النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة التحريم/ ح ٤٩١٥
كتاب التفسير
غیرُه الآية.
قوله: ((فيه عائشةٌ عن النبيِّ ◌َّ) يشير إلى حديثها المذكورِ قبلُ ببابٍ.
قوله: ((حدَّثنا عليٌّ) هو ابن المَدِينيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينَةَ، ويحيى: هو ابن سعيد
الأنصاريّ. وذكر طَرَفاً من الحديث الذي في الباب قبلَه.
٤- بابٌ
﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ [التحريم: ٤]
صَغَوْتُ وأَصغَيتُ: مِلْتُ، ﴿لِتَصْغَى﴾ [الأنعام: ١١٣]: لِتَمِيلَ.
﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ
ظَهِيرٌ﴾ [٤]: عَوْنٌ. تَظاهَرونَ: تَعاوَنونَ.
وقال مجاهدٌ: ﴿قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [٦]: أَوْصُوا أَنفُسَكم وأهلِيكم بتَقْوَى الله وأدِّبوهم.
٤٩١٥- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سمعتُ عُبيدَ بنَ
◌ُنَينٍ، يقول: سمعتُ ابنَ عبّاسٍ، يقول: أردتُ أن أسألَ عمرَ عن المرأتينِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا على
رسولِ اللهِ وَّهِ، فَمَكَثْتُ سَنةً، فلم أجِدْ له موضِعاً، حتَّى خَرَجْتُ معه حاجّاً، فلمَّا كنَّا بِظَهْرانَ
ذهب عمرُ لِحاجَتِهِ، فقال: أدْرِكُني بالوَضوءِ، فأدْرَ كْتُهُ بالإدَاوَةِ، فجَعَلْتُ أسكُبُ له، ورأيتُ
مَوضِعاً، فقلتُ: يا أمِيرَ المؤمنينَ، مَنِ المرأتانِ اللَّتانِ تَظاهَرَنا؟ قال ابنُ عبّاسٍ: فما أنْتَمْتُ كلامي
حتَّى قال: عائشةُ وحفصةٌ.
قوله: ((باب ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾)) صَغَوتُ وأَصغَيْتُ: مِلْتُ. لِتَصِغَى:
لِتَميلَ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وهو قول أبي عبيدة، قال في قوله: ﴿ وَلِتَصْغَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾: لِتَمِيلَ، من صَغَوت إليه: مِلْت إليه، وأصغَوتُ إليه ◌ِمِثلُه. وقال في
قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، أي: عَدَلَت ومالَت.
قوله: (﴿ وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّاللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَبِّكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ

٤٤٢
سورة التحريم/ ح ٤٩١٥
فتح الباري بشرح البخاري
ظَهِيرٌ﴾: عَوْنٌ)) كذا لهم. واقتَصَرَ أبو ذرٍّ من سياق الآية على قوله: ﴿ظَهِيرٌ﴾: عَون. وهو تفسير
الفَرّاء.
قوله: (﴿تَظَهَرُونَ﴾: تَعاوَنونَ)) كذا لهم. وفي بعض النُّسَخ: تَظاهرا: تَعاوَنا، وهو تفسير
الفَرّاء أيضاً، قال في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾: تَعاوَنا عليه.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أَوْصُوا أهلِيكم بتَقْوَى الله وأدِّبوهم)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ
من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظ: أوصوا أهلِيكم بتَقوَى الله.
وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة: مُروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصيته.
وعند سعید بن منصور عن الحسن، نحوُه.
وروى الحاكم(١) من طريق رِبعيّ بن حِراش عن عليّ في قوله: ﴿قُوَأْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا﴾﴾ قال: عَلِّموا أهليكم خيراً. ورواته ثقاتٌ.
تنبيه: وقع في جميع النُّسَخ التي وقَفت عليها: ((أَوْصُوا)) بفتح الألف وسكون الواو
بعدها صاد مُهمَلة من الإيصاء، وسَقَطَت هذه اللَّفظة للنَّسَفيّ، وذكرها ابن التِّين بلفظ:
((قُوا أهلِيكُم: أَوْقِفُوا أهلِيكُم)). ونَسَبَ عياض هذه الرّواية هكذا للقابسيِّ وابن السَّكَن،
قال: وعند الأَصِيلِيِّ: أوْصُوا أَنفُسَكم وأهلِيكُم، انتهى.
قال ابن التِّين: قال القابِسيّ: صوابه: ((أوْفِقُوا))، قال: ونحوَ ذلك ذكر النَّحّاس، ولا
٦٦٠/٨ أعرِفُ للألفِ من ((أو))/ ولا للفاءِ من قوله: ((فِقُوا)) وجهاً، قال ابن الِّين: ولعلَّ المعنى:
أوقِفوا، بتقديم القاف على الفاء، أي: أوقِفوهم عن المعصية، قال: لكن الصَّواب على هذا
حذف الألف لأنَّه ثُلاثيّ من وَقَفَ.
قال: ويحتمل أن يكون: أو فَقُوا؛ يعني بفتح الفاء وضمّ القاف: لا تَعصُوا فَيَعصُوا،
مِثل: لا تَزنِ فِيَزنٍ أهلُك، وتكون ((أو)) على هذا للتَّخيير، والمعنى: إمّا أن تأمُرُوا أهليكم
بالتَّقْوَى، أو فاتَّقوا أنتم فيَتَّقوا هم تَبَعاً لكم، انتهى.
(١) في ((المستدرك)) ٢/ ٤٩٤، ولفظه: علِّموا أنفسكم وأهليكم الخير.

٤٤٣
سورة الملكـ / ح ٤٩١٦
كتاب التفسير
وكلُّ هذه التكلُّفات نَشَأت عن تحريف الكلمة، وإنَّما هي: ((أَوصُوا)) بالصّادِ، والله
المستعان.
ثم ذكر المصنِّف في الباب أيضاً طرفاً من حديث ابن عبّاس عن عمر أيضاً في قِصّة
المتظاهرتَينِ، وسيأتي شرحه (٥١٩١).
٥- بابٌ
﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ(١) أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]
٤٩١٦- حدَّثنا عَمْرو بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا هُشَيٌ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ هُ:
اجْتَمَعَ نساءُ النبيِّ وََّ في الغَيْرةِ عليه، فقلتُ له: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًاً
مِنْكُنَّ﴾، فَنَزْلَت هذه الآيةُ.
قوله: ((باب ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ الآية)) ذكر فيه طَرَفاً من
حديث أنسٍ عن عمرَ في موافَقاته، واقتَصَر منه على قِصّة الغَيرة، وقد تقدَّم بهذا الإسناد في
أوائل الصلاة تامّاً (٤٠٢)، وذَكَرنا كلَّ موافقة منها في بابها، وسيأتي ما يَتَعلَّق بالغيرة في
كتاب النكاح (٥٢٢٨) إن شاء الله تعالى.
٦٧ - سورة ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾
التَّقاوُتُ: الاختِلافُ، والتَّاوُتُ والتَّفَوُّتُ واحدٌ.
﴿ تَمَّزُ﴾ [٨]: تَقَطَّعُ.
﴿مَنَاكِهَا﴾ [١٥]: جَوانِها.
﴿تَدَّعُونَ﴾ [٢٧] وتَدْعُون واحدٌ، مِثلُ: تَذَّكَّرونَ، وتَذْكُرُونَ.
(١) كذا وقع في النسخة اليونينية بفتح الباء وتشديد الدال من: بدَّل يُبدِّل، وليس فيها حكاية خلاف أو فرق
بين رواة ((الصحيح)) فيها، وبها قرأ نافع وأبو عمرو، وقرأ الباقون (يُبْدِلَه)) بالتخفيف، من: أبدَلَ يُبْدل.
انظر ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٦٤٠.

