النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة النمل
كتاب التفسير
﴿عَسَىَّ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي: جاء بعدَكُم. ودَعوَى المَبَرّد أنَّ اللّام زائدة وأنَّ الأصل:
رَدِفَكم، قاله على ظاهر اللَّفظ، وإذا صَحَّ أنَّ المراد به: اقتَرَبَ، صَحَّ تَعدِيَته باللّام كقوله:
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١].
قوله: (﴿جَامِدَةً﴾: قائمةً)) وَصَلَه الطََّرِيُّ (٢١/٢٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن
ابن عبّاس مثله.
قوله: (﴿أَوْزِعْنِىّ﴾: اجعَلْنِ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٤٣/١٩) من طريق عليّ بن أبي طلحة
عن ابن عبّاس مِثله. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿أَوْزِعْنِىّ﴾ أي: سَدِّدني إليه، وقال في موضع
آخر: أي: أِهِمْني، وبالثّاني جَزَمَ الفَرّاء.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿يَكْرُواْ﴾: غَيِّروا)) وَصَلَه الطََّرِيُّ (١٦٦/١٩) من طريقه، ومن
طريق قَتَادة وغيره نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٩٠) من وجه آخر صحيح عن
مجاهد قال: أمَرَ بالعَرشِ فغُيِّرَ؛ ما كان أحمر جُعِلَ أخضَر، وما كان أخضَرِ جُعِلَ أصفَر،
غُيِّرَ كلّ شيء عن حاله. ومن طريق عِكْرمة قال: زيدوا فيه وأنقِصوا.
قوله: ((والقَبَس: ما اقتَبستَ منه النارَ)) ثَبَتَ هذا للَّسَفيِّ وحدَه، وهو قول أبي عبيدة،
قال في قوله تعالى: ﴿أَوْ ءَاتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] أي: بشُعْلة نارٍ، ومعنى قَبَسٍ: ما
اقتبسَ من النار ومن الجمْر.
قوله: (﴿ وَأُوِّنَا الْعِلْمَ﴾، يقوله سليمانُ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٦٧/١٩) من طريق ابن أبي
نَجِيح عن مجاهد بهذا، ونَقَلَ الواحديّ أنَّه من قول بلقيس، قالته مُقِرّةً بصِحّة نُبّة سلیمان،
والأوَّل هو المعتمد.
قوله: ((الصَّرْح: بِرْكة ماءٍ ضَرَبَ عليها سليمانُ قواريرَ وألبَسَها إيّاه)) في رواية الأَصِيليِّ:
((إيّاها))، وأخرج الطَّبَريُّ (١٦٩/١٩) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: الصَّرح
بركة من ماء ضَرَبَ عليها سليمان قوارير ألبَسَها، قال: وكانت هَلْباءَ شَعْراءَ (١). ومن وجه
(١) في (أ) و(س): شقراء، والمثبت من (ع) و((تفسير الطبري)). والهلباءُ: كثيرة الشَّعر.

١٢٢
سورة القصص
فتح الباري بشرح البخاري
آخر عن مجاهد: كَشَفَت بلقيسُ عن ساقَيها فإذا هما شَعراوانٍ، فأمَرَ سليمان بالنُّورة فصُنِعَت.
ومن طريق عِكْرمة نحوه قال: فكان أوَّل مَن صُنِعَت له النُّورة، وَصَلَه ابن أبي حاتم من
وجه آخر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس.
٢٨ - سورة القَصَص
بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ﴾ [٨٨]: إلَّا مُلكَه، ويقال: إِلََّ ما أُرِيدَ به وجهُ الله.
وقال مجاهدٌ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ اْأَنْبَآءُ﴾ [٦٦]: الحُجَجِ.
قوله: ((سورة القَصَص - بِسْمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت ((سورة)) والبسملة لغير أبي ذرِّ
والنَّسَفيِّ.
قوله: (﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إلّا مُلْكه)) في رواية النَّسَفيِّ: وقال مَعمَر ... فذكره، ومَعمَر هذا
هو أبو عبيدة بن المثنَّى، وهذا كلامه في كتابه ((مَجاز القرآن)) لكن بلفظ: إلّا هو، وكذا نَقَلَه
الطَّبَرِيُّ عن بعض أهل العربيَّة، وكذا ذكره الفَرّاء.
وقال ابن التِّين: قال أبو عُبيدة: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾، أي: جَلَاله، وقيل: إلّا إيّاه، تقول: أكرَمَ
اللهُ وجهَك، أي: أكرَمَك الله.
قوله: ((ويقال: إلّا ما أُرِيدَ به وجهُه)) نَقَلَه الطَّبَرِيُّ أيضاً عن بعض أهل العربيَّة، ووَصَلَه
ابن أبي حاتم (٣٠٢٨/٩) من طريق خُصَيف عن مجاهد مِثله، ومن طريق سفيان الثَّوريّ
قال: إلّا ما ابتُغي به وجهُ الله من الأعمال الصالحة، انتهى.
ويَتَخَرَّج هذان القولان على الخِلَاف في جواز إطلاق ((شيء)) على الله، فمَن أجازَه قال:
الاستثناء مُتَّصِل والمراد بالوجه الذّات، والعرب تُعبِّر بالأشرَفِ عن الجملة، ومَن لم يُحِزْ
إطلاق ((شيء)) على الله قال: هو مُنقَطِع، أي: لكن هو تعالى لم يَهلِك، أو مُتَّصِل والمراد بالوجه
ما عُمِلَ لأجلِه.

١٢٣
سورة القصص/ ح ٤٧٧٢
كتاب التفسير
قوله: ((وقال مجاهدٌ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ﴾: الحُجَجِ)) وَصَلَه الطََّرِيُّ (٩٩/٢٠)
من/ طریق ابن أبي نَجِیح عنه.
٥٠٦/٨
١ - بابٌ.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص:٥٦].
٤٧٧٢ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّب،
عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَت أبا طالبِ الوفاةُ، جاءه رسولُ الله ◌ِوَّهِ، فَوَجَدَ عندَه أبا جَهْلٍ
وعبدَ الله بنَ أبي أُميَّةَ بنِ المغيرةِ، فقال: ((أَيْ عَمِّ، قُل: لا إلهَ إلَّ اللهُ، كلمةً أُحاجَ لكَ بها عندَ
الله؟)) فقال أبو جَهْلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أُميَّةَ: أترغَبُ عن مِلّةِ عبدِ المطَّلِّبِ؟ فلم يَزَلْ رسولُ الله
وَلَّه يَعْرِضُها عليه، ويُعِيدانِهِ بتلكَ المقالةِ، حتَّى قال أبو طالبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهم: على مِلّةٍ
عبدِ المطَّلِبِ، وأبى أن يقولَ: لا إلهَ إلا الله، قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((والله لَأَستَغْفِرَنَّ لكَ، ما
لم أُنهَ عنكَ)) فأنزَّلَ الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:
١١٣]، وأنزَلَ الله في أبي طالبٍ، فقال لِرسولِ الله وَّهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾.
العُدْوانُ [٢٨] والعَدَاءُ والتعدِّي، واحدٌ.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿أُوْلِ الْقُوَّةِ ﴾ [٧٦]: لا يرفعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجال.
﴿لَنَنُوْأُ﴾ [٧٦]: لتُنْقِلُ.
﴿فَرِغًا﴾ [١٠]: إلَّا من ذِكْرٍ موسى.
﴿اَلْفَرِحِينَ﴾ [٧٦]: المَرِحِينَ.
﴿قُصِيهِ﴾ [١١]: أَتَّبِعِي أَثَرَه، وقد يكونُ أن يَقُصَّ الكلامَ، ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣].
﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ [١١]: عن بُعْدٍ، وعن جَنابةٍ، واحدٌ، وعن اجتنابِ أيضاً.
﴿يَبْطِشَ﴾ [١٩] ويَبْطُش.

