النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ سورة الحشر/ ح ٤٨٨٧ كتاب التفسير لقد وَجَدْتِيهِ، أمَا قرأتِ: ﴿وَمَآ ءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾؟ قالت: بَلَى، قال: فإِنَّه قد نَهَى عنه، قالت: فإنّ أرَى أهلَكَ يَفْعَلونَه؟ قال: فاذهَبِي فَانظُرِي، فذهبَتْ فَنَظَرَت، فلم تَرَ من حاجَتِها شيئاً، فقال: لو كانت كذلك ما جامَعْتُها. [أطرافه في: ٤٨٨٧، ٥٩٣١، ٥٩٣٩، ٥٩٤٣، ٥٩٤٨] ٤٨٨٧ - حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن سفيانَ، قال: ذَكَرْتُ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ عابسٍ حديثَ منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله ◌َ﴾، قال: لَعَنَ اللهُ الواصلةَ، فقال: سمعتُهُ مِنِ امرأةٍ يقال لها: أمُّ يعقوبَ، عن عبدِ الله، مثلَ حديثِ منصورٍ. قوله: ((بابٌ ﴿ وَمَآ ءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾)) أي: وما أمَرَكم به فافعَلوه، لأنَّه قابَلَه بقولهِ: ﴿وَمَاتَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ ﴾. قوله: ((عن عبد الله)) هو ابن مسعود قال: (لَعَنَ الله الواشماتِ)) سيأتي شرحه في كتاب اللباس (٥٩٣١-٥٩٤٦). قوله: ((فبَلَغَ ذلك امرأةً من بني أسَد يقال لها: أمّ يعقوب)) لا يُعرَف اسمُها، وقد أدرَكَها عبد الرَّحمن بن عابس كما في الطَّريق التي بعده. قوله: ((أمَا قرأتِ: ﴿ وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾؟ قالت: بَلَى، قال: فإِنَّه)) أي: النبيُّ وََّ ((قد نَهَى)) بفتح الهاء، وإنَّما ضَبَطت هذا خَشْية أن يُقرأ بضمِّ النُّون وكسر الهاء على البناء للمجهولِ على أنَّ الهاء في ((إنَّه)) ضمير الشَّأن، لكن السِّياق يُرشِد إلى ما قَرَّرتُه، وفي هذا الجواب نظرٌّ، لأنَّهَا استَشكَلَت اللَّعن ولا يَلزَم من مُجرَّد النَّهي لَعنُّ مَن لم يَمتَثِلِ، لكن يُحِمَل على أنَّ المراد في الآية وُجوبُ امِثال قول الرَّسول ◌َِّ، وقد نَهَى عن هذا الفِعل، فمَن فعَلَه فهو ظالم، وفي القرآن لَعْن الظّالمِينَ، ويحتمل أن يكون ابن مسعود سمعَ اللَّعن من النبِّ وَّ كما في بعض طُرقِه. قوله: ((أهلَكَ يَفْعَلونَه)) هي زينب بنت عبد الله الثَّقَفيَّةِ. قوله: ((فلم تَرَ من حاجَتِها شيئاً) أي: من الذي ظَنَّت أنَّ زوج ابن مسعود تَفعَله. وقيل: ٦٣١/٨ ٣٨٢ سورة الحشر/ ح ٤٨٨٨ فتح الباري بشرح البخاري كانت المرأة رأت ذلك حقيقةً، وإنَّما ابن مسعود أنكَرَ عليها فأزالَتْهُ، فلهذا لمَّا دَخَلَت المرأة لم تَرَ ما كانت رأت قبلَ ذلك. قوله: ((ما جامَعْتُها)» يحتمل أن يكون المراد بالجِمَاعِ الوَطءُ، أو الاجتماعُ وهو أبلَغ، ويُؤيِّده قوله في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ما جامَعَتنا، وللإسماعيليِّ: ما جامَعَتني. واستُدِلَّ بالحديث على جواز لَعْنٍ مَنِ اتَّصَفَ بصفةٍ لَعَنَ رسولُ اللهِوَِّمَنِ اتَّصَفَ بها، لأنَّه لا يُطلِقِ ذلك إلّا على مَن يَستَحِقُّه، وأمَّا الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٦٠٣) فإنَّه قَيََّ فيه بقوله: ((ليس [لها](١) بأهلِ)) أي: عندك، لأنَّ إنَّا لَعنَه لمَّا ظَهر له من استحقاقه، وقد يكون عند الله بخِلاف ذلك، فعلى الأوَّل يُحمَل قوله: ((فاجعَلها له زكاةً ورحمةً))(٢)، وعلى الثّاني فيكون لَعْنُهُ زيادةً في شِقوَته. وفيه أنَّ المُعِينَ على المعصية يُشارك فاعلَها في الإثم. ٥- بابٌ ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَاَلْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ٩] ٤٨٨٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا أبو بكرٍ، عن خُصَينٍ، عن عَمْرِو بنِ مَيمونٍ، قال: قال عمرُ ﴾: أُوصي الخَلِيفةَ بالمهاجِرِينَ الأوَّلينَ، أن يَعْرِفَ لهم حَقَّهم، وأُوصي الخَلِيفَةَ بالأنصار، الَّذِينَ تَبَوَّؤوا الدَّارَ والإيمانَ من قبلِ أن يُهاجِرَ النبيُّ وَّةِ: أن يقبلَ من مُخْسِنِهم، ويَعْفوَ عن مُسِيئِهم. قوله: ((بابٌ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ والذَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾)) أي: استَوطَنوا المدينة، وقيل: نزلوا. فعلى الأوَّل يَخْتَصّ بالأنصار، وهو ظاهرُ قولِ عمرَ. وعلى الثّاني: يَشمَلُهم ويَشمَل المهاجِرِينَ السابقينَ. ذكر فيه طَرَفاً من قِصّة عمر عند مَقتَله، وقد تقدَّم في المناقب (٣٧٠٠). (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س). (٢) جزء من حديث أخرجه بهذا اللفظ مسلم (٢٦٠١)، وهو عند البخاري (٦٣٦١) بلفظ: «فاجعل ذلك له قُربةً إليك يوم القيامة)) من حديث أبي هريرة ﴾. ٣٨٣ سورة الحشر/ ح ٤٨٨٩ كتاب التفسير ٦- باب قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٩] الخَصَاصَةُ: فاقَةٌ. ﴿اَلْمُفْلِحُونَ ﴾[٩]: الفائزونَ بالخُلودِ، والفَلَاحُ: البَقَاءُ، حَيَّ على الفَلَاحِ: عَجِّلْ. وقال الحسنُ: ﴿حَاجَةٌ﴾ [٩]: حَسَداً. ٤٨٨٩ - حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ كَثير، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثْنا فُضَيلُ بنُ غَزْوانَ، حدَّثنا أبو حازِمِ الأشجَعيُّ، عن أبي هريرةَ ، قال: أتى رجلٌ رسولَ الله ◌َِّ، فقال: يا رسولَ الله، أصابني الجَهْدُ. فأرسَلَ إلى نسائه، فلم يَجِد عندَهُنَّ شيئاً، فقال رسولُ الله ◌َّةٍ. ((أَلا رجلٌ يُضيِّفُه اللَّيلةَ يرحمه الله؟)) فقامَ رجلٌ مِن الأنصار، فقال: أنا يا رسولَ الله، فذهب إلى أهلِهِ، فقال لامرأتِه: ضَيفُ رسولِ اللهِ وَّةَ، لا تَدَّخِرِيهِ شيئاً، قالت: والله ما عندي إلَّا قُوتُ الصِّبْيةِ، قال: فإذا أرادَ الصِّبْيَةُ العَشاءَ فنَوِّمِيهم، وتَعالَي فأطْفِي السِّراجَ، ونَطْوي بُطونَنَا اللَّيلَةَ، ففَعَلَت، ثمَّ غَدا الرجلُ على رسولِ الله وَّةِ، فقال: ((لقد عَجِبَ الله عزَّ وجلَّ - أو ضَحِكَ - من فلانٍ وفلانةَ)) فَأَنزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، الخَصَاصة: فاقَةٌ)) ولغير أبي ذرٍّ: الفاقة، وهو قول مُقاتل / بن حیّان، أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه. ٦٣٢/٨ قوله: (﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزونَ بالخُلودِ، والفَلَاحِ: البَقَاء)) هو قول الفَرّاء، قال لَبيد: نَخُلُّ بلاداً كلُّها حُلَّ قَبلَنا ونَرجُو فلاحاً بعدَ عادٍ وحِيَرٍ وهو أيضاً بمعنى إدراك الطََّب، قال لَبيد أيضاً: ولقد أفلَحَ مَن كان عَقَلْ(١) (١) هذا عجز بيت من قصيدة مطوّلة له، وصدرُه: اعِلي إنْ كنتِ لمّا تَعْقِلي انظر («ديوانه)) ١/ ٨٠، و((خزانة الأدب)) ٢٩٩/٩ للبغدادي. ٣٨٤ سورة الحشر/ ح ٤٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري أي: أدرَكَ ما طلبَ. قوله: ((حَيَّ على الفَلاح: عَجِّل)) هو تفسير: حَيَّ؛ أي: معنى ((حَيّ على الفَلاح)) أي: عَجِّل إلى الفَلاح. قال ابن التِّين: لم يَذكره أحد من أهل اللُّغة، وإنَّما قالوا: معناه هَلُمَّ وأَقبِل. قلت: وهو كما قال، لكن فيه إشعارٌ بطلب الإعجال، فالمعنى: أَقبِل مُسرِعاً. قوله: ((وقال الحسنُ: ﴿حَاجَةٌ﴾: حَسَداً) وَصَلَه عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة عنه، بهذا. ورُوِّيناه في الجزء الثّامن من ((أمالي المحامليّ) بعُلوٍّ من طريق أبي رَجَاء عن الحسن في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ ﴾ [الحشر: ٩] قال: الحَسَد. قوله: ((حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن کثیر)) هو الدَّوْرقيّ. قوله: ((أتى رجل رسولَ الله وَلَ) هذا الرجل هو أبو هريرة، وَقَعَ مُفْسَّراً في رواية الطَّبرانيّ(١)، وقد نَسَبتُه في المناقب (٣٧٩٨) إلى تخريج أبي البختَريّ الطائيّ في صفة النبيِّ وَيُّ، وأبو البَختَريّ لا يُوثَق به. قوله: ((أَلا رجل يُضِيِّقه هذه اللّيلة يَرحمه الله)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((يُضيِّف هذا رحمةً)» بالتَّنوين. قوله: ((فقامَ رجل من الأنصار)) تقدَّم شرح هذا الحديث في مناقب الأنصار أنَّه أبو طلحة، وتَرَدَّدَ الخطيب هل هو زيد بن سهل المشهور أو صحابيُّ آخر يُكْنى أبا طلحة، وتقدَّم أيضاً قول مَن قال: إنَّه ثابت بن قيس، ولكن أردت التَّنبيه هنا على شيء وَقَعَ القُرطُبيِّ المفسِّر ولمحمَّدِ بن عليّ بن عَسكَر في ((ذيله)) على تعريف السُّهَيلِيّ، فإنَّهما نَقَلا عن (١) وفي نسخة على هامش (ع): الطبري. والحديث أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٢٧٢)، والطبري في ((تفسيره)) ٢٨/ ٤٢-٤٣ بإسنادهما من طريق فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة بلفظ حديث الباب دون التفسير المذكور، والذي سلف نسبتُه في المناقب إلى أبي البختري أن أبا هريرة كان هو المضيف وليس الضيف كما يُفهَم من كلام الحافظ هنا، فلعلّ ما وقع هنا ذهولٌ منه رحمه الله. ٣٨٥ سورة الحشر/ ح ٤٨٨٩ كتاب التفسير النَّحّاس والمهدَويّ: أنَّ هذه الآية نزلت في أبي المتوكّل، زاد ابن عَسكَر: الناجيّ، وأنَّ الضَّيف ثابت بن قيس. وقيلَ: إنَّ فاعلها ثابت بن قيس، حكاه يحيى بن سَلّام. انتهى، وهو غَلَطٌ بَيِّن، فإنَّ أبا المتوكّل الناجيّ تابعيّ مشهور، وليس له في القِصّة ذِكْر، إلّا أنَّه رواها مُرسَلةً، أخرجها من طريق إسماعيل القاضي كما تقدَّم هناك. وكذا ابن أبي الدُّنيا في كتاب ((قِرَى الضَّيف)) (١١) وابن المنذر في تفسير هذه السّورة كلّهم من طريق إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكّل: أنَّ رجلاً من المسلمينَ مَكَثَ ثلاثة أيام لا يَجِدُ شيئاً يُفطِر عليه، حتَّى فَطِنَ له رجل من الأنصار يقال له: ثابت بن قيس، الحديث. وقد تَبعَ ابنَ عَسكَر جماعةٌ من الشُّاح ساكِتِينَ عن وَهْمه، فلهذا نبّهت عليه. وتَفَطَّنَ شيخُنا ابن الملقِّن لقولٍ ابن عَسكر: إنَّه أبو المتوكّل الناجيّ، فقال: هذا وَهْمٌ، لأنَّ أبا المتوكّل الناجيّ تابعيّ إجماعاً. انتهى، فكأنَّه جَوَّزَ أنَّه صحابيّ يُكْنى أبا المتوكّل وليس كذلك. قوله: ((ونَطْوي بطونَنا اللَّيلةَ)) في حديث أنس عند ابن أبي الدُّنيا (٩): فجَعَلَ يَتَلَمَّظ وتَتَلَمَّظ هي حتَّى رأى الضَّيف أنَّهما يأكلان. قوله: (ثُمَّ غَدَا الرجلُ على رسول الله ◌َّ) في حديث أنس: فصَلَّ معه الصُّبح. قوله: ((لقد عَجِبَ الله عزَّ وجلَّ، أو ضَحِكَ)) كذا هنا بالشكِّ. وذكره مسلم (٢٠٥٤) من طريق جَرِير عن فُضَيل بن غَزْوانَ بلفظ: ((عَجِبَ)) بغيرِ شَكّ، وعند ابن أبي الدُّنيا في حديث أنس: ((ضَحِكَ)) بغير شَكّ. وقال الخطَّبيُّ: إطلاق العَجَب على الله محال ومعناه الرِّضا، فكأنَّه قال: إنَّ ذلك الصَّنيعَ حَلَّ من الرِّضا عند الله حُلولَ العَجَب عندَكم، قال: وقد يكون المراد بالعَجَب هنا أنَّ الله يُعجِّب ملائكته من صَنيعهما لنُدورِ ما وَقَعَ منهما في العادة. قال: وقال أبو عبد الله: معنى الضَّحِك هنا الرّحمةُ. قلت: ولم أرَ ذلك في النُّسَخ التي وقَعَت ٣٨٦ سورة الممتحنة فتح الباري بشرح البخاري ٦٣٣/٨ لنا من البخاريّ، قال الخطَّبيُّ: وتأويل الضَّحِك بالرِّضا