٤٤٤
سورة الملكـ
فتح الباري بشرح البخاري
٦٦١/٨
يُقال: ﴿غَوْرًا﴾: غائراً، يُقال: لا تَنالُهُ الدِّلاءُ،/ كلُّ شيءُ غُرْتَ فيه فهي مَغَارةٌ، ماءٌ غَوْرٌ
وبئرٌ غَوْرٌ، بمنزلة الزَّوْر، وهؤلاءِ زَوْرٌ، وهؤلاءٍ ضَيفٌ، ومعناه: أضيافٌ وزُوَّارٌ، لأنَّهَا مَصْدَرٌ،
مِثلُ: قومٌ عَدْلٌ، وقومُ رِضاً ومَقْنَعٌ.
﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [١٩]: يَضْرِبنَ بأجْنِحَتِهِنَّ.
وقال مجاهدٌ: ((صافّاتٍ)) [١٩]: بَسْطُ أجْنِحَتِهِنَّ.
﴿وَنُفُورٍ﴾ [٢١]: الكُفُور.
قوله: ((سورة ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلُْ﴾)) سَقَطَت البسملة للجميعِ.
قوله: ((التَّاوُتِ: الاختِلافُ، والتَّقاوُت والتَّفَوُّت واحدٌ)) هو قول الفَرّاء قال: وهو مِثل:
تَعَهَّدْتُه وتَعاهَدْتُه.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق إبراهيم عن عَلْقمة أنَّه كان يقرأ: ((من تَفَوُّتٍ))(١)،
وقال الفَرّاء: هي قراءة ابن مسعود وأصحابه. والتَّفاوت: الاختلافُ، يقول: هل تَرَى في
خَلق الرَّحمنِ من اختلاف؟
وقال ابن التِّين: قيل: مُتَفَاوِتٌ، فليس مُتبايناً، وتَفَوَّتَ: فاتَ بعضُه بعضاً.
قوله: (﴿تَمَيِّزُ﴾: تَقَطَّع)) هو قول الفَرّاء قال في قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيِّزُ مِنَ الْغَيْظِ ﴾، أي:
تَقَطَّع عليهم غَيظاً.
قوله: (﴿مَنَاكِهَا﴾: جَوانِها)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا﴾، أي:
جَوانبها، وكذا قال الفَرّاء.
قوله: (﴿تَذَّعُونَ﴾ وتَدْعُونَ واحدٌ، مِثْل: تَذَّكَّرُون وتَذْكُرُونَ)) هو قول الفَرّاء، قال في
قوله: ﴿الَّذِى كُمْ بِهِ، تَذَّعُونَ﴾ يريد: تَدْعُونَ بالتَّخفيفِ، وهو مِثْلِ تَذَّكَّرُونَ وتَذْكُرُونَ، قال:
والمعنى واحد، وأشارَ إلى أنَّه لم يُقرأ بالتَّخفيفِ.
وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿الَّذِى كُتُ بِهِ، تَّدَّعُونَ﴾، أي: تَدَّعونَ به وتُكذِّبونَ.
(١) وبها قرأ حمزة والكسائي، وقرأ الباقون ﴿مِن تَفَوْتٍ﴾ بالألف. انظر ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٦٤٤.

٤٤٥
سورة الملكـ
كتاب التفسير
قوله: ((يقال: ﴿غَوْرًا﴾: غائراً، يقال: لا تَنالُهُ الدِّلاءُ، كلّ شيء غُرْتَ فيه فهي مَغَارَة، ماءٌ
غَوْرٌ وبِئْرٌ غَوْرٌ، ومياهٌ غَوْرٌ(١) بمَنزِلةِ الزَّوْر، وهؤلاءِ زَوْرٌ، وهؤلاءٍ ضَيفٌ، ومَعْناه: أضْياف
وزُوّار، لأنَّهَا مَصْدَر، مِثْل: قومٌ عَدْلٌ(٢)، وقومُ رِضاً ومَقْنَعٌ(٣)) ثبت هذا عند النَّسَفيّ هنا،
وكذا رأيتُه في ((المستَخرَجِ)) لأبي نُعَيم، ووَقَعَ أكثرُه للباقينَ في كتاب الأدب(٤)، وهو كلام
الفَرّاء من قوله: ((ماءٌ غَوْر)) إلى: ومَقْنَع، لكن قال بَدَل: بئر غَوْر: ماءٌ غَوْر، وزادَ: ولا
يجمعونَ غَوْر ولا يُثَنّونَه؛ والباقي سواء، وأمَّا أوَّل الكلام فهو من [كلام أبي عبيدة](٥).
وأخرج الفاكِهِيّ (٦) عن ابن أبي عمرَ عن سفيان عن ابن الكَلْبيّ قال: نزلت هذه الآية
﴿قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] في بئر زَمزَم وبئر ميمون بن الحَضرَميّ، وكانت
جاهليّة، قال الفاكِهِيّ: وكانت آبار مكَّة تَغُور ◌ِراعاً.
قوله: (﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: يَضْرِبْنَ بأجْنِحَتِهِنَّ) كذا لغير أبي ذرِّ هنا. ووَصَلَه الفِرْیابيّ، وقد
تقدَّم في بَدْء الخلق(٧).
(١) كذا وقع لفظه في الأصلين و(س)، والذي في المطبوع من ((معاني القرآن)) للفراء: وماءان غَوْر، ولا يُنُّون
ولا يجمعون، ولا يقولون: ماءان غَوْران، ولا مياهٌ أغوار ...
(٢) أي: ذَوُو عَدْل، فاختزلوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه. انظر ((المخصص)) لابن سيده ٤٥/١،
و(تهذيب اللغة)» للأزهري في باب الضاد والنون ١٢ /٤٧.
(٣) في ((اللسان)) مادة (قنع): يقال: فلان مَقْنَعٌ، أي: رِضاً يُقْنَع به، لا يُثنّى ولا يجمع، لأنه مصدر. وقال ابن
الأثير في ((النهاية)) مادة (قنع): ومَن ثنّى وجمع نظر إلى الاسمية.
(٤) بين يدي الحديث رقم (٦١٣٥).
(٥) ما بين المعقوفين سقط هنا من الأصلين و(س)، وقد استدركناه من كلام الحافظ نفسه الآتي في الأدب
قبل الحديث (٦١٣٥)، فقد ذكر أنَّ هذا التفسير وقع لأكثر الرواة في الموضع المذكور، وسيعزوه هناك
لأبي عبيدة، وفي المطبوع من ((مجاز القرآن)) بعضه إلّا قوله: ((لا تناله الدِّلاء)) فهو كلام سعيد بن جبير فيما
أخرجه عنه ابن جرير الطبري في «تفسيره)) ١٣/٢٩.
(٦) في ((أخبار مكة)) (٢٤٤١)، وفي المطبوع منه: عن الكلبي، بدل: ابن الكلبي. ودون قول الفاكهي في
آخره: وكانت آبار مكة تغور سراعاً.
(٧) بين يدي الحديث رقم (٣٢٩٧).

