النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سورة الزخرف
كتاب التفسير
صِلُوني كما تَصِلونَ غيري من أقاربِكم.
وقد روى سعيد بن منصور من طريق الشَّعْبيّ قال: أكثَروا علينا في هذه الآية، فكتبتُ
إلى ابن عبّاس أسأله عنها فكَتَبَ: إِنَّ رسول الله ◌ََّ كان واسطَ النَّسَب في قُرَيش، لم يكن
حَيٍّ من أحياء قُرَيش إلّا وَلَدَه، فقال الله: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبَ﴾
تَوَدّوني بقَرابَتي منكم، ونَحفَظُوني في ذلك.
وفيه قول ثالث أخرجه أحمد (٢٤١٥) من طريق مجاهد عن ابن عبّاس أيضاً: أنَّ
النبيّ ◌َِّ قال: ((﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمُ عَيْهِ أَجْرًا﴾ على ما جِئْتُكم به من البَيِّئَات والهُدَى إلّا أن
تَقَرَّبوا إلى الله بطاعَتِه)) وفي إسناده ضعف، وثَبَتَ عن الحسن البصريّ نحوُه، والأجر
على هذا تجاز.
وقوله: ((القُربَى)) هو مصدر كالزّلفَى والبُشرَى بمعنى القَرَابة، والمراد: في أهل القُربَى،
وعَبَّرَ بلفظ ((في)) دونَ اللّام كأنَّه جعلهم مكاناً للمَوَدّة ومَقَرّاً لها، كما يقال: لي في آلِ فلان
هَوّى، أي: هم مكان هَوايَ، ويحتمل أن تكون ((في)) سببيَّة، وهذا على أنَّ الاستثناء
مُتَّصِل، فإن كان مُنقَطِعاً فالمعنى: لا أسألكم عليه أجراً قَطُّ، ولكن أسألكم أن تَوَدّوني بسبب
قَراتی فیکم.
٤٣- سورة حمّ الزُّخرُف
بِسْمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
﴿عَلَى أُمَّةٍ ﴾ [٢٢، ٢٣]: على إمام.
﴿وَقِيلِهِ، يَرَبٍ﴾ [٨٨]: تَفْسِيرُه: أَحِسَبُون أَنَّا لا نسمعُ سِرَّهُمْ ونَجْوَاهُم ولا نَسْمَعُ قِيلَهم.
وقال ابنُ عبّاسِ: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً ﴾ [٣٣]: لولا أنْ جَعَلَ الناسَ كلَّهم
كفَّاراً، لجعلتُ لبيوتِ الكفَّار سُقُفاً ومَعَارِجَ من فِضّةٍ - وهي دَرَجٌ - وسُرُرَ فِضّةٍ.
﴿مُقْرِنِينَ﴾ [١٣]: مُطِيقِينَ.
﴿ءَاسَفُونَا ﴾ [٥٥]: أسخَطُونا.

٢٤٢
سورة الزخرف
فتح الباري بشرح البخاري
﴿﴿يَعْشُ﴾ [٣٦]: يَعْمَى.
وقال مجاهدٌ: ﴿ أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ﴾ [٥]: أي: تُكذِّبونَ بالقرآنِ ثمَّ لا تُعاقَبونَ
عليه؟
﴿وَمَضَى مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [٨]: سُنّةُ الأوَّلينَ.
﴿مُقْرِنِينَ﴾ [١٣]: يعني: الإبلَ والخيلَ والبِغالَ والحميرَ.
﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُأَ فِى الْحِلْيَةِ﴾ [١٨]: الجَوَاري، يقول: جَعَلْتُموهنَّ الرَّحمنِ ولداً، فكيفَ
◌َحكمونَ؟
﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾ [٢٠]: يَعِنُونَ الأوثانَ، وقال: يقولُ الله تعالى: ﴿مَّا
لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [٢٠]: الأوثانُ إِنَّهم لا يَعْلَمونَ.
فِىعَقِبِهِ،﴾ [٢٨]: ولدِه.
﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ [٥٣]: يَمْشونَ معاً.
◌َسَلَفًا﴾ [٥٦]: قومُ فِرْعَونَ سَلَفاً لكفَّار أمّةٍ محمَّدٍ وَهِ.
﴿ وَمَثَلَا ﴾ [٥٦]: عِبْرةً.
﴿يَصِدُّونَ﴾ [٥٧]: يَضِجّونَ.
﴿مُبْرِمُونَ﴾ [٧٩]: مُجمِعونَ.
﴿أَوَّلُ الْعَمِدِينَ﴾ [٨١): أوَّلُ المؤمنينَ.
وقال غيرُه: ﴿إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [٢٦]: العربُ، تقولُ: نحنُ منكَ البِرَاءُ، والخَلاءُ،
والواحدُ والاثنان والجميعُ منَ المذكَّرِ والمؤَّثِ يقال فيه: بَراءٌ، لأنَّه مَصْدَرٌ، ولو قيلَ: بَرِيءٌ،
القيلَ في الاثنَينِ: بَرِيئانٍ، وفي الجميعِ: بَرِيتُونَ، وقرأ عبدُ الله: ((إِنَّنِي بَرِيءُ)) بالياءِ.
والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ.
مَّلَئِكَّةً فِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: يَخْلُفُ بعضُهم بعضاً.

٢٤٣
سورة الزخرف
كتاب التفسير
قوله: ((سورةُ حمّ الزُّخْرُف - بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)).
قوله: (﴿عَلَىَّ أُمَّتِ﴾: على إمام)) كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ:/ وقال مجاهد، فذكره، ٥٦٦/٨
والأوَّل أَولى، وهو قول أبي عُبيدة، وروى عبد بن محُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد
في قوله: ﴿عَلَّ أُمَّةٍ﴾ قال: على مِلّة، وروى الطَّبَريُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن
عبَّاس في قوله: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾، أي: على دِينٍ، ومن طريق السُّدِّيِّ مِثلَه.
قوله: ((﴿وَقِيلِهِ، يَرَبٍ﴾ تفسيره: أنَحِسَبونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُم ونَجْوَاهُم ولا نَسْمَعُ
قِيلَهم)) قال ابن التِّين: هذا التَّفسير أنكَرَه بعضهم، وإنَّما يَصِحُ لو كانت التِّلاوة: ((وقِيلهم))،
وقال أبو عبيدة: ((وقِيلَه)) منصوب في قول أبي عَمْرو بن العلاء على: نَسمَع سِرَّهم
ونَجْواهم وقِيلَه، قال: وقال غيره: هي في موضع الفِعل، أي: ويقول، وقال غيره: هذا
التَّفسير محمول على أنَّه أراد تفسير المعنى، والتَّقدير: ونعلمُ(١) قِيلَه، فحُذِفَ العامل، لكن
يَلْزَم منه الفصل بين المتعاطِفَينِ بجُمَلٍ كثيرة.
وقال الفَرّاء: مَن قرأ ((وقِيلَه)) فنَصَبَ تَّجُوَّز من قوله: نَسمَع سِرَّهم ونَجْواهم ونسمع
قيلَهم، وقد ارتَضَى ذلك الطَّبَرُّ، وقال: قرأ الجمهور ((قيلَه)) بالنَّصب عَطفاً على قوله: ﴿ أَمَ
يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ﴾ والتَّقدير: ونَسمَع قيلَه يا رَبِّ، وبهذا يَندَفِعِ اعتراضُ
ابن التِّين وإلزامُه، بل يَصِحّ والقراءة ((وقيله)) بالإفراد، قال الطَّبَريُّ: وقراءة الكوفيّينَ
و(قيلِه)) بالجرِّ على معنى: وعندَه عِلمُ الساعةِ وعِلمُ قِيلِه، قال: وهما قراءتان صحيحتا
المعنى، وسيأتي أواخرَ هذه السّورة أنَّ ابن مسعود قرأ: ((وقالَ الرسولُ يا ربِّ)» في موضع
﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ﴾. وقال بعض النَّحوّينَ: المعنى: إلّا مَن شَهِدَ بالحقِّ وقال قيلَه: يا رَبّ إنَّ
هؤلاءِ قوم لا يُؤْمِنونَ، وفيه أيضاً الفصلُ بينَ المتعاطِفَينِ بجُمَلٍ كثيرة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾ ... )) إلى آخره، وَصَلَه
الطَّبَرِيُّ (٦٨/٢٥) وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس بلفظه مُقَطَّعاً،
(١) في (س): ونسمع.

