتُ صَوتاً مِن السماءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السماءِ، فإذا الملَكُ الذي جاءني بحِرَاءٍ
قاعدٌ على كُرْسِيٍّ بينَ السماءِ والأرضِ، فَئِثْتُ(٣) منه حتَّى هَوَيتُ إلى الأرضِ، فحِثْتُ أهلي
فقلتُ: زَمِّلوني! زَمِّلوني! فَزَمَّلُوني! فأنزَلَ الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَهْجُرْ﴾)) - قال
أبو سَلَمَةَ: والرِّجْزَ: الأوثانَ - ثمَّ خَمِيَ الوَحْيُ وتَتَابَعَ.
قوله: ((﴿والرِّجْزَ فَأَهْجُزْ﴾، يقال: الرِّجْز والرِّجْس: العذاب)) هو قول أبي عبيدة، وقد
تقدَّم في الذي قبله أنَّ الرِّجز: الأوثان، وهو تفسير معنًى، أي: اهجُر أسباب الرِّجز؛ أي:
العذاب، وهي الأوثان.
(١) في ((مصنفه)» ١٣ /٤١٧، وزاد: فكان الرَّجل إذا كان حَسَنَ العمل قيل: فلانٌ طاهر الثياب.
(٢) في ((الأوسط)) ١٣٦/٢.
(٣) قال القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ٧/ ٤٠٥: بفتح الجيم في اليونينية، وفي غيرها بضمِّها وكسر الهمزة
وسكون المثلَّثة بعدها فوقيَّة: خِفْتُ منه. قلنا: وسيأتي ضبط الحافظ لهذه الكلمة وذكر الروايات المتعدِّدة
فيها عند تفسير سورة ﴿اقْرأْ﴾ عند الحدیث (٤٩٥٤).

٤٩٠
سورة القيامة/ ح ٤٩٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الكِرْمانيُّ: فُسِّرَ المفرَد بالجمع، لأنَّه اسم جِنس، وبيَّن في سياق (١) رواية الباب أنَّ
تفسيرها بالأوثان من قول أبي سَلَمةً.
وعند ابن مَرْدويه من طريق محمَّد بن كثير عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ في هذا الحديث:
﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضمِّ الرَّاء، وهي قراءة حفص عن عاصم. قال أبو عبيدة: هما بمعنَى، ويُروَى
عن مجاهد والحسن بالضَّمِّ: اسم الصَّنَم، وبالكسر: اسم العذاب.
٧٥ - سورة القيامة
وقوله: ﴿لَا تُحَرِّْكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿سُدَى﴾ [٣٦]: هَمَلاً.
﴿لَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [٥]: سوفَ أَتوبُ، سوفَ أعمَلُ.
﴿لَا وَزَرَ﴾ [١١]: لا حِصْنَ.
٤٩٢٧- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا موسى بنُ أبي عائشةَ، وكان ثقةً، عن
سَعيدِ بنِ مُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّنَ لَ إذا نزلَ عليه الوَحْيُ حَرَّكَ
به لِسانَه - ووَصَفَ سفيانُ - يُرِيدُ أن يَخْفَظَه، فأنزلَ الله: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِ﴾﴾.
٦٨٠/٨
قوله: ((سُورة القيامة)) تقدَّم الكلام على ﴿لَا أُقِْمُ﴾ في آخر سورة الحِجر(٢)، وأنَّ
الجمهور على أنَّ((لا)) زائدة (٣)، والتَّقدير: أُقْسِم، وقيل: هي حرف تنبيهٍ مِثل ((أَلَا))، ومنه
قول الشّاعر:
(١) كذا في الأصلين على الصواب، ووقع في (س): وبيَّن ما في سياق.
(٢) بين يدي الحديث رقم (٤٧٠٥).
(٣) وفائدتها توكيد القَسَم، وليست حَشْواً، ولا تفيد نفياً، لأنَّ الحرف المزيد للتأكيد لا يفيد معنى غيرَ
التأكيد، و((لا)) من جملة الحروف التي يؤكّد بها الكلام كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾
[الأعراف: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿إِثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلََّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللِّ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ أي:
ليعلمَ أهل الكتاب علماً محقَّقاً. وهذا تأويل الكسائي والفرّاء والزجّاج والزمخشري وسواهم كما في كتب
اللغة والتفسير.