أقرَبُ من تأويله بالرَّحمة، لأنَّ/ الضَّحِك من الكِرام يدلّ على الرِّضا، فإنَّهم يُوصَفونَ بالبِشْر عند السُّؤال. قلت: الرِّضا من الله يَستَلِزِمِ الرَّحمة وهو لازِمُه، والله أعلم. وقد تقدَّم سائر شرح هذا الحديث في مناقب الأنصار (٣٧٩٨). ٦٠ - سورة المُمتَحَنة وقال مجاهدٌ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [٥]: لا تُعَذِّنا بأيدِيهم، فيقولون: لو كان هؤلاءِ على الحقِّ ما أصابهم هذا. ﴿َبِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾ [١٠]: أُمِرَ أصحابُ النبيِّ ◌َِّ يفِراق نسائهم، كُنَّ كَوافِرَ بمكَّةً. قوله: ((سورة الممتَحنة)) سَقطَت البسملة لجميعِهم، والمشهور في هذه التَّسمية فتح الحاء، وقد تُكسَرِ، وبه جَزَمَ السُّهَيليّ، فعلى الأوَّل هي صفة المرأة التي نزلت السُّورة بسببها، والمشهور فيها أنَّها أمّ كُلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيط. وقيل: سُعيدة بنت الحارث، وقيل: أُمَيمة بنت بِشْر، والأوَّل هو المعتمَد كما سيأتي إيضاحه في كتاب النِّكاح. ومَن كَسَرَ جعلها صفة للسُّورة كما قيل لبراءة: الفاضحة. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: لا تُعَذِّبْنا بأيديهم ... )) إلى آخره، وَصَلَه الفِرْیابيُّ عن وَزْقاء عن ابن أبي نَجِیح عنه بلفظه، وزاد: ولا بعذاب من عندك، وزاد في آخره: ما أصابهم مثل هذا. وكذا أخرجه عبد بن حُميدٍ عن شَبَابة عن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح، عنه. والطََّرُّ من طريق أُخرى عن وَرْقاء عن عيسى عن ابن أبي نَجِيح كذلك، فاتَّفَقوا كلّهم على أنَّه موقوف عن مجاهد، وأخرج الحاكم (٢/ ٤٨٦) مِثل هذا من طريق آدم بن أبي إياس عن وَرْقاء، فزاد فيه ابنَ عبَّاس، وقال: صحيح على شرط مسلم(١). وما أظنّ زيادة ابن عبّاس فيه إلّا وَهْماً لاتِّفاق أصحاب وَرْقاء على عَدَم ذِكْره. (١) الذي في المطبوع من ((المستدرك)) ٤٨٦/٢ قوله: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه. ٣٨٧ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩٠ كتاب التفسير وقد أخرج الطَّبَريُّ (٢٨/ ٦٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: لا تُسَلِّطهم علينا فيَفتِنونا. وهذا بخِلَاف تفسير مجاهد، وفيه تَقوية لما قلتُه. وأخرج الطَّبَريُّ (٦٤/٢٨) من طريق سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال: لا تُظهِرهم علينا فيَفتَتِنوا(١)، يَرَونَ أنَّهم إِنَّا ظَهَروا علينا بحَقِّهم (٢)، وهذا يُشبه تأويل مجاهد. قوله: (﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾، أَمِرَ أصحاب النبيِّ وَّهِ بِفِراق نسائهم، كُنَّ كَوافرَ بمگَّة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد. وأخرجه الطََّرِيُّ من طريقه أيضاً ولفظه: أُمِرَ أصحاب محمَّد ◌َّهِ بِطَلاق نسائهم كَوافرَ بمكَّة قَعَدْنَ معَ الكفَّار. ولسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ قال: نزلت في المرأة من المسلمينَ تَلحَق بالمشرِكينَ فتَكفُر، فلا يُمسِك زوجُها بعِصمتها قد بَرِئ منها، انتھی. والكَوافِرُ: جمع كافِرة، والعِصَم: جمع عِصْمة. وقال أبو عليّ الفارسيّ: قال لي الكَرخيُّ: الكَوافر في الآية يَشمَل الرِّجال والنِّساء، قال: فقلت له: النُّحاة لا يُحيزونَ هذا إلّا في النساء جمع كافرة، قال: أليسَ يُقال: طائفة كافرة. انتهى، وتُعقِّبَ بأنَّه لا يجوز كافرة وَصْفاً للرِّجال إلّا معَ ذِكْر الموصوف فَتَعيَّنَ الأوَّل، والله أعلم. ١ - بابٌ ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الممتحنة: ١] ٤٨٩٠- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرو بنُ دِينارٍ، قال: حدَّثني الحسنُ بنُ محمَّدٍ بنِ عليٍّ، أنَّه سمعَ عُبيد الله بنَ أبي رافع كاتِبَ عليٍّ، يقول: سمعتُ عليّاً ظُه، يقول: بَعَثَني رسولُ اللهِ وَّهِ أَنا والزُّبَيرَ والِقْدَادَ، فقال: (انطَلِقوا حتَّى تَأْتُوا رَوْضةَ خاخٍ، فإنَّ بها (١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: ((فيفتنونا))، وما أثبتناه من (ع) وهو الصحيح الموافق لما في ((تفسير الطبري). (٢) كذا في الأصلين و(س)، ولفظه في المطبوع من ((تفسير الطبري)): لحقُّ هم عليه. ٣٨٨ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ظَعِينَةً معها كتاب، فخُذوه مِنْها))، فذهبنا تَعادَى بنا خَيلُنا، حتَّى أتينا الرَّوْضَةَ، فإذا نحنُ ٦٣٤/٨ بالظَّعِينةِ، فقُلْنا: أَخرِجي الكتابَ، فقالت: ما مَعي من كتابٍ، فقُلْنا: لَهُخْرِ جِنَّ الکتاب،/ أو لَتُلِقِينَّ الثِّابَ، فأخرَجَتْه من عِقاصها، فأتينا به النبيَّ وَِّ، فإذا فيه: من حاطِبٍ بنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى ناسٍ مِن المشركينَ ممَّن بمكَّةَ؛ يُخْبِرُهم ببعضِ أمرِ النبيِّ وَّ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((ما هذا يا حاطِبُ؟)) قال: لا تَعْجَلْ عليَّ يا رسولَ الله، إنّي كنتُ امْرَأَ من قُرَيشٍ، ولم أكُن من أَنفُسِهم، وكان مَن مَعَكَ مِن المهاجِرِينَ لهم قَراباتٌ، يَحْمُونَ بها أهلِيهم وأموالهم بمكَّةَ، فأحبَبتُ إذْ فاتَني مِن النَّسَبِ فيهم، أن أصطَنِعَ إليهم يداً يَحِمُونَ قَرابَتي، وما فعَلْتُ ذلك كُفْراً، ولا ارتِداداً عن دِيني، فقال النبيُّ وَّةِ: ((إِنَّه قد صَدَقَكُم)) فقال عمرُ: فَدَعْني يا رسولَ الله فأضْرِبَ عُنُقَه، فقال: ((إنَّه شَهِدَ بَدْراً، وما يُدْرِيكَ لعلَّ اللهَ عزَّ وجلَّ الطَّلَعَ على أهلِ بَدْرٍ، فقال: اعْمَلوا ما شئتُم، فقد غَفَرْتُ لكُم)). قال عَمْرُو: ونزلت فيه: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾؛ قال: لا أدري الآيةَ في الحديثِ، أو قولُ عَمٍو. حدَّثنا عليٍّ، قال: قيل لِسفيانَ: في هذا: فنزلت ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ الآيةَ؟ قال سفيانُ: هذا في حديثِ الناسِ، حَفِظتُهُ من عَمْرٍو، ما تَرَكْتُ منه حَرْفاً، وما أُرَى أحداً حَفِظَه غَيرِي. قوله: ((بابٌّ ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾)) سَقطَت هذه التَّرجمة لغير أبي ذرٍّ، والعَدوُّ لمَّا كان بِزِنَة المصادِرِ وَقَعَ على الواحد فما فوقَه، وقوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَدَّةِ﴾ تفسيرٌ للمُؤَالاة المذكورة، ويحتمل أن يكون حالاً أو صفةً، وفيه شيءٌ، لأنَّهم ثُهوا عن النِّخاذهم أولياءَ مُطلَقاً، والتَّقييد بالصِّفة أو الحال يُوهم الجواز عند انتِفائهما، لكن عُلمَ بالقواعدِ المنعُ مُطلَقاً، فلا مفهومَ لهما، ويحتمل أن تكون الولاية تَستَلِم الموَدَّةَ، فلا تَتِمّ الولاية بدونِ الموَدّة، فهي حالٌ لازِمٌ، والله أعلم. قوله: ((الحسن بن محمَّد بن عليّ)) أي: ابن أبي طالب. قوله: ((حتَّى تَأْتُوا رَوْضةَ خاخٍ)) بمُعجَمتَينٍ، ومَن قالها بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم فقد صَحَّفَ، ٣٨٩ سورة الممتحنة/ح ٤٨٩٠ كتاب التفسير وقد تقدَّم بيان ذلك في ((باب الجاسوس)) من كتاب الجهاد (٣٠٠٧)، وفي أوَّل غزوة الفتح (٤٢٧٤). قوله: (لَتُلقِينَ)) كذا فيه، والوجهُ حذف التَّحتانيَّة. وقيل: إنَّما أُثبتَت لمشاكَلة: لَتُخرِجِنَّ. قوله: ((كنتُ امْرَأْ من قُرَيش)) أي: بالحِلْفِ، لقوله بعد ذلك: ولم أكُن من أنفُسهم. قوله: ((كنت امْرَأَ من قُرَيش ولم أكُن من أنفُسهم)) ليس هذا تناقُضاً، بل أراد أنَّه منهم بمعنى أنَّه حَليفُهم، وقد ثَبتَ حديث: ((حَليفُ القوم منهم))(١)، وعَبَّرَ بقوله: ((ولم أكُن من أنفُسهم)) لإثبات المجاز. قوله: ((إِنَّه قد صَدَقَكُمْ)) بتخفيف الدَّال، أي: قال الصِّدقَ. قوله: ((فقال عمر: فدَعْني يا رسول الله فأضْرِبَ عُنُقه)) إنَّما قال ذلك عمر معَ تصديق رسول الله وَّ﴿ لحاطِبِ فيما اعتَذَرَ به، لمَا كان عند عمر من القوّة في الدِّين وبُغض مَن يُنسَب إلى النِّفاق، وظَنَّ أنَّ مَن خالَفَ ما أمَرَه به رسول الله ◌ََّ اسْتَحقَّ القتل، لكنَّه لم يَجِزِم بذلك، فلذلك استأذَنَ في قَتله، وأطلقَ عليه مُنافقاً لكَوْنِه أبطَنَ خِلَاف ما أظهَرَ، وعُذْر حاطِب ما ذَكره، فإنَّه صَنَعَ ذلك مُتأوّلاً أن لا ضَرَر فیه. وعند الطََّرَيِّ (٥٩/٢٨) من طريق الحارث عن عليّ في هذه القِصّة: ((فقال: أليس قد شَهِدَ بدراً؟)) قال: بَلَى، ولكنَّه نَكَثَ وظاهَرَ أعداءَك عليك. قوله: ((فقال: إنَّه قد شَهِدَ بَدْراً، وما يُدْريك)) أرشَدَ إلى عِلّة تَرْك قَتْلِه بأنَّه شَهِدَ بدراً، فكأنَّه قيل: وهل يُسقِط عنه شُهودُه بدراً هذا الذَّنبَ العظيم؟ فأجابَ بقوله: ((وما يُدريك ... )) إلى آخره. (١) أخرجه أحمد (١٨٩٩٢) من حديث رفاعة بن رافع، والدارمي (٢٥٢٨) والطبراني ١٧ / (٢) من حديث عمرو بن عوف، وأخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣٠٢)، والطبراني ١٧/ (١١٨) من حديث عتبة بن غزوان، وأسانيدها ضعيفة، وفي الحديث الصحيح: ((مولى القوم من أنفسهم)) سلف عند البخاري برقم (٢٧٦١)، والمولى من معانيها: الحليف. ٣٩٠ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٦٣٥/٨ قوله: ((لعلَّ الله عزَّ وجلَّ الطَّلَعَ على أهل بَدْر)) هكذا في أكثر الرِّوايات/ بصيغة التَّرَجّي، وهو من الله واقعٌ، ووَقعَ في حديث أبي هريرة عند ابن أبي شَيْبة (١٢/ ١٥٥) بصيغة الجزم، وقد تقدَّم بيان ذلك واضحاً في ((باب فضل مَن شَهِدَ بدراً) من كتاب المغازي (٣٩٨٣). قوله: ((اعمَلوا ما شئتُم فقد غَفَرْت لكُم)) كذا في مُعظَم الطُّرق، وعند الطَّبَريّ (٥٩/٣٨) من طريق مَعمَر عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة: ((فإنّي غافرٌ لكُم))، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بقوله: ((غَفَرت)) أي: أغفِرُ، على طريق التَّعبير عن الآتي بالواقع مُبالَغةً في تَحَقُّقه. وفي («مغازي ابن عائذ)) من مُرسَل عُرْوة: ((اعملوا ما شِئْتُم فسَأغفِرُ لكُم))، والمراد غُفران ذُنوبهم في الآخِرة، وإلّا فلو وجَبَ على أحدهم حَدٌّ مثلاً لم يَسقُط في الدُّنيا. وقال ابن الجَوْزيّ: ليس هذا على الاستقبال، وإنَّما هو على الماضي، تقديره: اعملوا ما شِئْتُم، أيُّ عمل كان لكم فقد غُفِرَ، قال: لأنَّه لو كان للمستَقبَلِ كان جوابه فسأغفِرُ لكم، ولو كان كذلك لكان إطلاقاً في الذُّنوب ولا يَصِحّ، ويُبطِله أنَّ القوم خافوا من العُقوبة بعدُ، حتَّى كان عمرُ يقول: يا حُذَيفة، بالله هل أنا منهم؟(١) وتَعقَّبَه القُرطُبيّ بأنَّ ((اعمَلوا)) صيغة أمر وهي مَوضوعة للاستقبال، ولم تَضَعِ العربُ صيغة الأمر للماضي لا بقَرِينةٍ ولا بغيرها، لأنَّهما بمعنى الإنشاء والابتداء، وقوله: ((اعمَلوا ما شِئْتُم)) يُحمَل على طلب الفِعل، ولا يَصِحّ أن يكون بمعنى الماضي، ولا يُمكِن أن يُحمَل على الإيجاب فتَعيَّنَ للإباحة. قال: وقد ظَهَرَ لي أنَّ هذا الخِطاب خِطاب إكرام وتشريف، تَضَمَّنَ أنَّ هؤلاءِ حَصَلَت لهم حالةٌ غُفِرَت بها ذُنوبهم السالفةُ، وتأهَّلوا أن يُغفَر لهم ما يُستأنَف من الذُّنوب اللّحقة، ولا يَلْزَم من وُجود الصَّلاحيَّة للشَّيءٍ وقوعُه، وقد أظهَرَ الله صِدقَ رسوله في كلّ ما (٢) أخبر (١) يشير إلى ما أخرجه البزار في («مسنده)) (٢٨٨٥) بإسناد صحيح من طريق الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة ﴾ قال: دُعيَ عمر لجنازة فخرج فيها أو يريدها، فتعلَّقت به فقلت: اجلس يا أمير المؤمنين، فإنه من أولئك، فقال: نشدتك الله، أنا منهم؟ قال: لا، ولا أبرئ أحداً بعدك. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٤٢/٣: رواه البزار ورجاله ثقات. (٢) كذا في (أ) على الصواب، وتحرف في (ع) و(س) إلى: من. ٣٩١ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩٠ كتاب التفسير : عنه بشيءٍ من ذلك، فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنَّة إلى أن فارَقُوا الدُّنيا، ولو قُدِّرَ صُدورُ شيءٍ من أحدهم، لَبادَرَ إلى التوبة ولازَمَ الطَّريق المُثلَى، ويَعلَم ذلك من أحوالهم بالقَطْع مَن الطَّلَعَ على ◌ِیرهم، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((فقد غَفَرت لكُم)) أي: ذُنوبُكم تقع مَغفورةً، لا أنَّ المراد أنَّه لا يَصدُر منهم ذنب، وقد شَهِدَ مِسطَح بدراً ووَقَعَ في حَقّ عائشة كما تقدَّم في تفسير سورة النّور (٤٧٥٠)، فكأنَّ الله لكَرامَتِهِم عليه بَشَّرَهم على لسان نبيِّه أنَّهم مَغفور لهم ولو وَفَعَ منهم ما وَقَعَ. وقد تقدَّم بعضُ مباحث هذه المسألة في أواخر كتاب الصيام في الكلام على ليلة القَدر (٢٠١٤)، ونذكر بَقيَّة شرح هذا الحديث في كتاب الدّيات إن شاء الله تعالى(١). قوله: (قال عمرو» هو ابن دینار، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((ونزلت فيه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾)) سَقَطَ ((أولياء)) لغیر أبي ذرٍّ. قوله: ((قال: لا أدري الآيةَ في الحديث، أو قولُ عَمْرو)) هذا الشكّ من سفيان بن عُيَينةَ كما سأوضحُه. قوله: ((حدَّثنا عليّ)) هو ابن المَدِينيّ ((قال: قيل لسُفْيان: في هذا: فنزلت ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ الآية؟ قال سفيان: هذا في حديث الناس)) يعني: هذه الزّيادة، يريد الجزم برفع هذا القَدْر. قوله: ((حَفِظْته من عَمْرو ما تَرَكْت منه حَرْفاً، وما أرَى أحداً حَفِظَه غيري)) وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الزّيادة لم يكن سفيان يَجِزِم برفعِها، وقد أدرَجَها عنه ابن أبي عمر، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه فقال في آخر الحديث: ((قال: وفيه نزلت هذه الآية))، وكذا أخرجه مسلم (٢٤٩٤) عن ابن أبي عمر وعَمْرو الناقد، وكذا أخرجه الطَّبَريُّ (٥٧/٢٨) عن عُبيد بن إسماعيل والفضل ابن الصَّاح، والنَّسائيُّ (ك١١٥٣٥) عن محمَّد بن منصور كلّهم عن سفيان. (١) بل في الكتاب الذي يليه ((كتاب استتابة المرتدين)) عند الحديث رقم (٦٩٣٩). ٣٩٢ سورة الممتحنة/ح ٤٨٩١ فتح الباري بشرح البخاري واستُدِلَّ باستئذان عمر على قتل حاطِب لمشروعيَّة قتل الجاسوس ولو كان مسلماً، وهو قول مالك ومَن وافَقَه، ووجه الدّلالة أَنَّهِ وَّهِ أَقَرَّ عمرَ على إرادة القتل لولا المانع، وبيَّن المانعَ هو كَوْن حاطِبٍ شَهِدَ بدراً، وهذا مُنتَفٍ في غير حاطِب، فلو كان الإسلام مانعاً من قَتْله لمَا عَلَّلَ بأخَصَّ منه، وقد بيَّن سياقُ عليٍّ أنَّ هذه الزّيادة مُدرَجة. وأخرجه مسلم (٢٤٩٤) أيضاً عن إسحاق بن راهويه عن سفيان، وبيَّن/ أنَّ تِلاوة الآية من قول سفيان. ٦٣٦/٨ ووَقَعَ عند الطََّرَيِّ (٥٨/٢٨) من طريق أُخرى عن عليِّ الجزمُ بذلك، لكنَّه من أحد رواة الحديث حبيب بن أبي ثابت الكوفيّ أحدِ التابعينَ، وبه جَزَمَ ابن إسحاق(١) في روايته عن محمَّد بن جعفر عن عُرْوة في هذه القِصّة، وكذا جَزَمَ به مَعمَر عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة(٢). وأخرج ابن مَرْدويه من طريق سعيد بن بشير عن قَتَادة عن أنس قال: لمَّا أراد رسول الله وَّه المسير إلى مُشرِكي قُرَيش كَتَبَ إليهم حاطِب بن أبي بَلتَعةَ يُحُذِّرهم؛ فذكر الحديث إلى أن قال: فأنزلَ الله فيه القرآن: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ الآية))، قال الإسماعيليّ في آخر الحديث أيضاً: قال عَمْرو - أي: ابن دينار -: وقد رأيت ابن أبي رافع، وكان كاتباً لعليٍّ. ٢- بابٌ ﴿ إِذَا جَآءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] ٤٨٩١- حدَّثَني إسحاقُ، أخبَرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ شِهابٍ، عن عَمِّه، أخبرني عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ وََّ أخبَرَتْه: أنَّ رسولَ الله وَِّ كان يَمْتَحِنُ مَن هاجَرَ إليه مِن المؤمنات بهذه الآيةِ، بقولِ الله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٩٨/٢. وسقط لفظ ((ابن)) من (س). (٢) رواية معمر عن الزهري أخرجها ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٦٠/٢٨. ٣٩٣ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩١ كتاب التفسير قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: فمَن أقَرَّ بهذا الشَّرْطِ مِن المؤمنات، قال لها رسولُ اللهِ وَّتِ: ((قد بايعتُكِ)) كلاماً، ولا والله ما مَسَّت ◌َدُه يَدَ امرأةٍ قَطُّ في المُبايَعةِ، ما يُبابِعُهُنَّ إلّا بقوله: ((قد بایعتُكِ على ذلكِ)). تابَعَه يونسُ ومَعمَرٌ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ. وقال إسحاقُ بنُ راشدٍ: عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ وعَمْرةَ. قوله: ((بابٌ ﴿إِذَا جَّمَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾)) اتَّفَقوا على نزولها بعد الحُدَيبية، وأنَّ سَبَها ما تقدَّم من الصُّلح بين قُرَيش والمسلمينَ: على أنَّ مَن جاء من قُرَيش إلى المسلمينَ يَرُدُّونَه إلى قُرَيش، ثمَّ استئنَى الله من ذلك النِّساءَ بشرطِ الامتحان. قوله: ((حدَّثني إسحاق، أخبرنا يعقوبُ)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((حدَّثنا يعقوب))، فأمَّا إسحاق: فهو ابن منصور، وكلام أبي نُعَيم يُشعِر بأنَّه ابن إبراهيم، وأمَّا يعقوب بن إبراهيم: فهو ابن سعد، وابن أخي ابن شهاب: اسمه محمَّد بنُ عبد الله بن مسلم. قوله: ((قال عُروةُ: قالت عائشةُ)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور، وسيأتي الكلام على شرحه في أواخر النِّكاح(١) إن شاء الله تعالى. قوله: ((قد بايعتُكِ؛ كلاماً)) أي: يقول ذلك كلاماً فقط، لا مُصافَحةً باليَدِ كما جَرَت العادة بمُصافَحة الرِّجال عند المبايعة. قوله: ((ولا والله)) فيه القَسَم لتأكيدِ الخبر، وكأنَّ عائشة أشارَت بذلك إلى الردّ على ما جاء عن أمّ عَطيَّةٌ، فعند ابن خُزَيمةَ(٢) (١٧٢٢ و١٧٢٣) وابن حِبّان (٣٠٤١) والبَزَّار (٢٥٢) والطَّبَرِيِّ (٢٨/ ٨٠) وابن مَرْدويه من طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن عن جَدَّته أمّ عَطيَّة في (١) في أوائل الطلاق (٥٢٨٨). (٢) وليس عند ابن خزيمة قوله وَلاير: ((اللهم اشهد))، والحديث ضعيف لأجل إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية المذكور، لم يرو عنه سوى إسحاق بن عثمان الكلابي، فهو في عداد المجاهيل، وقال عنه الحافظ في ((التقريب)): مقبول. ٣٩٤ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩١ فتح الباري بشرح البخاري قِصّة المبايعة قال: فمَدَّ يدَه من خارج البيت ومَدَدنا أيديَنا من داخل البيت، ثمَّ قال: ((اللهمَّ اشهَدْ))، وكذا الحديث الذي بعده حيثُ قالت فيه: ((قَبَضَت مِنّا امرأةٌ يَدَها)) فإنَّه يُشعِر بأنَّهُنَّ كُنَّ يُبابِعنَه بأیدیهِنَّ. ويُمكِن الجواب عن الأوَّل: بأنَّ مَدَّ الأيدي من وراء الحِجاب، إشارةٌ إلى وُقوع المبايعة وإن لم تقع مُصافَحةٌ، وعن الثّاني: بأنَّ المراد بقَبْضِ اليد التَّأخّر عن القَبُول، أو كانت المبايعة تقع بحائلٍ، فقد روى أبو داود في ((المراسيل)) (٣٧٣) عن الشَّعْبيّ: أنَّ النبيّ ◌َِّ حين بایعَ النِّساءَ أتى بُرْدٍ قِطْرِيٍّ(١) فَوَضَعَه على يده، وقال: «لا أُصافحُ النِّساءَ)). وعند عبد الرَّزّاق (٩٨٣٢) من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ مُرسَلاً، نحوُه. وعند سعيد بن ٦٣٧/٨ منصور من طریق قيس بن أبي حازم/ كذلك. وأخرج ابن إسحاق في ((المغازي)) من رواية يونس بن بُكَير عنه عن أبان بن صالح أنَّه وَّ: كان يَغمِس يده في إناء، وتَغْمِس المرأة يدَها فيه. ويحتمل التعدُّد. وقد أخرج الطبرانيُّ (٢٥/ ٨٥) أنَّه بايعَهُنَّ بواسطة عمر. وروى النَّسائيُّ (٤١٨١) والطََّرَيُّ (٧٩/٢٨) من طريق محمّد بن المنكَدِر: أنَّ أُمَيمة بنت رُقَيقةَ - بقافَينِ مُصغَّر - أخبَرَته أنَّهَا دَخَلَت في نِسوة تُبايع، فقُلنَ: يا رسولَ الله، ابسُط يَدَكِ نُصافحْك، قال: ((إنّي لا أُصافح النِّساء، ولكن سآخُذُ عليكُنَّ) فأخَذَ علينا حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَ يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾، فقال: ((فيما طِقْتُنَّ واستَطَعتُنَّ) فقُلنَ: الله ورسوله أرحَمُ بنا من أنفسنا. وفي رواية للطَّبري (٢٨/ ٨٠): ((ما قولي لمئة امرأةٍ إلّا كقولي لامرأةٍ واحدة)). وقد جاء في أخبار أُخرى: أنَّهُنَّ كُنَّ يأخُذنَ بَيَدِه عند المبايعة من فوق ثوبٍ، أخرجه (١) البُرْد القِطْرِيّ: ضربٌ من الثياب الحمر لها أعلام فيها بعض الخُشونة، وسمِّيت قِطْرية، نسبة إلى قَطَر، البلد المعروف، قال الأزهري: أحسبُ الثياب القِطْرية نُسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة وخفَّفوا. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) مادة (قطر). ٣٩٥ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩١ كتاب التفسير يحيى بن سَلّامٍ في «تفسيره) عن الشَّعْبيّ. وفي ((المغازي)) لابنِ إسحاق عن أبان بن صالح: أنَّه كان يَغمِس يده في إناء، فَيَغْمِسنَ أیدیہنَّ فیه. قوله: ((تابَعَه يونس ومَعمَر وعبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهْرِيِّ)) أمَّا مُتَابَعة يونس فيأتي الكلام عليها في كتاب الطَّلاق (٥٢٨٨). وأمَّا مُتَابَعة مَعمَر، فَوَصَلَها المؤلِّف في الأحكام (٧٢١٤). وأمَّا مُتابَعة عبد الرَّحمن بن إسحاق فوَصَلَها ابن مَرْدويه من طريق خالد بن عبد الله الواسطيِّ عنه. قوله: ((وقال إسحاق بن راشد، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوة وعَمْرة))؛ يعني: عن عائشة، جَمعَ بينهما، وَصَلَه الذُّهْلُّ في (الزُّهْریّات)) عن عَتّاب بن بشیر عن إسحاق بن راشد، به. وفي هذا الحديث: أنَّ الِحنة المذكورة في قوله: ﴿فَأَمْتَّحِنُوهُنَّ﴾ هي أن يُابِعَهُنَّ بما تَضَمَّنَته الآية المذكورة. وأخرج عبد الرَّزّاق (٩٨٢٨) عن مَعمَر عن قَتَادة: أنَّه ﴿ كان يَمتَحِن مَن هاجَرَ من النِّساء: ((بالله ما خرجتٍ إلّا رَغبةً في الإسلام وحُبّاً لله ورسوله)). وأخرج عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد نحوَه وزادَ: ((ولا خرج بك عِشقُ رجل مِنّا، ولا فِرارٌ من زوجك)). وعند ابن مَرْدويه وابن أبي حاتم والطبرانيّ (١٢٦٦٨) من حديث ابن