النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة المؤمن/ ح ٤٨١٥
كتاب التفسير
بتلاوة الآية المذكورة لأنَّها من ﴿حَمَ﴾.
تكملة: جُعَ حمَ على حَوَاميم، قال أبو عُبيدة: على غير قياس. وقال الفَرّاء: ليس هذا
الجمع من كلام العرب. ويقال: كأنَّ مُراد محمَّد بن طلحة بقوله: أُذكِّرُك ﴿حَمْ﴾ أي: قوله
تعالى في ﴿حَمَ. عَسَقّ﴾: ﴿قُل لَّا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ الآية [الشورى: ٢٣]، كأنَّه يذكِّره بقَرابَتِه،
لیکونَ ذلك دافعاً له عن قتله.
قوله: ((الطَّوْل: التَّفْضُّل)) هو قول أبي عبيدة وزاد: تقول العرب للرجلِ: إِنَّه لَذُو طَولٍ
على قومه، أي: ذو فضل عليهم. وروى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن
عبَّاس في قوله: ﴿ذِى الطَّوْلِ﴾ قال: ذي السَّعَةِ والغِنَى، ومن طريق عِكْرمة قال: ذي المِنَن،
ومن طريق قَتَادة قال: ذي النَّعماء.
قوله: (﴿دَاخِرِينَ﴾: خاضعينَ)) هو قول أبي عبيدة، وروى الطَّبَرَيُّ من طريق
السُّدِّيِّ في قوله: ﴿سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، أي: صاغِرِينَ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿إِلَى النَّجَوَةِ﴾: إلى الإيمان)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح
عن مجاهد بهذا.
قوله: ((﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾: يعني الوَثَن)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً عن مجاهدٍ بلفظ: الأوثان.
قوله: (﴿يُْجَرُونَ﴾: تُوقَد بهم النارُ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً عن مجاهد بهذا.
قوله: ((﴿تَمْرَجُونَ﴾: تَبْطَرونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد بلفظ: يَبِطَرونَ ويَأْشَرونَ.
قوله: ((وكان العلاء بن زياد يُذكِّرُ النارَ)) هو بتشديد الكاف، أي: يُذكِّر الناسَ النارَ،
أي: ◌ُوِّفُهم بها.
قوله: ((فقال رجل)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((لِمَ)) بكسر اللّام للاستفهام ((تُقَنِّط)) بتشديد النّون، وأراد بذِكْر هذه الآية الإشارة
إلى الآية الأُخرى ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ ﴾ فنَهاهم عن القُنوط من
رحمته، معَ قوله: ﴿أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ استدعاءً منهم الرُّجوعَ عن الإسراف

٢٢٢
سورة فصلت
فتح الباري بشرح البخاري
والمبادَرة إلى التوبة قبلَ الموت.
وأَثر العلاء هذا: وصله .. (١) وهو العلاء بن زياد البصريّ، تابعيّ زاهد قليل الحديث،
وليس له في البخاريّ ذِكْر إلّا في هذا الموضع، وماتَ قديماً سنة أربع وتسعينَ.
ثم ذكر حديث عُرْوة بن الزُّبَير: ((قلت لعبد الله بن عَمْرو بن العاص: أخبرني بأشدِّ ما
صَنَعَه المشركونَ))، وقد تقدَّم شرحه في أوائل السِّيرة النبويَّة (٣٨٥٦).
٤١ - سورة حمّ السَّجدة
بِسمِ اللهِالرَّحْنِّ الرَّحِيمِ
وقال طاووسٌٌ، عن ابنِ عبَّاسِ: ﴿أَقِيَا طَوْعًا أَوْ كَرَّهَا﴾: أَعطِيَا ﴿قَالَتَآ أَنَّيْنَا طَآيِعِينَ﴾ [١١]:
أعطَيْنا.
وقال المِنْهالُ عن سعيدٍ، قال: قال رجلٌ لابنِ عبَّاسٍ: إنّ أجِدُ في القرآنِ أشياءَ تَخْتَلِفُ عليَّ، قال:
﴿فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَّسَاءَ لُونَ ﴾
[الصافات: ٢٧] ﴿ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فقد
كَتَمُوا في هذه الآيةِ، وقال: ﴿أَمِ السَّمَةُ بَنَهَا﴾ إلى قوله: ﴿دَحَنهَا﴾ [النازعات: ٢٧ -٣٠]: فَذَكَرَ خلقَ
السماءِ قبلَ خلقِ الأرض ثمّ قال: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ إلى
﴿طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ٩-١١]، فذَكَر في هذه خلقَ الأرضِ قبلَ السماءِ، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فكأنَّه كان ثمَّ مَضَى!
فقال (٢): ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ / في النّفْخِةِ الأُولى، ثمَّ يُنفَخُ في الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَن فِ
السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، فلا أنسابَ بينَهم عندَ ذلك
يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ثمَّ في النَّفْخِ الآخرةِ أقبَلَ بعضُهم على بعضٍ يَتَساءَلونَ.
٥٥٦/٨
(١) كذا وقع في الأصلين بياض في هذا الموضع، وكذا بيَّض له في ((تغليق التعليق)) ٣٠٠/٤، وفي (س): ((وأبو العلاء
هذا هو)) وفيه تحريف وسقط.
(٢) أي: ابن عباس مجيباً السائلَ.

٢٢٣
سورة فصلت
كتاب التفسير
وأمَّا قولُهُ: ﴿مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإنَّ اللهَ يَغْفِرُ لأهلِ الإخلاصِ
ذُنُوبَهم، وقال المشركونَ: تَعالَوْا نقولُ: لم نَكُن مُشْرِكينَ، فخُتِمَ على أفواهِهم، فَتَنْطِقُ أيدِيهم،
فعندَ ذلك عُرِفَ أنَّ الله لا يُكتَمُ حديثاً، وعندَه ﴿يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآيةَ [النساء: ٤٢].
وَخَلَقَ الأرضَ في يومينٍ، ثمَّ خَلَقَ السماءَ، ثمَّ استَوَى إلى السماءِ، فسَوّاهنَّ في يومينِ
آخَرَينٍ، ثمَّ دَحَا الأرضَ، ودَحْوُها: أن أخرَجَ منها الماءَ والمَرْعَى، وخَلَقَ الجبالَ، والجِمالَ،
والآكامَ، وما بينَهما في يومينٍ آخَرَينٍ، فذلك قوله: ﴿دَحَهَا﴾ وقولُه: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ
فجُعِلَتِ الأرضُ وما فيها من شيءٍ في أربعةِ أيامٍ، وخُلِّقَتِ السماواتُ في يومينِ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ سَمَّى نفسَه ذلكَ، وذلك قولُه، أي: لم يَزَلْ كذلك، فإنَّ الله لم يُرِدْ شيئاً
إلّا أصابَ به الذي أرادَ، فلا يَخْتَلِفْ عليكَ القرآنُ، فإنَّ كلََّّ مِن عندِ الله.
قال أبو عبد الله: حَدَّثَنِهِ يوسفُ بن عَدِيّ، حدّثنا عُبيد الله بنُ عمرٍو، عن زيدِ بنِ أبي أُنيسةَ،
عن المِنْهالِ بهذا.
وقال مجاهدٌ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [٨]: تَحَسُوبٍ.
﴿أَقْوَتَهَا ﴾ [١٠]: أرزاقَها.
﴿فِي كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ [١٢]: ممَّا أَمَرَ به.
﴿َّحِسَاتٍ﴾ [١٦]: مَشَائِيمَ.
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [٢٥]: قَرَنّاهم بهم.
﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [٣٠]: عندَ الموتِ.
﴿أَهْتَزَّتْ﴾: بِالنَّبَاتِ. ﴿وَرَبَتْ﴾ [٣٩]: ارتَفَعَتْ من أكمامِها حينَ تَطلُعُ.
﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى﴾ [٥٠]: أي: بعَمَلي، أنا مَحْقوقٌ بهذا.
وقال غيرُه: ﴿سَوَآءُ لِلِسَّآيِلِينَ﴾ [١٠]: قَدَّرَها سواءً.
﴿فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [١٧]: دَلَلْناهم على الخيرِ والشرِّ، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]،

