النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة الأحقاف
كتاب التفسير
يَجِدُث، ثمَّ استَضعَفَ هذا القول لعَدَمِ الدَّليل عليه، ثمَّ قال: لو كان كذلك لَعُدَّ الذَّهرُ من
أسماء الله تعالى، انتهى.
وكذا قال محمَّد بن داود مُحْتَجّاً لما ذهب إليه من أنَّه بفتح الرَّاء فكان يقول: لو كان
بضمِّها لكان الدَّهرُ من أسماء الله تعالى. وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك ليس بلازِمِ، ولا سيَّمَا معَ رواية
((فإنَّ الله هو الدَّهر)).
قال ابن الجَوْزيّ: يُصَوَّب ضَمُّ الرَّاء من أوجُه: أحدها: أنَّ المضبوط عند المحدِّثينَ
بالضَّمِّ، ثانيها: لو كان بالنَّصب يصير التَّقدير: فأنا الدَّهرَ أُقلِبه، فلا تكون عِلّة النَّهي عن
سَبّه مذكورة، لأنَّه تعالى يُقلِّب الخير والشرّ فلا يَستَلِزِم ذلك منعَ الذَّمّ، ثالثها: الرِّواية التي
فيها ((فإنَّ الله هو الذَّهر)). انتهى، وهذه الأخيرة لا تُعيِّ الرَّفع، لأنَّ للمخالفِ أن يقول:
التَّقدير: فإنَّ الله هو الذَّهر يُقَلِّب، فَتَرجِعِ للرِّوايةِ الأُخرى، وكذا تَركُ ذِكْر عِلّة النَّهي لا
يُعيِّ الرَّفع لأنَّها تُعرَف من السّياق، أي: لا ذنبَ له فلا تَسُبّوه.
٤٦ - سورة حمّ الأحقاف
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال بعضُهم: أَثَرةٍ، وأُثْرةٍ، و﴿أَنَرَقِ﴾ [٤]: بَقِيَّةٌ من عِلْمِ.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [٩]: ما كنتُ بأوَّلِ الرُّسُلِ.
﴿نُّفِيِضُونَ﴾ [٨]: تَقُولونَ.
وقال غيرُه: ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ [٤]: هذه الألفُ إنَّما هي تَوَعُّدٌ إن صَحَّ ما تَدَّعونَ لا يَسْتَحِقُّ أن
يُعبَدَ، وليس قولُهُ: ﴿أَرَءَيْتُمُ ﴾ برُؤْيةِ العَينِ، إنَّما هو: أتعلمونَ أَبَلَغَكم أنَّ ما تَدْعُونَ من دونِ الله
خَلَقوا شيئاً؟
قوله: ((سورة حمّ الأَحْقاف - بِمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ )) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرِّ.
قوله: ((وقال بعضهم: أَثْرة وأُثرة وأَثارة: بقيّةً من عِلْم)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِنْ

٢٦٢
سورة الأحقاف
فتح الباري بشرح البخاري
عِلْمٍ﴾، أي: بَقيَّة من عِلْم، ومَن قال: أَثَرة، أي: بفتحَتَينٍ، فهو مصدرُ أثرَه يأْتُره، فذكره.
قال الطَّبَريُّ: قرأ الجمهور: ﴿أَوْ أَثَرَقِ﴾ بالألفِ، وعن أبي عبد الرّحمن السُّلَميِّ: ((أو
أَثَرة)) بمعنى: أو خاصّة من عِلْم أُوتِيتُموه وأُوثِرتُم به على غيركم. قلت: وبهذا فَسَّرَه
٥٧٦/٨ الحسن وقَتَادة، قال/ عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر عن الحسن في قوله: ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ قال:
أَثَرةُ شيءٍ يَستَخِرِ جُه فيُثيره. قال: وقال قَتَادةُ: أو خاصّةٍ من عِلم.
وأخرج الطَّبَرَيُّ (٢/٢٦) من طريق أبي سَلَمَةَ عن ابن عبّاس في قوله: ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِنْ
عِلْمٍ﴾ قال: خَطِّ كانت تَخُطّه العرب في الأرض، وأخرجه أحمد (١٩٩٢)، والحاكم (٤٥٤/٢)،
وإسناده صحيح. ويُروَى عن ابن عبّاس: جَوْدة الخطّ، وليس بثابتٍ(١).
وَلَ بعض المالكيَّة الخطَّ هنا على المكتوب، وزَعَمَ أنَّه أراد الشَّهادة على الخطّ إذا
عَرَفَهِ، والأوَّل هو الذي عليه الجمهور، وتَسَّكَ به بعضهم في تجويد الخطّ، ولا حُجّةَ فيه،
لأَنَّه إنَّما جاء على ما كانوا يَعتَمِدونَه، فالأمرُ فيه ليس هو لإباحَتِه.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿ِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾: ما كنت بأوَّل الرُّسُل)) وَصَلَه ابن أبي حاتم
من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وللطَّبَرَيِّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد
مِثْلُه، وقال أبو عبيدة مِثله، قال: ويقال: ما هذا منِّي بِبِدْع، أي: ببَديع. وللطََّريِّ من طريق
سعيد عن قَتَادة قال: إنَّ الرُّسُل قد كانت قبلي.
قوله: ((﴿نُفِيضُونَ﴾: تقولون)) كذا لأبي ذرٍّ، وذكره غيره في أوَّل السّورة عن مجاهد، وقد
وَصَلَهِ الطََّرَيُّ (٥/٢٦) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد.
قوله: ((وقال غيره: ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾: هذه الألف إنَّما هي تَوَعُّد، إن صَحَّ ما تَدَّعونَ لا يَستَحِقٌ
أن يُعبَد، وليس قوله: ﴿أَرَءَيْتُمُ﴾، بُرُؤية العين، إنَّما هو: أتعلمونَ أَبلَغَكم أنَّ ما تَدْعُونَ من
دونِ الله خَلَقوا شيئاً)) هذا كلّه سَقَطَ لأبي ذرِّ.
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٤٧٢)، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٥٤/٢، وسنده واهٍ.

٢٦٣
سورة الأحقاف / ح ٤٨٢٧
كتاب التفسير
١- بابٌ
وَاُلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَآ أَنْعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ
إلى قوله: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]
٤٨٢٧ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرِ، عن يوسفَ بنِ ماهَك
قال: كان مَرْوانُ على الحِجازِ استَعمَلَه معاويةٌ، فخَطَبَ فجَعَلَ يَذْكُرُ يزيدَ بنَ معاويةَ لكِي يُبابَعَ
له بعدَ أبيه، فقال له عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بكرٍ شيئاً، فقال: خُذُوه، فدَخَلَ بيتَ عائشةَ، فلم
يَقْدِروا، فقال مروانُ: إنَّ هذا الذي أنزَلَ الله فيه: ﴿ وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَآ أَنْعِدَاِىّ﴾
فقالت عائشةُ من وراءِ الحِجَاب: ما أنزلَ اللهُ فينا شيئاً مِن القرآنِ إلَّا أنَّ الله أَنزَلَ عُذْرِي.
قوله: ((باب ﴿ وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَنْعِدَانِيّ أَنْ أُخْرَجَ﴾ إلى قوله: ﴿أَسَطِيُ
اُلْأَوَِّينَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره الآية إلى آخرها، و((أُفٍّ)) قرأها الجمهور بالكسرِ، لكن
نَوَّنَها نافع وحفص عن عاصم، وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن مُحيصِن - وهي رواية عن
عاصم - بفتح الفاء بغیر تنوين.
قوله: ((عن يوسف بن ماهَك)) بفتح الهاء وبكسرها، ومعناه: القُمَير تصغير القَمَر،
ويجوز صَرفُه وعَدمُه کما سيأتي.
قوله: ((كان مروانُ على الحِجاز)) أي: أميراً على المدينة من قِبَل معاوية. وأخرج الإسماعيليّ
والنَّسائيُّ(١) من طريق محمَّد بن زياد - هو الجُمَحيُّ - قال: كان مروان عاملاً على المدينة.
قوله: ((استَعمَلَه معاويةُ، فخَطَبَ فجَعَلَ يَذكُر يزيد بن معاوية لكي يُبابَع له)) في رواية
الإسماعيليّ من الطَّريق المذكورة: فأراد معاويةُ أن يَستَخلِف يزيد - يعني ابنه - فكَتَبَ إلى
مروان بذلك، فجَمَعَ مروانُ الناسَ فخَطَبَهم، فذَكَر يزيد، ودَعَا إلى بيعته وقال: إنَّ الله
أَرَى أميرَ المؤمنينَ في یزید رأياً حسناً، وإن يَستَخلِفْه فقد استَخلَفَ أبو بكر وعمر.
(١) قد أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٤٢٧) من هذا الطريق لكن ليس فيه الحرف المذكور،
ويفهم من كلام العيني في ((عمدة القاري) ١٦٩/١٩ أنه من أفراد الإسماعيلي.

