النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة الفتح/ح ٤٨٣٨
كتاب التفسير
قوله: ((بابٌ ﴿ إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾)».
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة)) أي: القَعْنبيّ، كذا في رواية أبي ذرٍّ وأبي عليّ بن
السَّكَن، ووَقَعَ عندَ غيرهما: ((عبد الله)) غير منسوب، فَتَرَدَّدَ فيه أبو مسعود بينَ أن يكون
عبدَ الله بن رَجاء أو عبدَ الله بن صالح كاتب اللَّيث، وقال أبو عليّ الجَيّانيّ: عندي أنَّه
عبد الله بن صالح. وَرَجَّحَ هذا المِزِيُّ وشيَّده(١) بأنَّ البخاريّ أخرج هذا الحديث بعينه في
كتاب ((الأدب المفرد)) (٢٤٧) عن عبد الله بن صالح عن عبد العزيز.
قلت: لكن لا يَلَزَمُ من ذلك الجزمُ به، وما المانع أن يكون له في الحديث الواحد
شيخان عن شيخ واحد؟ وليس الذي وَقَعَ في ((الأدب)) بأرجَحَ مَّا وَقَعَ الجزمُ به في رواية
أبي عليٍّ وأبي ذرِّ وهما حافظان، وقد أخرج البخاريّ في ((باب التَّكبير إذا عَلَا شَرَفاً)) من
كتاب الحجّ(٢) حديثاً قال فيه: حدَّثنا عبد الله - غير منسوب - حدَّثنا عبد العزيز بن / أبي ٥٨٦/٨
سَلَمَةَ؛ كذا للأكثرِ غير منسوب، وتَرَدَّدَ فيه أبو مسعود بينَ الرجلينِ اللَّذَينِ تَرَدَّدَ فيهما في
حديث الباب، لكن وَقَعَ في رواية أبي عليّ بن السَّكَن: ((حدَّثنا عبد الله بن يوسف)) فَتَعِيَّنَ
المصيرُ إليه، لأنَّها زيادة من حافظ في الرِّواية، فتُقَدَّمُ على مَن فَسَّرَه بالظَّنِّ.
قوله: ((عن هلال بن أبي هلال)) تقدَّم القولُ فيه في أوائلِ البيوع (٢١٢٥).
قوله: ((عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص)) تقدَّم بيانُ الاختلاف فيه على عطاء بن يسار
في البيوع أيضاً، وتقدَّم في تلك الرِّواية سببُ تحديث عبد الله بن عَمْرو به، وأنَّهم سألوه عن
صفة النبيّ ◌َّه في التوراة فقال: أجَلْ إِنَّه لموصوف ببعض صِفَتِه في القرآن.
وللدّارميِّ (٧) من طريق أبي صالح ذَكْوان عن كعب قال: في السَّطر الأوَّل: محمَّدٌ
رسول الله عبدي المختار.
قوله: ((إنَّ هذه الآية التي في القرآن ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾
(١) تحرف في (س) إلى: وحده. ومعنى ((شيّده)) هنا: دَعَّمه وقوّاه.
(٢) بل في الجهاد والسير برقم (٢٩٩٥).

٢٨٢
سورة الفتح/ح ٤٨٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال في التوراة: يا أيُّها النبيُّ إنّا أرسَلْناكَ شاهداً ومُبشِّراً)) أي: شاهداً على الأُمّة، ومُبِّراً للمطيعينَ
بالجنَّة وللعُصاةِ بالنار، أو شاهداً للُّسُلِ قبلَه بالإبلاغِ.
قوله: ((وحِرْزا) بكسر المهمَلة وسكون الرَّاء بعدَها زاي، أي: حِصناً، والأُمِّينَ هم العرب،
وقد تقدّم شرح ذلك في البيوع.
قوله: ((سَمَّيْتُكَ المتوكّل)) أي: على الله لقَناعَتِه باليسيرِ، والصَّيرِ على ما كان يَكرَه.
قوله: ((ليس)) كذا وَقَعَ بصيغة الغَيْبة على طريق الالتِفات، ولو جَرَى على النَّسَق الأوَّل
لقال: لستَ.
قوله: ((بفَظُّ ولا غليظِ)» هو موافقٌ لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْكُنْتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبٍ لَأَنَفَقُواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا يُعارِض قوله تعالى: ﴿وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾
[التوبة: ٧٣]، لأَنَّ النَّفي محمول على طبعِه الذي جُبِلَ عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النَّفي
بالنّسبة للمؤمنينَ، والأمر بالنّسبة للكفَّار والمنافقينَ كما هو مُصرَّح به في نفس الآية.
قوله: ((ولا سَخّاب)) كذا فيه بالسِّين المهمَلة، وهي لغة أثبَتَها الفَرّاء وغيره، وبالصّادِ
أشهَرُ، وقد تقدَّم ذلك أيضاً.
قوله: (ولا يَدْفَعُ السَّيّةَ بِالسَّيَِّةِ)) هو مِثْلُ قوله تعالى: ﴿آدَفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]،
زاد في رواية كعب: مَولِده بمكَّةَ، ومُهاجَره طَيْبة، ومُلْكه بالشّام.
قوله: «ولن يقبضه» أي: يُميته.
قوله: ((حتَّى يُقيمَ به)) أي: حتَّى يَنفَيَ الشِّرك ويُثبتَ التوحيد، و((المِلّة العَوْجاء)) مِلّة الكفر.
قوله: ((فيَفتَحُ بها)) أي: بكلمة التوحيد ((أعيُناً عُمْياً) أي: عن الحقّ، وليس هو على حقيقَتِهِ،
ووَقَعَ في رواية القابِيّ: ((أعيُنَ عُميٍ)) بالإضافة، وكذا الكلام في الآذان والقلوب. وفي مُرسَل
جُبير بن نُفَير بإسنادٍ صحيحٍ عندَ الدَّارِمِيّ (٩): ليس بوَهِنٍ ولا كَسِل، ليُحبِيَ(١) قلوباً غُلفاً،
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: ليختن.

:
كتاب التفسير
سورة الفتح/ح ٤٨٣٩-٤٨٤١
٢٨٣
ويَفْتَحَ أعيُناً عُمياً، ويُسمِعَ آذاناً صُّاً، ويُقيمَ ألسِنة ◌ُوجاً(١) حتَّى يقال: لا إله إلّ الله وحده.
تنبيه: قيل: أتى بجمع القِلّة في قوله: ((أعيُن)) للإشارة إلى أنَّ المؤمنينَ أقلُّ من الكافرينَ،
وقيل: بل جمع القِلّة قد يأتي في موضع الكَثْرة وبالعكس كقولهِ: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوْءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
والأوَّل أَولى، ويحتمل أن يكون هو نُكْتة العُدول إلى جمع القِلّة، أو للمؤاخاة في قوله:
((آذاناً))، وقد تَرِدُ القلوب على المعنى الأوَّل، وجوابه: أنَّه لم يُسمَع للقلوب جمع قِلّة كما لم
يُسمَع للآذان جمعُ کَثْرة.
٣- بابٌ ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ السَّكِيْنَةَ﴾ [الفتح: ٤]
٤٨٣٩- حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ ظُه قال:
بينما رجلٌ من أصحابِ النبيِّ وَِّ يقرأُ، وفَرَسٌ له مَرْبوطٌ في الدَّارِ، فَجَعَلَ يَنْفِرُ، فخرجَ الرجلُ
فنَظَرَ فلم يَرَ شيئاً، وجَعَلَ يَنْفِرُ، فلمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذلك للنبيِّ ◌َ، فقال: ((تلك السَّكِينَةُ تَنزَّلَت
بالقرآن)).
قوله: ((بابٌ ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾)» ذكر فيه حديث البراء في نزول السَّكينة، وسيأتي ٥٨٧/٨
بتمامه في فضائل القرآن (٥٠١١) معَ شرحه إن شاء الله تعالى.
٤- باب قوله:
﴿إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]
٤٨٤٠- حدَّثْنَا قُتَبِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمِرٍو، عن جابرٍ قال: كنَّا يومَ الحُدَيِيَّةِ
ألفاً وأربعَ مئةٍ.
: ٤٨٤١٠- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثْنَا شَبَابٌ، حدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن قَتَادةَ قال: سمعتُ عُقْبَةَ بنَ
صُهْبانَ، عن عبدِ الله بنِ مُغفَّلِ المُزَبِّ: إنّي مَمَّن شَهِدَ الشَّجَرَةَ، فَهَى النبيُّ ◌َِّ عن الخَذْفِ.
[طرفاه في: ٥٤٧٩، ٦٢٢٠]
(١) هكذا وقع في أصولنا من ((الفتح))، والذي في ((مسند الدارمي)): ((السنة العوجاء)) أي: المِلّة العوجاء، وعليه فإنَّ
رواية الدارمي موافقة لرواية البخاري.