٢٤٤
سورة الزخرف
فتح الباري بشرح البخاري
وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: أمّة واحدة كفَّاراً، وروى الطَّبَريُّ من طريق عَوْف
عن الحسن في قوله: ﴿وَلَوَّلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ قال: كَفَّاراً يَميلونَ إلى الدُّنيا،
قال: وقد مالَت الدُّنيا بأكثرِ أهلها وما فُعِلَ، فكيف لو فُعِلَ.
قوله: (﴿مُقْرِنِينَ﴾: مُطِيقينَ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٥٥/٢٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة
عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ، مُقْرِنِينَ﴾ قال: مُطيقينَ. وهو بالقاف، ومن طريق
السُّدِّي مِثله، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ، مُقْرِنِينَ﴾ لا في الأيدي
ولا في القوّة.
قوله: ((﴿ءَاسَفُونَا﴾: أسخَطُونا)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن
ابن عبّاس في قوله: ﴿ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ قال: أسخَطونا. وقال عبد الرَّزاق: سمعت ابن
جُرَيج يقول: ﴿مَاسَفُونَا﴾: أغضَبُونا. وعن سِمَاك بن الفضل عن وَهْب بن مُنبِّه مِثله،
وأورَدَه في قِصّة له معَ عُرْوة بن محمّد السَّعْديّ عامل عمر بن عبد العزيز على اليمن.
قوله: (﴿يَعْشُ﴾: يَعْمَى)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق شَبيب بن بِشْر عن عِكْرمة عن
ابن عبّاس في قوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ قال: يَعمَى. وروى الطََّرِيُّ من طريق
السُّدِّيِّ قال: ﴿ وَمَن يَعْثُ﴾، أي: يُعرِض، ومن طريق سعيد عن قَتَادة مِثلَه، قال الطَّبَرِيُّ:
مَنْ فَسَّرَ (يَعشُ)) بمعنى: يَعمَى، فقراءته بفتح الشّين. وقال ابن قُتَيبة: قال أبو عُبيدة:
قوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ﴾ بضمِّ الشّين، أي: تُظلِم عينُه، وقال الفَرّاء: يُعرِض عنه، قال: ومَن قرأ
(يَعشَ) بفتح الشّين أراد تَعمَى عينه، قال: ولا أرَى القول إلّا قول أبي عبيدة، ولم أرَ أحداً يُحيز
عَشَوتُ عن الشَّيء: أعرَضتُ عنه، إنَّما يقال: تَعاشَيتُ عن كذا: تَغْافَلتُ عنه، ومثله: تَعامَيت.
وقال غيره: عَشِيَ: إذا مَشَى بَصَرِ ضعيف، مِثْلُ عَرِجَ: مَشَى مِشيةَ الأعرج.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أي: تُكذِّبونَ بالقرآنِ ثمَّ لا
تُعاقَبونَ عليه؟)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظِهِ، وروى الطََّرُّ
من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عبّاسٍ قال: أفحَسِبتُم أن نَصفَحَ عنكم ولم تَفْعَلوا ما أُمِرتُم به؟

٢٤٥
سورة الزخرف
كتاب التفسير
قوله: ((﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: سُنّة الأوَّلينَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهدٍ في / قوله: ٥٦٧/٨
﴿وَمَضَى مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ قال: سُنَّتُهم، وسيأتي له تفسير آخرُ قريباً.
قوله: (﴿مُقْرِنِينَ﴾: يعني: الإبلَ والخيلَ والبغالَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد بلفظه وزادَ:
والحَمير(١). وهذا تفسيرُ المراد بالضَّمير في قوله: (له))، وأمَّا لفظ ﴿مُقْرِنِينَ﴾ فتقدَّم معناه
قريباً.
قوله: ((﴿أَوَمَن يُنَشَّؤَّا فِى الْحِلْيَةِ﴾: الجَواري، يقول: جَعَلْتُمُوهُنَّ للَّحمنِ ولداً، فكيفَ
تَحَكُمونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد بلفظه، والمعنى أنَّه تعالى أنكَرَ على الكفَّار الذينَ زَعَموا
أنَّ الملائكة بناتُ الله فقال: ﴿ أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ بِالْبَنِيِنَ﴾ وأنتم تَقُتونَ
البناتِ وتَنِفِرونَ منهنَّ حتَّى بالَغْتُم في ذلك فوأَدتُوهُنَّ، فكيفَ تُؤثِرونَ أنفُسَكم بأعلى
الجُرْأينِ وتَدَعونَ له الجزءَ الأدنَى، معَ أنَّ صفة هذا الصِّنف - الذي هو البنات - أنَّها تُنشَّأ
في الحِلْية والزّينة المُفضِيَة إلى نقص العقل وعَدَم القيام بالحُجّة.
وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿أَوَمَن يُنَشَّوَّأْ فِى الْحِلْيَةِ﴾ قال:
البنات ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ قال: فما تَكلَّمَت المرأة تريد أن تَكلَّمَ بحُجّةٍ لها إلّا
تَكلَّمَت بحُجّةٍ عليها.
تنبيه: قرأ ((يَنشَأُ)) بفتح أوَّله ◌ُفَّفاً الجمهورُ، وحمزةُ والكِسائيّ وحفص بضمٍّ أوَّله
مُثقَّلاً، والجَحدَريّ مِثْلَه ◌ُنَّقاً.
قوله: (﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾: يَعْنونَ الأوثان، يقول الله تعالى: ﴿مَّا لَهُم
بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الأوثان إنَّهم لا يَعْلَمونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد في قوله:
وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُم﴾ قال: الأوثان، قال الله: ﴿مَّالَّهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ
إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ما يعلمونَ قُدرةَ الله على ذلك. والضَّمير في قوله: ﴿مَّالَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾
(١) هذه الزيادة ثابتة في روايات البخاري المعتمدة في النسخة اليونينية على ما في ((إرشاد الساري)) والطبعة
السلطانية للبخاري.

