النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٨-٤٧٨٩ كتاب التفسير ٧- باب قوله: ﴿تُرجِئُ (١) مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ أَبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ [الأحزاب: ٥١] قال ابنُ عبَّاسٍ: تُرجِىُّ: تُؤَخِّرُ، ((أَرْجِئْه)) [الأعراف: ١١١ والشعراء: ٣٦]: أخّرْه. ٤٧٨٨ - حدَّثنا زكريًّا بنُ يحيى، حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: هشامٌ حدَّثنا عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها، قالت: / كنتُ أغارُ على اللّتِي وَهَبنَ أنفُسَهِنَّ لِرسولِ اللهِوَةِ، وأَقولُ: أَتَهَبُ ٥٢٥/٨ المرأةُ نفسَها؟ فلمَّا أَنزَلَ الله تعالى: ﴿تُرجِىُّ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ قلتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسارعُ فِي هَوَاكَ. [طرفه في: ٥١١٣] ٤٧٨٩ - حدَّثنا حِبّانُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عاصمٌ الأحوَلُ، عن مُعَاذَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله وَِّ كان يَستَأذِنُ في يوم المرأةِ مِنّا، بعدَ أن أُنزِلَت هذه الآيةُ: ﴿تُرجِىُّ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فقلتُ لها: ما كنتِ تقولِينَ؟ قالت: كنتُ أقولُ له: إن كان ذاكَ إليّ، فإنّ لا أُرِيدُ يا رسولَ الله أن أُوثِرَ عليكَ أحداً. تابَعَه عبّادُ بنُ عبّادٍ، سمعَ عاصماً. قوله: ((باب قوله: ﴿تُرجِئُ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾)) كذا للجميع، وسَقَطَ لفظ ((باب)) لغير أبي ذرٍّ، وحكى الواحديّ عن المفسّرينَ أنَّ هذه الآية نزلت عَقِبَ نزول آية التَّخيير، وذلك أنَّ التَّخيير لمَّا وَقَعَ أشفَقَ بعضُ الأزواج أن يُطلِّقَهنَّ ففَوَّضنَ أمر القَسْم إليه، فَأُنزِلَت ﴿نُرْجِى مَن ◌َشَآءُ ﴾ الآيَةَ. (١) هكذا قرأها مهموزاً أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وقرأ بقية السبعة: «تُرچي)» غیر مهموز. (السبعة)) لابن مجاهد ص٥٢٣. وأما قوله: ((أرجثْه)) بالهمز فقراءة أبي عمرو وابن كثير وابن عامر من السبعة، وقرأ الباقون: ((أَرجِهْ)) بغير همز. ((السبعة)) ص٢٨٧-٢٨٨. ١٦٢ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال ابن عبّاس: تُرجِئُ: تُؤَخِّر)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس به. قوله: «أَرجِئْهُ: أخّرْه)) هذا من تفسير الأعراف والشُّعَراء، ذكره هنا استطراداً، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً من طريق عطاء عن ابن عبّاس قال في قوله: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ قال: أخِرْه وأخاه. قوله: ((حدَّثنا زكريًّا بن يحيى)) هو الطائيّ، وقيل: البَلْخيّ، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في العيدَينِ(١). قوله: ((حدَّثنا أبو أسامة، قال: هشامٌ حدَّثنا)) هو من تقديم المخبر على الصیغة، وهو جائز. قوله: ((كنت أغارُ)) كذا وَقَعَ بالغَينِ المعجَمة من الغَيْرة، ووَقَعَ عندَ الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن بِشْر عن هشام بن عُرْوة بلفظ: كانت تُعيِّر اللّتي وَهَبنَ أَنفُسَهنَّ؛ بعينٍ مُهمَلة وتشدید. قوله: ((وَهَبْنَ أَنفُسَهِنَّ» هذا ظاهر في أنَّ الواهبة أكثرُ من واحدة، ويأتي في النِّكاح (٥١٢١ و٥١٤٩) حديث سَهْل بن سعد: أنَّ امرأة قالت: يا رسول الله، إنّ وهبتُ نفسي لك، الحديث، وفيه قِصّة الرجل الذي طلبَها قال: ((التَمِسْ ولو خاتَماً من حديد)). ومن حديث أنس: أنَّ امرأة أتت النبيَّ ◌َّ فقالت له: إنَّ لي ابنة - فذكرت من جمالها - فأثَرتُك بها، فقال: ((قد قبلتُها)) فلم تَزَل تَذكُر حتَّى قالت: لم تُصدَّع قَطّ، فقال: ((لا حاجة لي في ابنتك))، وأخرجه أحمد أيضاً (١٢٥٨٠)(٢)، وهذه امرأة أُخرى بلا شكّ. وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة: التي وَهَبَت نفسها للنبيِّ ټّر هي خولة بنت حكيم، وسيأتي الكلام عليه في كتاب النِّكاح، فإنَّ البخاريّ أشارَ إليه مُعلَّقاً (٥١١٣)، ومن طريق (١) سلفت رواية البخاري عن زكريا بن يحيى في العيدين برقم (٩٦٦)، لكنَّ الحافظ ابن حجر في ذلك الموضع لم يبيِّن شيئاً، إنما ذكر شيئاً في نسبته عند الحديث (٤٦٣) في المساجد. (٢) وفي سنده مقال. ١٦٣ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٩ : كتاب التفسير الشَّعْبيّ قال: من الواهبات أمّ شَرِيك، وأخرجه النَّسائيُّ (ك٨٨٧٩) من طريق عُرْوة، وعندَ أبي عبيدة مَعمَر بن المثنَّى: أنَّ من الواهبات فاطمة بنت شُرَيح، وقيل: إنَّ ليلى بنت الخَطِيم ثمَّن وَهَبَت نفسها له، ومنهنَّ زينب بنت خُزيمةَ، جاء عن الشَّعْبِيّ، وليس بثابتٍ. وخَوْلة بنت حَكيم وهو في هذا ((الصَّحيح)) (٥١١٣)، ومن طريق قَتَادة عن ابن عبّاس قال: التي وَهَبَت نفسها للنبيِّ وَّهِ هي ميمونة بنت الحارث، وهذا مُنْقَطِعٍ، وأورَدَه من وجه آخر مُرسَل، وإسناده ضعيف. ويعارضه حديث سماك/ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: لم يكن عندَ رسول الله وَلّ امرأة ٥٢٦/٨ وَهَبَت نفسها له، أخرجه الطَّبَرِيُّ (٢٣/٢٢) وإسناده حسن، والمراد: أنَّه لم يَدخُل بواحدةٍ مَّنْ وَهَبَت نفسها له وإن كان مُباحاً له، لأنَّه راجعٌ إلى إرادته لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِجَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقد بيَّنت عائشةً في هذا الحديث سبب نزول قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾، وأشارت إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَّةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِّمْنَامَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِّ أَزْوَجِهِمْ﴾، وروى ابن مَرْدويه من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عبّاس أيضاً قالا: فَرَضَ عليهم أن لا