النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة ق/ ح ٤٨٥٠ كتاب التفسير قوله: ((فتقول: قَطْ قَطْ)) في رواية سعيد: «فيَزوي بعضُها إلى بعض، وتقول: قَطْ قَطْ وعِزَّتِك))(١)، وفي رواية سليمان التَّيْمِيِّ عن قَتَادة: ((فتقول: قَدْ قَدْ)) بالدَّال بَدَل الطاء(٢)، وفي حديث أبي هريرة: ((فَيَضَعِ الرَّبّ عليها قَدمه، فتقول: قَطْ قَطْ)) وفي الرِّواية التي تَليها: ((فلا تَمَتَلِى حَتَّى يَضَعَ رِ جلَه فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ، فهناكَ تَمْتَلِئِ، ويُزوَى بعضُها إلى بعض))، وفي حديث أَبيِّ بن كعب عند أبي يَعْلى (٣): ((وجَهَنَّم تسأل المزيد حتَّى يَضَعَ فيها قدمَه فيُزوَى بعضُها إلى بعض وتقول: قَطْ قَطْ))، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد (١١٧٤٠): «فيُلقَى في النار أهلها فتقول: هل من مَزيد؟ ويُلقَى فيها وتقول: هل من مَزيد؟ حتَّى يأتيها عزَّ وجلَّ فِيَضَع قَدمه عليها فَتُزْوَى فتقول: قَدْني قَدْني)). وقوله: ((قَطْ قَطْ)) أي: حَسْبِي حَسْبِي، وَثَبَتَ هذا(٤) التَّسير عند عبد الرَّزّاق(٥) من حديث أبي هريرة، وقَطْ بالتَّخفيفِ ساكناً، ويجوز الكسر بغير إشباع، ووَقعَ في بعض النَّسَخ عن أبي ذرٍّ: ((قَطِي قَطِي) بالإشباع و((قَطْني)) بزيادة نون مُشبعة. ووقَعَ في حديث أبي سعيد ورواية سليمان التَّيْمِيِّ بالدَّال بَدَل الطاء، وهي لغة أيضاً، وكُّها بمعنى: يكفي. وقيل: قَط صوت جَهَنَّم. والأوَّل هو الصَّواب عند الجمهور. ثمَّ رأيت في تفسير / ابن ٥٩٦/٨ مَرْدويه من وجه آخر عن أنس ما يُؤيِّد الذي قبله ولفظُه: ((فِيَضَعها عليها فتُقَطِقِط كما يُقَطِقِط (١) هذا اللفظ والذي قبله وقع كذلك عند البخاري (٦٦٦١) من رواية شيبان عن قتادة، وقد فات الحافظَ أن يعزوَهما له. (٢) ستأتي برقم (٧٣٨٤). (٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((مسنده))، وعزاه له الحافظ في ((إتحاف المهرة)) ١/ ٢٢٠١، وهو عند ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣٩)، وفي إسناده عندهما عبد الغفار بن القاسم الأسدي، أبو مريم، ضعيف جدّاً. (٤) في (س): بهذا، بزيادة الباء في أوله، وهو خطأ. (٥) في («تفسيره)) ٢٣٨/٢ -٢٣٩، بإسنادين، أحدهما عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، والآخر عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وبالإسناد الثاني أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٨١٦٤)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. ٣٠٢ سورة ق/ ح ٤٨٥٠ فتح الباري بشرح البخاري السِّقاء إذا مُلِىَ)). انتهى، فهذا لو ثَبَتَ لكان هو المعتمَد، لكن في سنده موسى بن مُطير، وهو متروك. واختُلِفَ في المراد بالقَدَمِ، فطريق السَّلَف في هذا وغيره مشهورة، وهو أن تُمَرَّ كما جاءت ولا يُتَعرَّض لتأويلِه، بل نَعتَقِد استحالةَ ما يُوهِم النَّقص على الله(١). وخاضَ كثير من أهل العلم في تأويل ذلك، فقال: المراد إذلال جَهَنَّم، فإنَّهَا إذا بالَغَت في الطُّغيان وطَلَبِ المزيد أذَّا الله فَوَضَعَها تحت القَدَم، وليس المراد حقيقةَ القَدَم، والعرب تَستَعمِل ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا تريد أعيانَها، كقولهم: رَغِمَ أَنفُه، وسُقِطَ في يده. وقيل: المراد بالقَدَمِ: الفَرَط السابق، أي: يَضَع الله فيها ما قَدَّمَه لها من أهل العذاب. قال الإسماعيليّ: القَدَم قد يكون اسماً لمَا قُدِّمَ كما يُسمَّى ما خُبِطَ من ورَقٍ خَبَطاً، فالمعنى: ما قَدَّموا من عَمَل. وقيلَ: المراد بالقَدَمِ: قَدَمُ(٢) بعض المخلوقينَ، فالضَّمير لمخلوقٍ(٣) معلوم، أو يكون هناك مخلوق اسمه قَدَم. أو المراد بالقَدَمِ: الأخيرُ، لأنَّ القَدَم آخرُ الأعضاء، فيكون المعنى: حتَّى يَضَعَ الله في النار آخِر أهلها فيها، ويكون الضَّمير للمَزيدِ. وقال ابن حِبّان في ((صحيحه))(٤) بعد إخراجه: هذا من الأخبار التي أُطلِقَت بتمثيلِ المجاورة، وذلك أنَّ يوم القيامة يُلقَى في النار من الأُمَم والأمكِنة التي عُصِيَ اللهُ فيها، فلا تَزال تَستَزيد حتَّى يَضَع الرَّبّ فيها موضعاً من [الكفّار و]الأمكنة المذكورة فتَمتَلِئ (١) انظر تعليقنا على شرح الحديث السالف برقم (٣٨٠٣). (٢) قوله: ((قدم)) من الأصلين، وسقط من (س). (٣) في (س): ((للمخلوق)) بزيادة لام أخرى في أوله، وهو خطأ. (٤) عند الحديث (٢٦٨) من ((صحيحه))، وما بين المعقوفات سقط من الأصلين و(س)، وقد استدركناه من المصدر نفسه. ٣٠٣ سورة ق/ ح ٤٨٥٠ كتاب التفسير [فتقول: قَطْ قَطْ، تريد: حَسْبِي، حَسْبي] لأنَّ العرب تُطلِق القَدَم على الموضع، قال تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ [يونس: ٢]، یرید: موضعَ صِدْقٍ. وقال الدَّاووديّ: المراد بالقَدَمِ: قَدَمُ صِدْقٍ، وهو محمَّد، والإشارة بذلك إلى شفاعته، وهو المقام المحمود، فيُخرِج من النار مَن كان في قلبه شيءٌ من الإيمان. وتُعقّبَ بأنَّ هذا مُنابذٌ لنَصِّ الحديث، لأنَّ فيه يَضَع قَدمه بعد أن قالت: هل من مزيد؟ والذي قاله مُقتَضاه أنَّه يَنقُص منها، وصريح الخبر أنَّها تَنزَوي لِمَا يُجْعَل فيها لا بما يَخْرُج منها(١). قلت: ويحتمل أن يوَجَّه بأنَّ مَن يَخْرُج منها يُبدَّل عِوَضهم من أهل الكفر كما حَمَلُوا عليه حديث أبي موسى في ((صحيح مسلم)) (٢٧٦٧): «يُعطَى كلَّ مسلم رجلاً من اليهود والنَّصارَى فيُقال: هذا فِداؤُك منَ النار))، فإنَّ بعض العلماء قال: المراد بذلك أنَّه يقع عند إخراج الموحِّدينَ، وأنَّه يجعل مكان كلِّ واحد منهم واحداً من الكفَّار، بأنْ يَعظُم حتَّى يَسُدَّ مكانَه ومكانَ الذي خرج، وحينئذٍ فالقَدَم سببٌ للعِظَمِ المذكور، فإذا وَقَعَ العِظَم حَصَلَ المِلِءُ الذي تَطلُبُه. ومن التَّأويل البعيد قول مَن قال: المراد بالقَدَمِ: قَدَمُ إِبليس، وأخَذَه من قوله: ((حتَّى يَضعَ الجبّارُ فيها قَدمَه))، وإبليس أوَّل مَن تَكَّر فاستَحقَّ أن يُسمَّى مُتَجَبِّراً وجَبّاراً، وظُهور بُعد هذا يُغني عن تكلُّف الردّ عليه. وزَعَمَ ابن الجَوْزيّ أنَّ الرِّواية التي جاءت بلفظ: ((الرِّجل)) تحريف من بعض الرُّواة، لظَنِّه أنَّ المراد بالقَدَم الجارحةُ، فرواها بالمعنى فأخطأ، ثمَّ قال: ويحتمل أن يكون المراد بالرِّجلِ - إن كانت محفوظة - الجماعةَ، كما تقول: رِجُلٌ من جَراد(٢)، فالتَّقدير: يَضَع فيها جماعةً، وأضافهم إلیه إضافة اختصاص. (١) في (س): ((لا يخرج منها)) دون قوله: ((ب)»، ولا بدَّ منه! (٢) أي: القطيع من الجراد، وقال ابن الأثير في ((النهاية)) ٢/ ٤٩٤: الرِّجل، بالكسر: الجراد الكثير، ومنه الحديث: كأنَّ نَبْلَهم رِجْلٌ من جراد. ٣٠٤ سورة ق/ ح ٤٨٥٠ فتح الباري بشرح البخاري وبالَغَ ابن فُورَك فجَزَمَ بأنَّ الرِّواية بلفظ: ((الرِّجل)) غيرُ ثابتة عند أهل النَّقَل، وهو مردودٌ لُبوتِها في «الصحيحين». وقد أوَّلهما غيره بنحوِ ما تقدَّم في القَدَم. فقيل: رِجلُ بعض المخلوقينَ، وقيل: إنَّها اسم مخلوق من المخلوقينَ، وقيل: إنَّ الرَّجل تُستَعمَل في الزَّجر، كما تقول: وضَعته تحت رِجلي، وقيل: إنَّ الرِّجل تُستَعمَل في طلب الشَّيء على سبيل الجِدّ، كما تقول: قام في هذا الأمر على ڕِ جل. وقال أبو الوفاء بن عَقِيل: تعالى الله عن أنَّه لا يُعمِل أمرَه في النار / حتَّى يستعين عليها ٥٩٧/٨ بشيءٍ من ذاته أو صفاته، وهو القائل للنّار: ﴿كُونِ بَدَّا وَسَلَمًا﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فمَن يأمر ناراً أَجَّجَها غيرُه أن تَنْقَلِب عن طَبعها وهو الإحراق فتَنَقَلِب، كيف يحتاج في نار يُؤَجِّجها هو إلى استعانة؟! انتهى، ويُفهَم جوابُه من التَّفصيل الواقع ثالثَ أحاديث الباب حيثُ قال فيه: ((ولِكلِّ واحدةٍ منكما مِلؤُها، فأمَّا النار)) فذكر الحديث، وقال فيه: ((ولا يَظلمُ الله من خَلْقه أحداً)، فإنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ الجنَّة يقع امتِلاؤُها بمَن يُنشِؤهم الله لأجلِ مِلِئِها، وأمَّا النار فلا يُنشِئ لها خَلْقاً، بل يفعل فيها شيئاً عَبَّرَ عنه بما ذُكِرَ، يقتضي لها أن يَنضَمّ بعضُها إلى بعض فتصير مَلأى، ولا تحتمِل مَزيداً، وفيه دلالة على أنَّ الثَّواب ليس موقوفاً على العَمَل، بل يُنْعِم الله بالجنَّة على مَن لم يعمل خيراً قَطُّ كما في الأطفال. قوله في أول الحديث الثاني: ((حدَّثنا محمَّد بن موسى القَطّان)) هو الواسطيّ. وأبو سفيان الحِمِيَرَيُّ، أدرَكَه البخاريّ بالسِّنِّ ولم يَلقَه. قوله: ((حدَّثنا عَوْف)) لأبي سفيان فيه سَندٌ آخر، أخرجه مسلم (٣٥/٢٨٤٦) من رواية عبد الله بن عون الهلالي(١) [حدَّثنا أبو سفيان يعني: محمد بن حُميد] عن مَعمَّر عن أيوب عن ابن سِيرِين عن أبي هريرة مُطوَّلاً. (١) تحرف في (أ) إلى: عبد الله الجزائري، وفي (س) إلى: عبد الله بن عمر الجزائري، وفي (ع) إلى: عبد الله بن غزوان الجزائري، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لما في ((الصحيح))، وما بين المعقوفين بعده سقط عند الجميع، واستدركناه من المصدر نفسه. ٣٠٥ سورة ق/ ح ٤٨٥٠ كتاب التفسير وقوله: ((رَفَعَه وأكثرُ ما كان يُوقِفه أبو سفيان)) القائل ذلك محمّد بنُ موسی الراوي عنه، وقال: ((يُوقِفه)) من الرُّباعيّ، وهي لغة، والفصيح: يَقِفُه من الثَّلاثيّ، والمعنى: أنَّه كان يَرويه في أكثر الأحوال موقوفاً ويَرِفَعه أحياناً، وقد رَفَعَه غيرُه أيضاً. قوله في الطريق الثالثة: ((أخبَرَنا مَعمَر عن همَّام عن أبي هريرة)) وَقَعَ في ((مُصنَّف عبد الرَّزّاق)) (٢٠٨٩٤) في آخره: قال مَعمَر: وأخبرني أيوب عن محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة عن النبيّ وَِّ مِثْلَه. وأخرجه مسلم بالوجهَينِ (٣٥/٢٨٤٦ و٣٦). قوله: (تَحَاجَّت)) أي: تَّخَاصَمَت. قوله: ((بالمتكبِّرِينَ والمتجَبِرِينَ)) قيل: هما بمعنَى، وقيل: المتكبِّر: المتعاظِم بما ليس فيه، والمتجبِّ: الممنوع الذي لا يُوصَل إليه، وقيل: الذي لا يَكتَرِث بأمرٍ. قوله: ((ضُعَفاءُ الناس وسَقَطُهم)) بفتحَتَينٍ، أي: المحتَقَرونَ بينهم، الساقطونَ من أعيُنُهم، هذا بالنّسبة إلى ما عند الأكثر من الناس، وبالنِّسبة إلى ما عند الله هم عُظَماءُ رُفَعَاءُ الدَّرَجات، لكنَّهم بالنّسبة إلى ما عند أنفُسِهم - لعَظَمة الله عندهم وخضوعهم له - في غاية التواضُع لله والذِّلّة في عباده، فوَصْفُهم بالضَّعفِ والسَّقَط بهذا المعنى صحيح، أو المراد بالخَصِرِ في قول الجنَّة: ((إلّا ضُعَفاء الناس)) الأغلَبُ. قال النَّوَويّ: هذا الحديث على ظاهره، وإنَّ الله يَخْلُق في الجنَّة والنار تمییزاً يُدرِكان به ويَقدِران على المراجَعة والاحتجاج. ويحتمل أن يكون بلسان الحال، وسيأتي مَزِيدٌ لهذا في ((باب قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾)) من كتاب التوحيد (٧٤٤٩) إن شاء الله تعالى. قوله: ((يُزوَى)) أي: يُضَمُّ بضعُها إلى بعض، ويلتقي على ما فيها، وسيأتي بقيّةُ الكلام على هذا الحديث في كتاب التَّوحيد (٧٤٤٩) إنْ شاءَ الله تعالى(١). (١) هذه الفقرة كلها من (ع)، وسقطت من (أ) و(س). ٣٠٦ سورة ق/ ح ٤٨٥١ - ٤٨٥٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢- بابٌ ((فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبْلَ غُروِها (١)) [ق: ٣٩] ٤٨٥١ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، عن جَرِير، عن إسماعيلَ، عن قيسِ بنِ أبي حازِمٍ، عن جَرِيرِ بنِ عبدِ الله، قال: كَّا جُلوساً