٢٦٤
سورة الأحقاف/ ح ٤٨٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فقال له عبد الرَّحمن بن أبي بكر شيئاً)) قيل: قال له: بيننا وبينكم ثلاث، ماتَ
٥٧٧/٨ رسول الله وَية/ وأبو بكر وعمر ولم يَعهَدوا. كذا قال بعض الشُّرّاح، وقد اختَصَرَه فأفسَدَه،
والذي في رواية الإسماعيليّ: فقال عبد الرَّحمن: ما هي إلّا هِرَقْليَّة. وله من طريق شُعْبة عن
محمَّد بن زياد: فقال مروان: سُنّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرَّحمن: سُنّة هِرَقل وقَيَصَر.
ولابنِ المنذِر من هذا الوجه: أجِئْتُم بها هِرَقليّة تُبابِعونَ لأبنائِگُم؟ ولأبي يَعْلی وابن أبي
حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد: حدَّثني عبد الله المدنيّ قال: كنت في المسجد حين
خَطَبَ مروان فقال: إنَّ الله قد أرَى أميرَ المؤمنينَ رأياً حسناً في يزيد، وإن يَستَخْلِفْه فقد
استَخلَفَ أبو بكر وعمر، فقال عبد الرَّحمن: هِرَقليَّة، إنَّ أبا بكر والله ما جعلها في أحدٍ من
ولده ولا في أهل بيته، وما جعلها معاويةُ إلّا كَرامةً لولدِه.
قوله: ((فقال: خُذُوه، فدَخَلَ بيتَ عائشة فلم يَقدِروا)) أي: امتَنَعوا من الدُّخول خلفَه
إعظاماً لعائشة، وفي رواية أبي يَعْلى: فنزلَ مروان عن المِنِبَرَ حتَّى أتى باب عائشة فجَعَلَ
يُكلِّمُها وتُكَلِّمُه ثمَّ انصَرَفَ.
قوله: «فقال مروان: إنَّ هذا الذي أنزلَ الله فیه» في رواية أبي يعلى: فقال مروان: اسكُتْ،
ألستَ الذي قال الله فيه ... فذكر الآية، فقال عبد الرَّحمن: ألستَ ابنَ اللَّعين الذي لَعَنَه
رسولُ اللهِ﴾.
قوله: ((فقالت عائشة)) في رواية محمَّد بن زياد: فقالت: كَذَبَ مروانُ.
قوله: ((ما أَنزَلَ اللهُ فينا شيئاً من القرآن إلّا أنَّ الله أنزَلَ عُذْري)) أي: الآيات التي في سورة
النّور في قِصّة أهل الإفك وبراءَتها ممَّا رَمَوْها به، وفي رواية الإسماعيليّ: فقالت عائشة:
كَذَبَ والله ما نزلت فيه، وفي رواية له: والله ما أُنزِلَت إلّا في فلان بن فلان الفلانيّ، وفي
رواية له: لو شِئتُ أن أُسَمّيَه لَسَمَّيته، ولكن رسول الله وَ لَعَنَ أبا مروان ومروانُ في
صُلْبه. وأخرج عبد الرَّزّاق(١) من طريق مِينا: أنَّه سمعَ عائشة تُنكِر أن تكون الآية نزلت في
عبد الرَّحمن بن أبي بكر، وقالت: إنَّما نزلت في فلان بن فلان؛ سَمَّت رجلاً.
(١) في ((تفسيره)) ٢١٩/٢. ومينا هذا: هو ابن أبي مينا الخرّاز، وهو متروك.

٢٦٥
سورة الأحقاف/ ح ٤٨٢٧
كتاب التفسير
وقد شَغَبَ بعضُ الرَّافضة فقال: هذا يدلُّ على أنَّ قوله: ﴿ثَانِى اثْنَیْنِ ﴾ ليس هو أبا
بكر، وليس كما فَهِمَ هذا الرَّافضيّ، بل المراد بقولِ عائشة: ((فينا))، أي: في بني أبي بكر، ثمَّ
الاستثناء من عُموم النَّفي وإلّا فالمقام يُخْصِّص، والآيات التي في عُذْرها في غاية المدح لها، والمراد
نفيُ إنزال ما يَحَصُل به الذَّمُّ كما في قِصّة قوله: ﴿ وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ ﴾ إلى آخره.
والعَجَب ممّا أورَدَه الطَّبَرِيُّ من طريق العَوْفيّ عن ابن عبّاس قال: نزلت هذه الآية في
عبد الرَّحمن بن أبي بكر. وقد تَعقَّبَه الزَّجَاجُ فقال: الصَّحيح أنَّها نزلت في الكافر العاقّ،
وإلّا فعبد الرَّحمن، قد أسلَمَ فحَسُنَ إسلامُه وصارَ من خيار المسلمين. وقد قال الله في هذه
الآية: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ إلى آخر الآية [الأحقاف: ١٨]، فلا يناسبُ ذلك
عبدَ الرَّحمن، وأجابَ المَهْدَويّ عن ذلك بأنَّ الإشارة بأولئكَ للقومِ الذينَ أشارَ إليهم
المذكور بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِيِ﴾، فلا يَمْتَنِعُ أن يقعَ ذلك من عبد الرَّحمن قبل
إسلامه ثمَّ أَسلم بعد ذلك.
وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن جُرَيج عن مجاهد قال: نزلت في عبد الله بن أبي
بكر الصِّدّيق، قال ابن جُرَيج: وقال آخرونَ: في عبد الرَّحمن بن أبي بكر. قلت: والقول في
عبد الله كالقولِ في عبد الرَّحمن، فإنَّه أيضاً أسلَمَ وحَسُنَ إسلامُه.
ومن طريق أَسباط عن السُّدِّيّ قال: نزلت في عبد الرّحمن بن أبي بكر، قال لأبَوَيه،
وهما أبو بكر وأُمّ رُومانَ، وكانا قد أسلما وأَبى هو أن يُسلِم، فكانا يأمرانِه بالإسلام، فكان
يَرُدّ عليهما ويُكذِّبهما ويقول: فأين فلان وأين فلان، يعني مشايخَ قُرَيش مّن قد ماتَ،
فأسلَمَ بعدُ فحَسُنَ إسلامه، فنزلت توبتُه في هذه الآية ﴿ وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ مِمَّا عَمِلُواْ﴾ [الأحقاف:
١٩]. قلت: لكن نَفْي عائشةَ أن تكون نزلت في عبد الرَّحمن وآلٍ بيتِهِ، أصحُّ إسناداً وأَولى
بالقَبُول.
وجَزَمَ مُقاتِل في ((تفسيره)) أنَّها نزلت في عبد الرَّحمن، وأنَّ قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ
عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ نزلت في ثلاثة من كفَّار قُرَيش، والله أعلم.

