النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة المنافقين/ح ٤٩٠٥
كتاب التفسير
ومُنْتِنة: بضمِّ الميم وسكون النُّون وكسر المثنّاة: من النَّتْن؛ أي: أنَّها كلمة قَبيحة خَبيثة،
وكذا ◌َبَتَت في بعض الرِّوايات.
قوله: ((فَعَلُوها؟)) هو استفهامٌ بحذفِ الأداة، أي: أفَعَلوها؟/ أي: الأَثَرة؛ أي: شَرِكناهم ٦٥٠/٨
فيما نحن فيه فأرادوا الاستبداد به علينا.
وفي مُرُسَل قَتَادة(١): فقال رجلٌ منهم عظيمُ النِّفاق: ما مَثَلُنا ومَثَلهم إلّا كما قال القائل:
سَمِّنْ کلبَك یأکلْكَ.
وعند ابن إسحاق: فقال عبد الله بن أُبيِّ: أقَدْ فَعَلوها؟ نافَرُونا وكاثَرُونا في بلادنا، والله
ما أَعُدُّنا(٢) وجَلابِيبَ قُرَيش هذه إلّا كما قال القائل: سَمِّن كَلبَك يأكلْكَ.
قوله: ((فقامَ عمرُ فقال: يا رسولَ الله، دَعْني أضْرِبْ عُنُقُه)) في مُرسَل قَتَادة: فقال عمرُ:
مُرْ معاذاً أن يَضرِب عُنْقَه؛ وإنَّما قال ذلك، لأنَّ معاذاً لم يكن من قومه.
قوله: ((دَعْهُ، لا يَتَحَدَّث الناس أنَّ محمَّداً يَقتُل أصحابَه)) أي: أتباعَه، ويجوز في ((يَتَحَدَّث))
الرَّفع على الاستئناف، والكسر على جواب الأمر، وفي مُرسَل قَتَادة: فقال: لا والله لا
يَتَحَدَّث الناس، زاد ابن إسحاق: فقال: مُر به عَبّاد(٣) بن بِشْر بن وَقْش فليقتُله، فقال: ((لا،
ولكن أذِّن بالرَّحيلِ))، فراحَ في ساعةٍ ما كان يَرحَل فيها، فلَقيَه أُسَيد بن حُضَيرٍ فسألَه عن
ذلك فأخبَرَه، فقال: فأنتَ يا رسول الله الأعَزُّ وهو الأذَلّ. قال: وبَلَغَ عبدَ الله بن عبد الله
ابن أُبيِّ ما كان من أمر أبيه فأتى النبيَّ وَّهفقال: بَلَغَني أنَّك تريد قتلَ أَبي فيما بَلَغَك عنه،
(١) عند عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢/ ٢٩٣.
(٢) تحرف في الأصلين إلى: ((عدونا))، وما أثبتناه هو الصحيح الموافق لما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام
٢٩١/٢ و(تفسير الطبري)) ١١٥/٢٨ و((الروض الأنف)) للسهيلي ١٤/٤، ووقع في (س): مثلنا، ولم
نقف على هذا اللفظ عند أحد. وقوله: جلابيب قريش: أصل الجلابيب: الأُزُر الغِلاظ، كان المسلمون
يلتحفون بها، فأصبحت لقباً لمن أسلم من المهاجرين.
(٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: ((معاذ)) وما أثبتناه من (ع) وهو الموافق لما في ((تفسير الطبري)) ١١٥/٢٨ -
١١٦، و((السيرة النبوية)) لابن هشام ٢/ ٢٩٠.

٤٢٢
سورة المنافقين / ح ٤٩٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
فإن كنت فاعلاً فمُرني به فأنا أحمِل إليك رأسَه، فقال: ((بل تُرفِق به ونُحسِن صُحبَته))، قال:
فكان بعدَ ذلك إذا أحدَثَ الحَدَث، كان قومه هم الذينَ يُنكِرِونَ عليه، فقال النبيّ وَّلـ
لعمر: «كيف تَرَی؟».
ووَقَعَ في مُرسَل عِكْرمة عند الطَّبَيِّ (٢٨/ ١١٢): أنَّ عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ قال
للنبيِّ ◌ََّ: إِنَّ والدي يُؤذي اللهَ ورسولَه، فذَرْني حتَّى أَقْتُلَه، قال: ((لا تَقتُّل أباك».
قوله: «ثمّ إنَّ المهاجِرِينَ كَثُرُوا بَعدُ)) هذا ممّا يُؤْيِّد تَقَدُّم القِصّة، ويُوضح وَهْمَ مَن قال:
إنَّها كانت بتَبوك؛ لأنَّ المهاجِرِينَ حينئذٍ كانوا كثيراً جدّاً، وقد انضافَت إليهم مُسلِمة الفتح
في غزوة تَبُوك، فكانوا حينئذٍ أكثرَ من الأنصار، والله أعلم.
٧- بابٌ
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ
◌ِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧]
يَنفضُّوا: يَتَفرَّقُوا.
الكَسْعُ: أن تَضرِبَ بِيَدِكَ على شيءٍ أو بِرِجْلِكَ، ويكون أيضاً إذا رَميتَه بشيءٍ يَسُوؤُ(١).
٤٩٠٦ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حذَّثني إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، عن
موسى بنِ عُقْبةَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ الفَضْلِ، أَنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: حَزِنْتُ على
مَن ◌ُصِيبَ بالحَّةِ، فَكَتَبَ إليَّ زيدُ بنُ أرقَمَ، وبَلَغَه شِدّةٌ حُزْنِي يَذْكُرُ: أَنَّه سمعَ رسولَ الله وَيَ
يقول: ((اللهمَّ اغفِرْ للأنصارِ، ولأبناءِ الأنصارِ))، وشَكَّ ابنُ الفَضْلِ في: أبناءِ أبناءِ الأنصارِ،
فسألَ أنساً بعضُ مَن كان عندَه، فقال: هو الذي يقول رسولُ اللهِ وَالّ: «هذا الذي أَوْنَى الله له
بأُذُنِهِ».
(١) هذه الفقرة وقعت في هذا الموضع في النسخة التي اعتمد عليها الحافظ من ((الصحيح))، وقد جاء في
النسخة اليونينية و((إرشاد الساري)) أنَّ هذا لأبي ذرّ في آخر حديث جابر السابق، وهو الصواب، ولكنّا
آثرنا إبقاءه هنا ليتوافق مع شرح الحافظ، وسينبّه هو رحمه الله في سياق شرحه إلى أن وقوعه هنا خطأٌ.