ليلةً معَ النبيِّ ◌َّةِ، فَنَظَرَ إلى القمرِ ليلةَ أربعَ عشرةَ، فقال: ((إِنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كما تَرَوْنَ هذا، لا تُضامونَ في رُؤْيَتِه، فإنِ اسْتَطَعْتُم أن لا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ، وقبلَ غُروِها فافعلوا، ثمَّ قرأَ: ((فسَبِّحْ بحَمِدِ ربِّكَ قبلَ طُلوعٍ الشَّمسِ وقَبْلَ غُروِها)). ٤٨٥٢ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، قال ابنُ عبَّاسٍ: أمُرَه أن يُسبِّحَ في أدبارِ الصَّلَوات كلُّها؛ يعني قولَه: ﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [٤٠]. ٥٩٨/٨ قوله: ((باب قوله: فسَبِّحْ بحَمدِ ربِّكَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبْلَ غُروبِهِا)) كذا لأبي ذرٍّ في التَّرجمة وفي سياق الحديث، ولغيره: ﴿وَسَيِّحْ﴾ بالواو فيهما، وهو الموافق للتِّلاوة فهو الصَّواب، وعندهم أيضاً: ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وهو الموافق لآية السُّورة(٢). ثم أورَدَ فيه حديث جَرِير: ((إنَّكم سَتَرَونَ رَبَّكُم)) الحديث، وفي آخره: (ثمَّ قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبَّلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِبِهَا﴾)) وهذه الآية في طه [١٣٠]. قال الكِرْمانيُّ: المناسب لهذه السّورة: ﴿وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾ لا غُروبها. قلت: لا سبيل إلى التصرُّف في لفظ الحديث، وإنَّما أورَدَ الحديث هنا لاتِّحادِ دلالة الآيتينِ، وقد تقدَّم في الصلاة (٥٥٤)، وكذا وَقَعَ هنا في نُسخةٍ من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: (١) كذا وقع في الأصلين: ((فسبح)) بالفاء، و((قبل غروبها))، على مقتضى رواية أبي ذرّ، وسينبّه الحافظ على هذا في أول الشرح. (٢) وتعقّبه العيني في ((عمدة القاري)) ١٩/ ١٨٧ بقوله: لا حاجة لهذه التعسُّفات، والذي في نسختنا هو نص القرآن في السورة المذكورة، وهو الذي عليه العمدة، فلأيِّ ضرورة يحرَّف القرآن ويُنسب إلى أبي ذرّ وغيره؟! قلنا: صنيع الحافظ هنا لا يفهم منه موافقته على ما جاء في رواية أبي ذرّ، وإنما مراده توخّي الدِّقة في نقل ما جاء من روایات الصحیح، ثم إنه صوَّب الروايات الأخرى إلى جانب ذكره لرواية أبي ذرّ كما وردت. ٣٠٧ كتاب التفسير ((ثُمَّ قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾)) وسيأتي شرح حديث جَرِير في التوحيد (٧٤٣٤) إن شاء الله تعالى، ومضى منه شيءٌ في فضل وقت العصر من المواقيت (٥٥٤). قوله: ((عن مجاهد قال: قال ابن عبّاس: أمَرَه أن يُسبِّحَ)) يعني: أمَرَ الله نبيَّه، وأخرجه الطَّبَرِيُّ (٢٦/ ١٨٢) من طريق ابن عُليَّة عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: قال ابن عبّاس في قوله: ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ قال: هو التَّسبيح بعد الصلاة. قوله: ((في أدبارِ الصَّلَواتِ كلِّها؛ يعني قولَه: ﴿وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾)) كذا لهم، وروى الطََّرِيُّ (١٨١/٢٦) من وجه آخر عن ابن عبَّاس قال: قال لي النبيّ وَّ: ((يا ابنَ عبَّاس، ركعتان بعدَ المغرب أدبارُ السُّجود)) وإسناده ضعيف، لكن روى ابن المنذر من طريق أبي تميم الجَيْشانيّ قال: قال أصحاب رسول الله وَ لَه في قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾: هما الرَّكعَتان بعد المغرب. وأخرجه الطََّرَيُّ (١٨١/٢٦ و١٨٢) من طرق عن عليٍّ وعن أبي هريرة وغيرهما مِثْلَه، وأخرج ابن المنذر عن عمر مِثْلَه، وأخرج الطَّبَريُّ (١٨١/٢٦) من طريق كُرَيب بن يزيد: أنَّه كان إذا صَلَّى الرَّكعَتَينِ بعد الفجر والرَّكعَتَينِ بعد المغرب قرأ («إدبار النُّجومِ)) و((أدبار السُّجود)) أي: بهما(١). ٥١ - سورة ﴿وَلَّرِيَتِ﴾ بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ قال عليٌّ عليه السَّلام: الرِّياحُ. وقال غيرُهُ: ﴿نَذْرُؤُهُ﴾ [الكهف: ٤٥]: تُفرِّقُه. ﴿وَفِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [٢١]: تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ في مَدْخَلٍ واحدٍ، ويَخْرُجُ من موضعينِ. ﴿قُئِلَ اْخَرَّصُونَ﴾ أي: لُعِنوا. (١) كذا وقع سياق هذا الأثر في الأصلين و(س)، وأما لفظه في المطبوع من ((تفسير الطبري)) فهو: كان إذا صلَّى الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب أخفّ، ثم فسَّر ((إدبار النجوم)) و((أدبار السجود)). ٣٠٨ سورة الذاريات فتح الباري بشرح البخاري ﴿ فَرَاغَ﴾ [٢٦]: فَرَجَعَ. ﴿فَصَكَّتْ﴾ [٢٩]: فجَمَعَت أصابعَها، فضَرَبَت به جَبْهَتَها. ﴿فَتَوَ بِرَّكْتِهِ﴾ بمَن معه، لأنهم قُوَّتُه. والرَّميمُ: نباتُ الأرضِ إذا یَیِسَ ودِیسَ. ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ [٤٧]: أي: لَذُو سَعَةٍ، وكذلك: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]: يعني القَوِيَّ. ﴿َوْجَيْنِ﴾ [٤٩]: الذَّكَرَ والأُنثَى، واختلافُ الألوان: حُلْوٌّ وحامِضٌ، فهما زَوْجان. فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ ﴾ [٥٠]: مِن الله إليه. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [٥٦]: ما خَلَقْتُ أهلَ السَّعادةِ من أهلِ الفَرِيقَينِ، إِلَّا لِيوَحِّدونٍ. وقال بعضُهم: خَلَقَهم لِيَفْعَلوا، فَفَعَلَ بعضُّ، وتَرَكَ بعضٌ، وليس فيه حُجّةٌ لأهلِ القَدَرِ. والذَّنُوبُ: الدَّلْوُ العظيمُ. وقال مجاهدٌ: ﴿ذَنُوبًا﴾ [٥٩]: سبيلاً. ﴿صَرَّقِ﴾ [٢٩]: صَيْحةٍ. ﴿اَلْعَقِيَمَ﴾ [٤١]: التي لا تَلِدُ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: والحُبُكُ: استِواؤُها وحُسْنُها. ﴿فِى غَمْرَةِ﴾ [١١]: فِي ضَلالَتِهِم يَتَمَادَوْنَ. وقال غيرُه: ﴿تَوَاصَوْا﴾ [٣٥]: تَواطَوُوا. وقال: ﴿ُسَوَّمَةً﴾ [٣٤]: مُعلَّمَةٌ، مِن السِّيما. ﴿قُئِلَ اْلْإِنَّنُ﴾ [عبس: ١٧]: لُعِنَ. قوله: ((سورة ﴿وَالذَّرِيَتِ ﴾ - بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت ((سورة)) والبسملة لغير أبي ٥٩٩/٨ ذرِّ، والواو للقَسَم، والفاءات/ بعدها عاطِفاتٌ، من عَطْف المتغايرات وهو الظّاهر، وجَوَّزَ الَّتَشَريّ أنّها من عطف الصِّفات، وأنَّ ((الحاملات)) وما بعدها من صفات الرّيح. ٣٠٩ سورة الذاريات كتاب التفسير قوله: ((قال عليٌّ: الرّياح)) كذا لهم، ولأبي ذرٍّ: وقال عليّ: الذّارياتُ الرّياحُ، وهو عند الفِرْيابيّ عن الثَّوريّ عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطَّفَيل عن عليّ، وأخرجه ابن عُيَينةَ في ((تفسيره)) أتمَّ من هذا عن ابن أبي الحسين: سمعت أبا الطَّفَيل قال: سمعت ابن الكَوّاء يسأل عليّ بن أبي طالب عن ((الذّاريات ذَرواً))، قال: الرّياح، وعن ((الحاملات وقراً))، قال: السَّحاب، وعن ((الجاريات يُسرا))، قال: السُّفُن، وعن ((المدبِّرات أمراً» قال: الملائكة. وصَحَّحَه الحاكم (٢/ ٤٦٧ و٤٦٨) من وجه آخر عن أبي الطُّفَيل. وابنُ الكَوّاء، بفتح الكاف وتشديد الواو: اسمه عبد الله، وهذا التَّفسير مشهور عن عليّ، وأخرج عن مجاهد وابن عبّاس مِثْلَه، وقد أطنَبَ الطَّبَرِيُّ (١٨٦/٢٦) في تخريج طرقه إلى عليّ. وأخرجه عبد الرَّزّاق(١) من وجه آخرَ عن أبي الطُّفَيل قال: شَهِدت عليّاً وهو يَخْطُب وهو يقول: سَلُوني، فوَالله لا تسألوني عن شيءٍ يكون إلى يوم القيامة إلّا حَدَّثْتُكم به، وسَلُوني عن كتاب الله، فوَالله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليلٍ أُنزِلَت أم بنهارٍ، أم في سهل أم في جبل. فقال ابن الكَوّاء، وأنا بينه وبين عليٍّ وهو خلفي، فقال: ما ((الذّاريات ذَروا))؟ فذكر مِثْلَه، وقال فيه: وَيْلَك! سَل تَفَقُّهاً ولا تسأل تَعَثُّناً. وفيه سؤاله عن أشياء غير هذا، وله شاهد مرفوع أخرجه البزَّار (٢٩٩) وابن مَرْدويه بسندٍ لَیِّن عن عمر. قوله: ((وقال غيره: ﴿نَذْرُؤُهُ﴾: تُفَرِّقه)) هو قول أبي عُبيدة، قال في سورة الكهف [٤٥] في قوله: ﴿نَذْرُؤُهُ الرَِّحُ﴾ أي: تُفرِّقه، ذَرَتْهُ وأَذَرَتْهُ(٢)، وقال في تفسير الذّاريات: الذاريات: الرّياح، وناس يقولون: المُذْرِيَات [للرِّيح](٣)، ذَرَتْ وَأَذَرَتْ. قوله: (﴿وَفِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: تَأْكُل وتَشْرَب في مَدْخَل واحد، ويَخْرُج من موضعينٍ)) (١) في ((تفسيره)) ٢/ ٢٤١. (٢) تحرف في (س) و(ع) إلى: ذروته وأذريته، بعَوْد الضمير فيهما إلى المتكلم، وصوابه ما أثبتناه من (أ) بعَوْد الضمير فيهما إلى الرياح، وهو الموافق لما في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ٤٠٥/١. (٣) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وبه يتمُّ المعنى، وقد استدركناه من ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ٢٢٥/٢. ٣١٠ سورة الذاريات فتح الباري بشرح البخاري أي: القُبُل والدُّبُر، وهو قول الفَرّاء. قال في قوله تعالى: ﴿ وَفِّ أَنفُسِكُمْ﴾ يعني: أيضاً آيات، إنَّ أحدَكم يأكل ويَشرَب من مَدخَل واحد، ويُخْرِج من موضعينٍ، ثمَّ عَنَّفَهم فقال: ﴿أَفَلَ تُصِرُونَ ﴾؟ ولابنِ أبي حاتم من طريق السُّدِّيِّ قال: ﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: فيما يَدخُل من طعامكم وما يَخْرُج، وأخرج الطَّبَريُّ من طريق محمَّد بن المُرتفِع عن عبد الله بن الزُّبَير في هذه الآية قال: سبيل الغائط والبول. قوله: (﴿قُلَ الْخَرَّصُونَ﴾ أي: لُعِنوا)) كذا في بعض النُّسَخ، وقد تقدَّم في كتاب البيوع (٢٢٢٤). وأخرج الطَّبَريُّ (٢٦/ ١٩٢) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿قُئِلَ الْخَرَّصُونَ﴾ قال: لُعِنَ الكَذّابونَ. وعند عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿قُئِلَ الْفَرَّصُونَ﴾ قال: الكَذّابونَ. قوله: (﴿فَرَاغَ﴾: فَرَجَعَ)) هو قول الفَرّاء، وزادَ: والرَّوغ وإن جاء بهذا المعنى، فإِنَّه لا يُنطَق به حتَّى يكون صاحبُه [مُخْفِياً](١) لذهابه أو مَجَيْئِه. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَرَعَ﴾، أي: عَدَلَ. قوله: ((﴿فَصَكَّتْ﴾: فجَمَعَت أصابعَها فضَرَبَت به جَبْهَتَها)) في رواية أبي ذرّ: جَمَعَت، بغير فاء، وهو قول الفَرّاء بلفظه. ولِسعيد بن منصور من طريق الأعمش عن مجاهد في قوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال: ضَرَبَت بيدِها على جبهتها وقالت: یا وَيلَتاه! وروى الطَّبَرُّ من طريق السُّدِّيِّ قال: ضَرَبَت وجهَها عَجَباً، ومن طريق الثَّوريّ قال: وَضَعَتِ يدَها على جَبهَتها تَعَجُّباً. قوله: ((﴿فَتَوَّ بِرَكْتِهِ﴾ بمَن معه(٢)، لأنَّهم قُوَّتُهُ(٣)) هو قول قَتَادة، أخرجه عبد الرَّزّاق (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، ولا بدَّ منه، وقد استدركناه من ((معاني القرآن)) للفراء ٨٦/٣، وانظر (تاج العروس)) مادة (روغ). (٢) في الأصلين و(س): مَن معه، بإسقاط الباء، والمثبت من ((معاني القرآن)) للفراء ٣/ ٨٧، وقد سلف هذا التفسير عند البخاري كما أثبتناه قبل الحديث (٣٣٧٦). (٣) في الأصلين و(س): لأنهم من قومه، وانظر التعليق السابق. ٣١١ سورة الذاريات كتاب التفسير عن مَعمَر عنه قاله(١)، وثَبَتَ هذا هنا للَّسَفيّ وحدَه. قوله: ((والرَّميم: نَبات الأرض إذا يَبِسَ ودِيسَ)) هو قول الفَرّاء: ودِيسَ، بكسر الدَّال وسكون التَّحتانيّة بعدها مُهمَلة، من الدَّوْس: وهو وَطْء الشَّيء بالقَدَم حتَّى يُفَتَّت، ومنه: دِيَاس الأرض، وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة: الرَّميم: كرَمِيمٍ (٢) الشَّجَر. وأخرج الطََّرِيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: الرَّميم: الهالِك. قوله: (﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أي: لَذُو سَعَة، وكذلك ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ﴾)) يعني في قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ﴾ أي: مَن يكون ذا سَعة. قال الفَرّاء: / ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: لَذُو ٦٠٠/٨ وُسْعَةٍ(٣) لِخَلْقِنا، وكذا قوله: ﴿عَلَى المُسِعِ قَدَرُهُ﴾ يعني: القويّ. وروى ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح قال: ﴿وَإِنَّالَمُوسِعُونَ﴾ قال: أن نَخلُق سَماءِ مِثلها. قوله: (﴿زَوْجَيْنِ﴾: الذَّكَر والأُنثَى، واختلاف الألوان: حُلْو وحامِض، فهما زَوْجان)» هو قول الفَرّاء أيضاً ولفظه: الزَّوجان من جميع الحيوان الذَّكَر والأُنْثَى، ومِن سِوَى ذلك اختلافُ ألوان النَّبات وطُعوم الثِّار، بعضٌ حُلوٌ وبعضٌ حامضٌ. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّيِّ معناه. وأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق ابن أبي نَحِيح عن مجاهد في قوله: ﴿خَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾ قال: الكفر والإيمان، والشَّقاوة والسَّعادة، والهُدَى والضَّلالة، واللَّيل والنَّهار، والسماء والأرض، والجِنّ والإنس. قوله: ((﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾: من الله إليه)) أي: من معصيته إلى طاعَته، أو من عذابه إلى رحمته. هو قول الفَرّاء أيضاً. (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: وقال. (٢) قوله: كرميم، من الأصلين، وسقط من (س) ولا بد منه، وهو كذلك في ((تفسير عبد الرزاق)) ٢٤٥/٢. (٣) كذا في (أ) و((معاني القرآن)» للفراء ٨٩/٣: وهو من الوُسْع الذي بمعنى الطاقة والقُدرة؛ أي: لقادرون، وهو المعنى الذي أراده الفراء في كتابه، وتحرَّف في (س) و(ع) إلى: ((سَعَةٍ)) بإسقاط الواو مِن السَّعَة؛ أي: أوسعناها، يعني السماءَ، وهو وإن كان أحد وجوه معاني هذه الآية إلّا أنه ليس المراد في كلام الفراء. ٣١٢ سورة الذاريات فتح الباري بشرح البخاري قوله: (﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾)) في رواية أبي ذرٍّ: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ((ما خَلَقتُ أهل السَّعادة من أهل الفريقَينِ إلّا ليؤَخِّدونٍ)» هو قول الفَرّاءِ، ونَصَرَه ابن قُتَيبة في (مُشكِل القرآن)) له. وسببُ الحمل على التَّخصيص وجودُ مَن لا يَعبُده، فلو مُلَ على ظاهره لَوَقَعَ التَّنافي بين العِلّة والمعلول. قوله: ((وقال بعضهم: خَلَقَهم لِيَفْعَلوا، ففَعَلَ بعضُ وتَرَكَ بعضُ، وليس فيه حُجّةٌ لأهلِ القَدَر)) هو كلام الفَرّاء أيضاً، وحاصل التَّأويلَينِ أنَّ الأوَّل محمول على أنَّ اللَّفظ العامّ مُرادٌ به الخصوص، وأنَّ المراد أهلُ السّعادة من الجِنّ والإنس، والثاني باقٍ على عُمومه لكن بمعنی الاستعداد، أي: خَلَقَهم مُعَدَّينَ لذلك، لكن منهم مَن أطاعَ ومنهم مَن عَصَى، وهو كقولهم: الإبل مخلوقة للحَرثِ، أي: قابلةٌ لذلك، لأنَّه قد يكون فيها ما لا يَحِرُّث. وأمَّا قوله: ((وليس فيه حُجّة لأهلِ القَدَر)) فيريد المعتَزِلة، لأنَّ مُضَّل الجواب أنَّ المراد بالخَلْقِ خَلْقُ التَّكليف لا خَلْقُ الجِلَّة، فمَن وَفَّقَه عَمِلَ لمَا خُلِقَ له، ومَن خَذَلَه خالَفَ. والمعتَزِلة احتَجّوا بالآية المذكورة على أنَّ إرادة الله لا تتعلَّق به، والجواب أنَّه لا يَلزَم من كَوْن الشَّيء مُعلَّلاً بشيءٍ أن يكون ذلك الشَّيء مُراداً، وأن لا يكون غيره مُراداً. ويحتمل أن يكون مُراده بقوله: ((وليس فيه حُجّة لأهلِ القَدَر)) أنَّهم يَحْتَجّونَ بها على أنَّ أفعال الله لا بدّ وأن تكون معلولة، فقال: لا يَلزَم من وقوع التَّعليل في موضع وُجوب التَّعليل في كلّ موضع، ونحنُ نقول بجوازِ التَّعليل لا بوجوبه، أو لأنَهم احتَجّوا بها على أنَّ أفعال العباد مخلوقة لهم لإسناد العبادة إليهم، فقال: لا حُجّة لهم في ذلك، لأنَّ الإسناد من جهة الگسب، وفي الآية تأويلات أُخرى يطول ذكرها. وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّيِّ قال: خَلَقَهم للعبادة، فمِن العبادة ما يَنفَع ومنها ما لا يَنفَع. قوله: ((والذَّنُوب: الدَّلْو العظيم)) هو قول الفَرّاء لكن قال: العظيمة، وزادَ: ولكنَّ العرب تذهب بها إلى الحظّ والنَّصيب. وقال أبو عبيدة: الذَّنُوب: النَّصيب، وأصله من الدَّلْو، ٣١٣ سورة الذاريات كتاب التفسير والذَّنوب والسَّجْل واحد، والسَّجْل أقلّ ملأً من الدَّلو(١). قوله: ((وقال مجاهد: ﴿ذَنُوبًا﴾: سَبِيلاً) وَقَعَ هذا مُؤَخَّراً عن الذي بعده لغير أبي ذرٍّ، والذي عنده أَولى، وقد وَصَلَه الفِرْبابيّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَبِهِمْ﴾ قال: سَجْلاً من العذاب مِثل عذاب أصحابهم، وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جُرَيج عن مجاهد في قوله: ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا﴾ قال: سبيلاً. قال: وقال ابن عبَّاس: سَجْلاً، وهو بفتح المهمَلة وسكون الجيم. ومن طريق ابن جُرَيج عن عطاء مِثْلَه، وأنشَدَ عليه شاهداً. قوله: (﴿صَرَّقِ﴾: صَيْحة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عبّاس، وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿صَرَّقِ﴾: شِدّة صوتٍ، يقال: أقبَلَ فلانٌ يَصطَرُّ، أي: يُصَوِّت صوتاً شديداً. وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال: أقبَلَت تَرِثُّ. قوله: (﴿الْعَقِيَمَ﴾: التي لا تَلِدُ))/ زاد أبو