٢٢٤
سورة فصلت
فتح الباري بشرح البخاري
وكقوله: ﴿هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، والهُدَى الذي هو الإرشادُ بمَنزِلةٍ: أسعَدْناه، ومِن
ذلك قولُه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَ هُمُ أَقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام: ٩٠].
﴿يُوزَعُونَ﴾ [١٩]: يُكَفُّونَ.
﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ [٤٧]: قِشْرُ الكُفُرَّى، الكُمُّ.
وقال غيرُه: ويقال للعِنَبِ إذا خرجَ أيضاً: كافورٌ وكُفُرَّى.
﴿وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ [٣٤]: القريبُ.
﴿مِّن نَّحِیصٍ ﴾ [٤٨]: حاصَ عنه، أي: حادَ عنه.
﴿مِرْيَةٍ﴾ [٥٤] ومُرْيةٍ، واحدٌ، أي: امتِراءٌ.
وقال مجاهدٌ: ﴿ أَعْمَلُواْ مَاشِئْتُمْ﴾ [٤٠] الوَعِيدُ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿ آدْفَعْ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [٣٤]: الصَّبْرُ عندَ الغضبِ، والعَفْوُ عندَ
الإساءةِ، فإذا فَعَلوه عَصَمَهُمُ الله، وخَضَعَ لهم عدوُهم ﴿كَأَنَُّ وَإِىٌّ حَمِيمٌ﴾.
قوله: ((سورة حمّ السَّجْدة - بِمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال طاووسٌ عن ابن عبّاس: ﴿اَثْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا﴾: أَعطِيَا ﴿قَالَتَآ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾:
أَعطينا)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٩٨/٢٤) وابن أبي حاتم بإسنادٍ على شرط البخاريّ في الصِّحّة،
ولفظ الطَّبَرَيِّ: في قوله: ﴿أَثْنِيَا﴾ قال: أعطِيا، وفي قوله: ﴿قَالَتَآ أَنَيْنَا﴾ قالتا: أعطَينا.
وقال عِيَاض: ليس ((أتى)) هنا بمعنى: أعطَى، وإنَّما هو من الإتيان وهو المجيء بمعنى
الانفعال للوجودِ، بدليلِ الآية نفسها، وبهذا فَسَّرَه المفسِّرونَ أنَّ معناه: جيئا بما خَلَقتُ
فيكما وأظهراه، قالتا: أتينا طائعين(١)، ورُويَ ذلك عن ابن عبّاس. قال: وقد رويَ عن
٥٥٧/٨ سعيد بن جُبَير نحو ما ذكره المصنّف، ولكنَّه يُخرَّج على تقريب المعنى: أنَّما لمَّا أُمِرَتا بإخراجٍ ما /
فيهما من شمس وقَمَر ونهر ونبات وغير ذلك وأجابَتا إلى ذلك، كان كالإعطاءِ، فعَبَّرَ بالإعطاءِ
عن المجيء بما أُودعَتاه.
(١) هكذا في (أ)، وفي (ع): ((قالتا: جئنا))، وفي (س): ((قالتا: أجبنا)).

٢٢٥
سورة فصلت
كتاب التفسير
قلت. فإذا كان موجَّهاً وثَبَتَت به الرِّواية، فأيّ معنَى لإنكاره عن ابن عبّاس؟!
وكأنَّه لمَّا رأى عن ابن عبَّاس أنَّه فَسَّرَه بمعنى المجيء نَفَى أن يثبتَ عنه أنَّه فَسَّرَه بالمعنى
الآخر، وهذا عجيب، فما المانع أن يكون له في الشَّيء قولان بل أكثر، وقد روى الطَّبَرُّ
من طريق مجاهد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال الله عزَّ وجلَّ للسَّماوات: أطلِعِي
الشمس والقمر والنُّجوم، وقال للأرضِ: شَقِّقي أنهارك وأخرِجي ثِمارك، قالتا: أعطَينا (١)
طائعينَ.
وقال ابن التِّين: لعلَّ ابن عبّاس قرأها ((آتَيْنا)) بالمدِّ ففَسَّرَها على ذلك. قلت: وقد صَرَّح
أهل العلم بالقراءات أنَّها قراءته، وبها قرأ صاحباه مجاهد وسعيد بن جُبَير، وقال السُّهَيليُّ
في ((أماليه)»: قيل: إنَّ البخاريّ وَقَعَ له في آي من القرآن وهمٌّ، فإن كان هذا منها وإلّا فهي
قراءة بَلَغَته، ووجهه: أعطينا (٢) الطاعة، كما يقال: فلان يُعطي الطاعة لفلانٍ، قال: وقد
قُرِئَ ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَتَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] بالمدِّ والقصر(٣)، والفتنة ضِدّ الطاعة، وإذا
جازَ في إحداهما جاز في الأُخرى، انتهى.
وجَوَّزَ بعض المفسِّرِينَ أَنَّ ((آتَينا)) بالمدِّ بمعنى الموافَقة، وبه جَزَمَ الََّشَريّ، فعلى هذا
يكون المحذوف مفعولاً واحداً، والتَّقدير: لتوافق كلٌّ منكما الأُخرى، قالتا: تَوافَقنا، وعلى
الأوَّل يكون قد حُذِفَ مفعولان، والتَّقدير: أعطِيَا مَن أمَرَكُما الطاعةَ من أنفُسكما، قالتا: أعطَيناه
الطاعة، وهو أرجَحُ لُبوتِه صريحاً عن تَرجُمان القرآن.
تنبيه: قوله: ﴿قَالَتَآ﴾ قال ابن عَطيَّة: أراد الفِرقتَينِ المذكورتَينِ، جعل السَّماوات سَماءً
والأرَضِينَ أرضاً. ثمَّ ذكر لذلك شاهداً، وهي غفلة منه، فإنَّه لم يَتقدَّم قبلَ ذلك إلّا لفظ
سَماءٍ مُفْرَد، ولفظ أرض مُفرَد، نعم قوله: ((طائِعِينَ)) عَبَّرَ بالجمع بالنَّظَرِ إلى تعدُّد كلٌّ منهما،
(١) تحرفت في (س) إلى: أتينا، والتصويب من (أ) و(ع) و((تفسير الطبري)) ٩٨/٢٤.
(٢) في (س): أُعطيا.
(٣) قرأها بالمدِّ عاصم وحمزة والكسائي وأبو عمرو، وقرأها بالقصر بقية السبعة. انظر ((السبعة)) لابن مجاهد
ص ٥٢٠.