٢٨٤
سورة الفتح/ح ٤٨٤٢ -٤٨٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
٤٨٤٢- وعن عُقْبةَ بنِ صُهْبانَ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ المُغفَّل المُزَنِيَّ في البَوْلِ في
المغتَسَلِ.
٤٨٤٣ - حذَّثني محمَّدُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن خالدٍ، عن أبي
قِلَابَةَ، عن ثابتِ بنِ الضَّحّاكِ عُه، وكان من أصحابِ الشَّجَرةِ.
٤٨٤٤- حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ السُّلَميُّ، حدَّثنا يَعْلَى، حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ سِيَاءٍ، عن
حبيبٍ بنِ أبي ثابتٍ قال: أتيتُ أبا وائلِ أسألُه، فقال: كنَّا بصِفِّينَ، فقال رجلٌ: ألم تَرَ إلى الَّذِينَ
يُدْعَوْنَ إلى كتابِ الله؟ فقال عليٌّ: نعم، فقال سَهْلُ بنُ حُنَفٍ: الَِّمُوا أَنفُسَكُم، فلقد رأيتُنا يومَ
الحُدَيِيةِ - يعني: الصُّلْحَ الذي كان بينَ النبيِّ وَّهِ والمشركينَ - ولو نَرَى قتالاً لَقاتَلْنا، فجاء
عمرُ فقال: ألسْنا على الحقِّ وهم على الباطِلِ؟ أليس قَتْلانا في الجنَّةِ وقَتْلاهم في النارِ؟ قال:
(بَلَ)) قال: فِيمَ أُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا وَرْجِعُ، ولمَّا يَحِكُمُ اللهُ بينَنا؟ فقال: ((يا ابنَ الخطّاب، إنّ
رسولُ الله، ولن يُضَيِّعَني اللهُ أبداً)) فرَجَعَ مُتَغَيِّظاً، فلم يَصْبِرْ حتَّى جاء أبا بكرٍ فقال: يا أبا بكرٍ،
ألسنا على الحقِّ وهم على الباطِلِ؟ قال: يا ابنَ الخطَّاب، إنَّه رسولُ الله وَّةَ، ولن يُضَيِّعَه الله أبداً؛
فنزلت سورةُ الفتحِ.
قوله: ((باب قوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾)) ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث جابر: ((كنَّ يومَ الحُدَيبية ألفاً وأربع مئة)) وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في
کتاب المغازي (٤١٥٢).
وثانيها: قوله: ((عليّ بن عبد الله)) هو ابن المَدِينِيّ كذا للأكثرِ، ووَقَعَ في رواية
المُستَمْلِي: ((عليّ بن سَلَمَةَ)) وهو اللََّقيّ - بفتح اللّام والموخَّدة ثمَّ قاف خفيفة - وبه جَزَمَ
الكلاباديّ.
قوله: ((عن عبدِ الله بن المغَفَّل المُزَنيِّ مَمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَ قال: نَهَى رسول اللهِ وَّهِ عن
الخَذْف)) بخاءٍ مُعجَمة، أي: الرَّمي بالْحَصَى بين إصبعَينٍ، وسيأتي الكلام عليه في الأدب
(٦٢٢٠).

٢٨٥
سورة الفتح/ح ٤٨٤٤
كتاب التفسير
قوله: ((وعن عُقْبة بن صُهْبان: سمعتُ عبد الله بن مُغفَّل المُزَنيَّ في البَوْل في المغتَسَل)) كذا
للأكثرِ، وزاد في رواية الأَصِيليّ وكذا لأبي ذرِّ عن السَّرَخْسيّ: ((يأخذ/ منه الوَسْواسُ)).
٥٨٨/٨
وهذان الحديثان المرفوع والموقوف الذي عَقَّبَه به، لا تَعلَّقَ لهما بتفسير هذه الآية، بل
ولا هذه السّورة، وإنَّما أورَدَ الأوَّل لقولِ الراوي فيه: ((مَّن شَهِدَ الشَّجَرة)»، فهذا القَدْر هو
المتعلِّق بالتَّرجمة، ومِثلُه ما ذكره بعده عن ثابت بن الضَّحّاك وذكر المتن بطريق التَّبَع لا
القصد.
وأمَّا الحديث الثّاني فأورَدَه لبيان التَّصريح بسماع عُقْبة بن صُهبان من عبد الله بن مُغفَّل،
وهذا من صَنِيعه في غاية الدِّقّة وحُسْن التصرُّف، فلِلُهِ دَرُّه!
وهذا الحديث قد أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج)) والحاكم (١٨٥/١) من طریق یزید
ابن زُرَيعِ عن سعيد عن قَتَادة عن عُقْبة بن صُهْبان عن عبد الله بن مُغفَّل قال: نَی - أو
زَجَرَ - أن يُبالَ في المغتَسَل؛ وهذا يدلُّ على أنَّ زيادة ذِكْرِ الوَسْواس التي عند الأَصِيلِيِّ ومَن
وافَقَه في هذه الطَّريق وَهْمٌّ. نعم أخرج أصحاب السُّنَن، وصَخَّحَه ابن حِبّان والحاكم من
طريق أشعَث عن الحسن عن عبد الله بن مُغفَّل رَفَعَه: ((لا يَبولَنَّ أحدُكم في مُستَحَمِّه، فإنَّ
عامّة الوَسْواس منه))(١) قال التِّرمِذيّ: غريب لا نَعرِفه مرفوعاً إلّا من حديث أشعَث،
وتُعقِّبَ بأنَّ الطَّبَريَّ أخرجه من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن أيضاً، وهذا التَّعَقُّب
واردٌ على الإطلاق، وإلّا فإسماعيل ضعيف.
الحديث الثالث: قوله: ((عن خالد)) هو الحَذّاء.
قوله: ((عن أبي قِلَابةَ، عن ثابت بن الضَّحّاك وكان من أصحاب الشَّجَرة)» هكذا ذكر
القَدْرَ الذي يحتاج إليه من هذا الحديث ولم يَسُق المتن، ويُستَفاد من ذلك أنَّه لم يَجِرِ على
سَنَنٍ واحد في إيراد الأشياء التَّبَعيَّة، بل تارةً يَقْتَصِر على موضع الحاجة من الحديث، وتارةً
(١) أخرجه أبو داود (٢٧)، وابن ماجه (٣٠٤)، والترمذي (٢١)، والنسائي (٣٦)، وابن حبان (١٢٥٥)،
والحاكم ١٦٧/١.

٢٨٦
سورة الفتح/ح ٤٨٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
يَسُوقه بتمامه، فكأنَّه يَقصِد التَّنُّن بذلك. وقد تقدَّم لحديثِ ثابتٍ المذكور طريقٌ أُخرى في
غزوة الحديبية (٤١٧١).
الحديث الرابع: قوله: ((حدَّثْنَا يَعْلَى)) هو ابن عُبيد الطَّنافسيّ.
قوله: ((حدَّثنا عبد العزيز بن سِيَاه)» بمُهمَلةٍ مكسورة ثمَّ تحتانيَّة خفيفة وآخره هاءٌ مُنوَّنة،
تقدَّم في أواخر الجِزية (٣١٨١).
قوله: «أتيت أبا وائل أسأله» لم یذکُر المسؤول عنه، وبيَّنه أحمد (١٥٩٧٥) في روايته عن
يَعْلى بن عُبيد، ولفظه: أتيتُ أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاءِ القوم الذينَ قتلهم
عليٌّ - يعني الخوارج - قال: كنّا بصِفّينَ فقال رجل ... فذكره.
قوله: ((فقال: كنَّا بصِفِّينَ)) هي مدينة قديمة على شاطئ الفُرَات بين الرَّقّة ومَنِج، كانت
بها الواقعةُ المشهورة بين عليّ ومعاوية.
قوله: ((فقال رجل: ألم تَرَ إلى الذينَ يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله)) ساقَ أحمد إلى آخر الآية (١). هذا
الرجل هو عبد الله بن الكَوّاء، ذكره الطَّبَريّ، وكان سبب ذلك أنَّ أهل الشّام لمَّا كادَ أهلُ
العراق يَغْلِبونَهم أشارَ عليهم عَمْرو بن العاص برفع المصاحف والدُّعاء إلى العَمَل بما فيها،
وأراد بذلك أن تقعَ المطاوَلةُ، فَيَستَريحوا من الشِّدّة التي وَقَعوا فيها فكان كما ظَنَّ، فلمَّا
رَفَعوها وقالوا: بيننا وبينكم كتابُ الله، وسمعَ مَن بعَسكَرِ عليٍّ وغالبُهم مَمَّن يَتَدَيَّن، قال
قائلهم ما ذُكِرَ؛ فأذعَنَ عليٌّ إلى التَّحكيم مُوافَقةً لهم واثِقاً بأنَّ الحقّ بَيَدِه.
وقد أخرج النَّسائيُّ هذا الحديث (ك١١٤٤٠) عن أحمد بن سليمان عن يَعْلى بن عُبيد
بالإسناد الذي أخرجه البخاريُّ، فذكر الزّيادة نحو ما أخرجها أحمد، وزاد بعد قوله: كنّا
بصِفّينَ: «قال: فلمَّا استَحرَّ القتلُ بأهلِ الشّام، قال عَمْرو بن العاص لمعاوية: أرسل المصحَفَ
إلى عليّ فادعُه إلى كتاب الله، فإنَّه لن يأبى عليك، فأتى به رجل فقال: بيننا وبينكم كتابُ الله،
(١) يريد الآية (٢٣) من سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿أَ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ
إِلَ كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.

٢٨٧
سورة الحجرات
كتاب التفسير
فقال عليّ: أنا أَولى بذلك، بيننا كتابُ الله، فجاءته الخوارجُ - ونحنُ يومَئذٍ نُسَمّيهم القُرّاء -
وسيوفُهم على عَوَاتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنينَ، ما تَنتَظِرُ بهؤلاءِ القوم، ألا نمشي إليهم بسُيوفِنا
حتَّى يَحكمَ الله بيننا وبينهم؟ فقامَ سهلُ بن حُنَيَف، فذكره(١).
قوله: ((فقال عليٌّ: نعم)) زاد أحمد والنَّسائيُّ: ((أنا أَولى بذلك)) أي: بالإجابة إذا دُعِيتُ إلى
العَمَل بكتاب الله؛ لأنَّني واثِقٌ بأنَّ الحقّ بيدي.
قوله: ((وقال سَهْل بن حُنَيف: اتَّهِموا أنفُسَكم)) أي: في هذا الرَّأي؛ لأنَّ كثيراً منهم
أنكَروا التَّحكيم وقالوا: لا حُكمَ إلّا لله، فقال عليّ: كلمة حَقِّ أُريدَ بها/ باطل، وأشارَ ٥٨٩/٨
عليهم كِبارُ الصَّحابة بمُطاوَعة عليّ وأن لا يخالفوا ما يشير به، لكَوْنِه أعلم بالمصلحة،
وذكر لهم سهلُ بن حُنَيف ما وَقَعَ لهم بالحُدَيبية، وأَّهم رأوا يومَئذٍ أن يَستَمِّرّوا على القتال
ويُخالِفِوا ما دُعوا إليه من الصُّلح، ثمَّ ظَهَرَ أنَّ الأصلَحَ هو الذي كان شَرَعَ النبيُّ نَّهِ فِيهِ،
وسيأتي الإلمامُ بما يَتَعلَّق بهذه القِصّة في كتاب استتابة المرتدِّينَ (٦٩٣٠) إن شاء الله تعالى، وسَبَقَ
ما يَتَعلَّق بالحُدَيبية مُستَوقَى في كتاب الشُّروط (٢٧٣١ و٢٧٣٢).
٤٩ - سورة الحجرات
بِسْمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال مجاهدٌ: ﴿لَا تُقَدِّمُواْ﴾ [١]: لا تَفْتاتُوا على رسولِ الله ◌ََّ، حتَّى يَقْضِيَ اللهُ علی لِسانِه.
﴿أَمْتَحَنَ﴾ [٣]: أخلَصَ.
﴿وَلَا تَنَابَزُواْ﴾ [١١]: يُدْعَى بالكُفْرِ بعدَ الإسلامِ.
﴿يَلِتْكُمْ﴾ [١٤]: يَنقُصْكُم، ألَتْنَا: نَقَصْنا.
قوله: ((سورة الحُجُرات - ◌ِمِ اللَّهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرِّ، واقتَصَرَ غيره على
الْحُجُرات حَسْبُ. والحُجُرات بضمَّتَينِ: جمع حُجْرة بسكونِ الجيم، والمراد بيوتُ أزواج
النبيّ ◌َلّ.
(١) لفظة ((فذكره)) من (ع) وحدها .

