النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة السجدة كتاب التفسير المصطفى نصف يوم، وهو خمسُ مئة عام، قال: وتقوم الساعة ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبلَ أن يكون شيءٌ غيرُ الباري تعالى، فلا يَبقَى غير وجهه، فَرَدَّ عليه بأنَّ وقت الساعة لا يَعلَمُها إلّا الله، فالذي قاله مخالف لصريحِ القرآن والحديث، ثمَّ تَعقَّبَه من جهة أُخرى وذلك أنَّه تَوهَّمَ من كلامه أنَّه يُنكِرُ البعثَ، فأقدَم على تكفيره (١) وزَعَمَ أنَّ كلامه لا يحتمل تأويلاً، وليس كما قال، بل مُراد الطَّبَرِيِّ أنَّه يصير الأمر - أي: بعدَ فناء المخلوقات كلّها ۔ على ما كان عليه أوَّلاً ثمَّ يقع البعثُ والحِساب، هذا الذي يجب حملُ كلامه عليه، وأمَّا إنكاره/ عليه استخراجَ وقت الساعة فهو معذور فيه، ويكفي في الردِّ عليه أنَّ الأمر وَقَعَ بخلاف ما قال، فقد مَضَت خمسُ مئةٍ ثمَّ ثلاثُ مئةٍ وزيادة، لكنَّ الطََّرِيَّ تَسَّكَ بحديثٍ أبي ثَعْلبة رَفَعَه: ((لن تَعجِزَ هذه الأُمّةُ أن يُؤَخِّرَها الله نصفَ يوم)) الحديث، أخرجه أبو داود (٤٣٤٩) وغيره(٢)، لكنَّه ليس صريحاً في أنَّها لا تُؤَخّر أكثر من ذلك، والله أعلم، وسيأتي ما يَتَعلَّق بقَدْرٍ ما بقيَ من الدُّنيا في كتاب الفتن(٣) إن شاء الله تعالى. ٥١٥/٨ ٣٢ - سورة السّجدة بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿مَّهِينٍ﴾ [٨]: ضَعِيفٍ، نُطْفُ الرجلِ. ﴿ضَلَلْنَا﴾ [١٠]: هَلَكْنا. وقال ابنُ عبّاسٍ: الجُرُزُ [٢٧]: التي لا تُمُطَرُّ إلَّا مَطَراً لا يُغْني عنها شيئاً. ﴿يَهْدِ﴾ [٢٦]: يُبيِّن. قوله: ((سورة السَّجْدة - بِسْمِ اللَّهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرِّ، وسَقَطَت البسملةُ للَّسَفيِّ، ولغير هما: ((تنزيلُ السَّجدة)) حَسْبُ. (١) تحرف في (س) إلى: تفكيره. (٢) وأخرجه أحمد (١٧٧٣٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني موقوفاً، وهو الراجح، ورجَّح وقفَه أيضاً البخاري في «تاريخه)» ٢٥٠/٢، وانظر كلام الحافظ فيما سيأتي في ج ٢٠ في شرح الحديث (٦٥٠٥). (٣) بل في كتاب الرقاق: ٣٩ - باب قول النبي وَلّز: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين)). ١٤٢ سورة السجدة/ ح ٤٧٧٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مَّهِينٍ﴾: ضعيفٍ، نُطْفة الرجل)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿مِّن مَّآءٍ مَهِينٍ﴾ ضعيفٍ، وللفريابيِّ من هذا الوجه في قوله: ﴿مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّآءٍ فَهِينٍ﴾ قال: نُطْفة الرجل. قوله: (﴿ضَلَلْنَا﴾: هَلَكْنا)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ وَقَالُواْ أَعِذَا ضَلَلْنَا فِ الْأَرْضِ﴾ قال: هَلَكنا. قوله: ((وقال ابن عبّاس: الجُرُز: التي لا تُطِرِ إلَّا مَطَراً لا يُغْني عنها شيئاً)) وَصَلَه الطََّرِيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد (١) عنه مِثلَه، وذكره الفِرْیابيُّ وإبراهيم الحربيّ في ((غريب الحديث)) من طريق ابن أبي نَجِيح عن رجل عن ابن عبّاس كذلك، زاد إبراهيم: وعن مجاهد قال: هي أرض أبْيَنَ. وأنكَرَ ذلك الحَرْبيّ وقال: أبْيَن مدينة معروفة باليمن، فلعلَّ مجاهداً قال ذلك في وقت لم تكن أبْيَن تُنبِت فيه شيئاً. وأخرج ابن عُيَينةَ في ((تفسيره)) عن عَمْرو بن دينار عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: هي أرض باليمن. وقال أبو عبيدة: الأرض الجُرُز: اليابسة الغليظة التي لم يُصِبْها مطر. قوله: (﴿يَهْدِ﴾: يُبيِّْ)) أخرج الطَّبَرُّ (١١٤/٢١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ قال: أوَلم يُبيِّنْ لهم. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِهُمْ ﴾ أي یُبِّن لهم، وهو من اهُدَى. ١ - باب قوله: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ٤٧٧٩ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾، عن رسولِ الله وَّه قال: «قال الله تَبَارَكَ وتعالى: أعدَدْتُ لِعِبادِي الصالحِينَ ما لا عينٌ رَأَت، (١) هكذا في (أ) و(ع)، وفي (س): ابن أبي نجيح عن رجل عن مجاهد، وفي ((تفسير الطبري)) ١١٥/٢١: ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عباس، وهو الموافق لما في ((تفسير مجاهد)) ٢/ ٥١١ ففيه: ابن أبي نجيح عمَّن حدثه عن ابن عباس. ١٤٣ سورة السجدة/ ٤٧٨٠ كتاب التفسير ولا أُذُنُ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلْبٍ بَشَرِ)). قال أبو هريرةَ: اقرَؤوا إن شئتُم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّنِ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾. وحدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، قال: قال الله ... مِثلَه. قيل لسفيانَ: روايةً؟ قال: فأيُّ شيءٍ؟ وقال أبو معاويةً، عن الأعمَشِ، عن أبي صالح: قرأ أبو هريرةَ: ((قُرَّاتٍ أَعيُن)). ٤٧٨٠ - حدَّثني إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن الأعمَشِ، حدَّثنا أبو صالحٍ، عن أبي هريرةَ عُهُ، عن النبيِّ وَّ: ((يقولُ الله تعالى: أعدَدْتُ لِعِبادِي الصالحِينَ ما لا عينٌ رَأَت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلْبٍ بَشَرِ، ذُخْراً مِن بَلْهِ ما أُطْلِعْتُم عليه)) ثمَّ قرأ: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَّةً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قوله: ((باب قوله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾)) قرأ الجمهور ((أُخفيَ)) ٥١٦/٨ بالتَّحريكِ على البناء للمفعولِ، وقرأ حمزة بالإسكان فِعلاً مُضارِعاً مُسنَداً للمتكلِّم، ويُؤيِّده قراءةُ ابن مسعود: (نُخفي)) بنونِ العَظَمة، وقرأها محمَّد بن كعب: ((أَخفَى)) بفتح أوَّله وفتح الفاء على البناء للفاعلِ وهو الله، ونحوها قراءة الأعمَش: ((أَخفَيْتُ)). وذكر المصنّف في آخر الباب أنَّ أبا هريرة قرأ: ((قُرَّاتِ أعيُن)) بصيغة الجمع، وبها قرأ ابن مسعود أيضاً وأبو الدَّرداء، قال أبو عبيدة: ورأيتها في المصحَف الذي يقال له: الإمام ﴿قُرَّةِ﴾ بالهاءِ على الوَحْدة، وهي قراءةُ أهل الأمصار. قوله: ((يقول الله تعالى: أعدَدْتُ لعِبادي)) وَوَقَعَ في حديث آخر أنَّ سبب هذا الحديث: ((أنَّ موسى عليه السلام سألَ رَبَّه: مَن أعظَمُ أهل الجنَّة مُنزِلَةً؟ فقال: غَرَستُ كَرامَتَهم بَيَدي وخَتَمتُ عليها، فلا عينٌ رأت ولا أُذُن سمعَت ولا خَطَرَ على قلب بَشَر))، أخرجه مسلم (١٨٩) والتِّرمِذيّ (٣١٩٨) من طريق الشَّعْبيّ: سمعت المغيرة بن شُعْبة على المِنْبَر يَرفَعه إلى النبيّ وَّهِ: ((أنَّ موسى سألَ رَبّه)) فذكر الحديث بطوله وفيه هذا، وفي آخره: قال: ومِصداقُ ذلك في كتاب الله: ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. ١٤٤ سورة السجدة/ ٤٧٨٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولا خَطَرَ على قَلْب بَشَر)) زاد ابن مسعود في حديثه: ولا يَعلَمُه مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبيّ مُرسَل، أخرجه ابن أبي حاتم(١)، وهو يَدِفَع قولَ مَن قال: إنَّما قيل: البشر، لأنَّه يَخْطُر بقلوب الملائكة، والأَولى حَملُ النَّفي فيه على عُمومه فإنَّه أعظَمُ في النَّس. قوله: ((ذُخْراً)) بضمِّ الدَّال المهمَلة(٢) وسكون المعجَمة، منصوب مُتعلِّق بأعدَدتُ، أي: جَعلتُ ذلك لهم مذخوراً. قوله: ((مِن بَلْهِ ما أُطلِعتُم عليه)) قال الخطَّبيُّ كأَنَّه يقول: دَعْ ما أُطلِعتُم عليه فإنَّه سهلٌ في جنب ما ادُّخِرَ لهم. قلت: وهذا لائقٌ بشرح ((بَلْهَ)) بغير تَقَدُّم ((مِن)) عليها، وأمَّا إذا تقدَّمت ((مِن)) عليها فقد قيل: هي بمعنى: كيف، ويقال: بمعنى: أَجْل، ويقال: بمعنى: غير أو سِوَى، وقيل: بمعنى: فضل، لكن قال الصَّغَانِيُّ: اتَّفَقَت نُسَخ ((الصَّحيح)) على: ((مِن بَلْه)) والصَّواب إسقاط كلمة ((من))؛ وتُعقّبَ بأنَّه لا يَتَعيَّن إسقاطها إلّا إذا فُشِّرَت بمعنى: دَعْ، وأمَّا إذا فُسِّرَت بمعنى: من أجلٍ، أو من غير أو سِوَى فلا، وقد ثَبَتَ في عِدّة مُصنَّفات خارجَ ((الصَّحيح)) بإثبات ((مِن))، وأخرجه سعيد بن منصور ومن طريقه ابن مَرْدويه من رواية أبي معاوية عن الأعمَش كذلك. وقال ابن مالك: المعروف ((بَلْهَ)) اسم فِعل بمعنى: اترُك، ناصباً لمَا يَلِيها بِمُقْتَضَى المفعوليَّة، واستعماله مصدراً بمعنى التَّرك مضافاً إلى ما يَلِيه، والفتحة في الأولى بِنائيَّة وفي الثّانية إعرابيَّة، وهو مصدرٌ مُهمَل الفعل ممنوع الصَّرف. وقال الأخفَش: (بَلْه)) هنا مصدر كما تقول: ضَرْبُ زيد، ونَدَرَ دخولُ (مِن)) عليها زائدة. ووَقَعَ في ((المغني)) لابنِ هشام أنَّ ((بَلْه)) استُعمِلَت مُعرَبَةً مجرورة بمِن وأنَّها بمعنى: (١) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢/ ٤١٤ من حديث ابن مسعود موقوفاً عليه قال: إنه مكتوب في التوراة: لقد أعدَّ الله ... إلخ. (٢) قال القسطلاني في (إرشاد الساري) ٧/ ٢٩١: ((ذخراً)) بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين، كذا في الفرع، وقال في ((الصحاح)) في فصل الذال المعجمة: ذخرتُ الشيء أذخره ذخراً وكذلك اذَّخرته. انتهى، وقول الحافظ ابن حجر: بضم المهملة وسكون المعجمة، سهو أو سبق قلمٍ، والله أعلم . ١٤٥ سورة الأحزاب/ ٤٧٨١ كتاب التفسير غير، ولم يَذْكُر سواه، وفيه نظر، لأنَّ ابن التِّين حكى رواية: ((مِن بَلْهَ)) بفتح الهاء معَ وجود مِن، فعلى هذا فهي مَبنيَّة و ((ما)) مَصدَريَّة، وهي وصِلَتُها في موضع رفع على الابتداء، والخبر هو الجارّ والمجرور المتقدِّم، ويكون المراد ببَلْهَ: كيف، التي يُقصَدُ بها الاستبعاد، والمعنى: من أين اطّلاعُكم على هذا القَدْر الذي تَقصُر عقولُ البشر عن الإحاطة به، ودخول ((مِن)) على ((بَلْه)) إذا كانت بهذا المعنى جائز كما أشارَ إليه الشَّريف في ((شرح الحاجِبِيَّة)). قلت: وأصُّ التوجيهات لخُصوصِ سياق حديث الباب حيثُ وَقَعَ فيه: ((ولا خَطَرَ على ٥١٧/٨ قلب بَشَر، ذُخْراً من بَلْهِ ما أُطلِعِتُمْ))، أنَّها بمعنى: غير، وذلك بَيِّنٌ لمن تأمَّلَه، والله أعلم. قوله: «وقال أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح: قرأ أبو هريرة: قُرّاتِ أعيُنٍ» وَصَلَه أبو عبيد القاسم بن سَلّامٍ في كتاب ((فضائل القرآن))(١) له عن أبي معاوية بهذا الإسناد مِثله سواء، وأخرج مسلم (٢٨٢٤/ ٤) الحديث كلّه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن أبي معاوية به. ٣٣ - سورة الأحزاب بِسمِاللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾ [٢٦]: قُصورِهم. ﴿مَّعْرُوفًا﴾ [٦] في الكِتابِ. ١ - ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ٤٧٨١ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُّ فُلَيِحٍ، حدَّثنا أبي، عن هلال بنِ علِيٍّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((ما مِن مُؤْمِنٍ إلَّ وأنا أَوْلَى الناسِ به في الدُّنْيا والآخرةِ، اقرَؤُوا إن شئْتُم: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، فأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالاً، فَلْيَرِثْه عَصَبَتُه مَن كانوا، فإن تَرَكَ دَيناً أو ضَيَاعاً فَلْيأْتِنِي، وأنا مَوْلاه)). (١) ((فضائل القرآن)) ص ٣١٠. ١٤٦ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((سورة الأحزاب - بِسْمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت ((سورة)) والبسملة لغير أبي ذرٍّ، وسَقَطَت البسملةُ فقط للنَّسَفيِّ. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾: قُصورِهم)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِیح عنه. قوله: ((﴿مَّعْرُوفًا﴾ في الكِتَابِ)) ثَبَتَ هذا للَّسَفيِّ وحدَه، وقد أخرج عبد الرَّزّاق(١) عن ابن جُرَيج قال: قلت لعطاءٍ في هذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَابِكُم مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] فقال: هو إعطاء المسلمِ الكافرَ بينَهما قرابةٌ صِلةً له. قوله: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾)) ثَبَتَت هذه التَّرجمة لأبي ذرِّ. وذكر فيه حديث أبي هريرة عن النبيّ وَ ل﴿ قال: ((ما من مُؤمِن إلّا وأنا أَولى به)) الحديث، وسيأتي الكلام عليه في الفرائض (٦٧٣١) إن شاء الله تعالی. ٢- بابٌ ادْعُوهُمْ لِأَّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] ٤٧٨٢ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ، حذَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، قال: حذَّثني سالمٌ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ زيدَ بنَ حارثةَ مولى رسولِ الله وَلِّ ما كنَّا نَذْعوه إلا زيدَ بنَ محمَّدٍ، حتَّى نزلَ القرآنُ: ﴿ آدْعُوهُمْ لِأَّبَآنِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ﴾. قوله: ((باب ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآَبِهِمْ هُوَ أَفْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾)) أي: أعدَلُ، وسيأتي تفسير القِسْط، والفرق بينَ القاسط والمقسِط في آخر الكتاب (٧٥٦٣). قوله: ((أنَّ زيد بن حارثة مولى رسول الله وَ ليهِ ما كنَّا نَدْعوه إلّا زيدَ بنَ محمَّد، حتَّى نزلَ القرآن: ﴿ أَدْعُوهُمْ لِأَّبَآِبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾)) في رواية القاسم بن مَعْن عن موسى ابن عُقْبةَ في هذا الحديث: ما كنَّا نَدعُو زيد بن حارثة الكَلْبِيّ مولى رسول الله وَل ◌َه إلّا (١) زاد في (أ) و(س) بعده: عن معمر عن قتادة، وهي زيادة مقحمة ولم ترد في (ع) على الصواب، والخبر أخرجه عبد الرزاق في («تفسيره)) ٢/ ١١٣ قال: أخبرني ابن جريج قال: قلت لعطاء ... ١٤٧ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٣ -٤٧٨٤ كتاب التفسير زيدَ بنَ محمَّد، أخرجه الإسماعيليّ. وفي حديث عائشة الآتي في النِّكاح (٥٠٨٨) في قِصّة سالم مولى أبي حُذيفة: وكان مَن تَبنَى رجلاً في الجاهليَّة دَعَاه الناسُ إليه ووَرِثَ ميراثَه، حتَّى نزلت هذه الآية، وسيأتي مَزِيد الكلام على قِصّة زيد بن حارثة في ذلك بعد قليل إن شاء الله تعالى. ٣- بابٌ ﴿فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿َتَحْبَدُ﴾: عَهْدَه. ﴿أَقْطَارِهَا﴾ [١٤]: جَوانِبها. ﴿الْفِتْنَةَ لَتَوَّهَا﴾ [١٤]: لَأعطَوْها. ٤٧٨٣ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أبي، عن ٥١٨/٨ ثُمامةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ◌ّ، قال: نُرَى هذه الآيةَ نَزَلت في أنسٍ بنِ النَّضْرِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. ٤٧٨٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني خارجةُ بنُ زیدِ بنِ ثابتٍ، أَنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ قال: لمَّا نَسَخْنا الصُّحُفَ في المصاحفِ، فَقَدْتُ آيَةً من سورة الأحزابِ كنتُ كثيراً أسمَعُ رسولَ اللهَلاَ يَقْرَؤُها، لم أجِدْها معَ أحدٍ إلَّا معَ خُزَيمةَ الأنصاريِّ، الذي جَعَلَ رسولُ الله ◌َّهِ شهادتَه شهادةَ رجَلَيْنِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. قوله: ((باب ﴿فَمِنْهُم مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: عَهْدَه)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ قَضَى تَحْبَهُ﴾ أي: نَذْرَه، والنَّحْب: النَّذر، والنَّحب أيضاً: النَّفْس، والنَّحْب أيضاً: الخَطَر العظيم، وقال غيره: النَّحب في الأصل: النَّذر، ثمَّ استُعمِلَ في آخر كلّ شيء. وقال عبد الرَّزّاق: أخبرنا مَعمَر عن الحسن في قوله: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ قال: قَضَى أَجَلَه على الوَفاء والتَّصديق؛ وهذا مخالف لما قاله غيره، بل ثَبَتَ عن عائشة: أنَّ طلحة ١٤٨ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٤ فتح الباري بشرح البخاري دَخَلَ على النبيّ ◌َ فقال: ((أنتَ يا طلحةُ مَمَّن قَضَى نَحْبَه)) أخرجه ابن ماجه(١) والحاكم (٤١٥/٢- ٤١٦ و٣٧٦/٣)، ويُمكِّن أن يُجمَعَ بحَمْلِ حديث عائشة على المجاز، وقَضَى بمعنى: يقضي. ووَقَعَ في ((تفسير ابن أبي حاتم)): منهم عَّار بن ياسر، وفي ((تفسير يحيى بن سَلّامٍ)): منهم حمزة وأصحابه. وقد تقدَّم (٢٨٠٥) في قِصّة أنس بن النَّضر قول أنس بن مالك: منهم أنس بن النَّضر، وعندَ الحاكم (٢٤٨/٢) من حديث أبي هريرة: منهم مُصعَب بن عُمَير، ومن حديث أبي ذرِّ أيضاً(٢). قوله: ((﴿أَقْطَارِهَا﴾: جَوَانبها)) هو قولُ أبي عبيدة. قوله: (﴿ اَلْفِتْنَةَ لَتَوَّهَا﴾: لَأعطَوْها)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً وهو على قراءة: ((آتَوْهَا)) بالمدِّ، وأمَّا مَن قرأَها بالقصرِ - وهي قراءة أهل الحجاز - فمعناه: جاؤوها. ثمَّ ذكر طَرَفاً من حديث أنس في قِصّة أنس بن النَّضر، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوائل الجهاد (٢٨٠٥). قوله: «أخبَرَني خارجةُ بن زيد بن ثابت أنَّ زيد بن ثابت قال: لمَّا نَسَخْنا الصُّحُف في المصاحف)) تقدَّم في آخر تفسير التوبة (٤٦٧٩) من وجه آخر عن الزُّهْريّ عن عُبيد بن السَّاق عن زيد بن ثابت، لكن في تلك الرّواية أنَّ الآية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وفي هذه أنَّ الآية ﴿مِّنَ الْمُؤْمِینَ رِجَالٌ﴾، فالذي يَظهَرُ أنَّهما حديثان، وسيأتي في فضائل القرآن (٤٩٨٦ - ٤٩٨٨) من طريق إبراهيم بن سعد عن الزُّهْريّ بالحديثَينِ معاً في سیاقٍ واحد. قوله: «فَقَدْتُ آیةً من سورة الأحزاب كنت كثيراً أسمَعُ رسول الله ◌َ لّ يقرؤها» هذا يدلُّ (١) حديث عائشة لم يخرجه ابن ماجه، وهو عنده برقم (١٢٦) و(١٢٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان. (٢) عند الحاكم أيضاً ٣/ ٢٠٠، ووقع في المطبوع منه: مصعب الأنصاري، ولا يصح هذا، فإن مصعب بن عمير قرشي مهاجري، وجاء من الطريق نفسها عند البيهقي في ((الدلائل)) ٢٨٤/٣- ٢٨٥ وفيه: مصعب ابن عمير. ١٤٩ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٤ كتاب التفسير على أنَّ زيداً لم يكن يَعتَمِد في جمع القرآن على عِلْمه، ولا يَقتَصِر على حفظه، لكن فيه إشكال لأَنَّ ظاهره أنَّه اكتَفَى معَ ذلك بخُزَيمةَ وحدَه والقرآن إنَّما يَثْبُت بالتواتُّرِ، والذي يَظهَر في الجواب أنَّ الذي أشارَ إليه أنَّ فقدَه فقدُ وجودها مكتوبةً، لا فَقْدُ وجودها محفوظةً، بل كانت محفوظة عندَه وعندَ غيره، ويدلّ على هذا قوله في حديث جمع القرآن: فأخذتُ أتتَّعه من الرِّقاع والعُسُب، كما سيأتي مبسوطاً في فضائل القرآن (٤٩٨٦). وقوله: ((خُزَيمةَ الأنصاريّ الذي جَعَلَ رسول الله وَالر شهادته بشهادة رجلینِ)) يشير إلى قِصّة خُزيمةَ المذكورة: وهو خُزَيمةُ بن ثابت كما نَسَبَه(١) في رواية إبراهيم بن سعد الآتية (٤٩٨٧). وأمَّا قِصَّته المذكورة في الشَّهادة فأخرجها أبو داود (٣٦٠٧) والنَّسائيُّ (٤٦٤٧)، ووَقَعَت لنا بعُلوٍّ في (جُزء محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيّ)) من طريق الزُّهْريّ أيضاً عن عمارة بن خُزَيمةَ عن / عَمّه، وكان من أصحاب النبيّ رَ ليهِ: أنَّ النبيّ ◌َّ ابتاعَ من أعرابيّ فَرَساً، ٥١٩/٨ فاستَبَعَه ليقضيَه ثمنَ الفرس، فأسرَعَ النبيّ ◌َّرِ المشي وأبطأ الأعرابيّ، فَطَفِقَ رجال يَعتَرِضونَ الأعرابيّ يُساوِمونَه في الفرس حتَّى زادوه على ثَمَنه - فذكر الحديث - قال: فِطَفِقَ الأعرابيّ يقول: هَلُمَّ شهيداً يَشْهَدُ أنّي قد بعتُك، فمَن جاء من المسلمينَ يقول: ويلكَ إِنَّ النبيّ وَّه لم يكن ليقولَ إلّ الحقّ، حتَّى جاء خُزَيمةُ بن ثابت فاستَمَعَ المراجَعة فقال: أنا أشهَدُ أنَّك قد بايعتَه، فقال له النبيّ وَّ: ((بمَ تَشْهَد؟)) قال: بتصديقِك، فجَعَلَ النبيُّوَ ◌ّل شهادة خُزيمةَ بشهادة رجلَينِ. ووَقَعَ لنا من وجه آخر أنَّ اسم هذا الأعرابيّ سَوَاء(٢) بن الحارث، فأخرج الطبرانيُّ (٣٧٣٠) وابن شاهين من طريق زيد بن الحُبَاب، عن محمَّد بن زرارةَ بن خُزَيمةً، حدَّثني عُمارة بن خُزَيمةَ، عن أبيه: أنَّ النبيّ ◌َّهِ اشتَرَى فَرَساً من سواء بن الحارث فجَحَدَه، فشَهِدَ له خُزيمةُ بن ثابت، فقال له: ((بمَ تَشْهَدُ ولم تكن حاضراً؟)) قال: بتصديقِك وأنَّك لا تقول إلّ حَقّاً، فقال النبيّ ◌َّ: ((مَن شَهِدَ له خُزَيمةُ أو عليه فحَسْبُه)). (١) في (س) : کما سأبينه. (٢) تحرف في (س) في الموضعين إلى: سواد، آخره دال. ١٥٠ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٥ فتح الباري بشرح البخاري قال الخطَّبيُّ: هذا الحديث حَمَلَه كثير من الناس على غير مَحَمَله، وتَذَرَّعَ به قوم من أهل البِدَع إلى استحلال الشَّهادة لمن عُرِفَ عندَهم بالصِّدْقِ على كلّ شيء اذَّعاه، وإنَّما وجهُ الحديث أنَّ النبيّ وَِّ حَكَمَ على الأعرابيّ بعِلمِه، وجَرَت شهادةُ خُزيمةَ مَجَرَى التوكيد لقوله والاستظهار على خَصْمه، فصارَ في التَّقدير كشهادة الاثنين في غيرها من القَضَایا، انتهى. وفيه فضيلة الفِطْنة في الأُمور وأنَّها ترفع مَنزِلةَ صاحبها، لأنَّ السَّبَب الذي أبداه ◌ُخُزيمةُ حاصل في نفس الأمر يَعرِفه غيره من الصَّحابة، وإنَّما هو لمَّ اختَصَّ بتَفَطُّنِهِ لمَا غَفَلَ عنه غيره معَ وُضوحِهِ، جُوزِيَ على ذلك بأن خُصَّ بفضيلة: مَن شَهِدَ له خُزَيمةُ أو علیه فحَسْبُه. تنبيه: زَعَمَ ابن التِّين أنَّ النبيّ وَّهِ قال لخُزَيمَةَ لمَّا جَعَلَ شهادته بشهادتَينِ: ((لا تَعُدْ)) أي: تَشْهَدُ على ما لم تُشاهده. انتهى، وهذه الزّيادة لم أقِفْ عليها. ٤- بابٌ ﴿قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحَا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٢٨] وقال مَعمَر: التّبُّجُ: أن تُخْرِجَ مَحاسِنَها. سُنَّةَ اللَّهِ﴾ [٦٢] استَنَّها: جَعَلَها. ٤٧٨٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ وَلَ أخبَرَتْه: أنَّ رسولَ الله وَلِّ جاءها حينَ أمَرَ الله أن يُخيّرَ أزواجَه، فَبَدَأَ بِي رسولُ اللهِ وَّةِ، فقال: ((إنّي ذاكِرٌ لكِ أمراً، فلا عليكِ أن تَسْتَعْجِلي حتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيكِ)) وقد عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لم يكونا يأمراني بفِراقِهِ، قالت: ثمَّ قال: ((إِنَّ الله قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوََِ﴾)) إلى تمامِ الآيَتَينِ، فقلتُ له: ففي أيِّ هذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟ فإنّي أُرِيدُ اللهَ ورسولَه والدَّارَ الآخرةَ. [طرفه في: ٤٧٨٦] ١٥١ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٥ كتاب التفسير قوله: ((بابٌ ﴿قُل لِّأَزْوَمَِ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِعَكُنَّ وَأُسَرِحْكُنَّ سَرَاحَا جَمِيلًا﴾)) في رواية أبي ذرٍّ: ﴿أُمَتِعَكُنَّ ﴾ الآية. قوله: ((وقال مَعمَر)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ هذا العَزوُ من رواية غيرهِ. قوله: ((التَّبُرُّج أن تُخرِج زينتَها(١)) هو قول أبي عبيدة واسمه: مَعمَر بن المثنَّى، ولفظه في ((كتاب المجاز)) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَِهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ هو من الشَّبُّج، وهو أن يُبرِزنَ محاسنَهنَّ. وتَوهَّمَ مُغَلْطاي ومَن قَلَّدَه أنَّ مُرادَ البخاريّ مَعمَر بن راشد فَنَسَبَ هذا إلى تخريج عبد الرَّزّاق في ((تفسيره) عن مَعمَر، ولا وجود لذلك في تفسير عبد الرَّزّاق، / وإنَّما أخرج ٥٢٠/٨ (١١٦/٢) عن مَعمَر عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في هذه الآية قال: كانت المرأة تَخْرُج تتمشَى بينَ الرِّجال فذلك تَبرُّج الجاهليَّة، وعندَ ابن أبي حاتم من طريق شَيْبانَ عن قَتَادة قال: كانت لهنَّ مِشْية وتَكَشُّر وتَغَنُّج إذا خَرَجنَ من البيوت فنُهِينَ عن ذلك، ومن طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: قال عمر: ما كانت إلّا جاهليّة واحدة، فقال له ابن عبّاس: هل سمعتَ بأُولى إلّا ولها آخِرة؟ ومن وجه آخر عن ابن عبَّاس قال: تكون جاهليّةٌ أُخرى، ومن وجه آخر عنه قال: كانت الجاهليَّة الأولى ألفَ سنة فيما بينَ نوح وإدريس، وإسناده قويّ، ومن حديث عائشة قالت: الجاهليَّة الأولى بينَ نوح وإبراهيم، وإسناده ضعيف، ومن طريق عامر - وهو الشَّعْبيّ - قال: هي ما بينَ عيسى ومحمَّد، وعن مُقاتل بن حَّان قال: الأُولَى زمان إبراهيم، والأُخرى زمان محمَّد قبلَ أن يُبعَث، قلت: ولعلَّه أراد الجمع بينَ ما نُقِلَ عن عائشة وعن الشَّعْبيّ، والله أعلم. قوله: ((﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: استَنَّها: جَعَلَها)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً، وزادَ: جعلها سُنّةً. ونَسَبَهَ مُغَلْطاي ومَن تَبعَه أيضاً إلى تخريج عبد الرَّزاق عن مَعمَر، وليس ذلك فيه. قوله: ((أنَّ رسول الله وَّةِ جاءها حينَ أمَرَه الله أن يُخُيِّر أزواجَه)) سيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده. (١) كذا وقع عند الحافظ، وليس في شيء من نسخ ((الصحيح)) المعتمَدة في اليونينية إلّا: محاسنها. ١٥٢ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٦ فتح الباري بشرح البخاري ٥ - باب قوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهُ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٢٩] وقال قَتَادةُ: ﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُوتِ كُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ القرآنِ ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]: السُّنّةِ. ٤٧٨٦- وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمنِ، أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ بَّهِ قالت: لمَّا أُمِرَ رسولُ الله ◌َّ بِتَخْبِيرِ أزواجِهِ بَدَأَ بي، فقال: ((إنّ ذاكِرٌ لكِ أمراً، فلا عليكِ أن لا تَعْجَلي حتَّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيكِ)) قالت: وقد عَلِمَ أنَّ أَبَوَيَّ لم يكونا يأمُراني بفِراقِهِ، قالت: ثمَّ قال: ((إنَّ الله جلّ ثَنَاؤُه قال: ﴿يَكَيُّهَا النَُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾)) قالت: فقلتُ: ففي أيِّ هذا أستَأمِرُ أَبَوَيَّ؟ فإنّي أُرِيدُ اللهَ ورسولَه، والدَّارَ الآخرةَ. قالت: ثمَّ فَعَلَ أزواجُ النبيِّ ◌َِّ مِثلَ ما فَعَلْتُ. تابَعَه موسى بنُ أعيَّنَ، عن مَعمَر، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ. وقال عبدُ الرزّاق وأبو سفيانَ المَعْمَرِيُّ، عن مَعمَر، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةً. قوله: ((باب قوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّتُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾)» ساقوا كلّهم الآيةَ إلى ﴿عَظِيمًا﴾. قوله: ((وقال قَتَادةُ: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ يُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ القرآنِ ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾: السُّنّةِ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق مَعمَر عن قَتَادة بلفظ: ﴿مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: القرآنِ والسُّنّة؛ أو رَدَه بصورة اللَّفّ والنَّشر المَرَتَّب، وكذا هو في ((تفسیر عبد الرَّزّاق)) (١١٦/٢). قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس)) وَصَلَه الذُّهْلُّ عن أبي صالح عنه، وأخرجه ابن جَرِير (١٥٧/٢١) والنَّسائيُّ (ك٥٦٠٣) والإسماعيليّ من رواية ابن وَهْب عن يونُسَ کذلك. قوله: ((لمَّا أُمِرَ رسول الله وَيهِ بِتَخْييرِ أزواجِه)) وَرَدَ في سبب هذا التَّخيير ما أخرجه ١٥٣ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٦ كتاب التفسير مسلم (١٤٧٨) من حديث جابر قال: ((دَخَلَ أبو بكر يَستأذِن على رسول الله وَّ)) الحديث، في قوله وَّ: ((هنَّ حولي كما تَرَى يسألنَنِي النَّفَقة)) يعني: نساءَه، وفيه: أنَّه اعتَزَلهنَّ شهراً، ثمَّ نزلت عليه هذه الآية ﴿يَكَأَيُهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال: فَبَدَأ بعائشةَ ... فذكر نحو حديث الباب، وقد تقدَّم في المظالم (٢٤٦٨) من طريق عُقَيل، ويأتي / ٥٢١/٨ في النِّكاح (٥١٩١) أيضاً من طريق شُعَيب، كلاهما عن ابن شِهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر عن ابن عبّاس عن عمر، في قِصّة المرأتينِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا بطوله، وفي آخره: حينَ أفشَته حفصةُ إلى عائشة، وكان قد قال: ((ما أنا بداخل عليهنَّ شهراً)) من شِدّة مَوجِدَته عليهنَّ حتَّى عاتَبَه الله، فلمَّا مَضَت تسع وعشرونَ دَخَلَ على عائشة فبَدَأَ بها، فقالت له: إنَّك أقسَمتَ أن لا تَدخُلَ علينا شهراً، وقد أصبَحْنا لتسع وعشرينَ ليلةً أعُدُّها عَدّاً، فقال النبيّ وَّهِ: ((الشَّهرُ تسع وعشرونَ)) وكان ذلك الشَّهر تسعاً وعشرينَ، قالت عائشة: فَأُنزِلَت آية التَّخيير، فبَدَأَ بي أوَّلَ امرأة فقال: ((إنّ ذاكِرٌ لكِ أمراً، فلا عليكِ أن لا تَعْجَلي)) الحديث. وهذا السِّياق ظاهره أنَّ الحديث كلّه من رواية ابن عبّاس عن عمر، وأمَّا المرويّ عن عائشة فمن رواية ابن عبّاس