٢٤٦
سورة الزخرف
فتح الباري بشرح البخاري
للكفَّار، أي: ليس لهم عِلمٌ بما ذَكَروه من المَشِيئة ولا بُرهانَ معهم على ذلك، إنَّما يقولونه
ظنّاً وحُسباناً، أو الضَّميرُ للأوثان، ونَّلهم مَنِزِلَةَ مَن يَعْقِل، ونَفَى عنهم عِلمَ ما يصنع
المشركونَ من عِبادَتِهِم.
قوله: ((﴿فِ عَقِبِهِ،﴾: ولِدِه)) وَصَلَه عبدُ بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد
بلفظه، والمراد بالولدِ الجِنسُ حتَّى يَدخُلَ فيه ولدُ الولد وإن سَفَلَ. وقال عبد الرَّزّاق: ﴿فِى
عَقِبِهِ﴾: لا يزال في ذُرِيَّته مَن يُوحِّد الله عزَّ وجلَّ.
قوله: (﴿مُقْتَرِنِينَ﴾: يَمْثُونَ معاً) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَوْ جَلَ مَعَهُ
اُلْمَلَئِكَةُ مُفْتَرِنِينَ﴾ يمشونَ معاً. وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة: يعني
مُتَتَابِعِينَ.
قوله: ((﴿سَلَفًا﴾: قومُ فِرْعَون سَلَفاً لكفَّار أمّة محمَّد)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد
قال: هم قوم فِرِعَون، كفَّارُهم سَلَفاً لكفَّار أمّة محمَّد.
قوله: ((﴿ وَمَثَلًا﴾: عِبْرةً)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهدٍ بلفظه وزاد: لمن بعدهم.
قوله: (﴿يَصِدُّونَ﴾: يَضِجّونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ والطَّبَرِيُّ (٨٦/٢٥) عن مجاهد
بلفظه، وهو قول أبي عُبيدة وزادَ: ومَن ضَمَّها فمعناه: يَعدِلونَ. وروى الطَّبَرِيُّ من طريق
عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، ومن طريقٍ آخر عن ابن عبّاس، ومن طريق سعيد عن
قَتَادة في قوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قال: يَضِجّونَ. وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن عاصم:
أخبَرني زِرّ - هو ابن حُبَيشٍ -: أنَّ ابن عبّاس كان يقرؤُها ﴿يَصِدُّونَ ﴾ - يعني بكسر
الصّاد - يقول: يَضِجّونَ. قال عاصم: وسمعتُ أبا عبد الرَّحمن السُّلَمَيّ يقرؤها بضمِّ الصّاد.
فبالكسرِ معناه: يَضِجّ، وبالضَّمِّ معناه: يُعرِض. وقال الكِسائيّ: هما لُغَتان بمعنَى. وأَنكَرَ
بعضهم قراءة الضَّمّ، واحتَجَّ بأنَّه لو كانت كذلك لكانت ((عنه))، لا ((منه))، وأُجيبَ بأنَّ
المعنى: منه، أي: من أجلِهِ، فَيَصِحّ الضَّمُّ، وروى الطََّرِيُّ (٨٦/٢٥) من طريق أبي يحيى عن
ابن عبّاس: أنَّه أنكَرَ على عُبيد بن عُمَير قراءته ((يَصُدُّون)) بالضَّمِّ.

٢٤٧
سورة الزخرف
كتاب التفسير
قوله: ((﴿مُبْرِمُونَ﴾: مُجمِعونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهدٍ بلفظه، وزاد: إن كادوا شَرّاً
كِدْناهم مِثلَه.
قوله: (﴿أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾: أوَّل المؤمنينَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد بلفظ: أوَّل المؤمنينَ بالله
فقولوا ما شِئْتُم، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: قوله:
﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ يقول: فأنا أوَّل مَن عَبَدَ اللهَ ووَخَدَه(١)، وکفرَ بما تقولون. وروى
الطََّرِيُّ من طريق محمَّد بن ثَوْر عن مَعمَر بسندِه قال: قُل: إن كان للَّحمنِ ولد في زَعمِكُم،
فأنا أوَّل مَن عَبَدَ الله وحدَه وكَذَّبَكُم. / وسيأتي له بعدَ هذا تفسیرٌ آخر.
٥٦٨/٨
قوله: ((وقال غيره: ﴿إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾، العرب تقول: نحنُ مِنْك البَرَاءُ والخَلاءُ،
والواحدُ والاثنانِ والجميع من المذَكَّر والمؤنَّث سواءٌ، يقال فيه: براءٌ، لأنَّه مَصْدَر، ولو قيل:
بَرِيء، لَقيلَ في الاثنَينِ: بَريئانٍ، وفي الجميع: بريؤُونَ)) قال أبو عُبيدة: قوله: ﴿إِنَّنِى بَرَآءٌ﴾
تَجَازُها لغةٌ عالية يجعلونَ الواحدَ والاثنَيْنِ والثلاثة من المذَكَّرِ والمؤنَّث على لفظ واحدٍ، وأهلُ
نَجِدٍ يقولون: أنا بريء وهي بريئة، ونحنُ بَراءٌ.
قوله: ((وقرأ عبد الله: إنَّني بَرِيءٌ، بالياءِ)) وَصَلَه الفضل بن شاذانَ في ((كتاب القراءات))
بإسناده عن طلحة بن مُصرِّف عن يحيى بن وَثّاب عن عَلْقمة عن عبد الله بن مسعودٍ.
قوله: ((والزُّخْرُف: الذَّهَب)) قال عبدُ بن حُميدٍ: حدَّثنا هاشم بن القاسم، عن شُعْبة، عن
الحكم، عن مجاهد قال: كنَّا لا ندري ما الزُّخرُفُ حتَّى رأيتُها في قراءة عبد الله - أي: ابن
مسعود -: ((أو يكون لك بيت من ذهبٍ)). وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله:
﴿ وَزُخْرُفًا﴾ قال: الذَّهَب. وعن مَعمَر عن الحسن مِثْلُه.
قوله: (﴿ مَلَتِكَةً فِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: يَخْلُفُ بعضُهم بعضاً)) أخرجه عبد الرَّزّاق عن
مَعمَر عن قَتَادة، وزاد في آخره: مكانَ ابنِ آدم.
(١) في (س): وحده.

٢٤٨
سورة الزخرف/ ح ٤٨١٩
فتح الباري بشرح البخاري
١ - باب قوله:
﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الآية [الزخرف: ٧٧]
٤٨١٩- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينَةَ، عن عَمرِو، عن عطاءٍ، عن
صَفْوانَ بنِ يَعْلَى، عن أبيه قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقرأُ على المِنْبِ: ﴿ وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَفْضِ عَلَيْنَا
رَبُّكَ﴾.
وقال قَتَادةُ: ﴿ مَثَلًا لِلْآَخِرِينَ﴾ [٥٦]: عِظةً لمن بعدهم.
وقال غيرُه: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ [١٣] ضابطِينَ، يقال: فلانٌ مُقْرِنٌ لِفلانٍ: ضابطٌ له.
والأكوابُ: الأباريقُ التي لا خَرَاطِيمَ لها.
وقال قَتَادةُ: ﴿فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ ﴾ [٤]: ◌ُمْلةِ الكتاب، أصلِ الكتاب.
﴿أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ [٨١): أي: ما كان فأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، وهما لُغَتان: رجلٌ عابدٌ وعَبِدٌ.
وقرأَ عبدُ الله: وقالَ الرسولُ يا ربِّ [٨٨].
ويقال: ﴿أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾: الجاحدِينَ، من عَبِدَ يَعبَدُ.
﴿ أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]: مُشِرِكِين،
والله لو أنَّ هذا القرآنَ رُفِعَ حيثُ رَدَّه أوائلُ هذه الأُمَّةِ لَهَلَكُوا.
فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [٨]: عُقوبةُ الأوَّلينَ.
﴿جُزْءًا﴾ [١٥]: عِدْلاً.
قوله: ((باب قوله: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ﴾)) ظاهرها أنَّهم بعدما طالَ إبلاسُهم تَكلَّموا،
والمُبلِسُ: الساكِتُ بعدَ اليأس من الفَرَج، فكان فائدة الكلام بعدَ ذلك حصولَ بعض
فرجٍ لطول العَهْد، أو النِّداءُ يقع قبلَ الإبلاس، لأنَّ الواو لا تَستَلِزِم ترتيباً.
قوله: (عن عَمْرو» هو ابن دینارٍ.
قوله: ((عن صَفْوان بن يَعْلَى عن أبيه)» هو يَعْلى بن أُميَّةَ المعروف بابنِ مُنْيَةً.

