النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ سورة نوح/ ح ٤٩٢٠ كتاب التفسير أخرج أبو عُبيد(١) في ((فضائل القرآن)) من طريق يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطِب عن أبيه عن عمر: أنَّه صَلَّى العِشاء الآخِرة فاستَفتَحَ آلَ عِمران فقرأ: ((اللهُ لا إلهَ إلاَّ هوَ الخَيُّ القَيَّامُ))(٢). وأخرج ابن أبي داود في ((المصاحف)) (١٥٠-١٥٥) من طرق عن عمرَ: أنَّه قرأها كذلك، وأخرجها عن ابن مسعود أيضاً. قوله: ((وقال غيره: ﴿رَيَّارًا﴾: أَحَداً)) هو قول أبي عبيدة، وزادَ: يقولون: ليس بها دَیّار ولا عَرِيبٌ(٣). تنبيه: لم يَتقدَّم ذِكْر مَن يُعطَف عليه قولُه: ((وقال غيرُه))، فيحتمل أن يكون كان في الأصل منسوباً لقائلٍ فحُذِفَ اختصاراً من بعض النَّقَلة، وقد عَرَفت أنَّه الفَرّاء. قوله: (﴿نَبَارًا﴾: هلاكاً)) هو قول أبي عبيدة أيضاً. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿مِّدْرَارًا﴾: يَتَبَع بعضُه بعضاً)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (١٢٦٣/٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن / ابن عبَّاس، به. ٦٦٧/٨ قوله: (﴿وَقَارًا﴾: عَظَمة)) وَصَلَه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم من طريق مسلم البَطِين عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس في قوله: ﴿مَا لَكُمْلَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ قال: ما تَعرِفونَ لله حََّ عَظَمَته. ١ - باب ﴿وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣] ٤٩٢٠ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ مُرَيج، وقال عطاءٌ: عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: صارَتِ الأوثانُ التي كانت في قومِ نوحٍ في العَربِ بَعْدُ، أمَّا وَدٌّ فكانت الكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ، وأمَّا سُوَاعٌ فكانت لِهُذَيلٍ، وأمَّا يَغُوثُ فكانت لمُرادٍ، ثمَّ لِبَني (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: عبيدة. وهذا الأثر في ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد ص٢٩٦. (٢) ومن هذه الطريق أخرجه أيضاً سعيد بن منصور في التفسير من (سنته)) (٤٨٦). (٣) أي: ليس بها أحد، وانظر ((الاشتقاق)) لابن دريد ١/ ٥٥٢. ٤٦٢ سورة نوح/ ح ٤٩٢٠ فتح الباري بشرح البخاري غُطَيفٍ بالجُرُفِ، وأمَّا يَعُوقُ فكانت لِهَمْدَانَ، وأمَّا نَسْرٌ فكانت لحِمْيَرَ، لآلِ ذي الكَلَاعِ، ونَسْرٌ، أسماءُ رجالٍ صالِحِينَ من قوم نوح، فلمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطانُ إلى قومِهِم: أنِ انصِبُوا إلى تجالسِهمِ التي كانوا يَجلِسونَ أنصاباً، وسَمُّوها بأسمائهم، ففَعَلوا، فلم تُعبَدْ حتَّى إذا هَلَكَ أولئكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ. قوله: ((باب ﴿وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾)) سَقَطَت هذه التَّرجمة لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((أخبَرَنا هشامٌ)) هو ابن يوسف الصَّنعانيّ. قوله: ((ابن جُرَيج وقال عطاء)) كذا فيه وهو معطوف على كلام محذوفٍ، وقد بيَّه الفاكِهِيُّ من وجهٍ آخَر عن ابن جُرَيج قال في قوله تعالى: ﴿وَذَّا وَلَا سُوَاعًا ﴾ الآية، قال: أوثانٌ كان قوم نوح يَعبُدونَهم، وقال عطاء: كان ابن عبّاس ... إلى آخره. قوله: ((عن ابن عبّاس)) قيل: هذا مُنقَطِع، لأنَّ عطاءً المذكور: هو الخُراسانيّ، ولم يَلقَ ابنَ عبَّاس، فقد أخرج عبد الرَّزّاق هذا الحديث في «تفسيره)) (٣٢٠/٢) عن ابن جُرَيج فقال: أخبرني عطاء الخُراسانيّ عن ابن عبَّاس. وقال أبو مسعود: ثَبَتَ هذا الحديث في ((تفسير ابن جُرَيج)) عن عطاء الخُراسانيّ عن ابن عبّاس، وابنُ جُرَيج لم يَسمَع التَّفسير من عطاء الخُراسانيّ، وإنَّما أخَذَه من ابنه عثمان بن عطاء، فنَظَرَ فیه. وذكر صالح بن أحمد بن حَنبَل في ((العِلَل)) عن عليّ بن المَدِينيّ قال: سألت يحيى القَطّان عن حديث ابن جُرَيج عن عطاء الخُراسانيّ، فقال: ضعيف، فقلت: إنَّه يقول: أخبرنا، قال: لا شيءَ، إِنَّما هو كتاب دَفَعَه إلیه، انتھی. وكان ابن جُرَيج يَستَجيز إطلاق ((أخبرنا)) في المناولة والمكاتَبة. وقال الإسماعيليّ: أُخبرت عن عليّ بن المَدِينِيّ أنَّه ذكر عن ((تفسير ابن جُرَيج)) كلاماً معناه أنَّه كان يقول: عن عطاء الخُراسانيّ عن ابن عبّاس، فطالَ على الوَرّاق أن يَكتُب الْخُراسانيّ في كلِّ حديث فَتَرَكَه، فرواه مَن روى على أنَّه عطاء بن أبي رباح، انتهى. ٤٦٣ سورة نوح/ ح ٤٩٢٠ كتاب التفسير وأشارَ بهذا إلى القِصّة التي ذكرها صالح بن أحمد عن عليّ بن المَدِينِيّ، ونَبَّهَ عليها أبو عليٍّ الجَيّانيُّ في ((تقييد المهمَل))، قال ابن المَدِينيّ: سمعت هشام بن يوسف يقول: قال لي ابن جُرَيج: سألت عطاءً عن التَّفسير من البقرة وآلٍ عِمران، ثمَّ قال: اعِفِني من هذا، قال: قال هشام: فكان بعدُ إذا قال: قال عطاء عن ابن عبّاس، قال: عطاء اُراسانيّ، قال هشام: فَكَتَبنا ثمَّ مَلِلْنا؛ يعني: كتبنا الْخُراسانيَّ. قال ابن المَدِينِيّ: وإِنَّا بَّنْتُ هذا لأنَّ محمَّد ابن ثَوْر كان يجعلُها - يعني في روايته عن ابن جُرَيج - عن عطاء عن ابن عبّاس، فيُظَنّ أنَّه عطاء بن أبي رباح. ·وقد أخرج الفاكِهيّ الحديث المذكور من طريق محمَّد بن ثور عن ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس، ولم يَقُل: الخُراسانيّ. وأخرجه عبد الرَّزّاق كما تقدَّم فقال: الخُراسانيّ. وهذا مَّا استُعظِمَ على البخاريّ أن يَخْفَى عليه، لكن الذي قوي عندي أنَّ هذا الحديث بخُصوصِه عند ابن جُرَيج عن عطاء الخُراسانيّ وعن عطاء بن أبي رباح جميعاً، ولا يَلزَم من امتناع عطاء بن أبي رباح من التَّحديث بالتَّفسير، أن لا يُحدِّث بهذا الحديث في باب آخَر / من الأبواب أو في المذاكرة، وإلّا فكيف يَخْفَى على البخاريّ ذلك معَ تَشَدُّده في شرط ٦٦٨/٨ الاتّصال واعتماده غالباً في العِلَل على عليّ بن المَدِينيّ شيخِه، وهو الذي نَبَّهَ على هذه القِصّة، وممّا يُؤيِّد ذلك أنَّه لم يُكثِرِ من تخريج هذه النُّسخة، وإنَّما ذَكَر بهذا الإسناد موضعَينِ: هذا، وآخر في النِّكاح(١)، ولو كان خَفِيَ عليه لاستَكثَرَ من إخراجها، لأنَّ ظاهرها أنَّها على شرطه. قوله: ((صارَتِ الأوثان التي كانت في قوم نُوح في العرب بَعدُ)) في رواية عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة: كانت آلهة يَعبدُها قوم نوح، ثمَّ عَبَدَتها العرب بعدُ. (١) الذي في النكاح برقم (٥٠٦٧)، وآخر في الطلاق برقم (٥٢٨٦) و(٥٢٨٧). ٤٦٤ سورة نوح/ ح ٤٩٢٠ فتح الباري بشرح البخاري وقال أبو عُبيدة: وزَعَموا أنَّهم كانوا مَجَوساً، وأنَّهَا غَرِقَت في الطُّوفان، فلمَّا نَضَبَ الماء عنها أخرجها إبليس، فبئَّها في الأرض، انتهى. وقوله: ((كانوا مجوساً)) غَلَطٌ، فإنَّ المجوسيَّة نِحْلة(١) حَدَثَت بعد ذلك بدَهرِ طويل، وإن كان الفُرس يَدَّعونَ خِلاف ذلك. وذكر السُّهَيلِيُّ في ((التَّعريف)) أنَّ يَغُوث: هو ابن شيث بن آدم فيما قيلَ، وكذلك سُوَاع وما بعدَه، وكانوا يَتَبِرَّكونَ بدعائهم، فكلّما(٢) ماتَ منهم أحد مَثَّلوا صورته وتَسَّحوا بها إلى زمن مَهلائيل، فعَبَدوها بتدريج الشَّيطان لهم، ثمَّ صارت سُنّةً في العرب في الجاهليَّة، ولا أدري من أين سَرَت لهم تلك الأسماء، من قِبَل الهند، فقد قيل: إنَّهم كانوا المبدَأ في عبادة الأصنام بعد نوح، أم الشَّيطان أهم العربَ ذلك؟ انتهى. وما ذُكِرَ مَمَّا نَقَلَه تَلَقّاه من ((تفسير بَقِيّ بن ◌َلَد))، فإنَّه ذكر فيه نحو ذلك على ما نَبَّهَ عليه ابن عَسكَر في ((ذيله))، وفيه أنَّ تلك الأسماء وَقَعَت إلى الهند، فسَمَّوا بها أصنامَهم، ثمَّ أدخَلَها إلى أرض العرب عَمْرو بن لُخَيّ. وعن عُرْوة بن الزُّبَيرِ: أنَّهم كانوا أولاد آدم لصُلْبه، وكان وَذُّ أكبَرَهم وأُبَرَّهم به. وهكذا أخرجه عمر بن شَبّة في ((كتاب مكَّة)) من طريق محمَّد بن كعب القُرَظيّ قال: كان لآدم خمس بنينَ فسَمّهم، قال: وكانوا عُبّاداً، فماتَ رجل منهم فحَزِنوا عليه، فجاء الشَّيطان فصَوَّرَه لهم، ثمَّ مات الآخَر(٣) ... إلى آخر القِصّة، وفيها: فعَبَدوها حتَّى بَعَثَ الله نوحاً، ومن طريق أُخرى: أنَّ الذي صَوَّرَه لهم رجل من ولد قابيل بن آدَم. وقد أخرج الفاكِهِيّ من طريق ابن الكَلْبِيّ قال: كان لعَمِرِو بن رَبيعة رَئيٌّ من الجِنّ، فأتاه فقال: أجِبْ أبا ثُمامة، وادخُل بلا مَلَامة، ثمَّ ائتِ سِيفَ جُدّة، تَجِدْ بها أصناماً مُعَدّة، (١) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّف في (س) إلى: كلمة. (٢) تحرَّف في (س) إلى: فلما. (٣) كذا في (ع)، وتحرَّف في (أ) و(س) إلى: ثم قال للآخر. ٤٦٥ سورة نوح/ ح ٤٩٢٠ كتاب التفسير ثُمَّ أورِدْها تِهامة ولا تَهَبْ، ثمَّ ادعُ العرب إلى عبادتها تُجَبْ. قال: فأتى عَمْرٌو ساحلَ جُدّة فَوَجَدَ بها وَدّاً وسُوَاعاً وَيَغُوث ويَعُوقَ ونَسْراً، وهي الأصنام التي عُبِدَت على عَهْد نوح وإدريس. ثمَّ إِنَّ الطُّوفان طَرَحَها هناك فسَفَى عليها الرَّمل، فاستَثَارَها عَمْرٌو وخرج بها إلى تهامةَ، وحَضَرَ الموسِم فدَعَا إلى عبادتها فأُجيبَ. وعَمْرو بن ربيعة: هو عَمْرو بن لُحَيّ، كما تقدَّم. قوله: ((أمَّا وَدٌّ فكانت لكَلْبِ بُدُومَة الجَنْدَل)) قال ابن إسحاق: وكان لكلب بن وَبَرةً من قُضاعة. قلت: وَبَرةُ: هو ابن تَغْلِب بن عمران بن الحاف بن قُضاعة، ودُومة بضمِّ الدَّال، والجَندَل بفتح الجيم وسكون النُّون: مدينة من الشّام ممّا يَلي العراق، ووَدٌّ قرأَها الجمهور ﴿وَدَّا ﴾(١) بفتح الواو، وقرأها نافع وحده بضمِّها. قوله: ((وأمَّا سُوَاعٍ، فكانت لهُذَيل)) زاد أبو عبيدة: ابن مُدرِكة بن الياس بن مُضَر، وكانوا بقُرْب مكَّة. وقال ابن إسحاق: كان سُوَاع بمكانٍ لهم يقال له: رُهَاط، بضمِّ الرَّاء وتخفيف الهاء، من أرض الحجاز من جهة الساحل. قوله: ((وأمَّا يَغُوث، فكانت لمُرادٍ ثمَّ لبني غُطَيف)) في مُرسَل قَتَادة: فكانت لبني غُطَيف بن مُراد. وهو غُطَيف بن عبد الله بن ناجية بن مُراد. وروى الفاكِهِيّ من طريق ابن إسحاق قال: كانت أنعُمُ من طَيِِّ، وجُرَشُ بن مَذحِج اَّخذوا يَغُوثَ لُرَش. قوله: «بالجُرُفِ» في رواية أبي ذرِّ عن غیر الكُشْمِیھنيِّ بفتح الحاء وسكون الواو، وله عن الكُشْمِيهنيِّ: الْجُرُف بضمِّ الجيم والرَّاء، وعن المُستَمْلي بضمِّ الجيمِ والواو(٢)، (١) قوله: ((قرأها الجمهور ﴿وَدَّا﴾)) من (ع) وحدها. (٢) قوله: ((وعن المستملي بضم الجيم والواو)) من (ع)، وسقط من (أ) و(س). قلنا: ورواية الأكثرين: (بالجوف)»، قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٦٣/١٩: بفتح الجيم وسكون الواو وبالفاء: وهو المطمئنُّ من الأرض، وقيل: هو وادٍ باليمن. ٤٦٦ سورة نوح / ح ٤٩٢٠ فتح الباري بشرح البخاري وكذا في مُرسَل قَتَادة، وللنَّسَفيّ: بالجَوْنِ، بجیمِ ثمَّ واو ثمَّ نون، زاد غير أبي ذرٍّ: عند سبأ. ٦٦٩/٨ قوله: ((وأمَّا يَعُوق،/ فكانت لِهَمْدانَ)) قال أبو عبيدة: لهذا الحيّ من هَمْدانَ ولمُرادِ بن مذحِج. وروى الفاكِهِيّ من طريق ابن إسحاق قال: كانت خَيْوان بطنٌ مِن هَمْدَانَ امَّخذوا يَعُوقَ بأرضهم. قوله: ((وأمَّا نَسْرٌ، فكانت لِحِمْيَر لآلِ ذي الكَلَاع)» في مُرسَل قَتَادة: لذي الكَلَاعِ من حِمِيَرَ. زاد الفاكِهِيّ من طريق أبي إسحاق: التَّخذوه بأرضِ هِمَرَ. قوله: ((ونَسْرٌ: أسماء قوم صالحينَ من قوم نوح)) كذا لهم، وسَقَطَ لفظ: ((ونَسرٌ)) لغير أبي ذرِّ وهو أَولى، وزَّعَمَ بعض الشُّرَاحِ أنَّ قوله: ((ونَسْر)) غَلَطْ، وكذا قرأت بخَطِّ الصَّدَفيّ في هامش نُسخَته، ثمَّ قال هذا الشّارح: والصَّواب: وهيَ. قلت: ووَقَعَ في رواية محمَّد بن ثَوْر بعد قوله: ((وأمَّا نَسْرٌ، فكانت لآلِ ذي الكَلَاع): قال: ويقال: هذه أسماء قوم صالحينَ؛ وهذا أوجَهُ الكلام وصوابُه. وقال بعض الشُّراح: مُحصَّل ما قيل في هذه الأصنام قولان، أحدهما: أنَّها كانت في قوم نوح. والثّاني: أنَّها كانت أسماءَ رجال صالحين ... إلى آخر القِصّة. قلت: بل مَرجِع ذلك إلى قول واحد، وقِصّة الصالحينَ كانت مُبتَدَأَ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثمَّ تَبعَهم من بعدهم على ذلك. قوله: ((فلم تُعبَد حتَّى إذا هَلَكَ أولئكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ)) كذا لهم، ولأبي ذرِّ والكُشْمِيهنيّ: ونُسِخَ العلم؛ أي: عِلْم تلك الصُّوَر بخُصوصِها. وأخرج الفاكِهِيّ من طريق عُبيد الله بن عُبيد بن عُمَير قال: أوَّلُ ما حَدَثَت الأصنامُ على عهد نوح، وكانت الأبناء تَبَرُّ الآباء، فماتَ رجل منهم فجَزِعَ عليه، فجَعَلَ لا يَصبر ٤٦٧ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ كتاب التفسير عنه، فاَّخَذَ مِثالاً على صورته، فكلّما اشتاقَ إليه نَظَرَه، ثمَّ ماتَ ففُعِلَ به كما فَعَل، حتَّى تَتَابَعوا على ذلك فماتَ الآباء، فقال الأبناء: ما اتَّخَذَ آبَاؤُنا هذه إلّا أنَّها كانت آلِهَتَهم، فعَبَدوها. وحَكَى الواقديّ قال: كان وَدِّ على صورة رجل، وسُوَاع على صورة امرأة، ويَغُوثُ على صورة أسَد، ويَعُوقُ على صورة فرس، ونَسْرٌ على صورة طائر، وهذا شاذٍّ، والمشهور أنَّهم كانوا على صورة البشر، وهو مُقتَضَى ما تقدَّم من الآثار في سبب عِبادتها، والله أعلم. وچی أو قَلـ ٧٢ - سورة قال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿لِبَدًا﴾ [١٩]: أعواناً. ﴿يَخْسًا﴾ [١٣]: نَقْصاً. ١ - بابٌ : ٤٩٢١ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ حُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: انطَلَقَ رسولُ اللهِ وَّر في طائفةٍ من أصحابه عامِدِينَ إلى سوقِ عُكاظٍ، وقد حِيلَ بينَ الشَّياطينِ وبينَ خَرِ السماءِ، وأُرسِلَت عليهمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بينَنا وبينَ خَيَرِ السماءِ، وأُرسِلَت علينا الشُّهُبُ، قال: ما حالَ بينكم وبينَ خَبَرِ السماءِ إلا ما حَدَثَ، فاضْرِبوا مَشارِقَ الأرضِ ومَغارِبَها، فانظُرُوا ما هذا الأمرُ الذي حَدَثَ؟ فانطَلَقوا فضَرَبوا مَشارقَ الأرضِ ومَغاربَها، يَنظُرُونَ ما هذا الأمرُ الذي حالَ بينَهم وبينَ خَبَرِ السماءِ، قال: فانطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهوا نحوَ تِهامةَ إلى رسولِ الله وَلَهَ بِنَخْلَةَ، وهو عامِدٌ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وهو يُصَلّي بأصحابه صلاةَ الفَجْرِ، فلمَّا سَمِعوا القرآنَ تَسَمَّعوا له، فقالوا:/ هذا ٦٧٠/٨ الذي حالَ بينكم وبينَ خَرِ السماءِ، فَهُنالكَ رَجَعُوا إلى قَومِهم، فقالوا: يا قَومَنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا ٤٦٨ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ فتح الباري بشرح البخاري قُرْءَانًا عَجَبً ا يَهْدِى إِلَى الرُّسْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِنَآ أَحَدًا﴾ وأنزَلَ الله عزَّ وجلَّ على نبيِّه ◌َلّ. ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِ﴾، وإنَّما أُوحِيَ إليه قولُ الجِنِّ. قوله: ((سورة ﴿قُلْ أُوحِىَ﴾)) كذا لهم. ويقال لها: سورة الجِنّ. قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿لِبَدًا﴾: أَعْواناً) هو عند التِّرمِذيّ (٣٣٢٣) في آخر حديث ابن عبَّاس المذكور في هذا الباب، ووَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس هكذا. وقراءة الجمهور بكسر اللّام وفتح الباء، وهشام وحدَه بضمِّ اللّام وفتح الموخَّدة. فالأُولى: جمع ◌ِيْدة بكسر ثمَّ سكون، نحو: قِرْبة وقِرَب، واللَّيْدَة واللَّبَد: الشَّيء الملبَّد، أي: المتراكِب بعضُه على بعض، وبه سُمّيَ اللُّبْد المعروف(١)، والمعنى: كادت الجِنّ يكونون عليه جماعات مُتَرَاكِية(٢) مُزْدَحِمِينَ عليه كاللِّبدة. وأمَّا التي بضمِّ اللّام فهي جمع لُبْدة، بضمٌّ ثمَّ سُكون، مِثل: غُرْفة وغُرَف، والمعنى: أنَّهم كانوا جمعاً كثيراً، كقوله تعالى: ﴿مَا لَا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] أي: كثيراً. ورُوِيَ عن أبي عَمْرو أيضاً بضمَّتَينٍ، فقيل: هي جمع لَبُود، مِثل: صُبُرُ وصَبُور، وهو بناءُ مُبالَغةٍ. وقرأ ابن مُحَيَصِن: بضمٌّ ثمَّ سكون، فكأنَّها مُخُفَّفة من التي قبلَها. وقرأ الجَحدَريُّ: بضمّةٍ ثمَّ فتحة مُشدَّدة جمع لابِدٍ، كسُجَّدٍ وساجِدٍ، وهذه القراءات كلَّها راجعة إلى معنّی واحدٍ، وهو أنَّ الجِنّ تَزَاحَموا على النبيّ وَِّ لمَّا استَمَعوا القرآن، وهو المعتمَد. وروى عبد الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: لمَّا قامَ رسول الله ◌َ ﴾ تَلَبَّدَت الإنس والجِنّ، وحَرَصوا على أن يُطِفِئوا هذا النّور الذي أَنزَلَه الله تعالى. وهو في اللَّفظ واضح في القراءة (١) وهو نوع من البُسُط. انظر ((اللسان)) مادة (لبد). (٢) كذا في (س)، ووقع في الأصلين: متراكمة، وكلاهما صحيح في هذا السياق، وإن كان وقع في ((اللسان)» وغيره مادة (لبد): ومعنى ((لبدا): يركب بعضهم بعضاً. (٣) في «تفسيره)) ٣٢٣/٢. ٤٦٩ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ كتاب التفسير المشهورة، لكنَّه في المعنى مخالف. قوله: (﴿َخْسًا﴾: نَقْصاً)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وتقدَّم في بَدْء الخلق(١). قوله: ((عن أبي بِشْر)) هو جعفر بن أبي وَحْشيَّة. قوله: ((انطَلَقَ رسول الله وَلِ)) كذا اختَصرَه البخاريُّ هنا وفي صفة الصلاة (٧٧٣)، وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) عن الطبرانيِّ عن معاذ بن المثنَّى عن مُسدَّد شيخ البخاريّ فيه، فزاد في أوَّله: ما قرأ رسول الله وَله على الجِنّ ولا رآهم، انطَلَقَ ... إلى آخره، وهكذا أخرجه مسلم (٤٤٩) عن شَيْبانَ بن فَرُّوخ عن أبي عَوَانة بالسَّنَدِ الذي أخرجه به البخاريّ، فكأنَّ البخاريّ حَذَفَ هذه اللَّفظة عمداً؛ لأنَّ ابن مسعود أثبَتَ أنَّ النبيَّ وَّه قرأ على الجِنّ، فكان ذلك مُقدَّماً على نَفْي ابن عبّاس. وقد أشارَ إلى ذلك مسلم فأخرج عَقِب حديث ابن عبّاس هذا حديثَ ابن مسعود عن النبيّ وَّ قال: ((أتاني داعي الجِنِّ، فانطَلَقت معه فقرأتُ عليه القرآن))(٢)، ويُمكِن الجمع بالتعدُّد كما سيأتي. قوله: ((في طائفة من أصحابه)) تقدَّم في أوائل المبعَث في ((باب ذِكْر الجِنّ)) (٣٨٥٩): أنَّ ابنَ إسحاق وابنَ سعد ذَكَرا أنَّ ذلك كان ذي القَعْدة سنةَ عشر من المبعَث، لمَّ خرج النبيَّ ◌َّ إلى الطائف ثمَّ رَجَعَ منها، ويُؤيِّده قوله في هذا الحديث: ((إنَّ الجِنّ رأَوه يُصَلّي بأصحابه صلاةَ الفجر))، والصلاة المفروضة إنَّما شُرِعَت ليلةَ الإسراء، والإسراءُ كان على الرَّاجِح قبلَ الهجرة بسنتين أو ثلاث، فتكون القِصّة بعد الإسراء، لكنَّه مُشكِلٌ من جهة أُخرى سيأتي بَيَاتُها، نَعَم في قوله: ((في طائفة من أصحابه)) نَظَرّ(٣)، لأنَّ مُحصَّل ما في ((الصَّحيح)) كما تقدَّم في بَدْء الخلق(٤) وما ذكره ابن إسحاق أنَّه ◌َّ لمَّا خرج إلى الطائف لم يكن معه من (١) بين يدي الحديث رقم (٣٢٩٦). (٢) الحديث في ((صحيح مسلم)) برقم (٤٥٠)، ولفظه في المطبوع: ((أتاني داعي الجنِّ، فأتيتُهم فقرأت عليهم)). (٣) قوله: ((سيأتي بيانها، نعم في قوله: في طائفة من أصحابه، نظر)) من (ع)، وسقط من (أ) و(س). (٤) بين يدي الحديث رقم (٣٢٩٦). ٤٧٠ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ فتح الباري بشرح البخاري أصحابه إلّا زيد بن حارثة، وهُنا قال: إنَّه انطَلَقَ في طائفة من أصحابه، فلعلَّها كانت وُجهةً أُخرى. ويُمكِن الجمع بأنَّه لمَّا رَجَعَ لاقاهُ بعضُ أصحابه في أثناء الطَّريق فرافَقُوه. قوله: ((عامِدينَ)) أي: قاصِدينَ. قوله: ((إلى سُوق عُكَاظ)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف الكاف، وآخره ظاء مُعجَمة، بالصَّرفِ ٦٧١/٨ وعَدَمه، قال اللَّحيانيّ: الصَّرْف لأهلِ الحِجاز/ وعَدَمُه لغة تَميم، وهو مَوسِمٌ معروفٌ للعرب، بل كان من أعظَم مَواسمِهم، وهو نخل في وادٍ بين مكَّة والطائف، وهو إلى الطائف أقرَب، بينهما عشرة أميال، وهو وراء قَرْن المنازِل بمَر حَلةٍ من طريق صنعاء اليمن. وقال البكريّ: أوَّل ما أُحدِثَت قبلَ الفيل بخمسَ عشرةَ سنةً، ولم تَزَل سُوقاً إلى سنة تسع وعشرينَ ومئة، فخرج الخوارج الحَروريَّة فانتَهَبُوها فتُرِكَت إلى الآن، كانوا يُقيمونَ به جميع شوّال يَتَبايعونَ ويَتَفَاخَرونَ، وتُنشِد الشُّعَراءِ ما تَجدَّدَ لهم، وقد كَثُرَ ذلك في أشعارهم کقول حسّان: سأنشُرُ إن حَبِيتُ لكم كَلاماً يُنشَرُ في المَجامِع من عُكَاظِ وكان المكان الذي يَجْتَمِعونَ به منه يقال له: الابتداء، وكانت هناك صخور يَطُوفونَ حولها، ثمَّ يأتونَ مَجَنَّةَ(١) فيُقيمونَ بها عشرينَ ليلة من ذي القَعْدة، ثمَّ يأتونَ ذا المَجَاز، وهو خلف عَرَفة فيُقيمونَ به إلى وقت الحجّ، وقد تقدَّم في كتاب الحجّ شيءٌ من هذا (١٧٧٠). وقال ابن التِّين: سوق عكاظ من إضافة الشَّيء إلى نفسِه، كذا قال، وعلى ما تقدَّم من أنَّ السُّوق كانت تُقام بمكانٍ من عكاظ يقال له: الابتداء لا يكون كذلك. قوله: ((وقد حِيلَ)) بكسر الحاء المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة بعدها لام، أي: حُجِزَ ومُنِعَ، على البناء للمجهول. (١) قال ابن الأثير في ((النهاية)) مادة (مجن): مَجَنَّة: موضعٌ بأسفل مكَّة على أميال، وكان يقام بها للعرب سوق. وبعضهم يكسر ميمها، والفتح أكثر. ٤٧١ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ كتاب التفسير قوله: ((بين الشَّياطين وبين خَيَّرِ السماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهُب)) بضمَّتَينِ جمع شِهاب، وظاهرُ هذا أنَّ الْحَيلُولة وإرسال الشُّهُب وقع في هذا الزَّمان المقدَّم ذِكْرُه، والذي تَضافَرَت به الأخبار أنَّ ذلك وَقَعَ لهم من أوَّل البِعْثة النبويَّة، وهذا مَّا يُؤَيِّد تَغايُر زمنِ القِصَّتَينِ، وأنَّ تَجَيءَ الجِنّ لاستماع القرآن كان قبلَ خُروجِه ◌َّةٍ إلى الطائف بسنتَينِ، ولا يُعكّر على ذلك إلّا قوله في هذا الخبر: إنَّهم رأَوه يُصَلّي بأصحابه صلاة الفجر، لأنَّه يحتمل أن يكونَ ذلك قبلَ فرض الصَّلَوات ليلةَ الإسراء، فإنَّه ◌َيهِ كان قبلَ الإسراء يُصَلّي قطعاً، وكذلك أصحابه. لكن اختُلِفَ هل افتُرِضَ قبل الخَمْسِ شيءٌ من الصلاة أم لا؟ فيَصِحّ على هذا قولُ مَن قال: إنَّ الفَرض أوَّلاً كان صلاةً قبل طلوع الشمس وصلاةً قبلَ غُروبها، والحُجّة فيه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبَّلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ونحوها من الآيات، فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزّمان، لا لكَوْنِها إحدى الخَمْس المفتَرَضة ليلة الإسراء، فتكونُ قِصّة الجِنّ مُتَقَدِّمة من أوَّل المبعَث. وهذا الموضع ممَّا لم يُنبِّه عليه أحد مَّن وقَفت على كلامهم في شرح هذا الحديث. وقد أخرج التِّرمِذيّ (٣٣٢٤) والطَّبَرِيُّ (٣٦/٢٣) حديث الباب بسياقٍ سالمٍ منَ الإشكال الذي ذكرتُه من طريق أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن سعيد بن جُبَير عن ابنِ عبَّاس قال: كانت الجِنّ تَصعَد إلى السماء الدُّنيا يَستَمِعونَ الوحيَ، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها أضعافاً، فالكلمة تكونُ حَقّاً، وأمَّا ما زادوا فيكون باطِلاً، فلمَّا بُعِثَ النبيُّ وَّهِ مُنِعوا مقاعدَهم، ولم تكنِ النُّجوم يُرمَی بها قبلَ ذلك. وأخرجه الطََّرِيُّ أيضاً (٣٨/٢٣) وابنُ مَرْدويه وغيرهما من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير مُطوَّلاً، وأوَّله: كان للجِنِّ مقاعدُ في السماء يَسْتَمِعونَ الوحي، الحديث ... فبينما هم كذلك إذ بُعِثَ النبيُّ لَّهَ، فدُحِرَت الشَّياطين من السماء، ورُمُوا بالكَواكِب، فجَعَلَ لا يَصعَدُ أحدٌ منهم إلّا احتَرَقَ، وفَزِعَ أهل الأرض لِمَا رَأَوْا من ٤٧٢ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ فتح الباري بشرح البخاري الكَواكِب ولم تكن قبلَ ذلك، فقالوا: هَلكَ أهل السماء، وكان أهل الطائف أوَّلَ مَن تَفَطَّنَ لذلك، فعَمَدوا إلى أموالهم فسَيَّبوها وإلى عَبيدهم فعَتقوها، فقال لهم رجل: وَيلَكُم لا تُهلِكوا أموالكُم، فإنَّ مَعالِمَكُم من الكَواكِب التي تَهتَدُونَ بها لم يَسقُط منها شيء، فأقلَعُوا، وقال إبليس: حَدَثَ في الأرض حَدَثٌ، فأتى من كلّ أرضٍ بتُربةٍ فشَمَّها، فقال لتُربة تِهامة: هاهُنا حَدَثَ الْحَدَث، فصَرَفَ إليه نَفَراً من الجِنّ، فهم الذينَ استَمَعوا القرآن. ٦٧٢/٨ وعند أبي داود في ((كتاب المبعَث))(١)/ من طريق الشَّعْبِيّ: أنَّ الذي قال لأهلِ الطائف ما قال هو عبدُ يالِيلَ بن عَمْرو، وكان قد عَمِيَ، فقال لهم: لا تَعجَلوا وانظُرُوا، فإن كانت النُّجوم التي يُرمَى بها هي التي تُعرَف، فهو عند فَناءِ الناس، وإن كانت لا تُعرَف فهو من حَدَثٍ، فَنَظَروا فإذا هي نجوم لا تُعرَف، فلم يَلْبَثوا أن سَمِعوا بمَبعَثِ النبيِّ وَّ. وقد أخرجه الطَّبَرَيُّ من طريق السُّدِّيِّ مُطوَّلاً، وذكر ابنُ إسحاق(٢) نحوَه مُطوَّلاً بغير إسناد في ((مختصر ابن هشام))، زاد في رواية يونس بن بُکَیر فساقَ سندَه بذلك عن يعقوب ابن عُتبة بن المغيرة بن الأخنَس، أنَّه حدَّثه عن عبد الله بن عبد الله، أنَّه حدَّثه أنَّ رجلاً من ثَقيف يقال له: عَمْرو بن أُميَّة كان من أدهَى العرب، وكان أوَّل مَن فَزِعَ لمَّا رُمَيَ بالنُّجومِ من الناس، فذكر نحوه. وأخرجه ابنُ سعد(٣) من وجهٍ آخر عن يعقوب بن عُتبة قال: أوَّل العرب فَزِعَ مِن رَمْي النُّجوم ثَقيف، فأَتوا عَمْرو بن أُميَّة. وذكر الزُّبَير بن بَكّار في ((النَّسَب)) نحوَه بغير سياقِه، ونَسَبَ القول المنسوبَ لعبد يالِيلَ لعُتبةَ بن ربيعه، فلعلَّھما تَوارَدا على ذلك. فهذه الأخبار تَدُلّ على أنَّ القِصّة وَقَعَت أوَّلَ البِعْئة وهو المعتمَد. (١) وهو عند البيهقي في ((الدلائل)) ٢٤١/٢. (٢) كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٥٣٨/٢. (٣) في ((الطبقات الكبرى)) ١٦٣/١. ٤٧٣ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ كتاب التفسير وقد استَشكَلَ عياض وتَبعَه القُرطُبِيُّ والنَّوَويُّ وغيرهما من حديث الباب موضعاً آخر ولم يَتعرَّضوا لمَا ذکرتُه. فقال عياض: ظاهرُ الحديث أنَّ الرَّميَ بالشُّهُب لم يكن قبلَ مَبعَث النبيِّ وَّ لإنكار الشَّياطين له وطَلَبِهِم سَبَبه، ولهذا كانت الكِهانة فاشيةً في العرب ومَرجوعاً إليها في حُكمهم، حتَّى قُطِعَ سَبُبها بأنْ حِيلَ بين الشَّياطين وبين استراق السَّمع، كما قال تعالى في هذه السّورة: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٥) وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعَّ فَمَن يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَا رَّصَدًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وقد جاءت أشعار العرب باستغراب رَمْيها وإنکارِه، إذ لم يَعْهَدوه قبلَ المبعَث، وكان ذلك أحد دلائل نُبوَّته وَلِّ. ويُؤيِّده ما ذُكِرَ في الحديث من إنكار الشَّياطين. قال: وقال بعضُهم: لم تَزَل الشُّهُب يُرمَى بها مُذ كانت الدُّنيا، واحتَجُّوا بما جاء في أشعار العرب من ذلك. قال: وهذا مَرويّ عن ابنِ عبَّاس والزُّهْريّ، ورَفع فيه ابنُ عبَّاس حديثاً عن النبيِّ وَّة. وقال الزُّهْريُّ لمن اعتَرَضَ عليه بقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلَنَ يَجِدْ لَّهُ, شِهَبَا رَّصَدًا﴾، قال: غُلِّظَ أمرُها وشُدِّدَ، انتهى. وهذا الحديث الذي أشارَ إليه أخرجه مسلم (٢٢٢٩) من طريق الزُّهْريِّ عن عُبيد الله عن ابنِ عبَّاس عن رجال من الأنصار قالوا: كنَّا عند النبيّ ◌َّ إذ رُمَيَ بنَجمٍ فاستَنَارَ، فقال: ((ما كنتُم تقولون لهذا إذا رُمِيَ به في الجاهليَّة؟)) الحديث. وأخرجه عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر قال: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عن النُّجومِ: أكان يُرمَى بها في الجاهليّة؟ قال: نعم، ولكنَّه إذ جاء الإسلام غُلِّظَ وشُدِّدَ. وهذا جمعٌ حَسَنٌ. ويُحتمل أن يكونَ المراد بقوله ◌َّهِ: ((إذا رُمِيَ بها في الجاهليَّة)) أي: جاهليّة المخاطَبِينَ، (١) في ((تفسيره)) ٢/ ٣٢٢. ٤٧٤ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ فتح الباري بشرح البخاري ولا يَلْزَم أن يكونَ ذلك قبل المبعَث، فإنَّ المخاطَب بذلك الأنصارُ، وكانوا قبلَ إسلامهم في جاهليَّة، فإنَّهم لم يُسلموا إلّا بعد المبعَث بثلاثَ عشرةَ سنةً. وقال السُّهَيلِيُّ: لم يزل القَذف بالُّجومِ قديماً، وهو موجود في أشعار قُدَماء الجاهليّة كأوْسٍ بن حُجْرٍ وبِشْر بن أبي خازم وغيرهما. وقال القُرطُبيّ: يُجمَع بأنَّها لم تكن يُرمَى بها قبلَ المبعَث رَمياً يَقطَع الشَّياطين عن استِراق السَّمع، ولكن كانت تُرمَى تارةً، ولا تُرمَى أُخرى، وتُرمَی من جانبٍ، ولا تُرِمَی من جميع الجوانب، ولعلَّ الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْكُلِّ جَانِبٍ ، دُخُورًا﴾ [الصافات:٨-٩]، انتھی. ثمَّ وجدتُ عن وَهْب بن مُنبِّه ما يَرفَع الإشكالَ ويَجمَع بين مُخْتَلَف الأخبار، قال: كان إبليس يَصعَد إلى السَّماوات كلِّهنَّ يَتَقَلَّب فيهِنَّ كيف شاءَ، لا يُمنَعِ مُنذُ أُخرِجَ آدمُ إلى أن رُفِعَ عيسى، فحُجِبَ حينئذٍ من أربع سماوات، فلمَّا بُعِثَ نبيُّنا حُجِبَ من الثلاث، فصار يَستَرِقِ السَّمع هو وجنودُه ويُقْذَفونَ بالكواكب. ويُؤيِّده ما روى الطََّرُّ (١٠٣/٢٩) من طريق العَوْفيّ عن ابنِ عبَّاس قال: لم تكن ٦٧٣/٨ السماء / ◌ُحرَس في الفترة بَين عيسى ومحمَّد، فلمَّا بُعِثَ محمَّد ◌َلِّ حُرِسَت حَرَساً شديداً ورُجِمَت الشَّياطين، فأنكروا ذلك. ومن طريق السُّدِّيِّ قال: إنَّ السماء لم تكن تُحَرَس إلّا أن يكونَ في الأرض نبيّ أو دين ظاهرٌ، وكانت الشَّياطين قد اتَّخَذَت مقاعدَ يسمعون فيها ما تَحَدُث، فلمَّا بُعِثَ محمَّد مَّهِرُجِموا. وقال الزَّين بن المنيِّر: ظاهرُ الخبر أنَّ الشُّهُب لم تكن يُرمَى بها، وليس كذلك، لمَا دَلَّ عليه حديثُ مسلمٍ. وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ آلْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَا رَّصَدًا﴾، فمعناه أنَّ الشُّهُب كانت نُرمَی بها، فتُصيب تارةً ولا تُصيب أُخرى، وبعدَ البِعْثة أصابتهم إصابةً مُستَمِرّةً، فوَصَفوها لذلك بالرَّصَد، لأنَّ الذي يَرصُد الشَّيء لا يُخْطِئِه، فيكون المتجدِّد دَوَامُ الإصابة لا أصلُها. ٤٧٥ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ كتاب التفسير وأمَّا قول السُّهَيليّ: لولا أنَّ الشِّهاب قد يُخْطِئِ الشَّيطانَ، لم يَتعرَّض له مرَّةً أُخرى، فجوابُه: أنَّه يجوز أن يقعَ التَّعرُّض معَ تَحقَّق الإصابة، لرَجاءِ اختطاف الكلمة وإلقائها قبلَ إصابة الشِّهاب، ثمَّ لا يُبالي المختَطِفُ بالإصابة لمَا طُبعَ عليه من الشّ كما تقدَّم. وأخرج العُقَيلِيُّ وابنُ مَندَهْ وغيرُهما، وذكرَه أبو عمر(١) بغير سندٍ من طريق لَهَب - بفتحَتَينٍ، ويقال بالتَّصغير - بن مالك اللَّيثيِّ قال: ذُكرت عند النبيِّ ◌َّ الكِهانة فقلت: نحنُ أوَّلُ مَن عَرَفَ حِراسة السماء ورَجْمَ الشَّياطين ومَنْعَهم من استِراق السَّمع عند قَذْف النُّجوم، وذلك أنّا اجتَمَعنا عند كاهنٍ لنا يقال له: خَطَر بن مالك - وكان شيخاً كبيراً قد أتت عليه مِئتا سنةٍ وثمانونَ سنةً(٢) - فقلنا: يا خَطَر، هل عندك عِلمٌ من هذه النُّجوم التي يُرمَى بها، فإنّا فَزِعنا منها وخِفْنا سُوء عاقبتها؟ الحديث، وفيه: فانقَضَّ نجم عظيم من السماء، فصَرَخَ الكاهن رافعاً صوتَه: أصابَهُ أصابَهُ خامَرَه عذابُهُ الأبيات أحرَقَه شِهابُهُ وفي الخبر: أنَّه قال أيضاً: قد مُنِعَ السمعَ عُتاءُ الجانِّ بثاقبٍ بِكَفِّ(٣) ذي سُلطانِ من أجْلِ مبعوثٍ عظيمٍ الشّانِ وفيه: أنَّه قال: أَرَى لقومي ما أرَى لِنَفْسي أن يَتَّبِعوا خَيرَ نبيِّ الإنسِ (١) في ((الاستيعاب)) له في ترجمة لهيب بن مالك اللهبي، وذكره السهيلي في ((الروض الأنف)) ٣٦٠/١، وعزاه للعقيلي في ((كتاب الصحابة))، وقال عنه الحافظ في ((الإصابة)) ١٨٩/٥ نقلاً عن ابن منده: رواه عبد الله بن محمد العدوي بإسناد لا يثبت. (٢) كذا في الأصلين كما في مصادر التخريج، ووقع في (س): مئتان وستة وثمانون سنة. (٣) كذا في الأصلين وفي المصادر، وتحرَّف في (س) إلى: يُتلف. ٤٧٦ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ فتح الباري بشرح البخاري الحديثَ بطوله. قال أبو عمر: سندُه ضعيفٌ جدّاً، ولولا فيه حِكَمٌ لمَا ذكرتُه، لكَوْنِهِ عَلَماً من أعلام التُّبوّة والأُصول. فإن قيل: إذا كان الرَّمي بها غُلِّظَ وشُدِّدَ بسبب نزول الوحي، فهَلّا انقَطعَ بانقطاع الوحي بموتِ النبيِّي وَّةِ، ونحنُ نُشاهدها الآن يُرمَى بها؟ فالجواب يُؤخَذ من حديث الزّهْريِّ المتقدِّم، ففيه عند مسلم (٢٢٢٩) قالوا: كنَّا نقول: وُلِدَ اللَّيلة رجل عظيم وماتَ رجل عظيم، فقال رسول الله وَ له: «فإنَّها لا تُرمَى لموتٍ أَحد ولا لحياته، ولكن رَبُّنا إذا قَضَى أمراً أَخبر أهلُ السَّماوات بعضُهم بعضاً، حتَّى يَبلُغَ الخبرُ السماءَ الدُّنيا، فَيَخْطَف الجِنّ السَّمعَ فَيَقْذِفونَ به إلى أوليائهم))(١). فيُؤخَذ من ذلك أنَّ سبب التَّغليظ والحِفظ لم يَنقَطِعِ لمَا يَتَجَدَّد من الحوادث التي تُلقَى بأمره إلى الملائكة، فإنَّ الشَّياطين معَ شِدّة التَّغليظ عليهم في ذلك بعد المبعَث، لم يَنقَطِعِ طَمَعُهم في استراق السَّمع في زمن النبيِّ وََّ، فكيف بما بعدَه! وقد قال عمر لِغَيْلان بن سَلَمَةَ لمَّ طَلَّقَ نساءَه: إنّي أحسَبُ أنَّ الشَّياطين فيما تَستَرِق مِن(٢) السَّمع، سَمِعَت بأنَّك ستموتُ، فألقَت إليك ذلك؛ الحديثَ، أخرجه عبد الرَّزّاق(٣) وغیرُه. فهذا ظاهرٌ في أنَّ استراقَهم السَّمعَ استَمَرَّ بعد النبيِّي ◌ََّ، فكانوا يَقْصِدونَ استماع الشَّيء مَمَّا تَحَدُث، فلا يَصِلونَ إلى ذلك إلّ إنِ اختَطَفَ أحدُهم بخِفّة حَرَكَته خَطفةً، فيَتَبَعه الشِّهاب، فإن أصابه قبلَ أن يُلقيَها لأصحابه مات(٤) وإلّا سمعوها وتَداوَلوها، وهذا يَرُدّ (١) لم يقع عند مسلم بهذا اللفظ، وإنما بلفظ: (( ... إذا قضى أمراً سبَّح حَمَلَةُ العرشِ، ثم سبَّح أهلُ السماء الذين يَلُونهم حتى يبلغ التَّسبيحُ أهلَ هذه السماء الدُّنيا، ثم قال الذين يَلُون ◌َمَلَةَ العرش لحَمَلةِ العرشِ: ماذا قال ربُّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. قال: فيستخبر بعضُ أهل السماوات بعضاً حتى يبلغ الخبرُ هذه السماء فتخطَف الجنُّ السمعَ فيَقَذِفون إلى أوليائهم ... )) إلى آخره. (٢) قوله: ((مِن)) سقط من (س). (٣) في ((مصنفه)) برقم (١٢٢١٦)، وأخرجه أحمد في ((المسند)) (٤١٥٦)، وأبو يعلى في («مسنده)) (٥٤٣٧)، ومن طريقه ابن حبان في «صحيحه)) (٤١٥٦)، وهو حديث صحيح. (٤) كذا في (ع)، وفي (أ): فمات، وتحرَّف في (س) إلى: فاتت. ٤٧٧ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ كتاب التفسير سـ ٦٧٤/٨ على قول السُّهَيليّ المقدَّم/ ذِكرُه. قوله: ((قال: ما حالَ بينكم وبين خَبَر السماء إلّا ما حَدثَ)» الذي قال لهم ذلك هو إبليس كما تقدَّم في رواية أبي إسحاق المتقدِّمة قريباً(١). قوله: ((فاضْرِبوا مَشارِقَ الأرض ومَغارِبَها)) أي: سِيروا فيها كلِّها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وفي رواية سعيد(٢) بن جُبَير عن ابن عبّاس عند أحمد (٢٤٨٢ و٢٩٧٧): فشَكَوْا ذلك إلى إبليسَ [فقال: ما هذا إلّا من أمرٍ قد حَدَثَ](٣)، فبَثَّ جنودَه، فإذا هم بالنبِّ وَ يُصَلّ بَرَحبةٍ في نَخْلَة. قوله: «فانطَلَقَ الذينَ تَوَجَّهوا)) قيل: كان هؤلاءِ المذكورونَ من الجِنّ علی دین اليهود، ولهذا قالوا: ((أُنزِلَ من بعدٍ موسی)). وأخرج ابن مَرْدويه من طريق عمر بن قيس عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: أنَّهم كانوا تسعةً(٤). ومن طريق النَّضر بن عربيّ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: كانوا سبعةً(٥) من أهل نَصِيبين. وعند ابن أبي حاتم من طريق مجاهد نحوُه، لكن قال: كانوا أربعة من نَصِيبين وثلاثة من حَرّان، وهم: حساونسا وشاصِر وماضِر والأدرس ووَرْدان والأَحقَب. (١) وهي عند الترمذي (٣٣٢٤)، والطبري في «تفسيره)) ٣٦/٢٣. (٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: نافع، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لما في ((مسندَي)) أحمد وأبي يعلى (٢٥٠٢). (٣) ما بين المعقوفين لم يرد في الأصلين و(س)، واستدركناه من ((المسند))، وقوله في آخره: ((برحبة في نخلة)) ليس في المطبوع من ((المسند))، وإنما الذي فيه: ((يصلي بين جَبَلَي نخلة)) في الموضعين المشار إليهما، وهو كذلك عند أبي يعلى في «مسنده» (٢٥٠٢). (٤) كذا في (س)، ووقع في الأصلين: ((سبعة))، وهو خطأ، وسيأتي الحافظ على ذكر رواية عمر بن قيس مرةً أُخرى وفيها التصريح بأنهم كانوا تسعة. (٥) كذا في (س): ((سبعة))، وسقط ذكر رواية النضر بن عربي من الأصلين، وهذه الرواية أخرجها ابن جرير الطبري في («تفسيره)» ٣٠/٢٦-٣١ وفيه أنهم كانوا سبعة، وهي عند الطبراني في ((الكبير)) (١١٦٦٠) وفيه أنهم كانوا تسعة، ومثل ذلك وقع في ((المجمع)) للهيثمي ٧ / ١٠٦. ٤٧٨ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ فتح الباري بشرح البخاري ونَقَلَ السُّهَيلِيُّ في ((التَّعريف)) أنَّ ابن دُرَيد ذكر منهم خمسة: شاصر وماضر ومنشی وناشي والأحقَب. قال: وذَكَر يحيى بن سَلّم وغيرُه قِصّة عَمْرو بن جابر وقِصّة سُرَّق وقِصّة زَوبعة قال: فإن كانوا سبعة، فالأحقَبُ لَقَبُ أحدهم لا اسمُه. واستَدرَكَ عليه ابن عَسكَر ما تقدَّم عن مجاهد قال: فإذا ضُمَّ إليهم عَمْرو وزَوْبعة وسُرَّق وكان الأحقب لَقَباً كانوا تسعة. قلت: هو مُطابق لرواية عمر بن قيس المذكورة. وقد روى ابن مَرْدويه أيضاً من طريق الحَكَم بن أبان عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصِل، فقال النبيّ وَّهِ لابنِ مسعود: ((انظُرْني حتَّى آتيك))، وخَطَّ عليه خَطّاً، الحديثَ. والجمع بين الرِّوايتَينِ تعدُّد القِصّة، فإنَّ الذينَ جاؤوا أوَّلاً كان سببَ مَجَيئِهم ما ذُكِرَ في الحديث من إرسال الشُّهُب، وسبب مجيء الذينَ في قِصّة ابن مسعود أنَّهم جاؤوا لقصدِ الإسلام وسماع القرآن والسُّؤال عن أحكام الدّين، وقد بيَّت ذلك في أوائل المبعَث في الكلام على حديث أبي هريرة (٣٨٦٠)، وهو من أقوى الأدلّة على تعدُّد القِصّة، فإنَّ أبا هريرة إنَّما أسلَمَ بعد الهجرة، والقِصّة الأولى كانت عَقِبَ المبعَث، ولعلَّ مَن ذُكِرَ في القِصَص المفرَّقة كانوا مَمَّن وَفَدَ بعدُ، لأنَّه ليس في كلّ قِصّة منها إلّا أنَّه كان مَمَّن وَفَدَ، وقد ثَبَتَ تعدُّد وُفودِهم، وتقدَّم في بَدْء الخلق (١) كثير ممّا يَتَعلَّق بأحكام الجِنّ، والله المستعان. قوله: ((نحو ◌ِهامة)) بكسر المثنّاة: اسمٌ لكلِّ ما كان(٢) غيرَ عالٍ من بلاد الحجاز، سُمّيَت بذلك لشِدّة حَرِّها، اشتِقاقاً من التَّهَم بفتحَتَينِ: وهو شِدّة الحرِّ وسكون الرّيح. وقيل: من تَهِمَ الشَّيءُ: إذا تَغيَّرَ، قيل لها ذلك لتَغْيُرِ هوائها. قال البكريّ: حَدُّها من جهة الشَّرق: ذات عِرْق، ومن قِبَل الحجاز: السَّرْج، بفتح المهمَلة وسكون الرَّاء بعدها جيم: قرية من عَمَل الفُرْع، بينها وبين المدينة اثنان وسبعونَ ميلاً. (١) بین یدي الحديث رقم (٣٢٩٦). (٢) كذا في الأصلین، وفي (س): مكان. ٤٧٩ سورة الجن/ ح ٤٩٢١ كتاب التفسير قوله: ((إلى رسول الله وَلّ)) في رواية أبي إسحاق: فانطَلَقوا، فإذا رسول الله وَل. قوله: ((وهو عامِدٌ)) كذا هنا، وتقدَّم في صفة الصلاة (٤٩٢١) بلفظ: ((عامِدِينَ))، ونُصِبَ على الحال من فِعْل النبيِّ وَ ﴿ ومَن كان معه، أو ذُكِرَ بلفظ الجمع تعظيماً له، وهو أظهَر لمناسَبة الرِّواية التي هنا. قوله: ((بنَخْلةَ)) بفتح النُّون وسكون المعجَمة: موضع بين مكَّة والطائف. قال البكريّ: على ليلة من مكَّة، وهي التي يُنسَب إليها بطن نَخْلَةَ(١). ووَقَعَ في رواية مسلم (٤٤٩): (بنَخْلِ)) بلا هاء والصَّواب إثباتها. قوله: (يُصَلّ بأصحابه صلاةَ الفَجْر)) لم يُخْتَلَف على ابن عبّاس في ذلك. ووقع في رواية عبد الرَّزّاق(٢) عن ابن عُيَينةَ عن عَمْرو بن دينار قال: قال الزُّبَير - أو ابن الزُّبَير -: كان ذلك بنخلةَ والنبيُّ وَّ يقرأ في العِشاء. وأخرجه ابن أبي شَيْبة(٣) عن ابن عُيَينةَ عن عَمْرو عن عِكْرمة قال: قال الزُّبَيرِ، فَذَكَره، وزادَ: فقرأ ﴿كَادُواْ يَكُنُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. وكذا أخرجه ابن أبي حاتم، وهذا مُنْقَطِعٍ، والأوَّل أصحّ. قوله: ((تَسَمَّعوا له)) أي: قَصَدوا لسماع القرآن وأصغَوا إليه. قوله: ((فُهُنالكَ)) هو ظرف مكانٍ،/ والعامل فيه: قالوا، وفي رواية: فقالوا، والعامل ٦٧٥/٨ فیه: رَجَعوا. قوله: ((رَجَعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومَنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا﴾)) قال الماوَرْديُّ: ظاهر هذا أنَّهم آمنوا عِند سماع القرآن، قال: والإيمان يقع بأحدِ أمرَينِ: إمّا بأن يعلم حقيقة الإعجاز وشُروط المعجزة فيقع له العلم بصِدقِ الرَّسول، أو يكون عنده عِلمٌ من الكتب الأولى فيها (١) كذا في الأصلين على الصواب، ووقع في (س): ((نخل))، وانظر ((معجم ما استعجم)) للبكري ١٣٠٤/١، فصل النون والخاء. (٢) في «تفسیرہ)) ٢/ ٣٢٣. (٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه))، وهو عند أحمد في ((المسند)) برقم (١٤٣٥). ٤٨٠ سورة المزمل فتح الباري بشرح البخاري دلائل على أنَّه النبيُّ المبشَر به، وكِلا الأمرَينِ في الجِنّ مُحْتَمَل، والله أعلم. قوله: ((وأنزَلَ الله عزَّ وجلَّ على نبيِّهِ وَِّ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ اُلْجِنِّ﴾)» زاد التِّرمِذيّ (٣٣٢٣): قال ابن عبّاس: وقول الجِنّ لقومِهم: لمَّا قامَ عبدُ الله يَدعوه كادوا يكونونَ عليه لِبَداً، قال: لمَّا رأوه يُصَلّي وأصحابُه يُصَلّونَ بصلاته، يَسجُدونَ بِسُجوده، قال: فعَجِبُوا من طَواعِيَة أصحابه له، قالوا لقومِهم ذلك. قوله: ((وإنَّما أوحيَ إليه قولُ الجِنّ)) هذا كلام ابن عبّاس، كأنَّه تَقرَّرَ فيه ما ذهب إليه أوَّلاً أَنَّهِ وَلَه لم يَجِتَمِع بهم، وإنَّما أوحَى الله إليه بأنَهم استَمَعوا، ومِثلُه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]. ولكن لا يَلزَم من عَدَم ذِكْر اجتماعه بهم حين استَمَعوا، أن لا يكون اجتَمَعَ بهم بعدَ ذلك کما تقدّم تقریرُه. وفي الحديث: إثبات وُجود الشَّياطين والجِنّ، وأنَّما لمُسَمَّى واحدٍ، وإنَّما صارا صِنفَينِ باعتبار الكفر والإيمان، فلا يقال لمن آمَنَ منهم: إنَّه شيطان. وفيه: أنَّ الصلاة في الجماعة شُرِعَت قبل الهجرة. وفيه: مشروعيَّتها في السَّفَر، والجَهر بالقراءة في صلاة الصُّبح. وأنَّ الاعتبار بما قَضَى الله للعبد من حُسن الخاتمة لا بما يظهر منه من الشّ ولو بَلَغَ ما بَلَغَ، لأنَّ هؤلاءِ الذينَ بادَروا إلى الإيمان بمُجرَّدِ استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشرِّ ما اختارَهم للتوَجُّه إلى الجهة التي ظَهرَ له أنَّ الحَدَث الحادثَ من جِهَتها، ومع ذلك فغَلَبَ عليهم ما قَضَى لهم من السَّعادة بحُسنِ الخاتمة، ونحوُ ذلك قِصّةُ سَحَرة فِرعَون، وسيأتي مَزيد لذلك في كتاب القَدَر (٦٦٠٦) إن شاء الله تعالى. ٧٣ - سورة المزَّمِّل والمُدَثِّر وقال مجاهدٌ: ﴿وَتَبَتَّلْ﴾ [٨]: أَخلِصْ. وقال الحسنُّ: ﴿أَنْكَالًا﴾ [١٢]: قُيُوداً.