النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة الممتحنة/ح ٤٨٩٥
كتاب التفسير
قوله: ((تابَعَه عبد الرَّزّاق عن مَعمَر)) زاد المُستَمْلي: ((في الآية))، ووَصَلَه مسلم (٤٢/١٧٠٩)
عن عبد بن حُميدٍ عن عبد الرَّزّاق عَقِب رواية سفيان، وقال في آخره: وزاد الحديث: فتلا
علينا آية النِّساء ﴿ أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِالَّهِ شَيْئًا﴾))، وقد تقدَّم شرحه ومباحثه في كتاب الإيمان
مُستَوَفَى (١٨).
وقوله: ﴿بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِ ﴾، فيه عِدّة أقوال:
منها: أنَّ المراد بما بينَ الأيدي: ما يُكتَسَب بها، وكذا الأرجُل.
الثّاني: هما كِناية عن الدُّنيا والآخرة، وقيل: عن الأعمال الظّاهرة والباطِنة، وقيل:
الماضي والمستَقبَل، وقيل: ما بين الأيدي کَسْبُ العبد بنفسِه، وبالأرجُلِ کَسْبُه بغيره، وقيل
غير ذلك.
الحديث الرَّابع:
٤٨٩٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم، حدَّثنا هارونُ بنُ مَعْروفٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ
وَهْب، قال: وأخبرني ابنُ جُرَيجِ: أنَّ الحسنَ بنَ مسلمٍ أخبَرَه، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما، قال: شَهِدْتُ الصلاةَ يومَ الفِطْرِ معَ رسولِ اللهِ وَِّ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ،
فكلُّهم يُصَلِّيها قبلَ الخُطْبةِ، ثمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ، فنزلَ نبِيُّ الله ◌َّةِ، فكأنّي أَنْظُرُ إليه حِينَ يُحِلِّسُ
الرِّجالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أقبَلَ يَثُقُّهم، حتَّى أتى النِّساءَ معَ بلالٍ، فقال: ((﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَمَكَ
الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْنُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ
بِبُهْتَكٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ﴾)) حتَّى فَرَغَ مِن الآيةِ كلِّها، ثمَّ قال حينَ فَرَغَ: «أَنْتُنَّ
على ذلك؟)) وقالت امرأةٌ واحدةٌ، لم يُحِيْه غيرُها: نعم يا رسولَ الله - لا يَدْري الحسنُ مَن هي -
قال: ((فتَصَدَّقْنَ))، وبَسَطَ بلالٌ ثَوبَه، فجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ والخَواتِیمَ فِي ثَوْبٍ بلالٍ.
قوله: ((حدَّثنا محمّد بن عبد الرحيم، حدَّثنا هارون بن مَعْروف، حدَّثنا عبد الله بن وَهْب،
قال: وأخبَرَني ابن جُرَيج)) قلت: نزلَ البخاريّ في هذا الإسناد دَرَجتَينِ بالنِّسبة لابنِ جُرَيج،
فإنَّه يروي عن ابن جُرَيج بواسطة رجل واحد، كأبي عاصم ومحمَّد بن عبد الله الأنصاريّ

٤٠٢
سورة الصف/ح ٤٨٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
ومَكّيّ بن إبراهيم وغيرهم، نزلَ فيه درجة بالنِّسبة لابنٍ وَهْب، فإنَّه يَروي عن جَمعٍ من
أصحابه، كأحمد بن صالح وأحمد بن عيسى وغيرهما، وكأنَّ السَّبَب فيه تصریحُ ابن جُرَيج
في هذه الطَّريق النازلة بالإخبار.
وقد أخرج البخاريّ طَرَفاً من هذا الحديث في كتاب العيدَينِ (٩٦٢) عن أبي عاصم
عن ابن جُرَيج بالعُلوِّ، وهو من أوَّله إلى قوله: ((قبل الخُطبة)) وصَرَّحَ فيه ابن جُرَيج بالخبرِ،
فلعلَّه لم يكن بطُوله عند أبي عاصم(١) ولا عند مَن لَقِيَه من أصحاب ابن وَهْب، وقد عَلاه
أبو ذرٍّ في روايته فقال: حدَّثنا عليّ الحَرْبيّ، حدَّثنا ابن أبي داود، حدَّثنا محمّد بن مَسلَمة،
حذَّثنا ابن وَهْب، ووَقَعَ للبخاريِّ بعُلوِّ في العيدَينِ لكنَّه من طريق عبد الرَّزّاق عن ابن
جُرَيج، وتقدَّم شرحه هناكَ مُستَوقّ، وقول ابن وَهْب: وأخبرني ابن جُرَيج، معطوف على
شيء محذوف.
٦١ - سورة الصَّفّ
بِسمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ
وقال مجاهدٌ: ﴿ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللهِ﴾ [١٤]: مَن يَتَّعُني إلى الله.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾ [٤]: مُلْصَقٌ بعضُه إلى بعض.
وقال يحيى: بالرَّصاص.
١ - ﴿مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُوَ أَحْمَدُ ﴾ [٦]
٤٨٩٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني محمَّدُ بنُ جُبَير
٦٤١/٨ ابن مُطْعِم، عن أبيه ، / قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّةِ، يقول: ((إنَّ لي أسماءً: أنا محمَّدٌ،
وأنا أحمدُ، وأنا الماحي: الذي يَمْحُو اللهُ بِيَ الكُفْرَ، وأنا الحاشرُ: الذي يُحْشَرُ الناسُ على
قَدَمي، وأنا العاقِبُ)).
(١) في (س): ابن أبي عاصم، وهو خطأ، وأبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني،
المشهور بأبي عاصم النبيل.

٤٠٣
سورة الصف/ح ٤٨٩٦
كتاب التفسير
قوله: ((سورة الصَّفّ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ، ويقال لها
أيضاً: سورة الحَواريّينَ.
وأخرج الطَّبَرَيُّ من طريق مَعمَر عن قَتَادة: أنَّ الحَوارِيّينَ من أصحاب النبيِّ وَّ،
كلّهم من قُرَيش، فسَمَّى العشرة المشهورينَ إلّا سعيد بن زيد وحدَه وحمزة و جعفر بن أبي
طالب و عثمان بن مظعون.
وقد وَقَعَ لنا سماعُ هذه السُّورةِ مُسَلسَلاً في حديث ذُكِرَ في أَوَّله سببُ نزولها، وإسنادُه
صحيح، قَلَّ أن وقع في المسَلسَلات مِثْلَهِ معَ مَزيد عُلِّه.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللّهِ﴾ مَن يَتَّبعني إلى الله)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ:
(مَنْ تَبِعَني إلى الله)) بصيغة الماضي. وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظ: مَن يَتَّبعني.
وقال أبو عبيدة: ((إلى)) بمعنى: في؛ أي: مَن أنصاري في الله؟
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: مُلْصَق بعضُه إلى بعض)) كذا لأبي ذرٍّ. ولغيره:
ببعضٍ.
وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله: ﴿كَأَنَّهُم
بُنْيَكِنٌ مَرْصُوصٌ﴾: مُثبَت لا يَزِول، مُلصَق بعضُه ببعضٍ. فعلى تفسير ابن عبّاس هو من
التَّراصّ؛ أي: التَّضامّ، مِثل تَراصِّ الأسنان، أو من الملائم الأجزاء المستَوي.
قوله: ((وقال يحيى: بالرَّصاص)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفيّ، ولغيرهما: وقال غيره.
وجَزَمَ أبو ذرِّ بأنَّه يحيى بن زياد بن عبد الله الفَرّاء، وهو كلامه في ((معاني القرآن))،
ولفظه في قوله: ﴿كَأَنَّهُم ◌ُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾: يريد بالرَّصاص حَثَّهم على القتال، ورَجَّحَ الطََّرِيُّ
الأوَّل. والرَّصاص بفتح الرَّاء، ويجوز كسرها.
قوله: ((﴿مِنْ بَعْدِى أَسْمُرُ أَحْمَدُ﴾)) في رواية أبي ذرٍّ: ((بابٌ ﴿يَأْتِ مِنْ بَعْدِى﴾))، وذكر فيه
حديث جُبَير بن مُطعِم، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفى أوائل السِّيرة النبويَّة (٣٥٣٢).
:
۔۔