٢٦٦
سورة الأحقاف/ح ٤٨٢٨-٤٨٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
٥٧٨/٨
٢ - بابٌ ﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾ الآيةَ [الأحقاف: ٢٤]
قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿عَارِضٌ﴾ [٢٤]: السَّحابُ.
٤٨٢٨ - حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبرنا عَمْرٌو، أنَّ أبا النَّضْرِ حدَّثه، عن سليمانَ بنِ
يَسارٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها زَوْجِ النبيِّ وَِّ قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ◌َل﴿ ضاحكاً حتَّى
أَرَى منه لَهَوَاتِهِ، إِنَّما كان يَتَبسَّم.
[طرفه في: ٦٠٩٢]
٤٨٢٩- قالت: وكان إذا رَأَى غَيماً أو رِيحاً عُرِفَ في وجهِه، قالت: يا رسولَ الله، إنَّ
الناسَ إذا رَأَوُا الغَيَمَ فَرِحوا، رَجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأراكَ إذا رأيتَه عُرِفَ في وَجِهِكَ
الكراهيةُ؟ فقال: ((يا عائشةُ، ما يُؤْمِنّي أن يكونَ فيه عذابٌ؟ عُذِّبَ قومٌ بالرِّيحِ، وقد رَأَى قومٌ
العذابَ فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾)).
قوله: ((بابٌ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَئِهِمْ ﴾ الآيةَ)) ساقها غير أبي ذرٍّ.
قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿عَارِضٌ﴾: السَّحاب» وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي
طلحة عنه، وأخرج الطَّبَرَيُّ (٢٦/٢٦) من طريق العَوْنيّ عن ابن عبّاس قال: الرّيح إذا
أثارَت سحاباً قالوا: هذا عارض.
قوله: «حدّثنا أحمد)) کذا لهم، وفي رواية أبي ذرٍّ: حدّثنا أحمد بن عيسى.
قوله: ((أخبَرَنا عَمْرو)) هو ابن الحارث، وأبو النَّضر: هو سالم المدنيّ، ونصف هذا الإسناد
الأعلى مَدَنيّونَ، والأدْنَى مِصريّونَ.
قوله: ((حتَّى أَرَى منه لَهَواتِه)) بالتَّحريكِ جمع لَهَاةٍ: وهي اللَّحمة المتعلِّقة في أعلى الحَنَك،
وُجُمَع أيضاً على لَهَى، بفتح اللام مقصور.
قوله: ((إنَّما كان يَتَبَسَّم)) لا يُنافي هذا ما جاء في الحديث الآخر: ((أنَّه ضَحِكَ حتَّى بَدَت
نَواجِذُ)) لأنَّ ظُهورِ النَّواجِذ - وهي الأسنان التي في مُقدِّمة الفَم أو الأنياب ـ لا يَستَلِزِم
ظُهورَ اللَّهاة.

٢٦٧
سورة الأحقاف/ح ٤٨٢٩
كتاب التفسير
قوله: ((عرفت الكراهية في وجهه))(١) عَبَّرَت عن الشَّيء الظّاهر في الوجه بالكراهةِ، لأنَّه
ثَمَرتها. ووَقَعَ في رواية عطاء عن عائشة في أوَّل هذا الحديث: كان رسول الله وَليل إذا
عَصَفَتِ الرّيحُ قال: ((اللهمَّ إنّي أسألك خيرها وخيرَ ما فيها وخير ما أُرسِلَت به، وأعوذ
بك من شَرّها وشَرّ ما فيها وشَرّ مَا أُرسِلَت به)) وإذا تَخَيَّلَت السماءُ تَغِيَّرَ لونه، وخرج
ودخل وأقبَلَ وأدبَرَ، فإذا أمطَرَت سُرّيَ عنه ... الحديث، أخرجه مسلم (٨٩٩) بطوله،
وتقدَّم في بَدْء الخلق (٣٢٠٦) من قوله: ((كان إذا رأى مَخِيلة أقبَلَ وأدَبَرَ))، وقد تقدَّم لهذا .
الدُّعاء شواهدُ من حديث أنس وغيره في أواخر الاستسقاء (١٠١٣).
قوله: ((عُذِّبَ قوم بالرّيحِ، وقد رَأى قوم العذابَ فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾)) ظاهر هذا أنَّ
الذينَ عُذِّبوا بالرّيحِ غيرِ الذينَ قالوا ذلك، لمَا تَقرَّرَ أنَّ النَّكِرِة إذا أُعيدَت نَكِرةً كانت غيرَ
الأوَّل، لكن ظاهر آية الباب على أنَّ الذينَ عُذُّبوا بالرّيح هم الذينَ قالوا: هذا عارض،
ففي هذه السّورة ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ الآيات، وفيها: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ تُطَِّنَا بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ- رِيعٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقد أجابَ الكِرْمانيُّ عن الإشكال بأنَّ هذه القاعدة المذكورة إنَّما تَطَّرِد إذا لم يكن في
السّياق قَرِينَةٌ تَدُلّ على أنَّهَا عينُ الأوَّل، فإن كان هناكَ قَرِينة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى
فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ اْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا. ثمَّ قال: ويُحتمل أنَّ عاداً قومان: قوم
بالأحقاف، وهم أصحاب العارض، وقوم غيرهم، قلت: ولا يَخْفَى بُعدُه، لكنَّه مُحْتَمَل، فقد
قال تعالى في سورة النَّجم [٥]: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا ◌ٌلْأُولَى﴾ فإنَّه يُشعِرِ بأَنَّ ثَمَّ عاداً أُخرى.
وقد أخرج قِصّة عادِ الثّانية أحمد (١٥٩٥٤) بإسنادٍ حسن عن الحارث/ بن حسان البكريّ ٥٧٩/٨
قال: خَرَجتُ أنا والعلاءُ بن الحَضرَ ميّ إلى رسول الله وَله ... الحديث، وفيه: فقلت: أعوذ بالله
وبرسولِه أن أكون كوافدٍ عادٍ، قال: ((وما وافد عادٍ؟)) وهو أعلمُ بالحديث ولكنَّه يَستَطعِمه،
فقلت: إنَّ عاداً قَحَطوا، فبَعَثُوا قَيْلَ بن عنز إلى معاوية بن بكر بمكّة يَستَسقي لهم، فمَكَثَ
(١) كذا وقع في أصول ((الفتح))، وليست هكذا الرواية في (الصحيح)).