-
كتاب التفسير
سورة الزخرف / ح ٤٨١٩
٢٤٩
قوله: ((يقرأ على المِبَرَ: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ﴾)) كذا للجميع بإثبات الكاف، وهي قراءة
الجمهور، وقرأ الأعمَش: ((ونادَوُا يا مالٍ)) بالتَّرخيمِ، ورُوِيَت عن عليّ، وتقدَّم في بَدْء
الخلق (٣٢٣٠) أنَّها قراءة ابن مسعود، قال عبد الرَّزّاق: قال الثّوريّ: في حرف ابن
مسعود: ((ونادَوْا يا مالٍ))؛ يعني بالتَّرخيم. وبه جَزَمَ ابن عُيَينةَ، ويُذكَر عن بعض السَّلَف
أَنَّه لمَّا سمعَها قال: ما أشغَلَ أهلَ النار عن الثَّرخيم. وأُجيبَ باحتمال أنَّهم يَقْتَطِعونَ بعض
الاسم لضعفھم وشِدّة ما هم فيه.
قوله: ((وقال قَتَادةُ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ﴾: عِظَةً لمن بعدَهم)) قال عبد الرَّزّاق (١٩٧/٢)
عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾: أغضَبُونا ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا﴾ قال: إلى
النار ﴿ وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ﴾ قال: عِظةً للآخِرِينَ.
قوله: ((وقال غيرُه: ﴿مُقْرِنِينَ﴾: ضابطِينَ، يقال: فلانٌ مُقْرِنٌ لفلانٍ: ضابطٌ له)) هو قول
أبي عُبيدة، واستَشْهَدَ بقولِ الكُمَيت:
ولستُم للصِّعابِ مُقرِنينا
قوله: ((والأكوابُ (١): الأباريق التي لا خَراطيمَ لها)) هو قول أبي عُبيدة بلفظه، وروى الطَّريُّ ٥٦٩/٨
من طريق السُّدِّيِّ قال: الأكوابُ: الأباريق التي لا آذانَ لها.
قوله: ((وقال قَتَادَةُ: ﴿فِيَّ أُمِّ الْكِتَبِ﴾: ◌ُملةِ الكتابِ، أصلِ الكتاب)) قال عبد الرَّزّاق
(٢/ ١٩٤) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِّ أُمِّ الْكِتَبِ ﴾ قال: في أصلِ الكتاب
وجُلَتِهِ.
قوله: ((﴿أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ أي: ما كان فأنا أوَّل الآنِفِينَ، وهما لُغَتان: رَجَلٌ عابدٌ وَعِدٌ)).
وأخرج الطََّرَيُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: يقول: لم يكن للرَّحمنِ
ولدٌ. ومن طريق سعيد عن قَتَادة قال: هذه كلمةٌ في كلام العرب، إن كان للرَّحمنِ ولد،
أي: أنَّ ذلك لم يكن. ومن طريق زيد بن أسلَمَ قال: هذا معروف من قول العرب: إنْ
(١) يعني في قوله تعالى: ﴿يُطَاقُ عَلَيِّهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١].

٢٥٠
سورة الزخرف/ ح ٤٨١٩
فتح الباري بشرح البخاري
كان هذا الأمر قَطُّ، أي: ما كان. ومن طريق السُّدِّيِّ ((إنْ)) بمعنى (لو))، أي: لو كان
للرَّحمنِ ولد كنت أوَّلَ مَن عَبَدَه بذلك، لكن لا ولدَ له، وَرَجَّحَه الطَّبَريّ. وقال أبو
عُبيدة: ((إنْ)) بمعنى ((ما)) في قولٍ، والفاء بمعنى الواو، أي: ما كان للرَّحمنِ ولد وأنا أوَّل
العابدینَ.
وقال آخرونَ: معناه: إن كان للرَّحمنِ في قولِكم ولد، فأنا أوَّل العابدينَ، أي:
الكافرينَ بذلك والجاحدينَ لمَا قلتُم، والعابدينَ من: عَبِدَ، بكسر الباء، يَعبَد بفتحها،
قال الشّاعر:
أولئكَ قَوْمي إِنْ هَجَوني هَجَوتُهم وأَعبَدُ أن أهجُو كُلَيباً بدارِمِ
أي: أمْتَنِعِ، وأخرج الطََّرُّ أيضاً عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وَهْب: عَبِدَ معناه:
استَنْكَفَ، ثمَّ ساقَ قِصّة عن عمر في ذلك. وقال ابن فارس: عَبَدٌ بفتحَتَينِ بمعنى: عابِد،
وقال الجَوْهريّ: العَبَد بالتَّحريكِ: الغضب.
قوله: ((وقرأ عبد الله: وقالَ الرسولُ يا ربِّ)) تقدَّمت الإشارة إلى إسناد قراءة عبد الله:
وهو ابن مسعود، وأخرج الطَّبَرِيُّ من وجهَينِ عن قَتَادة في قوله: ﴿ وَقِيلِهِ، يَرَبِّ ﴾ قال:
هو قول الرَّسول ◌َلّ.
قوله: «ويقال: ﴿ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾: أوَّلُ الجاحدينَ، من: عَبِدَ يَعْبَد)) وقال ابن التِّين: كذا
ضَبَطوه، ولم أرَ في اللَّغة عَبِدَ بمعنى: جَحَدَ. انتهى، وقد ذكرها الفِرَبريّ.
تنبيه: ضُبطَت عَبِدَ يَعبَد هنا بكسر الموحّدة في الماضي وفتحها في المستقبل.
قوله: ((﴿أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: مُشْرِكينَ،
والله لو أنَّ هذا القرآن رُفِعَ حيثُ رَدَّه أوائل هذه الأُمّة لهلكوا)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق
سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة بلفظه، وزادَ: ولكنَّ الله عادَ عليهم بعائدَتِه ورحمتِهِ فگَرَّرَه
علیهم ودَعَاهم إليه.
قوله: (﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: عُقوبةُ الأَوَّلِينَ)) وَصَلَه

٢٥١
سورة الدخان
كتاب التفسير
عبدُ الرَّزّاق (١٩٤/٢) عن مَعمَر عن قَتَادة بهذا.
قوله: (﴿جُزْءًا﴾: عِدْلاً)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٩٥/٢) عن مَعمَر عن قَتَادة بهذا، وهو
بكسر العينِ. وكذا أخرجه البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (١٦٨) من طريق سعيد
ابن أبي عَرُوبة عن قَتَادة مِثْلَه، وأمَّا أبو عبيدة فقال: جُزءاً، أي: نصيباً. وقيل: جُزءاً: إناثاً،
تقول: أَجزأَتِ المرأةُ: إذا أتت بأُنْثَى.
٤٤ - سورة حمّ الدّخانِ
بِسْمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال مجاهدٌ: ﴿رَهْوًا﴾ [٢٤]: طريقاً يابساً، ويقال: رَهْواً: ساكناً.
٥٧٠/٨
﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [٣٢]: على مَن بينَ ظَهْرَيه.
﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ﴾ [٥٤]: أنكَحْناهم حُوراً عِيناً يَحارُ فيها الطَّرْفُ.
((اعتِلُوهُ)) [٢٧]: ادفَعُوه.
ويقال: ﴿أَنْ تَرْجُنِ﴾ [٢٠]: القتلُ.
ورَهْواً: ساكناً.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿ كَلْمُهْلِ﴾ [٤٥]: أسوَدُ كُمُهْلِ الزَّتِ.
وقال غيرُه: ﴿تُبَّع﴾ [٣٧]: ملوكُ اليَمَنِ، كلُّ واحدٍ منهم يُسمَّى تُبَّعاً، لأنَّه يَتَبَعُ صاحبه،
والظُّلُّ يُسمَّى تُبَّعاً، لأنَّه يَتَبَعُ الشمسَ.
قوله: ((سورة حمّ الدُّخان - بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت ((سورة)) والبسملة لغير أبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿رَهْوًا﴾: طريقاً يابساً، ويقال: رَهْواً: ساكناً)) أمَّا قولُ مجاهد فوَصَلَه
الفِرْيابيُّ من طريقه بلفظه وزاد: كهيئتِهِ يومَ ضربه، يقول: لا تأمُرْه أن يرجع بل اتركه حتَّى
يَدخُل آخرهم (١). وأخرجه عبد بن حُميدٍ من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿رَهْوًا ﴾ قال:
(١) في الأصلين و(س): آخره، بإفراد الضمير، والمثبت من ((تغليق التعليق)) ٣١٠/٤، وهو الصواب، أي:
حتى يدخل آخر آل فرعون.