ذرٍّ: ولا تُلَقِّح شيئاً. أخرج ابن المنذر من طريق ٦٠١/٨ الضَّحّاك قال: العَقيم: التي لا تَلِد. وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: العَقيم: التي لا تُنبِت. وأخرج الطَّبَرِيُّ (٤/٢٧) والحاكم (٢/ ٤٦٧) من طريق خُصَيفٍ عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس قال: الرِّيح العَقيم: التي لا تُلقِح شيئاً. قوله: ((وقال ابن عبّاس: والحُبُك: استِواؤُها وحُسْنِها)) تقدَّم في بَدْء الخلق(٢). وأخرجه الفِرْيابيُّ عن الثَّوريّ عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس، ومن طريق سفيان أخرجه الطَّبَريُّ (١٨٩/٢٦) وإسناده صحيح، لأنَّ سماع الثَّوريّ من عطاء بن السائب كان قبل الاختلاط. وأخرجه الطَّبَريُّ (١٨٩/٢٦) من وجه آخر صحيح عن ابن عبّاس. (١) كذا وقع في (أ) و(س)، وفي (ع): من الذَّنوب. ولفظه في المطبوع من ((مجاز القرآن)) ٢٢٩/٢ لأبي عبيدة: والذَّنوبُ والسَّجلُ واحد، وهو ملء الدلو وأقلُّ قابلاً. وفي ((إرشاد الساري)) للقسطلّاني ٧/ ٣٥٦: والذَّنوب والسَّجل أقلّ من الدَّلو. (٢) بین یدي الحديث رقم (٣١٩٥). ٣١٤ سورة الذاريات فتح الباري بشرح البخاري وأخرجه عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧] قال: ذات الخَلْقِ الحَسَن. وللطَّبَرِيِّ (١٨٩/٢٦) من طريق عَوْف عن الحسن قال: حُبكَت بالنُّجومِ، ومن طريق عِمران بن حُدَير، سُئِلَ عِكْرمة عن قوله: ﴿ذَاتِ الْمُبُكِ﴾ قال: ذات الخَلْقِ الحَسَن، ألم تَرَ إلى النَّسّاج إذا نَسَجَ الثَّوب قال: ما أحسنَ ما حَبَكَه! قوله: ((﴿فِي غَمْرَةِ﴾: فِي ضَلالَتهم يَتَمَادَوْنَ)) كذا للأكثرِ. ولأبي ذرِّ ﴿فِ غَمْرَتِهِمْ﴾، والأوَّل أولى لوقوعِه في هذه السّورة، وأمَّا الثّاني فهو في سورة الحِجر (١)، لكن قوله: ((فِي ضَلالَتهم)) يُؤيِّد الثّاني، وكأنَّه ذكره كذلك هنا للاشتراكِ في الكلمة، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم والطَّبَرِيُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ غَمَرَ فِسَاهُونَ ﴾ قال: في ضَلالَتهم يَتَمَادَونَ. ووَقَعَ في رواية النَّسَفيّ: ((في صلاتهم أو ضَلالَتهم)) بالشكِّ، والأوَّل تصحيف(٢). قوله: ((وقال غيره: تَواصَوْا: تَواطَؤْوا)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد أخرجه ابن المنذر من طريق أبي عُبيدة في قوله: ﴿أَتَوَصَوْ بِهِ،﴾: تَوَاطَؤوا عليه، وأخَذَه بعضُهم عن بعض، وإذا كانت شِيمةً غالبةً على قوم، قيل: كأنَّما تَواصَوْا به. وروى الطََّرَيُّ من طرق عن قَتَادة قال: هل أوصَى الأوَّل الآخِرَ منهم بالتكذيب؟ قوله: ((وقال غيره: ﴿ُسَوَّمَةٌ﴾: مُعلَّمَةً من السِّيما)) هو قول أبي عبيدة. ووَصَلَه ابن المنذِر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ُسَوَّمَةٌ﴾ قال: مُعلَّمة. وأخرج الطَّبَرِيُّ (١/٢٧) من طريق العَوْفيّ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿ُسَوَّمَةٌ﴾ قال: مختومة بلَونٍ أبيض، وفيه نقطة سوداء وبالعكس. قوله: ((﴿قُئِلَ آلْإِنَنُ﴾: لُعِنَ)) سَقَطَ هذا لغير أبي ذرٍّ، وقد تقدَّم تفسير قُتِلَ بلُغِنَ في أوائل السّورة، وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جُرَيج في قوله: ﴿قُئِلَ الْخَرَّصُونَ﴾ قال: هي مِثل (١) إنما هو في سورة ((المؤمنون)) الآية (٥٤)، والتي في الحجر ﴿لَفِى سَكْرَنِهِمْ﴾ الآية (٧٢). (٢) لم يرد في النسخة اليونينية ولا في ((إرشاد الساري)) للقسطلّاني ما ذكره الحافظ من وقوع ذلك عند النَّسَفي أو غيره من رواة (الصحيح)). ٣١٥ سورة الطور كتاب التفسير التي في عَبَسَ [١٧] ﴿قُتِلَ آلْإِنَنُ﴾. تنبيه: لم يَذكُر البخاريّ في هذه السّورة حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيها على شرطه حديث أخرجه أحمد (٣٧٤١)، والتِّرمِذيّ (٢٩٤٠)، والنَّسائيُّ (ك ٧٦٦٠ و ١١٤٦٣) من طريق أبي إسحاق عن عبد الرَّحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: ((أقرأَني رسول الله وَله: إنّي أنا الرَّزّاق ذو القوّة المتين)) قال التُّرمِذيّ: حسن صحيح، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٣٢٩)(١) . ٥٢ - سورة ﴿ وَاُلُورِ﴾ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وقال قَتَادةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ [٢]: مكتوبٍ. وقال مجاهدٌ: الطَّورُ: الجبلُ بالسُّرْيانيَّةِ. ﴿رَقِ مَّنْشُورٍ﴾ [٣]: صَحِیفةٍ. ﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [٥]: سَماءٌ. ﴿المُسْجُورِ﴾ [٦]: المُوقَدِ. وقال الحسنُ: تُسْجَرُ حتَّى يَذْهَبَ ماؤُها، فلا يَبْقَى فيها قَطْرةٌ. وقال مجاهدٌ: ﴿أَنْتَهُمْ﴾ [٢١]: نَقَصْنا. وقال غيرُه: ﴿تَمُورُ﴾ [٩]: تَدُورُ. ﴿أَعْلَمُهُ﴾ [٣٢]: العقول. وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿اَلْبُ﴾ [٣٨]: اللَّطِيف. ﴿كِسْفًا﴾ [٤٤]: قِطْعاً. ﴿اَلْمَنُونِ﴾ [٣٠]: الموت. وقال غيرُه: ﴿ يَنْتَزَعُونَ﴾ [٢٣]: يَتَعاطَوْنَ. قوله: ((سورة ﴿وَاَلْطُّورِ﴾ - بِسْمِ الهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرٍّ، واقتَصَرَ الباقونَ على: ﴿وَالُورِ﴾، والواو للقَسَمِ وما / بعدها عاطِفات أو للقَسَمِ أيضاً. ٦٠٢/٨ (١) وفاته - رحمه الله - أن يعزوه لأبي داود، فهو عنده في ((سننه)) برقم (٣٩٩٣) من الطريق واللفظ المذكورين. ٣١٦ سورة الطور فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال قَتَادةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾: مكتوب)) سَقَطَ هذا من رواية أبي ذرٍّ، وثَبَتَ لهم في التوحيد(١)، وقد وَصَلَه المصنّف في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (١٢٨) من طريق سعيد عن