٢٢٦
سورة فصلت
فتح الباري بشرح البخاري
وعَبَّرَ بلفظ جمع المذكَّر من العُقَلاء لكَوْنِم عُومِلوا مُعامَلة العُقَلاء في الإخبار عنهم، وهو
مِثْل ﴿رَبِثُهُمْ لِ سَنِجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
قوله: ((وقال المِنْهال)) هو ابن عَمْرو الأسَديُّ مولاهم الكوفيّ، وليس له في البخاريّ
سِوَى هذا الحديث وآخرَ تقدَّم في قِصّة إبراهيم من أحاديث الأنبياء (٣٣٧١)، وهو
صدوق من طبقة الأعمَش، وثَّقْه ابن مَعِين والنَّسائيُّ والعِجليُّ وغيرهم، وتَرَكَه شُعْبة
لأمرٍ لا يُوجِب فيه قَدحاً كما بيَّنْتُه في ((المقدِّمة))، وهذا التَّعليق قد وَصَلَه المصنِّف بعدَ فراغه
من سیاق الحدیث کما سأذكرُه.
قوله: ((عن سعيد)) هو ابن جُبَير، وصَرَّحَ به الأَصِيلِيُّ في روايته وكذا النَّسَفيّ.
قوله: ((قال رجل لابنِ عبّاس)) كأنَّ هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صارَ بعدَ
ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابنَ عبَّاس بمگَّةً ويسأله ویعارضُه، ومن
◌ُملة ما وَقَعَ سؤاله عنه صريحاً ما أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٤/ ٥٧٣) من طريق داود
ابن أبي هِند عن عِكْرمة قال: سألَ نافعُ بن الأزرَق ابنَ عبَّاس عن قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا
يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، ﴿فَلَ تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وقوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، و﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُ واْكِتَبِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، الحديث بهذه القِصّة حَسْبُ،
وهي إحدى القِصَص المسؤول عنها في حديث الباب.
وروى الطبرانيُّ (١٠٥٩٧) من حديث الضَّحّاك بن مُزاحم قال: قَدِمَ نافعُ بن الأزرق
ونَجْدةُ بن عُوَيمٍِ في نَفَر من رُؤوس الخوارج مكَّةَ، فإذا هم بابنِ عبّاس قاعداً قريباً من
زَمزَمَ والناس قياماً يسألونَه، فقال له نافع بن الأزرق: أتيتُك لأسألك، فسألَه عن أشياء
كثيرة من التَّفسير، ساقَها في ورقتینِ(١).
وأخرج الطَّبَرِيُّ (٩٣/٥) من هذا الوجه بعض القِصّة ولفظه: إنّ نافع بن الأزرق أتى ابن
عبَّاس فقال: قول الله: ﴿ وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقوله: ﴿وَلَّهِ رَبِّنَا مَاكُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
(١) لكن في إسناده جُويبر بن سعيد الأزدي، وهو متروك.

٢٢٧
سورة فصلت
كتاب التفسير
[الأنعام: ٢٣] فقال: إنّي أحسِبُك قُمتَ من عندِ أصحابك فقلتَ لهم: أين ابن عبّاس فَأُلقي
عليه مُتَشابه القرآن؟ فأخبِرْهم أنَّ الله تعالى إذا جَمَعَ الناس يومَ القيامة قال المشركونَ: إنَّ الله لا
يقبل إلّا مَن وَخَّدَه، فيسألهم فيقولون: والله رَبِّنا ما كنَّا مُشِرِكينَ، قال:/ فيختم على أفواههم ٥٥٨/٨
ويَستَنطِقِ جَوارِحَهم. انتهى، وهذه القِصّة إحدى ما وَرَدَ في حديث الباب، فالظّاهر أنَّه
المبهم فیه.
قوله: ((إنّ أجِدُ في القرآن أشياء تَخْتَلِفُ عليَّ)) أي: تُشكِل وتَضطَرِب، لأنَّ بينَ ظواهرها
تَدافعاً، زاد عبد الرَّزّاق في رواية عن مَعمَر، عن رجل، عن المنهال بسندِه: فقال ابن
عبّاس: ما هو، أشَكٌّ في القرآن؟ قال: ليس بشَكِّ ولكنَّه اختلاف، فقال: هاتِ ما اختَلفَ
عليكَ من ذلك، قال: أسمَعُ اللهَ يقول. وحاصل ما وَقَعَ السُّؤال في حديث الباب أربعة
مواضع: الأوَّل: نفي المساءلة يوم القيامة وإثباتها، الثّاني: كِتمانُ المشرِكِينَ حالَم وإفشاؤُه،
الثّالث: خَلْقِ السَّماوات والأرض أيّهما تقدَّم، الرَّابع: الإتيان بحرفِ ((كان)) الدَّالِّ على
الماضي معَ أنَّ الصِّفة لازِمٌ.
وحاصل جواب ابن عبّاس عن الأوَّل: أنَّ نفيَ المساءلة فيما قبلَ النَّفخة الثّانية وإثباتها
فيما بعدَ ذلك، وعن الثّاني: أنَّهم يَكتُمونَ بألسِنَتِهِم فَتَنطِق أيديهم وجوارحُهم، وعن
الثّالث: أنَّه بَدَأ خلقَ الأرض في يومَينِ غير مَدخُوَّة، ثمَّ خَلَقَ السماء فسوّاها في یومین، ثمَّ
دَحَا الأرض بعدَ ذلك، وجَعَلَ فيها الرَّواسي وغيرها في يومين، فتلكَ أربعة أيام للأرضِ،
فهذا الذي جَمَعَ به ابنُ عبَّاس بينَ قوله تعالى في هذه الآية وبينَ قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
دَحَتَهَا﴾ هو المعتمَد.
وأمَّا ما أخرجه عبد الرَّزّاق(١) من طريق أبي سعد، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس رَفَعَه
قال: ((خَلَقَ اللهُ الأرض في يوم الأحد وفي يوم الاثنين، وخَلَقَ الجبال وشَقَّقَ الأنهار وقَدَّرَ
في كلّ أرض قُوتَها يومَ الثَّلاثاء ويومَ الأربعاء، ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ))) وتلا الآية
(١) في ((تفسيره)) ٢١٠/٢.

٢٢٨
سورة فصلت
فتح الباري بشرح البخاري
إلى قوله: ﴿فِ كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ قال: ((في يومِ الخَميس ويوم الجمعة)) الحديث، فهو ضعيف
لضعفٍ أبي سعدٍ وهو البقّال، وعن الرَّابع بأنَّ ((كان)) وإن كانت للماضي لكنَّها لا تَستَلِزِم
الانقطاع، بل المراد أنَّه لم يزل كذلك.
فأمَّا الأوَّل فقد جاء فيه تفسير آخر: أنَّ نفيَ المساءَلة عندَ تَشاغُلِهِم بالصَّعْقِ والمحاسبة
والجواز على الصِّراط، وإثباتها فيما عَدَا ذلك، وهذا منقول عن السُّدِّيِّ، أخرجه الطََّريّ،
ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: أنَّ نفيَ المساءَلة عندَ النَّفخة الأُولى، وإثباتها
بعدَ النَّفخة الثّانية، وقد تأوَّلَ ابن مسعود نفيَ المساءَلة على معنَى آخر، وهو طلب بعضهم
من بعض العفوَ، فأخرج الطَّبَريُّ (٥٤/١٨) من طريق زاذانَ قال: أتيتُ ابن مسعود فقال:
يُؤخَذ بيَدِ العبد يومَ القيامة فيُنادَى: ألا إنَّ هذا فلان بن فلان، فمَن كان له حَقّ قِبَلَه
فليأتِ، قال: فَتَوَدُّ المرأة يومئذٍ أن يَئْبُت لها حَقّ على أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها، ﴿فَلَآَ
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَلَءَلُونَ﴾. ومن طريق أُخرى قال: لا يُسأل أحدٌ يومئذٍ بنَسَبٍ
شيئاً ولا يَتَساءَلونَ به ولا يَمُتُّ بَرَحِمٍ.
وأمَّا الثّاني فقد تقدَّم بسطُه من وجه آخر عندَ الطَّبَرِيِّ، والآية الأُخرى التي ذكرها ابن
عبَّاس، وهي قوله: ﴿ وَالَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فقد وَرَدَ ما يُؤيِّده من حديث أبي هريرة
أخرجه مسلم (٢٩٦٨) في أثناء حديث، وفيه: ((ثمَّ يَلقَى الثّالثَ فيقول: يا رَبِّ آمَنتُ بك
وبكتابِك وبرسولِك، ويُثني بخير ما استَطاعَ، فيقول: الآن نَبعَثُ شاهداً عليك، فيُفكِّر في
نفسه: مَن الذي يَشْهَد عليَّ؟ فيُختَم على فِيه وتَنطِقُ جَوارِحُه)».
وأمَّا الثالث فأُجيبَ بأجوبةٍ أيضاً منها: أنَّ (ثمّ)) بمعنى الواو فلا إيراد، وقيل: المراد ترتيب
الخبر لا المُخبَر به كقوله: ﴿ثُمَّكَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية [البلد:١٧]، وقيل: على بابها، لكن ((ثمَّ))
لتَفاوُتِ ما بينَ الخَلقَينِ لا للتَّراخي في الزَّمان، وقيل: ((خَلَقَ)) بمعنى قَدَّرَ.
وأمَّا الرَّابع وجواب ابن عبّاس عنه فيَحتمِل كلامُه أنَّه أراد أنَّه سَمَّى نفسه غَفوراً رحيماً،
وهذه التَّسمية مَضَت لأنَّ التَّعلُّق انقَضَى، وأمَّا الصِّفَتان فلا تزالان كذلك لا تنقَطِعان،