٢٨٨
سورة الحجرات
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ﴾: لا تَفْتَاتُوا على رسول الله وَلِّ حَتَّى يَقْضِيَ الله على لسانه))
وَصَلَه عبد بن حُيدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، ورُوِّيناه في كتاب (ذَمّ الكلام))(١) من
هذا الوجه.
تنبيه: ضَبَطَ أبو الحجّاجِ البَيَّاسِيُّ(٢): ((تَقدّموا)) بفتح القاف والدَّال وهي قراءة ابن عبّاس
وقراءة ليعقوب الحَضرَميّ، وهي التي ينطبق عليها هذا النَّفْسير، وروى الطَّبَريُّ من طريق
سعيد عن قَتَادة قال: ذُكِرَ لنا أنَّ ناساً كانوا يقولون: لو أُنزِلَ في كذا، فأنْزَلَهَا الله، قال: وقال
الحسن: هم ناسٌ من المسلمينَ ذَبَحوا قبل الصلاة يوم النَّحر، فأمَرَهم النبيُّ ◌َلّ بالإعادة.
قوله: ((﴿آَمْتَحَنَ﴾: أخلَصَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عنه بلفظه، وكذا
قال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال: أخلَصَ اللهُ قلوبَهم فيما أحَبَّ.
قوله: ((﴿وَلَا تَنَبَرُواْ﴾: يُدْعَى بالكُفْرِ بعد الإسلام)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد بلفظ: لا
يَدعُو الرجلَ بالكفرِ وهو مسلم، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿وَلَا
نَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: لا يَطعُن بعضُكم على بعض ﴿وَلَا تَنَبُواْ بِالْأَلْقَبٍ﴾ قال: لا تَقُل
لأخيك المسلم: يا فاسق، يا مُنافق، وعن الحسن قال: كان اليهوديّ يُسلِم، فيقال له: يا
يهوديّ، فنُهُوا عن ذلك، وللطَّبَريِّ من طريق عِكْرمة نحوه، وروى أحمد (١٨٢٨٨) وأبو
داود (٤٩٦٢) من طريق الشَّعْبيّ: حدَّثني أبو جُبَيرة بن الضَّحّاك قال: فينا نزلت ﴿وَلَا
نَبَرُواْ بِالْأَلْقَبِ﴾ قَدِمَ رسول الله وَ لَّهُ المدينةَ وليس فينا رجل إلّا وله لَقَبانٍ أو ثلاثة، فكان
إذا دَعَا أحداً منهم باسمٍ من تلك الأسماء قالوا: إنَّه يَغْضَب منه، فنزلت.
قوله: (﴿يَلِتَّكُمْ﴾: يَنقُصْكُمْ، أَتْنَا: نَقَصْنا» وَصَلَه الفِرْیابيُّ عن مجاهد بلفظه، وبه في قوله:
﴿وَمَآ أَلَنْتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِن شَىْءٍ﴾ قال: ما نَقَصْنا الآباءَ للأبناءِ.
(١) ((ذم الكلام وأهله)) لأبي إسماعيل الهروي (٥٥٤).
(٢) هكذا في (أ) على الصواب، وتحرف في (ع) إلى: البياضي، وتصحف في (س) إلى: البناسي. والبيّاسي: هو
العلامة النحوي أبو الحجاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري المغربي، توفي سنة ٦٥٣هـ. انظر
((سير أعلام النبلاء)) ٢٣٩/٢٣، وبيّاسة: بلد بالأندلس.

٢٨٩
سورة الحجرات / ح ٤٨٤٥
كتاب التفسير
تنبيه: هذا الثّاني من سورة الطَّور [٢١] ذكره هنا استطراداً، وإنَّما يَتَنَاسَب ((أَتنا)) معَ
الآية الأُخرى على قراءة أبي عَمْرو هنا، فإنَّه قرأ ((لا يأْلِتَكُم)) بزيادة همزة، والباقونَ بحذفِها،
وهو من: لاتَ يَلِيتُ، قاله أبو عُبيدة، قال: وقال رُؤْية:
وليلةٍ ذاتِ نَدَى سَرَيْتُ ولم يَلِتْنِي عن سُرَاها لَيْتُ
وتقول العرب: أَلَاتَنِي حَقّي، وأَلَاتَني عن حاجتي، أي: صَرَفَني. وأمَّا قوله: ﴿وَمَآ أَلَنْتَهُمْ﴾ فهو
من: ألَتَ يأْلِتُ، أي: نَقَصَ.
٥٩٠/٨
١ - بابٌ
﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ الآيَةَ [الحجرات: ٢]
﴿ تَشْعُرُونَ﴾ [٢]: تعلمونَ، ومِنْه: الشّاعرُ.
٤٨٤٥- حدَّثنا يَسَرةُ بنُ صَفْوانَ بنِ جميلِ اللَّخْميُّ، حدَّثنا نافعُ بنُ عمَرَ، عن ابنِ أبي
مُلَيكَةَ قال: كادَ الخَّيِّرانِ يَهْلِكان أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما، رَفَعَا أصواتَهما عندَ النبيِّ وَّه
حينَ قَدِمَ عليه رَكْبُ بني تَمِيمٍ، فأشارَ أحدُهما بالأقرَعِ بنِ حابسٍ أخي بني مُجَاشِعٍ، وأشارَ
الآخَرُ برجلٍ آخَرَ - قال نافعٌ: لا أحفَظُ اسمَه - فقال أبو بكرٍ لِعمرَ: ما أرَدْتَ إلا خِلَافي، قال:
ما أرَدْتُ خِلَافَكَ، فارتَفَعَت أصواتُهما في ذلك، فَأَنزَلَ الله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ
أَصْوَتَكُمْ﴾ الآيةَ. قال ابنُ الزُّبَيرِ: فما كان عمرُ يُسمِعُ رسولَ الله وَِّ بعدَ هذه الآيةِ، حتَّى
يَستَفهِمَه.
ولم يَذكُر ذلك عن أبيه؛ يعني: أبا بكرٍ.
قوله: ((بابٌّ ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ ﴾ الآية)) كذا للجميع.
قوله: (﴿نَشْعُرُونَ﴾: تعلمونَ، ومنه: الشّاعرُ)) هو كلام أبي عُبيدة.
قوله: ((حدَّثْنَا يَسَرة)) بفتح الياء الأخيرة والمهمَلة، وجَدُّه جميل بالجيم وزن عظيم، ونافع
ابن عمر: هو الجُمَحيُّ المكِّيّ، وليس هو نافع مولى ابن عمر، ونَبَّهَ الكِرْمانيُّ هنا على شيء

٢٩٠
سورة الحجرات / ح ٤٨٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
لا يتخيَّلُهُ مَن له أدنى إلمام بالحديث والرِّجال فقال: ليس هذا الحديث ثُلاثيّاً؛ لأنَّ عبد الله
ابن أبي مُلَیکة تابعيٌّ.
قوله: ((كادَ الخَيِّرانِ)) كذا للجميع بالمعجَمة بعدها تحتانيَّة ثقيلة، وحَكَى بعض الشُّرّاح
روايةً بالمهمَلة وسكون الموحّدة.
(يَهلِكانٍ)) كذا لأبي ذرِّ، وفي رواية: «يَهلِكا» بحذفِ النُّون، قال ابن التِّين: كذا وَقَعَ بغیر
نون، وكأنَّه نُصِبَ بتقدير ((أن)). انتهى، وقد أخرجه أحمد (١٦١٣٣) عن وكيع عن نافع بن
عمر (١) بلفظ: ((أن يَهلِكا)) وهو بكسر اللّام، ونَسَبَها ابن التِّين لرواية أبي ذرِّ (٢)، ثمَّ هذا
السِّياق صورتُه الإرسال، لكن ظَهَرَ في آخره أنَّ ابن أبي مُلَيكة حَمَلَه عن عبد الله بن الزُّبَيرِ،
وسيأتي في الباب الذي بعده النَّصريحُ بذلك، ولفظه عن ابن أبي مُلَيكة: أنَّ عبد الله بن
الزُّبیر أخبرهم؛ فذكره بکماله.
قوله: ((رَفَعا أصواتَهما حين قَدِمَ عليه رَكْبُ بني تميم)) في رواية أحمد: ((وفدُ بني تَيم))،
وكان قُدومُهم سنة تسع بعد أن أوقَعَ عُيَينة بن حِصْن ببني العَنبَرَ، وهم بطنٌّ من بني تميم،
ذكر ذلك أبو الحسن المدائنيّ.
قوله: ((فأشارَ أحدهما)» هو عمر، بَّنْه ابن جُرَيج في الرِّواية التي في الباب بعده، ووَقَعَ
عند التِّرمِذيّ (٣٢٦٦) من رواية مُؤمَّل بن إسماعيل عن نافع بن عمر بلفظ: إنَّ الأقرع بن
حابس قَدِمَ على النبيّ وَّه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، استَعمِلْه على قومه، فقال عمر: لا
٥٩١/٨ تَستَعمِلْه يا رسول الله ... / الحديث، وهذا يُخالِفِ رواية ابن جُرَيج، وروايته أثبَتُ من مُؤمَّل
ابن إسماعيل، والله أعلم.
قوله: ((بالأقرَعِ بن حابس أخي بني تُجاشِع)) الأقرَع لقبٌ، واسمه فيما نقل ابن دُرَيد
فِراسُ بن حابس بن عِقَال - بكسر المهمَلة وتخفيف القاف - بن محمَّد بن سفيان بن مُجاشِع
(١) في (أ) و(س): نافع عن ابن عمر، وهو خطأ، والصواب: نافع بن عمر، كما في (ع).
(٢) الرواية بلفظ ((أن يهلكا)) في أصل النسخة اليونينية، وهي لغير أبي ذر الهروي كما في ((إرشاد الساري))
للقسطلاني ٧ / ٣٥٠.