٤٢٣
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٦
كتاب التفسير
قوله: ((باب قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾»
كذا لهم، وزاد أبو ذرٍّ: الآية.
قوله: (﴿يَنْفَضُواْ﴾: يَتَفَرَّقوا)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾:
حتَّى يَتَفرَّقوا.
ووقع في رواية زُهَيرِ (٤٩٠٣) سببُ قول عبد الله بن أُبيِّ ذلك، وهو قوله: خَرَجنا في
سَفَر أصاب الناسَ فيه شِدّةٌ، فقال عبد الله بنُ أبيّ: ﴿لَا نُنفِقُوا﴾ الآية. فالذي يَظهَر أنَّ
قوله: ﴿لَا نُنفِقُواْ﴾ كان سَبَه الشِّدّةُ التي أصابتهم، وقوله: ﴿لَيُخْرِجَ الْأَعَزُّمِنْهَا الْأَذَلَّ﴾
سببه مُاصَمة المهاجريِّ والأنصاريِّ کما تقدَّم في حديث جابر.
قوله: ((الكَسْع: أن تَضْرِب بيَدِك على شيءٍ أو بِرِجْلِك، ويكون أيضاً إذا رَمَيتَه بِسُوءٍ)) كذا
لأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيِّ وحدَه، وحَقُّ هذا أن يُذكَر قبلَ الباب،/ أو في الباب الذي يليه، ٦٥١/٨
لأنَّ الگَسْعِ إِنَّما وَقَعَ في حديث جابر.
قال ابن التِّين: الكَسْع: أن تضرب بيدِك على دُبُر شيءٍ أو برجلك.
وقال القُرطُبيُّ: أن تَضرِبَ عَجُز إنسان بقَدَمِك. وقيلَ: الضَّرب بالسَّيفِ على
المؤَخَّر.
وقال ابن القَطّاع: كَسَعَ القومَ: ضَرَبَ أدبارَهم بالسَّيف، وكَسَعَ الرجلَ: ضَرَبَ دُبُره
بظَهرٍ قَدِمِه، وكذا إذا تَكلَّمَ بإِثْرٍ(١) كلامِه بما ساءَه، ونحوُه في (تهذيب الأزهَريّ))(٢).
قوله: ((حدّثنا إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أُوَيس.
قوله: ((حدَّثني عبد الله بن الفَضْل)) أي: ابن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلِب
الهاشميّ، تابعيّ صغير، مَدَنيّ ثقة، ما له في البخاريّ عن أنس إلّا هذا الحديث، وهو من أقران
موسى بن عقبة الراوي عنه.
(١) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّف في (س) إلى: فأثَّر. وانظر ((اللسان)) مادة (كسع).
(٢) ولفظه عنده: كَسَع فلانٌ فلاناً بما ساءَه: إذا هَمزَه مِنْ ورائه بكلام قبيح. ((تهذيب اللغة)) مادة (كسع).

٤٢٤
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حَزِنْتُ على مَن أُصيبَ بالحَرّةِ)) هو بكسر الزّاي من الحُزن، زاد الإسماعيليّ من
طريق محمَّد بن فُلَيح عن موسى بن عُقْبة: من قومي.
وكانت وقعة الحَرّة في سنة ثلاث وستّينَ، وسببُها أنَّ أهل المدينة خَلَعوا بيعة يزيد بن
معاوية لمَّا بَلَغَهم ما يَتَعَمَّده من الفساد، فأمَّرَ الأنصارُ عليهم عبدَ الله بن حَنظَلة بن أبي
عامر، وأمَّرَ المهاجِرونَ عليهم عبدَ الله بن مُطيع العَدَويّ، وأرسَلَ إليهم يزيد بن معاوية
مسلمَ بن عقبة المُرِّي في جيش كثير، فهَزَمَهم واستباحوا المدينة وقَتَلوا ابن حَنظَلة، وقُتِلَ
من الأنصار شيءٌ كثير جدّاً، وكان أنس يومَئذٍ بالبصرة فبَلَغَه ذلك، فحَزِنَ على مَن أُصيبَ
من الأنصار، فكَتَبَ إليه زيد بن أرقَم - وكان يومَئذٍ بالكوفة - يُسَكِّنُهُ (١)، ومُحُصَّل ذلك أنَّ
الذي يصير إلى مَغْفِرة الله لا يَشتَدّ الحُزن عليه، فكان ذلك تَعزيةً لأنسٍ فيهم.
قوله: ((وشَكَّ ابن الفَضْل في أبناء أبناءِ الأنصار)) رواه النَّضر بن أنس عن زيد بن أرقَم
مرفوعاً: ((اللهمَّ اغْفِرْ للأنصار ولأبناءِ الأنصارِ، وأبناءِ أبناءِ الأنصار)) أخرجه مسلم (٢٥٠٦)
من طريق قَتَادة عنه من غير شكِّ.
وللتِّرمِذيِّ (٣٩٠٢) من رواية عليّ بن زيد عن النَّضر بن أنس عن زيد بن أرقَم: أنَّه
كَتَبَ إلى أنس بن مالك يُعزِّيه فيمَن أُصيبَ من أهله وبني عَمِّه يوم الحَرّة، فَكَتَبَ إليه: إنّي
أُبَشِّرك بُيُشرَى من الله أنّي سمعت رسول الله وَّه يقول: «اللهمَّ اغْفِر للأنصار ولِذَراريٌّ
الأنصار، ولِذَراريِّ ذَراريِّهم)».
قوله: ((فسألَ أنساً بعضُ مَن كان عنده)) هذا السائل لم أعرِف اسمَه، ويحتمل أن يكون
النَّضر بن أنس، فإنَّه روى حديث الباب عن زيد بن أرقم كما تَرَى.
وزَعَمَ ابن التِّين أنَّه وَقَعَ عند القاِسيِّ: فسألَ أنسُ بعضَ، بالنَّصب، وأنسٌ بالَّفع على
أنَّه الفاعل، والأوَّل هو الصَّواب، قال القابِسِيّ: الصَّواب أنَّ المسؤول أنسُ.
قوله: ((أَوْفَى الله له بأُذُنِهِ)) أي: بسَمْعه، وهو بضمِّ الهمزة والذّال المعجَمة ويجوز فتحهما،
(١) كذا في الأصلین، وفي (س): يُسلِّيه.

٤٢٥
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٧
كتاب التفسير
أي: أظهَرَ صِدقَه فيما أعلمَ به، والمعنى: أوفَ صِدْقَه. وقد تقدَّم في الكلام على حديث جابر
أنَّ في مُرسَل الحسن: أنَّ النبيّ وَِّ أَخَذَ بأُذُنِهِ فقال: ((وَفَّى الله بأُذُنِك يا غلامُ))، كأنَّه جعل
أُذَنَه ضامنةً بتصديق ما ذَكرتْ أنَّها سمعَت، فلمَّا نزلَ القرآن بتصديقِه صارت كأنَّها وافيةً
بضمانها.
تكميل: وقع في رواية الإسماعيليّ في آخر هذا الحديث من رواية محمّد بن فُلَيح عن
موسى بن عُقْبة: قال ابن شهاب: سمعَ زيد بن أرقم رجلاً من المنافقينَ يقول والنبيُّ ◌ِله
يَخْطُب: لَئِن كان هذا صادِقاً لنحنُ شَرّ من الحَمير، فقال زيد: قد والله صَدَقَ، ولَأنتَ شَرّ
من الحِمار. ورُفِعَ ذلك إلى النبيّ وََّ فِجَحَدَه القائل، فأنزلَ الله على رسوله: ﴿ يَحْلِفُونَ
بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ الآيةَ [التوبة: ٧٤]، فكان ممَّا أَنزَلَ الله في هذه الآية تصديقاً لزيدٍ. انتهى، وهذا
مُرسَل جيِّد(١)، وكأنَّ البخاريَّ حَذَفَه لكَوْنِه على غير شرطِه، ولا مانعَ من نزول الآيتَينِ في
القِصَّتَينِ في تَصديق زيدٍ(٢).
٨- باب قوله:
٦٥٢/٨
﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَرَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]
٤٩٠٧- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، قال: حَفِظْناهُ من عَمْرِو بنِ دِینارٍ، قال: سمعتُ
جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، يقول: كَّا في غَزاةٍ، فكَسَعَ رجلٌ مِن المهاجِرِينَ رجلاً مِن الأنصارِ،
فقال الأنصاريُّ: يا لَلأنصارِ! وقال المهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهاجِرِينَ! فسَمَّعَها الله رسولَه ◌َِّ، قال:
((ما هذا؟)) فقالوا: كَسَعَ رجلٌ مِن المهاجِرِينَ رجلاً مِن الأنصار، فقال الأنصاريُّ: يا لَلأنصارِ،
(١) وعزاه الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) ١/ ٣١٧ للبرقاني، والمتقي الهندي في ((كنز العمال)) ٤٢٦/٢
للدار قطني في ((الأفراد)» ولابن عساكر، وهو في ((تاريخ دمشق)) له ٢٥٧/١٩.
(٢) ولكن قال ابن كثير في ((تفسيره)) ١٧٩/٤ بعد أن عزاه للبخاري في ((صحيحه)) إلى قوله: «هذا الذي
أوفى الله بأُذنه)»: ولعلَّ ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة
بإسناده ثم قال: قال ابن شهاب، فذكر ما بعده عن موسى، عن ابن شهاب. والمشهور في هذه القصة أنها
كانت في غزوة بني المصطلق، فلعلَّ الراوي وَهِمَ في ذكر الآية وأراد أن يذكر غيرها فذكرها، والله أعلم.