٤٠٤
سورة الجمعة/ ح ٤٨٩٧-٤٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
٦٢ - سورة الجُمُعة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
قوله: ((سورة الجمعة - ◌ِسْمِ آلِهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت سورة والبسملة لغير أبي ذرٍّ، وتقدَّم
ضبطُه في كتاب الصلاة(١).
١ - باب قوله: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْبِهِمْ﴾ [الجمعة:٣]
وقرأ عمرُ: «فامضُوا إلى ذِكْرِ الله).
٤٨٩٧ - حدَّثني عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن ثَوْرٍ، عن أبي
الغَيْثِ، عن أبي هريرةَ ، قال: كنَّا جُلوساً عندَ النبيِّ وَّهِ، فَأَنْزِلَت عليه سورةُ الجمُعةِ:
﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ قال: قلتُ: مَن هم يا رسولَ الله؟ فلم يُراجِعْه، حتَّى سألَ
ثلاثاً، وفينا سَلْمانُ الفارسِيُّ، وضَعَ رسولُ الله ◌َ يَدَه على سَلْمانَ، ثمَّ قال: ((لو كان الإيمانُ عندَ
الثُّريّا، لَنَالَه رجالٌ - أو رجلٌ - من هؤلاءٍ)).
[طرفه في: ٤٨٩٨]
٤٨٩٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، أخبرني ثَوْرٌ، عن أبي الغَيثِ،
عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّ: ((لَنَالَه رجالٌ من هؤلاءٍ)).
قوله: ((باب قوله: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾)) أي: لم يَلحَقوا بهم، ويجوز في
٦٤٢/٨
(آخَرِين)) أن يكون منصوباً عَطفاً على الضَّمير المنصوب في ((يعلِّمهم))، وأن يكون مجروراً
عَطفاً على ﴿الْأُمَّيِّنَ﴾.
قوله: ((وقرأ عمرُ: فامضُوا إلى ذِكْرِ الله)) ثَبَتَ هذا هنا في رواية الكُشْمِيهنيِّ وحدَه،
وروى الطَّبَرَيُّ (١٠٠/٢٨) عن عبد الحميد بن بَيَان عن سفيان عن الزُّهْريِّ عن سالم بن
عبد الله عن أبيه قال: ما سمعت عمرَ يقرؤُها قَطُّ إلّا(٢) ((فامضُوا)). ومن طريق مُغيرة عن
(١) بين يدي الحديث رقم (٨٧٦).
(٢) لفظ ((إلّا)) سقط من (س)، واستدركناه من الأصلين و((تفسير الطبري)).

٤٠٥
سورة الجمعة/ ح ٤٨٩٨
كتاب التفسير
إبراهيم قال: قيلَ لعمر: إنَّ أُبيَّ بن كعب يقرؤُها: ((فاسْعَوا)) قال: أمَا إِنَّه أعلمُنا وأقرؤنا
للمنسوخِ، وإنَّما هي («فامضُوا)).
وأخرجه سعيد بن منصور، فبيَّن الواسطة بين إبراهيم وعمر، وأنَّه خَرَشة بن الحُرّ،
فصحّ الإسناد.
وأخرَجا أيضاً من طريق إبراهيم عن عبد الله بن مسعود أنَّه كان يقرؤُها: ((فامضُوا))،
ويقول: لو كان ((فاسْعَوا)) لَسَعَيتُ حتَّى يَسقُطَ رِدائي(١)، وأخرجه الطبرانيُّ (٩٥٣٩)
ورجاله ثقات، إلّا أنَّه مُنقَطِع (٢).
وللطَّبَرانيِّ أيضاً (٩٥٤٠) من طريق قَتَادة قال: هي في حرف ابن مسعود: «فامضُوا))
قال: وهي كقولهِ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقَّى﴾ [الليل: ٤].
وقال أبو عُبيدة: معنى ﴿فَأَسْعَوْاْ﴾: أَجِيبوا، وليس من العَدْو.
قوله: ((حدَّثنا عبد العزيز)) كذا لهم غير منسوب. قال الجَيّانيُّ: وكلام الكلاباذيّ يقتضي
أنَّه ابن أبي حازِم سَلَمَةَ بن دينار، قال: والذي عندي أنَّ الدَّرَاوَردِيُّ، لأنَّ مسلماً أخرجه
(٢٣١/٢٥٤٦) عن قُتَيبة عن الدَّراورديِّ عن ثَوْر.
قلت: وأخرجه الثِّرمِذيّ (٣) والنَّسائيُّ أيضاً (ك ٨٢٢٠) عن قُتَيبة، وأورَدَه الإسماعيليّ وأبو
نُعَيم (مُستَخرَجَيهما)) من طريق قُتَيبة، وجَزَمَ أبو مسعود أنَّ البخاريّ أخرجه عن عبد الله بن
عبد الوهّاب أنبأنا عبد العزيز الدَّراوَرديّ، كذا فيه، وتَبِعَه المِيُّ، وظاهره أنَّ البخاريّ نَسَبَه
ولم أرَ ذلك في شيءٍ من نُسَخ ((الصَّحيح))، ولم أَقِفْ على رواية عبد العزيز بن أبي حازم لهذا
الحديث في شيء من المسانيد، ولكن يُؤْيِّده أنَّ البخاريّ لم يُرِّج للدَّراوَرديِّ إلّا مُتَابَعة أو
مقروناً، وهو هنا كذلك، فإنَّه صَدَّرَە برواية سليمان بن بلال، ثمَّ تَلاه برواية عبد العزیز.
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره)) ٢٨/ ١٠٠، ولفظه فيه: لو كان السَّعي لسعيت حتى يسقط ردائي.
(٢) لأنَّ إبراهيم - وهو النَّخعي - لم يدرك ابن مسعود ﴾.
(٣) إنما أخرجه الترمذي (٣٣١٠) و(٣٩٣٣) عن علي بن حجر، عن عبد الله بن جعفر، عن ثور بن زيد،
وليس قتيبة، ورواية قتيبة عن عبد العزيز عن ثور أخرجها أحمد في ((مسنده)) برقم (٩٤٠٦).