٢٩١
سورة الحجرات/ ح ٤٨٤٥
كتاب التفسير
ابن عبد الله بن دارِمِ التَّميميّ الدَّارِميّ، وكانت وفاة الأقرع بن حابس في خلافة عثمان.
قوله: ((وأشارَ الآخَرُ)) هو أبو بكر، بيَّنْه ابن جُرَيج في روايته المذكورة («برجلٍ آخر فقال
نافع: لا أحفَظُ اسمه)) سيأتي في الباب الذي بعده من رواية ابن جُرَيج عن ابن أبي مُلَيكة:
أنَّه القعقاع بن مَعبَد بن زُرَارةَ، أي: ابن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارمِ التَّميميّ الدَّارِمِيّ.
قال الكَلْبِيّ في ((الجامع)): كان يقال له: تيّارُ الفُرَات، لجودِهِ. قلت: وله ذِكْر في غزوه ◌ُنَينٍ،
أورده البغويُّ في «الصَّحابة)) بإسناد صحيح.
قوله: ((ما أرَدْتَ إلّا خِلَافي)) أي: ليس مقصودُك إلّا مُخالَفة قولي، وفي رواية أحمد: ((إنَّما أردتَ
خِلَافي)) وهذا هو المعتمَد. وحَكَى ابن التِّين أنَّه وَقَعَ هنا: ((ما أردتَ إلى خِلَافي؟)) بلفظ حرف
الجّ، و((ما)) في هذا استفهاميَّة و((إلى)) بتخفيفِ اللّام، والمعنى: أيّ شيءٍ قَصَدتَ مُتَهياً إلى
◌ُخَالَفَتِي؟ وقد وجدتُ الرِّواية التي ذكرها ابن التِّين في بعض النُّسَخ لأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيّ.
قوله: ((فارتَفَعَت أصواتُها)» في رواية ابن جُرَيج: فتَمَارَیا حتَّى ارتَفَعَت أصواتهما.
قوله: ((فأنزل اللهُ)) في رواية ابن جُرَيج: فَتَزَلَ في ذلك.
قوله: ((﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ الآية)) زاد وكيع كما سيأتي في الاعتصام
(٧٣٠٢) إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾، وفي رواية ابن جُرَيج: فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ
بَيْنَ يَدَيِ اُللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ﴾؛ وقد استُشكِلَ ذلك، قال ابن عَطِيَّة:
الصَّحيح أنَّ سبب نزول هذه الآية كلامُ جُفَاة الأعراب.
قلت: لا يعارض ذلك هذا الحديثَ، فإنَّ الذي يَتَعلَّق بقِصّة الشَّيخَينِ في تَخالُفهما في
التَّأمير هو أوَّل السّورة ﴿لَا تُقَدِّمُواْ﴾، ولكن لمَّا أَّصَلَ بها قوله: ﴿لَا تَرْفَعُواْ﴾ تَمَسَّكَ عمرُ
منها بخَفضٍ صوته، وجُفاة الأعراب الذينَ نزلت فيهم هم من بني تميم، والذي يَخْتَصُّ
بهم قوله: ﴿إِنَّالَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ﴾، قال عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة:
إنَّ رجلاً جاء إلى النبيّ وَّ من وراء الحُجُرات فقال: يا محمَّد، إنَّ مَدْحِي زَيْن، وإِنَّ شَتْمي
(١) في «تفسيره)) ٢/ ٢٣١، وسيأتي نحوه في أول الباب الذي بعده.

٢٩٢
سورة الحجرات / ح ٤٨٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
شَيْن، فقال النبيّ ◌َّ: ((ذاكَ اللهُ عزَّ وجلَّ)) ونزلت.
قلت: ولا مانع أن تَنزِل الآية لأسبابٍ تَتقدَّمها، فلا معنى(١) للتَّرجيح معَ ظُهور الجمع
وصِحّة الطُّرق، ولعلَّ البخاريّ استَشعَرَ ذلك فأورَدَ قِصّة ثابت بن قيس عَقِبَ هذا ليُبِّن
ما أشرتُ إليه من الجمع، ثمَّ عَقَّبَ ذلك كلَّه بترجمة («باب قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَّى تَخْرُجَ
إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرَ لَّهُمْ﴾)) إشارةً إلى قِصّة جُفَاة الأعراب من بني تميم، لكنَّه لم يَذْكُر في التَّرجمة
حديثاً كما سأُبيِّنُه قريباً، وكأنَّه ذكر حديث ثابتٍ لأَنَّه هو الذي كان الخطيبَ لمَّا وَقَعَ الكلام في
المفاخَرة بين بني تميم المذكورينَ، كما أورَدَه ابن إسحاق في ((المغازي)) مُطوَّلاً.
قوله: ((فما كان عمرُ يُسمِع رسول الله ◌َّ بعدَ هذه الآية حتَّى يَستَفْهمَه» في روایة و کیع
في الاعتصام (٧٣٠٢): فكان عمر بعد ذلك إذا حدَّث النبيَّ ◌َِّ بحديثٍ حدَّثه كأخي
السِّرَار لم يُسمِعْه حتَّى يَستَقْهمَه.
قلت: وقد أخرج ابنُ المنذِر من طريق محمَّد بن عَمْرو بن عَلْقمة: أنَّ أبا بكر الصِّدّيق
قال مِثلَ ذلك للنبيِّ وََّ، وهذا مُرسَل، وقد أخرجه الحاكم (٤٦٢/٢) موصولاً من
حديث أبي هريرة نحو.، وأخرجه ابن مَرْدويه من طريق طارق بن شِهاب عن أبي بكر
قال: لمَّا نزلت ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ الآية، قال أبو بكر: قلتُ: يا رسول الله، آلَيتُ أن لا
أُكلِّمَك إلّا كأخي السِّرَار.
قوله: ((ولم يَذكُر ذلك عن أبيه؛ يعني أبا بكر)) قال مُغَلْطاي: يحتمل أنَّه أراد بذلك أبا بكر
عبدَ الله بن الزُّبَيرِ، أو أبا بكر عبدَ الله بن أبي مُلَيكة، فإنَّ أبا مُلَيكة له ذِكْر في الصَّحابة.
٥٩٢/٨ قلت: وهذا بعيد عن الصَّواب، بل قَرِينة ذِكْر عمر تُرشِد إلى أنَّ مُرادَه أبو بكر الصِّدّيق،/
وقد وَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ (٣٢٦٦) قال: ((وما ذكر ابن الزُّبَيرِ جَدّه))، وقد وَقَعَ في رواية
الطََّرَيِّ (١١٩/٢٦) من طريق مُؤمَّل بن إسماعيل عن نافع بن عمر فقال في آخره: ((وما
ذكر ابن الزُّبَير جَدّه، يعني أبا بكر))، وفيه تَعقّبٌ على مَن عَدَّ في الخصائص النبويَّة أنَّ أولاد
(١) في (س): فلا يُعدَل، وكلاهما صحيح.