٤٢٦
سورة التغابن
فتح الباري بشرح البخاري
وقال المهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهاجِرِينَ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((دَعُوها فإنَّهَا مُنِنَةٌ)).
قال جابرٌ: وكانتِ الأنصارُ حينَ قَدِمَ النبيُّ وَّل أكثرَ، ثمَّ كَثُرَ المهاجِرونَ بَعْدُ، فقال عبدُ الله
ابْنُ أُبٍّ: أَوَقَدْ فَعَلوا؟ والله لَئِن رَجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِ جَنَّ الأَعَزُّ منها الأذََّّ، فقال عمرُ بنُ
الخطَّبِ ﴾: دَعْني يا رسولَ الله أضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافقِ، قال النبيُّ وَِّ: ((دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ
الناسُ أنَّ محمَّداً يَقْتُلُ أصحابَه)).
قوله: ((باب: ﴿يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَرَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية» كذا
لأبي ذرٍّ، وساقَ غيرُه الآية إلى ﴿يَعْلَمُونَ﴾.
ذكر فيه حديث جابر الماضي، وقد تقدَّم شرحه قبلُ ببابٍ، ولعلَّه أشارَ بالتَّرجمة إلى ما
وَقَعَ في آخر الحديث المذكور، فإنَّ الِّرمِذيّ لمَّا أخرجه عن ابن أبي عمر عن سفيان(١)
بإسناد حديث الباب (٣٣١٥) قال في آخره: وقال غير عَمْرو: فقال له ابنُه عبد الله بن
عبد الله بن أبيّ: والله لا تَنقَلِب إلى المدينة(٢) حتَّى تقول: إنَّك أنتَ الذَّليل ورسولُ اللهِ وَل
العزيزُ، ففَعَلَ. وهذه الزيادة أخرجها ابن إسحاق في ((المغازي)) عن شيوخه، وذكرها أيضاً
الطَّبَرِيُّ من طريق عِكْرمة(٣).
٦٤ - سورة التَّغابُن والطَّلاق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال عَلْقمةُ، عن عبدِ الله: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١]: هو الذي إذا أصابَتْه
مُصِيبٌ رَضِيَ (٤) وعَرَفَ أنَّها مِن الله.
(١) كذا في الأصلين على الصواب ووقع في (س): أبي سفيان، وهو خطأ. وسفيان المذكور: هو ابن عيينة.
(٢) كذا في (ع) على الصواب، وهو الموافق لما في ((جامع الترمذي))، وتحرف في (أ) و(س) إلى: لا ينقلب أبي
إلى المدينة.
(٣) في «تفسيره)) ٢٨/ ١١٣ من مرسل عكرمة بنحو اللفظ المذكور.
(٤) في (س): ((رضي بها)) كما في ((إرشاد الساري))، وما أثبتناه من اليونينية، التي لم يرد فيها ذكر خلاف أو
فرق بين رواية ((الصحيح)) بهذا اللفظ.

٤٢٧
سورة التغابن
كتاب التفسير
وقال مجاهدٌ: التَّغابُنُ: غَبَنَ أهلُ الجنَّةِ أهلَ النار.
﴿إِنِ أَرْتَبْتُ﴾: إن لم تَعلَمُوا أَتَحِيضُ أَمْ لا تَحِيضُ، فاللّائِي فَعَدْنَ عن المَحِيضِ، واللّائي لم
يَحِضْنَ بَعْدُ، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهُرِ (١).
قوله: ((سورة التَّغابُن والطَّلاق)) كذا لأبي ذرّ، ولم يَذكُر غيره: ((والطَّلاق)) بل اقتَصَروا
على التَّغابُن، وأفرَدوا الطَّلاق بترجمةٍ، وهو الأليَق لمناسَبة ما تقدَّم.
قوله: ((وقال عَلْقَمة عن عبد الله: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ... )) إلى آخره؛ أي: يهتَدي
إلى التَّسليم فيَصبر ويَشكُر. وهذا التَّعليق وَصَلَه عبد الرَّزّاق(٢) عن ابن عُيَينَةَ عن الأعمَش
عن أبي ظَبيانَ عن علقمة، مثله، لكن لم یذكُر ابن مسعود.
وكذا أخرجه الفِرْيابيُّ عن الثَّوريّ، وعبدُ بن حُميدٍ عن عمر بن سعد عن الثَّوريّ عن
الأعمَش، والطَّبَريُّ من طرق(٣) عن الأعمَش. نعم أخرجه البَرْقانيّ من وجهٍ آخَر فقال:
عن عَلْقمة قال: شَهِدْنا عنده - يعني عند عبدِ الله - عَرْضَ المصاحف، فأتى على هذه الآية
﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قال: هي المصيبات تُصيب الرجل فيَعلم أنَّها من عند الله،
فُسَلِّم ویَرضَى.
وعند الطَّبَريّ (١٢٣/٢٨) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: المعنى: يَهَدي
قلبَه لليقينِ، فَيَعلم أنَّ ما أصابَه لم يكن ليُخطِئَه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبَه.
قوله: ((وقال مجاهد: التَّغابُن: غَبَنَ أهلُ الجنَّة أهلَ النار))/ كذا لأبي ذرِّ عن الحَمُّوِيّ ٦٥٣/٨
وحدَه، وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ وعبد بن حُميدٍ من طريق مجاهد. وغَبَن، بفتح المعجَمة
(١) من قوله: ﴿إِنِ أَرْتَبْتُمُ﴾ إلى هنا سيأتي الكلام عليه في الباب التالي من سورة الطلاق.
(٢) في ((تفسيره)) ٢٩٥/٢، وأخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٢٣/٢٨، والبيهقي في ((الكبرى))
٤ / ٦٦.
(٣) في (أ) و(س): طريق، وما أثبتناه من (ع)، وهو الصحيح، فهذا الأثر أخرجه ابن جرير في ((تفسيره))
١٢٣/٢٨ من عدَّة طرق عن الأعمش.

٤٢٨
سورة الطلاق/ ح ٤٩٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
والموحّدة(١).
وللطَّبَرِيِّ من طريق سعيد(٢) عن قَتَادة: ﴿يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾: يوم غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النّار؛
أي: لكَوْنِ أهلِ الجنَّة بايَعوا على الإسلام بالجنَّة فَرَبِحوا، وأهلِ النار امتَنَعوا من الإسلام
فخَسِروا، فتُبِّهوا بالمتبايعَينِ يَغْبِنُ أحدُهما الآخرَ في بيعه، ويُؤَيِّد ذلك ما سيأتي في الرِّقاق
(٦٥٦٩) من طريق الأعرج عن أبي هريرة رَفَعَه: ((لا يَدخُلُ أحدٌ الجنَّةَ إلّا أُريَ مَقعَدَه من
النار لو أساءَ، ليزدادَ شُكراً، ولا يَدخُل أحدٌ النار إلّا أُرِيَ مَقعَدَه من الجنَّة لو أحسنَ، ليكونَ
عليه حَسْرةً)).
٦٥ - سورة الطّلاق
وقال مجاهدٌ: ﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾: جزاءَ أمرِها.
١- بابٌ
٤٩٠٨- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال:
أخبَرَني سالمٌ، أنَّ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما أخبره: أنَّه طَلَّقَ امرأتَه وهي حائضٌ،
فَذَكَر عمرُ لِرسولِ اللهِنَّهِ، فَتَغْيَّظَ فيه رسولُ اللهَِّ، ثمَّ قال: ((لِيُراجِعْها، ثمَّ يُمْسِكْها حتَّى
تَطْهُرَ، ثمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فإن بَدا له أن يُطَلِّقَها، فلْيُطَلِّقْها طاهراً قبلَ أن يَمَسَّها، فِتِلْكَ العِدّةُ
كما أمَرَه اللهُ)).
[أطرافه في: ٥٢٥١، ٥٢٥٢، ٥٢٥٣، ٥٢٥٨، ٥٢٦٤، ٥٢٣٢، ٥٣٣٣، ٧١٦٠]
(١) ضبطُ الحافظ لقوله: ((غَبَن)) على أنها فعلٌ ماضٍ، وهذا ما ذكره أيضاً العيني في ((عمدة القاري))
١١٢/٢٣، ولكن ضُبطت في هامش النسخة اليونينية بفتح الغين وتسكين الباء على مقتضى ما ورد عن
مجاهد فيما أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره)) ٢٨/ ١٢٢ قال: هو غَبْن أهلِ الجنة أهلَ النار، ومثله
عن قتادة.
(٢) كذا في (ع) على الصواب، وتحرف في (أ) و(س) إلى: شعبة، وهذا الأثر أخرجه ابن جرير في («تفسيره))
١٢٢/٢٨ من طريق سعيد، ولم نقف عليه عنده من طريق شعبة.