١٢٤
سورة القصص / ح ٤٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
﴿ يَأْتَمِرُونَ﴾ [٢٠]: يَتَشاورونَ.
﴿وَأْجُرَفِ﴾ [٢٧]: تأجُرُ فلاناً: تُعْطيهِ أجْراً، ومنه التَّعْزِيةُ: آجَرَكَ اللهُ.
الشّاطِئِ والشَّطُّ واحدٌ، وهما ضَفَّتًا وعُدْوَتا الوادي.
﴿وَانَسَ﴾ [٢٩]: أبصَرَ، الجِذْوةُ: قِطْعَةٌ غَلِيظةٌ منَ الخشبِ، ليس فيها لهبٌّ، والشِّهابُ
فیه هبٌّ.
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ [٣١] والحيّاتُ أجْناسٌ: الجانُّ، والأفاعي، والأساوِد.
﴿رِدْءًا﴾ [٣٤]: مُعِيناً، قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿يُصَدِّقُىِّ﴾.
وقال غيرُه: ﴿سَنَشُدُّ﴾ [٣٥]: سَنُعِينُكَ، كلَّما عَزَّزْتَ شيئاً فقد جَعَلْتَ له عَضُداً.
((مَقْبوحِينَ) [٤٢]: مُهْلَكِينَ.
﴿وَصَّلْنَا﴾ [٥١]: بيَّنّاه وأَتْمَمْناه.
﴿يُجْىَ﴾ [٥٧]: يُجُلَب.
﴿بَطِرَتْ﴾ [٥٨]: أَشِرَتْ.
﴿فيِ أُمِّهَا رَسُولًا ﴾ [٥٩]: أمُّ القُرَى: مكَّةُ وما حَوْلها.
﴿ُكِنُّ﴾ [٦٩]: تُخْفِي، أكتَنْت الشَّيءَ: أخفَيتُه، وكَنَنتُه: أخفَيْتُهُ وأَظْهَرْتُه.
﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثلُ: ألم تَرَ أنَّ الله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، (١) وَيَقْدِرُ﴾ [٨٢]:
یوسِّئُ علیه وُضَيِّقُ علیه.
قوله: ((باب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾)) لم تَخْتَلِفِ النَّقَلةُ في
أَّهَا نزلت في أبي طالب، واختلفوا في المراد بمُتعلِّقِ ((أحبَبتَ)) فقيل: المراد أحبَبتَ هِدايتَه،
وقيل: أحببته هو لقَرابَتِه منك.
(١) قوله: ((من عباده)) لم يرد في نسخ ((الصحيح)) وأثبتناه كما هي التلاوة، إذ الظاهر من السياق أنَّ البخاري
يفسِّر هذه الآية من سورة القصص.

١٢٥
سورة القصص / ح ٤٧٧٢
كتاب التفسير
قوله: ((عن أبيهِ)) هو المسيّب بن حَزْن، بفتح المهمَلة وسكون الزّاي بعدَها نون، وقد
تقدَّم بعض شرح الحديث في الجنائز (١٣٦٠).
قوله: ((لمَّا حَضَرَت أبا طالب الوفاةُ)) قال الكِرْمانيُّ: المراد: حَضَرَت علاماتُ الوفاة،
وإلّا فلو كان انتهى إلى المعاينة لم يَنفَعه الإيمان لو آمَنَ، ويدلّ على الأوَّل ما وَقَعَ من
المراجَعة بينَه وبينَهم. انتهى، ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة لكن رَجَا النبيُّ وَّ أَنَّه
إذا أقَرَّ بالتوحيدٍ ولو في تلك الحالة أنَّ ذلك يَنفَعه بخُصوصِه وتَسُوغ شفاعتُهُ وَّ لمكانه
منه، ولهذا قال: ((أُجادِلُ لك بها وأشفَع لك)) وسيأتي بيانه. ويُؤْيِّد الخَصُوصَيَّة أنَّه بعدَ أن
امتَنَعَ من الإقرار / بالتوحيدِ وقال: هو على مِلّة عبد المطَّلِب، وماتَ على ذلك، أنَّ النبيّ وَّه لم ٥٠٧/٨
يَتْرُكُ الشَّفاعةَ له، بل شَفَعَ له حتَّى خُفِّفَ عنه العذابُ بالنّسبة لغيره، وكان ذلك من
الخصائص في حَقّه، وقد تقدَّمت الرِّواية بذلك في السِّيرة النبويَّة (٣٨٤٤).
قوله: ((جاءه رسول الله ◌َ ل﴿ فوَجَدَ عندَه أبا جَهْل وعبد الله بن أبي أُميَّة)) يحتمل أن يكون
المسيّب حَضَرَ هذه القِصّة، فإنَّ المذكورَينِ من بني مخزوم وهو من بني مخزوم أيضاً، وكان
الثلاثةُ يومئذٍ كفَّاراً فماتَ أبو جهل على كفره وأسلَمَ الآخران.
وأمَّا قول بعض الشُّاح: هذا الحديث من مَراسِيل الصَّحابة، فمردودٌ، لأنَّه استَدَلَّ
بأنَّ المسيّب على قول مُصعَب من مُسلِمة الفتح، وعلى قول العَسكَريّ مَمَّن بايعَ تحت
الشَّجَرة، قال: فأيّاً ما كان فلم يَشهَدْ وفاة أبي طالب، لأنَّه تُوُنِّي هو وخديجة في أيام مُتقارِبة
في عام واحد، والنبيُّ پڼ يومئذٍ نحو الخمسينَ، انتهى.
ووجه الردِّ أنَّه لا يَلَزَم من كَوْن المسيّب تأخّرَ إسلامه أن لا يَشهَدَ وفاة أبي طالب كما
شَهِدَها عبد الله بن أبي أُميَّة وهو يومئذٍ كافر ثمَّ أسلَمَ بعدَ ذلك، وعَجَبٌ من هذا القائل
كيفَ يَعِزُو كَوْنَ المسيّب كان ممَّن بايعَ تحتَ الشَّجَرة إلى العَسكَريّ، ويَغْفُل عن كَوْن ذلك
ثابتاً في هذا ((الصَّحيح)) الذي شَرَحَه كما مرَّ في المغازي واضحاً (٤١٦٣).
قوله: ((أيْ عَمِّ)) أمّا ((أَيْ)) فهو بالتَّخفيفِ حرف نِداء، وأمَّا ((عَمِّ)) فهو مُنادَى مُضاف،
ويجوز فیه إثبات الیاء وحذفها.