٢٢٩
سورة فصلت
كتاب التفسير
لأَنَّه تعالى إذا أراد المغفرة أو الرَّحمة في الحال أو الاستقبال وَقَعَ مُرادُه، قاله الكِرْمانيّ، قال:
ويُحتمل أن يكون ابن عبّاس أجابَ بجوابَينِ: أحدهما: أنَّ التَّسمية هي التي كانت وانتَهَت
والصِّفة لا نهاية لها، والآخر: أنَّ معنى ((كان))/ الدَّوام، فإنَّه لا يزال كذلك. ويُحتمل أن ٥٥٩/٨
يُحِمَلِ السُّؤال على مَسلكَينٍ، والجواب على دفعهما كأن يقال: هذا اللَّفظ مُشعِر بأنَّه في
الَّمان الماضي كان غَفوراً رحيماً، معَ أنَّه لم يكن هناك مَن يَغْفِرُ له أو يرحم، وبأنَّه ليس في
الحال كذلك لمَا يُشعِر به لفظ ((كان))، والجواب عن الأوَّل بأنَّه كان في الماضي يُسمَّى به،
وعن الثّاني بأنَّ ((كان)) تُعطِي معنى الدَّوامِ، وقد قال النُّحاة: ((كان)) لِثُبُوتِ خَبَرَها ماضياً،
دائماً أو مُنقَطِعاً.
قوله: ((فلا يَخْتَلِفْ)) بالجزمِ للنَّهي، وقد وَقَعَ في رواية ابن أبي حاتم من طريق مُطرِّف
عن المِهال بن عَمْرو في آخره: قال: فقال له ابن عبّاس: هل بقيَ في قلبك شيء؟ إِنَّه لیس
من القرآن شيء إلّا نزلَ فيه شيء، ولكن لا تَعلَمونَ وجهَه.
تنبيه: وَقَعَ في السِّياق: ((والسماء بناها)) والتِّلاوة ﴿أَمِ السَّمَآءُ بَهَا﴾، كذا زَعَمَ بعض
الشُّاح، والذي في الأصل من رواية أبي ذرٍّ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا﴾ [الشمس: ٥]، وهو على وَفْق
التِّلاوة، لكنَّ قوله بعدَ ذلك: ((إلى قوله: ﴿دَحَتُهَا﴾)) يدلّ على أنَّ المراد الآية التي فيها ﴿أَمِ
السَّمَآءُ بَنَهَا﴾(١).
قوله: ((حدَّثنيه يوسف بن عَديّ)) أي: ابن أبي زُرَيق التَّيْميِّ الكوفيّ نزيل مِصرَ، وهو
أخو زكريًّا بن عَديّ، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث. وقد وَقَعَ في رواية القاِسيّ:
((حدَّثنيه عن يوسف)) بزيادة ((عن)) وهي غَلَط. وسَقَطَ قوله: ((وحدَّثنيه ... )) إلى آخره، من
رواية النَّسَفيِّ، وكذا من رواية أبي نُعَيم عن الجُرْجانيِّ عن الفِرَبْرِيِّ، وثَبَتَ ذلك عندَ
◌ُهور الرُّواة عن الفِرَبْريِّ، لكن ذكر البَرْقانيّ في ((المصافحة)) بعدَ أن أخرج الحديث من
(١) الذي وقع في روايات ((الصحيح)) المعتمدة في النسخة اليونينية على ما في ((إرشاد الساري)) ٣٢٦/٧
والطبعة السلطانية من البخاري: ((أم السماء بناها))، وليس في هذين المصدرين أية إشارة إلى الخلاف
فيها، والله تعالى أعلم.

٢٣٠
سورة فصلت
فتح الباري بشرح البخاري
طريق محمَّد بن إبراهيم البُوشَنجيّ: ((حدَّثنا أبو يعقوب يوسف بن عَديّ)) فساقَه بتمامه
قال: ((وقال لي محمَّد بن إبراهيم الأَردَسْتانيّ قال: شاهَدتُ نسخةً من كتاب البخاريّ في
هامشها: حدَّثنيه محمّد بن إبراهيم حدَّثنا يوسف بن عَديّ، قال البَرْقانيّ: ويحتمل أن
يكون هذا من صَنيعِ مَن سمعَه من البُوشَنجيّ، فإنَّ اسمه: محمَّد بن إبراهيم، قال: ولم
يُخْرِّج البخاريّ ليوسف ولا لعُبيدِ الله بن عَمْرو ولا لزيدِ بن أبي أُنيسةَ حديثاً مُسنَداً سواه،
وفي مُغايَرة البخاريّ سياقَ الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنَّه ليس على شرطه وإن
صارت صورتُه صورة الموصول، وقد صَرَّحَ ابن خُزَيمةَ في ((صحيحه)) بهذا الاصطلاح
وأنَّ ما يُورِدُه بهذه الكيفيَّة ليس على شرط ((صحيحه))، وخُرِّج على مَن يُغيِّرُ هذه الصّيغة
المصطَلَح عليها إذا أخرج منه شيئاً على هذه الكيفيَّة. وزَعَمَ بعض الشُّاح أنَّ البخاريَّ
سمعَه أوَّلاَ مُرسَلاً وآخِراً مُسنَداً فنَقَلَه كما سمعَه، وهذا بعيد جدّاً.
وقد وَجَدتُ للحديثِ طريقاً أُخرى أخرجها الطَّبَرِيُّ (٩٤/٥ و١٦٩/٧) من رواية
مُطرِّف بن طَرِيف (١) عن المِنهال بن عَمْرو بتمامه، فشيخ مَعمَر المبهم يحتمل أن يكون
مُطرِّفاً أو زيد بن أبي أُنيسةَ أو ثالثاً.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: محسوبٍ)) سَقَطَ هذا من رواية النَّسَفيِّ،
وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد به، وروى الطَّبَريُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن
ابن عبَّاس في قوله: ﴿غَيِّرُ مَنُونٍ﴾ قال: غير منقوصٍ، وهو بمعنی قول مجاهد: محسوب،
والمراد: أنَّه يُحسَب فيُحصَى فلا يُنقَص منه شيء.
قوله: ((﴿ أَقْوَتَهَا﴾: أرزاقَها)) أخرجه عبد الرَّزّاق (١٨٤/٢) عن مَعمَر عن الحسن
بلفظه، قال: وقال قَتَادةُ: جبالها وأنهارها ودَوابَّها وثمارها. ووَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق
مجاهد بلفظ: ﴿وَقَّدَّرَ فِيهَآ أَقْوَتَهَا﴾ قال: من المطر. وقال أبو عبيدة: أقواتها واحدُها: قُوتٌ،
وهي الأرزاق.
(١) تحرف في (س) إلى: مطرف من طريق.