٢٩٣
سورة الحجرات/ ح ٤٨٤٦-٤٨٤٧
كتاب التفسير
بنته يُنسَبونَ إليه لقوله: ((إنَّ ابني هذا سَيِّد))(١)، وقد أنكَرَه القَفّال على ابن القاصّ وعَدَّه
القُضاعيّ فيما اختَصَّ به النبيُّ وََّ عن الأنبياء، وفيه نظرٌ فقد احتَجَّ يحيى بن يَعمَر بأنَّ
عيسى نُسِبَ إلى إبراهيم وهو ابن بنته(٢)، وهو استدلال صحيح، وإطلاق الأبِ على الجدّ
مشهور، وهو مذهب أبي بكر الصِّدّيق كما تقدَّم في المناقب (٣٦٥٨).
٤٨٤٦- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أزْهَرُ بنُ سعدٍ، أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، قال: أنبأَني
موسى بنُ أنسٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َِّ افْتَقَدَ ثابتَ بنَ قيسٍ، فقال رجلٌ: يا
رسولَ الله، أنا أعلمُ لكَ عِلْمَه، فأتاه فوَجَدَه جالساً في بيتِهِ مُنكِّساً رأسَه، فقال له: ما شأنُكَ؟
فقال: شَرٌّ، كان يرفعُ صوتَه فوقَ صوتِ النبيِّ وََّ، فقد حَبِطَ عَمَلُه، وهو من أهلِ النّارِ، فأَتَى
الرجلُ النبيَّ وَّهِ فأخبَرَه أَنَّه قال كذا وكذا؛ فقال موسى: فَرَجَعَ إليه المَرَّةَ الآخِرَةَ بِشَارةٍ عظيمةٍ،
فقال: ((اذهَبْ إليه فقُل له: إِنَّكَ لستَ من أهلِ النار، ولكنَّكَ من أهلِ الجنَّةِ)).
قوله: (افتَقَدَ ثابت بن قيس)) تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أواخر علامات النُّبّة (٣٦١٣).
قوله: ((فقال رجل: يا رسول الله)) هو سعد بن معاذ، بيَّنه حمَّد بن سَلَمةَ في روايته لهذا
الحديث عن أنس، وقيل: هو عاصم بن عَديّ، وقيل: أبو مسعود، والأوَّل المعتمَد.
قوله: ((أنا أعلمُ لك عِلْمَه)) أي: أعلم لأجلِك ◌ِلماً مُتعلِّقاً به.
قوله: ((فقال موسى)) هو ابن أنس راوي الحديث عن أنس.
٢ - بابٌ ﴿ إِنَّالَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]
٤٨٤٧ - حدَّثنا الحسنُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني ابنُ أبي مُلَيكةً،
أنَّ عبد الله بنَ الزُّبَيرِ أخبَرَهم: أنَّه قَدِمَ رَكْبٌ من بني تَمِيمٍ على النبيِّ وَّةِ، فقال أبو بكرٍ: أمِّرِ
(١) سلف عند البخاري برقم (٢٧٠٤).
(٢) وذلك في قوله تعالى في الآيتين (٨٤ - ٨٥) من سورة الأنعام: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَتُوبَ وَيُوسُفَ
وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَزَّكَرِيًّا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلَيَاسَ كُلّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾.

٢٩٤
سورة الحجرات/ ح ٤٨٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
القَعْقَاعَ بنَ مَعْبَدٍ، وقال عمرُ: بل أمِّرِ الأقرَعَ بنَ حابسٍ، فقال أبو بكرٍ: ما أرَدْتَ إلى - أو إلّا -
خِلَافي، فقال عمرُ: ما أرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارتَفَعَت أصواتُهما، فنزلَ في ذلك: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نُقَدِّمُوْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتَّى انقَضَتِ الآية.
قوله: ((باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾)) ذكر فيه
حديث ابن الزّبَير، وقد تقدَّم شرحه في الذي قبله، وروى الطَّبَريُّ (١٢١/٢٦) من طريق
مجاهد قال: هم أعراب بني تميم، ومن طريق أبي إسحاق عن البراء قال: جاء رجل إلى
النبيّ وَّه فقال: يا محمَّد، إنَّ حَمْدي زَيْن، وإنَّ ذَمّي شَيْن، فقال: ((ذاكَ اللهُ تَبَارَكَ وتعالى))(١)،
وروى من طريق مَعمَر عن قَتَادة مِثْلَه مُرسَلاً، وزاد: ((فأنزلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن
وَرَآءِ الْمُجُرَتِ﴾ الآية))، ومن طريق الحسن نحوه.
قوله: ((عن ابن جُرَيج أخبَرَني ابن أبي مُلَيكة)) كذا قال حَجّاج بن محمَّد، وتقدَّم في
التَّفسير(٣) من طريق هشام بن يوسف عن ابن جُرَيج: عن ابن أبي مُلَيكة، بالعَنعَنة، وتابَعَه
هشام بن يوسف(٣)، وأخرجه ابن المنذر من طريق محمّد بن ثَوْر عن ابن جُرَيج فزاد فيه
رجلاً قال: أخبرني رجل أنَّ ابن أبي مُلَيكة أخبَرَه؛ فيُحمَل على أنَّ ابن جُرَيج حَلَه عن ابن
أبي مُلَيكة بواسطةٍ، ثمَّ لَقِيَه فسمعه منه.
باب قوله:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]
قوله: ((باب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾)) هكذا في جميع
الرّوايات التَّرجمةُ بغير حديث، وقد أخرج الطَّبَرِيُّ (١٢١/٢٦) والبَغَويّ (١٣٣) وابن أبي
(١) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً الترمذي (٣٢٦٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٥١)، وسنده قوي.
(٢) بل في المغازي (٤٣٦٧).
(٣) العبارة هنا مضطربة أو أن الحافظ رحمه الله قد سبق قلمُه فيها، فقوله: تابعه هشام بن يوسف، مخلٌّ بالمعنى،
حيث إن الراوي عن ابن جريج هو هشام بن يوسف، أو أنَّ الحافظ أراد أن يذكر اسماً آخر فسبق قلمه إلى
هشام بن يوسف، والله تعالى أعلم.