١٢٦
سورة القصص / ح ٤٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((كلمةً)) بالنَّصب على البَدَل من ((لا إلهَ إلّا الله)) أو الاختصاص، ويجوز الرَّفع
على أنَّه خبر لمبتدَأِ محذوف.
قوله: ((أُحاجَّ)) بتشديد الجيم من المحاجَّة، وهي مُفاعَلة من الحُجّة، والجيم مفتوحة على
الجزم جواب الأمر، والتَّقدير: إنْ تَقُل أُحاجَّ، ويجوز الرَّفع على أنَّه خبر لمبتَدَأِ محذوف،
ووَقَعَ في رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ بهذا الإسناد في الجنائز(١): ((أشهَد)) بدلَ ((أُحاجٌ))، وفي
رواية مجاهد عندَ الطَّبَرَيِّ (٩١/٢٠ -٩٢): ((أُجادِل عنك بها))، زاد الطَّبَرِيُّ (٤١/١١) من
طريق سفيان بن حُسَين عن الزُّهْريّ قال: ((أي عَمّ، إنَّك أعظَمُ الناس عليَّ حَقّاً، وأحسنُهم
عندي يداً، فقُل كلمةً تجبْ لي بها الشَّفاعة فيك يومَ القيامة)).
قوله: ((فلم يَزَلْ يَعْرِضها) بفتح أوَّله وكسر الرَّاء، وفي رواية الشَّعْبِيّ عندَ الطَّبَرَيِّ (٩٢/٢٠):
فقال له ذلك مِراراً.
قوله: ((ويُعيدانِه بتلكَ المقالةِ)) أي: ويُعيدانه إلى الكفر بتلكَ المقالة، كأنَّه قال: كان قارَبَ
أن يقولها فيَرُدّانه. ووَقَعَ في رواية مَعمَر(٣): فيعودان له بتلكَ المقالة، وهي أوضَحُ، ووَقَعَ
عندَ مسلم (٣٩/٢٤): ((فلم يزل رسول الله وَ ل يَعرِضها عليه ويقول له تلك المقالة)؛ قال
القُرطُبيّ في: ((المفهم)): كذا في الأُصول وعندَ أكثر الشُّيوخ، والمعنى: أنَّه عَرَضَ عليه
الشَّهادة وكَرَّرَها عليه، ووَقَعَ في بعض النُّسَخِ: ((ويعيدان له بتلكَ المقالة)) والمراد قول أبي
جهل ورَفيقِه له: أتَرغَبُ عن مِلّة عبد المطَّلِب؟
قوله: ((آخِرَ ما كَلَّمَهم: على مِلّة عبد المطَّلِب)) خبر مُبتَدَأ محذوف، أي: هو على مِّة، وفي
رواية مَعمَر (٢): ((هو على مِلّة عبد المطَّلِّب)) وأراد بذلك نفسه. ويحتمل أن يكون قال: ((أنا))
فَغَيَّرَها الراوي أنَفَةً أن يحكيَ كلامَ أبي طالب استقباحاً للَّفظِ المذكور، وهي من التصرُّفات
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فالذي سلف في الجنائز برقم (١٣٦٠) هو رواية صالح بن كيسان عن
الزهري، وفيها كما قال: ((أشهد لك»، أما رواية معمر فقد سلفت في مناقب الأنصار برقم (٣٨٨٤)،
وفي التفسير برقم (٤٦٧٥)، وفيها: «أُحاجّ لك)) کرواية شعیب هنا.
(٢) بل هي رواية صالح بن كيسان كما في التعليق السابق.

١٢٧
سورة القصص / ح ٤٧٧٢
كتاب التفسير
الحسنة. ووَقَعَ في رواية مجاهد قال: يا ابن أخي مِلّةَ الأشياخ، ووقع في حديث أبي حازم
عن أبي هريرة عندَ مسلم (٢٥) والتِّرمِذيّ (٣١٨٨) والطَّبَرِيِّ (٩١/٢٠): قال: لولا أن
تُعيِّرَني قُرَيش يقولون: ما حَلَه عليه إلّا جَزَعُ الموت لَأقرَرتُ بها عينَك، وفي رواية الشَّعْبيّ
عندَ الطبري(١) (٢٠/ ٩٢): قال: لولا أن يكون عليك عارٌ لم أُبالِ أن أفعل، وضُبِطَ ((جَزَع))
بالجيم والزّاي، ولبعضٍ رواه مسلم بالخاء المعجمة والرَّاء.
قوله: «وأبی أن یقول: لا إله إلا الله)) هو تأكید من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي
طالب، وكأنَّه استَنَدَ في ذلك إلى عَدَم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القَدْر هو الذي
يُمكِن الطِّلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلَعَه النبيُّ ◌َلّ على ذلك.
قوله: ((والله لَأَستَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنهَ عنك)) قال الزَّين بن المنيِّر: ليس المرادُ طلبَ المغفرة
العامّة والمسامحة بذَنْب الشِّرك، وإنَّما المراد / تخفيفُ العذاب عنه كما جاء مُبيّناً في حديث ٥٠٨/٨
آخر. قلت: وهي غفلةٌ شديدة منه، فإنَّ الشَّفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم تَرِدْ،
وطلبها لم يُنْهَ عنه، وإِنَّا وَقَعَ النَّهي عن طلب المغفرة العامّة، وإنَّما ساغَ ذلك للنبيِّ وَِّ اقتداءً
بإبراهيمَ في ذلك، ثمَّ وَرَدَ نَسخُ ذلك كما سيأتي بيانُه واضحاً.
قوله: ((فأنزلَ الله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾)) أي: ما
ينبغي لهم ذلك، وهو خبرٌ بمعنى النَّهي، هكذا وَقَعَ في هذه الرِّواية، وروى الطَّبَرِيُّ
(٤٠/١١-٤١) من طريق شِبْل عن عَمْرو بن دينار، قال: قال النبيّ ◌َّ: ((استَغفَرَ إبراهيمُ
لأبيه وهو مُشِرِك، فلا أزالُ أسْتَغْفِر لأبي طالب حتَّى يَنْهَاني عنه رَبّ)) فقال أصحابه: لنستغفرنَّ
لآبائنا كما استَغْفَرَ نبيُّنَا لعَمِّه، فنزلت.
وهذا فيه إشكال، لأنَّ وفاة أبي طالب كانت بمكَّةَ قبلَ الهجرة اتِّفاقاً، وقد ثَبَتَ أنَّ
النبيّ وَّ﴿ أتى قبرَ أمّه لمَّ اعتَمَرَ فاستأذَنَ ربَّه أن يَستَغْفِرَ لها فنزلت هذه الآية، والأصل
عَدَمُ تكرار التُّزول.
(١) تحرف في (س) إلى: الطبراني.

١٢٨
سورة القصص / ح ٤٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقد أخرج الحاكم (٣٣٦/٢) وابن أبي حاتم (١٨٩٣/٦) من طريق أيوب بن هانئ
عن مسروق عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله وَل﴿ يوماً إلى المقابر فاتَّبَعناه، فجاء حتَّى
جَلَسَ إلى قبرٍ منها فناجاه طويلاً ثمَّ بَكَى، فَبَكَينا لبكائه، فقال: ((إنَّ القبر الذي جلستُ
عندَه قبر أمّي، وإِنِّي استأذَنتُ رَبّي في الدُّعاء لها فلم يأذَنْ لي، فأنزَلَ عليَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾))، وأخرج أحمد (٢٣٠٠٣) من حديث ابن
بُرَيدة عن أبيه نحوه، وفيه: نزلَ بنا ونحنُ معه قريب من ألف راكِب، ولم یذكُر نزول
الآية، وفي رواية الطَّبَرَيِّ (٤٢/١١) من هذا الوجه: لمَّا قَدِمَ مَكَّة أتى رَسْم قبٍ، ومن
طريق فُضَيل بن مرزوق عن عَطيَّة: لمَّا قَدِمَ مَكَّة وَقَفَ على قبر أمّه حتَّى سَخِنَت عليه
الشمسُ رَجاءَ أن يُؤذَنَ له فيَستَغفِر لها، فنزلت، وللطَّبَرانيِّ (١٢٠٤٩) من طريق عبد الله بن
كَيْسانَ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، نحو حديث ابن مسعود وفيه: لمَّا هَبَطَ من ثَنَّة عُسْفان ...
وفيه نزول الآية في ذلك.
فهذه طرق يَعضُد بعضُها بعضاً، وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي
طالب(١)، ويُؤيِّده أيضاً أنَّه ◌َ له قال يومَ أُحُد بعدَ أن شُجَّ وجهه: ((رَبِّ اغْفِرْ لقومي فإنَّهم
لا يعلمونَ))(٢)، لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصّاً بالأحياءِ وليس البحث فيه،
ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخّرَ وإن كان سببها تقدَّم، ويكون لنزولها سببان: مُتقدِّم
وهو أمر أبي طالب، ومُتأخّر وهو أمر آمِنة.
ويُؤيِّد تأخير التُّرول ما تقدَّم في تفسير براءة (٤٦٧٥) من استغفاره يَّه للمنافقينَ حتَّى
(١) هذا تساهلٌ من الحافظ ابن حجر رحمه الله، فإنَّ حدیث أيوب بن هانئ ضعيف لضعفه وقد تفرد به، ثم
إنه من رواية ابن جريج عنه، وابن جريج مدلِّس وقد عنعنه، فهي علَّة أخرى، وأما خبر عطية - وهو ابن
سعد العَوْفي - فهو مُرسَل، وعطية ضعيف أيضاً، وأما حديث ابن عباس فإسناده ضعيف أيضاً وفيه من
لا يُعرَف، وقال فيه الحافظ ابن كثير في تفسيره» ١٥٩/٤: هذا حديث غريب وسياق عجيب. إذاً
فتكرار نزول الآية لا يصحُّ، والصواب أنها نزلت في أبي طالب كما في الحديث الصحيح، والله تعالى
أعلم.
(٢) انظر ما سلف برقم (٣٤٧٧).

١٢٩
سورة القصص / ح ٤٧٧٢
كتاب التفسير
نزلَ النَّهيُّ عن ذلك، فإنَّ ذلك يقتضي تأخير التُّزول وإن تقدَّم السَّبَب، ويشير إلى ذلك
أيضاً قوله في حديث الباب: ((وأنزَلَ الله في أبي طالب: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ ﴾)) لأَنَّه
يُشعِر بأنَّ الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده.
ويُؤيِّد تعدُّدَ السَّبَب ما أخرج أحمد (٧٧١) من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن
عليّ قال: سمعتُ رجلاً يَستَغفِر لوالدَيه وهما مُشرِكان، فذكرت ذلك للنبيِّ وََّ، فَأَنزَلَ الله:
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ﴾ الآية، وروى الطَّبَرَيُّ (٤٠/١١) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد
قال: قال المؤمنونَ: أَلا نَستَغِفِرُ لآبائنا كما استَغفَرَ إبراهيم لأبيه؟ فنزلت، ومن طريق قَتَادة
قال: ذُكِرَ لنا أنَّ رجلاً، فذكر نحوه.
وفي الحديث: أنَّ مَن لم يعمل خيراً قَطُّ إذا خُتِمَ عُمُره بشهادة أن لا إله إلّا الله، حُكِمَ
بإسلامه، وأُجريَت عليه أحكام المسلمينَ، فإن قارَنَ نُطْقَ لسانه عَقدُ قلبه نَفَعَه ذلك عندَ الله
تعالى، بشرطِ أن لا يكون وَصَلَ إلى حَدّ انقطاع الأمَل من الحياة، وعَجَزَ عن فَهْم الخِطاب ورَدِّ
الجواب وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
اُلسَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْقَنَ﴾ [النساء: ١٨]، والله أعلم.
قوله: ((العُدْوان والعَدَاءُ والتعدِّي واحدٌ)) أي: بمعنَّى واحد، وأراد تفسير قوله في قِصّة
موسى وشُعَيب: ﴿فَلَ عُدْوَنَ عَلَىَّ﴾ [القصص: ٢٨]، والعَدَاء بفتح العين ممدودٌ، قال
أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَلَ عُدْوَنَ عَلَىَّ﴾: وهو والعَدَاء والتعدّي والعَدْو كلُّه واحد، والعَدْو
/ من قوله: عَدَا فلانٌ على فلان.
٥٠٩/٨
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾: لا يَرفَعُها العُصْبةُ من الرِّجال ﴿لَنَنُوَأُ﴾ لَتُنْقِلُ
﴿فَرِغًا﴾ إلّا من ذِكْر موسى ﴿اَلْفَرِحِينَ﴾: المِرِحِينَ ﴿قُضِيهِ﴾: اَّبعي أثرَه، وقد يكون أن
يَقُصَّ الكلامَ ﴿ نَخْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ ﴾، ﴿عَن ◌ُنُبٍ ﴾: عن بُعْد، وعن جَنَابةٍ واحدٍ، وعن اجتِناب
أيضاً، ﴿يَبْطِشَ﴾ ويَبطُش، أي: بكسر الطاء وضمِّها، ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾: يَتَشاوَرونَ)) هذا جميعه
سَقَطَ لأبي ذرٍّ والأَصِيلِيِّ وثَبَتَ لغيرهما، من أوَّله إلى قوله: ((ذِكْر موسى)) تقدَّم في أحاديث

١٣٠
سورة القصص / ح ٤٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
الأنبياء في قِصّة موسى، وكذا قوله: ((نَبطِش ... )) إلى آخره، وأمَّا قوله: ((الفَرِحينَ: المرِحينَ))
فهو عندَ ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠١٠) موصول من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس،
وقوله: ((﴿قُصِيهِ﴾: اتَبعي أثره)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق القاسم بن أبي بَزّة (١) عن
سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال في قوله: ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيهِ﴾: قُصّي أثره. وقال
أبو عُبيدة في قوله: ﴿قُضِيهِ﴾: اتَّبعي أثره، يقال: قَصَصتُ آثار القوم. وقال في قوله: ﴿فَبَصُرَتْ
بِهِ، عَن ◌ُجُنُبٍ﴾، أي: عن بُعْد وَتَجَنُّب، ويقال: ما تأتينا إلّا عن جَنابةٍ وعن جُنُب.
قوله: (﴿تَأْجُرَبِ﴾: تَأْجُرُ فلاناً: تُعْطيه أجْراً، ومنه التَّعْزية: آجَرَكَ الله)) ثَبَتَ هذا
للنَّسَفيِّ، وقد قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجٍ﴾ من الإجارة، يقال:
فلان يأجُرُ فلاناً، ومنه(٢): أَجَرَكَ الله.
قوله: ((الشّاطئُ والشَّطُّ واحدٌ، وهما ضَفَّنَا وعُذْوَتا الوادي)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيِّ أيضاً، وقد
قال أبو عبيدة: ﴿نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ﴾ [القصص: ٣٠]: الشّاطِئ والشَّطّ واحد، وهما
ضَفَّنَا الوادي وعُدْوَتاه.
قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌ﴾ في آية أُخرى: ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠] ((والحيّات أجناس: الجانُّ
والأفاعي والأساوِد)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيِّ أيضاً، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٣).
قوله: (مَقْبوحِينَ: مُهْلَكينَ)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً.
قوله: (﴿وَضَّلْنَا﴾: بَيَّنَّه وأَتْمَمْناه)) هو قول أبي عبيدة أيضاً، وأخرج ابن أبي حاتم من
طريق السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قال: بَيَّنّا لهم القول، وقيل: المعنى: أَتَبَعْنا
بعضه بعضاً فاتَّصَلَ، وهذا قول الفَرّاء.
قوله: (﴿يُجْوَ﴾: يُجِلَبُ)) هو بسكونِ الجيم وفتح اللّم ثمَّ موخَّدة، وقال أبو عبيدة في
قوله: ﴿يُجْوَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: يُجمَع كما يُجمَع الماء في الجابية فيُجمَع للوارد.
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، وهو خطأ صوابه: القاسم بن أبي أيوب، كما في ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢٩٤٨/٩.
(٢) زاد في (أ) و(ع): ((في التعزية))، وهذه الزيادة لم ترد في ((المجاز)) لأبي عبيدة ٢/ ١٠٢.
(٣) بين يدي الحديث رقم (٣٢٩٧).