٢٣١
سورة فصلت
كتاب التفسير
قوله: (﴿فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾: ممَّا أمَرَ به)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظ: ممَّا أمَرَ به وأرادَه؛ أي: من
خلقِ الرُّجوم والنَّيِّرات وغير ذلك.
قوله: ((﴿نَحِسَاتٍ﴾: مَشائِیمَ)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق مجاهد به، وقال عبد الرَّزاق عن
مَعمَر عن قَتَادة: ريحاً صَرصَراً: باردة. نَحِسات: مشؤومات. وقال أبو عُبيدة: الصَّرصَر:
هي الشَّديدة الصَّوت العاصفة، نَحِسات: ذوات نُحوس، أي: مَشائيم.
قوله: (﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ ﴾ ﴿ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾: عندَ الموت)) كذا في
رواية أبي ذرِّ والنَّسَفيِّ وطائفة، وعندَ الأَصِيلِيِّ: / (﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرْنَآءَ﴾ قَرَنّاهم بهم ٥٦٠/٨
﴿تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ عندَ الموت)) وهذا هو وجه الكلام وصوابه، وليس «تَتَنَّل
عليهم)) تفسيراً لـ((قَيَّضنا). وقد أخرج الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ
قُرَنَآءَ﴾ قال: شياطين، وفي قوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَّخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ قال:
عندَ الموت، وكذلك أخرجه الطَّبَرِيُّ مُفرَّقاً في موضعَيه، ومن طريق السُّدِّيِّ قال: ﴿تَتَغَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ عندَ الموت، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال:
﴿تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ وذلك في الآخرة. قلت: ويحتمل الجمع بينَ التََّويلَينِ، فإنَّ
حالة الموت أوَّل أحوال الآخرة في حَقّ المِيِّت، والحاصل من التَّأويلَينِ: أنَّه ليس المراد: تَتَنَزَّل
عليهم في حال تَصَرُّفهم في الدُّنيا.
قوله: (﴿آُهْتَزَّتْ﴾: بالنَّبات ﴿وَرَبَتْ﴾: ارتَفَعَت من أكمامِها حينَ تَطلُع)) كذا لأبي ذرِّ
والنَّسَفيِّ، وفي رواية غيرهما إلى قوله: ((ارتَفَعَت)) وهذا هو الصَّواب، وقد وَصَلَه الفِرْیابيُّ
من طريق مجاهد إلى قوله: ((ارتَفَعَت))، وزاد: قبلَ أن تَنْبُت.
قوله: ((﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ﴾ أي: بعِلْمي، أنا محقوقٌ بهذا)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٣/٢٥) من
طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بهذا، ولكنَّ لفظه: ((بعَمَلي)) بتقديم الميم على اللّام، وهو
الأشبه، واللّم في (لَيقولَنَّ) جواب القَسَم، وأمَّا جواب الشَّرط فمحذوف، وأبعَدَ مَن قال:
اللّام جواب الشَّرط والفاء محذوفة منه، لأنَّ ذلك شاذٌّ مُخْتَلَف في جوازه في الشِّعر، ويحتمل
أن يكون قوله: ((هذا لي)) أي: لا يَزُول عنِّي.

٢٣٢
سورة فصلت
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال غيره: ﴿سَوَآءُ لِلِسَّآيِلِينَ﴾: قَدَّرَها سواءً)) سَقَطَ ((وقال غيره)) لغير أبي ذرِّ
والنَّسَفيِّ وهو أشبَهُ، فإنَّه معنى قول أبي عبيدة، وقال في قوله: ﴿سَوَّةُ لِلِسَّآبِينَ﴾: نَصَبَها
على المصدَر، وقال الطَّبَرَيُّ: قرأ الجمهور ((سواءً)) بالنَّصب، وأبو جعفر بالرَّفع، ويعقوب
بالجرِّ، فالنَّصب على المصدَر أو على نَعْت الأقوات، ومَن رَفَعَ فعلى القطع، ومَن خَفَضَ
فعلى نَعْت الأيام أو الأربعة.
قوله: ((﴿فَهَدَيْنَهُمْ﴾: دَلَلْناهم على الخير والشرّ، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وكقوله:
﴿هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ والهُدَى الذي هو الإرشاد بمَنزِلة: أسعَدْناه، ومن ذلك قوله: ﴿ أُوْلَكَ
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَ هُمُ أَقْتَدِهِ﴾)) كذا لأبي ذرِّ والأَصِيلِيِّ، ولغيرهما: ((أصعَدْناه)) بالصّادِ
المهمَلة.
قال السُّهَيليُّ: هو بالصّادِ أقرَبُ إلى تفسير أرشَدْناه من أسعدناه بالسِّين المهمَلة، لأنَّه إذا
كان بالسِّين كان من السَّعْد والسَّعادة، وأرشَدتُ الرجل إلى الطَّريق وهَدَيته السَّبيل، بعيدٌ
من هذا التَّفسير، فإذا قلت: أصعدناهم بالصّادِ، خرج اللَّفظ إلى معنى الصُّعُدات في قوله:
((إيّاكم والقُعودَ على الصُّعُدات)) (١) وهي الطُّرق، وكذلك: أصعَدَ في الأرض: إذا سارَ فيها
على قَصْدٍ، فإن كان البخاريّ قَصَدَ هذا وكتبها في نُسخَته بالصّادِ التِفاتاً إلى حديث الصُّعُدات،
فليس بمُنگرٍ، انتھی.
والذي عندَ البخاريّ إنَّما هو بالسِّين كما وَقَعَ عندَ أكثر الرُّواة عنه، وهو منقول من
((معاني القرآن))(٢) قال في قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] يقال: دَلَلناهم
على مذهب الخير ومذهب الشّ، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾، ثمَّ ساقَ عن عليّ في قوله:
﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: الخير والشرّ، قال: وكذلك قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ قال:
والهُدَى على وجه آخر وهو الإرشاد، ومثله قولُك: أسعَدْناه، من ذلك: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ
هَدَى اَللَّهُ فَيَهُدَدُهُمْ أَقْتَدِهِ﴾ في كثير من القرآن.
(١) سلف برقم (٢٤٦٥) بلفظ: ((الطرقات))، وانظر الكلام عليه هناك.
(٢) للفرّاء ١٥/٣.