٢٥٢
سورة الدخان
فتح الباري بشرح البخاري
مُنفرِجاً(١)، وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة: عَطَفَ موسى ليَضرِبَ البحر ليَلَئِم،
وخافَ أن يَتَبَعَه فِرعَونُ وجنوده، فقيلَ له: اترُكِ البحر رهواً، يقول: كما هو طريقاً يابساً،
إنَّهم جندٌ مُغرَقونَ.
وأمَّا القول الآخر فهو قول أبي عبيدة، قال في قوله: ﴿ وَآَتْرُكِ اَلْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي: ساكناً،
يقال: جاءت الخيلُ رَهواً، أي: ساكنة، وأرْهِ على نفسِك، أي: ارفُقْ بها، ويقال: عيشٌ راهٍ.
وسَقَطَ هذا القول هنا لغير أبي ذرٍّ، وإثباته هو الصَّواب.
قوله: (﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾: على مَن بِينَ ظَهْرَيهِ)) هو قول مجاهد أيضاً، وَصَلَه
الفِرْيابيُّ عنه بلفظ: فضَّلناهم على مَن هم بينَ ظَهرَيه، أي: على أهل عصرهم.
قوله: (﴿ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾: أنكَحْناهم حُوراً عِيناً تَجَارُ فيها الطَّرْفُ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ
من طريق مجاهد بلفظ: أنكحناهم الحورَ التي يَجارُ فيها الطَّرف، يَبانُ مُخّ سُوقِهِنَّ من وراءِ
ثيابهنَّ، ويَرَى الناظرُ وجهه في كَبِد إحداهُنَّ كالمرآة من رِقّة الجلد وصَفَاء اللَّونِ.
قوله: ((اعْتِلوه: ادفَعُوه)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد، وقال في قوله: ﴿خُذُوهُ
فَأَعْتِلُوهُ ﴾ قال: ادفَعُوه.
قوله: ((ويقال: ﴿أَنْ تَرْجُونِ﴾: القتلُ)) سَقَطَ ((ويقال)) لغير أبي ذرِّ فصارَ كأنَّه من كلام
مجاهد، وقد حكاه الطَّبَرَيُّ ولم يُسمِّ مَن قالَه، وأورَدَ من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عبّاس: أنَّه
بمعنى الشَّتْم، وروى عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿تَرْجُوُنِ﴾ قال: بالحجارة،
واختارَ ابن جَرِير حمَلَ الرَّجم هنا علی جمیع مَعانِیه.
قوله: ((ورَهْواً: ساكناً) كذا لغير أبي ذرِّ هنا، وقد تقدَّم بيانُه في أوَّل السّورة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿كَالْمُهْلِ﴾: أسوَدُ كُمُهْلِ الزَّيت)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من
طريق مُطرِّف عن عَطيَّةٍ: سُئِلَ ابن عبّاس عن المُهْلِ، قال: شيء غليظ كدُرْديِّ الَّيت.
وقال اللَّيث: المُهْل ضربٌّ من القَطِران، إلّا أنَّه رقيق شبيهٌ بالزَّيتِ يَضرِب إلى الصُّفرة،
(١) قوله: ((قال: منفرجاً)) سقط من (س).

٢٥٣
سورة الدخان
كتاب التفسير
وعن الأصمَعيّ: المَهْل بفتح الميم: هو الصَّديد وما يَسِيل من المَيِّت، وبالضَّمِّ: هو عَكَر
الزَّيت، وهو كلّ شيءٍ يَتَحاتُّ عن الجَمْر من الرَّماد. وحَكَى صاحب ((المحكَم)) أنَّه خَبَثُ
الجواهر الذَّهَبِ وغيرِهِ. وقيل في تفسير المُهْل أقوال أُخرى، فعندَ عبد بن حُميدٍ عن سعيد
ابن جُبَير: هو الذي انتهى حَرُّه، وقيل: الرَّصاص المذاب أو الحديد أو الفِضّة، وقيل: السُّمّ،
وقيل: خُشَارُ الَّيت(١)، وعندَ أحمد (١١٦٧٢) من حديث أبي سعيد في قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ ﴾
قال: كعَكَرِ الَّيت إذا قَرَّبَه إليه سَقَطَت فروةُ وجهه فيه.
قوله: ((وقال غيره: ﴿ُبَّع﴾: ملوكُ اليَمَن، كلُّ واحد منهم يُسمَّى تُبَّعاً لأنَّه يَتَبَع صاحبه،
والظِّ يُسمَّى تُبَّعاً، لأَنَّه يَتَبَع الشمسَ)) هو قول أبي عبيدة بلفظه، وزادَ: وموضع تُبَّع في الجاهليَّة
موضع الخليفة في الإسلام، وهم ملوك العرب الأعاظم.
وروى عبد الرَّزّاق(٢) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: قالت عائشة: كان تُبَّع رجلاً صالحاً.
قال مَعمَر: وأخبرني تميم بن عبد الرَّحمن أنَّه سمعَ سعيد بن جُبَير يقول: إنَّه كَسَا البيت،
ونَهَى عن سَبِّه. وقال عبد الرَّزّاق: أخبرنا بكّارُ بن عبد الله(٣) سمعتُ وَهْب بن مُنبِّه يقول:
خَى النبيُّ وَّهِ عن سَبّ أسعَدَ وهو تُبَّع؛/ قال وَهْب: وكان على دين إبراهيم. وروى أحمد ٥٧١/٨
(٢٢٨٨٠) من حديث سَهْل بن سعد رَفَعَه: ((لا تَسُبّوا تُبَّعاً فإنَّه كان قد أسلَمَ))، وأخرجه
الطبرانيُّ (١١٧٩٠) من حديث ابن عبّاس مِثله، وإسناده أصلَحُ من إسناد سهل.
وأمَّا ما رواه عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن ابن أبي ذِئْب، عن المقبُريِّ، عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((لا أَدري تُبَّعاً كان لَعيناً أم لا))، وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم (٣٦/١ ١٤/٢)
والدَّارَقُطنيّ وقال: تفرَّد به عبد الرَّزّاق(٤)، فالجمع بينَه وبينَ ما قبلَه أنَّهِ وَّوَ أُعلمَ بحاله
(١) أي: رديئه، والخُشَارة: الرديءُ من كل شيء.
(٢) في ((تفسيره)) ٢/ ٢٠٨.
(٣) وقع في الأصلين و(س): بكار بن عبد الرحمن، وهو سبق قلم من الحافظ رحمه الله، وصوابه ما أثبتنا، وله
ترجمة في ((تعجيل المنفعة)) (٩٧) للحافظ ابن حجر.
(٤) وأخرجه أبو داود (٤٦٧٤) أيضاً من طريق عبد الرزاق، وروي من غير طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن
أبي ذئب عن الزهري عن النبي وَ لِّ مرسلاً، وهو أصحُّ كما قال البخاري في ((تاريخه الكبير)) ١٥٣/١.