٤٩١
سورة القيامة/ ح ٤٩٢٧
كتاب التفسير
لا وأَبيكِ ابنةَ العامريِّ لا يَدَّعي القومُ أنّ أفِرّ (١)
وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ لم يختلف السَّلَف أنَّ المخاطَب بذلك النبيُّ ◌َلّ في
شأن نزول الوحي، كما دلَّ عليه حديث الباب، وحَكَى الفَخرِ الرَّازيّ أنَّ القَفّل جَوَّزَ أنَّهَا
نزلت في الإنسان المذكور قبلَ ذلك في قوله تعالى: ﴿يُّوْ اْلْإِسَنُ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَخَّرَ﴾
[القيامة: ١٣] قال: يُعرَض عليه كتابه فيقال: اقرأ كتابك، فإذا أخَذَ في القراءة تَلَجْلَجَ خَوفاً
فأسرَعَ في القراءة، فيقال: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾، أي: أن يُجمَعِ عَمَلُك
وأن يُقرأَ عليك، ﴿قَرَأْنَهُ﴾ عليك ﴿فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ بالإقرار بأنَّك فعَلت، ﴿ثُمَإِنَّ عَلَيْنَا﴾ بيانُ أمر
الإنسان وما يَتَعلَّق بعُقوبَتِه.
قال: وهذا وجهٌ حسنٌ ليس في العَقل ما يَدفَعُه، وإن كانت الآثار غير واردة فيه، والحامل
على ذلك عُسْرُ بيان المناسَبة بين هذه الآية وما قبلَها من أحوال القيامة، حتَّى زَعم بعض
الرَّافضة أنَّه سَقطَ مِن السُّورة شيءٌ، وهي من جُملة دَعاويهم الباطِلة، وقد ذكر الأئمّة لها
مُناسَباتٍ:
منها: أنَّه سبحانه وتعالى لمَّا ذكر القيامة، وكان من شأن مَن يُقَصِّر عن العَمَل لها حُبُّ
العاجِلة، وكان من أصل الدّين أنَّ المبادَرة إلى أفعال الخير مطلوبة، فنَبَّهَ على أنَّه قديُعتَرَض
على هذا المطلوب ما هو أجَلَّ منه، وهو الإصغاء إلى الوحي وتَفَهُمُ ما يريد منه، والتَّشاغُل
بالحِفِظِ قد يَصُدّ عن ذلك، فأُمِرَ أن لا يُبادِرِ إلى التَّحَفّظ، لأنَّ تَحفيظَه مضمونٌ على رَبِّه،
ولِيُصِغِ إلى ما يَرِد عليه إلى أن ينقضي فيَتَّبع ما اشتَمَلَ عليه. ثمَّ لمَّ انقَضَت الجملة المعتَرِضة
رَجَعَ الكلام إلى ما يَتَعلَّق بالإنسان المُبدَأ بذِكْره ومَن هو من جِنسه فقال: ﴿كَلَّا﴾ وهي
كلمة رَدْع، كأنَّه قال: بل أنتم يا بني آدم لكَونِكم خُلِقْتُم من عَجَلٍ، تَعجَلونَ في كلّ شيء،
ومِن ثَمَّ تُحِبّونَ العاجلة، وهذا على قراءة ﴿تُحِبُّونَ﴾ بالمثّة وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن
كثير وأبو عَمْرو بياء الغيبة حَملاً على لفظ الإنسان، لأنَّ المراد به الجِنس.
(١) هذا بيت من قصيدة لامرئ القيس كما في ((ديوانه)) ١/ ٥٧، وانظر توجيه البغدادي له في ((خزانة الأدب))
٢٣٤/١١.

٤٩٢
سورة القيامة/ ح ٤٩٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
ومنها: أنَّ عادة القرآن إذا ذَكَر الكتاب المشتَمِلَ على عَمَل العبد، حيثُ يُعرَض يومَ
القيامة أردَفَه بذِكْر الكتاب المشتَمِل على الأحكام الدّينيّة في الدُّنيا التي تَنشَأ عنها المحاسبة
عَمَلاً وتَركاً، كما قال في الكهف [٤٩-٥٤]: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا
فِيهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِىِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍّ وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ
شَىْءٍ جَدَلًا﴾، وقال تعالى في ((سُبْحان)) [٧١-٨٩]: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَكَ
يَقْرَءُ ونَ ككِتَبَهُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ ﴾ الآية، وقال في طه [١٠٢ -
١١٤]: ﴿ يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ وَغَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا﴾ إلى أن قال: ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلُِ
اُلْحَقُ﴾، ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُ, وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾.