٢٣٣
سورة فصلت
كتاب التفسير
قوله: (﴿ يُوزَعُونَ﴾: يُكَفُّونَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، أي: يُدفَعونَ،
وهو من: وَزَعتُ. وأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق السُّدِّيِّ في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ قال: عليهم
وَزَعةٌ تَرُدّ أُولاهم على أُخراهم.
قوله: (﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾: قِشْرِ الكُفُرَّى: الكُمّ)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((هي الكُمّ))، زاد
الأَصِيليُّ: واحدها، هو قول الفَرّاء بلفظه، وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾: أي:
أوعيَتها واحدها كُمّة وهو ما كانت فيه، وكُمّ وكُمّة واحد، والجمع أكمام، وأكِمّة.
تنبيه: كاف الكُمّ مضمومة ككُمِّ القميص، وعليه يدلّ كلام أبي عبيدة، وبه جَزَمَ الرَّاغِب،/ ٥٦١/٨
ووَقَعَ في ((الكَشّاف)) بكسر الكاف، فإن ثَبَتَ فلعلَّها لغة فيه دونَ كُمّ القميص.
قوله: ((وقال غيره: ويقال للعِنَب إذا خرج أيضاً: كافورٌ وكُفْرَّى)) ثَبَتَ هذا في رواية
المُستَمْلِي وحده، والكُفُرَّى: بضمِّ الكاف وفتح الفاء وبضمِّها أيضاً والرَّاء مُثقَّلة مقصور، وهو
وِعاء الطَّلْع وقِشره الأعلى، قاله الأصمعيّ وغيره، قالوا: ووِعاءُ كلّ شيء كافوره. وقال
الخطَّبيُّ: قول الأكثرينَ: الكُفُرَّى الطَّلع بما فيه، وعن الخليل: أنَّ الطَّلع.
قوله: (﴿وَلِىُّ حَمِيمٌ﴾: القَريب)) كذا للأكثر، وعندَ النَّسَفيِّ: وقال مَعمَر ... فذكره،
ومَعمَر: هو ابن المثنَّى أبو عُبيدة وهذا كلامه، قال في قوله: ﴿كَنَّهُوَإِىٌّ حَمِيمٌ﴾ الحميم: القريب.
نعم، قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلِىُّ حَمِيمٌ﴾(١) قال: وليٌ قريب.
قوله: (﴿مِن ◌َّحِيصٍ﴾: حاصَ عنه: حادَ عنه)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿مَا لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ﴾
يقال: حاصَ عنه، أي: عَدَلَ وحادَ. وقال في موضع آخر: ﴿مِن مَّحِيصٍ﴾ أي: من مَعدِل.
قوله: (﴿مِرْيَةٍ﴾ ومُرْيةٍ واحدٌ)) أي: بكسر الميم وضمّها ((أي: امتِراءً)) هو قول أبي عُبيدة
أيضاً، وقراءة الجمهور بالكسرِ، وقرأ الحسن البصريّ بالضَّمِّ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ الوَعيدُ)) في رواية الأَصِيلِيِّ: ((هي وعيد))، وقد
وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق سفيان عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾
(١) من قوله: ((الحميم)) إلى هنا، سقط من (س).

٢٣٤
سورة فصلت/ ح ٤٨١٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال: هذا وعيد. وأخرجه عبد الرَّزّاق من وجهَينٍ آخرَينٍ عن مجاهد، وقال أبو عُبيدة: لم يأمرهم
بعملِ الكفر، وإنَّما هو تَوَعُّد.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿اَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ الصَّبرُ عندَ الغضب، والعفوُ عندَ الإساءة،
فإذا فَعَلوا ذلك عَصَمَهم الله وخَضَعَ لهم عدوُّهم ﴿كَأَنَُّوَإِىُّ حَمِيمٌ﴾)) سَقَطَ ﴿كَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيمٌ﴾
من رواية أبي ذرِّ وحدَه وثَبَتَ للباقينَ، وقد وَصَلَه الطَّبَرَيُّ (١١٩/٢٤) من طريق عليّ بن أبي
طلحة عن ابن عبَّاس قال: أمَرَ الله المؤمنينَ بالصَّيرِ عندَ الغضب، والعفوِ عندَ الإساءة ... إلى
آخره، ومن طريق عبد الكريم الجَزَريِّ عن مجاهد: ﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: السَّلامُ.
١ - باب قوله:
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْمَّكُمْ وَلَّ أَبْصَرَّكُمْ﴾ الآية [فصلت: ٢٢]
٤٨١٦- حدّثنا الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن رَوْحِ بنِ القاسمِ، عن
منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي مَعمَر، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ
سَمْعَّكُمْ﴾ الآيةَ، كان رجلانِ من قُرَيشٍ وخَتَنٌّ لهما من ثَقِيفَ أو رجلانٍ من ثَقِيف، وخَتَزٌّ لهما
من قُرَيشٍ في بيتٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: أَتْرَوْنَ أنَّ الله يَسْمَعُ حديثنا؟ قال بعضُهم: يَسْمَعُ
بعضَه، وقال بعضُهم: لَئِن كان يَسْمَعُ بعضَه، لقد يَسْمَعُ كلَّ. فَأَنْزِلَت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ
أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ ﴾ الآيَةَ.
[طرفه في: ٧٥٢١،٤٨١٧]
قوله: ((باب قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَكُمْ وَلَاَ أَبْصَرُّكُمْ﴾ الآية)) قال
الطََّرِيُّ: اختُلِفَ في معنى قوله: ((تَستَتِرونَ)) ثمَّ أخرج من طريق السُّدِّيِّ قال: تَسْتَخْفونَ،
ومن طريق مجاهد قال: تَتَّقونَ، ومن طريق شُعْبة عن قَتَادة قال: ما كنتُمْ تَظُنّونَ أن يَشْهَدَ
عليكم ... إلى آخره.
قوله: ((عن ابن مسعود: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾)) أي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا
كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾.

٢٣٥
سورة فصلت/ ح ٤٨١٧
كتاب التفسير
قوله: ((كان رجلان من قُرَيش وخَتَنٌ لهما من ثَقِيف، أو رجلان من / ثَقيف وخَتَنٌ لهما من ٥٦٢/٨
قُرَيش)) هذا الشكُّ من أبي مَعمَر راويه عن ابن مسعود، وهو عبد الله بن سَخبَرة، وقد
أخرجه عبد الرَّزّاق(١) من طريقٍ وَهْب بن ربيعة عن ابن مسعود بلفظ: ثَقَفِيّ وخَتَنَاهُ قُرَشيّان؛
ولم يَشُكَّ.
وأخرج مسلم (٢٧٧٥) من طريق وَهْب هذه ولم يَسُقْ لفظها، وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٢٤٩)
من طريق عبد الرّحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: ثلاثة نَفَر؛ ولم يَنسُبهم.
وذكر ابن بَشكُوال في ((المبهَمات)) من طريق ((تفسير عبد الغني بن سعيد الثَّقَفيّ)) أحد
الضُّعَفاء بإسناده عن ابن عبَّاس قال: القُرَشِيّ: الأسوَدُ بن عبد يَغُوثَ الزُّهْرِيّ، والنَّقَفيّان:
الأخنَس بن شُرَيق والآخر لم يُسمَّ (٢)، وراجَعتُ ((التَّفسير)) المذكور فوَجَدتُه قال في تفسير
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَّجْوَدُهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] قال: جَلَسَ رجلان عندَ
الكعبة أحدُهما من ثَقيف وهو الأخنَس بن شُرَيق، والآخر من قُرَيش وهو الأسوَد بن عبد
یَغُوث، فذکر الحديث، وفي تنزيل هذا على هذا ما لا يخفى.
وذكر الثَّعلَبيّ وتَبِعَه البَغَويُّ أنَّ الثَّقَفيّ عبد ياليل بن عَمْرو بن عُمَير، والقُرَشيّان:
صفوان وربيعة ابنا أُميَّة بن خَلَف. وذكر إسماعيل بن محمَّد التَّيْمِيُّ في ((تفسيره)) أنَّ القُرَشِيّ
صفوانُ بن أُميَّة، والثَّقَفيّان: ربيعة وحَبيب ابنا عَمْرو، فالله أعلم.
٢- بابٌ
وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُمْ بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [فصلت: ٢٣]
٤٨١٧- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي مَعمَر، عن
عبدِ الله ◌ُ قال: اجتَمَعَ عندَ البيتِ قُرَشيّان وثَّقَفِيٌّ - أو ثَقَفيّان وقُرَشِيٌّ - كثيرةٌ شَحْمُ بُطونِم،
(١) في ((تفسيره)) ١٨٥/٢.
(٢) الذي في ((غوامض الأسماء المبهمة)) لابن بشكوال ٢/ ٧١٤ أنهما رجلان كما ذكر الحافظ نفسه عن ((تفسير
عبد الغني))، فلا يُستدرَك علیه.