٤٠٦
سورة الجمعة/ح ٤٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن ثَوْر)) هو ابن زيد (١) المدنيّ، وأبو الغَيث، بالمعجَمة والمثلَّثة: اسمه سالم.
قوله: ((فأُنزِلَت عليه سورة الجمعة: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾) كأنَّه يريد: أُنزِلَت
عليه هذه الآيةُ من سُورة الجمعة، وإلّا فقد نزلَ منها قبلَ إسلام أبي هريرة الأمرُ بالسَّعىٍ،
ووَقَعَ في رواية الدَّراوَرديِّ عن ثَور عند مسلم (٢٣١/٢٥٤٦): نزلت عليه سورة الجمعة، فلمَّا
قرأ: ﴿ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ﴾.
قوله: ((قال: قلت: مَن هم يا رسول الله؟)) في رواية السَّرَخْسيِّ: قالوا: مَن هم يا
رسول الله؟ وفي رواية الإسماعيليّ: ((فقال له رجل))، وفي رواية الدَّراوَرديِّ: «قيلَ: مَن
هم))، وفي رواية عبد الله بن جعفر عن ثَور عند التِّرمِذيّ (٣٣١٠ و ٣٩٣٣): فقال رجل: يا
رسولَ الله، مَن هؤلاءِ الذينَ لم يَلحَقوا بنا؟ ولم أقِفْ على اسم السائل.
قوله: ((فلم يُراجِعوه)) كذا في نُسخَتي من طريق أبي ذرِّ(٢)، وفي غيرها: فلم يُراجِعْه،
وهو الصَّواب، أي: لم يُراجِعِ النبيُّ وَّهِ السائلَ، أي: لم يُعِد عليه جوابه حتَّى سألَه ثلاثَ
مَّات، ووقع ذلك صريحاً في رواية الدّراوَرْديِّ قال: فلم يُراجِعْه النبيُّ ◌َِّ حَتَّى سألَ مَرَّتَينِ أو
ثلاثاً، وفي رواية ابن وَهْب عن سليمان بن بلال(٣): حتَّى سألَه ثلاث مرّات؛ بالجزم، وكذا في
رواية عبد الله بن جعفر.
قوله: ((وَضَعَ رسولُ اللهِوَ ◌ّر يده على سَلْمان)) في رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: يَدَه
على فَخِذ سلمان (٤).
قوله: ((لو كان الإيمان عند الثَّرَيّا)) هي نجم معروف تقدَّم ذِكْره في تفسير سورة النَّجم(٥).
(١) تحرَّف في الأصلین و(س) إلى: یزید.
(٢) ما ذكره الحافظ هنا ذكر مثله العيني في ((عمدة القاري)) ٢٣٥/١٩، ولكن الثابت في اليونينية و((إرشاد
الساري)): ((فلم يراجعْه)) فقط، دون ذكر خلاف أو فرق بين رواة ((الصحيح)) في هذا الحرف!
(٣) أخرجها الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٢٩٧).
(٤) أخرجها الترمذي برقم (٣٢٦١).
(٥) عند قوله: سورة والنجم، قبل الحديث (٤٨٥٥).

٤٠٧
سورة الجمعة/ ح ٤٨٩٨
كتاب التفسير
قوله: (لَنَالَه رجالٌ - أو رجلٌ - من هؤلاءٍ)) هذا الشكّ من سليمان بن بلال؛ بدليلٍ
الرِّواية التي أورَدَها بعدَه من غير شَكّ مُقتَصِراً على قوله: ((رجال من هؤلاءِ»، وهي عند
مسلم (٢٥٤٦) والنَّسائيِّ (ك٨٢٢٠) كذلك، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن وَهْب
عن سليمان بلفظ: ((لَنالَه رجال من هؤلاء)» أيضاً بغير شَكٍّ(١).
وعبد العزيز المذكور: هو الدَّراوَردِيُّ كما جَزَمَ به أبو نُعَيم والجَيّانيّ ثمَّ الِّيّ، وقد/ ٦٤٣/٨
أخرجه مسلم عن قُتَيبة عن الدَّراوَرديِّ، وجَزَمَ الكلاباذيّ بأنَّه ابن أبي حازِمِ، والأوَّل
أَولى، فإنَّ الحديث مشهور عن الدَّراوَرديِّ، ولم أرَ في شيء من المسانيد من حديث أبي حازم،
والدَّراوَرديّ قد أخرج ه البخاريّ في المتابعات غير هذا.
قوله: ((من أبناء فارس)) قيل: إنَّهم من ولد هدرام بن أَرْفَخشد بن سام بن نوح، وأنَّه
ولدَ بضعةَ عشرَ رجلاً كلّهم كان فارساً شُجاعاً فسُمُّوا الفُرس للفُروسيَّة، وقيل في نَسَبهم
أقوال أُخرى.
وقال صاعِد(٢) في ((الطَّقات)): كان أوَّلهم على دين نوح، ثمَّ دخلوا في دين الصّابئة في
زمن طمهورث، فدامُوا على ذلك أكثرَ من ألفَي سنةٍ، ثمَّ تَجَّسوا على يد زَرَادشت(٣).
وقد أطنَبَ أبو نُعَيم في أوَّل ((تاريخ أصبَهان)) في تخريج طرق هذا الحديث؛ أعني:
حديثَ: ((لو كان الدّين عند الثُّرَيّا)).
ووَقَعَ في بعض طرقه عند أحمد (٧٩٥٠) بلفظ: ((لو كان العلم عند الثَّرِيّا))، وفي بعض
طرقه عند أبي نُعَيم عن أبي هريرة: أنَّ ذلك كان عند نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ
قَوْمًا غَيْرَّكُمْ﴾، ويحتمل أن يكون ذلك صَدَرَ عند نزول كلٍّ من الآيتينِ.
(١) وكذا أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٢٩٧)، وابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٩٦/٢٨
من رواية ابن وهب عن سلیمان بن بلال بغیر شكّ.
(٢) صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صاعد التغلبي، أبو القاسم، قاضي ◌ُلَيطِلة، وأصله من قُرطبة، مؤرخ
وبخَّاث، من كتبه: ((جوامع أخبار الأمم من العرب والعجم)) و ((تاريخ الأندلس))، و((طبقات الأمم)) وهو الذي
أشار إليه الحافظ، وهو كتاب مطبوع حققه وشرحه لويس شيخو، توفي صاعد سنة ٤٦٢هـ.
(٣) في (ع): تمجّسوا بدين زرادشت. ومعناه صحيح.

٤٠٨
سورة الجمعة/ ح ٤٨٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقد أخرج مسلم الحديث (٢٥٤٦/ ٢٣٠) مُجرَّداً عن السَّبَب من رواية يزيد بن الأصَمّ
عن أبي هريرة رَفَعَه: ((لو كان الدّين عند الثُّرَيّا لَذهب رجالٌ من أبناء فارسَ حتَّى يَتَنَاوَلُوه)).
وأخرجه أبو نُعَيم من طريق سليمان التَّيْميِّ: حدَّثني شيخ من أهل الشّام عن أبي
هريرة نحوه، وزاد في آخره: ((برِقّة قُلوبِهِم)).
وأخرجه أيضاً من وجه آخر عن التَّيْميِّ عن أبي عثمان عن سلمان الفارسيّ بالزّيادة،
ومن طريق أُخرى من هذا الوجه فزاد فيه: ((يَتَّبِعونَ سُنَّتِي، ويُكثِرونَ الصلاة عليّ».
قال القُرطُبيّ: وقع ما قاله ◌ِّهِ عِياناً، فإنَّه وُجِدَ منهم مَن اشتَهَرَ ذِكرُه من حُفّاظ الآثار
والعناية بها ما لم يُشارِكهم فيه كثيرٌ من أحد غيرهم.
واختَلَفَ أهل النَّسَب في أصل فارسَ، فقيل: إنَّهم يَنتَهِي نَسَبُهم إلى جيومرت، وهو
آدَم، وقيل: إنَّه من ولد يافث بن نوح، وقيل: من ذُرِيَّة لاوي بن سام بن نوح، وقيل: هو
فارس بن ياسور بن سام، وقيل: هو من ولد هدرام بن أرفخشد بن سام، وقيل: إنَّهم من
ولد يوسفَ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والأوَّل أشهَرُ الأقوال عندهم، والذي
یلیه أرجحُها عند غيرهم.
٢- بابٌ
﴿ وَ إِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْلَمْوَا﴾ [الجمعة: ١١]
٤٨٩٩- حدَّثني حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا حُصَينٌ، عن سالم بنِ
أبي الجَعْدِ وعن أبي سفيانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: أقبَلَت عِيرٌ يومَ الجمُعةِ
ونحنُ معَ النبيِّ وَّةِ، فثارَ الناسُ إلَّ اثنا عَشَرَ رجلاً، فأنزلَ الله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّا
أَنْفَضُّوَاْإِلَیْهَا﴾.
قوله: (بابٌ ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَا﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً ﴾
حَسْبُ.
قال ابن عَطِيَّة: قال: ﴿أَنْفَضُّوْ إِلَيْهَا﴾، ولم يَقُل: إليهما؛ اهتماماً بالأهمِّ إذ كانت هي سببَ