نِكَاحَ إلّ بَوَلِيٍّ وشاهدَينِ. قوله: ((ما أُرَى رَبَّك إلّا يُسارع في هَوَاك)) أي: ما أرَى اللهَ إلّا مُوجِداً لمَا تريد بلا تأخير، مُنزِلاً لمَا تُحِبّ وتختار. وقوله: (﴿تُرْجِئُ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾)) أي: تُؤَخِّرُهنَّ بغير قَسْم، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطَّبَريُّ عن ابن عبّاس ومجاهد والحسن وقَتَادة وأبي رَزِين وغيرهم، وأخرج الطَّبَرَيُّ أيضاً عن الشَّعْبِيّ في قوله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَ﴾ قال: كُنَّ نساءٌ وَهَبنَ أَنفُسَهنَّ للنبِّ ◌َّةِ، فَدَخَلَ ببعضِهِنَّ وأرجَأَ بعضَهنَّ لم يَنكِحهنَّ، وهذا شاذٌّ، والمحفوظ أنَّه لم يَدخُل بأحدٍ من الواهبات كما تقدَّم. وقيل: المراد بقوله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ أنَّه كان هَمَّ بطلاق بعضهنَّ، فقُلنَ له: لا تُطلِّقْنا واقسِمْ لنا ما شئت، فكان يَقسِم لبعضِهِنَّ قَسْماً مُستَوياً، وهنَّ اللّاتي آواهنَّ، ويَقسِم للباقي ما شاءَ، وهنَّ اللّاتي أرجَأَهنَّ. ١٦٤ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٩ فتح الباري بشرح البخاري فحاصل ما نُقِلَ في تأويل ﴿تُرْجِى﴾ أقوال: أحدها: تُطلِقٍ وتُمسِك، ثانيها: تَعتَزِل مَن شئتَ منهنَّ بغير طلاق وتَقسِم لغيرها، ثالثها: تَقْبَل مَن شئت من الواهبات وتَرُدّمَن شئت، وحديث الباب يُؤيِّد هذا والذي قبلَه، واللَّفظ مُحْتَمِل للأقوال الثلاثة. وظاهر ما حَكَتْه عائشة من استئذانه أنَّه لم يُرجِئْ أحداً منهنَّ، بمعنى أنَّه لم يَعتَزِل، وهو قول الزُّهْريّ: ما أعلم أنَّه أرجَأَ أحداً من نسائه، أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قَتَادة: أطلقَ له أن يَقْسِمَ كيفَ شاءَ فلم يَقسِم إلّا بالسَّوِيَّة. قوله: ((يَستَأذِن المرأة في اليوم)) أي: الذي يكون فيه نَوبَتُها إذا أراد أن يَتَوجّه إلى الأُخرى. قوله: (تابعَہ عبّادُ بن عبّاد سمعَ عاصماً)» وَصَلَه ابن مردويه في ((تفسیره) من طریق یحیی ابن مَعِين عن عبّاد بن عبّاد، ورُوِّيناه في الجزء الثّالث من حديث يحيى بن مَعِين روايةَ أبي بكر المروزيِّ عنه من طريق المِصريّينَ إلى المروزيِّ. تكميلٌ: اختُلِفَ في المنفيّ في قوله تعالى في الآية التي تَلي هذه الآية، وهي قوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾، هل المراد بعدَ الأوصاف المذكورة فكان يَحِلّ له صِنفٌ دونَ صِنف؟ أو بعدَ النِّساء الموجودات عندَ التَّخيير؟ على قولَينِ، وإلى الأوَّل ذهب أُبيُّ بن كعب ومَن وافَقَه، أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات ((المسنَد)) (٢١٢٠٨)، وإلى الثّاني ذهب ابن عبَّاس ومَن وافَقَه، وأنَّ ذلك وَقَعَ مُجازاةً لهنَّ على اختيارهنَّ إيّاهِ، نَعَم الواقعُ أنَّه ◌َلَ لم يَتَجَدَّد له تزوُّجُ امرأةٍ بعدَ القِصّة المذكورة، لكنَّ ذلك لا يَرفَع الخِلاف، وقد روى التُّرمِذيّ (٣٢١٦) والنَّسائيُّ (٣٢٠٤) عن عائشة: ما ماتَ رسول الله ◌َِّ حَتَّى أُحِلَّ له النِّساء، وأخرج ابن أبي حاتم عن أمّ سَلَمةَ رضي الله عنها مِثلَه. ٨- باب قوله: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] يقال: إِنَاهُ: إدراكُه، أَنَى يَأْنِي أَنَاةً فهو آنٍ. ١٦٥ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٩ كتاب التفسير ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [٦٣] إذا وَصَفْتَ صفةَ المؤنَّثِ قلتَ: قَريبةً، وإِذا جَعَلْتَهَ ظَرْفاً وبَدَلاً ولم تُرِدِ الصِّفةَ، نَزَعْتَ الهاءَ منَ المؤنَّثِ، وكذلك لَفْظُها في الواحِدِ والاثنَيْنِ والجميعِ، للذَّكَرِ والأُنثَى. قوله: ((باب قوله: ﴿لَا نَدْ خُلُواْ بُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٥٢٨/٨ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾)) كذا لأبي ذرٍّ والنَّسَفيِّ، وساقَ غيرهما الآية كلّها. قوله: ((يقال: إناهُ: إِذْراكُه، أنَى يَأْني أناةً، فهو آنٍ) أنَى بفتح الألف والنُّون مقصور، ويآني بكسر النّون، وأناةً بفتح الهمزة والنُّون مُقَّفاً وآخره هاء تأنيث بغير مَدّ، مصدَر، قال أبو عبيدة في قوله: (﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنْهُ﴾ أي: إدراكَه وبُلوغَه، ويقال: أَنَى يأني أنّياً، أي: بَلَغَ وأدرَكَ، قال الشّاعر(١): تَمَخَّضَتِ المَنُونُ له بَيَومِ أَنَى، ولِكلِّ حاملةٍ قَامُ وقوله: ((أنّياً)) بفتح الهمزة وسكون النُّون مصدرٌ أيضاً. وقرأ الأعمَش وحدَه: ((آنَاهُ)) بمَدِّ أوَّله بصيغة الجمع مثل: آناءَ اللَّيل، ولكن بغير همز في آخره. قوله: ((﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِبِبًا﴾ إذا وَصَفْتَ صفةَ المؤنَّث قلتَ: قريبةً، وإذا جَعَلْتَه ظَرْفاً وبَدَلاً ولم تُرِدِ الصِّفة نَزَعْتَ الهاء من المؤنَّث، وكذلك لَفْظها في الواحد والاثنَينِ والجمع لذَّكر والأُنثَى)) هكذا وَقَعَ هذا الكلام هنا لأبي ذرِّ والنَّسَفيِّ، وسَقَطَ لغيرهما وهو أوجَهُ، لأَنَّه وإن اَّجَهَ ذِكرُه في هذه السّورة لكن ليس هذا محلّه، وقد قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ مَجَازُه مَجَازُ الظَّرف/ هاهُنا، ولو كان وصفاً للساعة ٥٢٩/٨ لكان ((قريبةً))، وإذا كانت ظَرفاً فإنَّ لفظها في الواحد وفي الاثنين والجمع من المذكَّر والمؤنَّث واحدٌ بغير هاء وبغير جمع وبغير تثنية. وجَوَّزَ غيره أن يكون المراد بالساعة اليوم، فلذلك ذكَّره، أو المراد شيئاً قريباً أو زماناً (١) اختلف في القائل، فنُسب إلى عمرو بن حسان الشيباني، وقيل: سهم بن خالد الشيباني، وقيل: خالد بن حِقٌّ الشيباني، انظر (تاج العروس)) للزبيدي ١٩ / ٥١ (مخض). ١٦٦ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٠-٤٧٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قريباً، أو التَّقدير: قيام الساعة، فحُذِفَ قيام ورُوعِيَت