٢٣٦
سورة فصلت/ ح ٤٨١٧ م
فتح الباري بشرح البخاري
قليلةٌ فِقْهُ قلوبِهِم، فقال أحدهم: أتْرَوْنَ أنَّ اللهَ يَسْمَعُ ما نقولُ؟ قال الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنا،
ولا يَسْمَعُ إِن أخفَينا، وقال الآخَرُ: إنْ كان يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا، فإنَّه يَسْمَعُ إذا أخفَينا؛ فأَنزَلَ الله
عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرُكُمْ وَلَا جُلُودُّكُمْ﴾ الآيَةَ.
وكان سفيانُ يُحدِّثُنا بهذا فيقول: حدّثنا منصورٌ، أو ابنُ أبي نَحِيح أو مُميدٌ، أحدُهم أو اثنانِ
منهم، ثمَّ ثَبَتَ على منصورٍ، وتَرَكَ ذلك مِراراً غيرَ واحدةٍ.
٤٨١٧م- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٌّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني منصورٌ، عن
مجاهدٍ، عن أبي مَعمَر، عن عبدِ الله ... بنحوِه.
قوله: ((باب ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنْكُ الَّذِى ظَنَفْتُمْ بِرَيَّكُمْ أَرْدَ نَّكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾)) الإشارة
في قوله: ﴿ وَذَلِكُمْ﴾ لما تقدَّم من صَنيع الاستتار ظناً منهم أنَهم يخفى عَمَلُهم عندَ الله، وهو
مُبْتَدَأ والخبر ((أرداكُم))، و((ظَنُّكُمْ)) بدلٌّ من ((ذلِكُم)). ثمَّ ذكر فيه الحديث الذي قبلَه من
طریق أُخرى.
قوله: ((اجتَمَعَ عندَ البيت)) أي: عندَ الكعبة.
قوله: ((كثيرةٌ شَحْمُ بُطونِهِم، قليلةٌ فِقْهُ قلوبهم)) كذا للأكثر بإضافة بُطون لشَحمِ، وإضافة
قلوب لفقهٍ، وتنوين كثيرةٌ وقليلةٌ، وفي رواية سعيد بن منصور والتِّرمِذيّ (٤٢٤٩) من
طريق عبد الرَّحمن بن يزيد عن ابن مسعود: كثيرٌ شَحمُ بطونهم، قليلٌ فِقْهُ قلوبهم. وذكره
بعض الشُّاح بلفظ إضافة شَحْم إلى كثيرة، وبطونُهم بالرَّفع على أنَّه المبتَدَأ، أي: بطونُهم
كثيرة الشَّحم، والآخر مِثلُه، وهو محُتَمَل، وقد أخرجه ابن مَرْدويه من وجه آخر بلفظ:
عظيمةٌ بطونُهم، قليلٌ فِقهُهم. وفيه إشارة إلى أنَّ الفِطْنة قَلَّما تكون معَ البِطْنة، قال الشافعيّ:
ما رأيت سميناً عاقلاً إلّا محمّد بن الحسن.
٥٦٣/٨
قوله: (لَئِن كان يَسْمَعُ بعضَه لقد / سمعَ كلَّه)) أي: لأنَّ نِسْبة جميع المسموعات إليه واحدة،
فالتَّخصيص تَحَكُّم، وهذا يُشعِرِ بأنَّ قائل ذلك كان أفطَنَ أصحابه، وأخلِقْ به أن يكون
الأخنَس بن شُرَيق لأنَّه أسلَمَ بعدَ ذلك، وكذا صفوان بن أُميَّة.

٢٣٧
سورة الشورى
كتاب التفسير
قوله: ((وكان سفيان يُحدِّثُنا بهذا فيقول: حدَّثنا منصور أو ابن أبي نَجِيح أو مُميدٌ، أحدهم
أو اثنان منهم، ثمَّ ثَبَتَ على منصور، وتَرَكَ ذلك مِراراً غير واحدة» هذا كلام الحميديِّ شيخ
البخاريّ فیه، وقد أخرجه عنه في كتاب التوحيد (٧٥٢١) قال: حدّثنا سفيان حدّثنا منصور عن
مجاهد، فذكره مختصراً ولم يَذكُر معَ منصور أحداً، وأخرجه مسلم (٢٧٧٥) والتِّرمِذيّ (٣٢٤٨)
والنَّسائيُّ (ك١١٤٠٤) من طرق عن سفيان بن عيينةَ عن منصور وحده به.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيدِ القَطّان.
قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو الثّوريّ.
قوله: ((عن منصور)) لِسفيانَ فيه إسنادٌ آخر، أخرجه مسلم (٢٧٧٥) عن أبي بكر بن
خَلّاد عن يحيى القَطّان عن سفيان الثَّوريّ عن سُليمان - وهو الأعمَش - عن عمارة بن
عُمَير عن وَهْب بن ربيعة عن ابن مسعود، وكأنَّ البخاريّ تَرَكَ طريق الأعمَش
للاختلاف عليه، قيل عنه هكذا، وقيل: عنه عن عمارة بن عُمَير عن عبد الرَّحمن بن يزيد
عن ابن مسعود، أخرجه التِّرمِذيّ (٣٢٤٩) بالوجهَينِ.
٤٢ - سورة حمّ عَسَقَ
بِسمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
ويُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿عَقِيمًا﴾ [٥٠]: التي لا تَلِدُ.
﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [٥٢]: القرآنُ.
وقال مجاهدٌ: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [١١]: نَسْلٌ بعدَ نَسْلٍ.
﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [١٥]: لا خصومةَ بيننا وبينكم.
﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ﴾ [٤٥]: ذَلِيلٍ.
شَرَعُواْ﴾ [٢١]: ابْتَدَعوا.
﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِةِ﴾ [٣٣]: يَتَحرَّكْنَ ولا يَخْرِينَ في البحرِ.

٢٣٨
سورة الشورى
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سورة حمّ عَسَقّ - ◌ِسْمِ اللَّهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ.
قوله: (ويُذكّر عن ابن عبّاس: ﴿عَقِيمًا﴾: التي لا تَلِدُ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم والطََّرِيُّ
(٢٥/ ٤٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس بلفظ: ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾
قال: لا يُلقِح. وذكره باللَّفظِ المعلَّق بلفظ جُوَييرٍ عن الضَّحّاك عن ابن عبّاس، وفيه ضعف
وانقطاع، فكأنَّه لم يجزِمْ به لذلك.
قوله: ((﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾: القرآنُ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن
ابن عبّاس بهذا، وروى الطَّبَريُّ من طريق السُّدِّيِّ قال في قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ قال:
وَحْياً، ومن طريق قَتَادة عن الحسن في قوله: ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ قال: رحمةً.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾: نَسْلُ بعدَ نَسْل)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد
في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ قال: نَسْلاً بعدَ نَسلِ من الناس والأنعام، وروى الطَّريُّ من
طريق السُّدِّيِّ في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ ﴾قال: تَخِلُقُكُم.
قوله: ((﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾: لا خصومة بيننا وبينكم)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن مجاهد
بهذا، وروى الطَّبَريُّ من طريق السُّدِّيِّ في قوله: ﴿َُّنُهُمْ دَاحِضَةُ عِندَ رَبِهِمْ﴾ قال: هم أهل
الکتاب قالوا للمسلمينَ: کتابُنا قبلَ کتابِکم، ونبيُّنا قبلَ نبِّكُم.
قوله: (﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍ﴾: ذَليلٍ)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ عن مجاهد بهذا، وروى الطََّرُّ من
طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس مِثْلَه، ومن طريق قَتَادة ومن طريق الشُّدِّيِّ في قوله:
﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ﴾ قال: يُسارِقونَ النَّظَرَ، وتفسير مجاهد هو بلازِمِ هذا.
قوله: (﴿شَرَعُواْ﴾: ابْتَدَعوا)) هو قول أبي عبيدة.
قوله: ((﴿فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوٍ﴾: يَتَحَّكْنَ ولا يجرِینَ في البحر) وروى الطَّرُّ من
طريق سعيد عن قَتَادة قال: سُفُن هذا البحر تَجري بالرّيح، فإذا أُمسِكَت عنها الرّيحُ
رَكَدَت، وقوله: يَتَحرَّكْنَ، أي: يَضطِبْن(١) بالأمواجِ، ولا يَجِرِينَ في البحر لسكون الرّيحِ،
(١) في (س): يضربن، والمثبت من الأصلين.

٢٣٩
سورة الشورى/ ح ٤٨١٨
كتاب التفسير
وبهذا التَّقرير يَندَفِع اعتراضُ مَن زَعَمَ أنَّ ((لا)) سَقَطَت في قوله: (يَتَحرَّكنَ)) قال:/ لأنَّهم ٥٦٤/٨
فَسَّروا ((رَواكِدَ)) بسَوَاكِنَ، وتفسير ((رَواكِد)) بسواكن قولُ أبي عبيدة، ولكنَّ السُّكون والحركة في
هذا أمرٌ نِسْبيّ.
١ - باب قوله: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ اَلْقُرْبَ ﴾ [الشورى: ٢٣]
٤٨١٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ المَلِكِ بنِ
مَيسَرةَ، قال: سمعتُ طاووساً، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ سُئِلَ عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ
فِي الْقُرْبَ﴾ فقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: قُرْبَى آلٍ محمَّدٍ وَّهِ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: عَجِلْتَ، إِنَّ النبيَّ ◌َّ لم يكن
بَطْنٌ من قُرَيشٍ إلَّا كان له فيهم قرابةٌ، فقال: إلَّا أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم منَ القَرايةِ.
قوله: ((باب قوله: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبَ﴾)) ذكر فيه حديث طاووس: أنَّ ابن عبّاس سُئِلَ
عن تفسيرها، فقال سعيد بن جُبَير: قُربَى آلٍ محمَّد، فقال ابن عبّاس: عَجِلتَ؛ أي: أسرَعتَ
في التَّفسير. وهذا الذي جَزَمَ به سعيد بن جُبَير قد جاء عنه من روايته عن ابن عبّاس
مرفوعاً، فأخرج الطبراني (٢٦٤١) وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الرَّبيع عن الأعمَش
عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: لمَّا نزلت قالوا: يا رسول الله، مَن قَرابَتُك الذينَ
وَجَبَت علينا مَوَدَّتهم؟ الحديث، وإسناده ضعيف، وهو ساقطٌ لمخالَفَتِهِ هذا الحديثَ
الصَّحيح. والمعنى: إلّا أن تَوَدُّونِي لقَرابَتِي فَتَحفَظُوني، والخِطاب لقُرَيشٍ خاصّةً، والقُربَى
قَرابةُ العُصوبة والرَّحِم، فكأنَّه قال: احفَظُوا للقرابة إن لم تَتَّبِعوني للنُّة. ثمَّ ذكر ما تقدَّم
عن عِكْرمة في سبب نزول ... (١)، وقد جَزَمَ بهذا التَّفْسير جماعة من المفسِّرِينَ واستَنَدوا إلى ما
ذکرته عن ابن عباس من الطبراني وابن أبي حاتم، وإسناده واهٍ فيه ضعيف ورافضيّ.
وذكر الَّتَشَرِيُّ هنا أحاديث ظاهرٌ وضعُها، ورَدَّه الزَّجّاج بما صَحَّ عن ابن عبّاس من
رواية طاووس في حديث الباب، وبما نَقَلَه الشَّعْبيّ عنه، وهو المعتمد، وجَزَمَ بأنَّ الاستثناء
مُنقَطِع.
(١) هنا بياض في الأصول.

٢٤٠
سورة الشورى/ ج ٤٨١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وفي سبب نزولها قول آخر ذكره الواحديّ(١) عن ابن عبّاس قال: لمَّا قَدِمَ النبيّ ◌َّ
المدينةَ كانت تَنوبُهُ نَوائبُ وليس بيَدِه شيء، فجَمَعَ له الأنصار مالاً فقالوا: يا رسول الله، إنَّك ابن
أُختنا، وقد هدانا الله بك، وتَنوبُك النَّوائبُ وحقوق، وليس لك سَعَة، فجَمَعنا لك من أموالنا ما
تستعين به علينا، فنزلت. وهذه من رواية الكَلْبِيّ ونحوه من الضُّعَفاء.
وأخرج(٢) من طريق مِقسَمٍ عن ابن عبّاس أيضاً قال: بَلَغَ النبيَّ وَّر عن الأنصار شيء
فخَطَبَ فقال: ((ألم تكونوا ضُلّالاً فَهَداكم الله بي؟)) الحديث، وفيه فجَثَوْا على الرُّكَب
وقالوا: أنفسُنا وأموالنا لك، فنزلت. وهذا أيضاً ضعيف ويُبطِله أنَّ الآية مكّيَّة، والأقوَى
في سبب نزولها ما أخرجه(٣) عن قَتَادة قال: قال المشركونَ: لعلَّ محمَّداً يَطلُب أجراً على ما
يتعاطاه، فنزلت.
وزَعَمَ بعضهم أنَّ هذه الآية منسوخة، ورَدَّه الثَّعلَبيّ بأنَّ الآية دالّة على الأمر بالتوَدُّدِ
إلى الله بطاعَتِهِ وباتِّباع نبيّه أو صِلَة رَحِمه بتركِ أنَّته أو صِلَة أقاربه من أجله، وكلّ ذلك
مُستَمِّ الحُكم غير منسوخ، والحاصل أنَّ سعيد بن جُبَير ومَن وافَقَه كعليٍّ بن الحسين
والسُّدِّيِّ وعَمْرو بن شُعَيب فيما أخرجه الطَّبَرُّ عنهم حَمَلوا الآية على أمر المخاطَبين بأن
٥٦٥/٨ يُوادِدوا أقاربَ النبيّ وَّهِ، وابنُ/ عبَّاس حَمَلَها على أن يُوادِدوا النبيَّ ◌َل من أجل القَرابة
التي بينَهم وبينَه، فعلى الأوَّل الخِطابُ عامٌّ لجميع المكلَّفينَ، وعلى الثّاني الخِطاب خاصُّ
بِقُرَيشٍ، ويُؤْيِّد ذلك أنَّ السّورة مكّيَّة. وقد قيل: إنَّ هذه الآية نُسِخَت بقوله: ﴿قُلْ مَآ
أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧، صّ: ٨٦]، ويحتمل أن يكون هذا عامّاً خُصَّ بما دَلَّت
عليه آية الباب، والمعنى: أنَّ قُرَيشاً كانت تَصِلُ أرحامها، فلمَّا بُعِثَ النبيُّ وَلّ قَطَعوه فقال:
(١) في ((أسباب النزول)) ص٢٥١.
(٢) ظاهر السياق يُفهِم العطف على تخريج الواحدي لهذا الخبر، وليس كذلك، فإنه لم يذكره في كتابه، وإنما
أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٢٥/٢٥، وسنده ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر، فإنّ فیه یزید بن أبي
زياد - وهو القرشي الهاشمي مولاهم - وهو ضعيف سيِّئ الحفظ.
(٣) قوله: ((ما أخرجه)) أثبتناه من (ع)، وفي (أ) و(س) مكانه بياض، وأثر قتادة هذا ذكره الواحدي في
((أسباب النزول)» أيضاً.