النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
نَكَارَته لإيرادِ الحاكم له في ((الإكليل)) وتَبِعَه بعض مَن تأخّرَ غير مُتأمِّل/ لما فيه من ٤٦٥/٨
النَّكارة؛ والمخالَفة للحديثِ الصَّحيح من عِدّة أوجُه، فهو باطلٌ. ووَقَعَ في حديث ابن
عمر: فشاعَ ذلك في العَسكَرِ، فَبَلَغَ النبيَّ ◌ََّ، فلمَّا قَدِموا المدينة أشاعَ عبدُ الله بن أُبيِّ ذلك
في الناس، فاشتدَّ على رسول الله وَلّ.
وقوله: ((والناس يُفيضونَ)) بضمِّ أوَّله، أي: يخوضونَ، من أَفاضَ في قولٍ: إذا أكثر منه.
قوله: ((وهو يَرِيبُني في وَجَعي)) بفتح أوَّله، من الرَّيْب، ويجوز الضَّمّ من الرُّباعيّ، يقال:
رابَه وأرابَه، وقد تقدَّم قريباً.
قوله: ((اللُّطْف)) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه، ويفتحهما، لُغَتان، والمرادُ: الرِّفق. ووَقَعَ في
رواية ابن إسحاق: أنكَرْت بعضَ لُطْفِه.
قوله: ((الذي كنت أرَى منه حينَ أشتكي)) أي: حينَ أمرَض.
قوله: ((إِنَما يَدخُل فيُسَلِّم ثمَّ يقول: كيفَ تِيكُم؟)) وفي رواية ابن إسحاق: فكان إذا دَخَلَ
قال لأُمّي وهي تُمُرِّضُني: ((كيفَ تِيكم؟)) بالمثنّة المكسورة، وهي للمؤنَّثِ مِثل ((ذاكُم))
للمذكَّرِ، واستَدَلَّتْ عائشة بهذه الحالة على أنَّهَا استَشعَرَت منه بعض جَفاء، ولكنَّها لمَّا لم
تكن تدري السَّبَب، لم تُبالغ في التَّنقيب عن ذلك حتَّى عَرَفَته. ووَقَعَ في رواية أبي أوَيس:
إلّا أنَّه يقول وهو مارٍّ: ((كيفَ تِيكم؟» ولا يَدخُل عندي، ولا يعودني، ويسأل عنِّي أهل البيت،
وفي حديث ابن عمر: وكنت أرَى منه جَفوةً، ولا أدري من أيِّ شيءٍ.
قوله: (نَقَهْتُ)) بفتح القاف وقد تُكسَر، والأوَّل أشهر، والناقِهُ - بكسر القاف ـ: الذي
أفاقَ من مرضه ولم تتكامَلْ صِحَّتُه.
وقيل: إنَّ الذي بكسر القاف بمعنى: فهمتُ، لكنَّه هنا لا يَتَوَجَّه، لأنَّها ما فهمَتْ ذلك
إلّا فيما بعدُ، وقد أطلقَ الجَوْهريّ وغيره: أنَّه بفتح القاف وكسرها لُغَتان في بَرَأَ من المرض
وهو قريب العَهْد لم يَرجِع إليه كمالُ صِخَّته.
قوله: ((فخَرَجْت مع أمّ مِسْطَح)) في رواية أبي أويس: فقلت: يا أمَّ مِسطَح، خُذِي الإِدَاوَة

٤٢
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
فاملَئيها ماءً، فاذهبي بنا إلى المناصع.
قوله: (قِبَلَ المَناصِع)) أي: جِهَتها، تقدَّم شرحه في أوائل كتاب الوُضوء (١٤٦)، وأنَّ
المناصع: صعيدٌ أفيَحُ خارجَ المدينة.
قوله: ((مُتَبرَّزُنا)) بفتح الرَّاء قبلَ الزّاي: موضع التَّرُّز، وهو الخروج إلى البَرَاز، وهو
الفَضاء، وكلّه كِناية عن الخروج إلى قضاء الحاجة.
و ((الكُنُف)) بضمَّتَينِ: جمعُ كَنِيف، وهو الساتر، والمراد به هنا: المكان المَتَّخَذ لقَضاءِ الحاجة.
وفي رواية ابن إسحاق: الكُنُف التي يَتَّخِذها الأعاجم.