ومنها: أنَّ أوَّل السّورة لمَّا نزلَ إلى قوله: ﴿ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] صادَفَ أنَّه ◌َلآه في
تلك الحالة بادَرَ إلى تَحَفُّظ الذي نزلَ، وحَرَّكَ به لسانه من عَجَلَته خَشْيةً من تَفَلُّته، فنزلت:
﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ إلى قوله: ﴿ثمَ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، ثمّ عادَ الكلام إلى تكملة ما ابتَدَأ به.
قال الفَخْرِ الرَّازيّ: ونحوه ما لو ألقَى المدَرِّس على / الطالب مثلاً مسألةً فَتَشاغَلَ الطالب
بشيءٍ عَرَضَ له، فقال له: أَلْقِ إليَّ(١) بالَك وتَفَهَّم ما أقول، ثمَّ كَمَّل المسألة، فمَن لا يَعِرِف
السَّبَب يقول: ليس هذا الكلام مُناسباً للمسألة، بخِلَاف مَن عَرَفَ ذلك.
٦٨١/٨
ومنها: أنَّ النَّفْس لمَّا تقدَّمِ ذِكْرُها في أوَّل السّورة عَدَلَ إلى ذِكْر نفس المصطفى كأنَّه قيل:
هذا شأن النُّفُوس وأنتَ يا محمَّد نفسُك أشرَف النُّفُوس، فلتأخُذ بأكمَل الأحوال.
ومنها: مُناسَباتٌ أُخرى ذكرها الفَخرِ الرَّازيّ لا طائلَ فيها معَ أنَّهَا لا تَخُلُو من تَعَشُّف.
:
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: سوفَ أتوبُ، سوفَ أعمَلُ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ
(١٧٧/٢٩) من طريق العَوْفيّ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ آلْإِنَنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾؛ يعني:
الأمَل، يقول: أعمَلُ ثمَّ أتوبُ.
(١) قوله: ((إليَّ)) سقط من (س).

٤٩٣
سورة القيامة/ ح ٤٩٢٧
كتاب التفسير
ووَصَلَه الفِرْيابيُّ والحاكم (٥٠٩/٢) من طريق سعيد بن جُبَير(١) عن مجاهد، قال:
يقول: سوفَ أتوبُ.
ولابنِ أبي حاتم من طريق عليٍّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: هو الكافر يُكذِّب
بالحِساب ويَفجُر أمامَه، أي: يَدُوم على فُجوره بغير توبة.
قوله: (﴿لَ وَزَرَ﴾: لا حِصْن)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٨١/٢٩) من طريق عليّ بن أبي طلحة
عن ابن عبّاس، لكن قال: ((حِرْز)) بكسر المهمَلة وسكون الرَّاء بعدها زايٌ. ومن طريق
العَوْفيّ عن ابن عبّاس قال: لا حِصنَ ولا مَلجَأ.
ولابنِ أبي حاتم من طريق السُّدِّيّ عن أبي سعيد عن ابن مسعود في قوله: ﴿لَا وَزَّرَ﴾
قال: لا حِصْن.
ومن طريق أبي رَجَاء عن الحسن قال: كان الرجل يكون في ماشيته فتأتيه الخيلُ بَغْتَةً،
فيقول له صاحبه: الوَزَرَ الوَزَرَ، أي: اقصِد الجبل فتَحَصَّن به.
وقال أبو عبيدة: الوَزَر: الملجَأ.
قوله: (﴿سُدِّى﴾: هَمَلاً) وَقعَ هذا مُقَدَّماً على ما قبلَه لغير أبي ذرٍّ. وقد وَصَلَه الطََّرُّ
(٢٩/ ٢٠٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس به. وقال أبو عبيدة في قوله:
﴿سُدِّى﴾؛ أي: لا يُنْهَى ولا يُؤمَر، قالوا: أسديت حاجتي؛ أي: أهملتَها.
قوله: ((حدَّثنا موسى بن أبي عائشة وكان ثقة)) هو مَقُول ابن عُيَينةَ، وهو تابعيّ صغير
كوفيّ من مَوالي آلِ جَعدة بن هُبَيرة، يُكْنَى أبا الحسن، واسم أبيه لا يُعرَف، ومَدار هذا
الحديث عليه، وقد تابَعَه عَمْرو بن دينار عن سعيد بن جُبَير، وهو من رواية ابن عُيَينةَ أيضاً
عنه، فمن أصحاب ابن عُيَينَةَ مَن وَصَلَه بذِكْر ابن عبّاس فيه، منهم أبو كُرَيب عند الطَّبَرِيِّ
(٢٩/ ١٨٧)، ومنهم مَن أرسَلَه، منهم سعيد بن منصور.