١٣١
سورة القصص / ٤٧٧٣
كتاب التفسير
قوله: ((﴿بَطِرَتْ﴾: أَشِرَت)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ
مَعِيشَتَهَا﴾، أي: أشِرَت وطَغَت وبَغَت، والمعنى: بَطِرَت في معيشتها. فانتَصَبَ بنّزْع الخافض،
وقال الفَرّاء: المعنى: أبطَرَتها معيشتُها.
قوله: ((﴿فِيَّ أُمِّهَا رَسُولًا﴾: أمُّ القُرَى: مَكَّةُ وما حَوْلهَا)) قال أبو عُبيدة: أمّ القُرَى مَّة في
قول العرب، وفي آيةٍ (١) أُخرى: ﴿لِيْنُذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا﴾ [الشورى: ٧]، ولابنِ أبي
حاتم من طريق قَتَادة نحوه. ومن وجه آخر عن قَتَادة عن الحسن في قوله: ﴿فِّ أُمِّهَا ﴾
قال: في أوائلها.
قوله: (﴿تُكِنُّ﴾: تُخْفي، أكتَنْت الشَّيء: أخفَيته، وكَتَنْتُه: أخفَيته وأظْهَرْته)) كذا للأكثر،
ولِبعضِهم: أكنَتُه أخفَيته، وكَنَنتَهُ خَفَيته. وقال ابن فارس: أخفَيته: سَتَرته، وخَفَيته:
أظهَرته. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَانُكِنُ صُدُورُهُمْ﴾، أي: تُخُفي، يقال: أكتَنتُ
ذلك في صَدري، بألفٍ، وكَتَنَت الشَّيء: خَفَيته، وهو بغير ألِف. وقال في موضع آخر: أكتَنتُ
وكَتَنتُ واحد، وقال أبو عُبيدة: أكتَتُه: إذا أخفَيتُه وأظهرته، وهو من الأضداد.
قوله: (﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْل: ألم تَرَ أن الله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ﴾:
يُوسِّع عليه ويُضَيِّقٌ)) وَقَعَ هذا لغير أبي ذرٍّ، وهو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى:
﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾، أي: ألم تَرَ أنَّ الله، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله:
﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾، أي: أوَلا يعلمُ أنَّ الله.
٢- بابٌ
﴿ إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٥]
٤٧٧٣ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا يَعْلَى، حدَّثنا سفيانُ العُصْفُرِيُّ، عن عِكْرمةَ، عن
ابنِ عِبَّاسِ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: / إلى مكَّة.
قوله: ((باب ﴿﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾)) سَقَطَت التَّرجمة لغير أبي ذرٍّ.
٥١٠/٨
(١) تحرف في (س) إلى: وفي رواية.

١٣٢
سورة العنكبوت
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أخبَرَنا یَعْلَى)) هو ابن عُبيد.
قوله: ((حدَّثْنَا سُفْيان العُصْفُريّ)) هو ابن دينار التَّار كما تقدَّم تحقيقه في آخر الجنائز (١٣٩٠)،
وليس له في البخاريّ سِوَى هذَينِ الموضعينِ.
قوله: ((﴿لَرَاذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قال: إلى مكَّةَ)) هكذا في هذه الرِّواية، وروى عبد الرَّزّاق عن
مَعمَر عن قَتَادة قال: كان ابن عبّاس يَكُم تفسير هذه الآية، وروى الطَّبَرِيُّ (١٢٤/٢٠)
من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: ﴿لَرَادُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى الجنَّة، وإسناده ضعيف، ومن
وجه آخر قال: إلى الموت، وأخرجه ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٢٥) وإسناده لا بأس به، ومن
طريق مجاهد قال: يُحيِيكَ يومَ القيامة، ومن وجه آخر عنه: إلى مكَّةَ، وقال عبد الرَّزّاق: قال
مَعمَر: وأمَّا الحسن والزّهْريّ فقالا: هو يومُ القيامة، وروى أبو يَعْلى (١١٣١) من طريق أبي
جعفر محمَّد بن عليّ قال: سألت أبا سعيد عن هذه الآية فقال: مَعادُه آخِرَتُه، وفي إسناده
جابر الجُعْفيُّ وهو ضعيف(١).
٢٩ - سورة العنكبوت
بِسمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
قال مجاهدٌ: ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [٣٨]: ضَلَلَةً.
وقال غيرُه: ﴿اَلْحَيَوَانُ﴾ [٦٤] والحيُّ واحدٌ.
﴿ فَلَعْلَمَنَّ اللّهُ﴾ [٣]: عَلِمَ الله ذلك، إنَّما هي بمَنزِلةٍ: فِلِيَمِيزَ اللهُ، كقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ
اُلْخَبِيثَ﴾ [الأنفال: ٣٧].
﴿أَثْقَالاً مَعَ أَنْقَالِهِمْ﴾ [١٣]: أَوزاراً معَ أوْزارهم.
قوله: ((سورة العنكبوت - بِسْمِ اللَّهِالرَّعْنِ الرَّحِيمِ )) سَقَطَت ((سورة)) والبسملة لغير أبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾: ضَلَلَةً)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٦٠) من
(١) كذا قال الحافظ، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، فليس عند أبي يعلى ولا غيره في هذا الطريق جابر الجعفي، وإسناد
أبي يعلى حسنٌ.

١٣٣
سورة الروم
كتاب التفسير
طريق شِبْل بن عبّاد عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بهذا، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن
قَتَادة قال: مُعجَبين بضَلالَتِهِم، وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن قَتَادة قال: كانوا
مُستَبَصِرینَ في ضَلالَتھم مُعجَبین بها.
قوله: ((وقال غيره: الحيوانُ والحِيُّ واحدٌ)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرِّ وحدَه، وللأَصِيليِّ: الحيوان
والحياة واحد، وهو قول أبي عُبيدة قال: الحيوان والحياة واحدٌ، وزادَ: ومنه قولهم: نَهُرُ
الحيوان، أي: نهر الحياة، وتقول: حَبِيتُ حَيّاً، والحيوانُ والحياةُ اسمان منه. وللطَّبَيِّ من
طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَهِىَ اُلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] قال: لا موتَ
فیھا.
قوله: «﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ﴾: عَلمَ اللهُ ذلك، إنَّما هي بمَنزِلةِ: فِلِيَمِيزَ اللهُ، كقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ
اُلْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾)) وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾، أي:
فِلَيَمِيزَنَّ اللهُ، لأنَّ الله قد عَلِمَ ذلك من قبلُ.
قوله: ((أثقالاً معَ أثقالِهِم﴾: أوْزاراً معَ أوْزارِهم)) هو قول أبي عبيدة أيضاً، وروى
عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة في هذه الآية قال: مَن دَعَا قوماً إلى ضلالةٍ فعليه مِثلُ
أوزارهم، ولابنِ أبي حاتم من وجه آخر عن قَتَادة قال: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَهُمْ﴾ أي: أوزارهم
﴿وَأَنْقَالَا مَّعَ أَنْقَالِهِمْ﴾: أوزار مَن أضَلّوا.
٣٠- سورة الرُّوم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال مجاهدٌ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ [١٥]: يُنْعَّمُون.
﴿فَلَ يَرْبُواْ﴾ [٣٩]: مَن أعطَى يَبتَغي أفضلَ، فلا أجْرَ له فيها.
﴿يَمْهَدُونَ﴾ [٤٤]: يُسوُّونَ المَضاجِعَ.
الوَدْقُ [٤٨]: المطرُ.