الساعة في تأنيث ((تكون)) ورُوعيَ المضاف المحذوف في تذكير ((قريباً»، وقيل: قريباً كَثُرَ استعماله استعمالَ الظّروف، فهو ظَرْف في موضع الخبر. وأما قول البخاريٍّ: ظرفاً وبدلاً، ففي بعض النسخ: أو بدلاً، وفي جعله بدلاً نظرٌ، لكن وجّه الكِرْماني فقال: يريد أنه عِوَضٌ عن الصفة، أي: لفظٌ جعلتَه مكان الصفة(١). ثمَّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: ٤٧٩٠- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن حُميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ ﴾: قلتُ: یا رسولَ الله، يَدخُلُ عليكَ البَرُّ والفاجِرُ، فلو أمَرْتَ أمَّهاتِ المؤمنينَ بالحِجَاب، فَأَنزَلَ الله آيةَ الحِجَاب. ٤٧٩١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الرَّقَاشِيُّ، حدَّثْنا مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ أبي يقول: حدّثنا أبو مِجْلَزٍ، عن أنسِ بنِ مالكِ هِ، قال: لمَّا تزوَّجَ رسولُ الله ◌ِوَلَ زَيْتَبَ ابنَةَ جَحْشٍ، دَعَا القومَ فطَعِموا، ثمَّ جَلَسوا يَتَحَدَّثونَ، وإذا هو كأنَّه يَتَهِيَُّ للقيام، فلم يقوموا، فلمَّا رَأَى ذلك قامَ، فلمَّا قامَ قامَ مَن قامَ، وقَعَدَ ثلاثةُ نَفَرٍ، فجاء النبيُّ رَهْ لِيَدخُلَ، فإذا القومُ جُلوسٌ، ثمّ إنَّهم قاموا، فانطَلَقْتُ، فجِثْتُ فأخبَرْتُ النبيَّ ◌َِّ أنَّهم قد انطَلَقوا، فجاء حتَّى دَخَلَ فذهبتُ أدْخُلُ، فألقَى الحِجابَ بيني وبينَه، فأنزلَ الله: ﴿ يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ ◌ُوَتَ النَِّ﴾ الآيَةَ. [أطرافه في: ٤٧٩٢، ٤٧٩٣، ٤٧٩٤، ٥١٥٤، ٥١٦٣، ٥١٦٦، ٥١٦٨، ٥١٧٠، ٥١٧١، ٥٤٦٦، ٦٢٣٨، ٧٤٢١،٦٢٧١،٦٢٣٩] ٤٧٩٢ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، قال أنسُ ابنُ مالكِ: أنا أعلمُ الناسِ بهذه الآيةِ، آيةِ الحِجاب، لمَّا أُهْدِيَت زَينَبُ إلى رسولِ اللهِ وَلآه كانت معه في البيتِ، صَنَعَ طعاماً ودَعَا القومَ، فقَعَدوا يَتَحدَّثونَ، فجَعَلَ النبيُّ ◌َِّ يَخْرُجُ ثمَّ (١) هذه الفقرة من (ع) وحدها، ولم ترد في (أ) و(س). ١٦٧ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٣ -٤٧٩٤ كتاب التفسير يَرجِعُ، وهم قُعودٌ يَتَحدَّثونَ، فأَنزَلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾، فضُرِبَ الِجابُ، وقامَ القومُ. ٤٧٩٣ - حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، عن أنسٍ قال: بُنِيَ على النبيِّ وَّه بزينبَ ابنةِ جَحْشٍ بِخُبْزِ ولحمٍ، فَأُرسِلْتُ على الطَّعامِ داعياً، فَيَجِيءُ قومٌ فيأكلونَ وتَخْرُ جونَ، ثمَّ يَجِيءُ قومٌ فيأكلونَ ويَخْرُ جونَ، فَدَعَوْتُ حتَّى ما أجِدُ أحداً أدْعُو، فقلتُ: يا نبيَّ الله، ما أجِدُ أحداً أدْعُوه؟ قال: ((ارفَعوا طعامَكُمْ)) وبَقِيَ ثلاثةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثونَ في البيتِ، فخرج النبيُّ ◌َ لِّ فانطَلَقَ إلى حُجْرةٍ عائشةَ، فقال: ((السَّلامُ عليكم أهلَ البيتِ ورحمةُ الله)) فقالت: وعليكَ السَّلامُ ورحمةُ الله، كيفَ وَجَدْتَ أهلَكَ؟ بارَكَ الله لكَ، فَتَقرَّى حُجَرَ نسائِه كلِّهِنَّ، يقول لهنَّ كما يقول لعائشةَ، ويَقُلْنَ له كما قالت عائشةُ، ثُمَّ رَجَعَ النبيُّ وَِّ، فإذا ثلاثةٌ من رَهْطٍ في البيتِ يَتَحَدَّثُونَ - وكان النبيُّ وَِّ شديدَ الحياءِ - فخرج مُنْطَلِقاً نحوَ حُجْرةٍ عائشةَ، فما أدْري آَخْبَرْتُه أو أُخبِرَ أنَّ القومَ خَرَجوا، فَرَجَعَ، حتَّى إذا وَضَعَ رِجْلَه في أُسْكُفّةِ البابِ داخلةً وأُخرَى خارجةً، أرخَى السَّتْرَ بيني وبينَه، وأُنْزِلَت آيةُ الحِجَاب. ٤٧٩٤- حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ بكرِ السَّهْميُّ، حدَّثنا مُحميدٌ، عن أنسٍ عُ، قال: أَوْلَمَ رسولُ اللهِوَّهِ حِينَ بَنَى بزينبَ ابنةِ جَحْشٍ، فَأَشَبَعَ الناسَ خُبْزاً ولحماً، ثمَّ خرج إلى حُجَرٍ أَمَّهاتِ المؤمنينَ، كما كان يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بنائِهِ، فَيُسَلِّمُ عليهنَّ، ويَدْعو لهنَّ، ويُسَلِّمْنَ عليه، ويَدْعُونَ له، فلمَّا رَجَعَ إلى بيتِهِ رَأى رجلَينِ جَرَى بهما الحديثُ، فلمَّا رآهما رَجَعَ عن بيته، فلمَّا رَأى الرجلان نبيَّ اللهَ وَّلَرَجَعَ عن بيتِهِ، وَثَبَا مُسْرِعَينٍ، فما أدْري أنا أخبَرُْه بخروجِهما، أم أُخبِرَ، فَرَجَعَ حتَّى دَخَلَ البيتَ، وأرخَى السِّتْرَ بيني وبينَهَ، وأَنْزِلَت آيةُ الحِجاب. وقال ابنُ أبي مريمَ: أخبرنا يحيى، حدَّثني ◌ُميدٌ، سمعَ أنساً، عن النبيِّ ◌َّ. أحدها: حديث أنس عن عمر قال: قلت: يا رسول الله، يَدخُل عليك البَرُّ والفاجِرِ، فلو أمَرتَ أمَّهات المؤمنينَ بالحجاب، فأنزَلَ الله آية الحجاب. وهو طَرَف من حديثٍ أوَّله: ((وافَقْتُ رَبّي في ثلاث))، وقد تقدَّم بتمامه في أوائل الصلاة (٤٠٢) وفي تفسير البقرة (٤٤٨٣). ١٦٨ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٤ فتح الباري بشرح البخاري ثانيها: حديث أنس في قِصّة بناء النبيّ وَّ بزينبَ بنت جَحْش ونزول آية الحجاب، أورَدَه من أربعة طرق عن أنس بعضُها أتمُّ من بعض. وقوله: ((لمَّا أُهْدِيَت)) أي: لمَّا زَيَّتَتَها الماشطةُ وزُقَّت إلى النبيّ بَّهِ، وَزَعَمَ الصَّغَانِيُّ أنَّ الصَّواب: ((هُدِيَت)) بغير ألِفٍ، لكن تَوارُد النُّسَخِ على إثباتها يَرُدُّ عليه، ولا مانع من استعمال الهديَّة في هذا استعارةً. قوله: ((لمَّا تزوَّجَ النبيّ ◌ِ ◌َ زَيْنَبَ بنت جَحْش دَعَا القومَ فِطَعِموا)» في رواية الزّهْريّ عن أنس كما سيأتي في الاستئذان (٦٢٣٩) قال: أنا أعلمُ الناس بشأنِ الحِجاب وكان في مُبْتَنَی رسول الله وَّهُ بَزَيْنَبَ بنت جَحْش، أصبَحَ بها عَروساً فدَعَا القوم، وفي رواية أبي قِلَابةً عن أنس قال: أنا أعلمُ الناس بهذه الآية آية الحجاب، لمَّا أُهدَيَت زَينَبُ بنت جَحْش إلى النبيّ وَّل صَنَعَ طعاماً، وفي رواية عبد العزيز بن