عبّاس، نحوُه وسنده ضعيف، ويُمكِن الجمع بين التَّحليف والمبايَعة، والله أعلم. وذكر الطََّرِيُّ (٦٧/٢٨) وابن أبي حاتم عن عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلَمَ، أنَّ المرأة من المشرِكينَ كانت إذا غَضِبَت على زوجها، قالت: والله لَأَهاجِرَنَّ إلى محمَّد، فنزلت: ﴿فَمْتَحِنُوهُنَّ﴾. ٣٩٦ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩٢ فتح الباري بشرح البخاري ٣- بابٌ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] ٤٨٩٢- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حذَّثنا أيوبُ، عن حفصةَ بنت سِيرِينَ، عن أمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها، قالت: بايَعْنا رسولَ الله ◌َّةِ، فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونَهانا عن النِّياحةِ، فقَبَضَتِ امرأةٌ يدَها، فقالت: أسعَدَتْني فلانةُ، فَأُريد أن أَجْزِيَها فما قال لها النبيُّ وَِّ شيئاً، فانطَلَقَت ورَجَعَت، فبايعَها. قوله: ((بابٌ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ﴾)) سَقَطَ ((باب)) لغير أبي ذرٍّ. ٦٣٨/٨ وذکر فیه أربعة أحاديث: الأول: قوله: ((عن خَفصةَ بنتِ سِيرِينَ عن أمّ عَطَّةٍ)) كذا قال عبد الوارث عن أيوبَ، وقال سفيان بن عُيَينةَ: عن أيوبَ عن محمَّد بن سِيرِين عن أمّ عَطَّة، أخرجه النَّسائيُّ (٤١٧٩)، فكأنَّ أيوب سمعَه منهما جميعاً، وقد تقدَّم شرح هذا في الجنائز (١٣٠٦). قوله: «بابَعْنا رسولَ الله وَلِّ، فقرأْ علينا: ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ ونَهانا عن النِّياحة)» في رواية مسلم (٩٣٧) من طريق عاصم عن حفصة عن أمّ عَطيَّة قالت: لمَّا نزلت هذه الآية ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ﴿ وَلَا يَعْضِينَكَ فِ مَعُْوفٍ ﴾ كان منه النِّیاحةُ. قوله: ((فقَبَضَت امرأةٌ يدَها)» في رواية عاصم: فقلت: يا رسول الله، إلّا آلَ فلان، فإنَّهم كانوا أسعَدوني في الجاهليَّة، فلا بُدَّ من أن أُسعِدَهم؛ لم أعرِفْ آلَ فلان المشار إليهم، وفي رواية النَّسائيِّ (٤١٧٩): قلت: إنَّ امرأة أسعَدَتني في الجاهليّة؛ ولم أقِفْ على اسم المرأة، وتَبيَّن أنَّ أمّ عَطيَّة في رواية عبد الوارث أبهَمَت نفسَها. قوله: ((أسعَدَتْني فلانةُ، فَأُريد(١) أن أجْزِيَها)) وللنَّسائيِّ في رواية أيوب: فأذهَبُ (١) كذا وقع في الأصلين ((فأريد)) بالفاء، وفي اليونينية و((إرشاد الساري)) ٧/ ٣٨٠: ((أُريد)»، وليس فيهما ذكر خلاف أو فرق بين رواة ((الصحيح)) في هذا اللفظ. ٣٩٧ سورة الممتحنة/ح ٤٨٩٢ كتاب التفسير فَأُسعِدُها ثمَّ أجيتُك فأُبَايِعُك؛ والإسعادُ: قيامُ المرأة معَ الأُخرى في النِّياحة تُراسلها، وهو خاصٌّ بهذا المعنى، ولا يُستَعمَل إلّا في البُكاء والمساعَدةِ عليه، ويقال: إنَّ أصل المساعدة وضعُ الرَّجلِ يدَه على ساعد الرَّجل صاحبِه عند التَّعاوُن على ذلك. قوله: ((فانطَلَقَت وَرَجَعَت، فبايعَها)) في رواية عاصم: فقال: ((إلّا آلَ فلان))، وفي رواية النَّسائيِّ: قال: «فاذهَبِي فأسعِديها» قالت: فذهبت فساعَدُها ثمَّ جِئتُ فبايعت. قال النَّوَويّ: هذا محمولٌ على أنَّ التَرخيص لأُمّ عَطيّة في آلِ فلان خاصّةً، ولا تَحِلّ النّياحة لها ولا لغيرها في غير آلٍ فلان كما هو ظاهر الحديث، وللشّارعِ أن يَخُصَّ من العُموم مَن شاءَ بما شاءَ، فهذا صواب الحُكم في هذا الحديث. كذا قال، وفيه نظر إلّا إن ادَّعَى أنَّ الذينَ ساعَدَتهم لم يكونوا أسلموا، وفيه بُعد، وإلّا / فليُدَّعَ مُشارَكَتهم لها في ٦٣٩/٨ الْخَصُوصيّة، وسأُبيِّنُ ما يَقدَح في خَصُوصَّة أمّ عَطيَّة بذلك. ثمّ قال: واستَشكَلَ القاضي عياض وغيره هذا الحديث وقالوا فيه أقوالاً عجيبة، ومقصودي التَّحذير من الاغترار بها، فإنَّ بعض المالكيَّة قال: النِّياحة ليست بحرامٍ، لهذا الحديث، وإنَّما المحرَّم ما كان معه شيءٌ من أفعال الجاهليّة من شَقّ جَيبٍ وَخَمْشِ وَجْهٍ (١) ونحوِ ذلك، قال: والصَّواب ما ذَكَرناه أوَّلاً، وأنَّ النِّياحة حَرام مُطلَقاً، وهو مذهب العلماء كافة، انتهى. وقد تقدَّم في الجنائز النَّل عن غير هذا المالكيّ أيضاً: أنَّ النِّياحة ليست بحَرامِ، وهو شاذٌّ مردود، وقد أبداه القُرطُبيّ احتمالاً ورَدَّه بالأحاديثِ الواردة في الوعيد على النّاحة، وهو دالٌّ على شِدّة التَّحريم، لكن لا يَمْتَنِعِ أن يكون النَّهيُ أوّلاً وَردَ بكراهة التَّنزيه، ثمَّ لمَّا تَمَّت مبايعة النِّساء وَقَعَ التَّحريم، فيكون الإذن لمن ذُكِرَ وَقَعَ في الحالة الأُولى لبيان الجواز، ثمَّ وَقَعَ التَّحريم، فوَرَدَ حينئذٍ الوعيدُ الشَّدید. وقد لَخَّص القُرطُبِيّ بَقيَّة الأقاويل التي أشارَ إليها النَّوَويّ، منها: دَعوَى أنَّ ذلك قبلَ (١) في (س): خدّ. ٣٩٨ سورة الممتحنة/ ح ٤٨٩٢ فتح الباري بشرح البخاري تحريم النّاحة، قال: وهو فاسد لِمَساقِ حديث أمّ عَطيَّة هذا، ولولا أنَّ أمّ عَطيَّة فَهِمَت التَّحريم، لمَا اسْتَئِنَت. قلت: ويُؤيِّده أيضاً أنَّ أمّ عَطيَّة صَرَّحَت بأنَّها من العِصيان في المعروف، وهذا وصف المحرَّم. ومنها: أنَّ قوله: ((إلّا آلَ فلان)) ليس فيه نَصّ على أنَّها تُساعِدهم بالنّياحة، فيُمكِن أنَّها تُساعِدهم باللِّقاءِ والبُكاء الذي لا نِياحةَ معه. قال: وهذا أشبه ممّاً قبلَه. قلت: بل يَرُدّ عليه وُرود التَّصريح بالنّياحة كما سأذكرُه، ويَرِدُ عليه أيضاً أنَّ اللِّقاء والبُكاء المجَرَّد لم يَدخُل في النَّهي كما تقدَّم في الجنائز تقريرُه، فلو وَقَعَ الاقتصار عليه لم يَحتَج إلى تأخير المبايعة حتَّى تَفْعَلَه. ومنها: يَحتمل أن يكون أعادَ: ((إلّا آلَ فلان)) على سبيل الإنكار، كما قال لمن استأذَنَ عليه، فقال له: (مَن ذا؟)) فقال: أنا. فقال: ((أنا أنا!))