٢٩٥
سورة ق
كتاب التفسير
عاصم (١١٧٨) في كُتُبهم في الصَّحابة من طريق موسى بن عُقْبة عن أبي سَلَمةَ قال:
حدَّثني الأقرَع بن حابس التَّميميّ: أنَّه أتى النبيّ وَّ فقال: يا محمَّد، اخرُج إلينا،
فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الُْجُزَتِ ﴾ الحديث، وسياقه لابنِ جَرِير، قال ابن
مَندَه: الصَّحيح عن أبي سَلَمَةَ أنَّ الأقرَع مُرسَل، وكذا/ أخرجه أحمد على الوجهَينِ ٥٩٣/٨
(١٥٩٩١ و٢٧٢٠٣ و٢٧٢٠٤)، وقد ساقَ محمَّد بن إسحاق قِصّة وفد بني تميم في ذلك
مُطوَّلةً بانقطاعٍ، وأخرجها ابن مَندَهْ في ترجمة ثابت بن قيس في ((المعرفة)) من طريق أُخرى
موصولة.
٥٠- سورة قّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ [٣]: رَدٌّ.
٠٠وم ..
﴿فُرُوج﴾ [٦]: قُتوقٍ، واحدُها فَرْجُ.
﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [١٦]: وَرِيداهُ في حَلْقِه، الحَبْلُ: حَبْلُ العاتِقِ.
وقال مجاهدٌ: ﴿مَا نَنَقُصُ اَلْأَرْضُ﴾ [٤]: من عِظامِهِم.
﴿ تَبْصِرَةٌ﴾ [٨]: بَصِيرةً.
﴿حَبَّ اَْصِيدِ ﴾ [٩]: الخِنْطة.
﴿بَاسِقَاتٍ﴾ [١٠]: الطِّوالُ.
﴿أَفَصِيْنَا﴾ [١٥]: أَفَأَعْيا علينا.
﴿رَقِيبُ عِيدٌ﴾ [١٨]: رَصَدٌ.
﴿سَبِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [٢١]: الملَكان كاتبٌ وشَهِيدٌ.
﴿ وَقَالَ قَرِيُّهُ﴾ [٢٣]: الشَّيطانُ الذي قُيِّضَ له.
﴿فَقَّبُواْ﴾ [٣٦]: ضَرَبوا.

٢٩٦
سورة ق
فتح الباري بشرح البخاري
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [٣٧]: لا يُحدِّثُ نفسَه بغيره. حين أنشأَكُم وأَنشأَ خَلقَكم.
﴿ شَهِيدٌ﴾ [٣٧]: شاهدٌ بالغَيْب.
﴿وَمَا مَسَنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [٣٨]: مِن نَصَب.
وقال غيرُه: ﴿نَضِيدٌ﴾ [١٠]: الكُفْرَّى ما دامَ في أكمامِهِ، ومَعْناه: مَنْضودٌ بعضُه على بعضٍ،
فإذا خَرَجَ من أكمامِه، فليس بنَضِیدٍ.
﴿ وَإِذْبَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] ﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]؛ كان عاصمٌ يَفتَحُ التي في (قَ)
ويَكْسِرُ التي في (الطُّور)، ويُكسَران جميعاً ويُنصَبان.
وقال ابنُ عبّاسٍ: ﴿يَوْمُ اْخُرُوِجِ﴾ [٤٢]: يومَ يَخْرُجونَ إلى البَعْث من القُبُورِ.
قوله: ((سورة قَّ - بِسْمِ اللهِ الزَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرِّ، وروى
عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة: (قَ) اسمٌ من أسماء القرآن. وعن ابن جُرَيج عن
مجاهد قال: جبل مُحيط بالأرضِ. وقيل: هي القاف من قوله: قُضِيَ الأمر، دَلَّت على بَقيَّة
الكلمة، كما قال الشاعر:
قلتُ لها قِفِي لنا قالتْ قافْ(٢)
قوله: ((﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: رَدِّ)) هو قول أبي عبيدة بلفظه، وأخرج ابن المنذر من طريق ابن
جُرَيج قال: أنكروا البعث فقالوا: مَن يستطيع أن يُرجِعنا ويحيينا.
قوله: ((﴿فُرُوُجِ﴾: فُتُوقٍ، واحدُها: فَرْجٌ)) أي: بسكونِ الرَّاء، هو قول أبي عُبيدة بلفظه،
وروى الطَّبَرِيُّ (٢٦/ ١٥١) من طريق مجاهد قال: الفَرْجِ: الشِّقّ.
قوله: (﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: وَرِيدَاهُ في حَلْقه، والحَبْلِ: حَبْل العاتِقِ)) سَقَطَ هذا لغير أبي ذرٍّ،
(١) في ((تفسيره)) ٢٣٦/٢.
(٢) هذ الشطر من الرجز للوليد بن عقبة، وأوَّله:
لا تَحْسَبي أنّا نَسِينا الإيجافْ
انظر (شرح شافية ابن الحاجب)) ٢٧١/٤ للأستراباذي.

٢٩٧
سورة ق
كتاب التفسير
وهو قول أبي عبيدة بلفظه وزادَ: فأضافَه إلى الوَرِيد كما يُضاف الحَبْل إلى العاتِق.
وروى الطَّبَريُّ (١٥٧٥/٢٦) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى:
﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ قال: من عِرْق العُنُق.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مَا نَقُصُ اُلْأَرْضُ﴾: من عِظامِهِم)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن وَرْقاء عن
ابن أبي نَجِيح بهذا، وروى الطَّبَريُّ (١٤٩/٢٦) من طريق العَوْفيّ عن ابن عبَّاس قال: ما
تأكُل الأرض من لُومهم وعِظامهم وأشعارهم. وقال عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن
قَتَادة: يعني الموتَى تأكُلهم الأرضُ إذا ماتوا. وعن جعفر بن سليمان عن عَوْف عن الحسن:
أي: من أبدانهم.
تنبيه: زَعَمَ ابن التِّين أنَّه وَقَعَ في البخاريّ بلفظ: ((من أعظامهم)) ثمَّ استَشكَلَه وقال:
الصَّواب: من عِظامهم. وفَعْل بفتح الفاء وسكون العين لا يُجمَع على أفعال إلّا نادِراً.
قوله: (﴿تَبِّصِرَةَ﴾: بَصيرة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد هكذا. وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر
عن قَتَادة في قوله: ﴿ تَبَصِرَةً﴾ قال: نِعمة من الله عزَّ وجلَّ.
قوله: (﴿حبَّ الْحَصِيدِ﴾: الخِنْطة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً عنه. وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر ٥٩٤/٨
عن قَتَادة: هو البُرُّ والشَّعير.
قوله: (﴿بَاسِقَتٍ﴾: الطُّوالُ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ/ أيضاً كذلك. وروى الطَّبَريُّ من طريق
عبد الله بن شَدّاد قال: بُسوقُها: طُولها في إقامة(٢). وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة:
يعني: طُولها.
قوله: ((﴿أَفَعِيَنَا﴾: أَفَأَعْيا علينا)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ. وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٣).
قوله: (﴿رَقِيبُ عَنِيدٌ﴾: رَصَدٌ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً كذلك. وروى الطََّريُّ من طريق
(١) في ((تفسيره)) ٢٣٦/٢.
(٢) كذا في (ع) كما في ((تفسير ابن جرير الطبري)) ١٥٣/٢٦، وتحرَّف في (أ) و(س) إلى: قامة.
(٣) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٠).