٤٠٩
سورة الجمعة/ ح ٤٨٩٩
كتاب التفسير
اللَّهو من غير عكس. كذا قال(١)! وفيه نظر، لأنَّ العَطف بـ((أو)) لا يُثَنَّى معه الضَّمير، لكن
يُمكِّن أن يُدَّعَى أَنَّ ((أو)) هنا بمعنى الواو، على تقدير أن تكون ((أو)) على بابها، فحَقّه أن
يقول: جيءَ بضمير النِّجارة دون ضمير اللَّهو للمعنى الذي ذكره(٢)، وقد تقدَّم بيان اختلاف
النَّقَلة في سبب انفضاضهم في كتاب الجمعة (٩٣٦).
قوله: ((حدَّثني حفص بن عمر)) هو الحَوْضُّ.
قوله: ((حدَّثنا حُصَين)) بالتَّصغير: هو ابن عبد الرَّحمن.
قوله: ((عن سالم بن أبي الجَعْد وعن أبي سُفيان عن جابر)) يعني: كلاهما عن جابر، وقد
تقدَّم في الصلاة(٣) من طريق زائدة عن حُصَين عن سالم وحده قال: ((حدَّثنا جابر))
والاعتماد على سالم. وأمَّا أبو سفيان واسمه: طلحة / بنُ نافع، فليس على شرطه، وإنَّما ٦٤٤/٨
أخرج له مقروناً، وقد تقدَّم له حديث في مناقب سعد بن معاذ (٣٨٠٣) قَرَنَه بسالم(٤)
أيضاً، وأخرج له حديثَينٍ آخرَينٍ في الأشربة (٥٦٠٥ و ٥٦٠٦) مقرونَينِ بأبي صالح عن
جابر، وهذا جميع ما له عنده.
قوله: ((أقبَلَت عِيرٌ)) بكسر المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة، تقدَّم الكلام عليها في كتاب
الجمعة (٩٣٦) معَ بَقيَّة شرح هذا الحديث، ولله الحمد.
قوله: ((فثارَ الناس إلّ اثنا عَشَر رجلاً)) وَقَعَ عند الطَّبَرِيِّ (١٠٣/٢٨) من طريق قَتَادة:
(١) كذا في الأصلین، وتحرف في (س) إلى: قيل.
(٢) ما ذكره الحافظ هنا هو أحد وجوه التأويل الكثيرة في قوله تعالى: ﴿أَنفَضُواْ إِلَيْهَا﴾، فقد تعددت وتنوّعت
أقوال المفسِّرين وأهل النحو واللغة في بيان سبب قوله تعالى: ((إليها)) بدلاً من ((إليهما))، ومن ذلك ما قاله
الفرّاء: أجود من ذلك في العربية أن تجعل الراجع من الذِّكر للآخِر من الاسمين. وذكر من أمثلة ذلك
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَّةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمٍ بِهِ، بَرِيْئًا﴾، فقال: ((به)) ولم يقل: بهما، وانظر جملة من
أقوال العلماء في ذلك ((تفسير القرطبي)) ١٨/ ١١١.
(٣) بل في كتاب الجمعة برقم (٩٣٦).
(٤) بل قرنه بأبي صالح ذكوان السمان، وقد سبق للحافظ أن ذكر هذا على الصواب في ((المقدمة)) في الفصل التاسع في
سياق أسماء من طُعن فيه من رجال هذا الكتاب.

٤١٠
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
إلّا اثني عشر رجلاً وامرأة. وهو أصحّ ممّا روى عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال: لم
يَبَقَ معه إلّا رجلان وامرأة (١). ووَقَعَ في ((الكشّاف)) أنَّ الذينَ بَقُوا ثمانية أنفُس، وقيل: أحد
عشر، وقيل: اثنا عشر، وقيل: أربعونَ، والقولان الأوَّلان لا أصلَ لهما فيما وقفتُ عليه، وقد
مضى استيفاء القول في هذا أيضاً في كتاب الجمعة (٩٣٦).
٦٣ - سورة المنافقين
◌ِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
١- باب قوله:
﴿ إِذَا جَآءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقين: ١]
٤٩٠٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بنِ أرقَمَ،
قال: كنتُ في غَزَاةٍ، فسمعتُ عبد الله بنَ أيَّ يقول: لا تُنفِقُوا على مَن عندَ رسولِ الله حتَّى
يَنْفَضُّوا من حَوْلِهِ، ولَئِنْ رَجَعْنا من عندِه لَيُخْرِ جَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ، فذَكَرْتُ ذلك لِعَمّي - أو
لِعِمَرَ - فذكره للنبِّ ◌َّهِ، فَدَعَاني فحَدَّثْتُه، فأرسَلَ رسولُ الله ◌َّةٍ إلى عبدِ الله بنِ أبيٍّ وأصحابِهِ،
فحَلَفوا ما قالوا، فَكَذَّبني رسولُ الله ◌ِ وَصَدَّقَه، فأصابَتِي هَمٌّ لم يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطَّ، فجَلستُ في
البيتِ، فقال لي عَمّي: ما أرَدْتَ إلى أنْ كَذَّبَكَ رسولُ اللهِوَّهِ وَمَقَتَكَ! فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِذَا
جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾، فَبَعَثَ إليَّ النبيُّونَ﴿ل فقرأْ، فقال: ((إنَّ اللهَ قد صَدَّقَكَ يا زيدُ)).
[أطرافه في: ٤٩٠١، ٤٩٠٢، ٤٩٠٣، ٤٩٠٤]
قوله: ((سورة المنافقين - بِسْمِ اللَّهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ)).
(باب قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَلَّهِ﴾ الآية)) وساقَ غير أبي ذرِّ
الآية إلى قوله: ﴿لَكَذِبُونَ﴾.
قوله: ((عن أبي إسحاقَ)) هو السَّبيعيّ، ولإسرائيلَ فيه إسنادُ آخرَ أخرجه الِّرمِذيّ (٣٣١٣)،
والحاكم (٤٨٨/٢-٤٨٩) من طريقه عن السُّدِّيِّ عن أبي سعد الأزديِّ عن زيد بن أرقَمَ.
(١) كذا قال الحافظ! والذي في المطبوع من ((تفسير عبد الرزاق)) ٢٩٢/٢: إلا اثنا عشر رجلاً وامرأتان.