٢٦٨
سورة محمد
فتح الباري بشرح البخاري
شهراً في ضيافته تُغَنّه الجَرَادَتان، فلمَّا كان بعد شهر خرج لهم فاستَسقَى لهم، فمرَّت به
سَحاباتٌ فاختارَ السَّوداء منها، فنُوديَ: خذها رَماداً رِمِدِداً، لا تُبِقِ من عادٍ أحداً.
وأخرج التِّرمِذيّ (٣٢٧٣) والنَّسائيُّ (ك٨٥٥٣) وابن ماجَهْ (٢٨١٦) بعضَه، والظّاهر
أَنَّه في قِصّة عادٍ الأخيرة لِذِكْر مكَّة فيه، وإِنَّا بُنَيَت بعد إبراهيم حين أسكَنَ هاجَرَ وإسماعيلَ
بوادٍ غير ذي زرعٍ، فالذينَ ذُكِروا في سورة الأحقاف هم عادٌ الأخيرة، ويَلزَم عليه أنَّ المراد
بقوله تعالى: ﴿أَخَاعَادٍ ﴾ نبيّ آخر غير هود، والله أعلم.
٤٧ - سورة محمد
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
﴿أَوْزَارَهَا﴾ [٤]: آثامَها حتَّى لا يَبْقَى إِلَّا مسلمٌ.
﴿عَرَّفَهَا﴾ [٦]: بيَّنَها.
وقال مجاهدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [١١]: وَلِيُّهم.
﴿عَزَمَ اُلْأَمْرُ﴾ [٢١]: جَدَّ الأمرُ.
﴿فَلَاَ تَهِنُواْ﴾ [٣٥]: لا تَضْعُفوا.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿أَضْغَنَهُمْ﴾ [٢٩]: حَسَدَهم.
﴿وَاسِنٍ﴾ [١٥]: مُتَغيِّرٍ.
قوله: ((سورة محمَّد ◌َّه ◌ِمِ اللَّهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾
حَسْبُ.
قوله: (﴿أَوْزَارَهَا﴾: آثامها حتَّى لا يَبْقَى إلّا مسلم)) قال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة
في قوله: ﴿حَّى تَضَعَ الْحَرَّبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: حتَّى لا يكون شِركٌ، قال: والحرب مَن كان يقاتله،
سَمّاهم حَرباً.
قال ابن التِّين: لم يَقُل هذا أحدٌ غير البخاريّ، والمعروف أنَّ المراد بأوزارها: السِّلاح، وقيل:

٢٦٩
سورة محمد / ح ٤٨٣٠
كتاب التفسير
حتَّى يَنزِل عيسى ابنُ مريم. انتهى، وما نفاه قد عَلِمَه غيره، قال ابن قُرِقُول: هذا التَّفسير
يحتاج إلى تفسير، وذلك لأنَّ الحرب لا آثامَ لها، فلعلَّه كما قال الفَرّاء: آثام أهلها، ثمَّ حَذَفَ
وأبقَى المضاف إليه، أو كما قال النَّحَاس: حتَّى تَضَعَ أهلَ الآثام فلا يَبقَى مُشرِك. انتهى، ولفظ
الفَرّاء: الهاء في «أوزارها)) لأهلِ الحرب، أي: آثامهم، ويحتمل أن يعود على الحرب والمراد
بأوزارها: سِلاحُها. انتهى، فجَعَلَ ما ادَّعَى ابنُ التِّين أنَّه المشهور احتمالاً.
قوله: (﴿عَرَّفَهَا﴾: بَيَّنَها)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿عَرَّفَهَالَهُمْ﴾: بيّنها لهم وعَرَّفَهم منازلهم.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: وليُّهم)) كذا لغير أبي ذرِّ وسَقَطَ له، وقد وَصَلَه
الطَّبَرِيُّ (٢٦/ ٤٧) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بهذا.
قوله: ((﴿فَإِذَا عَزَمَ اُلْأَمْرُ﴾، أي: جَدَّ الأمر)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عنه.
قوله: ((﴿ فَلَا تَهِنُواْ﴾: فلا تَضْعُفوا» وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريقه كذلك.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿أَضْغَنَهُمْ﴾: حَسَدَهم)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن
جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اَللَّهُ أَضْغَنَهُمْ﴾ قال: أعمالهم،
خُشَهم والحَسَد.
قوله: (﴿ءَاسِنٍ﴾: مُتَغيِّر)) كذا لغير أبي ذرِّ هنا، وسيأتي في آخر السّورة.
١ - بابٌ ﴿ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]
٤٨٣٠- حدَّثنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، قال: حذَّثني معاويةُ بنُ أبي مُزَرِّدٍ، عن
سعيدِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فلمَّا فَرَغَ منه قامَتِ
الرَّحِمُ فأخَذَت بحَقْو الرَّحمنِ، فقال له: مَهْ، قالت: هذا مقامُ العائذِ بكَ مِن القَطِيعِةِ، قال: أَا
تَرْضَينَ أن أَصِلَ مَن وَصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَن / قَطَعَكِ؟ قالت: بلى يا رَبِّ، قال: فَذَاكِ)).
قال أبو هريرةَ: اقرَؤُوا إن شئتُم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ
أَرْحَامَكُمْ ﴾.
٥٨٠/٨
[أطرافه في: ٤٨٣١، ٤٨٣٢، ٥٩٨٧، ٧٥٠٢]

٢٧٠
سورة محمد/ح ٤٨٣١-٤٨٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
٤٨٣١- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا حاتمٌ، عن معاويةً، قال: حدَّثْنِي عَمّي أبو
الحُبَاب سعيدُ بنُ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ ... بهذا، ثمَّ قال رسولُ الله ◌ِّ: ((اقرؤُوا إن شئتُم:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾)».
٤٨٣٢- حدَّثنا بشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا معاويةُ بنُ أبي المزَرِّدِ ... بهذا، قال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((واقرؤُوا إن شئُم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾)).
﴿مَاسِنٍ﴾: مُتَغيِّرٍ.
قوله: ((بابٌ ﴿وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾)) قرأ الجمهور بالتَّشْديدِ، ويعقوب بالتَّخفيفِ.
قوله: ((خَلَقَ الله الخلقَ فلمَّا فَرَغَ منه)) أي: قَضَاه وأتمَّه.
قوله: ((قامَت الرَّحِم)) يحتمل أن يكون على الحقيقة، والأعراض يجوز أن تَتَجَسَّد
وتَتَكلَّم بإذنِ الله، ويجوز أن يكون على حذفٍ، أي: قامَ مَلَكُ فتَكلَّمَ على لسانها، ويحتمل
أن يكون ذلك على طريق ضرب المثَل والاستعارة، والمراد تعظیمُ شأنها، وفضلُ واصلها،
وإثمُ قاطعها.
قوله: ((فأخَذَت)) كذا للأكثرِ بحذفِ مفعول أخَذَت، وفي رواية ابن السَّكَن: ((فَأَخَذَت
بحَقْوِ الرَّحمن)»، وفي رواية الطَّبَرِيِّ(١): ((بحَقْوَي الرَّحمن)) بالتَّشْنية، قال القابِسيّ: أَبى أبو زيد
المروزيُّ أن يقرأَ لنا هذا الحرف لإشكاله، ومَشَى بعض الشُّاح على الحذف فقال: أخَذَت
بقائمةٍ من قوائم العَرْش.
وقال عياض: الحَقْو مَعقِد الإزار، وهو الموضع الذي يُستَجار به، ويُحْتَزَم به على عادة
العرب، لأنَّه من أحقّ ما يُحامَى عنه ويُدفَع، كما قالوا: نَمنَعه ممَّا نَمنَع منه أُزُرنا، فاستُغيرَ
ذلك مجازاً للرَّحِمِ في استعاذَتها بالله من القطيعة، انتهى.
(١) كذا وقع في الأصول، ولم نقف عليه عنده، لكن أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) برقم (٣٣٢١)
من طريق عبد الله بن دينار عن بُشير بن يسار عن أبي هريرة، فلعلَّ الطبري في نسخ ((الفتح)) تحرفت عن
الطبراني، إلّا أنَّ رواية معاوية بن أبي مزرِّد بلفظ: ((حَقْوَي الرحمن)) بالتثنية أخرجها البغوي في ((شرح
السنة)) (٣٤٣١).