(١)، فأعادَ عليه كلامه مُنكِراً عليه. قلت: ويَرِدُ عليه ما يَرِدُ على الأوَّل. ومنها: أنَّ ذلك خاصٌّ بأُمِّ عَطيّة، قال: وهو فاسد، فإنَّها لا تَخْتَصّ بتَحليلِ شيءٍ من المحرَّمات. انتهى، ويَقدَح في دَعوَى تخصيصها أيضاً ثُبُوت ذلك لغيرها، ويُعرَف منه أيضاً الخَدْش في الأجوبة الماضية، فقد أخرج ابن مَرْدويه من حديث ابن عبّاس قال: لمَّا أَخَذَ رسول الله وَّر على النِّساء فبايعَهُنَّ ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، قالت خَولة بنت حَكيم: يا رسولَ الله، كان أبي وأخي ماتا في الجاهليّة، وإنَّ فلانة أسعَدَتني وقد ماتَ أخوها، الحدیث. وأخرج التِّرمِذيّ (٣٣٠٧) من طريق شَهر بن حَوشَبٍ عن أمّ سَلَمَةَ الأنصاريَّة، وهي أسماء بنت يزيد قالت: قلت: يا رسول الله، إنَّ بني فلان أسعَدوني على عَمّي ولا بُدّ من قَضائهِنَّ، فأَبَّى. قالت: فراجَعُتْه مِراراً فأذِنَ لي، ثمَّ لم أنُحْ بعدُ. وأخرج أحمد (١٦٥٥٦) والطَّبَريُّ (٧٩/٢٨) من طريق مُصعَب بن نُوح قال: أدرَكتُ عجوزاً لنا كانت فيمَن بايعَ رسولَ اللهِوََّ، قالت: فأخَذَ علينا: ((ولا تَنُحنَ)) فقالت عجوز: (١) أخرجه البخاري (٦٢٥٠)، ومسلم (٢١٥٥) من حديث جابر. ٣٩٩ سورة الممتحنة/ح ٤٨٩٣ كتاب التفسير يا نبيَّ الله، إنَّ ناساً كانوا أسعَدونا على مَصائِبَ أصابتنا، وإنَّهم قد أصابتهم مُصيبةٌ، فأنا أُريد أن أُسعِدَهم، قال: ((فاذهَبي فكافئيهم)) قالت: فانطَلَقت فكافَأَتهم، ثمَّ إنَّها أتت فبايعته. وظَهَرَ من هذا كلِّه أنَّ أقرَبَ الأجوبة: أنَّها كانت مُباحةً ثمَّ كُرِهَت کَراهةَ تنزيهِ، ثمَّ تحريمٍ، والله أعلم. الحديث الثّاني: ٤٨٩٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثْنا وَهْبُ بنُ جَرِير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ الزُبير، عن عكرمةً، عن ابنِ عباس في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فیمَعْرُوفٍ﴾. قال: إِنّما هو شَرْطٌ شَرَطَه الله للنِّساءِ. قوله: ((حدَّثْنا وَهْب بن جَرِير، قال: حدَّثنا أبي)» هو جَرِير بن حازِم. قوله: ((سمعت الزُّبَير)) في رواية الإسماعيليّ: الزُّبَير بن خِرِّيت، وهو بكسر الخاء المعجمة وتشديد الرَّاء، بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُثنّاة. قوله: ((في قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنَّما هو شرطٌ شَرَطَه الله للنِّساء)) أي: على النِّساء. وقوله: ((فبايِعُهُنَّ)) في السّياق حذفٌ تقديره: فإنْ بايعنَ على ذلك، أو: فإنِ اشتَرَطنَ ذلك على أنفُسِهِنَّ فبایِعهُنَّ. واختُلِفَ في الشَّرط، فالأكثر على أنَّه النِّياحة كما سَبقَ، وقد تقدَّم عند مسلم (٩٣٧) ما يدل لذلك. وأخرج الطَّبَريُّ (٨١/٢٨) من طريق زُهَير بن محمَّد قال في قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾: لا يَخْلُو الرجل بامرأةٍ، / وقد جَمَعَ بينهما فَتَادة، فأخرج الطَّبَريُّ (٧٩/٢٨) عنه ٦٤٠/٨ قال: أَخَذَ عليهنَّ أن لا يَنُحِنَ ولا يُحدِّثْنَ الرِّجال(١)، فقال عبد الرَّحمن بن عَوْف: إنَّ لنا (١) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع): ولا يَحْلُونَ بالرجال، وفي المطبوع من ((تفسير الطبري)): ولا يخلُونَ بحديث الرجال إلا مع ذي محرم. ٤٠٠ سورة الممتحنة/ح ٤٨٩٤ فتح الباري بشرح البخاري أضيافاً وإنّا نَغيب عن نسائنا، فقال: ليس أولئكَ عَنَيتُ. وللطََّرَيِّ من حديث ابن عبّاس المقدَّمِ ذِكْره(١): إنَّما أُنْبِّئُكُنَّ بالمعروفِ الذي لا تعصيني فيه، لا تَخُلُونَ بالرِّجال وحداناً، ولا تَنُحِنَ نَوْحِ الجاهليَّة. ومن طريق أَسِيد بن أبي أَسِيد البَرّاد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخَذَ علينا: أن لا نَعصيه في شيء من المعروف، ولا نَخمُش وَجهاً، ولا نَنشُر شَعَراً، ولا نَشُقّ جَيباً، ولا نَدعُو وَيلاً. الحديث الثالث: ٤٨٩٤- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدّثنا سفيانُ، قال: الزُّهْرِيُّ حدَّثناه، قال: حدَّثني أبو إِذْرِيسَ، سمعَ عُبَادَةَ بن الصّامِتِ عُه، قال: كنَّا عندَ النبيِّ وَّةِ، فقال: ((أَتُبَايِعوني على أن لا تُشِرِكوا بالله شيئاً، ولا تَزْنُوا، ولا تَسْرِقُوا)» وقرأ آيةَ النِّساءِ. وأكثرُ لَفْظِ سفيانَ: قرأ الآيةَ: ((فمَن وَفَى منكم فأجْرُه على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئاً فعُوقِبَ، فهو كفَّارٌ له، ومَن أصاب منها شيئاً من ذلك، فسَتَرَه الله فهو إلى الله، إن شاءَ عَذَّبَه وإن شاءَ غَفَرَ له)). تابَعَه عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَر في الآيةِ. قوله: ((قال: الزُّهْريُّ حدَّثناه)) هو من تقديم الاسم على الصّيغة، والضَّمير للحديثِ الذي یرید أن یذكره. قوله: ((وقرأ آية النِّساء)) أي: آية بيعة النِّساء، وهي: ﴿يَأَتُهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، وقد قَدَّمت في كتاب الإيمان (١٨) بيانَ وقت هذه المبايعة. قوله: ((وأكثرُ لَفْظ سُفيان قرأ الآية)» وللكُشْمِيهنيّ: قرأ في الآية، والأوَّل أَولى. قوله: ((ومَن أصاب منها)) أي: من الأشياء التي تُوجِب الحدَّ، في رواية الكُشْمِيهنيّ: من ذلك شيئاً. (١) لم نقف عليه في المطبوع من تفسيره، ولم يسبق للحافظ رحمه الله أن ذكره!