٤٤٦
سورة القلم
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿صَّفَّتٍ﴾: بَسْطُ أجْنِحَتهنَّ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ هنا، ووَصَلَه الفِرْیابيّ،
وقد تقدَّم في بَدْء الخَلْق أيضاً(١).
قوله: ((﴿وَنُفُورٍ﴾: الكُفور)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ والطَّبَرِيُّ (٩/٢٣) من طريق ابن أبي
نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿بَل لَّجُّواْ فِ عُنُوٍ وَنُفُورٍ﴾ قال: كُفور.
وذكر عياض أنَّه وَقَعَ عند الأَصِيلِيِّ: وتَفُورُ (٢): تَفُور كِقِدْرٍ؛ أي: بفتح المثنّة تفسيرُ
قوله: ﴿سَمِعُوْ لَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧]، قال: وهي أوجَهُ من الأوَّل. وقال في موضع
آخَر: هذا أَولى، وما عَدَاه تصحيف، فإنَّ تفسير نُفور بالنّونِ بكُفورٍ بعيدٌ.
قلت: استَبعَدَه من جهة أنَّه معنّى، فلا يُفسَّر بالذّات، لكن لا مانعَ من ذلك على إرادة
المعنى. وحاصلُه أنَّ الذي يَلِجُ في عُنُوِّه ونُفورِه هو الكَفُور.
٦٨ - سورة ﴿تَ وَاُلْقَلَمِ﴾
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وقال قَتَادةُ: حَرْدٌ [٢٥]: جِدٌّ في أنْفُسِهم.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿يَنَخَفَنُونَ﴾ [٢٣]: يَتَتَجُونَ السِّرارَ والكلامَ الخَّفِيَّ.
﴿إِنَّ لَصَالُّونَ﴾ [٢٦]: أَضْلَلْنا مكانَ جَنَِّنا.
وقال غيرُه: ﴿كَالصَّرِ﴾ [٢٠]: كالصُّبْح انصَرَمَ مِن اللَّيْلِ، واللَّيْلِ انصَرَمَ مِن النَّهار،
وهو أيضاً كلُّ رَمْلةٍ انصَرَمَت من مُعْظَمِ الزَّمْلِ. والصَّرِيمُ أيضاً المَصْرومُ، مِثلُ: قَتِيلِ
ومقتولٍ.
﴿تُدْهِنُ فَيِّدْ هِنُونَ﴾ [٩]: تُرخِّص فيُرُخِّصُونَ.
﴿مَكْظُومٌ﴾ [٤٨] وكَظِيمٌ: مَغْمُومٌ.
(١) بين يدي الحديث رقم (٣٢٩٧).
(٢) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّف في (س) إلى: ((نُفور)) بالنون، وانظر ((مشارق الأنوار)) للقاضي
عیاض ٣٤٧/١ و٣١٨/٢.

٤٤٧
سورة القلم
كتاب التفسير
قوله: ((سورة ﴿نّ وَاَلْقَلَمِ﴾ - بِسْمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت سورة والبسملة لغير
أبي ذرِّ، والمشهور في ((نّ)) أنَّ حُكمَها حكم أوائل السُّوَر في الحروف المقطَّعةِ، وبه جَزَمَ
الفَرّاء.
وقيل: بل المراد بها الحوثُ، وجاء ذلك في حديث ابن عبّاس أخرجه الطبرانيُّ
(١٢٢٢٧) مرفوعاً قال: «أوَّل ما خَلَقَ الله القَلمَ والحوتَ، قال: اكتُب قال: ما أكتُب؟
قال: كلَّ شيءٍ كائنٍ إلى يوم القيامةِ)) ثمَّ قرأ ﴿تَ وَالْقَلَمِ﴾، فالنُّون: الحُوت، والقَلمُ:
القَلَمُ(١).
قوله: ((وقال قَتَادَةُ: حَرْدٌ: جِدٌّ في أنفُسهم)) هو بكسر الجيم وتشديد الدَّال: الاجتهاد
والمبالَغة في الأمر. قال ابن التِّين: وضُبِطَ في بعض الأُصول بفتح الجيم.
قال عبد الرَّزّاق(٢): عن مَعمَر عن قَتَادة: كانت الجنَّة لشيخ، وكان يُمسِك قُوتَه سنةً
ويَتَصَدَّق بالفَضْل، وكان بَنُوه يَنهَونَه عن الصَّدَقة، فلمَّا ماتَ أبوهم غَدَوا عليها فقالوا: لا
يَدخُلَنَّها اليومَ عليكم مِسْكِينٌ ﴿وَغَدَوْ عَلَى حَرْمٍ قَدِينَ﴾ يقول: على جِدّ من أمرهم، قال مَعمَر:
وقال الحسن: على فاقةٍ.
وأخرج سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن عِكْرمة قال: هم ناسٌ من الحَبَشة كانت
لأبيهم جَنّة، فذكَر نحوَه إلى أن قال: ﴿وَغَدَوْ عَلَى حَرْرٍ قَدِرِينَ﴾ قال: أمرٍ مُجْتَمِعٍ.
وقد قيل في ((حَرْد)): إنَّها اسم الجنَّة، وقيل: اسم قريتهم، وحَكَى أبو عُبيدة فيه أقوالاً
أُخرى: القَصْد والمَنْعِ والغَضَب والحقد.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿يَنَخَفَنُونَ﴾: يَنتَجُون السِّرارَ والكلامَ الخَفيَّ)» ثبت هذا لأبي
ذرٍّ وحدَه هنا، وثَبَتَ للباقينَ/ في كتاب التوحيد(٣).
٦٦٢/٨
(١) في إسناده مؤمّل بن إسماعيل، وهو سيِّئ الحفظ، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٨/٧: ومؤمل ثقة كثير
الخطأ وقد وثقه ابن معين وغيره، وضعَّفه البخاري وغيره، وبقية رجاله ثقات.
(٢) في «تفسيره)) ٣٠٩/٢.
(٣) بين يدي الحديث رقم (٧٥٢٥).