٤١١
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٠
كتاب التفسير
قوله: ((عن زيد بن أرقَمَ)) سيأتي بعد بابينِ (٤٩٠٣) من رواية زُهَير بن معاوية عن أبي
إسحاق تصرُه بسماعِه له من زيدٍ.
قوله: ((كنتُ في غَزاة)) زاد بعد باب من وجهٍ آخَر عن إسرائيل: ((مَعَ عَمّي)) وهذه الغَزاة
وَقَعَ في رواية محمَّد بن كعب عن زيد بن أرقَم عند النَّسائيِّ (ك١١٥٣٣) أنَّها غزوة تَبُوك،
ويُؤيِّده قوله في رواية زُهَير المذكورة: في سَفَر أصاب الناسَ فيه شِدّةٌ.
وأخرج عبد بن حُميدٍ بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جُبَير مُرسَلاً: أنَّ النبيّ وَّ كان إذا
نزلَ مَنزِلاً لم يَرَحِل منه حتَّى يُصَلَّ فيه، فلمَّا كان غزوة تَبُوك نزلَ مَنزِلاً، فقال عبد الله بن
أُبيِّ، فذكر القِصّة.
والذي عليه أهل المغازي أنَّها غزوة بني المصطَلِقِ، وسيأتي قريباً في حديث جابر ما يُؤيِّده،
وعند ابن عائذ وأخرجه الحاكم في ((الإكليل)) من طريقه ثمَّ من طريق أبي الأسوَد عن عُرْوة
أنَّ القول الآتي ذِكْرِه صَدَرَ من عبد الله بن أبيِّ بعد أن قَفَلوا.
قوله: ((فسَمِعتُ عبد الله بن أُيِّ))/ هو ابن سَلُولَ رأسُ النِّفاق، وقد تقدَّم خبره في تفسير ٦٤٥/٨
براءة (٤٦٧٠).
قوله: ((يقول: لا تُنفِقُوا على مَن عندَ رسولِ الله حتَّى يَنفَضُّوا مِن حَوْله)) هو كلام عبد الله
ابن أبيّ، ولم يَقصِد الراوي بسياقه التِّلاوةَ، وغَلِطَ بعض الشُّرّاح فقال: هذا وَقَعَ في قراءة
ابن مسعود وليس في المصاحف المتَّفَق عليها، فيكون على سبيل البيان من ابن مسعود.
قلت: ولا يَلزَم من كَوْن عبد الله بن أبيِّ قالها قبل أن يَنزِل القرآن بحكاية جميع كلامه.
قوله: ((ولَئِنْ رَجَعْنا» كذا للأكثرِ، وللكُشْمِيهنيّ: ((ولو رَجَعْنا)) والأوَّل أَولى، وبعد
الواو محذوفٌ تقديره: سمعته يقول، ووَقَعَ في الباب الذي بعده: ((وقال: لَئِنْ رَجَعْنا» وهو
يُؤيِّد ما قلتُه. وفي رواية محمَّد بن كعب عن زيد بعد بابٍ: ((وقال أيضاً: لئنْ رَجَعْنا»، وسيأتي
في حديث جابر (٤٩٠٥) سببُ قول عبدِ الله بن أُبيِّ ذلك.
قوله: ((فَذَكَرْتُ ذلك لعَمّي، أو لعمرَ)) كذا بالشكِّ، وفي سائر الرِّوايات الآتية: لعَمّي، بلا

٤١٢
سورة المنافقين/ح ٤٩٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
شَكٍّ، وكذا عند التِّرمِذيّ (٣٣١٣) من طريق أبي سعد الأزديِّ عن زيد.
ووَقَعَ عند الطبرانيِّ (٥٠٧٣) وابن مَرْدويه أنَّ المراد بعَمِّه سعد بن عُبَادة وليس عَمّه
حقيقةً، وإنَّما هو سَيِّد قومِه الخَزْرَج، وعَمُّ زيد بن أرقم الحقيقيّ ثابت بن قيس، له صُحْبة،
وعَقُّه زوج أمّه عبدُ الله بن رواحة خَزرَجيّ أيضاً.
ووَقَعَ في («مغازي أبي الأسوَد)» عن عُرْوة أنَّ مِثل ذلك وقع لأوسِ بن أرقَم، فذكره
لعمر بن الخطّاب، فلعلَّ هذا(١) سببُ الشكّ في ذِكْر عمرَ، وجَزَمَ الحاكم في ((الإكليل)) أنَّ
هذه الرّواية وَهْمٌ، والصَّواب زيد بن أرقم.
قلت: ولا يَمْتَنِعِ تعدُّد المخبر بذلك عن عبد الله بن أبيٌّ، إلّا أنَّ القِصّة مشهورة لزیدٍ بن
أرقَم، وسيأتي من حديث أنس قريباً ما يَشْهَد لذلك.
قوله: ((فَذَكَرَه للنبيِّ ◌َّ) أي: ذكره عَمّي، وكذا وقع في الرِّواية التي بعد هذه. ووقع في
رواية ابن أبي ليلى عن زيد: ((فأخبَرَت به النبيّ وَّ)(٢)، وكذا في مُرسَل قَتَادة، فكأنَّه أطلقَ
الإخبار مجازاً، لكن في مُرسَل الحسن عند(٣) عبد الرَّزاق: فقال رسول الله وَّةِ: ((لعلَّك
أخطَأْ سَمعُك، لعلَّك شُبِّهَ عليك))، فعلى هذا لعلَّه راسَلَ بذلك أوَّلاً على لسان عَمِّه ثمَّ
حَضَرَ هو فأخبَرَ.
قوله: ((فحَلَفوا ما قالوا)» في رواية زُهَير: «فاجتَهَد(٤) يمينَه))، والمراد به عبد الله بن أُبيِّ،
وجُعَ باعتبار مَن معه. ووَقَعَ في رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة(٥): فَبَعَثَ النبيُّ بَّل إلى عبد الله
ابن أُبِيِّ فسألَه، فحَلَفَ بالله ما قال من ذلك شيئاً.
(١) قوله: ((فلعلَّ هذا)) سقط من (س).
(٢) علَّقها البخاري بصيغة الجزم بإثر الرواية الآتية برقم (٤٩٠٢)، ولم يذكر لفظها، وقد وصلها النسائي في
((الکبری)» (١١٥٣٠)، والطبري ١١٢/٢٨.
(٣) تحرف في (س) إلى: عن، وهذا المرسل أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢٩٤/٢.
(٤) كذا في (أ) على الصواب، وتحرف في (ع) إلى: فاجتهدوا، وفي (س) إلى: فأجهد. ورواية زهير ستأتي برقم
(٤٩٠٣).
(٥) رواية أبي الأسود عن عروة أخرجها البيهقي في (الدلائل)) ٥٦/٤.

٤١٣
سورة المنافقين/ح ٤٩٠٠
كتاب التفسير
قوله: ((فكَذَّبني)) بالتَّشديد، في رواية زُهَير (٤٩٠٣): فقالوا: كَذَبَ زيدُ رسولَ الله
صَلّه؟
وَسْتَ
وهذا بالتَّخفيفِ و((رسولَ الله)) بالنَّصب على المفعوليَّة، وقد تقدَّم تحقيقه في الكلام على
حديث أبي سفيان في قِصّة هِرَقل (٧)، وفي رواية ابن أبي ليلى عن زيد عند النَّسائيِّ (ك١١٥٣٠):
فجَعَلَ الناسُ يقولون: أتى زيدٌ رسولَ الله ◌َّا بالكَذِب.
قوله: ((وصَدَّقَه)) وفي الرِّواية التي بعدها: ((فصَدَّقَهم))، وقد مضى تَوجیهُها.
قوله: «فأصابني همٌّ)) في رواية زُهَیر: فوَقَعَ في نفسي شِدّة، وفي رواية أبي سعد الأزديِّ عن
زيد (١): فَوَقَعَ عليَّ من الهَمّ ما لم يقع على أحد، وفي رواية محمَّد بن كعب (٤٩٠٢):
((فرجعت إلى المنزل فنِمت))، زاد التِّرمِذيّ (٣٣١٤) في روايته: فيِمت كئيباً حَزيناً. وفي
رواية ابن أبي ليلى: حتَّى جلست في البيت ◌َافةَ إذا رآني الناس أن يقولوا: كَذَبتَ.
قوله: ((فقال لي عَمّي: ما أرَدْتَ إلى أن كَذَّبَك)) كذا للأكثر، وذكر أبو عليّ الجَيّانيُّ أنَّه وقع
في رواية الأَصِيليِّ عن الجُرْجانيِّ: فقال لي عمر، قال الجَيّانِيُّ: والصَّواب: ((عَمّي)) كما عند
الجماعة. انتهى، وقد ذكرتُ قبل ذلك ما يقتضي احتمالَ ذلك.
قوله: ((ومَقَتَك)) في روايةٍ لمحمَّد بن كعب (٤٩٠٢): «فلامَني الأنصار»، وعند النَّسائيِّ
(ك١١٥٣٣) من طريقه: ولامَني قومي.
قوله: ((فأَنزَلَ الله)) في رواية محمّد بن كعب: فأُتيَ رسولُ الله وََّ(٢)؛ أي: بالوحي، وفي
رواية زُهَير: حتَّى أَنزَلَ الله. وفي رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة: فبينما هم يسيرون أبصَروا
رسول الله وَلٌ يُوحَى إليه فنزلت، وفي رواية أبي سعد عن زيدِ(٣) قال: فبينما أنا أسير معَ
رسول الله وَ﴿ه قد خَفَقتُ برأسي من الهَمّ، أتاني فعَرَكَ بأُذُني وضَحِكَ/ في وجهي، فلَحِقَني ٦٤٦/٨
(١) عند الترمذي (٣٣١٣)، وقد سبق ذكرها في أول هذا الباب.
(٢) رواية محمد بن كعب ستأتي برقم (٤٩٠٢) وليس فيها اللفظ المذكور، ولم نقف عليه عند أيٍّ ممّن أخرج
رواية محمد بن كعب، وهذا اللفظ سيعيد ذكره الحافظ في الباب الذي يليه، وبالرغم من وقوعه في
النسخ الخطية و(س) إلّا أنه لم يرد ذكره في اليونينية ولا في «إرشاد الساري)»!
(٣) قوله: ((عن زيد)) من (أ)، وسقط من (س) و(ع).

