النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة سبأ كتاب التفسير قوله: (﴿مُعَجِزِينَ﴾: مُسابِقِينَ، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتينَ، مُعاجِزيَّ: مُسابقيَّ، ﴿سَبَقُواْ﴾: فاتوا ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾ لا يَفوتونَ، ﴿يَسْبِقُونَ﴾: يُعْجِزونا، قوله: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائِتِينَ، ومعنى مُعاجِزِينَ: مُغاليين، يريد كلُّ واحد منهما أن يُظْهِر عَجْزَ صاحبه)) أمَّا قوله: ((مُعاجِزِينَ: مُسابقينَ)) فقال أبو عبيدة في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ﴾ أي: مُسابقينَ، يقال: ما أنتَ بمُعجِزي، أي: سابقي. وهذا اللَّفظ - أي: ﴿مُعَجِزِينَ﴾ - على إحدى القراءتَيْنِ، وهي قراءة الأكثر في موضعينٍ من هذه السّورة وفي سورة الحجّ [٥١]، والقراءة الأُخرى لابنِ كثير وأبي عَمْرو: ((مُعجِّزينَ)) بالتَّشديد في المواضع الثلاثة، وهي بمعناها، وقيل: معنى ((مُعاجِزِينَ)): مُعاندينَ ومُغالبينَ، / ومعنى ((مُعجِزِينَ)) ناسِبِين غيرَهم إلى العَجْز. ٥٣٦/٨ وأمَّا قوله: ((بمُعجِزِينَ)) فلعلَّه أشارَ إلى قوله في سورة العنكبوت [٢٢]: ﴿ وَمَّا أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾، وقد أخرج ابن أبي حاتم بإسنادٍ صحيح عن عبد الله ابن الُّبَير نحوه. وأمَّا قوله: ((مُعاجِزيَّ: مُسابقيَّ)) فسَقَطَ من رواية الأَصِيلِيِّ وكَرِيمة، وثَبَتَ عندَهما: ((مُعاجِزِينَ: مُغالِينَ)) وَتَكَرَّرَ لهما بعدُ، وقد ظَهَرَ أنَّه بَقِيَّة كلام أبي عُبيدة كما قَدَّمتُه. وأمَّا قوله: ((سَبَقوا ... )) إلى آخره، فقال أبو عبيدة في سورة الأنفال [٥٩] في قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُّواْ﴾ مَجَازُه: فاتُّوا ﴿ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي: لا يَفُوتونَ. وأمَّا قوله: ((يَسبقونا)) فأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] أي: يُعجِزونا. وأمَّا قوله: ((بمُعجِزِينَ: بفائتينَ)) فكذا وَقَعَ مُكرَّراً في رواية أبي ذرٍّ وحده، وسَقَطَ للباقینَ. وأمَّا قوله: ((مُعاجِزِينَ: مُغالِبين ... )) إلى آخره، فقال الفَرّاء: معناه: مُعانِدينَ. وذكر ابن أبي حاتم من طريق يزيد النَّحْويّ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس في قوله: ((مُعاجِزِينَ)) قال: مُراغِمِينَ؛ وكلُّها بمعنّی. ١٨٢ سورة سبأ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((مِعْشارٌ: عُشْرٌ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ. [سبأ: ٤٥] أي: عُشرَ ما أعطَيناهم، وقال الفَرّاء: المعنى: وما بَلَغَ أهلُ مَّة مِعشارَ الذينَ أهلكناهم من قبلهم من القوّة والجسم والولد والعَدَد، والمِعشار: العُشر. قوله: ((يقال: الأُكُلُ: الثَّمَرة)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ [سبأ: ١٦] قال: الخَمْط: هو كلّ شجر ذي شَوْك، والأُكُل: الجَنَى، أي: بفتح الجيم مقصورٌ، وهو بمعنى الثَّمَرة. قوله: (﴿بَعِدْ﴾ وَبَعِّدْ واحدٌ)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ ◌َجَازُه مَجَاز الدُّعاء، وقرأه قوم: (بَعِّد))، يعني: بالتَّشديد. قلت: قراءة ((باعِدْ)) للجُمهورِ، وقرأه (بَعِّد)) أبو عَمْرو وابن كثير وهشام. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾: لا يَغِيب)) وَصَلَه الغِرْيابيُّ عن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عنه بهذا. قوله: (﴿َسَيْلَ اُلْعَرِمِ﴾: السُّدّ) كذا للأكثر بضمِّ المهمَلة وتشديد الدَّال، ولأبي ذرِّ عن الحَقُّوِيِّ: ((الشَّديد)» بمُعجَمةٍ وزن عَظيم. قوله: ((فشَقَّ)) كذا للأكثر بمُعجَمةٍ قبلَ القاف الثَّقيلة، وذكر عِيَاض أنَّ في رواية أبي ذرّ: ((فِبَثَقَه)) بموخَّدةٍ ثمَّ مُثلَّثة قبلَ القاف الخفيفة، قال: وهو الوجه، تقول: بَثَقتُ النَّهرَ: إذا كَسَرتَه لتَصرِفَه عن مجراه. قوله: ((فارتَفَعَتا عن الجَنَبَتَينِ)) كذا للأكثر بفتح الجيم والنُّون الخفيفة بعدَها موخَّدة ثمَّ مُثناة فوقائيّة ثمَّ تحتانيَّة ثمَّ نون، ولأبي ذرِّ عن الحقُّوِيِّ بتشديد النُّون بغير موحّدة تثنية جَنّة. واستُشكِلَ هذا التَّرتيب، لأنَّ السّياق يقتضي أن يقول: ارتَفَعَ الماء على الجَنْبَتَينِ (١)، وارتَفَعَت الجَّان عن الماء، وأُجيبَ بأنَّ المراد من الارتفاع الزَّوال، أي: ارتَفَعَ اسم الجنَّة عنهما، فالتَّقدير: فارتَفَعَت الجَّتَان عن كَوْنهما جَنَّتَينٍ، وتسمية ما بُدِّلوا به جَنَّتينٍ على سبيل المشاكلة. (١) في (أ) و(س): الجنتين، والمثبت من (ع) وهو أوجه. ١٨٣ سورة سبأ كتاب التفسير قوله: ((ولم يكن الماء الأحمر من السُّدّ)) كذا للأكثر بضمِّ المهمَلة وتشديد الدَّال، وللمستَمْلي: ((من السَّيل))، وعندَ الإسماعيليّ: ((من السُّيول)). وهذا الأثر عن مجاهد وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً وقال: ((السُّدّ)) في الموضعَينِ، قال: ((فشَقَّه)) بالمعجَمة والقاف الثَّقيلة، وقال: ((على الجَنَّتَينِ)) تثنية جَنّة كما للأكثر في المواضع كلّها. قوله: ((وقال عَمْرو بن شُرَحْبيل، العَرِمُ: المسَنّاة بلَحْنِ أهل البَمَن، وقال غيره: العَرِمُ: الوادي)» أمَّا قول عَمْرو فَوَصَلَه سعيد بن منصور عن شَرِيك عن أبي إسحاق عن أبي مَيسَرة - وهو عَمْرو بن شُرَحبيل - فذكره سواء، واللَّحْن: اللُّغة، والمُسَنّةِ بضمِّ الميم وفتح المهمَلة وتشديد النّون، وضُبطَ في أصل الأَصِيلِيِّ بفتح الميم وسكون المهمَلة. قال ابن التِّين: المراد بها ما يُبنَى في عُرْض الوادي ليَرَتَفِعَ السَّيل ويفيض على الأرض، وكأنَّه أُخِذَ من عَرَامة الماء: وهو ذهابه كلَّ مَذْهَب. وقال الفَرّاء: العَرِمِ: المسَنّة، وهي مُسَنّاةٌ كانت تَحِبِس الماء على ثلاثة أبواب منها، فيُسَيُِّونَ من ذلك الماء من الباب الأوَّل ثمَّ الثّاني ثمَّ الآخِرِ، ولا يَنفَدُ حتَّى يَرجِعَ الماءُ من السَّنة المقبلة،/ وكانوا أنعَمَ قوم، فلمَّا أعرضوا عن تصديق الرُّسُل وكفروا بَثَقَ الله عليهم ٥٣٧/٨ تلك المسَنّة، فَغَرِقَت أرضهم ودَفَنَ(١) الرَّمل بيوتهم، ومُزِّقوا كلّ تُمَّق، حتَّى صارَ تمزيقهم عندَ العرب مثلاً يقولون: تَفرَّقوا أيدي سَباً. وأمَّا قول غيره، فأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه قال: العَرِم: اسم الوادي، وقيل: العَرِمِ: اسم الجُرَذ الذي خَرَّبَ السَّدَّ، وقيل: هو صفة السَّيل مأخوذ من العَرَامة(٢)، وقيل: اسم المطر الكثير. وقال أبو حاتم: هو جمعٌ لا واحد له من لفظه، وقال أبو عبيدة: سيل العَرِم واحدتها: عَرِمَة، وهو بناء يُحبَس به الماء يُبنَى فُيُشرَف به على الماء في وَسَط الأرض، ويُترك فيه سبیل للسَّفينة، فتلكَ العَرِمات واحدتها: عَرِمة. (١) تصحفت في (س) إلى: ودقت. (٢) والعرامة: الحِدَّة والشَّراسة. ١٨٤ سورة سبأ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((السابغاتُ: الدُّروع)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ ﴾ [سبأ: ١١]، أي: دُروعاً واسعةً طويلة. قوله: ((وقال مجاهد: يُجازَی: یُعاقَب)» وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح عنه، ومن طريق طاووس قال: هو المناقَشةُ في الحِساب، ومَن نُوقِشَ الِحِسابَ عُذِّبَ(١)، وهو الكافر لا یُغفَرُ له. تنبيه: قيل: إنَّ هذه الآية أرجَى آيةٍ في كتاب الله من جهة الحَصْر في الكفر، فمفهومه أنَّ غير الكفر بخِلَاف ذلك، ومِثلُه: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ [طه:٤٨]، وقيل: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى:٥]، وقيل: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقيل: ﴿كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكَِتِهِ،﴾ [الإسراء: ٨٤]، وقيل: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، وقيل: آية الدَّين [البقرة: ٢٨٢]، وقيل: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، وهذا الأخير نَقَلَه مسلم في ((صحيحه)) (٢١٣٦) عن عبد الله بن المبارَك عَقِبَ حديث الإفك، وفي كتاب الإيمان من ((مُستَدرَك الحاكم)) (٦٠/١) عن ابن عبّاس قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قوله: ((﴿أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾: بطاعةِ الله ﴿مَثْنَى وَفُرَدَى﴾: واحدٌ واثنَيْنِ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بهذا. قوله: (﴿التَّنَاؤُشُ﴾: الردُّ من الآخرة إلى الدُّنْيا)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: وَأَنَّى لَمُمُ التَّنَاؤُشُ﴾ قال: الردُّ من مكان بعيد من الآخرة إلى الدُّنيا. وعندَ الحاكم (٢/ ٤٢٤) من طريق التَّميميّ(٢) عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ وَأَّى لَهُ الثَّنَاؤُشُ مِنْ تَكَانٍ بعیدٍ﴾ قال: يسألون الردّ، ولیس بحینِ رَدٌّ. قوله: (﴿ وَبَيِّنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾: من مالٍ أو ولدٍ أو زَهْرة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد مِثْلَه، ولم يَقُل: أو زَهْرة. (١) انظر الحديث رقم (١٠٣) و(٦٥٣٦). (٢) تحرف في المطبوع من (المستدرك)) إلى: التيمي، والتميمي هذا: هو أَربَدَة التميمي روى تفسيراً عن ابن عباس. ١٨٥ سورة سبأ/ ح ٤٨٠٠ كتاب التفسير قوله: ((﴿بِأَشْيَاعِهِم﴾: بأمثالهم)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهدٍ بلفظ: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِن قَبْلُ﴾ قال: الكفَّار من قَبلِهم. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿كَالْجَوَابِ﴾: كالجَوْبةِ من الأرض)) تقدَّم هذا في أحاديث الأنبياء(١)، قيل: الجَوَابي في اللّغة جمع جابية: وهو الحوض الذي يُحِبَى فيه الشَّيء، أي: يُجمَع، وأمَّا الجَوْبة من الأرض فهي الموضع المطمَئِن فلا يستقيم تفسيرُ الجوابي بها، وأُجيبَ باحتمال أن يكون فَسَّرَ الجابيةَ بالجَوْبة ولم يُرِدْ أنَّ اشتقاقَهما واحد. قوله: ((الخَمْط: الأراك، والأثْل: الطَّرْفاء، العَرِمِ: الشَّديد)) سَقَطَ الكلام الأخير للنَّسَفيِّ، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس بهذا كلّه مُفرَّقاً. ١ - بابٌ ﴿حََّ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] ٤٨٠٠- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حذَّثنا سفيانُ، حدَّثْنا عَمْرٌّو، قال: سمعتُ عِكْرمةَ، يقول: سمعتُ أبا هريرةَ، يقول: إنَّ نبيَّ الله ◌َِّ قال: ((إذا قَضَى اللهُ الأمرَ في السماءِ، ضَرَبَتِ الملائكةُ بأجْنِحَتِها خَضَعاناً لقولِه، كأنَّه سِلْسِلةٌ على صَفْوانٍ، فإذا ﴿فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ﴾ للَّذي قال ﴿ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُ / السَّمْعِ، ومُسْتَرِقُو ٥٣٨/٨ السَّمْعِ هكذا بعضُه فوقَ بعضِ - ووَصَفَ سفيانُ بكَفِّه، فحَرَفَها وبَدَّدَ بينَ أصابعِهِ - فَيَسْمَعُ الكلمةَ، فيُلْقِيها إلى مَن تحتَه، ثمَّ يُلْقِيها الآخَرُ إلى مَن تحتَه، حتَّى يُلْقِيَها على لِسانِ الساحرِ أو الكاهنِ، فُرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهابُ قبلَ أن يُلْقِيَها، ورُبّما ألقاها قبلَ أن يُدْرِ گه، فیکذِبُ معها مئةً گذْبةٍ، فيقال: أليسَ قد قال لنا يومَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيُصدَّقُ بتلكَ الكلمةِ التي سُمِعَت منَ السماءِ)). قوله: (باب ﴿حََّ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّاَلْكَبِيرُ﴾﴾)). قوله: (حدّثنا عَمْرو)) هو ابن دینارٍ. (١) بين يدي الحديث رقم (٣٤٢٣). ١٨٦ سورة سبأ/ ح ٤٨٠٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إذا قَضَى اللهُ الأمرَ في السماءِ)) في حديث النَّاس بن سِمْعان عندَ الطبرانيّ مرفوعاً: ((إذا تَكلَّمَ الله بالوحي أخَذَت السماءَ رَجْفٌ شديدة من خوف الله، فإذا سمعَ أهل السماء بذلك صَعِقوا وخَرُّوا سُجَّداً، فيكون أوَّلهم يرفع رأسَه جِبْريل، فيُكلِّمُه الله من وحیه بما أرادَ، فَيَنْتَهي به على الملائكة، كلَّما مرَّ بسَماءٍ سألَه أهلها: ماذا قال رَبُّنا؟ قال: الحقَّ، فَيَنتَهي به حيثُ أُمِرَ)). قوله: ((ضَرَبَت الملائكةُ بأجْنِحَتِها خَضَعاناً)) بفتحَتَينِ من الخُضوع، وفي رواية بضمٍّ أوَّله وسكون ثانيه، وهو مصدر بمعنى: خاضِعینَ. قوله: ﴿كَأَنَّهُ﴾ أي: القول المسْموع ((سِلْسِلةٌ على صَفْوان)) هو مثل قوله في بَدْء الوحي(٢): ((صَلصَلة كصَلصَلة الجَرَس) وهو صوت الملكِ بالوحي، وقد روى ابن مَرْدويه من حديث ابن مسعود رَفَعَه: «إذا تَكلَّمَ الله بالوحي سمع أهلُ السَّماوات صَلصَلةً كصَلصَلة السِّلسِلة على الصَّفوان فيَفزَعونَ، ويَرَونَ أنَّه من أمر الساعة)) وقرأ: ﴿حَّ إِذَا فُزِّعَ﴾ الآية، وأصله عندَ أبي داود (٤٧٣٨) وغيره، وعَلَّقَه المصنِّف موقوفاً، ويأتي في كتاب التوحيد(١) إن شاء الله تعالی. قال الخطَّبيُّ: الصَّلصَلة: صوت الحديد إذا تَحَرَّكَ وتَداخَلَ. وكأنَّ الرِّواية وَقَعَت له بالصّاد، أو أراد أنَّ التَّشبيه في الموضعينِ بمعنى واحد، فالذي في بَدْء الوحي هذا، والذي هنا جَرُّ السِّلسِلة من الحديد إلى الصَّفوان الذي هو الحَجَر الأملَس، يكون الصَّوت الناشئ عنهما سواءً. قوله: ((على صَفْوانٍ)) زاد في سورة الحِجر (٤٧٠١) عن عليّ بن عبد الله: ((قال غيره : - يعني غير سفيان - يَنُفُذِهم ذلك))، في حديث ابن عبّاس عندَ ابن مَرْدويه من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عنه: ((فلا يَنزِلُ على أهل سماء إلّا صَعِقُوا))، وعندَ مسلم (٢٢٢٩) والتِّرمِذيّ (٣٢٢٤) من طريق عليّ بن الحسين بن عليّ عن ابن عبّاس عن رجال من الأنصار: (١) بين يدي الحديث رقم (٧٤٨١). ١٨٧ سورة سبأ/ ح ٤٨٠٠ كتاب التفسير أَّهم كانوا عندَ النبيّ ◌َِّ، فُرُمَيَ بنَجم فاستَنَارَ، فقال: «ما كنتُم تقولون لهذا إذا رُميَ به في الجاهليَّة؟)) قالوا: كنَّا نقول: ماتَ عظيم أو يولد عظيم، فقال: ((إنَّها لا يُرمَى بها لموتِ أحدٍ ولا لحياته، ولكنْ رَبُّنا إذا قَضَى أمراً سَبَّحَ حَمَلةُ العرش ثمَّ سَبَّحَ أهل السماء الذينَ يَلُونَهم حتَّى يَبلُغَ التَّسبيحِ سَماءَ الدُّنيا، ثمَّ يقولون لحمَلة العرش: ماذا قال رَبّكُم؟)) الحديثَ، وليس عندَ التِّرمِذيّ: عن رجال من الأنصار، وسيأتي مَزيدٌ فيه في كتاب التوحيد. قوله: ((ومُسْتَرِقُو السَّمْع)) في رواية عليّ عندَ أبي ذرٍّ: ((ومُستَرِقُ)) بالإفرادِ، وهو فصيحٌ. قوله: ((هكذا بعضُه فوقَ بعض، وَصَفَه سُفْيان)) أي: ابن عُيَينَةَ ((بكَفِّه فحَرَفَها وبَّدَ بينَ أصابعه)) أي: فَرَّقَ، وفي رواية عليّ: ووَصَفَ سفيانُ بَيَدِه ففَرَّجَ بينَ أصابع يده اليُمنَى نَصَبَها بعضَها فوقَ بعض، وفي حديث ابن عبّاس عندَ ابن مَرْدويه: ((كان لكلِّ قبيلٍ من الجِنّ مَقعَدٌ من السماء يسمعونَ منه الوحي)) يعني: يُلقِيها، زاد عليّ عن سفيان: ((حتَّى تَنْتَهيَ إلى الأرض فتُلقَى)). قوله: ((على لسان الساحرِ أو الكاهن)) في رواية الجُرْجانيّ: ((على لسان الآخر)) بدلَ الساحر، وهو تصحيف، وفي رواية عليّ: ((الساحر والكاهن))، وكذا قال سعيد بن منصور عن سفيانَ. قوله: ((فُرُبَّما أدْرَكَ / الشِّهابُ)) إلى آخره، يقتضي أنَّ الأمر في ذلك يقع على حَدٍّ سواء، ٥٣٩/٨ والحديث الآخر يقتضي أنَّ الذي يَسلَمُ منهم قليل بالنّسبة إلى مَن يُدرِكِه الشِّهاب. ووَقَعَ في رواية سعيد بن منصور عن سفيان في هذا الحديث: («فيرمي هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتَّى يُلقَى على فمِ ساحرٍ أو كاهنٍ)). قوله: ((فَيَكذِبُ معها مئة كَذْبة، فيُصَدَّق بتلكَ الكلمة التي سُمِعَت من السماء)) زاد عليّ ابن عبد الله عن سفيان كما تقدَّم في تفسير الحِجْر (٤٧٠١): «فيقولون: ألم يُحْبِرِنا يومَ كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوَجَدْناه حَقّاً؛ للكلمة التي سُمِعَت من السماء))، وفي حديث ابن عبَّاس المذكور: ((فيقول: يكون العامَ كذا وكذا، فيَسمَعه الجِنّ فُيُخِرونَ به الگھنة، فتُخبِرِ ١٨٨ سورة سبأ / ٤٨٠١ فتح الباري بشرح البخاري الكَهَنَةُ الناسَ فَيَجِدونَه))، وسيأتي بَقِيَّة شرح هذا القَدر في أواخر كتاب الطُّبّ (٥٧٦٢) إن شاء الله تعالى. تنبيه: وَقَعَ في تفسير سورة الحِجر في آخر هذا الحديث عن عليّ بن عبد الله: قلت لسفيانَ: إِنَّ إنساناً روى عنك عن عَمْرو عن عِكْرمة عن أبي هريرة: أنَّه قرأ ((فُرَّغَ)) - بضمِّ الفاء وبالرَّاءِ المهمَلة الثَّقيلة وبالغَينِ المعجَمة - فقال سفيان: هكذا قرأ عَمْرو - يعني ابن دينار - فلا أدري سمعَه هكذا أم لا. وهذه القراءة رُوِيَت أيضاً عن الحسن وقَتَادة ومجاهد، والقراءة المشهورة بالزّاي والعين المهمَلة، وقرأها ابن عامر مَبنيّاً للفاعلِ، ومعناه بالزّاي والمهمَلة: أُذهبَ الفَزَعُ عنهم، ومعنى التي بالرَّاءِ والغين المعجَمة: ذهب عن قلوبهم ما حَلَّ فيها. فقال سفيان: هكذا قرأ عَمْرو، فلا أدري سمعَه أم لا، قال سفيان: وهي قراءتنا. قال الكِرْمانيُّ: فإن قيل: كيفَ جازَت القراءة إذا لم تكن مسموعةً؟ فالجواب: لعلَّ مذهبَه جواز القراءة بدونِ السَّماع إذا كان المعنى صحيحاً. قلت: هذا وإن كان مُتَمَلاً، لكن إذا وُجِدَ احتمالٌ غيره فهو أَولى، وذلك أنَّا نَحمِلُ(١) قول سفيان: ((لا أدري سمعَه أم لا)) على أنَّ مُرادَه سمعَه من عِكْرمة الذي حدَّثه بالحديث، لا أنَّه شَكَّ في أنَّه هل سمعَه مُطلَقاً، فالظَّنّ به أن لا يَكتَفيَ في نقل القرآن بالأخذِ من الصُّحُف بغير سماع. وأمَّا قول سفيان: ((وهيَ قراءتنا» فمعناه: أنَّها وافَقَت ما كان يختارُ من القراءة به، فيجوز أن يُنسَب إليه كما نُسِبَ لغيره. ٢ - باب قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] ٤٨٠١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا محمَّدُ بنُ خازِمٍ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبِيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: صَعِدَ النبيُّ بِّهِ الصَّفَا ذاتَ يومٍ، فقال: ((يا صَبَاحاه) فاجتَمَعَت إليه قُرَيْشٌ، قالوا: ما لكَ؟ قال: ((أرأيتم لو أخبَرَتُكم أنَّ العدوَّ يُصَبِّحُكم أو يُمَسِّيكم، أما كنتُم تُصَدِّقوني؟» قالوا: بَلَى، قال: ((فإِنّ نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ)) فقال أبو لهبٍ: تَبَالكَ! ألِهِذا جَمَعْتَنا؟ فأنزَّلَ الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. (١) في (أ) و(س): وذلك محمل، والمثبت من (ع). ١٨٩ سورة الملائكة ويس كتاب التفسير قوله: ((باب قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث ابن عبّاس في نزول قوله تعالى: ﴿ وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرَينَ﴾، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى في سورة الشُّعَراء (٤٧٧٠). ٣٥ - سورة الملائكة ویس بِسمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ القِطْمِيرُ [فاطر: ١٣]: لِفَافةُ النَّوَاةِ. وقال ابنُ عباسٍ: ﴿وَغَاِبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]: أشَدُّ سوادِ الغِرْبِيب. ﴿مُثْقَلَةٌ ﴾ [فاطر: ١٨]: مُثقَّلةٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: الحَرُورُ [فاطر: ٢١] باللَّيلِ، والسَّمُومُ [٢٧] بالنَّهارِ. وقال غيرُه: الحَرُورُ بالنَّهار معَ الشمس. قوله: ((سورة الملائكة ويسّ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لغيره لفظ ٥٤٠/٨ ((سورة)) و((يسَ)) والبسملة، والأَولى سقوطُ لفظ (يسّ)) لأنَّه مُكرَّر. قوله: ((القِطْمير: لِفافة النَّواة)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: وقال مجاهد ... إلى آخره، وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد مِثْلَه. وروى سعيد بن منصور (١) من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس: القِطْمير القِشْر الذي يكون على النَّواة. وقال أبو عبيدة: القِطْمير: الفُوفَة التي فيها النَّواة، قال الشّاعر (٢): وأنتِ لا تُغنِينَ(٣) عنِّي فُوفا قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿وَغَرَبِيبُ سُودٌ﴾ أشدُّ سوادِ الغِرْبيب)) زاد غيرُ أبي ذرٍّ: الشَّديد (١) في قسم التفسير من ((سننه)) (٦٥٠). (٢) هو أبو محمد الفَقْعسي الحذلي، كما في ((لسان العرب)) (بيي). (٣) في الأصلین و (س): تغني، وهو خطأ لا يستقيم به الوزن. ١٩٠ سورة الملائكة ويس فتح الباري بشرح البخاري السَّواد. وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس بلفظ: قال: الغِربيبُ الأسوَد: الشَّديد السَّواد. قوله: ((﴿مُثْقَلَةُ﴾: مُثقَّلة)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وهو قول مجاهد قال: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ أي: مُثقَّلة بذُنوبها. قوله: ((وقال ابن عبّاس: الحَرُورُ باللَّيلِ، والسَّمُومُ بالنَّهار)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ هنا، وتقدَّم في كتاب بَدْء الخلق(١). قوله: ((وقال غيره: الحَرُورُ: بالنَّهارِ معَ الشمس)) ثَبَتَ هذا هنا للنَّسَفيِّ وحدَه، وهو قول رُؤْبة(٢) كما تقدَّم في بَدْء الخلق. ٣٦ - سورة يس وقال مجاهدٌ: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [٤]: شَدَّدْنا. ﴿يَحَسْرَةٌّ عَلَى الْعِبَادِ﴾ [٣٠]: وكان حَسْرةً عليهمُ استِهْزاؤُهم بالرُّسُلِ. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [٤٠]: لا يَسْتُرُ ضَوْءُ أحدِهما ضَوْءَ الآخَرِ، ولا يَنبَغي لهما ذلك. ﴿سَابِقُّ النَّهَارِ﴾ [٤٠]: يَتَطالَبَانِ حَشِيئَينِ. ﴿نَسْلَخُ﴾ [٣٧]: نُخْرِجُ أحدَهما منَ الآخَرِ، وتَخْري كلُّ واحدٍ منهما. ﴿مِّنْ مِّثْلِهِ،﴾ [٤٢]: منَ الأنعامِ. ((فَكِهُونَ) [٥٥]: مُعْجَبونَ. ﴿جُنْدٌ تُحْضَرُونَ﴾ [٧٥]: عندَ الحِساب. ويُذكَرُ عن عِكْرمةَ: ﴿اَلْمَشْحُونِ﴾ [٤١]: المُوقَر. (١) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٩). (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو ذهولٌ منه، فقد سلف في بدء الخلق أنَّ قول رؤية - وهو ابن العجّاج - كقول ابن عباس، أما الذي قال: الحرور بالنهار مع الشمس، فهو أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)) ٢/ ١٥٤. ١٩١ سورة يس كتاب التفسير سورة یس بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿طَيِرَّكُمْ﴾ [١٩]: مَصائبُكُم. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [٥١]: يَخْرُجونَ. ﴿مَّرْقَدِنَا﴾ [٥٢]: تَخْرَجِنا. ﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ [١٢]: حَفِظْناه. مَكانَتُهم [٦٧] ومكانُهم واحدٌ. ٠٠ قوله: ((سورة يسّ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ هنا والصَّواب إثباتُه. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: شَدَّدْنا)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طریق مجاهدٍ. قوله: (﴿يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ وكان حَسْرةً عليهم استِهْزاؤُهم بالرُّسُلِ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ كذلك، وقد أخرج سعيد بن منصور عن سفيان عن عَمْرو بن دينار عن ابن عبّاس أنَّه قرأ: ((يا حَسْرةَ العِبادِ)) بالإضافة (١). قوله: ((﴿ أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ إلى آخره، وقوله: ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ إلى آخره، وقوله: ﴿نَسْلَخُ﴾: نُخْرِج)) إلى آخره، سَقَطَ كلّه لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٢). قوله: ((﴿مِّن مِثْلِهِ،﴾: من الأنعام)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً من طريق مجاهد، وعن ابن عبَّاس قال: المرادُ بالمثلِ هنا السُّفُن، ورُجِّحَ لقوله بعدُ: ﴿وَإِن ◌َّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ إذ الغَرَقُ لا یکون في الأنعام. قلت: ويرجَّح أيضاً بأن وجود الأنعام التي تُركَب سابقٌ على السفينة، وظاهرُ السِّياق (١) وهي من القراءات الشاذّة التي لم يقرأ بها أحدٌ من القراء العشرة، وانظر ((المحتسب في تبيين وجوه شواذٌ القراءات)) لابن جِنِّي ٢/ ٢٠٨. (٢) بین یدي الحديث رقم (٣١٩٩). ١٩٢ سورة يس فتح الباري بشرح البخاري أنَّ الشيء المخلوق الذي هو مثلُ سفينة نوح حَلَّ بعد سفينة نوح، إذ الأنعامُ كانت موجودة قبل سفينة نوح، بخلاف السفن التي تُركَب في البحر، فإنها لم توجد إلّا بعد سفينة نوح(١). قوله: ((فَكِهُونَ: مُعْجَبونَ)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((فاكِهِونَ)) وهي القراءة المشهورة، والأُولى رُوِيَت عن يعقوب الحَضرَميّ(٢)، وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: ﴿فَكِهُونَ﴾: قال: مُعجَبونَ. قال أبو عُبيدة: مَن قرأها ((فاكِهونَ)) جعله كثير الفاكهة، قال الحُطَيئة: ودَعَوتَنِي وَزَعَمتَ أنَّ كَ لابِنٌ في الصَّيفِ تامِرْ أي: عندَك لبنٌ كثير وتمرٌ كثير. وأمَّا ((فَكِهونَ)) فهي قراءة أبي جعفر وشَيْبة(٣)، وهي بوَزنِ ٥٤١/٨ فَرِحونَ، ومعناه مأخوذ/ من الفَكَاهة: وهي التلذُّذ والتنعُّم. قوله: (﴿جُنٌِّ تُحْضَرُونَ﴾: عندَ الِحِساب)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ، وقد وَصَلَه الفِرْیابُّ من طریق مجاهد كذلك. قوله: ((ويُذكَر عن عِكْرمة: ﴿اَلْمَشْحُونِ﴾: المُوقَرِ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في أحاديث الأنبياء(٤)، وجاء مِثْلُه عن ابن عبّاس، وَصَلَه الطََّرِيُّ (٩٢/١٩) من طريق سعيد ابن جُبیر عنه بإسنادٍ حسن. (١) هذه الفِقْرة من (ع) وحدها، ولم ترد في (أ) و(س). (٢) كذا قال الحافظ، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، فالذي قرأها ((فكهون)) بلا ألف هو أبو جعفر المدني من العشرة، وأما يعقوب الحضرمي فقرأها بالألف كبقية العشرة، وانظر ((النشر)) لابن الجزري ٢/ ٣٥٤، ثم أعاد الحافظ الكلام على القراءة بعد أسطر ونسبها إلى أبي جعفر على الصواب. (٣) أما أبو جعفر: فهو يزيد بن القعقاع المدني، أحد القراء العشرة، توفي سنة ١٢٧ أو ١٣٠هـ، وأما شيبة: فهو شيبة بن نِصَاح مولى أم المؤمنين أم سلمة، وكان مقرئ المدينة مع أبي جعفر وقاضيها، توفي سنة ١٣٠ أو ١٣٨ هـ، وكلاهما من رواة الحديث ولهما ترجمة في ((تهذيب الكمال)). (٤) بين يدي الحدیث رقم (٣٤١٢). ١٩٣ سورة يس / ح ٤٨٠٢ - ٤٨٠٣ كتاب التفسير قوله: ((سورة يسّ - بِسْمِ اللّهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرِّ هنا، وسَقَطَ لغيره. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿طَبِرُّكُمْ عِندَ اللَّهِ﴾(١) [النمل: ٤٧]: مَصائبُكم)) وتقدَّم في أحاديث الأنبياء(٢)، وللطَّبَرَيِّ (١٥٧/٢٢) من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: طائرُكم: أعمالكم. وقال أبو عبيدة: طائرُكم، أي: حَظّكم من الخير والشرّ. قوله: ((﴿يَنْسِلُونَ﴾: يَخْرُجونَ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ به. قوله: ((﴿مَّرْقَدِنَا﴾: ◌َخْرَجِنا، وقوله: ﴿أَحْصَيْنَهُ﴾: حَفِظْناه، وقوله: مَكَانتُهم: ومَكانُهم واحدٌ)) سَقَطَ هذا كلّه لأبي ذرٍّ. وسيأتي تفسير ((أحصَيناه)) في كتاب التوحيد (٧٣٩٢). وروى الطَّبَرُّ (٢٦/٢٣) من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ يقول: لَأهلكناهم في مَساكنِهم. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾: المكان والمكانة واحدٌ. ١- باب قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [يس: ٣٨] ٤٨٠٢ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ ◌َُ، قال: كنتُ معَ النبيِّ وَّه في المسجدِ عندَ غُروبٍ الشمس، فقال: ((يا أبا ذرٍّ، أَتَذْري أينَ تَغرُبُ الشمسُ؟)) قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: ((فإنَّهَا تذهبُ حتَّى تَسجُدَ تحتَ العَرْشِ، فذلك قولُه تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ نَّجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيُ اُلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾)). ٤٨٠٣ - حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثْنَا وَكِيعٌ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ النَّْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرِّ، قال: سألتُ النبيَّ بِّهِ عن قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾، قال: ((مُسْتَقَرُّها تحتَ العَرْشِ)). (١) هكذا وقع عند الحافظ ابن حجر ذكرُ هذه الآية من سورة النمل، لكن البخاري يريد الآية التي في سورة يس، وهي ﴿طَرِّكُم مَّمَكُمْ﴾ . (٢) بين يدي الحديث رقم (٣٤٣٠) باب ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْبَةِ﴾. ١٩٤ سورة يس / ح ٤٨٠٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب قوله: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾)) ذكر فيه حديث أبي ذرٍّ: كنت عندَ النبيّ وَّه في المسجد عندَ غُروب الشمس فقال: ((يا أبا ذرٍّ، أين تَغرُب الشمس؟)) قال: اللهُ ورسوله أعلم، قال: ((فإنَّهَا تذهبُ تَسجُد تحت العَرْش، فذلك قوله: ﴿ وَالشَّمْسُ مَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَّهَا﴾)) إلى آخر الآية، هكذا أورَدَه مختصراً، وأخرجه النَّسائيُّ (ك١١٣٦٦) عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي نُعَيم شيخ البخاريّ فيه بلفظ: ((تذهب حتَّى تنتهيَ تحت العَرش عندَ رَبّها)) وزادَ: ((ثمَّ تَستأذِنُ فَيُؤْذَن لها، ويُوشِك أن تَستأذِنَ فلا يُؤْذَن لها، وتَستَشِفِعَ وتَطلُب، فإذا كان ذلك، قيل: اطلُعي من مكانك، فذلك قوله: ﴿ وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾))، وقد ذُكِرَ نحو هذه الزّيادة من غير طريق أبي نُعَیم کما سأُنبّه عليه. قوله في الرّواية الثّانية: ((سألتُ النبيَّ نَّه عن قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَهَا﴾ قال: مُستَقِرُّها تحت العَرْش)) كذا رواه وكيع عن الأعمَش مختصراً، وهو بالمعنى، فإنَّ في الرّواية الأولى أنَّ النبيّ وَ لِّ هو الذي استَفْهَمَه: «أتدري أين تَغُرُب الشمس؟)) فقال: الله ورسوله أعلم. قوله: ((فإنَّهَا تذهب حتَّى تَسجُدَ تحتَ العَرْش)) في رواية أبي معاوية عن الأعمَش كما ٥٤٢/٨ سيأتي في التوحيد (٧٤٢٤): «فإنَّها تذهب فتَستأذِن في السُّجود فيُؤذَن لها، وكأنّها قد/ قیل لها: اطلُعي من حيثُ جِئتِ، فَتَطْلُع من مغربها))، ثمَّ قرأ: ((وذلك مُستَقْرٌّ لها))، قال: وهي قراءة عبد الله. وروى عبد الرَّزّاق(١) من طريق وَهْب بن جابر عن عبد الله بن عَمْرو في هذه الآية قال: مُستَقَرّها أن تَطلُع فيَرُدّها ذُنوبُ بني آدمَ، فإذا غَرَبَت سَلَّمَت وسَجَدَت واستأذَنت فلا يُؤذَن لها، فتقول: إنَّ السَّير بعيد، وإنّي إن لا يُؤْذَن لي لا أبلُغ، فتُحبَس ما شاءَ الله، ثمَّ يقال: اطلُعي من حيثُ غَرَبتِ، قال: فمن يومِئِذٍ إلى يوم القيامة لا يَنفَعُ نفساً إیمانُها. (١) في ((المصنف)) (٢٠٨١٠)، و((التفسير)) ١٤٢/٢. ١٩٥ سورة الصافات كتاب التفسير وأمَّا قوله: (تحت العَرْش)) فقيل: هو حينَ محاذاتِها، ولا يخالف هذا قوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فإنَّ المراد بها نهاية مَدرَكِ البَصَر إليها حالَ الغُروب، وسجودها تحت العَرش إنَّما هو بعدَ الغُروب. وفي الحديث رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ المراد بمُستَقْرِّها غايةُ ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطوَلُ يومٍ في السَّنة، وقيل: إلى مُنتَهى أمرها عندَ انتِهاء الدُّنيا. وقال الخطَّابيُّ: يحتمل أن يكون المرادُ باستقرارها تحت العرش أنَّها تَستَقِرّ تحته استقراراً لا نُحِيط به نحن، ويحتمل أن يكون المعنى: إنَّ(١) عِلمَ ما سألتَ عنه من مُستَقرّها تحت العرش في كتابٍ كُتِبَ فيه ابتداءُ أُمور العالم ونهايتها، فيُقطَع دَوَران الشمس وتَستَقِرّ عندَ ذلك ويَبطُل فِعلُها، وليس في سجودها كلّ ليلة تحت العَرش ما يُعِيق عن دَوَرانها في سَيْرِها. قلت: وظاهر الحديث أنَّ المراد بالاستقرار وقوعُه في كلّ يومٍ وليلةٍ عندَ سجودها، ومُقابِل الاستقرار السَّير الدَّائم المعَبَّر عنه بالجَرْي، والله أعلم. ٣٧- سورة الصافَّات بِسْمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿َوَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣]: من كلِّ مكانٍ. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴾ ﴿ دُخُورًا﴾ [الصافات: ٨-٩]: يُرِمَوْنَ. ﴿وَاصِبُ ﴾ [٩] : دائمٌ. لازِبٌّ [١١]: لازِمٌ. تَأْتُونَنَاعَنِ الْيَمِينِ﴾ [٢٨] يعني: الحقَّ، الكفَّارُ تقولُه للشَّياطين. ﴿غَوْلٌ﴾ [٤٧]: وَجَعُ بَطْنٍ. ﴿يُنْزَفُونَ﴾ [٤٧]: لا تذهبُ عقوهُم. (١) في (أ) و(س): أو، والمثبت من (ع) و((أعلام الحديث)) للخطابي ٣/ ١٨٩٣، وهو الصواب. ١٩٦ سورة الصافات فتح الباري بشرح البخاري ﴾ [٥١]: شيطانٌ. قرين ﴿ يُهْرَعُونَ﴾ [٤٧]: كهَيْئَةِ الهَرْوَلِةِ. ﴿يَزِفُونَ﴾ [٩٤]: النَّسَلانُ فِي المَشْيِ. وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [١٥٨]: قال كفَّارُ قُرَيشِ: الملائكةُ بناتُ اللّه، وأُمَّهاتُهم بناتُ سَرَواتِ الجِنِّ، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [١٥٨]: سَتُحْضَرُ للحِسَاب. وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿لَنَحْنُ الْصَآَُّونَ﴾ [١٦٥]: الملائكةُ. ﴿صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ [٢٣] ﴿سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ [٥٥]، ووَسَطِ الجَحيمِ. ﴿لَشَوْبًا﴾ [٦٧]: يُخْلَطُ طعامُهم ويُساطُ بالحَمِيمِ. مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]: مَطْروداً. ﴿بَيْضُ ◌َكْنُونٌ﴾ [٤٩]: الُّؤْلُؤُ المكنونُ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِرِينَ﴾ [٧٨]: يُذكَرُ بخيرٍ. الأَسبابُ [ص: ١٠، غافر: ٣٦]: السماءُ. ويقال: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [١٤]: يَسْخَرونَ. ﴿بَعْلًا﴾ [١٢٥]: رَبّاً. قوله: ((سورة الصّافّات - بِسْمِ اللّهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ)). قوله: ((وقال مجاهد: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن ◌َكَانٍ بَعِيدٍ﴾: من كلّ مكان، ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُخُورًا﴾: يُرْمَوْنَ. ﴿وَاصِبُ﴾: دائمٌ. لازِبٌ: لازِمٌ)) سَقَطَ هذا كلّه لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم بعضه في بَدْء الخلق(١). وروى الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يقولون: هو ساحر، هو كاهن، هو شاعر، وفي قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ قال: لازِم، وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبُ﴾ أي: (١) بين يدي الحديث رقم (٣٢٦٨). ١٩٧ سورة الصافات كتاب التفسير دائم، وفي قوله: ﴿مِّنْ طِينٍ لَّازِبٍ﴾ هي بمعنى اللّازِم، قال النابغة: ولا يَحسَبون الشَّرَّ ضَربَةَ لازِبٍ أي: لازِمِ. قوله: (﴿ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ يعني الحقَّ، الكفَّارُ تقوله للشَّياطينِ)) ووَقَعَ في رواية الكُشْمِیھنيِّ: ((يعني الجِنّ)» بجيم ثمَّ نون، ونَسَبَه عِیَاض للأکثر، وقد وَصَلَه الفِرْیاہُّ عن مجاهد بلفظ: ﴿إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، / قال: الكفَّارُ تقوله للشَّياطينِ، ولم يَذكُر الزّيادة، ٥٤٣/٨ فدَلَّ على أنَّه شرحٌ من المصنِّ، ولِكلٍّ من الرِّوايتَينِ وجه، فمَن قال: ((يعني الجِنّ)) أراد بيان المَقُول له وهم الشَّياطين، ومَن قال: ((الحقّ)) بالمهمَلة والقاف، أراد تفسير لفظ ((اليمين))، أي: كنتُم تأتونَنا من جهة الحقّ فتُلِّسونه علينا، ويُؤيِّده تفسير قَتَادة قال: يقول الإنس للجِنِّ: كنتُم تأتونَنا عن اليمين، أي: من طريق الجَنَّة تَصُدّونَنا عنها. قوله: ((﴿غَوْلٌ﴾: وَجَعُ بَطْن، ﴿يُنَزَفُونَ﴾: لا تذهب عقولهم، ﴿قَرِينٌ﴾: شيطانٌ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ، وقد وَصَلَه الفِرْیابيُّ عن مجاهد كذلك. قوله: (﴿يُهْرَعُونَ﴾: كهَيْتَةِ الهَرْوَلة)» وَصَلَه الفِرْیابيّ أیضاً عن مجاهدٍ كذلك. قوله: ((﴿يَزِفُونَ﴾: النَّسَلانُ في المَشْي)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق شِبْل، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَرِفُونَ﴾ قال: الوَزِيف: النَّسَلان. انتهى، والنَّسَلان بفتحَتَينِ: الإسراع معَ تَقارُب الخُطا، وهو دونَ السَّعْي. قوله: (﴿وَبَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ ... )) إلى آخره، سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(١). قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿لَنَحْنُ الَّافُونَ﴾: الملائكةُ)) وَصَلَه الطََّريّ (١١٢/٢٣)، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٢). قوله: (﴿صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾، ﴿سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾، ووَسَط الجَحيم، ﴿لَشَوْبًا﴾: يُخْلَط طعامهم (١) بين يدي الحديث رقم (٣٢٩٦). (٢) بين يدي الحديث رقم (٣٢٠٧). ١٩٨ سورة الصافات/ ح ٤٨٠٤ فتح الباري بشرح البخاري ويُسَاط بالحَميم، ﴿مَّدْحُورًا﴾: مَطْروداً)) سَقَطَ هذا كلّه لأبي ذرٍّ وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(١)، قال بعض الشُّرّاح: أراد أن يُفسِّر ﴿ دُحُورًا﴾ التي في الصافّات ففَسَّرَ ﴿مَّدْحُورًا ﴾ التي في سورة الإسراء. قوله: ((﴿ بَيْضُ مَكْنُونٌ﴾: اللُّؤْلُؤ المكنون)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿كَنَّهُنَّبَيْضُ مَّكْنُونٌ﴾، أي: مَصُونٌ، وكلُّ شيء صُنتَه فهو مَكْنون، وكلُّ شيء أضمَرتَه في نفسك فقد أكنَنتَه. قوله: (﴿ وَتَكْنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِينَ﴾: يُذكَر بخيرٍ)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيِّ وحده، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٢). قوله: (﴿اَلْأَسْبَابُ﴾: السماء)) سَقَطَ هذا لغير أبي ذرٍّ، وثَبَتَ لِلنَّسَفيِّ بلفظ: ((ويقال))، وقد وَصَلَه الطََّرِيُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس. قوله: ((يقال: ﴿يَسْتَسِْرُونَ﴾: يَسْخَرونَ)) ثَبَتَ هذا أيضاً للنَّسَفيِّ وأبي ذرِّ فقط، وقال أبو عُبيدة: يَستَسخِرونَ ويَسخَرونَ سواءٌ. قوله: (﴿بَعْلًا﴾: رَبّا) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيِّ وحده، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس: أنَّه أبصَرَ رجلاً يَسُوق بقرةً فقال: مَن بَعْلُ هذه؟ قال: فِدَعَاه فقال: مَّنْ أنتَ؟ فقال: من أهل اليمن، قال: هي لغة، ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أي: رَبّاً، وَصَلَه إبراهيم الحَرْبيّ في ((غريب الحديث)) من هذا الوجه مختصَراً مُقتصِراً على آخره، ولَمَحَ المصنّف بهذا القَدْر من قِصّة إلياس، وقد ذكرتُ خبره في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٢) عندَ ذِكْر إدريس. ١- باب قوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ٤٨٠٤- حدّثنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ◌ُ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّ: ((ما يَنبَغي لأحدٍ أن يكونَ خيراً من ابنِ مَتَّى)). (١) بین یدي الحدیث رقم (٣٢٥٨). (٢) بعد الحديث رقم (٣٣٤١). ١٩٩ سورة ص/ ح ٤٨٠٥ -٤٨٠٧ كتاب التفسير ٤٨٠٥ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُلَيح، قال: حدَّثني أبي، عن هلالِ بنِ عليٍّ، من بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ عُه، عن النبيِّ وَّ، قال: (مَن قال: أنا خيرٌ من يونُسَ بنِ مَتَّى، فقد كَذَبَ)). قوله: ((باب قوله: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾)) ذكر فيه حديث ابن مسعود: ((لا ينبغي لأحدٍ أن يكون خيراً من يونس/بن مَتَّى))، وحديث أبي هريرة: ((مَن قال: أنا خير من ٥٤٤/٨ يونس بن مَتَّى، فقد كَذَبَ))، وقد تقدَّم شرحه في أحاديث الأنبياء (٣٤١٥) ولله الحمد. ٣٨- سورة صّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ ٤٨٠٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن العَوّام، قال: سألتُ مجاهداً عن السَّجْدةِ في ﴿صّ﴾، قال: سُئِلَ ابنُ عبَّاسِ، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَئُهُمُ أُقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وكان ابنُ عبَّاسٍ يَسجُدُ فيها. ٤٨٠٧ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ الطَّنَافِسيُّ، عن العَوّامِ، قال: سألتُ مجاهداً عن سَجْدةِ ﴿صّ﴾، فقال: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ: من أينَ سَجَدْتَ؟ فقال: أوَما تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيَّمَنَ .. أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَ ثَهُمُ أُقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٨٤- ٩٠]، فكان داودُ مَّن أُمِرَ نِبِيُّكُمْ وَِّ أن يَقْتَدِيَ به، فسجدَها داودُ، فسَجَدَها رسولُ الله ◌َالت. ◌ُجَابٌ﴾ [٥]: عَجِيبٌ. القِطُّ: الصَّحِيفةُ، هو هاهنا: صَحِيفةُ الحسَناتِ. وقال مجاهدٌ: ﴿فِ عِزَّقِ﴾ [٢]: مُعازِّينَ. ﴿اَلْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ [٧]: مِلَةُ قُرَيشٍ. الاختِلاقُ [٧]: الكَذِبُ. قولُه: ﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [١١] يعني قُرَيشاً. الأسبابُ [١٠]: طُرقُ السماءِ في أبوابِها. ٢٠٠ سورة ص/ ح ٤٨٠٦ -٤٨٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ﴿ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [١٣]: القُرونُ الماضيةُ. ﴿فَوَاقٍ ﴾ [١٥]: رُجوع. ﴿قِطَّنَا﴾ [١٦]: عَذابَنا. ﴿الصَّفِنَتُ﴾ [٣١]: صَفَنَ الفَرَسُ: رَفَعَ إحدَى رِجْلَيهِ حتَّى تكونَ على طَرَفِ الحافرِ. ﴿اَلِْيَادُ﴾ [٣١]: السِّراعُ. ﴿جَسَدًا﴾ [٣٤]: شيطاناً. وَرُغَةَ﴾ الرُّخاءُ: الطيِّب ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [٣٦]: حيثُ شاءَ. ﴿ فَمْتُنْ﴾: أَعطِ ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [٣٩]: بغيرِ حَرَجٍ. أَّخَذْنَهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [٦٣]: أَحَطْنا بهم. ﴿أَنْرَبُ﴾ [٥٢]: أمثالٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: الأَيِّدُ [١٧]: القوّةُ في العبادةِ، الأَبصارُ [٤٥]: البَصَرُ في أمرِ الله. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ﴾ [٣٢]: مِن ذِكْرِ. ﴿طَفِقَ مَسْحاً﴾ [٣٣]: يَمْسَحُ أعرافَ الخيلِ وعَراقِبَها. ﴿اَلْأَصْفَادِ ﴾ [٣٨]: الوَثَاقِ. قوله: ((سورة صّ - ◌ِسمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة فقط للنَّسَفيِّ، واقتَصَرَ الباقونَ على ((صّ))، وحُكمُها حُكمُ الحروف المقَطَّعة أوائل السُّوَر، وقد قرأها عيسى بن عمر بكسر الدَّال، فقيل: للدَّرْج، وقيل: بل هي عندَه فِعلُ أمر من المصادَاةِ: وهي المعارضة، كأنَّه قيل: عارِضِ القرآنَ بعمَلِك(١)، والأوَّل هو المشهور. وسيأتي مزيد بيانٍ في أسماء السّور في أوَّل غافر (٤٨١٥). (١) تحرف في الأصلين إلى: بعلمك، والتصويب من (س) وكتب التفسير، أي: اعرض عملك على القرآن، فانظر أین عملك منه.