٤٤٨
سورة القلم
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿إِنَّا لَضَلُونَ﴾: أَضْلَلْنا مكانَ جَتَّنا)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من
طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله: ﴿قَالُواْإِنَّالَضَلُونَ﴾: أضلَلنا مكان جَنَّتنا،
وقال عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر عن قَتَادة: أخطأنا الطَّريق، ما هذه جَنَّتُنا.
تنبيه: زَعَمَ بعض الشُّرّاح أنَّ الصَّواب في هذا أن يقال: ضَلَلْنا، بغير ألِف، تقول:
ضَلَلتُ الشَّيءَ: إذا جَعَلتَه في مكان ثمَّ لم تَدرِ أين هو، وأضلَلتُ الشَّيءَ: إذا ضَيَّعتَه،
انتھی.
والذي وَقَعَ في الرّواية صحيح المعنى؛ أي(١): عَمِلْنا عمَلَ مَن ضَيَّعَ، ويحتمل أن يكون
بضمِّ أوَّل: أُضلِلنا.
قوله: ((وقال غيرُه: ﴿كَالصَّرِ﴾: كالصُّبْحِ انصَرَمَ من اللَّيْلِ، واللَّيل انصَرَمَ من النَّهار)) قال
أبو عُبيدة: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَلَصَّرِمٍ﴾: النَّهار انصَرَمَ من اللَّيل، واللَّيل انصَرَمَ من النَّهار. وقال
الفَرّاء: الصَّريم: اللَّيل المسوَدّ.
قوله: ((وهو أيضاً كلّ رَمْلة انصَرَمَت من مُعْظَم الرَّمْل)» هو قول أبي عُبيدة أيضاً قال:
وكذلك الرَّملة تَنصَرِم مِن مُعظَم الرَّمل فيقال: صَرِيمة، وصَرِيمةُ أمرٍك: قَطْعُهُ(٢).
قوله: ((والضَّريم أيضاً المَصْروم، مِثلُ: قَتيلٍ ومقتولٍ)) هو محصَّل ما أخرجه ابن المنذر
من طريق شَيْبانَ عِن قَتَادة في قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَلَصَرِحٍ﴾: كأنّها قد صُرِمَت.
والحاصل: أنَّ الصَّريم مَقُول بالاشتراكِ على مَعانٍ يَرجِع جميعُها إلى انفصال شيءٍ عن
شيء، ويُطلَق أيضاً على الفِعل فيقال: صَريم بمعنى مَصْروم.
تكميل: قال عبد الرَّزّاق(٣): عن مَعمَر، أخبَرَني تَميم بن عبد الرَّحمن أنَّه سمع سعيدَ بن
(١) قوله: ((أي)) من الأصلين، وسقط من (س).
(٢) أي: إحكامه وإبرامُه. والصَّريمة: إحكامُك أمراً وعزمُك عليه. انظر ((اللسان)) مادة (صرم).
(٣) في «تفسيره)) ٣٠٩/٢، وليس عنده قوله في أوَّله: هي يعني الجنة المذكورة. وهو كذلك في ((تفسير الطبري))
٣١/٢٩.

٤٤٩
سورة القلم/ ح ٤٩١٧-٤٩١٨
كتاب التفسير
جُبَير يقول: هي - يعني الجنَّة المذكورة - أرضٌ باليمن يقال لها: ضَرَوَان(١): بينها وبين
صنعاء ستةُ أمیال.
قوله: (﴿تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾: تُرَخِّص فيُخِّصونَ)) كذا للنَّسَفيّ وحدَه هنا وسَقَطْ
للباقين، وقد رأيتُه أيضاً في ((المستَخرَج)) لأبي نُعَيم، وهو قول ابن عبَّاس، أخرجه ابن المنذر
من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه(٢)، ومن طريق عِكْرمة قال: تَكفُر فيَكفُرونَ. وقال الفَرّاء:
المعنى تَلِين فيَلِينونَ، وقال أبو عبيدة: هو من المُداهَنَة.
قوله: (﴿مَكْظُومٌ﴾ وكَظِيمٍ: مَغْموم)) كذا للنَّسَفيّ وحدَه هنا وسَقَط للباقين، ورأيته أيضاً
في (مُستَخرَج أبي نُعَيم))، وهو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾: من الغَمّ،
مثل: كَظِيم. وأخرج ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله:
مكظوم قال: مَغمُوم.
١ - بابٌ
﴿ عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِمٍ﴾ [القلم: ١٣]
٤٩١٧- حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي حَصِینٍ، عن
مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَِّيٍ﴾ قال: رجلٌ من قُرَيشِ، له
زَنَمَةٌ مِثلُ زَنَمةِ الشّاةِ.
٤٩١٨- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن مَعْبَدِ بنِ خالدٍ، قال: سمعتُ حارثةَ بنَ
وَهْبِ الخُزَاعِيَّ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌ََّ يقول: ((ألا أُخبِرُكم بأهلِ الجنَّةِ؟ كلُّ ضَعِيفٍ
مُتَضَعِّفٍ، لو أقسَمَ على الله لَأَبَّه، ألا أُخبرُكم بأهلِ النارِ؟ كلُّ عُثُلُّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)).
[طرفاه في: ٦٠٧١، ٦٦٥٧]
قوله: ((بابٌ ﴿عُتُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾)) اختُلِفَ في الذي نزلت فيه، فقيل: هو الوليد بن
(١) تحرف في (س) إلى: صرفان. قال البكري في ((معجم ما استعجم)) ٨٥٩/٣: وضَرَوَان: بفتح أوله وثانيه
وفتح الواو بعده: هو الموضع الذي كانت فيه نار اليمن التي يعبدونها ويتحاكمون إليها.
(٢) لفظ ((عنه)) سقط من (س).

٤٥٠
سورة القلم/ ح ٤٩١٨
فتح الباري بشرح البخاري
المغيرة، ذَكَره يحيى بن سَلّام في ((تفسيره)). وقيل: الأسوَد بن عبد يَغُوث، ذكره سُنَيد بن داود
في ((تفسيره). وقيل: الأخنَس بن شَريق، وذَكَرِه السُّهَيليُّ عن القُتَسِيّ. وحَكَى هذَينِ القولَينِ
الطَّبَرِيُّ (٢٥/٢٩) فقال: يقال: هو الأخنَس، وزَعم قوم أنَّه الأسوَد وليس به. وأبعَدَ
٦٦٣/٨ مَن / قال: إنَّه عبد الرَّحمن بن الأسوَد، فإنَّه يَصغُر عن ذلك، وقد أسلَمَ وذُكِرَ في الصَّحابة.
قوله: ((حدَّثْنا محمود بن غَيْلان)) في رواية المُستَمْلي: ((محمَّد)) وكأنَّه الذُّهْلِيّ.
قوله: ((حدَّثْنا عُبيد الله بن موسى)) هو من شيوخ البخاريِّ، ورُبَّما حدَّث عنه بواسطةٍ
کالذي هنا.
قوله: ((عن أبي حُصَين عن مجاهد)» لإسرائيلَ فيه طريق أُخرى أخرجها الحاكم (٢/
٤٩٩) من طريق عُبيد الله بن موسى أيضاً، والإسماعيليّ من طريق وكيع، كلاهما عن
إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس، نحوَه.
وأخرجه الطَّبَرِيُّ (٢٦/٢٩) من طريق شَريك(١) عن أبي إسحاق بهذا الإسناد وقال:
الذي يُعرَف بالشرِّ.
قوله: ((رجل من قُرَيش له زَنَمة مِثلُ زَنَمة الشّاة)) زاد أبو نُعَيم في «مُستَخرَجِه)) في آخره:
يُعرَفُ بها. وفي رواية سعيد بن جُبَير المذكورة: يُعرَف بالشرِّ كما تُعرَف الشّاة بزَنَمَتِها.
وللطََّرِيِّ (٢٦/٢٩) من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: نُعِتَ فلمْ يُعرَفْ حتَّى قيل:
زَنیمٌ فِعُرِفَ، وكانت له زَنَمة في عُنُقُه ◌ُعرَف بها.
وقال أبو عبيدة: الزَّنيم: المعلَّق في القوم ليس منهم، قال الشّاعر:
زَنِيمٌ ليس يُعرَف مَن أَبُوه(٢)
(١) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّف في (س) إلى شريق. وشريك: هو ابن عبد الله بن أبي شريك
النخعي، يروي عن أبي إسحاق المذكور: وهو السَّبيعي.
(٢) صدر بيت أورده الأبشيهيُّ صاحب ((المستطرف)) ١ / ٧٥ و١٩١، ولم يعزه لقائل معين، وعجزه:
بغيُّ الأُمُّذُو حَسَب لئيمُ