٤٢٩
سورة الطلاق/ ح ٤٩٠٩-٤٩١٠
كتاب التفسير
قوله: ((سورة الطَّلاق)) كذا لهم، وسَقَطَ لأبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿وَبَالَ أَغْرِهَا﴾: جزاءَ أمرِها)) كذا لهم، وسَقَطَ لأبي ذرِّ أيضاً، وَصله
عبد بن مُميدٍ أيضاً من طريقه.
قوله: ((﴿إِنِ أَرْتَبْتُ﴾: إن لم تَعلَموا أَتحيضُ أم لا تَحِيضُ، فاللّائي فَعَدْنَ عن المَحِيضِ
واللّائي لم يَحِضْنَ بَعْدُ، فَعِدَّتُهنَّ ثلاثة أشهُرِ)) كذا لأبي ذرِّ عن الحَمُّوِيّ وحدَه عَقِبَ قول
مجاهد في التَّغابُن. وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظه من طريق مجاهد، ولابنِ المنذِر من طريق
◌ُخری عن مجاهد: التي گِرَت والتي لم تبلُغ.
قوله: ((أنَّه طَلَّقَ امرأته)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: أنَّه طَلَّقَ امرأة له. وسيأتي شرحُه مُستَوفَّى
في كتاب الطَّلاق (٥٢٥١) إن شاء الله تعالى.
٢- بابٌ
﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُمِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]
وأُؤْلَاتُ الأحمالِ، واحدُها: ذاتُ حَمْلٍ.
٤٩٠٩ - حدَّثنا سعدُ بنُ حفصٍ، حذَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ، قال:
جاء رجلٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ وأبو هريرةَ جالسٌٌ عندَه، فقال: أفتِني في امرأةٍ ولدَت بعدَ زَوْجِها
بأربعينَ ليلةً؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَينِ، قلتُ أنا: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمَّلَهُنَّ﴾ قال أبو هريرةَ: أنا معَ ابنِ أخي؛ يعني: أبا سَلَمَةَ، فأرسَلَ ابنُ عبَّاسٍ غلامَه كُرَيباً إلى
أمِّ سَلَمَةَ يَسْألُها، فقالت: قُتِلَ زَوْجُ سُبيعةَ الأسلَمِيَّةِ، وهي حُبْلَى، فَوَضَعَتِ بعدَ مَوْتِهِ بأربعينَ
ليلةً، فخُطِبَت، فأنكَحَها رسولُ اللهِوَّةِ، وكان أبو السَّنابلِ فِيمَن خَطَبَها.
[طرفه في: ٥٣١٨]
٤٩١٠ - وقال سليمانُ بنُ حَرْبٍ وأبو النُّعْمانِ، حدَّثنا حَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، ٦٥٤/٨

٤٣٠
سورة الطلاق / ح ٤٩٠٩ - ٤٩١٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال: كنتُ في حَلْقة فيها عبدُ الرّحمنِ بنُ أبي ليلى، وكان أصحابُه يُعظِّمونَه، فذكروا له، فذكر
آخِرَ الأجَلَينِ، فحَدَّثْتُ بحديثٍ سُبَيَعةَ بنت الحارثِ، عن عبدِ الله بنِ عُثْبة، قال: فضَمَّزَ لي
بعضُ أصحابِهِ، قال محمَّدٌ: ففَطِنْتُ له، فقلتُ: إنّ إذاً لَجَرِيءٌ إِن كَذَبتُ على عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ،
وهو في ناحيةِ الكوفةِ، فاستَحْيا وقال: لكنَّ عَمَّه لم يَقُل ذاكَ، فَلَقِيتُ أبا عَطيَّةَ مالكَ بنَ عامٍ،
فسألتُه فَذَهَب يُحدِّثُني حديثَ سُبَيَعَةَ، فقلتُ: هل سمعتَ عن عبدِ الله فيها شيئاً؟ فقال: كنَّا
عندَ عبدِ الله، فقال: أتجعَلونَ عليها التَّغْليظَ، ولا تَجعَلونَ عليها الرُّخْصةَ! لَنزَلتْ سورةُ النِّساءِ
القُصْرَى بعدَ الطُّوَلَى: ﴿وَأُؤْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
قوله: ((وأُؤْلَاتُ الأحمالِ، واحدُها: ذاتُ حَمْل)) هو قول أبي عُبيدة.
قوله: ((جاء رجل إلى ابن عبّاس)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((آخِرُ الأجَلَيْنِ)) أي: يَتَرَبَّنَ أربعةَ أشهُر وعشراً ولو وَضَعَت قبلَ ذلك، فإنْ مَضَت
ولم تَضَعْ تَتَرَبَّص إلى أن تَضَعَ.
وقد قال بقولِ ابن عبّاس هذا محمَّدُ بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ونُقِلَ عن سَحْنون
أيضاً.
ووقع عند الإسماعيليّ: قيل لابنِ عبَّاس في امرأة وضَعَت بعدَ وفاة زوجِها بعشرينَ
ليلةً: أَيُصلُحُ أن تَتزوَّج؟ قال: لا، إلى آخر الأجَلَينِ. قال أبو سَلَمَةَ: فقلت: قال الله: ﴿وَأُوْلَتُ
اُلْأَحْمَالِ أَبَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمّلَهُنَّ﴾ قال: إنَّما ذاكَ في الطَّلاق. وهذا السّياق أوضَحُ لمقصودٍ
التَّرجمة، لكن البخاريَّ على عادته في إيثار الأخفَى على الأجلَى.
وقد أخرج الطَّبَريُّ (١٤٣/٢٨) وابن أبي حاتم بطرقٍ مُتَعدِّدة إلى أُبيِّ بن كعب أنَّه قال
للنبِّ وَّ: ﴿وَأُوَْتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ المطَلَّقة ثلاثاً، أو المتوَلَى عنها زوجها؟
قال: ((هي للمطَلَّقة ثلاثاً والمتوَفَّى(١) عنها)).
(١) كذا في (ع)، ووقع في (أ) و(س): ((أو المتوفى)) بالشك، وما أثبتناه هو الموافق لما في مصادر التخريج، وهو
كذلك في زوائد عبد الله بن أحمد على ((المسند)) برقم (٢١١٠٨)، و((سنن الدار قطني)) (٤٠٠١).