صُهَيبٍ عن أنس: أنَّه كان الدَّاعي إلى الطَّعام قال: فَيَجِيء قوم فيأكلونَ ويَخرُجونَ، ثمَّ يَجيء قوم فيأكلونَ ويَخرُ جونَ، قال: فَدَعَوتُ حتَّى ما أجِدُ أحداً، وفي رواية حُميدٍ: فأشبَعَ المسلمينَ خُبزاً ولحماً. ووَقَعَ في رواية الْجَعْد بن عثمان عن أنس عندَ مسلم (١٤٢٨/ ٩٤)، وعَلَّقَه البخاريّ (٥١٦٣) قال: تزوَّجَ النبيّ ◌َّ فِدَخَلَ بأهلِه، فصَنَعَت له أمّ سُليم حَيساً، فذهبتُ به إلى النبيّ نَّهِ فقال: ((ادعُ لي فلاناً وفلاناً) وذهبتُ فدَعَوتهم زُهاءَ ثلاث مئة رجل، فذكر الحديث في إشباعهم من ذلك، وقد تقدَّمت الإشارة إليه في ((علامات النُّبَوّة))، ويُجمَع بينَه وبينَ رواية حُميدٍ بأنَّهِ وَ له أولَمَ عليه باللَّحمِ والخُبز، وأرسَلَت إليه أمّ سُليم الخَيْس. وفي رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس: لقد رأيتُ رسول الله وَلّهِ أَطعَمَنا عليها الخبزَ واللَّحمَ حتَّى امتَدَّ النَّهار ... الحديث، أخرجه مسلم (٨٩/١٤٢٨). قوله: ((قلت: يا رسول الله، والله ما أجِدُ أحداً، قال: فارفَعُوا طعامَكم)) زاد الإسماعيليّ من طريق جعفر بن مهرانَ عن عبد الوارث فيه: قال: وزَينَبُ جالسة في جانب البيت، قال: وكانت امرأة قد أُعطيَت جمالاً، وبقيَ في البيت ثلاثةٌ. ١٦٩ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٤ كتاب التفسير قوله: (ثمَّ جَلَسوا يَتَحَدَّثُونَ)) في رواية أبي قِلَابةَ: فجَعَلَ يَخْرُج ثمَّ يَرجِعُ وهم قُعودٌ يَتَحَدَّثونَ. قوله: ((وإذا هو كأنَّه يَتَهِيَّأْ للقيام فلم يقوموا، فلمَّا رَأى ذلك قامَ، فلمَّا قامَ قامَ مَن قامَ وقَعَدَ ثلاثة نَفَر)» في رواية عبد العزيز: وبقيَ ثلاثة رَهْط، وفي رواية حُميدٍ: فلمَّا رَجَعَ إلى بيته رأى رجلينٍ، ووافَقَه بيانُ بن بشر(١) عن أنس عندَ التِّرمِذيّ (٣٢١٩)، وأصله عندَ المصنّف أيضاً (٥١٧٠)، ويُجُمَعِ بينَ الرِّوايتَينِ بأنَّهم أوَّل ما قامَ وخرج من البيت كانوا ثلاثةً، وفي آخر ما رَجَعَ تَوَجَّهَ واحد منهم في أثناء ذلك فصاروا اثنَينٍ، وهذا أولى من جَزْم ابن النِّين بأنَّ إحدى الرِّوايتَينِ وهمٌّ، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن يكون التَّحديث وَقَعَ من اثنَينِ منهم فقط والثّالث كان ساكتاً، فمَن ذكر الثلاثة لَحَظَ الأشخاص، ومَن ذكر الاثنين لخَظَ سببَ القعود، ولم أقِفْ على تسمية أحد منهم. قوله: ((فانطَلَقْتُ فجِئْتُ فأخبرتُ النبيَّ وَِّ أَنَّهم انطَلَقوا)) هكذا وَقَعَ الجزمُ في هذه الرِّواية بأنَّه الذي أخبر النبيَّ وَّ بخروجِهم، وكذا في رواية الجَعْد المذكورة، وانَّفَقَت رواية عبد العزيز وحُميدٍ على أنَّ/ أنساً كان يَشُكّ في ذلك، ولفظ حُميدٍ: فلا أدري أنا أخبَرَته ٥٣٠/٨ بخروجِهما أم أُخبِرَ، وفي رواية عبد العزيز عن أنس: فما أدري آخبَرتُه أو أُخبِرَ؛ وهو مَبنيٍّ للمجهولِ، أي: أُخبرَ بالوحي، وهذا الشكّ قريبٌ من شَكِّ أنسٍ في تسمية الرجل الذي سألَ الدُّعاءَ بالاستسقاءِ، فإنَّ بعض أصحاب أنس جَزَمَ عنه بأنَّه الرجل الأوَّل، وبعضهم ذكر أنَّه سألَه عن ذلك فقال: لا أدري، كما تقدَّم في مكانه (١٠١٣)، وهو محمول على أنَّه كان يَذْكُرُه ثمَّ عَرَضَ له الشُّ، فكان يَشُكّ فيه ثمَّ تَذَكَّرَ فجَزَمَ. قوله: ((فذهبْتُ أدْخُلُ فألقَى الِحِجابَ بيني وبينَه، فأنزَلَ الله ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْ خُلُوا ◌ْ بُيُوتَ النَّبِّ﴾ الآية)) زاد أبو قِلَابَةَ في روايته: ((﴿إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ فضُرِبَ الحِجاب، وفي رواية عبد العزيز: حتَّى إذا وَضَعَ رِجلَه في أُسكُفّة الباب (١) في الأصلين و(س): بيان بن عمر، وهو خطأ. ١٧٠ سورة الأحزاب / ٤٧٩٤ فتح الباري بشرح البخاري داخلةً والأُخرى خارجةً أرخَى السِّرَ بيني وبينَه وأُنزِلَت آية الحجاب، وعندَ التِّرمِذيّ (٣٢١٧) من رواية عَمْرو بن سعيد عن أنس: فلمَّا أرخَى السِّتر دُوني ذكرتُ ذلك لأبي طلحة فقال: إن كان كما تقول، لَیَنزِلَنَّ فیه قرآن، فنزلت آية الحجاب. قوله في رواية عبد العزيز: «فخرج النبيُّ وَ فانطَلَقَ إلى حُجْرة عائشة فقال: السَّلام عليكم)) في رواية حُميدٍ: ثمَّ خرج إلى أمَّهات المؤمنينَ كما كان يصنعُ صبيحةَ بنائه فيُسَلِّم عليهنَّ ويُسَلِّمِنَ عليه، ويَدعُو لهنَّ ويَدْعُونَ له، وفي رواية عبد العزيز أنََّنَّ قُلنَ له: كيف وَجَدتَ أهلَك بارَكَ الله لك؟ قوله: ((فَتَقرَّى)) بفتح القاف وتشديد الرَّاء بصيغة الفعل الماضي، أي: تَتَبَّعَ الْحُجُرات واحدةً واحدةً، يقال منه: قَرَيتُ الأرضَ: إذا تَتَبَّعتُها أرضاً بعدَ أرض، وناساً بعدَ ناس. قوله: ((وكان النبيّ وَّرِ شديدَ الحياء فخرج مُنْطَلِقاً نحو حُجْرة عائشة)) في رواية حُميدٍ: رأى رجلَينِ جَرَى بهما الحديثُ، فلمَّا رآهما رَجَعَ عن بيته، فلمَّا رأى الرجلان نبيَّ الله وَّ رَجَعَ عن بيته وَثَبًا مُسرِ عَينِ. ومُحُصَّل القِصّة: أنَّ الذينَ حَضَروا الوليمةَ جَلَسوا يَتَحَدَّثُونَ، واستَحْيا النبيّ ◌َس ◌ِ أن يأمرهم بالخروج فتَهيَّ للقيام ليَقطَنوا لمرادِه فيقوموا بقيامه، فلمَّا ألهاهم الحديثُ عن ذلك قامَ وخرج فخَرَجوا بخروجِه، إلّ الثلاثةَ الذينَ لم يَفطَنوا لذلك لشِدّة شُغْل بالهم بما كانوا فيه من الحديث، وفي غضون ذلك كان النبيّ ◌َ﴿ يريد أن يقوموا من غير مُواجَهَتهم بالأمرِ بالخروجِ لشِدّة حيائه، فيُطيل الغَيْبة عنهم بالتَّشاغُلِ بالسَّلام على نسائه، وهم في شُغْل بالهم، وكأن أحدهم في أثناء ذلك أفاقَ من غَفْلته فخرج وبقيَ الاثنان، فلمَّا طالَ ذلك ووَصَلَ النبيّ ◌َّهُ إلى مَنزِله فرآهما فَرَجَعَ فرأَياه لمَّا رَجَعَ، فحينئذٍ فَطِنا فخَرَجا، فدَخَلَ النبيّ ◌َِّه وأُنزِلَت الآية، فأرخَى السِّرَ بينَه وبينَ أنس خادمِه أيضاً، ولم يكن له عَهدٌ بذلك. تنبيه: ظاهر الرِّواية الثّانية أنَّ الآية نزلت قبلَ قيام القوم، والأُولَى وغيرها