٤٥١
سورة القلم / ح ٤٩١٨
كتاب التفسير
وقال حسَّان:
وأنتَ زَنيمٌ نِيطَ في آلِ هاشم (١)
قال: ويقال للَّيسِ: زَنیم له زَنَمَتان.
قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّورِيُّ.
قوله: ((عن مَعْبَد بن خالد)) هو الجَدَلُّ بفتح الجيم(٢) والمهمَلة وتخفيف اللّام، كوفيّ
ثقة، ما له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث، وآخر تقدَّم في كتاب الزكاة (١٤١١)، وثالث
يأتي في الطِّبّ (٥٧٣٨)(٣).
قوله: ((ألا أُخبرُكم بأهلِ الجنَّة؟ كلّ ضَعيف مُتَضَعِّف)) بكسر العين وبفتحها، وهو
أضعَف. وفي رواية الإسماعيليّ: ((مُستَضعَف)).
وفي حديث عبد الله بن عَمْرو عند الحاكم (٢/ ٤٩٨): ((الضُّعَفاء المغلوبونَ))(٤)، وله
(٥٩/١-٦٠) من حديث سُرَاقة بن مالك: ((الضُّعَفاء المغلوبون)) (٥).
ولأحمد (٢٣٤٥٧) من حديث حُذَيفة: «الضَّعيف المستَضعَف ذو الطِّمرَينِ، لا يُؤْبَه
له))(٦).
(١) صدر بیت، وعجزه.
كما نِيطَ خَلْفَ الراكبِ القَدَحُ الفَرْدُ
وهو في «دیوانه)) ٧٩/١.
(٢) في (س): ((بضم الجيم)) وهو خطأ.
(٣) وله حديث آخر في الرقاق برقم (٦٥٩١) في ذكر حوض النبيِّ وَّ، وقد فات الحافظ رحمه الله ذكره،
وبهذا يكون لمعبد بن خالد في ((الصحيح)) أربعة أحاديث، وليس ثلاثة كما ذكر.
(٤) وحديث ابن عمرو أخرجه أحمد في ((مسنده)) باللفظ نفسه برقم (١٧٥٨٥).
(٥) كذا وقع في الأصلين و(س)، ولكن الذي في المطبوع من ((المستدرك)) بلفظ: ((المغلوبون الضعفاء))، ولعلَّ
الحافظ هو الذي عناه. والحديث أخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (١٧٥٨٥) بلفظ: ((الضعفاء المغلوبون)).
(٦) وليس عند أحمد قوله: ((لا يؤبه له))، وهو حديث ضعيف، في إسناده محمد بن جابر - وهو ابن سيّار
الحنفي - ضعيف، فضلاً عن انقطاعه بين أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز - وحذيفة ظ

٤٥٢
سورة القلم / ح ٤٩١٨
فتح الباري بشرح البخاري
والمراد بالضَّعيف: مَن نفسُه ضعيفة لتَواضُعِه وضَعفِ حالِه في الدُّنيا، والمستَضعَف
المحتَفَر لخُمولِه في الدُّنيا.
قوله: ﴿عُثُلٍ﴾ بضمِّ المهملة والمثّاة بعدها لام ثقيلة. قال الفَرّاء: الشَّديد الخصومة.
وقيل: الجافي عن الموعِظة. وقال أبو عبيدة: العُثُلّ: الفَظّ الشَّديد من كلِّ شيء، وهو هنا
الكافر.
وقال عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر عن الحسن: العُثُلّ: الفاحش الآثم.
وقال الخطّابِيُّ: العُثُلّ: الغَلِيظ العَنيف. وقال الدَّاووديّ: السَّمين العظيم العُنُق والبَطْن.
وقال الهَرَويُّ: الجُمُوعِ المَنُوعُ. وقيل: القصير البَطْنِ.
قلت: وجاء فيه حديث عند أحمد (١٧٩٩١) من طريق عبد الرَّحمن بن غَنْم، وهو
مُختَلَف في صُحْبته، قال: سُئِلَ رسولُ وَّهَ عن العُثُلّ الَّنيم فقال: ((هو الشَّديد الخَلْقِ
المُصَحَّحُ، الأَكُول الشَّرُوبُ، الواحِدُ للطَّعام والشَّراب، الظَّلُومُ للنّاس، الرَّحيبُ
الجَوْفِ))(١).
قوله: ((جَوّاظ)) بفتح الجيم وتشديد الواو وآخره مُعجَمة: الكثير اللَّحم، المُختالُ في
مِشْيَتِهِ، حكاه الخطّابِيّ.
وقال ابن فارس: قيل: هو الأَكُول، وقيل: الفاجر.
وأخرج هذا الحديث أبو داود (٤٨٠١) عن عثمان بن أبي شَيْبة عن وكيع عن الثَّوريِّ
بهذا الإسناد مختصراً: ((لا يَدخُل الجنَّة جَوّاظٌ ولا جَعظَريٌّ)) قال: والجَوّاظ: الفَظُّ الغَلِيظُ،
انتھی.
وتفسير الجَوّاظ لعلَّه من سفيانَ، والجَعظَريّ، بفتح الجيم والظّاء المعجَمة بينهما عينٌ
مُهمَلة، وآخره راءٌ مكسورةٌ ثمَّ تحتانيَّة ثقيلة، قيل: هو الفَظّ الغليظ. وقيل: الذي لا
(١) في إسناده شهر بن حوشب وهو ضعيف، ورواية عبد الرحمن بن غنم عن النبي وَ ◌ّل مرسلة فإنه لم
یدر که.

٤٥٣
سورة القلم / ح ٤٩١٩
كتاب التفسير
یَمَرَض، وقيل: الذي يَتَمَدَّح بما ليس فيه أو عنده.
وأخرج الحاكم (٤٩٩/٢) من حديث عبد الله بن عمرو، أنَّه تلا قوله تعالى: ﴿مَتَاعِ
لِلْخَيْرِ﴾ إلى: ﴿زَنِيمٍ﴾ فقال: سمعت رسولَ الله وَ لَه يقول: «أهلُ النار كلّ جَعظَرَيٍّ جَوّاظٌ
مُستَکېٌ)).
٢ - باب
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ [القلم:٤٢]
٤٩١٩- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن خالدِ بنِ یزیدَ، عن سعیدِ بنِ أبي هلالٍ، عن زيدِ
ابنِ أَسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ ◌َُ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّه / يقول: ((يَكْشِفُ ٦٦٤/٨
رَبُّنا عن ساقه، فيَسجُدُ له كلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنِةٍ، فَيَبْقَى كلُّ مَن كان يَسجُدُ في الدُّنْيَا رِياءَ وسُمْعَةً،
فِيَذْهَبُ يَسْجُدُ فِيَعودُ ظَهْرُه طَبَقاً واحداً).
قوله: ((بابٌ ﴿یَوْمَ یُگشَفُ عَن سَاقٍ ﴾)) أخرج أبو يعلى (٧٢٨٣) بسندٍ فیه ضَعْف عن
أبي موسى مرفوعاً في قوله: ﴿ يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ قال: ((عن نُور عظيمِ، فَخِرُونَ له
سُجَّداً)).
وقال عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ قال: عن
شِدَّةِ أمرٍ، وعند الحاكم (٤٩٩/٢ - ٥٠٠) من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: هو يومُ
کرْبٍ وشِدّةٍ.
قال الخطَّايُّ: فيكون المعنى: يَكشِفُ عن قُدرَته التي تَنكَشِف عن الشِّدّة والكَرب،
وذكر غيرَ ذلك من التَّويلات كما سيأتي بيانه عند حديث الشَّفاعة مُستَوفَّى في كتاب
الرِّقاق (٦٥٧٣) إن شاء الله تعالى(١).
ووقع في هذا الموضع: ((يَكشِف ربُّنا عن ساقِه)) وهو من رواية سعيد بن أبي هلال عن
زيد بن أسلم، فأخرجها الإسماعيليّ كذلك، ثمَّ قال في قوله: ((عن ساقه)) نَكِرة.
(١) وكذلك عند حديث أبي سعيد الخدري في التوحيد (٧٤٣٩).