٢٧١
سورة محمد /ح ٤٨٣٢
كتاب التفسير
وقد يُطلَق الحَقْو على الإزار نفسه كما في حديث أمّ عَطيَّة: فأعطانا حَقْوه فقال: ((أُشعِرنَها
إِيّا) (١) يعني إزارَه وهو المراد هنا، وهو الذي جَرَت العادة بالتَّمَسُّكِ به عند الإلحاح في
الاستجارة والطََّب، والمعنى على هذا صحيحٌ مع اعتقاد تنزيه الله عن الجارحة.
قال الطِّييُّ: هذا القول مَبنيٌّ على الاستعارة التَّمثيليّة كأنَّه شَبَّهَ حالة الرَّحِم وما هي
عليه من الافتقار إلى الصِّلة والذَّبّ عنها بحال مُستَجيٍ يأخُذ بحَقوِ المستَجار به، ثمّ أسنَدَ
على سبيل الاستعارة التَّخييليَّة ما هو لازِمٌ للمشَبَّه به من القيام، فيكون قَرِينة مانعة من
إرادة الحقيقة، ثمَّ رُشِّحَت الاستعارة بالقولِ والأخذ وبلفظ الحَقْو فهو استعارة أُخرى،
والتَّتنية فيه للتَّأكيدِ لأنَّ الأخذ باليَدَينِ آكَدُ في الاستجارة من الأخذ بيدٍ واحدة (٢).
قوله: ((فقال: مَهْ)) هو اسم فِعلِ معناه الزَّجر، أي: اكفُف، وقال ابن مالك: هي هنا ((ما))
الاستفهاميَّة حُذِفَت ألِفِها ووُقِفَ عليها بهاءِ السَّكت، والشّائع أن لا يُفعَلَ ذلك إلّا وهي
مجرورة، لكن قد سُمِعَ مِثْلُ ذلك؛ فجاء عن أبي ذُؤَيب الهُذَلِيّ قال: قَدِمتُ المدينة ولأهلِها
ضَجيج بالبكاءِ كضَجيج الحَجيج، فقلت: مَهْ؟ فقالوا: قُبضَ رسول الله
ئلالله(٣)
قوله في الإسناد: «حدّثنا سلیمان» هو ابن بلال.
قوله: ((هذا مقامُ العائذ بك من القطِيعة)) هذه الإشارة إلى المقام، أي: قيامي هذا قيامُ
العائذ بك، وسيأتي مَزيدُ بيانٍ لمَا يَتَعلَّق بقطيعة الرَّحِم في أوائل كتاب الأدب (٥٩٨٢-
٥٩٩٢) إن شاء الله تعالی.
ووَقَعَ في رواية الطَّبَرِيِّ (٥٦/٢٦): ((هذا مقام عائذٍ من القطيعة)) والعائذ: المستَعيذ،
وهو المعتَصِم بالشَّيءِ المستجير به.
(١) سلف برقم (١٢٥٣).
(٢) والذي نَدِين اللهَ به أنَّ هذا الحديث ◌ُجرَى مجرى غيره من أحاديث الصفات، من إمرارها على ما جاءت
به من غير صرفٍ لألفاظها عن ظواهرها، مع اعتقاد نفي الشَّبيه والمِثْل عن الله سبحانه وتعالى كما هو
ظاهر مذهب عامة السلف الصالح، والله تعالى أعلم.
(٣) أخرج خبره ابن منده في «معرفة الصحابة)) ١/ ٨٥٥، وأبو نعيم كذلك (٦٧٧٨) بسندٍ واٍ.

٢٧٢
سورة محمد/ح ٤٨٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال أبو هريرة: اقرَؤوا إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾)) هذا ظاهره أنَّ الاستشهاد
٥٨١/٨ موقوف، وسيأتي بيان مَن رَفَعَه، وكذا/ في رواية الطَّبَريِّ (٥٦/٢٦) من طريق سعيد بن
أبي مريم عن سلیمان بن بلال و محمّد بن جعفر بن أبي کثیر.
قوله: ((حدَّثنا حاتم)) هو ابن إسماعيل الكوفيّ نزيل المدينة، ومعاوية: هو ابن أبي مُزَرِّد
المذکور في الذي قبله وبعده.
قوله: ((بهذا)) يعني الحديث الذي قبله، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريقَينِ عن حاتم
ابن إسماعيل بلفظ: ((فلمَّا فَرَغَ منه قامَت الرَّحِم فقالت: هذا مَقَامُ العائذ)» ولم يَذكُر الزيادة،
وزاد بعد قوله: ((قالت: بلى يا رَبّ)): ((قال: فذلك لكِ».
قوله: ((ثمَّ قال رسول الله بَّهِ: اقرَؤُوا إن شئْتُم)) حاصله أنَّ الذي وَقَفَه سليمان بن بلال
على أبي هريرة رَفَعَه حاتم بن إسماعيل، وكذا وَقَعَ في رواية الإسماعيليّ المذكورة.
قوله: ((أخبَرَنا عبدُ الله)) هو ابن المبارك.
قوله: (بهذا)) أي: بهذا الإسناد والمتن، ووافَقَ حاتماً على رفع هذا الكلام الأخير، وكذا
أخرجه الإسماعيليّ من طريق حِبّان بن موسى عن عبد الله بن المبارك.
تنبيه: اختُلِفَ في تأويل قوله: ﴿إِن تَوَلَيْتُمْ﴾ فالأكثر على أنَّها من الولاية، والمعنى: إن
وُلِيتُم الحُكمَ، وقيل: بمعنى الإعراض، والمعنى: لعلَّكم إن أعرَضتُم عن قَبُول الحقِّ أن يقع
منكم ما ذُكِرَ، والأوَّل أشهر، ويَشهَدُ له ما أخرج الطَّريُّ في ((تهذيبه)) من حديث عبد الله
ابن مُغفَّل قال: سمعت النبيّ وَ لَه يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ﴾
قال: ((هم هذا الحيّ من قُرَيش، أخَذَ اللهُ عليهم إن وَلُوا الناسَ أن لا يُفسِدوا في الأرض
ولا يُقَطِّعوا أرحامَهم)).
قوله: ((﴿مَاسِنٍ﴾: مُتَغيِِّ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن
عبَّاس. وقال أبو عُبيدة مِثْلَه، وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن فَتَادة: غير مُنِن، وأخرج
ابن أبي حاتم من طريقٍ مُرسَل من رواية أبي معاذ البصريّ: أنَّ عليّاً كان عند النبيّ وَّ؛

٢٧٣
سورة الفتح
كتاب التفسير
فذكر حديثاً طويلاً مرفوعاً فيه ذِكْر الجنَّة، قال: ((وأنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسِنٍ، قال: صافٍ لا
گَدَرَ فیه))، والله أعلم.
٤٨ - سورة الفتح
بِسْمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال مجاهدٌ: ﴿ بُورًا﴾ [١٢]: هالكِينَ.
وقال مجاهدٌ: ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ﴾ [٢٩]: السَّحْنُ.
وقال منصورٌ، عن مجاهدٍ: التواضُعُ.
﴿شَطَْهُ,﴾ [٢٩]: فِراخَه.
﴿فَأَسْتَغْلَظَ ﴾ [٢٩]: غَلُظَ.
سُوقِهِ،﴾ [٢٩] الساقُ: حامِلةُ الشَّجَرةِ.
﴿شَطَّهُ﴾ [٢٩]: شَطْءُ السُّنْبُلِ تُنبِتُ الحَبَّةُ عَشْراً وثمانياً وسَبْعاً، فيَقْوَى بعضُه ببعضٍ،
فذاكَ قولُه تعالى: ﴿فَازَرَهُ﴾ [٢٩]: قَوّاه، ولو كانت واحدةً لم تَقُمْ على ساقٍ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَه الله
للنبيِّ وَ﴿ إِذْ خَرَجَ وحدَه، ثمَّ قَوّاه بأصحابه، كما قَوَّى الحَبّةَ بما يُنِتُ منها.
﴿دَآيِرَةُ السَّوْءِ﴾ [٦] كقولِكَ: رجلُ السَّوْءِ، ودائرةُ السَّوءِ: العذابُ.
(تُعَزِّروهُ)) [٩]: تَنْصُروه.
قوله: ((سورة الفتح - بِسْمِ اللَّهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿بُورًا﴾: هالكينَ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٧٩/٢٦) من طريق ابن أبي
نَجِيح عن مجاهد بهذا، وسَقَطَ لغير أبي ذرٍّ، وقال أبو عبيدة: ويقال: بارَ الطَّعامُ، أي: هَلَكَ،
ومنه قول عبد الله بن الزِّبَعْرَى:
يا رسولَ المَليكِ إنَّ لساني راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ
أي: هالكٌ.