٤١٤
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠١
فتح الباري بشرح البخاري
أبو بكر فسألَني، فقلت له، فقال: أبشِر، ثمَّ لَحِقَني عمرُ مِثل ذلك، فلمَّا أصبَحْنا قرأ
رسول الله وَ له سورة المنافقينَ.
قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ زاد آدم (٤٩٠١): إلى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ
عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَيُخْرِجَرَ الْأَعَزُّمِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ١ -٨]، وهو
يُبيِّ أنَّ رواية محمَّد بن كعب مختصرة حيثُ اقتَصَرَ فيها على قوله: ونزلَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ
لَا نُنفِقُواْ﴾ الآية، لكن وقع عند النَّسائيِّ (ك١١٥١٣) من طريقه: فنزلت ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ
لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿لَيْن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ
لَيُخْرِجَنَ الْأَعْزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ﴾.
قوله: ((إنَّ الله قد صَدَّقَك يا زيد)) وفي مُرسَل الحسن(١): فأخَذَ رسول الله ◌َّهَ بُذُنِ
الغلام فقال: ((وَفَتْ أُذُنك يا غلامُ)) مرَّتَيْنِ، زاد زُهَير في روايته: فدَعَاهم النبيُّ ◌َّهُ لِيَسْتَغْفِرَ
لهم، وسيأتي شرحُه بعد ثلاثة أبواب.
وفي الحديث من الفوائد: تَرِكُ مُؤاخذة كُبَرَاء القوم بالهَفَواتِ؛ لئلّا يَنْفِرَ أتباعُهم،
والاقتصار على مُعاتَباتهم وقَبُول أعذارهم وتصديق أيمانهم، وإن كانت القرائن تُرشِد إلى
خِلَاف ذلك، لما في ذلك من التَّأنيس والتَّليف.
وفيه جواز تبليغ ما لا يجوز للمَقُولِ فيه، ولا يُعَدّ نَميمةً مذمومةً إلّا إن قَصَدَ بذلك
الإفسادَ المطلَق، وأمَّا إذا كانت فيه مَصلَحة تُرَجَّح على المفسَدة فلا.
٢ - بابٌ ﴿أَّخَذُواْ أَيْمَنْهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]: يَجْتَنُّونَ بها
٤٩٠١ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بنِ أرقَمَ ﴿
قال: كنتُ معَ عَمّي، فسمعتُ عبدَ الله بنَ أُبيِّ ابنَ سَلُولَ يقول: لا تُنفِقوا على مَن عندَ رسولِ الله
حتَّى يَنْفَضُّوا. وقال أيضاً: لَئِن رَجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِ جَنَّ الأعَزُّ منها الأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذلك
لِعَمِّي، فَذَكَر عَمِّي لِرسولِ اللهِ وَّهِ، فأرسَلَ رسولُ اللهِ وَه إلى عبدِ الله بنِ أَيِّ وأصحابِهِ،
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢٩٤/٢.

٤١٥
سورة المنافقين/ح ٤٩٠٢
كتاب التفسير
فحَلَفوا ما قالوا، فصدَّقهم رسولُ الله ◌ِّ و كَذَّبَنِي، فأصابَتِ هَمُّ لم يُصِبْني مِثْلُه، فجلستُ في
بيتي، فَأَنزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنْفِقُواْ عَلَى
مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَ اٌلْأَعُنُّ مِنْهَا الْأَذَلَ﴾ [١-٨]، فأرسَلَ إليَّ رسولُ الله
وَّهِ، فَقَرأَها عليَّ، ثمَّ قال: ((إنَّ الله قد صَدَّقَكَ)).
قوله: ((بابٌ ﴿أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً ﴾: يَجْتَنُّونَ بها)» قال عبد بن حُميدٍ: حدَّثني شَبَابة عن
وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿أَنَّخَذُوَاْ أَيْمَنْهُمْ جُنَّةٌ﴾، قال: يَجْتَنُّونَ
أنفُسَهم.
وأخرجه الطََّرِيُّ (١٠٦/٢٨) من وجه آخر عن ابن أبي نَجِيح باللَّفظِ الذي ذكره
المصنِّف، ثم ساق حديث زيد بن أرقم، وقد تقدَّم شرحه في الذي قبله مُستَوفَّى.
٣- باب قوله:
ذَلِكَ بِأَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]
٤٩٠٢- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، قال: سمعتُ محمَّدَ بنَ كعبِ القُرَظِيَّ،
قال: سمعتُ زيدَ بنَ أرقَمَ ﴾، قال: لمَّا قال عبدُ الله بنُ أبيٍّ: لَا تُنفِقُوا عَلَى مَن عِندَ رَسُولِ الله،
وقال أيضاً: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ، أخبَرْتُ به النبيَّ وََّ، فلامَني الأنصارُ، وحَلَفَ عبدُ الله
ابنُ أُبيِّ ما قال ذلك، فَرَجَعْتُ إلى المَنْزِلِ فِمْتُ، / فأتاني رسولُ اللهِوَّةِ، فأتيتُه، فقال: ((إنَّ اللهَ ٦٤٧/٨
قد صَدَّقَكَ))، ونزلَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا﴾ الآيةَ [المنافقون: ٧].
وقال ابنُ أبي زائدةً: عن الأعمَشِ، عن عَمٍو، عن ابنِ أبي ليلى، عن زيدٍ، عن النبيِّ وَّل.
قوله: ((باب قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَّهُمْ ءَامَنُواْثُمَّ كَفَرُواْ ﴾) ساقَ إلى قوله: ﴿لَ يَفْقَهُونَ﴾.
قوله: ((سمعت محمَّد بنَ كعب القُرَظِيَّ)) زاد التِّرمِذيّ في روايته (٣٣١٤): مُنذُ أربعينَ
سنةً.
قوله: (أخبَرَتُ به النبيَّ ◌َّ) أي: على لسان عَمّي، جمعاً بين الرِّوايتَينِ، ويحتمل أن يكون هو
أيضاً أخبرَ حقيقةً بعد أن أنكَرَ عبدُ الله بن أُبيِّ ذلك كما تقدَّم.