٤٣١
سورة الطلاق/ ح ٤٩٠٩-٤٩١٠
كتاب التفسير
وهذا المرفوع وإن كان لا يَخْلُو شيءٌ من أسانيده عن مقال، لكن كَثْرة طُرقِهِ تُشعِر بأنَّ
له أصلاً، ويَعضُده ◌ِقِصّة سُبيعةَ المذكورة.
قوله: ((قال أبو هريرة: أنا معَ ابن أخي، يعني: أبا سَلَمَةَ)) أي: وافَقَه فيما قال.
قوله: ((فأرسَلَ ابنُ عبّاسٍ غلامَه كُرَيْباً(١) إلى أمّ سلمة)) هذا السِّياق ظاهرُه أنَّ أبا سَلَمةَ
تَلَقَّى ذلك عن كُرَيب عن أمّ سَلَمَةَ، وهو المحفوظ.
وذكر الحميديّ في ((الجمَع)): أنَّ أبا مسعود ذكره في ((الأطراف)) في ترجمة أبي سَلَمةَ عن
عائشة، قال الحميديّ: وفيه نظرٌ، لأنَّ الذي عندنا من البخاريّ: «فأرسَلَ ابنُ عبَّاس غلامَه
كُرَیباً فسألها)) لم یذكُر لها اسماً، كذا قال!
والذي وَقَعَ لنا ووَقَفت عليه من جميع الرِّوايات في البخاريّ في هذا الموضع: «فأرسَلَ
ابنُ عبَّاس غلامَه كُرَيباً إلى أمّ سَلَمةَ))، وكذا عند الإسماعيليّ من وجهٍ آخَر عن يحيى بن أبي
کثیر.
وقد ساقَه مسلم (١٤٨٤) من وجهٍ آخَر فأخرجَه من طريق سليمان بن يسار: أنَّ أبا
سَلَمَةَ بن عبد الرّحمن وابنَ عبَّاس اجتَمَعا عند أبي هريرةَ وهما يَذكُران المرأة تَنفَس بعدَ وفاة
زوجِها بلَيالي، فقال ابن عبّاس: عِدَّتُها آخرُ الأجَلَيْنِ، فقال أبو سَلَمةَ: قد حَلَّت، فجَعَلا
يَتَنَازَعان، فقال أبو هريرةَ: أنا معَ ابن أخي، فَبَعَثُوا كُرَيباً مولى ابن عبّاس إلى أمّ سَلَمَةَ يسألها
عن ذلك. فهذه القِصّة معروفة لأُمِّ سَلَمةَ.
قوله: ((فقالت: قُتِلَ زَوْج سُبيعةَ)) كذا هنا، وفي غير هذه الرِّواية أنَّه ماتَ، وهو المشهور.
واسْتَغْنَت أمّ سَلَمَةَ بسياق قِصّة سُبيعةَ عن الجواب بلا أو نعم، لكنَّه اقتَضَى تَصويبَ قول أبي
سَلَمَةَ، وسيأتي الكلام على شرح قِصّة سُبيعةَ في كتاب العِدَد (٥٣١٨) إن شاء الله تعالى.
(١) وقع في الأصلين و(س): ((فأرسل كريباً)) دون ذكر ابن عباس وغلامه وأمِّ سلمة، وما أثبتناه وقع كذلك
في النسخة اليونينية و((إرشاد الساري)) دون حكاية فرق أو خلاف بين رواة ((الصحيح)) فيه، وسيذكر
الحافظ قريباً أنَّ هذا اللفظ هو الذي وقف عليه في جمیع روايات البخاري.

٤٣٢
سورة الطلاق/ ح ٤٩٠٩ -٤٩١٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال سليمانُ بن حَرْب وأبو التُّعْمان: حدَّثنا حمادُ بن زيد)) وأبو النُّعمان(١): وهو
محمَّد بن الفضل المعروف بعارمٍ، كلاهما من شيوخ البخاريّ، لكن ذكره الحميديّ وغيره
٦٥٥/٨ في التَّعليق، وأغفَلَه / المِّيّ في ((الأطراف)) معَ ثُبوته هنا في جميع النُّسَخ، وقد وَصَلَه الطبرانيّ
في ((المعجم الكبير)) (٩٦٤٨) عن عليّ بن عبد العزيز عن أبي النّعمان بلفظه، ووَصَلَه البيهقيُّ
(٧/ ٤٣٠) من طريق يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حَرْب.
قوله: (عن محمّد» هو ابن سِیرِین.
قوله: ((كنت في خَلْقة فيها عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وكان أصحابُه يُعظِّمونَه)) تقدَّم في
تفسير البقرة (٤٥٣٢) من طريق عبد الله بن عَوْن عن ابن سِيرِين بلفظ: جلست إلى مَجلِس
من الأنصار فيه عُظْمٌ من الأنصار.
قوله: ((فَذَكَروا له، فذكر آخر الأجَلَينِ» أي: ذَكَروا له الحامل تَضَع بعدَ وفاة زوجها.
قوله: ((فحَلَّثْت بحديثٍ سُبيعةَ بنتِ الحارث عن عبد الله بن عُتْبة)) أي: ابن مسعود،
وساقَ الإسماعيليّ من وجهٍ آخَر عن حمَّد بن زيد، بهذا الإسناد قِصّة سُبيعةَ بتمامها، وكذا
صَنَعَ أبو نُعَیم.
قوله: ((فضَمَّزَ) بضادٍ مُعجَمة وميم ثقيلة وزاي(٢)، قال ابن التِّين: كذا في أكثر النُّسَخ،
ومعناه: أشارَ إليه أن اسكُت، ضَمَزَ الرجل: إذا عَضَّ على شَفَتَيَه. ونُقِلَ عن أبي عبد الملِك(٣)
أنَّهَا بالرَّاءِ المهمَلة؛ أي: انقَبَضَ.
وقال عياضٌ: وَقَعَ عند الكُشْمِيهنيّ كذلك، وعند غيره من شيوخ أبي ذرٍّ، وكذا عند
القابِسِيّ بنونٍ بَدَل الزّاي، وليس له معنًى معروف في كلام العرب. قال: ورواية الكُشْمِيهنيّ
(١) قوله: حدثنا حماد بن زيد وأبو النعمان، من الأصلين وسقط من (س).
(٢) كذا ضبطها الحافظ بتثقيل الميم، والذي في هامش اليونينية وفي (إرشاد الساري)) ٧/ ٣٩١: أنَّ رواية أبي
ذرّ بتخفيف الميم، وفسرها أبو ذرّ بقوله: ومعناه: عضَّ له شَفَته غمزاً.
(٣) هو مروان بن محمد بن الأسدي، أبو عبد الملك البُونيّ، أصله من الأندلس، رحل منها ودخل القيروان ثم
استقرَّ بُبُونة من بلاد إفريقية، كان فقيهاً محدِّثاً، شرح ((الموطأ))، وهو من كبار أصحاب أبي محمد القابسي،
مات قبل الأربعين والأربع مئة. له ترجمة في ((جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس)) للحُميدي (٧٩٨).