قوله: ((حَرَّكَ به لسانَه - ووَصَفَ سفيانُ - يريد أن يَحْفَظَه)) في رواية سعيد بن منصور: وحَرَّكَ
(١) كذا في الأصلین وهو الصواب، وتحرّف في (س) إلى: سعید وابن جبير.

٤٩٤
سورة القيامة/ ح ٤٩٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
سفيان شَفَتَيْه. وفي رواية أبي كُرَيب: تَعَجَّلَ يريد حِفظَه، فنزلت.
قوله: «فأنزلَ الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾﴾)) إلى هنا رواية أبي ذرِّ. وزاد غيره الآية
التي بعدَها، وزاد سعيد بن منصور في روايته في آخر الحديث: وكان لا يُعرَف خَتْم السّورة
حَتَّى تَنزِل: بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ.
١- بابٌ
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧]
٤٩٢٨- حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ: أنَّه سألَ
سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن قوله تعالى: ﴿لَا تُحرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ﴾. قال: وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان يُحرِّكُ شَفَتَيَه
إذا أُنزِلَ عليه، فقيلَ له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ تَخْشَى أَن يَنْفَلِتَ(١) منه ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أن
نَجْمِعَه في صَدْرِكَ، ﴿قُزْءَانَهُ﴾: أن تَقْرَأه ﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ﴾ يقول: أَنْزِلَ عليه ﴿ فَّعْ قُرْءَانَهُ(٥) ثُمَ إِنَّ
عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: أن نُبِيِّتَه على لِسانِكَ.
قوله: ((بابٌ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُزْءَانَهُ﴾)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس المذكور من رواية
إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة أتمَّ من رواية ابن عُيَينَةَ، وقد استَغرَبَه الإسماعيليّ فقال:
كذا أخرجه عن عُبيد الله بن موسى، ثمَّ أخرجه هو من طريق أُخرى عن عُبيد الله المذكور
٦٨٢/٨ بلفظ: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ قال: كان يُحُرِّك به لسانَه ◌َافةَ أن يَنفَلِت عنه،/ فيَحتمل أن
يكون ما بعدَ هذا من قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ إلى آخره مُعلَّقاً عن ابن عبّاس بغير هذا الإسناد،
وسيأتي الحديث في الباب الذي بعده أتمّ سياقاً.
٢- بابٌ
﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَِّعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨]
قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿قَرَأْتَهُ﴾: بَّنَاه، ﴿فَنَّعْ﴾: اعْمَل به.
(١) وقع في ((إرشاد الساري)) ٤٠٥/٧: ((يتفلَّت منه)) أي: القرآن، والذي في اليونينية: ((ينفلت)) بالنون بعد
التحتية بدل الفوقية.

٤٩٥
سورة القيامة/ ح ٤٩٢٩
كتاب التفسير
٤٩٢٩- حدّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سعيدِ بنِ
جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاس في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهَ﴾ قال: كان رسولُ الله ◌َل﴿ إذا نزلَ
جِبْرِيلُ بالوَحْي، وكان ممَّا يُحرِّكُ به لِسانَه وشَفَتَيهِ، فَيَشْتَدُّ عليه، وكان يُعرَفُ منه، فأنزَلَ الله
الآيةَ التي في ﴿لَآ أُقِْمُ بِيَوْمِ الْقِيََّمَةِ﴾: ﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِ- ٢) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ﴾
قال: علينا أن نَجْمعَه في صَدْرِكَ، وَقُرْآنَه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ فإذا أنزَلْناه فاستَمِعْ ﴿ثُمَ إِنَّ
عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: علينا أن نُبِيِّتَه بلِسانِكَ، قال: فكان إذا أتاهُ حِبْرِيلُ أطْرَقَ، فإذا ذهبَ قَرأَه كما
وَعَدَه الله.
﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [٣٤]: تَوَقُّدٌ.