قَتَادة. قوله: ((وقال مجاهد: الطَّرُ: الجبل بالسُّرْيانيَّةِ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بهذا، قال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة، قوله: ﴿ وَاَلْطُّورِ﴾ قال: جبل يقال له: الطّور. وعَمَّن سمعَ عِكْرمة مِثله. وقال أبو عبيدة: الطّور: الجبل في كلام العرب. وفي ((المحكَم): الطّور: الجبل، وقد غَلَبَ على طُور سَيْناءَ: جبل بالشّام، وهو بالسُّريانيَّة طُورَى، بفتح الَّاء والنِّسبة إليه طُورِيٍّ وطُورانٌّ. قوله: (﴿رَقِّ مَّنْشُورٍ﴾: صحيفة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ ﴾ فِ رَقٍّ مَّنْشُورٍ﴾ قال: صُحُف وَرَقٍ، قوله: ﴿مَّنْشُورٍ﴾ قال: صحيفة. قوله: ((﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: سَماءٌ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وتقدَّم في بَدْء الخلق(٢). قوله: ((والمسجُورِ: المُوقَدِ)) في رواية الحَمُّوِيّ والنَّسَفيّ: المُوقَر(٣)، بالرّاءِ، والأوَّل هو الصَّواب، وقد وَصَلَه إبراهيم الخَرْبيّ في ((غريب الحديث)) (١ / ٤) والطَّبَرِيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد وقال: المُوقَد، بالدَّال. وأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق سعيد بن المسيّب قال: قال عليٌّ لرجلٍ من اليهود: أين جَهَنَّمُ؟ قال: البحر، قال: ما أُراه إلّا صادِقاً، ثمَّ تلا ﴿وَالْبَحْرِ الْسَسْجُورِ﴾، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ))) [التكوير: ٦]. وعن ابنِ (٤) زيد بن أسلم قال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمسْجُورِ﴾: المُوقَد، ﴿وَإِذَا (١) بین یدي الحدیث رقم (٧٥٥٣). (٢) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٥). (٣) كذا وقع للحافظ كما في الأصلين و(س)، وكذا للعيني في ((عمدة القاري)) ١٩٣/١٩، والذي في النسخة اليونينية و((إرشاد الساري)) للقسطلّاني ٧/ ٣٥٧: والمستملي، بدل النسفي. (٤) قوله: ((ابن)) سقط من (س). ٣١٧ سورة الطور كتاب التفسير الْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾: أُوقِدَت. ومن طريق شِمر بن عَطيَّة قال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾: [بمَنْزِلةِ](١) التَّنّورِ المسجورِ، قال: وفيه قولٌ آخَر. قال أبو عُبيدة: المسجورُ: المملوءُ. وأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق سعيد عن قَتَادة مِثلَه، وَرَجَّحَه الطََّريّ. قوله: ((وقال الحسنَ: تُسْجَرُ حتَّى يَذْهبَ ماؤُها، فلا يَبْقَى فيها قَطْرَةٌ)) وَصَلَه الطََّرُّ من طريق سعيد عن قَتَادة عن الحسن في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾ فَذَكرَه، فبيَّن الحسن أنَّ ذلك يقع يوم القيامة، وأمَّا اليوم فالمراد بالمسجورِ: الممتَلِئ، ويحتمل أن يُطلَق عليه ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالُه. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿أَلَنْتَهُمْ﴾: نَقَصْناهم))(٢) وقد تقدَّم في الحُجُرات(٣). وأخرج عبد الرَّزّاق(٤) مِثْلَه عن ابن عبّاس بإسنادٍ صحيحٍ. وعن مَعمَر عن قَتَادة قال: ما ظلمناهم. قوله: ((وقال غيره: ﴿تَمُورُ﴾: تَدور)) وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا﴾ قال: مَوْرُها: تَحُّكها. وأخرج الطَّبَرُّ (٢١/٢٧) من طريق ابن عُيَينَةَ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَّهُ مَوْرًا ﴾ قال: تَدور دوراً. قوله: (﴿أَعْلَمُهُ﴾: العقولُ)) هو قول زيد بن أسلم، ذكره الطََّرِيُّ عنه. وقال الفَرّاء: الأحلام في هذا الموضع: العقول والألباب. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿الْبَرُّ﴾: اللَّطيف)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ هنا، وثَّبَتَ لهم في التوحيد (٥)، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، به. وسيأتي الكلام (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، ولا بدَّ منه، وقد استدركناه من ((تفسير الطبري)) ١٩/٢٧، وانظر ((إرشاد الساري)) ٧/ ٣٥٧. (٢) كذا وقع في الأصلين و(س)، والذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) ٧/ ٣٥٧: نقصنا، بحذف الضمير في آخره، وفيهما أنَّ(«قوله: قال مجاهد: ألتناهم: نقصناهم)) سقط لأبي ذرّ. (٣) بين يدي الحديث رقم (٤٨٤٥). (٤) في ((تفسيره)) ٢/ ٢٤٧ -٢٤٨. (٥) بين يدي الحديث رقم (٧٣٩٢). ٣١٨ سورة الطور فتح الباري بشرح البخاري عليه في التوحيد إن شاء الله تعالى. قوله: ((﴿كِسْفًا﴾: قِطْعاً) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٣٥/٢٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. ولابنِ أبي حاتم من طريق قَتَادة مِثلُه، ومن طريق السُّدِّيِّ قال: عذاباً. وقال أبو عُبيدة: ﴿كِسْفًا﴾ الكِسْفُ: جمع كِسْفة مِثل السِّدْر جمع سِدْرة. وهذا يُضَعِّف قول مَن رواه بالتَّحريكِ فيهما، وقد قيل: إنَّها قراءة شاذّة، وأنكَرَها بعضهم، وأثبتَها أبو البَقَاء العُکېريّ وغیرُه. قوله: ((المَنُونُ: الموتُ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٣١/٢٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قال: الموت. وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة مِثلَه. وأخرج الطَّبَريُّ من طريق مجاهد قال: المَنُون: حوادث الدَّهر. وذَكَر ابن إسحاق في ((السِّيرة))(١) عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد عن ابن عبّاس: إنَّ قُرَيشاً لمَّ اجتَمَعوا في دار النَّدوة قال قائل منهم: احبِسُوه في وَثاق، ثمَّ تَرَبَّصوا به رَیْبَ ٦٠٣/٨ المَنُون حتَّى يَهلِكَ كما هَلَكَ مَن قبلَه مِن الشُّعَراء، فإنّما هو واحد منهم، فأنزَلَ الله تعالى/ ﴿أَّ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّّصُ بِهِ، رَيْبَ آلْمَنُونِ﴾، وهذا كلّه يُؤيِّد قول الأصمَعيّ: إنَّ المَنُون واحد لا جمعَ له، ويُبعِد قول الأخفَش: إِنَّه جمعٌ لا واحدَ له. وأمَّا قول الدَّاووديّ: إنَّ المَنُون جمع مَنيّة، فغير معروف، معَ بُعْده من الاشتقاق. قوله: ((وقال غيرُه: ﴿يَنَزَعُونَ﴾: يَتَعَاطَوْنَ)) هو قول أبي عبيدة، وَصَلَه ابن المنذر من طريقه، وزادَ: أي: يَتَداوَلُونَ، قال الشّاعر: نازَعتُه طيِّبَ الراحِ الشَّمولِ وقد صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وَقْعَةُ الساري(٢) (١) كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١/ ٤٨٤. (٢) هذا البيت للشاعر الأُموي غياث بن غوث بن الصَّلت التَّغلبي، المشهور بالأخطل، وهو في ((ديوانه)) ١٠٨/١، وقوله: ((صاح الدَّجاج)) يعني به: الدِّيَكة، يقال للدِّيك: دجاجة، فإذا أرادوا الأنثى قالوا: هذه، وكذلك: هذا بقرة، وهذا بطة؛ إذا أردت الذَّكَر. وانظر ((الكامل في اللغة والأدب)) للمبرد ١/ ٩٠، و ((شرح شواهد الإيضاح)) لابن برّي ص٢٠٣. ٣١٩ سورة الطور/ ح ٤٨٥٣-٤٨٥٤ كتاب التفسير ١ - بابٌ ٤٨٥٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن محمَّدٍ بنِ عَبِدِ الرَّحمنِ بنِ نَوْفَلٍ، عن عُرْوةَ، عن زَينَبَ ابنة أبي سَلَمَةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ اللهِ وَِّ أنّي أَشتكي، فقال: ((طُوفي مِن وَراءِ الناسِ وأنتِ راكِيةٌ)). فَطُفْتُ ورسولُ الله ◌ِ يُصَلّ إلی جَنْبٍ البيتِ يقرأُ بِ ﴿وَالُورِ ) وَكِتَبٍ مَسْطُورٍ﴾. ٤٨٥٤ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، قال: حَدَّثوني عن الزُّهْريِّ، عن محمَّدِ بنِ جُبير ابنِ مُطْعِمٍ، عن أبيه ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّةِ يقرأُ في المغربِ بالطُّور، فلمَّا بَلَغَ هذه الآيةَ: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ (٥) أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضََّ بَل لََّ يُوقِنُونَ (٥) أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَيِّكَ أَمَّ هُمُ المُسَيطِرونَ(١)﴾ [الطور: ٣٥-٣٧] كادَ قَلْبِي أن يَطِيرَ. قال سفيانُ: فأمّا أنا فإنَّما سمعتُ الزُّهْريَّ يُحدِّثُ عن محمَّدِ بنِ جُبَير بنِ مُطْعِمٍ، عن أبيه: سمعتُ النبيَّ ◌َّ يقرأُ في المغربِ بالطُّور، لم أسمَعْه زادَ الذي قالوا لي. قوله: ((عن أمّ سَلَمَةَ، قالت: شَكَوْت إلى رسول الله وَيهِ أَنّ أشتكي)) أي: أنَّها كانت ضعيفة لا تَقدِر على الطَّواف ماشيةً، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الحجّ (١٦١٩ و ١٦٢٦ و ١٦٣٣). قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو ابن عُيَينَ ((قال: حَدَّثوني عن الزّهْرِيِّ) اعتَرَضَه الإسماعيليّ بما أخرجه من طريق عبد الجبّار بن العلاء وابن أبي عمر كلاهما عن ابن عُيَينةَ: ((سمعت الزُّهْريَّ قال)) فصَرَّحا عنه بالسَّماعِ، وهما ثِقَتان. قلت: وهو اعتراض ساقط، فإنَّهما ما أورَدا من الحديث إلّ القَدْر الذي ذكره الحميديّ عن سفيان أنَّه سمعَه من الزُّهْرِيِّ، بخلاف الزيادة التي صَرَّحَ الحُميديّ عنه بأنَّه لم يَسمَعِها من الزُّهْرِيِّ، وإنَّما بَلَغَته عنه بواسطةٍ. قوله: ((كادَ قَلْبِي يَطير)) قال الخطَّبيُّ: كأنَّه انزَعَجَ عند سماع هذه الآية لفَهمِه معناها (١) كذا وقع في اليونينية وفي ((إرشاد الساري)) ٧/ ٣٥٨ بالسين في قوله: ((المسيطرون))، وهي قراءة الكسائي وابن كثير، وقرأ الباقون بالصاد. انظر ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٦١٣. ٣٢٠ سورة النجم فتح الباري بشرح البخاري ومَعرِفَته بما تَضَمَّنَتَه، ففَهمَ الحُجّة فاستَدرَكَها بلطيفٍ طَبعه، وذلك من قوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْ شَىْءٍ﴾. قيل: معناه ليسوا أشدَّ خَلقاً من خلق السماوات والأرض، لأنَّهما خُلِقَتا من غير شيءٍ، وهم خُلقوا مِن آدم، وآدمُ خُلِقَ من تراب، وقيل: المعنى: أَخُلِقوا لغير شيءٍ (١)، أي: هل خُلِقوا باطِلاً لا يُؤْمَرونَ ولا يُنهَونَ؟ وقيل: المعنى أَخْلِقُوا (٢) من غير خالق؟ وذلك لا يجوز فلا بُدّ لهم من خالق، وإذا أنكَروا الخالق أَفَهُمُ(٣) الخالقونَ لأَنفُسِهم؛ وذلك في الفساد والبُطْلان أشدّ، لأنَّ ما لا وُجود له كيف يَخْلُق؟! وإذا بَطَلَ الوجهان قامَت الحُجّة عليهم بأنَّ لهم خالقاً. ثُمَّ قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْالسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾، أي: إن جازَ لهم أن يَدَّعوا خَلَقَ أنفُسهم فليَدَّعوا خلقَ السَّماوات والأرض، وذلك لا يُمكِنِهم، فقامَت الحُجّة. ثمّ قال: ﴿بَلِ لَّا يُوقِنُونَ﴾ فذَكر العِلّة التي عاقَتهم عن الإيمان، وهو عَدَم اليقين الذي هو مَوهِبةٌ من الله ولا يَحَصُل إلّا بَتَوفيقِهِ، فلهذا انزعجَ جُبَيْرٌ حتَّى كادَ قلبُهُ يَطِيرُ، ومالَ إلى الإسلام، انتھی. ويُستَفاد من قوله: ((فلمَّا بَلَغَ هذه/ الآية)) أنَّه استَفْتَحَ من أوَّل السُّورة، وظاهر السِّياق ٦٠٤/٨ أنَّه قرأ إلى آخرها، وقد تقدَّم البحث في ذلك في صفة الصلاة (٧٦٥). ٥٣- سورة ﴿وَالنَّجْرِ﴾ بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿ذُومِرَةٍ﴾ [٦]: ذُو قوّةٍ. ﴿ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [٩]: حيثُ الوَتَرُ مِن القَوْسِ. ضِيرَى﴾ [٢٢]: عَوْجاءُ. (١) من قوله: ((وهم خُلقوا من آدم)) إلى هنا من الأصلين، وسقط من (س). (٢) في (س): ((أم خُلقوا)). (٣) في (س): ((فهم)) بإسقاط همزة الاستفهام من أوله، وما أثبتناه من الأصلين، وهو المراد في هذا السياق.