٤١٦
سورة المنافقين/ح ٤٩٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأُتيِّ رسول الله وَلِ)(١) بضمِّ همزة ((أُتيَ)) أي: بالوحي.
قوله: ((وقال ابن أبي زائدة)) هو يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، وطريقُه هذه وَصَلَها
النَّسائيُّ (ك١١٥٣٠)، وقد بيَّنت ما فيه من فائدة قبلُ.
قوله فيه: ((عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن أرقَم)) كذا رواه الأعمَش عن عَمْرو
ابن مُرّة عنه، وقد رواه شُعْبة عن عَمْرو بن مُرّة فقال: عن أبي حمزة عن زيد بن أرقَمَ (٢)،
فكأنَّ لعَمرِو بن مُرّةَ فيه شیخَينِ.
٤- بابٌ
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ الآيةَ [المنافقون: ٤]
٤٩٠٣- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا زُهَيرُ بنُ معاويةَ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ
زيدَ بنَ أرقَمَ، قال: خَرَجْنا معَ النبيِّ ◌َّهِ فِي سَفَرِ أصابَ الناسَ فيه شِدّةٌ، فقال عبدُ الله بنُ ◌ُبِّ
لأصحابه: لا تُنفِقوا على مَن عندَ رسولِ الله حتَّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وقال: لَئِن رَجَعْنا إلى المدينةِ
لَيُخْرِ جَنَّ الأَعَزُّ منها الأذَلَّ، فأتيتُ النبيَّ ◌َِّ فأخبَرَتُه، فأرسَلَ إلى عبدِ الله بنِ أُبيِّ، فسألَه فاجتَهَدَ
يَمِينَهَ ما فَعَلَ، قالوا: كَذَبَ زيدٌّ رسولَ اللهِ ◌ّهِ، فَوَقَعَ في نَفْسي ممّاً قالوا شِدّةٌ، حتَّى أنزَلَ اللهُ عَّ
وجلَّ تَصْدِيقي في ﴿إِذَا جَآءَ الْمُنَفِقُونَ﴾، فَدَعَاهُمُ النبيُّ ◌َّهُ لِيَسْتَغْفِرَ لهم، فَلَوَّوْا رؤوسَهم.
وقولُهُ: ﴿خُشُبُ مُسَنَّدَةٌ﴾: قال: كانوا رجالاً أجْمَلَ شيءٍ.
قوله: ((بابٌ ﴿وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي
ذرِّ، وساقَ غيره الآية إلى: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾.
ذكر فيه حديث زيد بن أرقم من رواية زُهَير عن أبي إسحاق نحوَ رواية إسرائيلَ عنه كما
تقدَّم بيانُ ذلك، وقال في آخِرِه: حتَّى أنزلَ الله عزَّ وجلَّ تصديقي في ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾،
فِدَعَاهم النبيُّ ◌َّهِ لَيَستَغْفِر لهم فَلَوَّوْا رُؤوسَهم.
(١) سلف التعليق على هذا اللفظ في الباب السابق.
(٢) أخرج هذا الطريق عبد الله بن أحمد بن حنبل في زياداته على ((المسند)) برقم (١٩٢٩٧).

٤١٧
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٤
كتاب التفسير
قوله: ((وقولُه: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قال: كانوا رجالاً أجمَلَ شيءٍ) هذا تفسيرٌ لقوله:
﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾، و﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ تمثيلٌ لأجسامهم، ووَقَعَ هذا في نفس الحديث
وليس مُدرَجاً، فقد أخرجه أبو نُعَيم من وجهٍ آخرَ عن عَمْرو بن خالد شيخ البخاريّ فيه
بهذه الزّيادة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من وجهٍ آخر عن زُهَیر.
تنبيه: قرأ الجمهور ﴿خُشُبٌ﴾ بضمَّتَينِ، وأبو عَمْرو والأعمَش والكِسائيّ بإسكان الشِّين.
٦٤٨/٨
٥- باب قوله:
﴿ وَ إِذَا قِيلَ لَّمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِلَوَّوْ رُءُوسَهُمْ
إلى قوله: ﴿مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]
حَرَّكوا؛ استَهزَؤوا بالنبيِّ ◌َله.
ويُقرَأُ بالتَّخْفِيفِ مِن: لَوَيْتُ.
٤٩٠٤- حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بنِ أرقَمَ،
قال: كنتُ معَ عَمّي، فسمعتُ عبدَ الله بنَ أُبيِّ ابنَ سَلولَ يقول: لا تُنْفِقُوا على مَن عندَ
رسولِ الله حتَّى يَنْفَضُّوا، ولَئِن رَجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِ جَنَّ الأَعَزُّ منها الأذَلَّ، فذَكَرْتُ ذلك
لِعَمِّي، فَذَكَر عَمّي للنبِّ وََّ، فدَعاني فحَلَّثْتُهُ، فَأَرسَلَ إلى عبد الله بنِ أُبيِّ وأصحابِهِ، فَلَفُوا
ما قالُوا، وكَذَّبَنِي النبيُّ نَّةِ، فأصابَنِي غَمٌّ لم يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فجَلستُ في بَيْتِي، وقال عَمّي: ما
أَرَدْتَ إلى أن كَذَّبَكَ النبيُّ نَّهِ وَمَقَتَك! فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ
لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وأرسَلَ إليَّ النبيُّ وَّهِ، فقرأها وقال: ((إنَّ اللهَ قد صَدَّقَكَ)).
قوله: ((باب قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَّمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ﴾ إلى قوله:
﴿ُسْتَكْبِرُونَ﴾)) كذا لأبي ذرِّ وساقَ غيرُه الآية كلَّها.
في مُرسَل سعيد بن جُبَير: وجاء عبد الله بن أُبِيِّ فجَعَلَ يَعتَذِر، فقال له النبيُّ وَلَه ( تُبْ))
فجَعَلَ يَلْوي رأسه، فنزلت.

٤١٨
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «حَرَّكوا؛ استَهْزَؤوا بالنبيِّ وَّةِ، ويُقرَأ بالتَّخْفيفِ من: لَوَيتُ)) يعني: ((لَوَوْا))، وهي
قراءة نافع، وقرأ الباقونَ بالَّثْقيلِ.
ثمَّ ذكر حديثَ زيد بن أرقَم من وجهٍ آخر كما مضى بيانُه. ووَقَعَ لأكثر الرُّواة مختصراً
من أثنائه، وساقَه أبو ذرّ تاماً إلّا قوله: وصَدَّقَهم.
وقد تَعقَّبَه الإسماعيليّ بأنَّه ليس في السِّياق الذي أورَدَه خُصوصُ ما تَرجَمَ به،
والجوابُ أنَّ جَرَى على عادته في الإشارة إلى أصل الحديث، ووَقَعَ في مُرسَل الحسن(١):
فقال قوم لعبد الله بن أبيٍّ: لو أتيتَ رسول الله وَّ فاستَغفَرَ لك، فجَعَلَ يَلوي رأسَه،
فنزلت. وكذا أخرج عبد بن حُميدٍ من طريق قَتَادة، ومن طریق مجاهد، ومن طريق عِكْرمة
أنَّها نزلت في عبد الله بن أُبيّ.
٦ - باب قوله:
﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]
٤٩٠٥ - حدَّثنا عليٌّ، حذَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما،
قال: كنَّا في غَزاةٍ - قال سفيانُ مرَّةً: في جيشٍ - فكَسَعَ رجلٌ مِن المهاجِرِينَ رجلاً مِن الأنصار،
فقال الأنصاريُّ: يا لَلأنصارِ، وقال المهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ، فسمعَ ذاك رسولُ الله ◌ِ،
فقال: ((ما بالُ دَعْوَى جاهليَّةٍ؟!)) قالوا: يا رسولَ الله، كَسَعَ رجلٌ مِن المهاجِرِينَ رجلاً مِن
الأنصار، فقال: ((دَعُوها، فإنَّهَا مُنِنَةٌ))، فسمعَ بذلك عبدُ الله بنُ أُبيِّ، فقال: فَعَلُوها؟ أما والله
لَئِن رَجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِ جَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ، فَبَلَغَ النبيَّ ◌ََّ، فقامَ عمرُ فقال: يا
رسولَ الله، دَعْني أضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافقِ، فقال النبيُّ ◌َّةِ: ((دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ الناسُ أَنَّ محمَّداً
٦٤٩/٨ يَقتُلُ أصحابَه)). وكانتِ / الأنصارُ أكثرَ مِن المهاجِرِينَ حينَ قَدِموا المدينةَ، ثمَّ إنَّ المهاجِرِينَ
گثروا بَعْدُ.
(١) إنما وقع هذا في مرسل قتادة فيما أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره)) ٢/ ٢٩٤، وابن جرير الطبري في «تفسيره))
١١٠/٢٨.