قوله: ((بابٌ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَّعْ قُزْءَانَهُ﴾، قال ابن عبّاس: ﴿قَرَأْنَهُ﴾: بَيَّاهِ، ﴿فَّعْ﴾: اعمَلْ
به)) هذا التَّفسير رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، أخرجه ابن أبي حاتم، وسيأتي في
الباب عن ابن عبّاس تفسيرُه بشيءٍ آخَر.
قوله: ((إذا نزلَ جِبْرِيلُ عليه)) في رواية أبي عَوَانة عن موسى بن أبي عائشة كما تقدَّم في
بَدْء الوحي (٥): كان يُعالج من التَّنزيل شِدّةً. وهذه الجملة تَوطِئة لبيان السَّبَب في التُّزول،
وكانت الشِّدّة تَحصُل له عند نزول الوحي لِثِقَلِ القول كما تقدَّم في بَدْء الوحي (٢) من
حديث عائشة، وتقدَّم من حديثها في قِصّة الإفك (٢٦٦١): فأخَذَه ما كان يأخذه من
الْبُرَحاء. وفي حديثها في بَدْء الوحي أيضاً: ((وهو أشدُّه عليَّ)، لأنَّه يقتضي الشِّدّة في
الحالتَينِ المذكورتَينِ، لكن إحداهما أشدّ من الأُخرى.
قوله: ((وكان ممَّ يُحرِّك به لسانَه وشَفَتَيْهِ)) اقتَصَرَ أبو عَوَانة على ذِكْرِ الشَّفَتَيْنِ وكذلك
إسرائيلُ، واقتَصَرَ سفيان على ذِكْر اللِّسان، والجميع مُراد، إمّا لأنَّ التَّحريكَينِ مُتَلازِمان
غالباً، أو المراد يُحرِّك فمَه المشتَمِلَ على الشَّفَتَينِ واللِّسانِ، لكن لمَّا كان اللِّسان هو الأصل
في النُّطْقِ اقْتَصَرَ في الآية علیه.
قوله: ((فَيَشْتَّ عليه)) ظاهر هذا السِّياق أنَّ السَّبَب في المبادرة حصولُ المشَقّة التي يَجِدها

٤٩٦
سورة القيامة / ح ٤٩٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
عند التُّزول، فكان يَتَعَجَّل بأخذِه لتَزولَ المشَقّة سَريعاً.
وبيَّن في رواية إسرائيل أنَّ ذلك كان خَشْيَةَ أن يَنساه حيثُ قال: فقيلَ له: لا تُحُرِّك به
لسانك تَخْشَى أن يَنفَلِت.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي رَجَاء عن الحسن: كان يُحُرِّك به لسانَه يَستذْكِرُه(١)،
فقيلَ له: إنّا سَنحْفظُه عليك.
وللطَّبَرِيِّ (١٨٦/٢٩) من طريق الشَّعْبِيّ: كان إذا نزلَ عليه عَجَّلَ يتكلّم به من حُبِه
إيّاه. وظاهره أنَّه كان يتكلّم بما يُلقَى إليه منه أوَّلاً فأوَّلاً من شِدّة حُبّه إيّاه، فأُمِرَ أن يَتَأنَّى
إلى أن ينقضيَ التُّزُولُ، ولا بُعدَ في تعدُّد السَّبَب.
ووقع في رواية أبي عَوَانة (٥): قال ابن عبّاس: فأنا أُحَرِّكهما كما كان رسول الله وَله
يُجرِّكهما، وقال سعيد: أنا أُحَرِّكهما كما رأيت ابن عبّاس يُرِّكهما. فأُطلِقَ فِي خَبَرَ ابن عبّاس
وقُيِّدَ بالرُّؤية في خَبَرَ سعيد، لأنَّ ابن عبّاس لم يَرَ النبيَّ ◌َّهِ في تلك الحال، لأنَّ الظّاهرِ أنَّ
ذلك كان في مَبدَأ المبعَث النبويّ، ولم يكن ابن عبّاس وُلِدَ حينئذٍ، ولكن لا مانع أن يُخبر
النبيُّ ◌َّ بذلك بعدُ، فيراه ابنُ عبَّاس حينئذٍ.
وقد وَرَدَ ذلك صريحاً عند أبي داود الطَّيالسيِّ في «مُسنَده)) (٢٧٥٠) عن أبي عَوَانة
بسندِه بلفظ: قال ابن عبّاس: فأنا أُحَرِّك لك شَفَتي كما رأيت رسولَ الله وَلَهَ. وأفادت هذه
الرِّواية إبرازَ الضَّمير في رواية البخاريّ حيثُ قال فيها: ((فأنا أُحَرِّكهما)). ولم يَتقدَّم للشَّفَتَينِ
ذِكْر، فعَلِمنا أنَّ ذلك من تَصرُّف الرُّواة.