٢٥٤
سورة الدخان/ ح ٤٨٢٠-٤٨٢١
فتح الباري بشرح البخاري
بعدَ أن كان لا يَعلَمُها، فلذلك نَهَى عن سَبِّ خَشْية أن يُبادِرَ إلى سَبّه مَن سمع الكلامَ
الأوَّل.
١ - بابٌ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]
﴿ فَرْتَقِبْ﴾: فانتَظِرْ.
٤٨٢٠- حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن مسلمٍ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ الله
قال: مضى خمسٌ: الدُّخانُ، والزُّومُ والقمرُ، والبَطْشَةُ، واللّزَامُ.
قوله: ((بابٌ ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، فارتَقِبْ: فانتَظِرِ)) كذا لأبي ذرٍّ،
وفي رواية غيره: ((وقال قَتَادُ: فارتَقِب: فانتَظِرِ))، وقد وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق شَيْبانَ
عن قَتَادة به.
قوله: ((عن الأعمش، عن مسلم)) هو ابن صُبَيح - بالتَّصغير - أبو الضُّحَى كما صَرَّحَ به
في الأبواب التي بعده، وقد تَرجَمَ لهذا الحديث ثلاث تَراجِمَ بعد هذا وساقَ الحديث بعينِه
مُطوَّلاً ومختصراً، وقد تقدَّم أيضاً في تفسير الفُرقان مختصراً (٤٧٦٧)، وفي تفسير الرّوم
(٤٧٧٤) وتفسير صَ (٤٨٠٩) مُطوَّلاً.
٢ - بابٌ ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١١]
٤٨٢١ - حدَّثنا يحيى، حدَّثنا أبو معاويةً، عن الأعمَشِ، عن مسلم، عن مَسْروقٍ قال: قال
عبدُ الله: إنَّما كان هذا لأنَّ قُرَيشاً لمَّا استَعْصَوْا على النبيِّ ◌َّزِدَعَا عليهم بسِنينَ كِنِي يوسفَ،
فأصابهم قَحْطُ وجَهْدُ حتَّى أكَلُوا العِظامَ، فجَعَلَ الرجلُ يَنظُرُّ إلى السماءِ، فَيَرَى ما بينَه وبينَها
يَغْشَى
١٠
كهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِن الجَهْدِ، فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ
النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: فَأَتِيَ رسولُ اللهِ وَه فقيل له: يا رسولَ الله، استَسْقِ اللهَ لمُضَرَ،
فإنَّهَا قد هَلَكَت، قال: ((لِمُضَرَ؟! إِنَّكَ لَجَرِيءٌ)) فاستَسْقَى فسُقُوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَلَبِدُونَ﴾ [١٥]،
فلمَّا أصابتْهُمُ الرَّفَاهيةُ عادوا إلى حالهم حينَ أصابتْهُمُ الرَّفَاهيةُ، فأنزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ
الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِّمُونَ﴾ [١٦] قال: يعني يومَ بَدْرٍ.

٢٥٥
سورة الدخان/ح ٤٨٢١
كتاب التفسير
ويحيى الراوي فيه عن أبي معاوية وفي الباب الذي يَليهِ عن وكيع: هو ابن موسى
البلخيُّ.
وقوله في الطَّريق الأولَى: ((حتَّى أكَلوا العِظام)) زاد في الرِّواية التي بعدها: ((والمَيْتة))، وفي
التي تليها: ((حتَّى أكَلوا المَيْة))، وفي التي بعدها: ((حتَّى أكَلوا العِظامَ والجلود))، وفي رواية
فيها: ((حتَّى أكَلوا الجلودَ والمَيْنة)، وَقَعَ في ◌ُهور الرِّوايات: (المَيْتة)) بفتح الميم وبالتَّحتانيَّة
ثُمَّ المثنّاة، وضَبَطَها بعضهم بنونٍ مكسورةٍ ثُمَّ تحتانيَّة ساكنة وهمزة، وهو الجِلدُ أوَّلَ ما
يُدبَغ، والأوَّل أشھَر.
قوله بعد قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ((قال: فَأَنيَ رسولُ الله)) كذا بضمِّ الهمزة
على البناء للمجهولِ، والآتي/ المذكور هو أبو سفيان كما صَرَّحَ به في الرِّواية الأخيرة.
٥٧٢/٨
قوله: ((فقيلَ: يا رسول الله، اسْتَسْقِ اللهَ لمُضَرَ، فإنَّها قد هَلكَت)) إنَّما قال: ((لمضَرَ)) لأنَّ
غالبهم كان بالقُرب من مياه الحِجاز، وكان الدُّعاء بالقَحْطِ على قُرَیش وهم سُكّان مگَّة،
فسَرَى القَحْطُ إلى مَن حولهم فحَسُنَ أن يَطلُب الدُّعاءَ لهم، ولعلَّ السائل عَدَلَ عن التَّعبير
بقُرَيشٍ لئلّا يَذكُرهم فيُذكَّر بجُرمِهم، فقال: لمضَرَ، ليَندَرِجوا فيهم، ويشير أيضاً إلى أنَّ غير
المدعوّ عليهم قد هلك بجَرِيرَتِهِم. وقد وَقَعَ في الرِّواية الأخيرة: ((وإنَّ قومَك هلكوا)) ولا مُنافاةً
بينهما، لأنَّ مُضَرَ أيضاً قومه، وقد تقدَّم في المناقب (٣٤٩٢) أنَّه ◌َِّكان من مُضَرَ.
قوله: ((فقال رسول الله وَله: لِمُضَرَ؟! إِنَّك لَجَريءٌ)) أي: أتأمُرُني أن أستَسقيَ اللهَ لمضَرَ
معَ ما هم عليه من المعصية والإشراك به؟! ووَقَعَ في ((شرح الكِرْمانيّ)) قوله: ((فقال رسول الله
ێ: مضر)» أي: لأبي سفيان، فإنَّه کان کبیرهم في ذلك الوقت، وهو کان الآتي إلى رسول الله
وَّ﴿ المستَدعِي منه الاستسقاءَ، تقول العرب: قتلت قُرَيش فلاناً، ويريدونَ شَخصاً منهم،
وكذا يُضيفونَ الأمر إلى القبيلة والأمر في الواقع مُضافٌ إلى واحد منهم. انتهى، وجَعلُه
اللّمَ مُتعلِّقةً بـ((قال)) غريبٌ، وإنَّما هي مُتَعلِّقة بالمحذوفِ كما قَرَّرته أوَّلاً.
قوله: ((فلمَّا أصابهم الرَّفاهيَةُ)) بتخفيفِ التَّحتانيَّة بعد الهاء، أي: التوسُّع والرَّاحة.