عنها، وقد وَقَعَ التَّصريحُ بذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مَرْدويه من طريق أبي صالح عن اللَّيث بهذا الإسناد إلى ابن عبّاس قال: قالت عائشةُ: أُنزِلَت آية التَّخيير، فَبَدَأ بي ... الحديث. لكن أخرج مسلم (٣٤/١٤٧٩) الحديثَ من رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ ففَصَّلَه تفصيلاً حسناً، وذلك أنَّه أخرجه بطوله إلى آخر قِصّة عمر في المتظاهرتَينِ إلى قوله: ((حتَّى عاتَبَه اللهُ) ثمَّ عَقَبَه بقوله: ((قال الزُّهْريّ: فأخبرني عُرْوة عن عائشة قالت: لمَّا مضى تسع وعشرونَ» فذكر مُراجَعَتَها في ذلك ثمَّ عَقَّبَه بقوله: ((ثم قال: يا عائشة، إنّ ذاكِرٌ لك أمراً فلا عليكِ أن لا تَعجَلي حتَّى تَستأمِري أبَوَيكِ)) الحديث، فعُرِفَ من هذا أنَّ قوله: ((فلمَّا مَضَت تسع وعِشرونَ ... )) إلى آخره في رواية عُقَيل، هو من رواية الزُّهْريّ عن عائشة بحذفِ الواسطة، ولعلَّ ذلك وَقَعَ عن عَمدٍ من أجل الاختلاف على الزّهْريّ في الواسطة بينَه وبينَ عائشة في ١٥٤ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٦ فتح الباري بشرح البخاري هذه القِصّة بعينها كما بيَّنه المصنّف هنا، وكأنَّ مَن أدرَجَه في رواية ابن عبّاس مَشَى على ظاهر السّياق ولم يَفطَنْ للتَّفصيلِ الذي وَقَعَ في رواية مَعمَر. وقد أخرج مسلم أيضاً (١٤٧٩/ ٣٠) من طريق سِماك بن الوليد عن ابن عبّاس: حدَّثني عمر بن الخطّاب قال: لمَّ اعتَزَلَ النبيُّ بَله نساءَه دَخَلت المسجد، الحديث بطوله، وفي آخره: «قال: وأنْزَلَ الله آية التَّخيير))، فانَّفَقَ الحديثان على أنَّ آية التَّخيير نزلت عَقِبَ فراغ الشَّهر الذي اعتَزَلَنَّ فيه، ووَقَعَ ذلك صريحاً في رواية عَمْرة عن عائشة قالت: لمَّا نزلَ النبيُّ وٍَّ إلى نسائه أُمِرَ أن يُخُيِّرَهنَّ، الحديث أخرجه الطََّرِيُّ (١٥٧/٢١) والطَّحاويُّ (١)، واختَلَفَ الحديثانِ في سبب الاعتزال، ويُمكِن الجمع بأن تكون القصَّتان جميعاً سببَ الاعتزال، فإنَّ قِصّة المتظاهرتَينِ خاصّةٌ بهما، وقِصّة سؤال النَّفَقة عامّة في جميع النِّسوة، ومُناسَبة آية التَّخيير بقِصّة سؤال النَّفَقة أليَقُ منها بقِصّة المتظاهرتَينِ، وسيأتي في ((باب مَن خَيَّرَ نساءَه)) من کتاب الطَّلاق (٥٢٦٢) بيان الحُكم فيمَن خيَّرها زوجها إن شاء الله تعالى. وقال الماوَرْديّ: اختُلِفَ هل كان النَّخيير بينَ الدُّنيا والآخرة، أو بينَ الطَّلاق والإقامة عندَه؟ على قولَينِ للعلماءِ، أشبَهُهما بقولِ الشافعيّ الثّاني، ثمَّ قال: إنَّه الصَّحيح. وكذا قال القُرطُبيّ: اختُلِفَ في التَّخيير هل كان في البَقَاءِ والطَّلاق، أو كان بينَ الدُّنيا والآخرة. انتهى، والذي يَظهَر الجمعُ بينَ القولَينِ، لأنَّ أحد الأمرَينِ ملزوم للآخرِ، وكأنََّنَّ خُيِّرنَ بينَ الدُّنيا فيُطلِّقُهنَّ وبينَ الآخرة فيُمسِكُهنَّ، وهو مُقْتَضَى سياق الآية، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ محلّ القولَينِ: هل فوَّضَ إليهنَّ الطَّلاقَ أم لا؟ ولهذا أخرج أحمد (٥٨٨) عن عليّ قال: لم يُخُيِّر رسول الله وَله نساءَه إلّ بينَ الدُّنيا والآخرة(٢). قوله: ((فلا عليكِ أن لا تَعْجَلي)) أي: فلا بأس عليك في التَّنَّي وعَدَمِ العَجَلة حتَّى تُشاوِري أبويك. (١) أخرج الطحاوي في (شرح معاني الآثار)) ١٢٤/٣ من طريق عمرة عن عائشة قصة اعتزال النبي وخلطهو نساءه مختصرة، لكن ليس فيها ذكر التخيير. (٢) وفي إسناده محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، وهو منكر الحديث . ٠ ١٥٥ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٦ كتاب التفسير قوله: ((حتَّى تَسْتَأْمِري أبَوَيكِ)) أي: تَطلُبي منهما أن يُبيِّنا لك رأيَهما في ذلك. ووَقَعَ في حديث جابر(١): ((حتَّى تَستَشيري أبَوَيك))، زاد محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمةَ عن عائشة: (إنّي عارضٌ عليكِ أمراً، فلا تَفْتاتي فيه بشيءٍ حتَّى تَعرِضيه على أَبَوَيكِ أبي بكر وأُمّ رُومان)) أخرجه أحمد (٢٥٧٧٠) والطََّرِيُّ (١٥٧/٢١)، ويُستَفاد منه أنَّ أمّ رُومان كانت يومئذٍ موجودةً، فيُرُدّ به على / مَن زَعَمَ أنَّها ماتت سنة ستّ من الهجرة، فإنَّ التَّخيير كان في سنة تسع. ٥٢٢/٨ قوله: ((قالت: فقلت: ففي أيِّ هذا أستَأمرُ أبَوَيَّ؟» في رواية محمَّد بن عَمْرو: فقلت: فإنّي أُريدُ الله ورسوله والدَّار الآخرة، ولا أُؤْامر أَبَوَيَّ أبا بكر وأُمّ رُومان، فضَحِكَ، وفي رواية عمر بن أبي سَلَمةَ عن أبيه عندَ الطَّبَرَيِّ (١٥٧/٢١-١٥٨): ففَرِحَ. قوله: ((ثُمَّ فَعَلَ أزواج النبيّ ◌َّهِ مِثْلِ مَا فَعَلتُ)) في رواية عُقيل (٢٤٦٨): ثمَّ خَيَّرَ نساءَه فقُلنَ مِثلَ ما قالت عائشة، زاد ابن وَهْب عن يونس في روايته: فلم يكن ذلك طلاقاً حينَ قاله لهنَّ فاختَرَنَه، أخرجه الطَّبَريّ (١٥٨/٢١). وفي رواية محمَّد بن عَمْرو المذكورة: ((ثُمَّ استَقْرَى الْحُجَر - يعني: حُجَر أزواجه - فقال: إنَّ عائشة قالت كذا، فقُلنَ: ونحنُ نقول مِثل ما قالت))، وقوله: ((استَقَرَى الْحُجَر)) أي: تَتَّعَ، والحُجَر بضمِّ المهمَلة وفتح الجيم: جمع حُجْرة بضمٍّ ثمَّ سكون، والمراد مساكنُ أزواجه ێ. وفي حديث جابر المذكور: أنَّ عائشة لمَّا قالت: ((بَل أختارُ اللهَ ورسولَه والدَّارَ الآخرة» قالت: يا رسول الله، وأسألُك أن لا تُخبِرِ امرأةً من نسائك بالذي قلت، فقال: ((لا تسألُني امرأة منهنَّ إلّا أخبَرتها، إنَّ الله لم يَبعَثني مُتَعَتّاً وإِنَّمَا بَعَثَنِي مُعلِّماً مُيَسِّراً)). وفي رواية مَعمَر عندَ مسلم (١٤٧٥ / ٣٥): قال مَعمَر: فأخبرني أيوبُ أنَّ عائشة قالت: لا تُخبِرِ نساءَك أنّي اختَرتُك، فقال: ((إنَّ الله أرسَلَني مُبلِّغاً ولم يُرسِلني مُتَعَنِّنَا))، وهذا مُنقَطِعِ بينَ أيوب وعائشة، ويَشهَد لصِحَّتِهِ حديثُ جابر، والله أعلم. (١) عند مسلم (١٤٧٨). ١٥٦ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٦ فتح الباري بشرح البخاري وفي الحديث مُلاطَفة النبيّ وَّهِ لأزواجِه وحِلْمه عنهنَّ وصَبْره على ما كان يَصدُر منهنَّ من إدلالٍ وغيره ممّا تَبعَتُه عليهنَّ الغَيْرة. وفيه فضل عائشة لبِداءَتِه بها، كذا قَرَّرَه النَّوَويّ، لكن روى ابن مَرْدويه من طريق الحسن عن عائشة: أنَّها طلبت من رسول الله وَلَّهِ ثوباً، فأمَرَ الله نبيَّه أن يُخِيِّرَ نساءَه: إمّا عندَ الله تُرِدنَ أم الدُّنيا؟ فإن ثَبَتَ هذا وكانت هي السَّبَب في التَّخيير فلعلَّ البِداءة بها لذلك، لكنَّ الحسن لم يَسمَعْ من عائشة فهو ضعيف، وحديث جابر في أنَّ النِّسوة كُنَّ يسألنَه النَّفَقة أصحُّ طريقاً منه، وإذا تَقرَّرَ أنَّ السَّبَب لم يَتَّحِدْ فيها وقُدِّمَت في التَّخييرِ دَلَّ على المراد، لا سيّما معَ تقديمه لها أيضاً في البِداءة بها في الدُّخول عليها. وفيه أنَّ صِغَر السِّنّ مَظِنّةٌ لنقصِ الرَّأي، قال العلماء: إنَّما أمَرَ النبيُّ وَّ عائشة أن تَستأمِر أبَوَيها خَشْيَةَ أن يَحِمِلَها صِغَر السِّنّ على اختيار الشِّقّ الآخر، لاحتمال أن لا يكون عندَها من المَلَكة ما يَدفَع ذلك العارض، فإذا استشارَت أبَوَيها أوضَحًا لها ما في ذلك من المفسَدة وما في مُقابِله من المصلحة، ولهذا لمَّا فَطِنَت عائشة لذلك قالت: قد عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لم يكونا يأمراني بفِراقه. ووَقَعَ في رواية عَمْرة عن عائشة في هذه القِصّة: وخَشِ رسول الله ◌ِله حَدَاثَتي (١)؛ وهذا شاهد للتَّويلِ المذكور. وفيه مَنقَبة عظيمة لعائشةَ، وبيان كمال عقلها وصِحّة رأيها معَ صِغَر ◌ِسِنّها، وأنَّ الغَيْرة تَحمِلُ المرأة الكاملةَ الرَّأي والعقل على ارتكاب ما لا يَلِيق بحالها لسؤالها النبيَّ وَّ أَن لا يخبر أحداً من أزواجه بفِعلِها، ولكنَّه ◌َيهِ لمَّا عَلِمَ أنَّ الحامل لها على ذلك ما طُبعَ عليه النِّساء من الغَيْرة وتَحَّة الاستبداد دونَ ضرائرها، لم يُسعِفْها بما طلبت من ذلك. تنبيه: وَقَعَ في ((النِّهاية)) و ((الوسيط)) التَّصريح بأنَّ عائشة أرادَت أن يختار نِساؤُه الفِراقَ، فإن كانا ذَكَراه فيما فَهِماه من السِّياق فذاكَ، وإلّا فلم أرَ في شيء من طرق الحديث التَّصريح بذلك. (١) سبق نسبة رواية عمرة عن عائشة إلى الطبراني والطحاوي، وهذا الحرف لم نقف عليه عند أيّ منهما. ١٥٧ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٧ كتاب التفسير وذكر بعض العلماء أنَّ من خصائصه وَ لِّ تخيير أزواجه، واستَنَدَ إلى هذه القِصّة، ولا دلالةَ فيها على الاختصاص، نعم اذَّعَى بعضُ مَن قال: إنَّ التَّخيير طلاقٌ: أنَّه في حَقّ الأُمّة، واختُصَّ هو ◌َآلّ بأنَّ ذلك في حقّه ليس بطلاقٍ، وسيأتي مزيد بيانٍ لذلك في کتاب الطَّلاق (٥٢٩٢) إن شاء الله تعالى. واستَدَلَّ به بعضهم على ضعف ما جاء: أنَّ من الأزواج حينئذٍ مَن اختارَت الدُّنيا ففارقها، وهي فاطمة بنت الضَّحّاك، لعُمومٍ قوله: ثمَّ فَعَلَ ... إلى آخره. قوله: ((تابَعَه موسى بن أعيَنَ عن مَعمَر عن الزُّهْريّ أخبَرَني أبو سَلَمَةَ)) يعني عن عائشة، وَصَلَه/ النَّسائيُّ (٣٢٠١) من طريق محمَّد بن موسى بن أعيَن حدَّثنا أبي، فذكره. ٥٢٣/٨ قوله: ((وقال عبد الرَّزّاق وأبو سُفْيان المَعْمَريّ عن مَعمَر عن الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة)) أمَّا رواية عبد الرَّزّاق فوَصَلَها مسلم (١٠٨٣ و٣٥/١٤٧٥)، وابن ماجه (٢٠٥٣) من طريقه، وأخرجها أحمد (٢٥٢٩٩) وإسحاق في مُسنَدَيهما عنه، وقَصَّرَ مَن قَصَرَ تخريجها على ابن ماجه(١). وأمَّا رواية أبي سفيان المعمَريّ فأخرجها الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات))، وتابَعَ مَعمَراً على عُرْوة جعفرُ بن بُرْقان، ولعلَّ الحديث كان عندَ الزُّهْريّ عنهما فحدَّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، وإلى هذا مالَ التِّرمِذيّ، وقد رواه عُقيل وشُعَيب عن الزّهْريّ عن عائشة بغير واسطة كما قَدَّمتُه، والله أعلم. ٦ - بابٌ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ٤٧٨٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الَّحيم، حدَّثنا مُعلَى بنُ منصورٍ، عن حَّادِ بنِ زيدٍ، حدَّثنا ثابتٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ هذه الآيةَ ﴿ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللّهُ مُبْدِيهِ﴾ نَزَلَت في شأنِ زَينَبَ ابنةِ جَحْشٍ وزيدِ بنِ حارثةً. [طرفه في: ٧٤٢٠] (١) وهو أيضاً في ((جامع الترمذي)) (٣٣١٨). ١٥٨ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بابٌ ﴿ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنْهُ﴾)» لم تختَلِفِ الرِّوایات أنها نزلت في قِصّة زيد بن حارثة وزينب بنت جَحْش. قوله: ((حدَّثْنا مُعلَّى بن منصور)) هو الرَّازيّ، وليس له عندَ البخاريّ سِوَى هذا الحديث وآخرَ في البيوع (٢١٩٧)، وقد قال في ((التاريخ الصَّغير)): دَخَلْنا عليه سنة عشر، فكأنَّه لم يُكثِرْ عنه ولهذا حدَّث عنه في هذَينِ الموضعَينِ بواسطةٍ. قوله: ((حدّثنا ثابت)) كذا قال مُعلَّى بن منصور عن حَمَّاد، وتابَعَه محمَّد بن أبي بكر المقدَّميُّ وعارِمٌ وغيرهما، وقال الصَّلت بن مسعود ورَوْح بن عبد المؤمن وغيرهما: عن حمّاد بن زيد عن أيوب عن أبي قِلَابةَ عن أنس، فلعلَّ لحَّادِ فيه إسنادَينٍ، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن أيوب صاحب البصريّ عن حمّاد بن زيد بالإسنادَينِ معاً. قوله: ((أنَّ هذه الآية ﴿ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زَيَب بنت جَحْش وزيد بن حارثة)) هكذا اقتَصَرَ على هذا القَدْر من هذه القِصّة، وقد أخرجه في التوحيد (٧٤٢٠) من وجه آخر عن حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يَشكُو، فَجَعَلَ النبيّ نَل يقول: (اتَّقِ الله وأمسِكْ عليك زوجَك)) قال أنس: لو كان رسول الله وال﴿ي كاتماً شيئاً لكَتَمَ هذه الآية، قال: وكانت تَفْتَخِر على أزواج النبيّ وَّ الحديثَ. وأخرجه أحمد (١٢٥١١) عن مُؤمَّل بن إسماعيل عن حمَّد بن زيد بهذا الإسناد بلفظ: أتى رسول الله و﴿ مَنْزِلَ زيد بن حارثة فجاءه زيد يَشكُوها إليه، فقال له: «أمسِكْ عليك زوجَك واتَّقِ الله)) فنزلت إلى قوله: ﴿زَوَّحْنَكَهَا﴾ قال: يعني زينبَ بنت جَحْش. وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القِصّة من طريق السُّدِّيِّ، فساقَها سياقاً واضحاً حسناً ولفظه: بَلَغَنا أنَّ هذه الآية نزلت في زَينَب بنت جَحْش، وكانت أمُّها أُمَيمةُ بنت عبد المطَّلِب عَمّةَ رسول الله وَّله، وكان رسول الله وَ لَهل أراد أن يُزْوِّجَها زيد بن حارثة مولاه فكَرِهَت ذلك، ثمَّ إِنَّهَا رضيت بما صَنَعَ رسول اللهِوَ ◌ّ فَزَوَّجَها إِيّه، ثمَّ أعلمَ اللهُ عزَّ وجلَّ ١٥٩ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٧ كتاب التفسير نبيَّهِوَِّ بعدُ أنَّها من أزواجه، فكان يَستَحِي أن يأمرَ بطلاقِها، وكان لا يزال يكون بينَ زيدٍ وزينبَ ما يكون من الناس، فأمَرَه رسول الله ﴿ أن يُمسِكَ عليه زوجه وأن يَتَّقيَ الله، وكان يخشى الناسَ أن يَعِيبوا عليه ويقولوا: تزوَّجَ امرأة ابنه، وكان قد تَبَنَّى زيداً. وعندَه من طريق عليّ بن زيد عن عليّ بن الحسين بن/ عليّ قال: أعلمَ اللهُ نبيَّهِ وَّهِ أَنَّ زَيْنَبَ ستكونُ من ٥٢٤/٨ أزواجه قبلَ أن يَتزوَّجها، فلمَّا أتاه زيد يَشكُوها إليه وقال له: («اتَّقِ الله وأمسِكْ عليك زوجَك)) قال الله: قد أخبرتُك أنّي مُزوِّ جُكَها، وتُخفي في نفسك ما الله مُبدِیه. وقد أطنَبَ الِّرمِذيّ الحكيمُ في تحسين هذه الرِّواية وقال: إنَّها من جَواهر العلم المكنون. وكأنَّه لم يَقِفْ على تفسير السُّدِّيِّ الذي أورَدتُه، وهو أوضَحُ سِياقاً وأصحّ إسناداً إليه لضعفٍ عليّ بن زيد بن جُدْعانَ. وروى عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: جاء زيد بن حارثة فقال: يا رسول الله، إنَّ زينبَ اشتَدَّ عليَّ لسائُها، وأنا أُريد أن أُطَلِّقَها، فقال له: ((اتَّقِ الله وأمسِك عليك زوجك)) قال: والنبيّ وَلَه يُحِبّ أن يُطلِّقها ويخشى قالةَ الناس. ووَرَدَت آثار أُخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطَّبَرِيُّ، ونَقَلَها كثير من المفسِّرِينَ لا ينبغي التَّشاغُل بها، والذي أورَدتُه منها هو المعتمد. والحاصل أنَّ الذي كان يُحِفِيه النبيُّ ◌َِّ هو إخبارُ الله إيّاه أنَّها ستصيرُ زوجتَه، والذي كان يَحِمِله على إخفاء ذلك خَشْيةُ قول الناس: تزوَّجَ امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهليَّة عليه من أحكام التَّبّي بأمرٍ لا أبلَغَ في الإبطال منه، وهو تزوُّج امرأة الذي يُدَّعَى ابناً، ووقوع ذلك من إمام المسلمينَ ليكونَ أدعَى لقَبُولِهِم، وإِنَّا وَقَعَ الخَبْطُ في تأويل مُتعلّق الخشية، والله أعلم. وقد أخرج التِّرمِذيّ (٣٢٠٧) من طريق داود بن أبي هِنْد عن الشَّعْبيّ عن عائشة قالت: لو كان رسول الله وَ﴿هكاتماً شيئاً من الوحي لكَتَمَ هذه الآية ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ (١) في ((تفسيره)) ٢/ ١١٧. ١٦٠ سورة الأحزاب/ ٤٧٨٧ فتح الباري بشرح البخاري عَلَيْهِ﴾ يعني بالإِسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعِقِ ﴿أَسِْكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٧-٣٨]، وإنَّ رسول الله وََّ لمَّا تزوَّجَها قالوا: تزوَّجَ حَلِيلةً ابنه، فأنْزَلَ الله تعالى ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]، وكان تبنّاه وهو صغير))، فلَبِثَ(١) حتَّى صارَ رجلاً يقال له: زيد بن محمَّد، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ آدْعُوهُمْ ◌ِّبَآئِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَوَلِيَكُمْ﴾. قال التِّرمِذيّ: رُوِيَ عن داود عن الشَّعْبيّ عن مسروق عن عائشة إلى قوله: ((لكَتَمَ هذه الآية)) ولم يَذكُر ما بعدَه. قلت: وهذا القَدْر أخرجه مسلم (١٧٧/ ٢٨٨) كما قال التِّرمِذيّ، وأظنّ الزّائد بعدَه مُدرَجاً في الخبر، فإنَّ الراويَ له عن داود لم يكن بالحافظِ. وقال ابن العربيّ: إنَّما قال عليه الصلاة والسَّلام لزيدٍ: ﴿أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ اختباراً لمَا عندَه من الرَّغبة فيها أو عنها، فلمَّا أطلَعَه زيدٌ على ما عندَه منها من النُّفرة التي نَشَأَت من تَعاظُمِها عليه وبَذَاءة لسانها، أَذِنَ له في طلاقِها، وليس في مُخالَفة مُتَعلَّق الأمر لمتَعلَّقِ العلم ما يَمنَع الأمرَ به، والله أعلم. وروى أحمد (١٣٠٢٥)، ومسلم (٨٩/١٤٢٨)، والنَّسائيُّ (ك٥٨٧٣ و٨١٢٤و١١٣٤٦) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: لمَّ انقَضَت عِدّة زَيْنَبَ قال رسول الله ﴿َّ لزيدٍ: ((اذكرها عَلَيَّ)) قال: فانطَلَقتُ فقلت: يا زَينَبُ، أبشِري، أرسَلَ رسول الله وَلهل يَذْكُرُكِ، فقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتَّى أُؤْامَرَ رَبّي، فقامَت إلى مسجدِها، ونزلَ القرآن، وجاء رسول الله وَّ﴿ حَتَّى دَخَلَ عليها بغير إذنٍ. وهذا أيضاً من أبلَغْ ما وَقَعَ في ذلك، وهو أن يكون الذي كان زوجَها هو الخاطِب، لئلّا يَظُنَّ أحد أنَّ ذلك وَقَعَ قَهراً بغير ◌ِرِضاهُ. وفيه أيضاً اختبارُ ما كان عندَه منها، هل بقيَ منه شيء أم لا؟ وفيه استحباب فِعْل المرأةِ الاستخارةَ ودُعائها عندَ الخِطْبة قبلَ الإجابة، وأنَّ مَن وَكَّلَ أمره إلى الله عزَّ وجلَّ يَسَّرَ الله له ما هو الأحظُّ له، والأنفع دُنيا وأُخرى. (١) تحرفت هذه اللفظة في (أ) و(س) إلى: قلت، وفي (ع) إلى: قوله! والتصويب من ((جامع الترمذي)).