٢٧٤
سورة الفتح
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِمْ﴾: السَّحْنة)) وفي رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ والقابِسيّ:
((السَّجدة)) والأوَّل أَولى، فقد وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق الحكم عن مجاهد كذلك،
والسَّحْنة: بالسِّين وسكون الحاء المهمَلتَينِ، وقَيَّدَه ابنُ السَّكَن والأَصِيلِيّ بفتحهما، قال
٥٨٢/٨ عياض: وهو الصَّواب عند أهل اللُّغة، وهو لِينُ البَشَرة والنَّعْمة، وقيل: الهيئة، وقيل:/ الحال.
انتهى، وجَزَمَ ابن قُتَيبة بفتح الحاء أيضاً وأنكَرَ السُّكون، وقد أثبتَه الكِسائيُّ والفَرّاء. وقال
العُكْبَريّ: السَّحْنة بفتح أوَّله وسكون ثانية: لون الوجه. ولِرواية المُستَمْلِي ومَن وافَقَه
توجيهٌ، لأنَّه يريد بالسَّجدة أثرَها في الوجه، يقال لأثرِ السُّجود في الوجه: سجدة وسجّادة،
ووَقَعَ في رواية النَّسَفيّ: المَسْحة.
قوله: «وقال منصور عن مجاهد: التواضعُ)) وَصَلَه عليّ بن المَدِینيّ عن جَرِیر عن منصور،
ورُوِّيناه في ((الزُّهد)) لابنِ المبارَك وفي (تفسير)) عبد بن حُميدٍ وابن أبي حاتم عن سفيان وزائدة،
كلاهما عن منصور عن مجاهد قال: هو الخُشوع، زاد في رواية زائدة: قلت: ما كنت أُراه إلّ هذا
الأثر الذي في الوجه، فقال: رُبَّما كان بین عينيْ مَن هو أقسی قلباً من فِرعَون.
قوله: (﴿شَطْكَهُ﴾: فِراخَه، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾: غَلُظَ، ﴿سُوقِهِ،﴾، الساقُ: حامِلةُ الشَّجَرة))
قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَهُ﴾ أخرج فِراخَه، يقال: قد أشطَأَه الزَّرِعُ
﴿فَازَرَهُ﴾: ساواه، صارَ مثل الأُمّ، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾: غَلُظَ، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،﴾، الساق:
حاملة الشَّجَر. وأخرج عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ كَزَّع
أَخْرَجَ شَطْئَهُ﴾ قال: ما يَخْرُجِ بجنب الحَقْلة فيَتِمُّ ويَنْمِي، وبه في قوله: ﴿عَلَى سُوقِهِ،﴾ قال:
على أُصوله.
قوله: ((﴿شَطَّعَهُ﴾ شَطْءُ السُّنْبُل تُنِتُ الحَبَّةُ عَشْراً وثمانياً وسَبْعاً، فَيَقْوَى بعضُه ببعضٍ
فذاكَ قولُه تعالى: ﴿فَازَرَهُ﴾ قَوّاه، ولو كانت واحدةً لم تَقُمْ على ساقٍ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَه الله النبيِّ ◌ِله
إذ خَرَجَ وحدَه ثمَّ قَوّاه بأصحابِه كما قَوَّى الحَبّة بما يُنِت منها))(١).
(١) كذا في الأصول، ولم يذكر المؤلف هنا شيئاً، ولعله كان بيَّض له فتركه النُّساخ.

٢٧٥
سورة الفتح / ح ٤٨٣٣
كتاب التفسير
قوله: (﴿َدَآيِرَةُ السَّوْءِ﴾ كقولك: رجلُ السَّوْء، ودائرةُ السَّوْء: العذابُ)) هو قول أبي عبيدة
قال: المعنى: تَدُور عليهم.
تنبيه: قرأ الجمهور ((السَّوء)) بفتح السِّين في الموضعين، وضمَّها أبو عَمْرو وابن كثير.
قوله: ((تُعزِّروه: تَنْصُروه)) قال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾
قال: تَنصُروه، وقد تقدَّم في الأعراف [١٥٧] ﴿فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾
وهذه ينبغي تفسيرها بالتوقير فِراراً من التَّكرار، والتَّعزير يأتي بمعنى التَّعظيم والإعانة
والمنع من الأعداء، ومن هنا يجيءُ التَّعزير بمعنى التَّأديب، لأنَّه يَمنَعُ الجاني من الوقوع في
الجِناية، وهذا التَّفسير على قراءة الجمهور، وجاء في الشَّواذّ عن ابن عبّاس: «تُعزِّزوه))
بزاءَينِ من العِزّة.
١ - بابٌ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]
ثمَّ ذکر في الباب خمسة أحاديث:
الأول:
٤٨٣٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ◌َِل
كان يَسِيرُ في بعضِ أسفارِهِ، وعمرُ بنُ الخطَّبِ يَسِيرُ معه ليلاً، فسألَه عمرُ بنُ الخطّاب عن
شيءٍ، فلم يُحِيْه رسولُ الله ◌َّةِ، ثمَّ سألَه فلم يُحِيْه، ثمَّ سألَه فلم يُحِيْه، فقال عمرُ بنُ الخطَّب:
ثَكِلَت أمُّ عمرَ، نَزَرْتَ رسولَ الله ◌َّه ثلاثَ مرّاتٍ، كلَّ ذلك لا يُحِبُكَ، قال عمرُ: فحَرَّكْتُ
بَعِيري، ثمَّ تقدَّمْتُ أمامَ الناسِ، وخَشِيتُ أن يُنزَلَ فيَّ القرآنُ، فما نَشِبتُ أن سمعتُ صارخاً
يَصرُغُ بي، فقلتُ: لقد خَشِيتُ أن يكونَ نزلَ فيَّ قرآنٌ، فحِثْتُ رسولَ اللهَوَّةِ، فَسَلَّمْتُ عليه
فقال: ((لقد أُنزِلَت عليَّ اللَّيْلَةَ سورةٌ، لهيَ أحَبُّ إِلَّ مَمَّا طَلَعَت عليه الشمسُ)) ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا
لَكَ فَتْحًامُبِينًا﴾.
قوله: ((عن زيد بن أسلم عن أبيه: أنَّ رسول الله وَلَ كان في سَفَر)) هذا السِّياق صورته ٥٨٣/٨
الإرسال، لأنَّ أسلمَ لم يُدرِك زمان هذه القِصّة، لكنَّه محمول على أنَّه سمعَه من عمر بدليلٍ