٢٥٦
سورة الدخان/ح ٤٨٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
٣- باب ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]
٤٨٢٢- حدّثنا يحيى، حدَّثْنا وَكِيعٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ قال:
دَخَلْتُ على عبدِ الله فقال: إنَّ مِن العِلْمِ أن تقولَ لما لا تعلمُ: الله أعلمُ، إنَّ اللهَ قال لِنبيّه ◌َلْ
﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إنَّ قُرَيشاً لمَّا غَلَبوا النبيَّ وَه
واستَعْصَوْا عليه قال: ((اللهمَّ أعِنّي عليهم بسَبْعِ كسَبْعٍ يوسفَ)) فأخَذَتْهم سَنَةٌ أُكَلوا فيها
العِظامَ والمَيتَةَ مِن الجَهْدِ، حتَّى جَعَلَ أحدُهم يَرَى ما بينَه وبينَ السماءِ كَيْئَةِ الدُّخَان مِن
الجوعِ، قالوا: ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فقيل له: إنْ كَشَفْنا عنهم عادوا، فَدَعَا
رَبَّ فكَشَفَ عنهم، فعادُوا، فانتَقَمَ الله منهم يومَ بَدْرٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَآءُ
بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إلى قوله جلَّ ذِكرُه: ﴿إِنَّا مُنْتَقِّمُونَ﴾.
قوله في الباب الثّاني: ((عن مَسْروق قال: دَخَلْتُ على عبد الله)) أي: ابن مسعود.
قوله: ((فقال: إنَّ من العِلْم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلمُ)) تقدَّم سبب قول ابن مسعود
هذا في سورة الرّوم (٤٧٧٤) من وجه آخر عن الأعمَش ولفظه: عن مسروق قال: بينما
رجل يُحدِّث في كِندةَ فقال: يَجِيء دُخانٌ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقينَ وأبصارِهم،
ويأخُذ المؤمنَ كَهَيْئة الزُّكام، ففَزِعْنا، فأتيتُ ابن مسعود وكان مُتَّكِئاً فغَضِبَ فجَلَسَ فقال:
مَن عَلِمَ فليَقُلْ، ومَن لم يعلم فليَقُل: الله أعلمُ. وقد جَرَى البخاريّ على عادته في إيثار
الخَفيّ على الواضح، فإنَّ هذه السّورة كانت أَولى بإيرادِ هذا السّياق من سورة الرُّوم لمَا
تَضَمَّنَتَه من ذِكْرِ الدُّخان، لكن هذه طريقته يَذكُر الحديثَ في موضع ثمَّ یذكره في الموضع
اللّائق به عارياً عن الزّيادة اكتفاءً بذِكْرها في الموضع الآخر، شَحْذاً للأذهان وبَعثاً على
مزید الاستحضار.
وهذا الذي أنكَرَه ابن مسعود قد جاء عن عليّ، فأخرج عبد الرَّزاق وابن أبي حاتم من
طريق الحارث عن عليّ قال: آيةُ الدُّخان لم تَضِ بعدُ، يأخُذ المؤمنَ كَهَيْئة الزُّكام، ويَنفُخ
٥٧٣/٨ الكافرَ حتَّى ينقدَّ(١). ثمَّ أخرج عبد الرَّزّاق/ من طريق ابن أبي مُلَيكة قال: دَخَلتُ على ابن
(١) كذا في (أ)، وهو الموافق لما في المطبوع من ((تفسير عبد الرزاق)) ٢٠٦/٢، وفي (ع) و(س): حتى ينفد، بالفاء.

٢٥٧
سورة الدخان/ح ٤٨٢٣
كتاب التفسير
عَّاس يوماً فقال لي: لم أنَم البارحةَ حتَّى أصبَحت، قالوا: طَلَعَ الكوكبُ ذو الذَّنَب، فخشِيتُ
الدُّخانَ قد خرج، وهذا أخشى أن يكون تصحيفاً، وإنَّما هو الدَّجّال بالجيم الثَّقيلة واللّام.
ويُؤيِّدِ كَوْنَ آية الدُّخان لم تَضِ ما أخرجه مسلم (٢٩٠١/ ٤٠) من حديث أبي سَرِيحة
رَفَعَه: ((لا تقومُ الساعة حتَّى تَرَوا عشر آيات: طُلوعَ الشمس من مغربها، والدُّخان،
والدَّابّة)) الحديث، وروى الطَّبَرَيُّ (١١٤/٢٥) من حديث رِبْعيٍّ عن حُذَيفة مرفوعاً في
خروج الآيات والدُّخان: قال حُذَيفة: يا رسول الله، وما الدُّخان؟ فتلا هذه الآية قال:
((أمَّا المؤمن فيصيبُه منه كهَيْئَة الزَّكْمة، وأمَّا الكافر فيَخرُج من مَنخِرَيه وأُذُنَيْه ودُبُره)»
وإسناده ضعيف أيضاً، وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد نحوه، وإسناده ضعيف أيضاً،
وأخرجه مرفوعاً بإسنادٍ أصلَحَ منه، وللطَّبَرَيِّ (١١٤/٢٥) من حديث أبي مالك الأشعريّ
رَفَعَه: ((إنَّ رَبّكم أنذَرَكم ثلاثاً: الدُّخان يأخذ المؤمنَ كالزَّكمة)) الحديث، ومن حديث ابن عمر
نحوه، وإسنادهما ضعيف أيضاً، لكن تَضافُر هذه الأحاديث يدلُّ على أنَّ لذلك أصلاً، ولو
ثَبَتَت طريقُ حديث حُذَيفة لاحتَمَلَ أن يكون هو القاصَّ المراد في حديث ابن مسعود.
٤ - بابٌ ﴿ أَّ لَمُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]
الذِّكْرُ والذِّكْرَى واحدٌ.
٤٨٢٣- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمِ، عن الأعمَشِ، عن أبي الضُّحَی،
عن مَسْروقٍ قال: دَخَلْتُ على عبدِ الله، ثمَّ قال: إنَّ رسولَ الله ◌َِّ لمَّا دَعَا قُرَيشاً كَذَّبوه،
واستَعْصَوْا عليه فقال: ((اللهمَّ أعِنّي عليهم بسَبْعِ كسَبْعِ يوسفَ)) فأصابَتْهم سَنَةٌ حَصَّت - يعني -
كلَّ شيءٍ، حتَّى كانوا يأكلونَ المَيْنَةَ، فكان يقومُ أحدُهم فكان يَرَى بينَه وبينَ السماءِ مِثلَ
الدُّخان مِن الجَهْدِ والجوعِ، ثمَّ قرأ: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ) يَخْشَى
النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ حتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّا كَشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِلًاْ إِنَّكُمْ عَبِدُونَ﴾، قال عبدُ الله:
أفيُكْشَفُ عنهمُ العذابُ يومَ القيامةِ؟! قال: والبَطْشُ الكُبْرِى يومَ بَدْرٍ.
قوله: ﴿الذِّكْرَى﴾ هو والذِّكر سواءٌ.

٢٥٨
سورة الدخان/ح ٤٨٢٤-٤٨٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
٥- بابٌ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَّجْنُونُ﴾ [الدخان: ١٤]
٤٨٢٤- حدَّثنا بِشرُ بنُ خالدٍ، أخبرنا محمَّدٌ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ ومنصورٍ، عن أبي
الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، قال: قال عبدُ الله: إنَّ اللهَ بَعَثَ محمَّدَاً وَّهِ وقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ
أَجْرٍ وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُكَلِفِينَ﴾ فإنَّ رسولَ الله ◌ِِّ لمَّا رَأى قُرَيشاً اسْتَعْصَوْا عليه، فقال: ((اللهمَّ أعِنّي
عليهم بسَبْعٍ كسَبْعٍ يوسفَ))، فأخَذَتْهُمُ السَّنَّةُ حتَّى حَصَّت كلَّ شيءٍ، حتَّى أَكَلُوا العِظامَ
والجلودَ، فقال أحدهم: حتَّى أكُلُوا الجلودَ والمَيْنَةَ، وجَعَلَ يَخْرُجُ مِن الأرضِ كَهَيْئِةِ الدُّخَان،
فأتاه أبو سفيانَ فقال: أيْ محمَّدُ، إنَّ قومَكَ قد هَلَكُوا، فادعُ الله أن يَكْشِفَ عنهم، فَدَعَا ثمَّ
قال: ((تَعُودوا(١) بعدَ هذا))؛ في حديثٍ منصورٍ: ثمَّ قرأَ: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأَتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
مُّبِينٍ﴾ إلى ﴿عَّيِّدُونَ﴾، أيُكْشَفُ عذابُ الآخِرَةِ؟! فقد مضى الدُّخَانُ والبَطْشةُ واللِّزامُ، وقال
٥٧٤/٨ أحدُهم: / القمرُ، وقال الآخَرُ: والرُّومُ.
٦ - بابٌ ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]
٤٨٢٥ - حدَّثنا يحيى، حدَّثنا وَكِيعٌ، عن الأعمَشِ، عن مسلمٍ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ الله
قال: خمسِّ قد مَضَينَ: اللِّزامُ، والرُّومُ، والبَطْشةُ، والقمرُ، والدُّخانُ.
قوله في الرّواية الأخيرة: ((أخبَرَنا محمَّد)» هو ابن جعفرٍ غُندَر.
قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمش، ومنصور: هو ابن المعتمِر.
قوله: ((حتَّى حَصَّت)) بمُهمَلتَينِ، أي: جَرَّدَتْ وأذهَبَت، يقال: سنةٌ حَصّاءُ، أي: جَرداء
لا غیثَ فیھا.
قوله: ((فقال أحدهم)) كذا قاله في موضعَينٍ، أي: أحد الرُّواة، ولم يَتقدَّم في سياق السَّنَد
سوى(٢) موضع واحد فيه اثنان سليمان ومنصور، فحَقُّ العِبارة أن يقول: أحدهما، لكن
يُحِمَل على تلك اللُّغة.
(١) هكذا وقع في رواية الأكثرین بحذف نون الرفع في موضع الرفع، وهو جائز لمجرَّد التخفيف، وقد ثبت مثله في
الكلام الفصيح نثراً ونظماً كما قال العلامة النحوي ابن مالك في ((شواهد التوضيح والتصحيح)) ص١٧١.
(٢) تحرف في (س) إلى: سياق السدوسي.