٤٥٤
سورة الحاقة
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ أخرجه من طريق حفص بن مَيسَرة عن زيد بن أسلم بلفظ: ((يَكْشِفُ عن ساقٍ))،
قال الإسماعيليّ: هذه أصحّ لموافَقَتِها لفظ القرآن في الجملة، لا يُظَنّ أنَّ الله ذو أعضاءٍ
وجَوارحَ لما في ذلك من مُشابهة المخلوقينَ، تعالى الله عن ذلك، ليس گَمِثله شيءٌ.
٦٩ - سورة الحاقّة
بِسمِ الهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
﴿حُسُومًا ﴾: مُتابعةً.
وقال ابن جُبَيٍ: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [٢١]: يُرِيدُ فيها الرِّضا.
وقال ابن جُبَير: ﴿أَرْجَبِهَا﴾ [١٧] ما لم يَنشَقَّ منها، فَهُم على حافَتَيْهِ، كقولِكَ: على أرجاء البئرِ.
﴿وَاهِيَةٌ﴾ [١٦] وَهْيُها: تَشَقُّقُها.
والقاضِيَةُ [٢٧]: الموتةُ الأُولى التي مُتُّها، لم أُخْيَ بعدَها.
﴿مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ﴾ [٤٧]: أحدٌ يكونُ الجَميع والواحدِ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: الوَتِينُ [٤٦]: نِيَاطُ القَلْبِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: طَفَى [١١]: كَثُرُ.
ويقال: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ [٥]: بطُغْيانهم.
ويقال: طَفَت على الخُزّان، كما طَغَى الماءُ على قومٍ نوحٍ.
و﴿غِسْلِينٍ﴾ [٣٦]: ما يَسِيلُ مِن صَديدِ أهلِ النارِ.
و﴿مِنْ غِسْلِينٍ﴾: كُلَّ شيءٍ غَسَلْتَه فخَرَجَ منه شيءٌ، فهو غِسْلِينٌ، فِعْلِين منَ الغَسْل، مثلُ
الجُرْحِ والدَّبَرِ.
﴿أَعْجَازُ غَحْلٍ ﴾ [٧]: أُصُولها.
﴿بَاقِبَةٍ﴾ [٨]: بَقيَّةٍ.

٤٥٥
سورة الحاقة
كتاب التفسير
قوله: ((سورة الحَاقّة - بِسْمِ اللَّهِ الزَّْنِ الرَّحِيمِ)» كذا لأبي ذرِّ.
والحاقّةُ من أسماء يوم القيامة، سُمّيَت بذلك لأنَّهَا حَقَّت لكلِّ قوم أعمالهم، قاله (١)
قَتَادةُ، أخرجه عبد الرَّزاق عن معمر عنه.
قوله: (﴿حُسُومًا﴾: مُتَتابعةً)) كذا للنَّسَفيّ وحده هنا، وهو قول أبي عُبيدة.
وأخرج الطبرانيُّ (٩٠٦١) ذلك عن ابن مسعود موقوفاً بإسنادٍ حسن، وصَحَّحَه
الحاكم (٢/ ٥٠٠).
قوله: ((وقال ابن جُبَير: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ يريد فيها الرِّضا)) كذا لأبي ذرّ والنَّسَفي،
وسقط لغيرهما: ((وقال ابن جبير))، وهو قول الفرّاء في قوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ يُريد
فيها الرِّضا(٢). وقال أبو عبيدة: معناه مَرضيَّة، قال: وهو مِثلُ: لَيلُه(٣) نائمٌ.
قوله: «وقال ابن ◌ُبَير: ﴿أَرْجَآَبِهَا﴾ ما لم يَنْشَقَّ منها، فهُم على حافَتَهِ، كقولك: على أرجاء
البثْر)) كذا للنَّسَفيّ وحدَه هنا، وهو عند أبي نُعَيم أيضاً، وتقدَّم أيضاً في بَدْء الخلق (٤).
قوله: (﴿وَاهِيَةٌ﴾: وَهْيُها تَشَقَّقها)) كذا للنَّسَفيّ وحدَه هنا، وهو عند أبي نُعَيم أيضاً،
وتقدَّم أيضاً في بَدْء الخلق(٥).
قوله: ((والقاضية: الموتةُ الأولى التي مُتُّها لم أُحْيَ بعدَها)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغیرہ: ثمَّ أُحْيا
بَعدَها، والأوَّل أصحُّ، وهو قول الفَرّاء، قال في قوله: ﴿يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ يقول: لَيتَ
الموتةَ الأولى التي مُتُّها لم أحْيَ بعدَها.
(١) تحرَّف في (س) إلى: قال. وأثر قتادة أخرجه عنه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٣١٢/٢، وابن جرير الطبري
٢٩/ ٤٨،٤٧.
(٢) من قوله: ((كذا لأبي ذرّ والنسفي ... )) إلى هنا من (ع) وسقط من (أ) و(س).
(٣) كذا في الأصلين، ووقع في (س): ((ليل)) دون الضمير في آخره، وكلاهما صحيح وجائز في هذا السياق،
ومعناه: ينام فيه - أي: في الليل - النائم، أو يُنام فيه، فأضافوا النومَ إلى الليل لأنه فيه.
(٤) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٩).
(٥) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٩). وقوله: ((واهية: وَهْيُها تشقُّقها ... )) إلى آخر الفقرة، ثبت في (س)، وسقط
من الأصلین.

٤٥٦
سورة الحاقة
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ﴾ أحدٌ يكون للجميعِ والواحدِ)) هو قول الفَرّاء. قال أبو عُبيدة
في قوله: ﴿مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ﴾: جَمَعَ صِفَته على صفة الجميع، لأنَّ أحداً يقع على الواحد
والاثنَينِ والجمع من الذَّكَر والأُنْثَى.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿الْوَتِينَ﴾: نِيَاطُ القَلْب)) بكسر النُّون وتخفيف التَّحتانيّة: هو
حَبْلِ الوَرِيد. وهذا وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس(١)،
والفِرْيابيّ والأشجَعَيّ والحاكم (٢/ ٥٠١) كلّهم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن
جُبَير عن ابن عبّاس، وإسناده قويّ لأنَّه من رواية الثَّوريّ عن عطاء، وسمعَه منه قبلَ
الاختلاط، وقال أبو عبيدة مِثْلَه.
وقال عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر عن قَتَادة قال: ﴿اَلْوَقِينَ﴾: حَبْل / القَلْب.
٦٦٥/٨
قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿طَغَا﴾: كَثُرَ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عن
ابن عبّاس بهذا. وقال عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر عن قَتَادة: بَلَغَنا أَنَّه طَغَى فوقَ كلِّ شيءٍ
خمسةَ عشرَ ذِراعاً.
قوله: ((ويقال: ﴿يِالطَّاغِيَةِ﴾: بطُغْيانهم)» هو قول أبي عبيدة، وزاد: وكُفرِهم.
وأخرج الطََّرَيُّ (٤٩/٢٩) من طريق مجاهد قال: ﴿فَأُهْلِكُوْبِالطَّاعِيَةِ﴾: بالذُّنوب.
قوله: ((ويقال: طَغَت على الخُزّان(٢) كما طَغَى الماءُ على قوم نُوح)) لم يَظهَر لي فاعل ((طَغَت))،
لأَنَّ الآية في حقّ ثَمُودَ وهم قد أُهلِكوا بالصَّيحة، ولو كانت عاداً لكان الفاعل الرّيح وهي
لها الخُزّان، وتقدَّم في أحاديث الأنبياء(٣) أنَّهَا عَتَت على الخُزّان، وأمَّا الصَّيحة فلا خُزّان
لها، فلعلَّه انتِقالٌ من عَتَت إلى طَغَت.
وأمَّا قوله: ﴿لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾ فروى سعيد بن منصور من طريق السُّدِّيِّ عن أبي مالك
(١) وأخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٢٩/ ٦٧ ولكن بلفظ: عِرْق القلب.
(٢) ضُبطت في النسخة اليونينية بفتح الخاء، وفي غيرها بضمها. والمراد بالخُزّان: الملائكةُ الموكَّلون بالريح.
(٣) بين يدي الحديث رقم (٣٣٤٣).

٤٥٧
سورة المعارج
كتاب التفسير
وأبي صالح عن ابن عبّاس في قوله: ﴿لَمَّا ◌َغَا الْمَآءُ﴾ قال: طَغَى على خُزّانه، فنزلَ بغیر کیلٍ
ولا وَزنٍ.
قوله: ((و﴿غِسْلِينٍ﴾: ما يَسيل من صَديد أهل النار)) كذا ثَبَتَ للنَّسَفيّ وحدَه عَقِب قوله:
﴿ الْقَاضِيَةَ﴾ وهو عند أبي نُعَيم أيضاً، وهو كلام الفَرّاء قال في قوله: ﴿ وَلَ طَعَامُّ إِلَّ مِنْ
غِسْلِینٍ﴾: يقال: إنَّه ما یسیل من صَدید أهل النار.
قوله: ((وقال غيرُه: ﴿مِنْ غِسْلِينٍ﴾: كلَّ شيءٍ غَسَلتَه فخرج منه شيءٌ، فهو غِسْلِين، فِعْلِين
مِن الغَسْلِ، مِن(١) الجُرْح والدَّبَر)) كذا للنَّسَفيّ وحدَه هنا، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٢).
قوله: ﴿أَعْجَازُ غْلٍ ﴾ أُصولها)) كذا للنَّسَفيّ وحدَه هنا، وهو عند أبي نُعَيم أيضاً، وقد
تقدَّم أيضاً في أحاديث الأنبياء.
قوله: (﴿بَاقِيَةٍ﴾: بَقيَّةٌ)) كذا للنَّسَفيّ وحدَه، وعند أبي نُعَيم أيضاً، وقد تقدَّم في
أحاديث الأنبياء(٣).
تنبيه: لم يُذكَر في تفسير الحَاقّة حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيه حديث جابر، قال: قال
رسول الله وَّة: ((أُذِنَ لي أن أُحدِّثَ عن مَلَك من حَمَلة العرش ما بين شَحْمة أُذُنِه إلى عاتِقِه
مَسيرةٌ سبع مئةٍ عامٍ)) أخرجه أبو داود (٤٧٢٧) وابن أبي حاتم من رواية إبراهيم بن طَهْمانَ
عن محمّد بن المنكَدِر، وإسناده على شرط الصَّحيح.
٧٠ - سورة ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾
والفَصِيلةُ: أصغَرُ آبائه القُربَى، إليه يَتَهي.
﴿لِلْشَوَى﴾ [١٦]: اليدانِ، والرِّجْلانِ، والأطرافُ، وجِلْدةُ الرَّأسِ، يقال لها: شَوَاةٌ، وما كان
غیرَ مَقْتَلٍ، فهو شَوَى.
(١) تحرف في (س) إلى: مثل. والدَّبَر: هو ما يصيب الإبل من الجراحات.
(٢) بین یدي الحديث رقم (٣٢٥٨).
(٣) بين يدي الحديث رقم (٣٣٤٣).

٤٥٨
سورة المعارج
فتح الباري بشرح البخاري
﴿عِزِينَ﴾ [٣٧]: والعِزُونَ: الحَلَقُ والجماعاتُ، واحِدَتُها: عِزَةٌ.
﴿يُوْفِضُونَ﴾ [٤٣]: الإيفاض: الإسراع. وقرأ الأعمَش وعاصم ﴿ إِلَى نُصُبٍ﴾ أي: إلى شيءٍ
منصوبٍ يَستَبِقونَ إليه، وقراءةُ زيد بن ثابت: ((إلى نُصْبٍ))، وكأنَّ النُّصُبَ الآلهةُ التي كانت
تُعبَد، وكلٌّ صَوَابٌ، والنُّصْبُ واحدٌ، والنَّصْبُ مَصدر.
قوله: ((سورة ﴿سَأَلَ سَآَبِلٌ﴾)) سَقَطَت البسملة للجميعِ.
قوله: ((الفَصِيلة: أصغَرُ آبائه القُربَى، إليه يَنْتَهي(١))) هو قول الفَرّاء. وقال أبو عُبيدة:
الفَصيلة: دُون القَبيلة، ثمَّ الفَصيلة فَخِذُه التي تُؤْوِيه. وقال عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر: بَلَغَني
أنَّ فَصِيلَته ◌ُمُّه التي أرضَعَته. وأغرَبَ الدَّاووديّ، فحَكَى أنَّ الفَصِيلة مِن أسماء النار.
قوله: ((﴿لِلشَوَى﴾: اليَدان والرِّجْلان والأطراف، وجِلْدة الرّأس يقال لها: شَوَاةٌ، وما كان
غيرَ مَقْتَل فهو شَوّى)) هو كلام الفَرّاء بلفظه أيضاً. وقال أبو عُبيدة: الشَّوَى واحدتها: شَوَاءٌ،
وهي اليدانِ والرِّجلانِ والرَّأسُ من الآدَميِّينَ، قال: وسمعت رجلاً من أهل المدينة يقول:
اقشَعَرَّت شَوَاتي، قلت له: ما معناه؟ قال: جِلْدة رأسي. والشَّوَى: قوائم الفرس، يقال: عَبْلُ
الشَّوَى(٢)، ولا يُراد في هذا الرَّأس، لأنَّهم وَصَفوا الخيل بأَسَالةِ الحَدَّينِ ورِقَّة الوَجْه(٣).
قوله: (﴿عِينَ﴾ والعِزُونَ: الحَلَق والجماعاتُ(٤)، واحِدَتُها عِزَة)) أي: بالتَّخفيفِ، کذا لأبي
ذرّ، وسَقطَ لفظ ((الحَلَق)) لغير أبي ذرِّ والصَّواب إثباته. وهو كلام الفَرّاء بلفظه، والحَلَق
بفتح الحاء المهمَلة على المشهور، ويجوز كسرها. وقال أبو عُبيدة: عِزِينَ: جماعة عِزَةٍ، مِثل:
نُبَة وتُبِين، وهي جماعات في تَفرِقة.
(١) في (س): ((إليه ينتمي مَن انتمى)) وهي رواية غير أبي ذرّ.
(٢) العَبْل: الضخم.
(٣) كذا وقع في الأصلين و(س)، وأصل العبارة كما في ((اللسان)) و(تاج العروس)) نقلاً عن ((الصحاح)) مادة
(شوا): بأسالَةِ الخدَّين وعِثْق الوجه، وهو رِقَّتُه.
(٤) كذا وقع في الأصلين و(س)، وأما الذي في النسخة اليونينية و((إرشاد الساري)) أنَّ رواية أبي ذرّ: ((حَلَقٌ
وجماعاتٌ» بالتنكير.