١٣٤
سورة الروم/ ح ٤٧٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [٢٨] في الآلهة، وفيه: ﴿ تَخَافُونَهُمْ﴾
[٢٨] أن يَرِثوكم كما يَرِثُ بعضُكم بعضاً.
﴿يَصَّدَعُونَ﴾ [٤٣]: يَتَفَرَّقونَ، ﴿فَأَصْدَعْ﴾ [الحجر: ٩٤].
وقال غيرُه: ضُعْفٌ وضَعْفٌ [٥٤]، لُغَتان.
وقال مجاهدٌ: ﴿الشُّوَى﴾ [١٠]: الإساءةُ جزاءُ المُسِيئِينَ.
٥١١/٨
٤٧٧٤ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا منصورٌ والأعمَشُ، عن أبي الضُّحَى،
عن مسروقٍ، قال: بينما رجلٌ يُحدِّثُ في كِنْدَةَ، فقال: يَجِيءُ دُخانٌ يومَ القيامةِ، فيأخُذُ بأسماعٍ
المنافقِينَ وأبصارِهم، يأخُذُ المؤمنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، ففَزِعْنا، فأتيتُ ابنَ مسعودٍ، وكان مُتَّكِئاً
فَغَضِبَ فَجَلَسَ، فقال: مَن عَلِمَ فَلْيَقُلْ، ومَن لم يَعْلِمْ فَلْيَقُل: الله أعلمُ، فإنَّ منَ العِلْمِ أن يقولَ
لمَا لا يَعْلَمُ: لا أعلمُ، فإنَّ الله قال لِنبِّه وَّهِ: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنْ مِنَ الْتُكَلِفِينَ﴾
[ص: ٨٦]، وإنَّ قُرَيشاً أبطَؤُوا عن الإسلام، فدعا عليهمُ النبيُّ ◌َّةِ، فقال: ((اللهمَّ أعِنّي عليهم
بِسَبْعٍ كَسَبْعٍ يوسفَ)) فأَخَذَتْهم سَنَةٌ حتَّى هَلَكوا فيها، وأكَلُوا المَيْنَةَ والعِظامَ، ويَرَى الرجلُ ما
بينَ السماءِ والأرضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَان، فجاءه أبو سفيانَ، فقال: يا محمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُنا بِصِلَةٍ
الرَّحِمِ، وإنَّ قومَكَ قد هَلَكوا، فادعُ اللهَ، فقرأ: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إلى
قوله: ﴿عَيِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠-١٥] أفيُكْشَفُ عنهم عذابُ الآخرةِ إذا جاءَ، ثمَّ عادُوا إلى
كُفْرِهم؟ فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ اَلْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]: يومَ بَدْر، وَ﴿لِزَامَا﴾
[الفرقان: ٧٧]: يومَ بَدْرٍ، ﴿الَّمَ ل ◌ُغُلِبَتِ الزُّوُمُ﴾ إلى: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ والرُّومُ قد مَضَى.
قوله: ((سورة الرُّوم - بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت (سورة)) والبسملة لغير أبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال مجاهدٌ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُنعَّمونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح
عن مجاهد في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾،
أي: يُنَعَّمونَ. ولابنِ أبي حاتم والطََّرَيِّ من طريق يحيى بن أبي كثير قال: لَذّة السَّماع، ومن
طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ قال: يُكْرَمونَ.

١٣٥
سورة الروم/ ح ٤٧٧٤
كتاب التفسير
قوله: (﴿فَلَ يَرْبُواْ﴾ مَن أعطَى يَبتَغي أفضلَ فلا أجْرَ له فيها)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٤٦/٢١)
من طريق ابن نَجِيح عن أبي مجاهد في قوله: ﴿ وَمَآءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًّالِيَرَّبُواْ فِىّ أَمَوَلِ النَّاسِ﴾ قال:
يُعطي مالَه يَبْتَغي أفضلَ منه. وقال عبد الرَّزّاق عن عبد العزيز بن أبي رَوّادٍ عن الضَّحّاك
في هذه الآية قال: هذا هو الرِّبا الحلالُ يُهدي الشّيءَ ليُئابَ أفضلَ منه، ذاكَ لا له ولا علیه.
وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عبد العزيز وزادَ: ونَهَى النبيُّ وَّرِ عنه خاصّة.
ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن إبراهيم قال: هذا في الجاهليَّة كان يُعطي الرجل
قَرابَتَه المالَ يُكثّر به ماله، ومن طريق محمَّد بن كعب القُرَظيِّ قال: هو الرجل يُعطي الآخرَ
الشَّيء ليُكافِئَه به ويُزاد عليه فلا يَربُو عندَ الله، ومن طريق الشَّعْبيّ قال: هو الرجل يَلْزَق
بالرجلِ يَخْدُمه ويسافر معه فيجعل له رِبحَ بعض ما يَتَّجِر فيه، وإنَّما أعطاه التِماسَ عَونِه ولم
يُرِدْ به وجه الله.
قوله: (﴿يَمْهَدُونَ﴾: يُسوُّونَ المَضاجِعِ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن
مجاهد في قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ قال: يُسوّونَ المضاجعَ.
قوله: ((الوَدْقُ: المطرُ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً بالإسناد المذكورِ.
قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿هَل لَّكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ في الآلهة، وفيه ﴿تَخَافُونَھُمْ
أن يَرِثوكم كما يَرِثُ بعضُكم بعضاً) وَصَلَه الطََّرَيُّ (٣٩/٢١) من طريق ابن جُرَيج عن
عطاء عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: هي في الآلهة، وفيه يقول: تَّخَافُونَهم أن يَرِثوكم كما
يَرِث بعضكم بعضاً، والضَّمير في قوله: (فيه)) لله تعالى، / أي: أنَّ المثَل لله وللأصنام، فاللهُ ٥١٢/٨
المالكُ والأصنام مملوكة والمملوك لا يُساوي المالك. ومن طريق أبي مِجْلٍَ قال: إنَّ ملوكَكَ لا
تَخافُ أن يُقاسمَك مالَك وليس له ذلك، كذلك الله لا شَرِيك له. ولابنِ أبي حاتم من طريق
سعيد عن قَتَادة قال: هذا مَثَلٌ ضَرَبَه الله لمن عَدَلَ به شيئاً من خلقه يقول: أكان أحدٌ منكم
مُشاركاً مملوكه في فِراشِه وزوجته؟ وكذلك لا يَرضَى الله أن يُعدَل به أحدٌ من خلقه.
قوله: (﴿يَصَدَّعُونَ﴾: يَتَفَرَّقونَ، فاصْدَعْ)) أمَّا قوله: يَتَفَرَّقونَ، فقال أبو عبيدة في قوله:

١٣٦
سورة الروم/ ح ٤٧٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَدَّعُونَ﴾ أي: يَتَفَرَّقونَ، وأمَّا قوله: ((فاصدَعْ)) فيشير إلى قوله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا
تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] وقد قال أبو عُبيدة أيضاً في قوله: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: افُرُقْ وأمضِه،
وأصل الصَّدع: الشَّ في الشَّيء، وخَصَّه الرّاغِبُ بالشَّيءِ الصُّلْب كالحديد تقول: صَدَعتُه
فانصَدَعَ، بالتَّخفيفِ، وصَدَّعته فَتَصَدَّعَ، بالنََّقيلِ، ومنه: صُدَاعِ الرَّأس، لتَوهُّم الاشتقاق فيه،
والمراد بقوله: ((اصْدَعْ)) أي: فَرِّق بينَ الحقّ والباطل بدعائك إلى الله عزَّ وجلَّ وافصِلْ بينَهما.
قوله: ((وقال غيره: ضُعْفٌ وضَعْفٌ لُغَتان)) هو قول الأكثر، وقُرِئَ بهما، فالجمهور بالضّمِّ،
وقرأ عاصم وحمزة بالفتح في الألفاظ الثلاثة، وقال الخليل: الضُّعف بالضَّمِّ: ما كان في
الجسد، وبالفتح: ما كان في العقل.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿اَلُّوَ﴾: الإساءةُ، جزاءُ المسيئينَ)) وَصَلَه الْفِرْيابيّ، واختُلِفَ في
ضبط الإساءة، فقيل: بكسر الهمزة والمدّ، وجَوَّزَ ابن التِّين فتح أوَّله ممدوداً ومقصوراً، وهو
مِن آسَى، أي: حَزِنَ، وللطَّبَريِّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ ثُؤَ
كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَعَّ أَنْ كَذَّبُواْ﴾، أي: الذينَ كفروا جَزاؤُهم العذاب.
ثَّ ذكر المصنِّف حديث ابن مسعود في دعاء النبيّ وََّ على قُرَيش بالسِّنينَ وسؤالهم له
الدُّعاءَ برفع القَحْط، وقد تقدَّم شرح ذلك في الاستسقاء (١٠٢٠)، ويأتي ما يَتَعلَّق بالذي
وَقَعَ في صَدر الحديث من الدُّخان في تفسير سورة الدُّخان (٤٨٢١) إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((إنَّ من العِلْم أن يقول لما لا يَعْلَم: لا أعلمُ)) أي: إنَّ تمييز المعلوم من المجهول
نوع من العلم، وهذا مناسبٌ لمَا اشتَهرَ من أنَّ ((لا أدري)) نصف العلم، ولأنَّ القول فيما
لا يعلم قِسمٌ من التكلُّف.
١- بابٌ
﴿لَا نَبْدِيَ لِخَلِّقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]: لِدِينِ الله
﴿ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]: دِينُ الأوَّلينَ، والفِطْرةُ: الإسلامُ.
٤٧٧٥ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بُ

١٣٧
سورة لقمان/ ٤٧٧٦
كتاب التفسير
عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما من مولودٍ إلا يولدُ على الفِطْرةِ،
فأبَوَاه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانِهِ، أو يُمَجِّسانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمةُ بَهِيمةً جمعاءَ، هل تُحِسّونَ فيها من
جَدْعاءَ؟)) ثمَّ يقول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الْذِينُ
اُلْقَيِّمُ ﴾.
قوله: ((باب ﴿لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ الَّهِ﴾: لِدِينِ الله، ﴿ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: دينُ الأوَّلينَ)) أخرج
الطَّبَريُّ (٢١/ ٤١) من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ في قوله: ﴿لَا تَبْدِيَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ قال: لِدِينِ
الله، ومن طرق عن مجاهد وعِكْرمة وقَتَادة وسعيد بن جُبَير والضَّحّاك مِثله، وفيه قول
آخر أخرجه الطَّريُّ من طرق عن ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد قال: الإخصاء. وروى ابن
أبي حاتم (٢٧٩٧/٩) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا
خُلُقُ آلْأَ وَِّينَ﴾ يقول: دين الأوَّلينَ، وهذا يُؤيِّد الأوَّل. وفيه قول آخر أخرجه ابن أبي حاتم
من طريق الشَّعْبيّ عن عَلْقمة في قوله: ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال: اختلاقُ الأوَّلينَ، ومن طريق
ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: كَذِبُهُم، ومن طريق فَتَادة قال: سِيرَتُهم.
قوله: ((والفِطْرة: الإسلامُ)) هو قول ◌ِكْرمة، وَصَلَه الطَّبَرِيُّ من طريقه، وقد تقدَّم نقلُ ٥١٣/٨
الخِلاف في ذلك في أواخر كتاب الجنائز (١٣٥٨).
ثم ذكر حديث أبي هريرة: «ما من مولود إلّا يولدُ على الفِطْرة» وقد تقدَّم بسنده ومَتِه
في كتاب الجنائز معَ شرحه في («باب ما قيل في أولاد المشركينَ» (١٣٥٩).
٣١ - سورة لُقْمان
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]
٤٧٧٦- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن
عبدِ الله ، قال: لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]،
شَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ الله وَّةِ، وقالوا: أيُّنا لم يَلْبِسْ إِيمانَه بظُلْم؟ فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّه

١٣٨
سورة لقمان/ ٤٧٧٧ -٤٧٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
ليس بذاكَ، ألا تَسْمَعُ إلى قولِ لُقْمانَ لابِنِهِ: ﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)).
قوله: ((سورة لُقْمَان - بِسمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت ((سورة)) والبسملة لغير أبي ذرِّ،
وسَقَطَت البسملةُ فقط للنَّسَفيِّ.
قوله: ﴿لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾، ذكر فيه حديث ابن مسعود في تفسير
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب
الإيمان (٣٢).
٢- باب قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]
٤٧٧٧ - حدَّثني إسحاقُ، عن جَرِيرٍ، عن أبي حَيّانَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ
رسولَ اللهِ وَ سِ﴿ كان يوماً بارزاً للنّاسِ، إذ أتاه رجلٌ يَمْشي، فقال: يا رسولَ الله، ما الإيمانُ؟
قال: ((الإيمانُ: أن تُؤْمِنَ بالله، وملائكتِهِ، ورُسُلِه، ولِقائِهِ، وتُؤْمِنَ بالبَعْثِ الآخِرِ)) قال: يا
رسولَ الله، ما الإسلامُ؟ قال: ((الإسلامُ: أن تَعْبُدَ اللهَ ولا تُشِرِكَ به شيئاً، وتُقِيمَ الصلاةَ، وتُؤْتِيَ
الزكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضانَ)) قال: يا رسولَ الله، ما الإحسانُ؟ قال: ((الإحسانُ: أن
تَعبُّدَ اللهَ كأَنَّكَ تَراهُ، فإن لم تكن تَراهُ فإِنَّه يَراكَ)) قال: يا رسولَ الله، متى الساعةُ؟ قال: ((ما
المسؤولُ عنها بأعلمَ منَ السائلِ، ولكن سأُحدِّثُكَ عن أشراطِها: إذا وَلَدَتِ المرأةُ رَبَّتَها، فذاكَ
من أشراطِها، وإذا كان الحُفاةُ العُراةُ رُؤوسَ الناسِ، فذاكَ من أشراطِها، في خمسٍ لا يَعْلَمُهنَّ
إِلَّ الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ، عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ﴾» ثمَّ انصَرَفَ الرجلُ،
فقال: ((رُدُّوا عليَّ))، فأخَذوا ليَرُدّوا، فلم يَرَوْا شيئاً، فقال: «هذا جِبْرِيلُ، جاء لِيُعلِّمَ الناسَ
دِینھم)).
٤٧٧٨- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني عمرُ بنُ محمَّدِ بنِ
زيدِ بنِ عبدِ الله بن عمرَ، أَنَّ أباه حدَّثه، أنَّ عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ وَّ:
((مَفاتيحُ الغيبِ خمسٌ)) ثمَّ قرأَ: ﴿إِنَّاللَّهَ عِندَهُ، عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.