٢٥٩
سورة الجاثية/ح ٤٨٢٦
كتاب التفسير
قوله: ((وجَعَلَ يَخْرُج من الأرض كهَيْئَةِ الدُّخَان)) وَقَعَ في الرّواية التي قبلها: ((فكان يَرَى
بينه وبين السماء مِثْلَ الدُّخان من الجوع))، ولا تَدافُعَ بينهما، لأنَّه يُحِمَل على أنَّه كان مَبدَؤُه
من الأرض ومُنتَهاه ما بين السماء والأرض، ولا مُعارضةَ أيضاً بين قوله: ((يَخْرُج من
الأرض)) وبين قوله: ((كهَيْئة الدُّخان)) لاحتمال وُجودِ الأمرَينِ بأن يَخْرُج من الأرض بُخارٌ
كهَيْئَة الدُّخان من شِدّة حرارة الأرض ووَهَجها من عَدَم الغَيْث، وكانوا يَرَونَ بينهم وبين
السماء مِثلَ الدُّخان من فرط حرارة الجوع، والذي كان يَخْرُج من الأرض بحَسَب تَخُيُّلهم
ذلك من غِشاوة أبصارهم من فَرْط الجوع، أو لفظ ((من الجوع)) صفةُ الدُّخان، أي: يَرَونَ
مِثل الدُّخان الكائن من الجوع.
٤٥ - سورة حمّ الجاثية
بِسمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
﴿جَائِيَةً﴾ [٢٨]: مُستوفِزِينَ على الرُّكَبِ.
﴿نَسْتَنْسِخُ﴾ [٢٩]: نَكتُبُ.
﴿ننسنگُمْ﴾ [٣٤]: نَتْرُُكُم.
٤٨٢٦ - حدثنا الحميديُّ، حدثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي
هريرة قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((قال الله عزَّ وجلّ: يُؤْذِيني ابنُ آدَم يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا
الذَّهُ، بيدي الأمرُ أقلِّبُ الليلَ والنهارَ)).
قوله: ((سورة حمّ الجاثية - بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره: ((الجاثية)) حَسْبُ.
قوله: (﴿جَائِيَةٌ﴾: مُسْتَوفِزِينَ على الرُّكَب)) كذا لهم، وهو قول مجاهد، وَصَلَه الطََّرُّ
(١٥٤/٢٥) من طريقه، وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿جَائِيَةً﴾ قال: على الرُّكَب. ويقال: اسْتَوفَزْ
في قِعْدتِه: إذا فَعَدَ مُنتَصِباً قُعوداً غير مُطمَئِن.
قوله: ((﴿نَسْتَنِخُ﴾: نَكتُب)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيرِه: وقال مجاهد، فذكره، وقد أخرج
ابن أبي حاتم معناه عن مجاهد.

٢٦٠
سورة الجاثية/ح ٤٨٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (﴿نَنْسَنَكُمْ﴾: نَتُْكُكُمْ)) هو قول أبي عُبِيدة، وقد وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٢٤/٢)
عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ الَّوْمَ نَنَسَكُمْ كَا نَسِيْتُمْ﴾ قال: اليومَ نَترُكُكم كما تَرَكتُم.
وأخرجه ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس أيضاً، وهو من إطلاق
الملزوم وإرادة اللّازِم، لأنَّ مَن نَسِيَ فقد تَرَكَ، بغير عَكسٍ.
٥٧٥ قوله: «يُؤْذیني ابنُ آدم)) كذا أورده مختصراً، وقد أخرجه الطَّريّ (١٥٢/٢٥) عن/ أبي
كُرَيب عن ابن عُيَينةَ بهذا الإسناد عن النبيّ وََّ قال: ((كان أهل الجاهليَّة يقولون: إنَّما
يُهلِكُنَا اللَّيْلُ والنَّهار، هو الذي يُميتنا ويُحبينا، فقال الله في كتابه: ﴿ وَقَالُواْمَا هِىَ إِلَّ حَيَاثْنَا الدُّنَّا﴾
الآية، قال: فَيَسُبّونَ الدَّهرَ، قال الله تَبَارَكَ وتعالى: يُؤذيني ابنُ آدم)) فذكره.
قال القُرطُبيّ: معناه: يُخاطِبني من القول بما يَتَأْذَّى مَن يجوز في حَقّه التَّذِي، والله مُنَّه
عن أن يَصِلَ إليه الأَذَى، وإنَّما هذا من التوسُّع في الكلام، والمراد: أنَّ مَن وَقَعَ ذلك منه
تَعرَّضَ لسَخَطِ الله.
قوله: ((وأنا الذَّهْرِ)) قال الخطّابُّ: معناه: أنا صاحبُ الذَّهر ومُدَبِّر الأمور التي يَنسُبونها
إلى الدَّهر، فمَن سَبَّ الدَّهرَ من أجل أنَّه فاعل هذه الأُمور، عادَ سَبُّه إلى رَبّه الذي هو
فاعلها، وإِنَّمَا الدَّهرُ زمانٌ جُعِلَ ظَرفاً لمواقع الأُمور. وكانت عادتُهم إذا أصابهم مكروه
أضافوه إلى الدَّهر فقالوا: بُؤساً للدَّهرِ، وتَّاً للدَّهرِ.
وقال النَّوَويّ: قوله: ((أنا الدَّهُ)) بالرَّفع في ضبط الأكثرينَ والمحَقِّقِينَ، ويقال: بالنَّصب
على الظَّرف، أي: أنا باقٍ أبداً، والموافق لقوله: ((إنَّ الله هو الدَّهر))(١) الرَّفعُ، وهو مَجَاز،
وذلك أنَّ العرب كانوا يَسُبّونَ الدَّهر عند الحوادث فقال: لا تَسُبّوه فإنَّ فاعلها هو الله،
فكأنَّه قال: لا تَسُبّوا الفاعلَ فإنَّكم إذا سببتُموه سببتُموني.
أو الدَّهرُ هنا بمعنى الدَّاهر، فقد حَكَى الرَّاغِب أنَّ الذَّهر في قوله: ((إنَّ الله هو الدَّهر))
غير الدَّهر في قوله: ((يَسُبّ الدَّهر)) قال: والذَّهر الأوَّل: الزَّمان، والثّاني: المدبِّر المصرِّف لمَا
(١) ستأتي هذه الرواية عند البخاري برقم (٦١٨٢).