٤٥٩
سورة نوح
كتاب التفسير
قوله: (﴿يُوفِضُونَ﴾: الإيفاض: الإسراع)) كذا للنَّسَفيّ هنا وحدَه وهو كلام الفَرّاء، وقد
تقدَّم في الجنائز (١).
قوله: ((وقرأ الأعمَشُ وعاصم ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ أي: إلى شيءٍ منصوب يَستَبِقونَ إليه، وقراءة ٦٦٦/٨
زيد بن ثابت: (إلى نُصْب)، وكأنَّ النُّصُبَ الآلهةُ التي كانت تُعبَد، وكلُّ صَوَاب، والنُّصْب
واحدٌ، والنَّصْبِ مَصدَر)) ثَبَتَ هذا هنا للنَّسَفيّ، وذكره أبو نُعَيم أيضاً. وقد تقدَّم بعضُه في
الجنائز(٢). وهو قول الفَرّاء بلفظه، وزادَ: في قراءة زيد بن ثابت برفع النُّون، وبعد قوله:
التي كانت تُعبَد من الأحجار، قال: النُّصُب والنَّصْب واحد، وهو مصدر والجمع أنصاب.
انتهى، يريد أنَّ الذي بضمَّتَينِ واحد لا جمعٌ، مِثل: حُقُب واحدُ الأحقاب.
٧١ - سورة نوح
﴿أَطْوَارًا﴾ [١٤]: طَوْراً كذا وطَوْراً كذا، يقال: عَدا طَوْرَه، أي: قَدْرَه، والكُبّارُ: أشَدُّ مِن
الكُبَار، وكذلك مُّالٌ وجميلٌ، لأنَّهَا أَشَدُّ مُبالَغةً، وكذلك كُبَارٌ: الكَبِيرُ، بالتَّخفيفِ، والعربُ
تقولُ: رجلٌ حُسّانٌ وجمالٌ، وحُسَانٌ مُحَقَّفٌ، وَجْمَالٌ مُخْفَّفٌ.
﴿دَيَّارًا﴾ [٢٦]: من دَوْرٍ، ولكنَّه فَيْعالٌ مِن الدَّوَرانِ، كما قرأَ عمرُ: ((الحِيُّ القَيّامُ)) وهي
من: قُمْتُ.
وقال غيرُه: ﴿رَيَّارًا﴾: أَحَداً ﴿نَبَارًا﴾ [٢٨]: هَلَاكاً.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿مِّدْرَارًا﴾ [١١]: يَتَبَعُ بعضُه بعضاً.
﴿وَقَارًا﴾ [١٣]: عَظَمَةً.
قوله: ((سورة نوح)) سَقَطَت البسملةُ للجميعِ.
قوله: ((﴿أَطْوَارًا﴾: طَوْراً كذا وطَوْراً كذا)) تقدَّم في بَدْء الخَلْق(٣)، وقال عبد الرَّزّاق:
(١) بين يدي الحديث رقم (١٣٦٢).
(٢) بين يدي الحديث رقم (١٣٦٢).
(٣) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٠).

٤٦٠
سورة نوح
فتح الباري بشرح البخاري
عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾: نُطفةً، ثمَّ عَلَقةً، ثمَّ مُضْغة، ثمَّ خَلْقاً
آخَر.
قوله: ((يقال: عَدَا طَوْرَه، أي: قَدْرَه)) تقدَّم في بَدْء الخلق أيضاً(١).
قوله: ((والكُبّار: أشَدّ من الكُبَار، وكذلك مُّالٌ وَمِيل، لأنَّهَا أَشَدُّ مُبالَغَةً، وكذلك كُبَارٌ:
الكَبير (٢)، بالتَّخفيفِ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا﴾ قال: مَجَازُها: كبيراً،
والعرب تُحوِّل لفظة كَبير إلى فُعَال ◌ُفَّفة، ثمَّ يُثقِّلونَ ليكونَ أشدَّ مُبالَغةً، فالكُبّار أشدّ من
الكُبَار، وكذا يقال للرجلِ الجميل: جُمّال(٣)، لأنَّه أشدُّ مُبالَغةً.
قوله: ((والعرب تقول: رجل حُسّان وجُّال، وحُسَان مُخُفَّف وجُمَال ◌ُحُفَّف)) قال الفَرّاء
في قوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا﴾: الكُبّار: الكبير، وكُبَار أيضاً بالتَّخفيفِ، والعرب تقول:
عُجّاب وعُجَاب(٤)، ورجلٌ حُسّان وجُمّال بالتَّعْقيلِ، وحُسَان وجُمَال بالتَّخفيفِ، في كثير من
أشباهه.
قوله: ((﴿دَيَّارًا﴾: من دَوْر، ولكنَّه فَيْعال من الدَّوَران)) أي: أصله: دَيْوار، فأُدغِمَ، ولو
كان أصله فَعّالاً لكان دَوّاراً، وهذا كلام الفَرّاء بلفظه(٥).
وقال غيره: أصل دَيّار دَوّار، والواو إذا وَقَعَت بعد تحتانيَّة ساكنة بعدها فتحة، قُلِبَت
ياءً، مِثْل أيّام وقيّام.
قوله: ((كما قرأ عمرُ: الحيُّ القَيّامُ، وهي من: قُمْت)) هو من كلام الفَرّاء أيضاً. وقد
(١) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٠).
(٢) وقع بعده في (س): ((وكُبار أيضاً))، وهذا لغير أبي ذر الهروي.
(٣) لفظ ((جُمّال)) سقط من (أ) و(س)، وأثبتناه من هامش (ع) وهو الموافق لما في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة
٢٧١/٢.
(٤) تحرَّف في (س) إلى: عجب وعجاب، وانظر ((المخصَّص)) لابن سيده ٤١٢/٤ فيما نقله عن الفرّاء،
و «اللسان» مادة (عجب).
(٥) لكن الذي في المطبوع من ((معاني القرآن)» للفراء ٣/ ١٩٠: وهو من دُرْت.