٤٣٣
سورة الطلاق / ح ٤٩٠٩-٤٩١٠
كتاب التفسير
أصوَبُ، يقال: ضَمَّزَني: أسكَتَني، وبَقيَّة الكلام يدلّ عليه. قال: وفي رواية ابن السَّكَن:
((فَغَمَّضَ لي) أي: أشارَ بتغميضِ عينيه أن أسكُت.
قلت: الذي يُفهَم من سياق الكلام أنَّه أنكَرَ عليه مقالتَه من غير أن يواجهَه بذلك،
بدليلِ قوله: ((ففَطِنت له)) وقوله: ((فاستَحْيا)»، فلعلَّها: فَغَمَزَ، بغَينِ مُعجَمة بَدَل الضّاد، أو
فَغَمَصَ، بصادٍ مُهمَلة في آخره، أي: عابَه، ولعلَّ الرِّواية المنسوبة لابنِ السَّكَن كذلك.
قوله: ((إنّ إذاً لَجَريٌ)) في رواية هشام عن ابن سِيرِين عند (١) عبد بن حُميدٍ: إنّ لحَرِيصٌ
على الكذب.
قوله: ((إن كَذَبْت على عبد الله بن عُْبة وهو في ناحية الكوفة)) هذا يُشعِرِ بأنَّ هذه القِصّة
وَقَعَت له وعبدُ الله بن عُتبة حَيّ.
قوله: ((فاستَحْیا)) أي: ممّا وقع منه.
قوله: ((لكنَّ عَمَّه)) يعني: عبدَ الله بن مسعود ((لم يَقُل ذاكَ)) كذا نَقَلَ عبد الرَّحمن بن أبي
ليلى عنه، والمشهور عن ابن مسعود أنَّه كان يقول خِلاف ما نَقَلَه ابن أبي ليلى، فلعلَّه كان
يقول ذلك ثمَّ رَجع، أو وَهِمَ الناقلُ عنه.
قوله: ((فَلَقِيت أبا عَطيّة مالكَ بن عامر)) في رواية ابن عَوْنٍ(٢) (٤٥٣٢): ((مالك بن عامر
أو مالك بن عَوْف)) بالشكِّ، والمحفوظ: مالك بن عامر، وهو مشهور بكُنْتِه أكثرَ من
اسمِهِ، والقائل: هو ابن سِيرِين، كأنَّه استغرَبَ ما نَقَلَه ابن أبي ليلى عن ابن مسعود
فاستَثَبَتَ فيه من غيره، ووقع في رواية هشام عن ابن سِيرِين(٣): فلم أدرِ ما قول ابن
مسعود في ذلك فسَكَتُّ، فلمَّا قمت لَقِيت أبا عَطيَّةٌ.
قوله: ((فذهب يُحدِّثني حديثَ سُبَيعةً)) أي: بمِثْلِ ما حدَّث به عبدُ الله بن عُتبة عنها.
(١) تحرَّف في (س) إلى: عن.
(٢) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّف في (س) إلى: عوف، بالفاء.
(٣) رواية هشام عن ابن سيرين، سبقَ أن عزاها لعبد بن حميد.

٤٣٤
سورة الطلاق / ح ٤٩٠٩-٤٩١٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((هل سمعتَ)) أراد استخراج ما عنده في ذلك عن ابن مسعود دون غيره(١)، لمَا
وَقَعَ عنده من التوَقُّف فيما أخبَرَه به ابن أبي ليلى.
قوله: ((فقال: كنَّا عند عبدِ الله)) ابن مسعود «فقال: أتجعَلونَ عليها)) في رواية أبي نُعَيم من
طريق الحارث بن عُمَير عن أيوب(٢): فقال أبو عَطيّة: ذُكر ذلك عند ابن مسعود فقال:
أرأيتُم لو مَضَت أربعة أشهُر وعشر ولم تَضَع ◌َلَها كانت قد حَلَّت؟ قالوا: لا، قال: فتجعلونَ
عليها التَّغليظ ... الحديث.
قوله: ((ولا تَجْعَلونَ عليها الرُّخْصةَ)) في رواية الحارث بن عُمَير: ولا تجعلونَ لها(٣).
وهي أوجَهُ، وتُحمَل الأُولى على المشاكَلَة، أي: من الأخذ بما دَلَّت عليه آيةُ سورة
الطَّلاق.
قوله: (لَنَزلَتْ)) هو تأكيد لقَسَمِ محذوف، ووَقَعَ في رواية الحارث بن عُمَير بيانُه، ولفظُه:
فوالله لقد نَزلَت.
قوله: ((سورة النِّساء القُصْرَى بعد الطُّونَى)) أي: سورة الطَّلاق بعد سورة البقرة، والمراد
بعضُ كلٍّ، فمِن البقرة (٢٣٤) قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾، ومن الطَّلاق قوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ومُراد
٦٥٦/٨ ابن مسعود إن كان هناك نسخٌ فالمتأخّر / هو الناسِخ، وإلّا فالتَّحقيق أن لا نَسْخَ هناك، بل
عُموم آية البقرة مخصوص بآية الطَّلاق.
وقد أخرج أبو داود (٢٣٠٧) وابن أبي حاتم من طريق مسروق قال: بَلَغَ ابنَ مسعود
أنَّ عليّاً يقول: تَعَتَدُّ آخرَ الأَجَلَينِ، فقال: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ أنَّ التي في النِّساءِ القُصرَى أُنزِلَت بعد
سورة البقرة، ثمَّ قرأ: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وعُرِفَ بهذا مُرادُه بسُورة
(١) قوله: ((دون غيره)) من الأصلين، وسقط من (س).
(٢) وأخرج نحوه الطبراني في ((الكبير)) (٩٦٤٨) من رواية حماد بن زيد عن أيوب.
(٣) وهذا اللفظ نفسه وقع عند البخاري (٤٥٣٢) من رواية ابن عون عن ابن سيرين.

٤٣٥
سورة التحريم/ح ٤٩١١-٤٩١٢
كتاب التفسير
النِّساءِ القُصرَى. وفيه جواز وَصْفِ السُّورة بذلك.
وحَكَى ابن التِّين عن الدَّاووديِّ قال: لا أرَى قوله: ((القُصرَى)) محفوظاً، ولا يقال في
سُوَر القرآن: قُصرَى ولا صُغرَى. انتهى، وهو رَدُّ للأخبار الثّابتة بلا مُستنَد، والقِصَر
والطُّول أمر نِسبيّ، وقد تقدَّم في صفة الصلاة (٧٦٤) قول زيد بن ثابت: طُولَى الطُّولَيَينِ(١)،
وأنَّه أراد بذلك سورة الأعراف.
٦٦ - سورة ﴿لِمَ تُحُرِّمُ
بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
١ - بابٌ
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]
٤٩١١- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن ابنِ حَكِيمٍ، عن سعيدِ بنِ
جُبَيٍ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال في الحرامِ: يُكَفِّرُ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْفِ
رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ(٢) حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
[طرفه في: ٥٢٦٦]
٤٩١٢- حدَّثَني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ،
عن عُبيدٍ بنِ عُمَيرٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ الله ◌َّهِ يَشْرَبُ عَسَلاً عندَ
زَينَبَ بنتٍ جَحْشٍ، ويَمْكُثُ عندَها، فَتَواطَأْتُ أنا وحفصةُ عن أيَّتُنا دَخَلَ عليها، فلْتَقُل له:
أكَلْتَ مَغافيرَ؟ إنّي أجِدُ منكَ رِيحَ مَغافيرَ، قال: ((لا، ولكنّي كنتُ أشَرَبُ عَسَلاً عندَ زَيْنَبَ
بنتِ جَحْشٍ، فَلَن أعودَ له، وقد حَلَفتُ لا تُخبري بذلك أحداً».
[أطرافه في: ٥٢١٦، ٥٢٦٧، ٥٢٦٨، ٥٤٣١، ٥٥٩٩، ٥٦١٤، ٥٦٨٢، ٦٦٩١، ٦٩٧٢]
(١) هذا اللفظ وقع عند أحمد في ((مسنده) برقم (٢١٦٤١)، ولفظه عند البخاري: بطُول الطُّولَيين.
(٢) كذا وقع في اليونينية بكسر الهمزة دون حكاية خلافٍ أو فرق بين رواة ((الصحيح)) فيها، وبها قرأ السبعة
إلّا عاصماً فقرأ ((أُسوة)) بضم الهمزة. انظر ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص ٥٢٠.