٢٧٦
سورة الفتح/ ح ٤٨٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله في أثنائه: ((قال عمر: فحَرَّكتُ بعيري ... )) إلى آخره، وإلى ذلك أشارَ القاسيّ، وقد
جاء من طريق أُخرى: ((سمعتُ عمر)) أخرجه البزَّار (٢٦٤) من طريق محمّد بن خالد بن
عَثْمَة عن مالك ثمّ قال: لا نَعلمُ رواه عن مالك هكذا إلّا ابن عَثْمة وابن غَزْوانَ. انتهى،
ورواية ابن غَزْوانَ - وهو عبد الرَّحمن أبو نوح المعروف بقُرَادٍ - قد أخرجها أحمد عنه (٢٠٩)،
واستَدرَكَها مُغَلْطاي على البزَّار ظاناً أنَّه غير ابن غزوانَ.
وأورَدَه الدَّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك)) من طريق هذَينٍ، ومن طریق یزید بن أبي حَكيم
ومحمَّد بن حَرْب وإسحاق الحُنَينِيِّ أيضاً، فهؤلاءِ خمسة رَوَوْه عن مالك بصريحِ الاتِّصال،
وقد تقدَّم في المغازي (٤١٧٧) أنَّ الإسماعيليّ أيضاً أخرج طريق ابن عَثْمة، وكذا أخرجها
التِّرمِذيّ (٣٢٩٢).
وجاء في رواية الطبرانيِّ (١٠٥٤٨) من طريق عبد الرّحمن بن أبي عَلْقمة عن ابن
مسعود: أنَّ السَّفَر المذكور هو عُمْرة الحُدَيبية، وكذا في رواية مُعتَمِر عن أبيه عن قَتَادة عن
أنس قال: لمَّا رَجَعنا من الْحُدَيبية وقد حِيلَ بيننا وبين نُسُكِنا، فنحنُ بين الحُزْن والكآبة،
فنزلت. وسيأتي حديث سهل بن حُنَيف في ذلك قريباً (٤٨٤٤).
واختُلِفَ في المكان الذي نزلت فيه، فوَقَعَ عند محمَّد بن سعد: بضَجْنان، وهي بفتح
المعجَمة وسكون الجيم ونون خفيفة، وعند الحاكم في ((الإكليل)): بكُرَاع الغَمِیم، وعن أبي
مَعشَر: بالجُحْفة، والأماكن الثلاثة مُتَقاربة.
قوله: «فسأله عمرُ بن الخطّاب عن شيء فلم ◌ُحِبْه) يُستَفاد منه أنَّه ليس لكلِّ كلام جواب،
بل السُّكوتُ قد يكون جواباً لبعضِ الكلام. وتكرير عمرَ السُّؤالَ إمّا لكَوْنِهِ خَشِيَ أنَّ
النبيَّ وَله لم يَسمَعْه، أو لأنَّ الأمر الذي كان يسأل عنه كان مُهماً عنده، ولعلَّ النبيّ ◌َِ ه
أجابَه بعد ذلك، وإِنَّمَا تَرَكَ إجابته أوَّلاً لشُغلِه بما كان فيه من نزول الوحي.
قوله: (ثَكِلَتْ)) بكسر الكاف ((أُّ عمر)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((ثَكِلَتك أمُّ عمر)» والتُّكْلِ:
فِقْدان المرأة ولدَها، دَعَا عمرُ على نفسه بسبب ما وَقَعَ منه من الإلحاح، ويحتمل أن يكون لم ◌ُرِدِ

٢٧٧
سورة الفتح/ح ٤٨٣٤
كتاب التفسير
الدُّعاء على نفسه حقيقةً، وإنَّما هي من الألفاظ التي تُقال عند الغضب من غير قصد معناها.
قوله: (نَزَرْتَ)) بزايٍ ثمَّ راءٍ بالتَّخفيف والتَّثَقيل، والتَّخفيفُ أشهَرُ، أي: أحَحْتَ علیه،
قاله ابن فارس والخطَّابيّ، وقال الدَّاووديّ: معنى المثقَّل: أقلَلتَ كلامه إذ سألتَه ما لا يحبُّ
أن يُجِيبَ عنه، وأبعَدَ مَن فَسَّرَ (نَزَرتَ)) براجَعْت.
قوله: ((فما نَشِبْتُ)) بكسر المعجَمة بعدها موحّدة ساكنة، أي: لم أتعَلَّق بشيءٍ غير ما ذكرت.
قوله: «أن سمعتُ صارخاً یَصرُخ بي» لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((لهيَ أحَبُّ إليَّ مَمَّا طَلَعَت عليه الشمسُ)) أي: لمَا فيها من البِشَارة بالمغفرة والفتح،
قال ابن العربيّ: أطلقَ المفاضلة بين/ المنزلة التي أُعطيَها وبين ما طَلَعَت عليه الشمس، ٥٨٤/٨
ومن شرط المفاضَلة استواءُ الشَّيئينِ في أصل المعنى ثمَّ يزيد أحدهما على الآخر، ولا استواء
بين تلك المنزلة والدُّنيا بأسرها.
وأجابَ ابن بَطّال بأنَّ معناه: أنَّها أحَبّ إليه من كلّ شيء لأَنَّه لا شيء إلّا الدُّنيا والآخِرة،
فأخرج الخبرَ عن ذِكْر الشَّيء بذِكْر الدُّنيا إذ لا شيء سواها إلّا الآخِرة.
وأجابَ ابن العربيّ بما حاصله: أنَّ((أفعَل)) قد لا يُراد بها المفاضَلة كقولهِ: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرَّأَ
وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [الفرقان: ٢٤] ولا مُفاضَلة بين الجنَّة والنار، أو الخِطاب وَقَعَ على ما استَقَرَّ في
أنفُس أكثر الناس فإنَّهم يَعتَقِدونَ أنَّ الدُّنيا لا شيء مِثلُها وأنّها المقصود، فأخبر بأنّها عنده خیر
مَا يَظُنّونَ أن لا شيء أفضلُ منه. انتھی.
ويحتمل أن يُرادَ المفاضَلة بين ما دَلَّت عليه وبين ما دلَّ عليه غيرها من الآيات المتعلّقة
به فَرَجَّحَها، وجميع الآيات وإن لم تكن من أُمور الدُّنيا لكنَّها أُنزِلَت لأهلِ الدُّنيا، فدَخَلَت
كلُّها فيما طَلَعَت عليه الشمس.
الحديث الثّاني:
٤٨٣٤ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، سمعتُ قَتَادَ، عن أنس
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَامُّبِينًا﴾ قال: الحُدَيِيَة.

٢٧٨
سورة الفتح/ح ٤٨٣٥-٤٨٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سمعت قَتَادةَ عن أنس ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: الحُدَيبية)) هكذا أورَدَه
مختصراً، وقد أخرجه في المغازي (٤١٧٢) بأتمَّ من هذا، وبيَّن أنَّ بعض الحديث عن أنس
موصول وبعضه عن عِكْرمة مُرسَل، وسمَّى ما وَقَعَ في الْحُدَيبية فتحاً لأنَّه كان مُقَدِّمةَ الفتح
وأوَّل أسبابه، وقد تقدَّم شرح ذلك مُبيّناً في كتاب المغازي.
الحديث الثّالث:
٤٨٣٥- حذَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا معاويةُ بنُ قُرّةَ، عن عبدِ الله بنِ
مُغفَّلٍ قال: قَرأَ النبيُّ ◌َِّ يومَ فَتْحِ مَكََّ سورةَ الفتحِ، فَرَجَّعَ فيها.
قال معاويةُ: لو شئتُ أن أَحكِيَ لكم قراءةَ النبيِّوَ لَفَعَلْتُ.
قوله: ((عن عبدِ الله بن مُغفَّل)) بالمعجَمة والفاء وزن محمَّد.
قوله: ((فَرَجَّعَ فيها» أي: رَدَّدَ صوته بالقراءة، وقد أورده في التوحيد (٧٥٤٠) من طريق
أُخرى بلفظ «كيف ترجيعُه؟ قال: آآآ، ثلاث مرّات)» قال القُرطُبيّ: هو محمول على إشباع
المدّ في موضعه، وقيل: كان ذلك بسبب كَوْنِهِ راكِباً فحَصَلَ التَّرجيعُ من تحريك الناقة له.
وهذا فيه نظرٌّ، لأنَّ في رواية عليّ بن الجَعْد عن شُعْبة عند الإسماعيليّ: ((وهو يقرأ قراءة لَيِّنة،
فقال: لولا أن يَجْتَمِع الناسُ علينا لَقرأتُ ذلك اللَّحن))، وكذا أخرجه أبو عبيدة في ((فضائل
القرآن))(١) عن أبي النَّضر عن شُعْبة، وسأذكرُ تحرير هذه المسألة في شرح حديث ((ليس مِنّا
مَن لم يَتَغَنَّ بالقرآن)) (٥٠٢٣).
٤٨٣٦- حدَّثنا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُيَينَةَ، حدَّثنا زيادٌ، أَنَّه سمعَ المغِيرةَ يقول:
قامَ النبيُّ وَّهِ حَتَّى تَوَرَّمَت قَدَماهُ، فقيل له: غَفَرَ الله لكَ ما تقدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأْخَّرَ! قال:
((أَفَلا أكونُ عبداً شَكُوراً)).
٤٨٣٧ - حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ العزيزِ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ يحيى، أخبرنا حَيْوةُ، عن أبي الأسوَدِ،
سمعَ عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ نبيَّ اللهَ وََّ كان يقومُ مِن اللَّيلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَماهُ،
(١) ((فضائل القرآن)) ص١٥٩.