٤١٩
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٥
كتاب التفسير
قال سفيانُ: تَحَفَّظْتُهُ(١) من عَمٍو، قال عَمْرُو: سمعتُ جابراً: كنَّا معَ النبيِّ ◌ِه.
قوله: (باب قوله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيرُه
الآية. وأخرج الطَّبَرُّ (١١٠/٢٨) من طريق العَوْفيّ عن ابن عبّاس قال: أُنزِلَت هذه الآيةُ
بعدَ التي في الثَّوبة: ﴿اُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَهُمْ ﴾)).
قوله: ((قال عَمْرو)) وقع في آخر الباب: ((قال سفيان: تَحَفَّظتُه من عَمْرو قال)) فذَكَره،
ووقع في رواية الحميديِّ الآتية بعد باب: حَفِظناه من عَمْرو.
قوله: «كَّا في غَزَاة، قال سُفْيان مرَّة: في جيش)) وسَمَّى ابن إسحاق هذه الغزوة غزوةً
بني المصطَلِقِ، وكذا وقع عند الإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر عن سفيان قال: يَرَونَ أنَّ
هذه الغَزاة غَزاة بني المصطَلِقِ. وكذا في مُرسَل عُرْوة الذي سأذكرُه.
قوله: ((فكَسَعَ رجلٌ)) الكَسْعِ يأتي تفسيرُه بعدَ باب، والمشهور فيه أنَّه ضَرْب الدُّبُر باليَدِ
أو بالرِّجلِ. ووَقَعَ عند الطَّبَريِّ (١١٢/٢٨) من وجه آخر عن عَمْرو بن دينار عن جابر: أنَّ
رجلاً من المهاجرينَ كَسَعَ رجلاً من الأنصار برجله. وذلك عند أهل الیمن شدید.
والرجل المهاچِريُّ: هو جَهْجاه بن قيس - ويقال: ابن سعيد (٢) - الغفاريّ، وكان معَ
عمر بن الخطّاب يَقُود له فرسَه، والرجل الأنصاريّ: هو سِنان بن وَبَرَة الْجُهَنيّ حَليف
الأنصار، وفي رواية عبد الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر عن قَتَادة مُرسَلاً: أنَّ الأنصاريّ كان حَليفاً
لهم من جُهَينة، وأنَّ المهاجِريّ كان من غِفار. وسَمّهما ابنُ إسحاق في ((المغازي)) عن
شيوخه.
(١) في(س): فحفظتُه.
(٢) كذا في (أ) و(س) كما في المطبوع من ((التاريخ الكبير)) للبخاري ٢٤٩/٢، و ((الإصابة)) ٥١٨/١، ووقع
في (ع): ((ابن سعد)) كما في ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٣٤٩/٤، ووقع في ((السيرة النبوية)) لابن
هشام ٢/ ٢٩٠، و((الروض الأنف)) للسهيلي ٤/ ١٤ : ابن مسعود.
(٣) في ((تفسيره)) ٢/ ٢٩٣.

٤٢٠
سورة المنافقين/ ح ٤٩٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عُقَيل عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة بن الزُّبَيرِ وعَمْرو بن
ثابت: أنَّهما أخبَرَاه أنَّ رسول الله ◌ََّ غَزَا غزوة المُرَيسيع، وهي التي هَدَمَ فيها رسولُ الله
وَّ مَناة الطاغية التي كانت بين قَفَا المُشَلَّل وبين البحر، فاقتَتَلَ رجلان، فاستَعلَى
المهاجِريُّ على الأنصاريّ، فقال حليف الأنصار: يا مَعشَر الأنصار، فتَداعَوْا إلى أن حُجِزَ
بينهم، فانكَفَأْ كلّ مُنافق إلى عبد الله بن أُبيِّ، فقالوا: كنت تُرجَى وتَدفَع، فِصِرتَ لا تَضُرّ
ولا تَنفَع، فقال: لَئِن رَجَعْنا إلى المدينة لَيُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ، فذكر القِصّة بطولها،
وهو مُرسَل جیِّد.
وأَنَّفَقَت هذه الطُّرق على أنَّ المهاجِرِيَّ واحدٌ.
ووَقَعَ في حديث أبي الزُّبَير عن جابر عند مسلم (٢٥٨٤): اقتَلَ غلامان من المهاجِرِينَ
وغلام من الأنصار، فنادَى المهاجِريّ: يا لَلمهاجِرِينَ، ونادَى الأنصاريّ: يا لَلأنصار،
فخرج رسول الله وَ ﴿ فقال: ((ما هذا؟ أدَعوَى الجاهليَّة!)) قالوا: لا، إنَّ غلامَينِ اقتَلا فكَسَعَ
أحدُهما الآخَر، فقال: ((لا بأس، ولْيَنصُرِ (١) الرجلُ أخاه ظالماً أو مظلوماً)) الحديثَ.
ويُمكِن تأويل هذه الرّواية بأنَّ قوله: ((من المهاجِرِينَ)) بيانٌ لأحدِ الغلامَينِ، والتَّقدير:
اقتَتَلَ غلامان غلامٌ من المهاجِرِينَ وغلامٌ من الأنصار، فحَذَفَ لفظ ((غلام)) من الأوَّل،
ويُؤيِّده قوله في بَقيَّة الخبر: ((فقال المهاجِريّ)) فأفرَدَه، فَتَتَوافَق الرِّوايات.
ويُستَفاد من قوله: ((لا بأس)) جوازُ القول المذكور بالقصدِ المذكور والتَّفصيل المبيَّن، لا على
ما كانوا عليه في الجاهليّة من نُصرة مَن يكون من القبيلة مُطلَقاً، وقد تقدَّم شرح قوله: «انصُرْ
أخاك ظالماً أو مَظلوماً) مُستَوَى في ((باب أَعِنْ أخاكَ)) من كتاب المظالم (٢٤٤٣).
قوله: ((يا لَلْأنصارِ)) بفتح اللّام وهي للاستغاثة؛ أي: أغيثوني، وكذا قول الآخر: يا
لَلمهاچِرینَ.
قوله: ((دَعُوها فإنَّهَا مُنتِنة)) أي: دَعْوة الجاهليّة، وأبعَدَ مَن قال: المراد الكَسْعةُ.
(١) كذا في الأصلين وفي المطبوع من ((صحيح مسلم))، وفي (س): ولينصرنَّ، بالنون المشدَّدة في آخره!