قوله: ((فأنزلَ الله)) أي: بسبب ذلك. واحتَجَّ بهذا مَن جَوَّزَ اجتِهادَ النبيِّ وَّةِ، وَجَوَّزَ
الفَخْرِ الرَّازيّ أن يكون أُذِنَ له في الاستعجال إلى وقت وُرودِ النَّهي عن ذلك، فلا يَلَزَم
وقوع الاجتهاد في ذلك، والضَّمير في ((به)) عائد على القرآن وإن لم يَجِرِ له ذِكْر، لكن القرآن
يُرشِد إليه، بل دَلَّ عليه سياقُ الآية.
٦٨٣/٨
(١) كذا في الأصلين وهي الأنسب في هذا السياق، ووقع في (س): يتذكّره.

٤٩٧
سورة القيامة/ ح ٤٩٢٩
كتاب التفسير
قوله: ((علينا أن نَجْمَعَه في صَدْرك)) كذا فَسَّرَه ابن عبّاس، وعند (١) عبد الرَّزّاق عن
مَعمَر عن قَتَادة تفسيره بالحِفْظ. ووَقَعَ في رواية أبي عَوَانة: جَمْعُه لك في صَدرك. ورواية
جَرِير أوضَح. وأخرج الطَّبَرَيُّ عن قَتَادة أنَّ معنى ((جَمْعَه): تأليفُه.
قوله: ((و﴿قُرْءَانَهُ﴾)) زاد في رواية إسرائيل: أن تَقرأَه؛ أي: أنتَ. ووَقَعَ في رواية الطَّبَرَيِّ
(١٨٩/٢٩): وتقرأه بعدُ.
قوله: ((﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾)) أي: قرأه عليك الملَك (﴿فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾، فإذا أنزَلْناه فاستَمِعِ)) هذا
تأويلٌ آخر لابنِ عبَّاس غير المنقول عنه في التَّرجمة. وقد وَقَعَ في رواية ابن عُيَينَ مِثل رواية
جَرِير. وفي رواية إسرائيل نحو ذلك. وفي رواية أبي عَوَانة: فاستَمِع وأنصِت. ولا شَكّ أنَّ
الاستماع أخَصُّ من الإنصات لأنَّ الاستماع: الإصغاءُ. والإنصاتَ: السُّكوتُ، ولا يَلزَم
من السُّكوت الإصغاءُ، وهو مِثل قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْلَهُ، وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
والحاصل أنَّ لابنِ عبّاس في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَهُ﴾ وفي قوله: ﴿فَّعْ﴾(٢) قَولَينِ.
وعند الطَّبَيِّ (١٩٠/٢٩) من طريق قَتَادة في قوله: ((أَّبِعْ)): اتَّبِع حلالَه واجتَنِب
حرامه.
ويُؤْيِّد ما وَقَعَ في حديث الباب قوله في آخر الحديث: فكان إذا أتاه حِبْرِيل أطرَقَ، فإذا
ذهب قرأه. والضَّمير في قوله: ﴿فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ لِبْرِيل، والتَّقدير: فإذا انتَهَت قراءةُ چِبْرِيل
فاقرأْ أنتَ.
قوله: ((﴿﴿ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: علينا أن نُبِيِّنه بلِسانِكَ)) في رواية إسرائيل: على لسانك. وفي
رواية أبي عَوَانة: أن تقرأه، وهي بمُئنّةٍ فوقانيَّة. واستُدِلَّ به على جواز تأخير البيان عن
وقت الخِطاب كما هو مذهب الجمهور من أهل السُّنّة، ونَصَّ عليه الشافعيّ، لمَا تقتضيه
(ثُمَّ)) من التَّراخي.
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: ابن عباس وعبد الرزاق، وما أثبتناه من (ع)، وهذا الأثر في ((تفسيره)) ٢/ ٣٣٤
بلفظ: قال: ﴿َمْعَهُ، وَقُرْءَانَهُ﴾: حفظَه وتأويلَه.
(٢) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: فاستمع.