٢٧٩
سورة الفتح/ح ٤٨٣٧
كتاب التفسير
فقالت عائشةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رسولَ الله، وقد غَفَرَ الله لكَ ما تقدَّم من ذَنْبِكَ وما تَأْخَّرَ؟ قال:
((أفَلا أُحِبُّ أن أكونَ عبداً شَكُوراً))، فلمَّا كَثُرَ لحمُه صَلَّى جالساً، فإذا أرادَ أن يَرْكَعَ قامَ، فقراً،
ثُمَّرَكَعَ.
الحديث الرابع: حديث المغيرة بن شُعْبة: ((قامَ النبيّ ◌َِّهُ حتَّى تَوَرَّمَت قَدَماه)) وقد تقدَّم
شرحه في صلاة اللَّيل من كتاب الصلاة (١١٣٠).
الحديث الخامس: حديث عائشة في ذلك.
قوله: ((أخبرنا حَيْوة)) هو ابن شُرَيح المِصريّ، وأبو الأسوَد: هو محمَّد بن عبد الرّحمن
النَّوفَلِيّ المعروف بَيَتَيمِ عُرْوة، ونصف هذا الإسناد مِصريّونَ ونصفه مَدَنيّونَ، وقد تقدَّم
شرحه في صلاة اللَّيل (١١٤٨).
قوله: ((فلمَّا كَثُرَ لحمُه)) أنكَرَه الدَّاووديّ وقال: المحفوظ («فلمَّا بَدَّنَ)) أي: كَبِرَ، فكأنَّ
الراوي تأوَّلَه/ على كَثْرة اللَّحم. انتهى، وتَعقَّبَه أيضاً ابن الجَوْزيّ فقال: لم يَصِفْه أحد ٥٨٥/٨
بالسِّمَنِ أصلاً، ولقد ماتَ وَّهِ وما شَبِعَ من خبز الْخَمير (١) في يوم مرَّتَينٍ(٢)، وأحسَبُ
بعض الرُّواة لمَّا رأى ((بَدَّنَ)) ظَنَّه: كَثُرَ لحمه، وليس كذلك وإنَّما هو: بَدَّنَ تَبديناً، أي:
أسَنَّ، قاله أبو عُبيدة. قلت: وهو خِلَاف الظّاهر، وفي استدلاله بأنَّه لم يَشَبَعْ من خُبز
الشَّعير نظرٌ، فإنَّه يكون من جُملة المعجِزات، كما في كَثْرة الجِماع وطَوافِه في اللَّيلة الواحدة
على تسع أو إحدى عشرةَ معَ عَدَم الشِّبَع وضِيق العَيش، وأيُّ فرق بين تكثير المنيّ مع
الجوع، وبين وُجود كَثْرة اللَّحم في البَدَن معَ قِلّة الأكل؟ وقد أخرج مسلم (١١٧/٧٣٢)
من طريق عبد الله بن عُرْوة عن عروة(٣) عن عائشة قالت: لمَّا بَدَّنَ رسول الله،وَهُ وثَّقُلَ كان
(١) في (س): الشعير، والمثبت من الأصلين وكتاب ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي
٣٧١/٤، وخبز الخمير: هو الخبز المحوَّد المحسَّن.
(٢) أخرج مسلم (٢٩٧٦) من حديث أبي هريرة قال: ما شبع نبي الله وَليه وأهله ثلاثة أيام تباعاً من خبز
حنطة حتى فارق الدنيا، وابن ماجه (٣٣٤٦) من حديث عائشة قالت: ما شبع آل محمد رَّيقول من خبز
الشعير حتى قُبض، وانظر «مسند أحمد» (٩٦١١).
(٣) قوله: ((عن عروة)) سقط من (أ) و(س)، واستدركناه من (ع) و((الصحيح)).

٢٨٠
سورة الفتح/ح ٤٨٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
أكثر صَلاته جالساً؛ لكن يُمكِن تأويلُ قوله: (ثَقُلَ)) أي: ثَقُلَ عليه حِملُ لحمه، وإن كان
قليلاً، لدُخولِه في السِّنّ.
قوله: ((صَلَّى جالساً، فإذا أرادَ أن يَرْكَع قامَ فقرأ، ثمَّ رَكَعَ)) في رواية هشام بن عُرْوة عن
أبيه: قامَ فقرأ نحواً من ثلاثين أو أربعينَ آية ثمَّ رَكَعَ، أخرَ جاه(١)، وقد تقدَّم في آخر أبواب
تقصير الصلاة (١١١٨)، وأخرَجا(٢) من طريق أبي سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن عن عائشة بلفظ:
فإذا بَقِيَ من قراءته نحوٌ من ثلاثينَ أو أربعينَ آيَة قامَ فقرأها وهو قائم ثمَّ رَكَعَ، ولمسلمٍ
(١١٣/٧٣١) من طريق عَمْرة عن عائشة: فإذا أراد أن يَركَعَ قامَ فقرأْ قَدْر ما يقرأ إنسان
أربعينَ آية، وقد روى مسلم (٧٣٠/ ١٠٥) من طريق عبد الله بن شَقِيق عن عائشة في صفة
تطوُّعه ◌َلِّ وفيه: وكان إذا قرأ وهو قائمٌ رَكَعَ وسَجَدَ وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً رَكَعَ
وسَجَدَ وهو قاعد؛ وهذا محمول على حالَته الأُولى قبل أن يَدخُل في السِّنّ جمعاً بين
الحديثَينِ، وقد تقدَّم بيانُ ذلك والبحثُ فيه في صلاة اللَّيل، وكثير من فوائده أيضاً في آخر
أبواب تقصير الصلاة.
٢- بابٌ
﴿إِنَّ أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨]
٤٨٣٨- حدّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمَةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، عن هلال بنِ أبي هلالٍ،
عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما: أنَّ هذه الآيةَ التي في القرآنِ
﴿ يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال في التَّوْراةِ: يا أيُّها النبيُّ إنّا أرسَلْناكَ
شاهداً ومُبِّراً، وحِرْزاً للأُمَّيِّينَ، أنتَ عَبْدي ورَسُولٍ، سَمَّيتُكَ المتوكّلَ، ليس بِفَظّ ولا غَلِيظٍ،
ولا سَخّابٍ بالأسواق، ولا يَدْفَعُ السَّيّةَ بِالسَّيَِّةِ، ولكنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، ولن يَقْبِضَه اللهُ حتَّى
يُقِيمَ به المِّةَ العَوْجاءَ، بأنْ يقولوا: لا إلهَ إلَّ الله، فيَفتَحُ بها أعيُنَاً عُمْياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلْفاً.
(١) هو عند مسلم برقم (٧٣١) (١١١).
(٢) البخاري برقم (١١١٩)، ومسلم برقم (٧٣١) (١١٢).