١٣٩
سورة لقمان/ ٤٧٧٨
كتاب التفسير
قوله: («باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾)) ذكر فيه حديث أبي هريرة في سؤال ٥١٤/٨
جِبْريل عن الإيمان والإسلام وغير ذلك، وفيه ((خمسٌ لا يَعلَمُهنَّ إلَّ الله))، وقد تقدَّم شرح
الحديث مُستَوَى في كتاب الإيمان (٥٠)، وسيأتي في التوحيد (٧٣٧٩) شيء يَتَعلَّق بذلك.
قوله: ((حدَّثني عمر بن محمّد بن زيد أنَّ أباه حدَّثه أنَّ عبد الله بن عمر قال)) هكذا قال
ابن وَهْب، وخالَفَه أبو عاصم فقال: عن عمر بن محمَّد بن زيد عن سالم عن ابن عمر،
أخرجه الإسماعيليّ، فإن كان محفوظاً، احتَمَلَ أن يكون لعمر بن محمَّد فيه شيخان: أبوه
وعَمُّ أبيه.
قوله: ((قال النبيّ ◌َّ: مفاتيح الغيب خمسٌ، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾)» هكذا
وَقَعَ مختصراً، وفي رواية أبي عاصم المذكورة: ((مفاتحُ الغيب خمسٌ لا يَعلَمُهِنَّ إلّا الله، ﴿إِنَّ
اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾)) يعني الآية كلّها، وقد تقدَّم في تفسير سورة الرَّعد
(٤٦٩٧) وفي الاستسقاء (١٠٣٩) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظ: ((مفاتح
الغيب خمسٌ لا يَعلَمُهنَّ إلّا الله: لا يعلم ما في غَدٍ إلّا الله)) الحديث، على هذا السّياق في
الخمس، وفي تفسير الأنعام (٤٦٢٧) من طريق الزُّهْريّ عن سالم عن أبيه بلفظ: ((مفاتحُ
الغيب خمس: ﴿إِنَّاللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخر السّورة))، وأخرجه الطَّيالسيُّ في ((مُسنَده))
(١٩١٨) عن إبراهيم بن سعد عن الزُّهْريّ بلفظ: أوتيَ نبيُّكم مفاتح الغيبِ إلّا الخمس،
ثمَّ تلا الآية، وأظنُّه دَخَلَ له مَتزٌ في متن، فإنَّ هذا اللَّفظ أخرجه ابن مَرْدويه من طريق
عبد الله بن سَلَمةَ عن ابن مسعود نحوه(١).
وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: عَبَّرَ بالمفاتح لتقريب الأمر على السامع، لأنَّ كلَّ
شيء جُعِلَ بينَك وبينَه حِجابٌ فقد غُيِّبَ عنك، والتوصُّل إلى مَعرِفَتِه في العادة من الباب،
فإذا أُغلِقَ الباب احتيجَ إلى المفتاح، فإذا كان الشَّيء الذي لا يُطْلَع على الغيب إلّا بَتَوصيلِه لا
يُعرَفُ موضعُه، فكيف يُعرَف المغيّبُ، انتهى مُلخَّصاً.
(١) وهو عند الطيالسي أيضاً (٣٨٥)، وأحمد (٣٦٥٩) من هذا الطريق.

١٤٠
سورة لقمان/ ٤٧٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
وروى أحمد (٢٢٩٨٦)، والبزَّار (٤٤٠٩) وصَخَّحَه ابن حِبّان والحاكم (١) من حديث
بُرَيدة رَفَعَه قال: ((خمس لا يَعلَمُهنَّ إلّا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية))، وقد تقدَّم
في كتاب الإيمان (٥٠) بيان جهة الحَصْر في قوله: ((لا يَعلَمُهنَّ إلّا الله))، ويزاد هنا ما لخصتُه
من كلام الشيخ محمد بن أبي جمرة قال: الحكمة في الاقتصار على هذه الخمس أنه نبَّه بعلم
السَّاعة على أمور الآخرة، وبنزول الغيث على أمور العالَم العُلْوي، وبما في الأرحام على ما
يزيد في نفس الأمر وما ينقص، فإذا كان لا يُدرَى ذلك فكيف يُدرَى بغيره، وبماذا تكسب غداً
على ما يُستقبَل من الحوادث وخَصَّ بها الغد لقُربه، وبأيِّ أرض تموت على الأمور السُّفليّة،
قال: وهذا من أبلغ الكلام وأبدعِه، حيث حصر فيه جميع العلوم، وأزال به جميع الدَّعاوى
الفاسدة. انتهى (٢)، ويُمكِن أن يُستَفاد من الآية الأُخرى وهي قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيّبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فالمراد بالغيب المنفيِّ فيها هو المذكور في هذه
الآية التي في لُقمان، وأمَّا قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَ غَيْبِهِ: أَحَدًّا (٥) إِلَّا مَنِ
أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ الآية [الجن: ٢٦-٢٧] فيُمكِن أن يُفَسَّر بما في حديث الطَّيالسيِّ (١٩١٨)،
وأمَّا ما ثَبَتَ بنَصِّ القرآن أنَّ عيسى عليه السلام قال: إنَّه يُخْبِرِهم بما يأكلونَ وما يَدَّخِرونَ،
وأنَّ يوسف قال: إنَّه يُنبّتهم بتأويلِ الطَّعام قبلَ أن يأتيَ، إلى غير ذلك ممّا ظَهَرَ من المعجِزات
والكرامات، فكلُّ ذلك يُمكِّن أن يُستفاد من الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ ﴾
فإِنَّه يقتضي اطِّلَاعَ الَّسول على بعض الغيب، والوَلِيُّ التابع للرَّسولِ عن الرَّسول يأخذ،
وبه يُكرَّم، والفرقُ بينَهما أنَّ الرَّسول يَطَّلِعُ على ذلك بأنواع الوحي كلّها، والوَليّ لا يَطَّلِعِ
على ذلك إلّا بِمَنامٍ أو إلهام، والله أعلم.
ونَقَلَ ابن النِّين عن الدَّاوُودِيِّ أَنَّه أنكَرَ على الطََّرَيِّ دَعْواه: أَنَّه يَقِيَ من الدُّنيا من هِجْرة
(١) لم نقف عليه عند ابن حبان والحاكم، والحافظ نفسه لم يخرج الحديث من عندهما في كتابه («إتحاف المهرة))
(٢٣٥٣).
(٢) من قوله: ((ويزاد هنا ما لخصته)) أثبتناه من (ع)، ولم يرد في (أ) و(س)، وفيهما: ويزاد هنا أنَّ ذلك
یمکن ....