٤٩٨
سورة الإنسان
فتح الباري بشرح البخاري
وأوَّل مَن استَدَلَّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن الطيِّب وتَبِعُوه، وهذا لا يَتِمّ إلّا
على تأويل البيان بتَبيينِ المعنى، وإلّا فإذا حُلَ على أنَّ المراد استمرارُ حِفْظِه له وظُهوره على
لسانه فلا.
قال الآمِديّ: يجوز أن يُراد بالبيان: الإظهارُ، لا بيانُ المجمَل، يقال: بانَ الكوكب: إذا
ظَهَرَ، قال: ويُؤيِّد ذلك أنَّ المراد جميعُ القرآن، والمجمَل إنَّما هو بعضُه، ولا اختصاص
لبعضِه بالأمرِ المذکور دُون بعضٍ.
وقال أبو الحسين البصريّ: يجوز أن يُراد البيانُ التَّفصيليّ، ولا يَلزَم منه جواز تأخير
البيان الإجماليّ، فلا يَتِمّ الاستدلال.
وتُعقّبَ باحتمال إرادة المعنَيَينِ: الإظهارُ والتَّفصيلُ وغير ذلك، لأنَّ قوله: ﴿بَيَانَهُ﴾
جِنسٌ مُضافٌ فَيَعُمّ جميع أصنافه؛ من إظهاره وتَبين أحكامه وما يَتَعلَّق بها من تخصيص
وتقييد ونَسخ وغير ذلك، وقد تقدَّم كثير من مباحث هذا الحديث في بَدْء الوحي (٥)
وأُعيدَ بعضه هنا استطراداً.
٧٦ - سُورة ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ ﴾
بِسمِ الهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
يقال: مَعْناه أَتى على الإنسان، و((هلْ)) تكونُ جَحْداً، وتكونُ خَبَراً، وهذا مِن الخيرِ، يقول:
كان شيئاً فلمْ يكن مَذْكُوراً، وذلك من حِينٍ خَلَقَه من طِينٍ إلى أن يُنفَخَ فيه الرُّوحُ.
﴿أَمْشَاجٍ﴾ [٢]: الأخلاطُ، ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ، الَّمُ والعَلَقَةُ، ويقال إذا خُلِطَ: مَشِجٌ،
كقولِكَ: خَلِطٌ، وتمشوجٌ مِثلُ مخلوطٍ.
ويقال: ﴿َسَلَسِلَاْ وَأَغْلَلًا﴾ [٤]، ولم يُخْرِ بعضُهم.
﴿مُسْتَطِيرً﴾ [٧]: مُتَدّاً البلاءُ.
والقَمْطَرِيُ: الشَّدِيدُ، يقال: يومٌ قَمْطَرِيرٌ، ويومٌ قُماطِرٌ، والعَبُوسُ والقَمْطَرِيرُ والقُماطِرُ
والعَصِيبُ: أشَدُّ ما يكونُ مِن الأيامِ في البلاءِ.

٤٩٩
سورة الإنسان
كتاب التفسير
وقال الحسن: النُّضْرةُ في الوَجْهِ، / والسُّرور في القَلب.
٦٨٤/٨
وقال ابنُ عبّاس: الأرائكُ: الشُّؤُرُ.
وقال مُقاتلٌ: السُّرُر: الحِجَالُ من الدُّرِّ والياقوتِ.
وقال البراء: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾: يَقطِفونَ كيف شاؤوا.
وقال مجاهد: ﴿سَلْسَيِلًا﴾ [١٨]: حَدِيدَةُ الجِرْية.
وقال مَعمَرٌ: ﴿أَسْرَهُمْ﴾ [٢٨]: شِدّةُ الخَلْقِ، وكلُّ شيءٍ شَدَدْتَه من قَب وغَبيطٍ فهو مأْسورٌ.
قوله: ((سورة ﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ - بِِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) ثَبَتَت البسملةُ لأبي ذرٍّ.
قوله: ((يقال: مَعْناه: أَتَى (١) على الإنسان، وهَلْ تكون جَحْداً وتكون خَبَراً، وهذا من الخبر))
كذا للأكثرِ، وفي بعض النُّسَخ: ((وقال يحيى)) وهو صواب، لأنَّه قول يحيى بن زياد الفَرّاء
بلفظه، وزادَ: لأنَّك تقول: هل وَعَظتُك، هل أعطَيتُك؟ تُقَرِّره بأنَّك وَعَظتَه وأعطَيْتَه.