٢٩٨
سورة ق
فتح الباري بشرح البخاري
عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: يَكتُب كلَّ ما تَكلَّمَ به من خير وشَرّ. ومن طريق
سعيد بن أبي عَرُوبة قال: قال الحسن وقتادةُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ أي: ما يتكلّم به من شيء
إلّا كُتِبَ عليه. وكان عِكْرمة يقول: إنَّما ذلك في الخير والشرّ.
قوله: (﴿سَبِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: المَلَكان: كاتبٌ وشهيدٌ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ كذلك. وقال عبد الرَّزّاق
عن مَعمَر عن الحسن قال: ﴿سَآِقٌ﴾ يَسُوقها ﴿وَشَهِيدٌ﴾ يَشْهَد عليها بعَمَلِها. وروى نحوه
بإسنادٍ موصول عن عثمانَ(١).
قوله: (﴿وَقَالَ قَرِيُهُ﴾: الشَّيطان الذي قُيِّضَ له)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً، وقال عبد الرَّزّاق
عن قَتَادة نحوَه.
قوله: (﴿فَتَقَّبُواْ﴾: ضَرَبوا)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً، وروى الطَّبَريُّ (١٧٦/٢٦) من طريق
عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿فَقَّبُواْ فِى الْبِلَدِ﴾ قال: أَثَّروا.
وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَقَّبُواْ﴾: طافوا وتَبَاعَدوا، قال امرُؤُ القيس:
وقد نَقَّبتُ في الآفاق حتَّى رَضِيتُ مِنَ الغَنيمة بالإيابِ
قوله: (﴿أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ﴾: لا يُحدِّث نفسَه بغيرِه)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً. وروى عبد الرَّزّاق
عن مَعمَر عن قَتَادة في هذه الآية قال: هو رجل من أهل الكتاب ألقَى السَّمعَ؛ أي: استَمَعَ
للقرآنِ وهو شهيد على ما في يَدَيه من كتاب الله أنَّه يَجِد النبيَّ محمَّداً وَِّ مكتوباً، قال مَعمَر:
وقال الحسن: هو مُنافق استَمَعَ ولم يَنتَفِع.
قوله: ((حين أنشَأَكم وأنشَأَ خَلقَكُم)) سَقطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق، وهو
بَقِيَّة تفسير قوله: ﴿أَفَعِينَا﴾، وحَقُّه أن يُكتَب عندها.
قوله: (﴿شَهِيدٌ﴾: شاهدٌ بالغيب)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بالقَلْب))، ووَصَلَه الفِرْیابيُّ من
طريق مجاهد بلفظ الأكثر.
(١) في ((تفسيره)) ٢/ ٢٣٧.

٢٩٩
سورة ق/ ح ٤٨٤٨-٤٨٤٩
كتاب التفسير
قوله: ((﴿ وَمَا مَسَنَا مِن لُّغُوبٍ﴾: من نَصَب)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ كذلك، وتقدَّم في بَدْء
الخلق أيضاً(١).
وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: قالت اليهود: إنَّ الله خَلَقَ الخَلق في ستّة أيام،
وفَرَغَ من الخَلقِ يومَ الجمعة، واستَراحَ يوم السَّبت، فأكذَبَهم الله فقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن
◌ُغُوبٍ ﴾.
قوله: ((وقال غيرُه: ﴿ نَّضِيدٌ﴾: الكُفْرَّى ما دامَ في أَكمامه، ومعناه: مَنْضودٌ بعضُه على
بعض، فإذا خَرَجَ من أكمامِه فليس بنَضِيدٍ)) هو قول أبي عبيدة بمعناه.
قوله: ((﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ ﴿ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾، كان عاصم يَفْتَح التي في (قَ) ويَكْسِر التي
في الطَّور، ويُكْسَران جميعاً ويُنْصَبان)» هو كما قال، ووافَقَ عاصماً أبو عَمْرو وابن عامر
والكِسائيّ على الفتح هنا، وقرأ الباقونَ بالكسرِ هنا، وقرأ الجمهور بالفتح في الطُّور،
وقرأها بالكسرِ عاصمٌ على ما نَقَلَ المصنّف، ونَقَلَها غيرُه في الشَّواذّ. فالفتحِ جمعِ دُبُر،
والكسر مصدر أدبر يُدپر إدباراً، ورجّحَ الطَّرُّ الفتح فیھما.
قوله: ((وقال ابن عبّاس ﴿يَوْمُ الْفُرُوجِ﴾: يوم يَخْرُجونَ إلى البَعْث من القُبور)) وَصَلَه ابن أبي
حاتم من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس بلفظه، وتقدَّم في الجنائز نحوُه(٢).
١ - باب قوله: ﴿ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]
٤٨٤٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثْنَا حَرَمِيٍّ، حذَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ، عن أنسِ
عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((يُلْقَى في النار، وتقولُ: هل مِن مَزِيدٍ؟ حتَّى يَضَعَ قَدَمَه، فتقولُ: قَطْ قَطْ)).
[طرفاه في: ٦٦٦١، ٧٣٨٤]
٤٨٤٩- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ موسى القَطّنُ، حدَّثنا أبو سفيانَ الحِمْتَرِيُّ سعيدُ بنُ يحيى بنِ ٥٩٥/٨
مَهْدِيٍّ، حدَّثنا عَوْفٌ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ رَفَعَه - وأكثرُ ما كان يُوقِفُه أبو سفيانَ -: ((يقال
(١) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٠).
(٢) بين يدي الحديث رقم (١٣٦٢).

٣٠٠
سورة ق/ ح ٤٨٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
لجَهَنَّمَ: هلِ امتلأتٍ؟ وتقولُ: هل مِن مَزِيدٍ؟ فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وتعالى قَدَمَه عليها، فتقولُ:
قَطْ قَطْ)).
[طرفاه في: ٤٨٥٠، ٧٤٤٩]
٤٨٥٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هنَّام، عن أبي
هريرةَ صُ، قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((تَحَاجَتِ الجنَّةُ والنارُ، فقالتِ النارُ: أُوثِرْتُ بالمُتكِرِينَ
والمُتجَِّينَ، وقالت الجنَّةُ: ما لي لا يَدخُلُني إلا ضُعَفاءُ الناسِ وسَقَطُهم؟ قال الله تَبَارَكَ
وتعالى للجَنّةِ: أنتِ رحمتي، أرحَمُ بكِ مَن أشاءُ من عِبادي، وقال للنّار: إنَّما أنتِ عذابٌ أُعذِّبُ
بكِ مَن أشاءُ من عِبادي، ولِكلِّ واحدةٍ منهما مِلْؤُها، فأمَّا النارُ فلا تَتَلِىُ حتَّى يَضَعَ رِجْلَه،
فتقولُ: قَطْ قَطْ قَطْ، فُهُنالكَ تَمْتَلِىُ ويُزْوَى بعضُها إلى بعضٍ، ولا يَظلِمُ اللهُ عزَّ وجلَّ من خَلقِه
أحداً، وأمَّا الجنَّةُ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُنْشِئُ لها خَلْقاً».
قوله: ((باب قوله: ﴿وَقُولُ هَلْ مِن تَزِيدٍ﴾)) اختَلَفَ النَّقل عن قول جَهَنَّم: هل مِن مَزِيد،
فظاهر أحاديث الباب أنَّ هذا القولَ منها لطلب المزيد، وجاء عن بعض السَّلَف أنَّه
استفهامُ إنكار، كأنَّها تقول: ما بَقِيَ فيَّ موضعٌ للزّيادة، فروى الطَّبَريُّ من طريق الحَكَم ابن
أبانَ عن ◌ِكْرمة في قوله: ﴿هَلْ مِن ◌َزِيدٍ﴾ أي: هل من مَدخَل؟ قد امتَلَأْتُ. ومن طريق
مجاهد نحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجهٍ آخر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، وهو
ضعيف، ورَجَّحَ الطََّرَيُّ أنَّه لطلب الزّيادة، على ما دَلَّت عليه الأحاديث المرفوعة.
وقال الإسماعيليّ: الذي قاله مجاهد موجّه، فيُحمَل على أنَّها قد تُزاد وهي عند نفسها لا
موضعَ فيها للمزيدِ.
قوله في حديث أنس: ((يُلْقَى في النار وتقول: هل من مَزيدٍ)) في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة عن
قَتادة: ((لا تَزال جَهَنَّم يُلقَى فيها» أخرجه أحمد (١٣٤٥٧) ومسلم (٣٨/٢٨٤٨).
قوله: ((حتَّى يَضَعَ قَدَمَه فيها)) كذا في رواية شُعْبة، وفي رواية سعيد: ((حتَّى يَضَعَ رَبُّ
العِزّة فيها قَدمَه)).