٤٣٦
سورة التحريم / ح ٤٩١٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سورة ﴿لِمَ تُحُرِّمُ﴾(١) - بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره: التَّحريم، ولم
يَذكُرُوا البسملةَ.
قوله: ((بابٌ ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللّهُ لَكَ﴾ الآية)) سَقَطَ ((باب)) لغير أبي ذرٍّ، وساقوا
الآية إلى ﴿رَّحِيمٌ﴾
قوله: ((حدّثنا هشامٌ)) هو الدَّستُوائيُّ، ویحیی: هو ابن أبي کثیر.
قوله: (عن ابن حکیم» هو یعلی بن حکیم، ووقع في رواية الأصيليِّ عن أبي زيد المروزيِّ
وأبي أحمد الجُرْجانيّ(٢): یحیی عن ابن حَکیم، لم يُسمِّه عن سعيد بن جُبیر.
وذكر أبو عليِّ الْجَيّانيُّ أنَّه وَقَعَ في رواية أبي عليّ ابن السّكَن مُسَمّى، فقال فيه: عن یحیی
عن يَعْلى بن حَكيم. قال: ووقع في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسيّ: هشام عن يحيى(٣) بن حكيم
عن سعيد بن جُبَير. قال الْجَيّانيُّ: وهو خطأ فاحش.
قلت: سَقط عليه منَ السَّنَدِ (٤) لفظة ((عن)) بين يحيى وابن حَكيم، قال: ورواية ابن
السَّكَن رافعة للنِّزاع. قلت: وسَّاه يحيى بن أبي كثير في رواية معاوية بن سَلّامٍ عنه كما
سيأتي في كتاب الطَّلاق (٥٢٦٦).
قوله: ((عن سعيد بن جُبَير)) زاد في رواية معاوية المذكورة: أنَّه أخبَرَه أنَّه سمعَ ابن عبّاس.
قوله: ((في الحرام يُكَفِّرُ)) أي: إذا قال لامرأتِه: أنتِ عليَّ حَرام، لا تَطلُق، وعليه كفَّارة
يَمِينٍ، وفي رواية معاوية المذكورة: إذا حَرَّمَ امرأته ليس بشيءٍ. وسيأتي البحث في ذلك في
كتاب الطَّلاق.
(١) في (س): سورة التحريم.
(٢) كذا في (ع) على الصواب، وتحرف في (أ) و(س) إلى: بأنَّ أحمد الجرجاني. وأبو زيد المروزي هو محمد بن
أحمد بن عبد الله المروزي، وأبو أحمد الجرجاني: هو محمد بن محمد بن مكي بن يوسف الجرجاني،
والاثنان من رواة ((الصحيح)) عن محمد بن يوسف الفِرَبري.
(٣) كذا في (ع) على الصواب، وتحرَّف في (أ) و(س) إلى: يعلى.
(٤) قوله: ((من السند)) من الأصلين، وسقط من (س).

٤٣٧
سورة التحريم / ح ٤٩١٢
كتاب التفسير
وقوله في هذه الطَّريق: ((يُكَفِّر)) ضُبطَ بكسر الفاء؛ أي: يُكَفِّر مَن وقع ذلك منه، ووَقعَ
في رواية ابن السَّكَن وحدَه: يمين تُكَفَّر، وهو بفتح الفاء، وهذا أوضحُ في المراد.
والغرضُ من حديث ابن عبّاس قوله فيه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ﴾، / فإنَّ فيه ٦٥٧/٨
إشارةً إلى سبب نزول أوَّل هذه السّورة، وإلى قوله فيها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾
[التحريم: ٢]، وقد وقع في بعض حديث ابن عبّاس عن عمر في القِصّة الآتية في الباب الذي
يَليه: فعاتَبَه الله في ذلك وجَعَلَ له كفَّارةَ الیمین.
واختُلِفَ في المراد بتحريمِه، ففي حديث عائشة ثاني حديثَي الباب: أنَّ ذلك بسبب
شُرِبِه وَّهِ العَسلَ عند زَيْنَب بنت جحْش، فإنَّ في آخِرِه: ((ولن أعودَ له وقد حَلَفت)).
وسيأتي شرح حديث عائشة مُستَوفَّى في كتاب الطَّلاق (٥٢٦٧) إن شاء الله تعالى.
ووقع عند سعيد بن منصور(١) بإسنادٍ صحيح إلى مسروق قال: حَلَفَ رسول الله وَلّ
لحفصةَ: لا يَقْرَب أَمَتَه، وقال: «هي عليَّ حَرام))، فنزلت الكفَّارة ليمينِهِ، وأُمِرَ أن لا يُرِّم ما
أحَلَّ الله.
ووَقَعَت هذه القِصّة مُدرَجةً عند ابن إسحاق في حديث ابن عبّاس عن عمر الآتي في
الباب الذي یلیە کما سأُبِّنُه.
وأخرج الضّياء في ((المختارة)) (١٨٩) من مُسنَد الهَيْثَم بن كُلَيب، ثمَّ من طريق جَرِير بن
حازِم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: قال رسول الله وَ له لحفصةَ: ((لا
تُخبري أحداً أنَّ(٢) أمَّ إبراهيمَ عليَّ حَرام)) قال: فلم يَقرَبها حتَّى أخبَرَت عائشةَ، فأَنزَلَ الله:
﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾
وأخرج الطبرانيُّ(٣) في ((عِشرة النِّساء)) وابن مَرْدويه من طريق أبي بكر بن عبد الرّحمن عن
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((سننه))، وأخرجه من طريقه البيهقي في ((الكبرى)) ٧/ ٣٥٣.
(٢) وفي المطبوع منه بلفظ: ((وإنَّ ... )) بزيادة الواو قبلها وكسر همزتها، وإسناده إلى عمر ﴾ صحيح.
(٣) في ((الأوسط)) برقم (٢٣١٦)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٧/٧: رواه الطبراني في ((الأوسط)) من
طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير عن عمِّه، ونقل عن الذهبي قوله: مجهول وخبره ساقط.

٤٣٨
سورة التحريم / ح ٤٩١٣
فتح الباري بشرح البخاري
أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة قال: دخل رسولُ اللهِ وَلّهِ بماريةَ بيتَ حفصةَ، فجاءت فوَجَدَتها
معه، فقالت: يا رسولَ الله، في بيتي تَفعَل هذا مَعي دون نسائك؟! فذكر نحوه.
وللطََّرَانيّ (١٢٦٤٠) من طريق الضَّحّاك عن ابن عبّاس قال: دَخَلَت حفصةُ بيتَها
فَوَجَدَته يَطَأُ ماريةَ، فعاتبته، فذكر نحوه.
وهذه طرق يُقوِّي بعضُها بعضاً، فيَحتمل أن تكون الآية نزلت في السَّبينِ معاً. وقد
روى النَّسائيُّ (٣٩٥٩) من طريق حمّاد عن ثابت عن أنس هذه القِصّة مختصرة: أنَّ النبيّ وَل
كانت له أَمة يَطَؤُّها فلم تَزَلْ به حفصةُ وعائشة حتَّى حَرَّمَها، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ
لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكَ ﴾ الآية.
٢- بابٌ
﴿َتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾
﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾
٤٩١٣- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى، عن عُبیدِ بنِ
حُنَينِ: أنَّه سمعَ ابنَ عِبَّاسٍ رضي الله عنهما يُحدِّثُ، أَنَّه قال: مَكَثْتُ سَنةً أُرِيدُ أن أسألَ عمرَ بنَ
الخطَّب عن آيةٍ، فما أستطيعُ أن أسألَه هَيْبةً له، حتَّى خَرَج حاجّاً فخَرَجْتُ معه، فلمَّا رَجَعْنا،
وكنّا ببعضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ إلى الأَرَاكِ لحاجةٍ له، قال: فَوَقَفْتُ له حتَّى فَرَغَ، ثمَّ سِرْتُ معه،
فقلتُ: يا أمِيرَ المؤمنينَ، مَنِ اللَّتان تَظاهَرَتا على النبيِّ وَلِّ من أزواجِه؟ فقال: تلك حفصةُ
وعائشةُ، قال: فقلتُ: والله إن كنتُ لأُرِيدُ أن أسألَكَ عن هذا منذُ سَنةٍ، فما أستَطِيعُ هَيبةً لكَ،
قال: فلا تَفْعَلْ، ما ظَنَنْتَ أنَّ عندي من عِلْمٍ فاساًلْني، فإن كان لي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ به.
قال: ثمّ قال عمرُ: والله إن كنّاً في الجاهليّةِ ما نَعُذُّ للنِّساءِ أمراً، حتَّى أنزَلَ الله فيهِنَّ ما
أَنزَلَ، وقَسَمَ هنَّ مَا قَسَمَ، قال: فبينا أنا في أمرٍ أَتأمَّرُه، إذ قالت امرأتي: لو صَنَعْتَ كذا وكذا،
قال: فقلتُ لها: ما لكَ ولِما ها هنا، وفِيمَ تَكلَّفُكِ في أمرٍ أُرِيدُه؟ فقالت لي: عَجَباً لكَ يا ابنَ
الخطّاب! ما تريدُ أن تُراجَعَ أنتَ، وإنَّ ابنتَكَ لَتُرَاجِعُ رسولَ الله ◌َّهِ، حتَّى يَظَلَّ يومَه غَضْبانَ،

٤٣٩
سورة التحريم / ح ٤٩١٣
كتاب التفسير
فقامَ عمرُ فأخَذَ رِداءَه مكانَه حتَّى دَخَلَ على حفصةَ، فقال لها: يا بُنيَّةُ إِنَّكِ لَتُراجِعِينَ رسولَ الله
وَّهِ، حتَّى يَظَلَّ يومَه غَضْبانَ؟ فقالت حفصةُ: والله إنّا لَنُراجِعُه، فقلتُ: تَعلِمِينَ أنّي أُحَذِّرُكِ
عُقوبةَ الله وَغَضَبَ رسولِهِ وَّةِ، / يا بُنيَّةُ، لا تَغُرَّنَّكَ هذه التي أعجَبَها حُسْنُها حُبُّ رسولِ الله ٦٥٨/٨
وَلَ﴾ إيّاها؛ يُرِيدُ عائشةَ.
قال: ثمَّ خَرَجْتُ حتَّى دَخَلْتُ على أمِّ سَلَمَة لِقَرابَتي منها، فكَلَّمْتُها فقالت أمُّ سَلَمَةَ:
عَجَباً لكَ يا ابنَ الخطّاب! دَخَلْتَ في كلِّ شيءٍ، حتَّى تَبْتَغِيَ أن تَدْخُلَ بينَ رسولِ اللهِ وَل
وأزواجِهِ، فأخَذَتْني والله أخْذاً، كَسَرَتْني عن بعضِ ما كنتُ أجِدُ، فخَرَجْتُ من عندِها، وكان
لي صاحبٌ مِن الأنصار، إذا غِبتُ أتاني بالخبرِ، وإذا غابَ كنتُ أنا آتِهِ بالخبرِ، ونحنُ نَتَخَوَّفُ
مَلِكاً من ملوكٍ غَسّانَ، ذُكِرَ لنا أنَّه يُرِيدُ أن يَسِيرَ إلينا، فقَدِ امتلأت صُدورُنا منه، فإذا صاحبي
الأنصاريُّ يَدُقُّ البابَ فقال: افتَحْ افتَحْ، فقلتُ: جاء الغَسّانيُّ؟ فقال: بل أشَدُّ من ذلك، اعْتَزَّلَ
رسولُ اللهِوَّ أَزْواجَه، فقلتُ: رَغَمَ اللهُ أَنفَ حفصةَ وعائشةَ!
فأخَذْتُ ثَوْبي، فأخرُجُ حتَّى جِئْتُ، فإذا رسولُ اللهِ وَِّ فِي مَشْرُبٍ له يَرْقَى عليها بعَجَلٍ،
وغلامٌ لِرسولِ الله وَ﴿ أَسوَدُ على رأسِ الدَّرَجةِ، فقلتُ له: قُلْ هذا عمرُ بنُ الخطّاب، فأذِنَ
لي.
قال عمرُ: فقَصَصْتُ على رسولِ اللهِوَ ◌ّ هذا الحديثَ، فلمَّا بَلَغْتُ حديثَ أمِّ سَلَمَةَ تَبسَّمَ
رسولُ اللهِ وَّهِ، وإِنَّه لَعلى حَصِيرٍ ما بينَه وبينَه شيءٌ، وتحتَ رأسِه وِسادةٌ من أدَمِ، حَشْوُها
لِيفٌ، وإنَّ عندَ رِجْلَيْهِ قَرَظاً مَصْبُوراً، وعندَ رأسِه أَهَبٌّ مُعلَّقَةٌ، فرأيتُ أثَرَ الحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ،
فَبَكَيتُ، فقال: ((ما يُبْكِيكَ؟)) فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ كِسْرَى وقَصَرَ فيما هما فيه وأنتَ
رسولُ الله؟! فقال: ((أمَا تَرْضَى أن تكونَ لهمُّ الدُّنْيا ولنا الآخِرةُ؟».
قوله: ((بابٌ ﴿تَبَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾)) كذا لهم بإسقاطِ
بعض الآية الأُولى وحذف بَقيَّة الثّانية، وكَمَّلَها أبو ذَرّ.
قوله: ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاريّ، والإسناد كلُّه مَدَنُّونَ.

٤٤٠
سورة التحريم/ ح ٤٩١٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((مَكَثْتُ سَنةً أُريد أن أسألَ عمرَ بن الخطّاب)) فذكر الحديث بطُوله في قِصّةِ اللَّتَيْنِ
تَظاهَرَتا، وقد ذكره في النِّكاح مختصراً من هذا الوجه (٥٢١٨)، ومُطوَّلاً من وجهٍ آخَر
(٥١٩١)، وتقدَّم طَرَف منه في كتاب العلم (٨٩). وفي هذه الطَّريق هنا من الزّيادة مُراجَعةٌ
امرأة عمر له ودُخوله على حفصة بسبب ذلك بطُوله، ودُخول عمر على أمّ سَلَمةً. وذَكر في
آخر الأُخرى قِصّة اعتزاله وَله نساءَه، وفي آخر حديث عائشة في التَّخيير، وسيأتي الكلام
على ذلك كلِّه مُستَوقَ في كتاب النكاح (٥١٩١) إن شاء الله تعالى.
وقوله في هذه الطَّريق: ((ثمَّ قال عمر : والله إن كنَّا في الجاهليَّة ما نَعُدّ للنِّساءِ أمراً حتَّى
أَنْزَلَ الله فيهِنَّ مَا أَنزَلَ)) قرأت بخَطِّ أبي عليّ الصَّدَفيّ في هامش نُسخَته: قيل: لا بدَّ من اللّام
للتَّأكید.
وقوله في هذه الطَّريق: ((لا تَغُرَّنَّك هذه التي أعجَبَها حُسنُها حُبُّ رسول الله وَلَ)) هو
برفع ((حُبُّ)) على أنَّه بَدَلٌ من فاعل ((أعجَبَ))، ويجوز النَّصب على أنَّه مفعولٌ من أجله؛
أي: من أجل حُبِّه لها.
وقوله فيه: (قَرَظاً مَصْبُوراً) أي: مجموعاً مِثل الصُّبْرة، وعند الإسماعيليّ: ((مَصبُوباً))
بمُوحَّدتَينِ.
٣- بابٌ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِيثًا﴾
إلى: ﴿اَلْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]
٦٥٩/٨
فيه عائشةُ، عن النبيِّ ◌َّل.
٤٩١٤- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سمعتُ عُبِيدَ بنَ حُنَينٍ،
قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، يقول: أرَدْتُ أن أسألَ عمَرَ ﴾، فقلتُ: يا أمِيرَ
المؤمنينَ، مَنِ المرأتان اللَّتانِ تَظاهَرَتا على رسولِ الله وََّ؟ فما أتمَمْتُ كلامي حتَّى قال: عائشةُ
وحَفْصةُ.
قوله: ((باب ﴿وَإِذْأَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِيثًا﴾ إِلى: ﴿الْخَبِيرُ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