والجَحْد: أن تقول: هل يَقدِر أحد على مثل هذا؟
والتَّحرير أنَّ ﴿هَلْ﴾ للاستفهام، لكن تكون تارةً للتَّقرير، وتارةً للإنكار، فدَعوَى
زیادَتِها لا يحتاج إليه.
وقال أبو عبيدة: ﴿هَلْ أَ﴾ معناه: قد أتى، وليس باستفهام. وقال غيرُه: بل هي
للاستفهام التَّقريريّ، كأنَّه قيل لمن أنكَرَ البعث: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ
شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾؟ فيقول: نعم، فيُقال: فالذي أنشَأه - بعد أن لم يكن - قادِرٌ على إعادته.
ونحوُه ﴿ وَلَقَدْ عَلِْتُمُ الَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، أي: فَتَعلَمونَ أنَّ مَن أنشَأ
قادِرٌ على أن يُعيدَ.
(١) كذا وقع في الأصلين وفي اليونينية و((إرشاد الساري))، ولكن الذي في المطبوع من ((معاني القرآن)) للفرّاء:
((معناه: قد أتى)) بزيادة ((قد)) في أوَّله، وكذا نَقَلَ عنه وعن غيره من أهل اللغة والنحو أكثرُ المفسِّرين،
و((قد)) لا بدَّ منها هنا فهي التي بمنزلة ((هل)) الواردة في مطلع السورة، سواء كانت للجحد (أي: للنفي)،
أو للخبر المتضمن معنى التقرير.

٥٠٠
سورة الإنسان
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يقول: كان شيئاً فلم(١) يكنْ مَذْكوراً، وذلك مِن حينٍ خَلَقَه من طِينٍ إلى أن يُنفَخ
فيه الرُّوحُ)) هو كلام الفَرّاء أيضاً، وحاصلُه انتِفاءُ الموصوف بانتِفاءِ صِفَته، ولا حُجّة فيه
للمعتَزِلة في دَعْواهم أنَّ المعدوم شيءٌ.
قوله: (﴿أَمْشَاجٍ﴾: الأخلاط: ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ، الدَّمُ والعَلَقةُ، ويقال إذا خُلِطَ:
مَشِيجٌ، كقولِك: خَلِيطٌ، وَمَشوجٌ مِثْلُ: تَخَلُوط)) هو قول الفَرّاء، قال في قوله: ﴿أَمْشَاجٍ
تَّبْتَلِيهِ﴾: وهو ماءُ المرأة وماءُ الرجل، الدَّم والعَلَقة، ويقال للشَيءٍ من هذا إذا خُلِطَ:
مَشِيجٌ، كقولك: خَلِيطٌ. وتَمشوجٌ، كقولك: مخلوطٌ.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عِكْرمة قال: منَ الرجل الجِلدُ والعَظمُ، ومنَ المرأة
الشَّعرُ والدَّمُ. ومن طريق الحسن: من نُطفة مُشِجَت بدَمٍ وهو دمُ الحيض. ومن طريق عليّ
ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس: ﴿أَمْشَاجٍ﴾ قال: مُخْتَلِفة الألوان. ومن طريق ابن جُرَيج عن
مجاهد قال: أحمر وأسوَد.
وقال عبد الرَّزّاق(٢): عن مَعمَر عن قَتَادة: الأمشاجُ: إذا اختَلَطَ الماءُ والدَّمُ، ثمَّ
كان عَلَقةً ثمَّ كان مُضغةً. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: الأمشاج:
العُروق.
قوله: (﴿سَلَسِلَا وَأَغْلَالًا﴾ [الإنسان: ٤])) في رواية أبي ذرٍّ: ((ويقال: سَلاسلاً وأغلالاً)).
قوله: ((ولم يُجِرِ(٣) بعضُهم)) هو بضمِّ التَّحتانيَّة وسكون الجيم، وكسر الرَّاء بغير إشباع،
وحذف الياء(٤) علامةً للجَزْمِ، وذكر عياضٌ أنَّ في رواية الأكثر بالزّاي بَدَل الرَّاء، ورَجَّحَ
(١) في المطبوع من ((معاني القرآن)) للفرّاء: ((ولم)) بالواو، وهو الأوجه.
(٢) في «تفسيره)) ٣٣٦/٢.
(٣) قوله: ((ولم يُجرِ)) أي: لم يصرف بعضُهم قوله: ((سلاسل))، فلا يدخلون فيه التنوين على أنه ممنوع من
الصرف.
(٤) قوله: ((وحذف الياء)) من (ع)، وسقط من (أ) و(س).