أنَّها نزلت بعدُ، فيُجمَع بأنَّ المراد أنَّها نزلت حالَ قيامهم، أي: أنَزَلَهَا الله وقد قاموا. ووَقَعَ في رواية ١٧١ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٥ كتاب التفسير الجَعْد: فَرَجَعَ فَدَخَلَ البيتَ وأرخَى السِّتر وإنّي لَفي الْحُجْرة وهو يقول: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوتَ النَّبِّ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾. وفي الحديث من الفوائد: مشروعيَّة الحجابُ لأُمَّهات المؤمنينَ، قال عِيَاضَ: فَرْضُ الحِجاب ممّا اختَصَصنَ به، فهو فُرِضَ عليهنَّ بلا خِلَاف في الوجه والكَفَّيْنِ، فلا يجوز لهنَّ كَشفُ ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهارُ شُخوصهنَّ وإن كُنَّ مُستَتِرات إلّا ما دَعَت إليه ضَرُورةٌ من بَرَازٍ. ثمَّ استَدَلَّ بما في ((الموطَّأ)(١) أنَّ حفصة لمَّا تُوُلِّي عمر سَتَرَها النِّساء عن أن يُرَى شخصُها، وأنَّ زَينَب بنت جَحْش جَعَلَت لها القُبّة فوقَ نَعِشِها ليَستُر شخصها. انتهى، وليس فيما ذكره دليل على ما اذَّعاه من فرض ذلك عليهنَّ، وقد كُنَّ بعدَ النبيّ وَّه يَحِجُجنَ ويَطُفْنَ، وكان الصَّحابة ومَن بعدَهم يسمعونَ منهنَّ الحديث وهنَّ مُستَِرات الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدَّم في الحجّ (١٦١٨) قول ابن جُرَيج لعطاءٍ لمَّا ذكر له طوافَ عائشة: أقبلَ الحِجابِ أو بعده؟ قال: قد أدركتُ ذلك بعدَ الحجاب. / وسيأتي ٥٣١/٨ في آخر الحديث الذي يَلِیه مَزِيدُ بیانٍ لذلك. قوله: ((وقال ابن أبي مريم: أنبأنا يحبى، حدَّثني مُميدٌ، سمعت أنساً)) مُراده بذلك أنَّ عَنعَنة حُميدٍ في هذا الحديث غير مُؤَثِّرة، لأنَّه وَرَدَ عنه التَّصریحُ بالسَّماع لهذا الحدیث منه، ويحيى المذكور: هو ابن أيوب الغافقيّ المِصريّ، وابن أبي مريم من شيوخ البخاريّ، واسمه: سعيد بن الحَكَم، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ من رواية أبي ذرٍّ: ((وقال إبراهيم بن أبي مريم» وهو تغییرٌ فاحش، وإنّما هو سعید. ٤٧٩٥ - حدَّثني زكريًّا بنُ يحيى، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: خرجت سَوْدةُ بعدَما ضُرِبَ الِحِجابُ لحاجَتِها، وكانتِ امرأةً جَسِيمةً، لا تَخْفَی على مَن يَعْرِفُها، فرآها عمرُ بنُ الخطّاب، فقال: يا سَوْدةُ، أما والله ما تَخْفَيَنَ علينا، فانظُري (١) هذا الكلام ذكره القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) ٧/ ٥٧، لكنه لم ينسبه إلى ((الموطأ»، وهذا الخبر في حديث وفاة عمر الطويل، وهو عند ابن حبان (٦٩١٧) بلفظ: والنساء يسترنها، وقد سلف عند البخاري برقم (٣٧٠٠) بلفظ: والنساء تسير معها. وأما قصة زينب فأخرجها ابن سعد في ((الطبقات)) ١١١/٨. ١٧٢ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٥ فتح الباري بشرح البخاري كيفَ تَخْرُجِينَ، قالت: فانكَفَأَت راجِعةً ورسولُ اللهِ وَِّفي بيتي، وإِنَّه لَيَتَعَشَّى وفي يدِه عَرْقٌ، فَدَخَلَت، فقالت: يا رسولَ الله، إنّ خَرَجْتُ لبعضٍ حاجَتي، فقال لي عمرُ كذا وكذا، قالت: فَأَوْحَى الله إليه، ثمَّ رُفِعَ عنه وإنَّ العَرْقَ في يدِه ما وَضَعَه، فقال: ((إنَّه قد أُذِنَ لكُنَّ أن تَّخْرُجْنَ حاجتِگُنَّ)). الحديث الثّالث: حديث عائشة: ((خرجت سودةُ - أي: بنت زَمْعةَ أمّ المؤمنينَ - بعدَما ضُرِبَ الِحِجابُ لحاجتِها)) وقد تقدَّم في كتاب الطَّهارة (١٤٦) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه ما يُخَالِفِ ظاهرُه روايةَ الزُّهْريّ هذه عن عُرْوةٍ(١). قال الكِرْمانيُّ: فإن قلتَ: وَقَعَ هنا أنَّه كان بعدَما ضُرِبَ الحجاب، وتقدَّم في الوضوء أَنَّه كان قبلَ الحجاب، فالجواب: لعلَّه وَقَعَ مرَّتَينٍ. قلت: بل المراد بالحجاب الأوَّل غيرُ الحِجاب الثّاني، والحاصل أنَّ عمره وَقَعَ في قلبه نُفرةٌ من اطّلاع الأجانب على الحَريم النبويّ، حتَّى صَرَّحَ بقوله له عليه الصلاة والسَّلام: احجُبْ نساءَك، وأكَّدَ ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثمَّ قَصَدَ بعدَ ذلك أن لا يُبدِينَ أشخاصهنَّ أصلاً ولو كُنَّ مُستَتِرات، فبالَغَ في ذلك، فمُنِعَ منه، وأُذِنَ لهنَّ في الخروج لحاجتِهِنَّ دَفعاً للمَشَقّة ورفعاً للخَرَجِ. وقد اعتَرَضَ بعض الشُّاح بأنَّ إيراد الحديث المذكور في الباب ليس مُطابِقاً، بل إيراده في عَدَم الحجاب أولى. وأُجيبَ بأنَّه أحالَ على أصل الحديث كعادَتِهِ، وكأنَّه أشارَ إلى أنَّ الجمع بينَ الحديثَينِ تُمكِن، والله أعلم. وقد وَقَعَ في رواية مجاهد عن عائشة لنزولِ آية الحجاب سببٌ آخر أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٣٥٥) بلفظ: كنت آكلُ معَ النبيّ ◌َلِّ حَيْساً في قَعْب، فمرَّ عمر فدَعَاه فأكَلَ، فأصاب إصبَعُه إصبعي فقال: حَسِّ - أو أَوَّهْ - لو أطاعَ فِيكُنَّ ما رأتكُنَّ عين، فنزلَ الحِجاب. ويُمكِن الجمع بأنَّ ذلك وَقَعَ قبلَ قِصّة زَينَب، فلِقُربه منها أَطلقت نزول الحِجاب بهذا السَّبَب، ولا مانع من تعدُّد الأسباب. (١) الرواية التي في الطهارة من طريق الزهري، والتي هنا من طريق هشام، وما وقع هنا سبقُ قلم من الحافظ رحمه الله. ١٧٣ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٦ كتاب التفسير وقد أخرج ابن مَرْدويه من حديث ابن عبّاس قال: دَخَلَ رجل على النبيّ وَّ فأطالَ الجلوس، فخرج النبيّ وَّه ثلاث مرّات ليَخرُج فلم يفعل، فدَخَلَ عمرُ فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجلِ: لعلَّك آذَيتَ النبيََِّّ، فقال النبيّ ◌َّ: «لقد قمتُ ثلاثاً لِكَي يَتْبَعني فلم يفعل)) فقال له عمر: يا رسول الله، لو اَّخذتَ حِجاباً، فإنَّ نساءَك لَسنَ كسائرِ النِّساء، وذلك أطهَرُ لقلوبهنَّ، فنزلت آية الحجاب. ٩- باب قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٤-٥٥] ٤٧٩٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: استأذَنَ عليَّ أفلَحُ أخو أبي القُعَيسِ بعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فقلتُ: لا آذَنُ له حتَّى أَسْتَأذِنَ به النبيَّ ◌َِّ، فإنَّ أخاه أبا القُّعَيسِ ليس هو أرضَعَني، ولكنْ أرضَعَتْني امرأةُ أبي القُعَيسِ، فَدَخَلَ عليَّ النبيُّ وَّهِ، فقلتُ له: يا رسولَ الله، إنَّ أفلَحَ أخا أبي القُعَيسِ اسْتَأْذَنَ، فَأَبَيتُ أن آذَنَ حتَّى أستَأذِنَكَ؟ فقال النبيُّ وَّ: ((وما مَنَعَكِ أن تَأْذَنِينَ؟ عَمُّكِ)) قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ الرجلَ ليس هو أرضَعَني، ولكن أرضَعَتْني امرأةُ أبي القُعَيسِ! فقال: ((ائْذَني له، فإنَّه عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ)). قال عُرْوةُ: فلذلكَ كانت عائشةُ تقولُ: حَرِّموا منَ الرَّضَاعِةِ ما تُحرِّمونَ منَ النَّسَبِ. قوله: ((باب قوله: ﴿إِن تُبْدُ واْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّاللَّهَ كَانَ ) إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾)) كذا ٥٣٢/٨ لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره الآيتينِ جميعاً. ثمَّ ذكر حديث عائشة في قِصّة أفلَحَ أخي أبي القُعَيس، وسيأتي شرح الحديث مُستَوفَّ في الرَّضاع(١). ومُطابَقَته للتَّرجمة من قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَ فِىّ ءَابَآِهِنَّ﴾ إلى آخره، فإنَّ ذلك من ◌ُملة الآيتَينِ، وقولِه في الحديث: ((ائذَني له فإِنَّه عَمّك)) معَ قوله في الحديث الآخر: ((العَمّ صِنْو الأب))(٢)، وبهذا يَندَفِع اعتراض مَن زَعَمَ أنَّه ليس في الحديث مُطابقة للتَرجمة (١) بل في أوائل النكاح برقم (٥١٠٣)، وقد نبَّه على ذلك عند حديث الرضاع (٥٢٣٩). (٢) أخرجه مسلم (٩٨٣) وغيره من حديث أبي هريرة. ١٧٤ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٦ فتح الباري بشرح البخاري أصلاً، وكأنَّ البخاريّ رَمَزَ بإيرادِ هذا الحديث إلى الردِّ على مَن كَرِهَ للمرأة أن تَضَعَ خِمارَها عندَ عَمّها أو خالها، كما أخرجه الطَّريُّ (٢٢/ ٤٢) من طریق داود بن أبي هند عن عِكْرمة والشَّعْبِيّ أنَّه قيل لهما: لمَ لم يذكر العَمّ والخال في هذه الآية؟ فقالا: لأنَّهما يَنعَتَانِها(١) لأبنائهما، وكَرها لذلك أن تَضَعَ ◌ِمارَها عندَ عَمّها أو خالها. وحديث عائشة في قِصّة أفلَحَ يَرُدّ عليهما. وهذا من دقائقِ ما في تَراجِم البخاريّ. ١٠ - باب قوله: ﴿إِنَّاللَّهَ وَمَلَتِ كَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِّ ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٥٦] قال أبو العاليةِ: صلاةُ الله: ثَنَاؤُه عليه عندَ الملائكةِ، وصلاةُ الملائكةِ: الدُّعاءُ. قال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿يُصَلُونَ﴾: يُبرِّكونَ. ﴿لَتُغْرِبَّكَ﴾ [٦٠]: لَتُسلِّطَنَّكَ. ٥٣٣/٨ قوله: ((باب قوله: ﴿إِنَّاللَّهَ وَمَلَ كَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَِّ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَها غيرُه إلى ﴿تَسْلِيمًا﴾. قوله: «قال أبو العالية: صلاةُ الله: ثَناؤُه عليه عندَ الملائكةِ، وصلاةُ الملائكة: الدُّعاءُ)) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق آدم بن أبي إياس، حدَّثنا أبو جعفر الرَّازيُّ، عن الرَّبيع ۔ هو ابن أنس - بهذا، وزاد في آخره: له. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿يُصَلُّونَ﴾: يُبرِّكُونَ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٤٢/٢٢) من طريق عليّ ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَِّ﴾» قال: يُبرِّكونَ على النبيّ، أي: يَدْعونَ له بالبَرَكة، فيوافق قولَ أبي العالية، لكنَّه أخَصُّ منه. وقد سُئِلتُ عن إضافة الصلاة إلى الله دونَ السَّلام وأمرِ المؤمنينَ بها وبالسَّلام، فقلت: يُحتمل أن يكون السَّلام له مَعنَيَانٍ: التَّحيَّة والانقياد، فأُمِرَ به المؤمنونَ لصِخَّتِهما منهم، واللهُ وملائكته لا يجوز منهم الانقيادُ فلم يُضَفْ إليهم دَفعاً للإيهام، والعلم عندَ الله. (١) في (أ) و(س): ينعتاها، والمثبت من (ع) و(التفسير)) وهو الجادّة. ١٧٥ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٧ كتاب التفسير قوله: ((﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾: لَنُسلِّطَنَّكَ)) كذا وَقَعَ هذا هنا، ولا تَعلَّقَ له بالآية وإن كان من جُملة السّورة، فلعلَّه من الناسخ، وهو قول ابن عبّاس، ووَصَلَه الطَّبَرِيُّ أيضاً (٤٧/٢٢) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه بلفظ: لَنُسلِّطَنَّكَ عليهم، وقال أبو عُبيدة مِثلَه، وكذا قال الشُّدِّيّ. ٤٧٩٧ - حدَّثني سعيدُ بنُ يحيى، حدَّثنا أبي، حدَّثنا مِسعَرٌ، عن الحَكَم، عن ابنِ أبي ليلى، عن كعبٍ بنِ عُجْرةَ ﴾: قيل: يا رسولَ الله، أمَّا السَّلامُ عليكَ فقد عَرَفْناه، فكيفَ الصلاةُ عليكَ؟ قال: ((قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ، وعلى آلٍ محمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ تَجِيدٌ، اللهمَّ بارِكْ على محمَّدٍ، وعلى آلٍ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)). قوله: «سعید بن یحیی)) هو الأُمَويّ. قوله: «قيل: يا رسول الله، أمَّا السَّلامُ عليك فقد عَرَفْناه)» في حديث أبي سعيد الذي بعدَ هذا: ((قلنا: يا رسول الله)) والمراد بالسَّلام ما عَلَّمَهم إيّاه في التَّشَهُّد من قولهم: ((السَّلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة الله وبَرَكاته))، والسائل عن ذلك هو كعب بن عُجْرة نفسه، أخرجه ابن مَرْدويه من طريق الأجلَح عن الْحَكَم عن ابن أبي ليلى عنه. وقد وَقَعَ السُّؤال عن ذلك أيضاً لبَشير بن سعد والد النُّعمان بن بشير، كذا وَقَعَ في حديث أبي مسعود عندَ مسلم (٤٠٥) بلفظ: أتانا رسول الله وَله في مَجلِس سعد بن عُبَادة، فقال له بشير بن سعد: أمَرَنا الله تعالى أن نُصلّيَ عليك، فكيف نُصلّي عليك؟ وروى التِّرمِذيّ (٤٨٣) من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عُجْرة قال: لمَّا نزلت ﴿إِنَّاللَّهَ وَمَكَتَهُ﴾ الآية، قلنا: يا رسول الله، قد عَلِمنا السَّلامَ فكيف الصلاة؟ قوله: ((فكيف الصلاةُ عليك؟)) في حديث أبي سعيد: فكيف نُصلّي عليك؟ زاد أبو مسعود في روايته: إذا نحنُ صَلَّينا عليك في صَلاتِنا، أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ وابن خُزَيمةَ (٧١١) وابن حِبّان (١٩٥٩) بهذه الزّيادة(١). (١) الحديث عند أبي داود (٩٨٠) و(٩٨١)، والنسائي في ((المجتبى)) (١٢٨٧)، وفي ((الكبرى)) (١٢١١) و(١٢١٢) و(٩٧٩٤ - ٩٧٩٥)، وليست هذه الزيادة عندهما. ١٧٦ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلٍ محمَّد)) في حديث أبي سعيد: ((على محمَّدٍ، عبدك ورسولك)». قوله: ((كما صَلَّيتَ على آلِ إبراهيم)) أي: تقدَّمَت منك الصلاةُ على إبراهيم وعلى آلٍ إبراهيم، فنسألُ مِنك الصلاةَ على محمَّد وعلى آلٍ محمَّد بطريق الأَولى، لأنَّ الذي يَثْبُت للفاضلِ يَتْبُت للأفضلِ بطريق الأَولى، وبهذا يَحَصُل الانفصالُ عن الإيراد المشهور من أنَّ شرط التَّشبيه أن يكون المشَبَّه به أقوى، ومُحصَّل الجواب أنَّ التَّشبيه ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمَلِ، بل من باب التَّهييج ونحوه، أو من بيان حال ما لا يُعرَف بما يُعرَف، لأنَّه فيما يُستَقبَل، والذي يَحصُل لمحمَّدٍ وَّر من ذلك أقوى وأكمل. وأجابوا بجوابٍ آخر على تقدير أنَّه من باب الإلحاق، وحاصل الجواب: أنَّ التَّشبيه وَقَعَ للمجموع بالمجموعِ، لأنَّ مجموع آلِ إبراهيم أفضلُ من مجموع آلٍ محمَّد، لأنَّ في آلِ إبراهيم الأنبياءَ بخِلَاف آل محمَّد، ويُعكِّر على هذا الجواب التَّصيلُ الواقع في غالب طرق الحديث. وقيل في الجواب أيضاً: إنَّ ذلك كان قبلَ أن يُعلِمَ اللهُ تعالى نبيَّهِ وَلِّ أَنَّه أفضلُ من إبراهيم وغيره من الأنبياء، وهو مِثلُ ما وَقَعَ عندَ مسلم (٢٣٦٩) عن أنس: أنَّ رجلاً قال للنبيِّ وَّةَ: يا خيرَ البَرِيَّة، قال: ((ذاكَ إبراهيمُ)). قوله: ((على آلِ إبراهيم)) كذا فيه في الموضعَينِ، وسأذكرُ تحرير ذلك في كتاب الدَّعَوات (٦٣٥٧) إن شاء الله تعالى. وفي آخر حديث أبي مسعودٍ(١) المذكور: ((والسَّلامُ كما قد عَلِمتُم)). ٤٧٩٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني ابنُ الهادِ، عن عبدِ الله بنِ خَبّابٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ، قال: قُلْنا: يا رسولَ الله، هذا التَّسْلِيمُ، فكيفَ نُصَلّي عليكَ؟ قال: ((قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ، عبدِكَ ورسولِكَ، كما صَلَّتَ على آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ، وعلى آلٍ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ». (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: أبي سعيد، وحديث أبي مسعود هو الذي سلف تخريجه من عند مسلم برقم (٤٠٥). ١٧٧ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٨م كتاب التفسير قال أبو صالح، عن اللَّيثِ: ((على محمَّدٍ وعلى آلٍ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ». ٤٧٩٨م- حدّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ والدَّرَاوَرْدِيُّ، عن يزيدَ، وقال: ((كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، وباركْ على محمَّدٍ وآلٍ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ)). [طرفه في: ٦٣٥٨] قوله في حديث أبي سعيد: ((قال أبو صالح عن اللَّيثِ)) يعني: بالإسناد المذكور قبلُ. قوله: ((على محمَّد وعلى آلِ/ محمَّد كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيم)) يعني: أنَّ عبد الله بن ٥٣٤/٨ يوسف لم يَذكُر آلَ إبراهيم عن اللَّيث وذكرها أبو صالح عنه في الحديث المذكور، وهكذا أخرجه أبو نُعَيم من طريق يحيى بن بُكَير عن اللَّيث. قوله: ((حدَّثنا ابن أبي حازِم)) هو عبد العزيز بن سَلَمةَ بن دينارٍ. قوله: ((والدَّرَاوَرْديّ)) هو عبد العزيز بن محمَّدٍ. قوله: ((عن يزيدَ)) هو ابن عبد الله بن شَدّاد بن الهادِ شيخُ اللَّيث فيه، ومرادُه أنَّهَمَا رَوَياه بإسناد اللَّيث، فذكر آلَ إبراهيم كما ذكره أبو صالح عن اللَّث. واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز الصلاة على غير النبيّ ◌َّ من أجلٍ قوله فيه: ((وعلى آلٍ محمَّد))، وأجابَ مَن مَنَعَ بأنَّ الجواز مُقيَّد بما إذا وَقَعَ تَبَعاً، والمنع إذا وَقَعَ مُستَقِلًّا، والحُجّة فيه أنَّه صارَ شِعاراً للنبيِّ وَّ فلا يُشارِكُه غيرُه فيه، فلا يقال: قال أبو بكر صلَّى الله عليه وسلَّم، وإن كان معناه صحيحاً، ويقال: صَلَّى الله على النبيّ وعلى صِدّيقه أو خَليفتِهِ، ونحو ذلك، وقريب من هذا أنَّه لا يقال: قال محمَّد عزَّ وجلَّ، وإن كان معناه صحيحاً، لأنَّ هذا الثَّناء صارَ شِعاراً لله سبحانه لا يُشاركُه غيرُه فيه. ولا حُجّةَ لمن أجازَ ذلك مُنفَرِداً فيما وَقَعَ من قوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ولا في قوله: ((اللهمَّ صَلِّ على آلِ أبي أَوفَى))(١)، ولا في قول امرأة جابر: صَلِّ عليَّ وعلى زوجي، فقال: ((اللهمَّ صَلِّ عليهم))(٢)، (١) سلف عند البخاري برقم (١٤٩٧) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. (٢) أخرجه أحمد (١٤٢٤٥)، وأبو داود (١٥٣٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٨٤) من حديث جابر بن عبد الله. ١٧٨ سورة الأحزاب/ ٤٧٩٩ فتح الباري بشرح البخاري فإنَّ ذلك كلّه وَقَعَ من النبيّ وَّةِ، ولِصاحب الحقّ أن يَتَفَضَّلَ من حَقّه بما شاءَ، وليس لغيره أن يَتَصَرَّف إلّا بإذنِهِ، ولم يَثْبُتْ عنه إذنٌ في ذلك. ويُقوِّي المنعَ بأنَّ الصلاة على غير النبيّ وَّهِ صارَ شِعاراً لأهلِ الأهواء، يُصَلُّونَ على مَن يُعظِّمونَه من أهل البيت وغيرهم. وهل المنعُ في ذلك حرامٌ أو مكروه أو خِلَاف الأَولَى؟ حكى الأوجُهَ الثلاثة النَّوَويّ في ((الأذكار))، وصَخَّحَ الثّاني. وقد روی إسماعيل بن إسحاق في كتاب «أحكام القرآن» له بإسنادٍ حسن عن عمر بن عبد العزيز أنَّه كَتَبَ: أمَّا بعدُ، فإنَّ ناساً من الناس التَمَسوا عملَ الدُّنيا بعَمَلِ الآخرة، وإنَّ ناساً من القُصّاص أحدثوا في الصلاة على خُلَفائهم وأُمَرائهم عَدْلَ الصلاة على النبيّ، فإذا جاءك كتابي هذا فمُرْهم أن تكون صَلاتُهم على النبيّينَ، ودُعاؤُهم للمسلمينَ، ويَدَعوا ما ◌ِوَى ذلك، ثمَّ أخرج عن ابن عبّاس بإسنادٍ صحيح قال: لا تَصلُحُ الصلاةُ على أحد إلّا على النبيّ وَّةِ، ولكن للمسلمينَ والمسلمات الاستغفار، وذكر أبو ذرٍّ أنَّ الأمر بالصلاة على النبيّ وَ ﴿ كان في السَّنة الثّانية من الهجرة، وقيل: من ليلة الإسراء. ١١ - بابٌ ﴿لَا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ ءَاذَوْأْ مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] ٤٧٩٩ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادةَ، حدَّثنا عَوْفٌ، عن الحسنِ ومحمَّدٍ وِلَاسٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إنَّ موسى كان رجلاً حَيِّاً، وذلك قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرَأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ الَّهِ وَحِيمًا ﴾)). قوله: ((باب ﴿لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾)) ذكر فيه طَرَفاً من قِصّة موسى معَ بني إسرائيل، وقد تقدَّم بسندِه مُطوَّلاً في أحاديث الأنبياء معَ شرحه مُستَوفَّى (٣٤٠٤)، وقد روى أحمد بن مَنِيع في (مُسنَده)) والطَّبَرِيُّ (٥٢/٢٢) وابن أبي حاتم بإسنادٍ قويّ عن ابن عبَّاس عن عليّ قال: صَعِدَ موسى وهارون الجبل، فماتَ هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنتَ قتلتَه، كان أليَنَ لنا منك وأشدَّ حُبّاً، فآذَوْه بذلك، فأمَرَ الله الملائكة فحَمَلَته فمرَّت به ١٧٩ سورة سبأ كتاب التفسير على تجالسِ بني إسرائيل، فعَلِموا بموتِه. قال الطَّبَريُّ: يحتمل أن يكون هذا المراد بالأذَى في قوله: ﴿لَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾. / قلت: وما في ((الصَّحيح)) أصحّ من هذا، لكن لا ٥٣٥/٨ مانعَ أن يكون للشَّيءٍ سببانِ فأكثر كما تقدَّم تقريره غيرَ مرَّة. ٣٤ - سورة سبأ بِسمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ ﴿مُعَجِزِينَ﴾ [٣٨]: مُسابقِينَ. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤]: بفائتِينَ. مُعاجِزِيَّ: مُسابِقِيَّ. ﴿سَبَقُواْ﴾ [الأنفال: ٥٩]: فاتُّوا. ﴿ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩]: لا يَفُوتونَ. ﴿يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤]: يُعْچِزونا. قولُهُ: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتِينَ. ومعنى مُعاجِزِينَ: مُغالِينَ، يُرِيدُ كلُّ واحدٍ منهما أن يُظْهِرَ عَجْزَ صاحبِهِ. مِعْشارٌ [٤٥]: عُشْرٌ. يقالُ: الأُكُلُ [١٦]: الثَّمَرة. ﴿بَعِذْ﴾ [١٩] وبَعِّدْ، واحدٌ. وقال مجاهدٌ: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ [٣]: لا يَغِيبُ. ﴿َسَيْلَ اُلْعَرِمِ﴾ [١٦]: السُّدُّ، ماءٌ أحمرُ أرسَلَه الله في السُّدِّ فشَقَّه وهَدَمَه، وحَفَرَ الواديَ فارتَفَعَنَا عن الجَنَتَينِ، وغابَ عنهما الماءُ فَبِسَتا، ولم يكنِ الماءُ الأحمرُ منَ السُّدِّ، ولكن كان عذاباً أرسَلَه الله عليهم من حيثُ شاءً. وقال عَمْرو بنُ شُرَخْبِيلَ: العَرِمُ: المُسَنَّةُ، بلَحْنِ أهلِ اليَمَنِ. وقال غيرُه: العَرِمُ: الوادي. السابغاتُ [١١]: الدُّروع. ١٨٠ سورة سبأ فتح الباري بشرح البخاري وقال مجاهدٌ: ((يُجازَى)) [١٧]: يُعاقَبُ. ﴿أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ ﴾ [٤٦]: بطاعةِ الله. ﴿ مَثْنَ وَفُرَدَى﴾ [٤٦]: واحدٌ واثنَينِ. ﴿الَّنَاؤُشُ﴾ [٥٢]: الردُّ منَ الآخرةِ إلى الدُّنْيا. ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [٥٤]: من مالٍ أو ولدٍ أو زَهْرةٍ. ﴿يَأَشْيَاعِهِم﴾ [٥٤]: بأمثالهم. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿كَأَلْجَوَابِ﴾ [١٣]: كالجَوْبةِ منَ الأرضِ، الخَمْطُ [١٦]: الأراكُ والأثَلُ: الطَّرْفاء، العَرِمُ: الشَّدِيد. قوله: ((سورة سَبَأ - بِسْمِ اللَّهِ الزَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَ لفظ ((سورة)) والبسملة لغير أبي ذرِّ. وهذه السّورة سُمّيَت بقوله فيها: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبٍَ فِي مَسْكَنِهِمْ ﴾ الآية [سبأ:١٥]، قال ابن إسحاق وغيره: هو سَبَأْ بن يَشجُب بن يَعرُب بن قَحْطان. ووَقَعَ عندَ التِّرمِذيّ (٣٢٢٢) وحَسَّنَهَ من حديث فَرْوة بن مُسَيك قال: أُنزِلَ فِي سَبَأ ما أُنزِلَ، فقال رجل: يا رسول الله، وما سَبّأُ، أرض أو امرأة؟ قال: ((ليس بأرضٍ ولا امرأة، ولكنَّه رجلٌ ولدَ عشرةً من العرب، فَتَيَامَنَ ستّة وتشاءَمَ أربعة)) الحديث، قال: وفي الباب عن ابن عبّاس. قلت: حديث ابن عبّاس وفَرْوة صَخَّحَهما الحاكم (٤٢٣/٢و٤٢٤)، وأخرج ابن أبي حاتم في حديث فروة زيادة أنَّه قال: يا رسول الله، إنَّ سَبَأ قومٌ كان لهم عِزّ في الجاهليَّة، وإنّ أخشَى أن يَرتَدّوا فأُقاتلَهم، قال: ((ما أُمِرتُ فيهم بشيءٍ)) فنزلت: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكِنِهِمْ﴾ الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله، وما سَبأ؟ فذكره. وأخرج ابن عبد البَرّ في ((الأنساب)) له شاهداً من حديث تَميم الدَّاريِّ، وأصل قِصّة سَبَأْ قد ذكرها ابن إسحاق مُطوَّلة في أوَّل ((السِّيرة النبويَّة))، وأخرج بعضَها ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن الشَّهيد عن عِكْرمة، وأخرجها أيضاً من طريق السُّدِّيِّ مُطوَّلاً.