قوله: ((وأمرُنا أمرُ العربِ الأَوَل)) بضمِّ الهمزة وتخفيف الواو: صفة العرب، وبفتح
الهمزة وتشديد الواو: صفة الأمر، قال النَّوَويّ: كلاهما صحيح، تريد أنَّهم لم يَتَخلَّقوا
بأخلاق العَجَم. قلت: ضَبَطَه ابن الحاجِب بالوجه الثّاني، وصَرَّحَ بمَنْع وصف الجمع
باللَّفْظِ الأوَّل، ثمَّ قال: إن ثَبَتَتِ الرِّواية خُرِّجت على أنَّ العرب اسم جمْع تحته جُوع،
فيصير مفردَه بهذا التَّقدير. والرِّواية الأولى أشهر وأقعد(١).
قوله: ((في التَّرُّزْ قِبَلَ الغائط)» في رواية فُلَيِحٍ: في البَرّيَّة - بفتح الموخَّدة وتشديد الَّّاء ثمَّ
التَّحتائِيَّة - أو في التَّتُّه - بمُثّاةٍ ثمَّ نون ثمَّ زاي ثقيلة؛ هكذا على الشكّ، والتَّتُّه: طلب
النَّزاهة، والمراد: البُعْدُ عن البيوت.
قوله: ((فانطَلَقْت أنا وأُمُّ مِسْطَح)) بكسر الميم وسكون السّين وفتح الطاء بعدَها حاءٌ
مُهمَلات، قيل: اسمها سَلْمَى، وفيه نظر؛ لأنَّ سَلْمى اسم أمّ أبي بكر، ثمَّ ظَهَرَ لي أنْ لا
وَهْمَ فيه، فإنَّ أمّ أبي بكر خالتُها، فسُمّيَت باسمِها.
قوله: ((وهيَ بنت أبي رُهْم)) بضمِّ الرَّاء وسكون الهاءِ.
قوله: ((ابن عبد مَنافٍ)) كذا هنا ولم يَنسُبه فُلَيح، وفي رواية صالح: بنت أبي رُهْم بن
المطَّلِب بن عبد منافٍ، وهو الصَّواب، واسم أبي رُهم أُنیس.
(١) قوله: ((والرواية الأولى أشهر وأقعد) من (ع) وحدها.

٤٣
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
قوله: ((وأُمّها بنت صَخْر بن عامر)) أي: ابن كعب بن سعد بن تَيْم من رَهْط أبي بكر.
قوله: ((خالة أبي بكر الصِّدّيق)) اسمها رائطة، حكاه أبو نُعَيم.
قوله: ((وابنها مِسْطَح بن أثاثة)) بضمِّ الهمزة ومُثْلَّئَينِ الأولى خفيفة بينَهما ألِف: ابن عبّاد
ابن المطَّلِّب، فهو المُطَّلِبيّ من أبيه وأُمّه، والمسطَح: عود من أعواد الخِباء، وهو لقبٌ،
واسمه: عَوْف، وقيل: عامر، والأوَّل هو المعتمَد، وقد أخرج الحاكم من حديث ابن عبّاس
قال: قال أبو بكر يُعاتِب مِسْطَحاً في قِصّة عائشة:
يا عَوْفُ وَيَحَكَ هَلَّا قلتَ عارِفةً منَ الكلام ولم تَبْتَغْ به طَمَعا
وكان هو وأُمّه من المهاجِرِينَ الأوَّلينَ، وكان أبوه ماتَ وهو صغير، فكَفَلَه أبو بكر لقَرابةٍ ٤٦٦/٨
أمّ مِسطَح منه، وكانت وفاةٌ مِسْطَح سنةَ أربع وثلاثينَ، وقيل: سنة سَبْعٍ وثلاثينَ بعدَ أن
شَهِدَ صِفّينَ مع عليّ.
قوله: ((فَأقبَلْتُ أنا وأُمّ مِسْطَحِ قِبَل بيتي وقد فَرَغْنا من شأْنِنا، فعَثَرَت)) بالمهمَلة والمثلَّثة ((أُمُّ
مِسطَح في مِرْطها)) بكسر الميم، وفي رواية مِقْسَمٍ عن عائشة: أنَّهَا وَطِئَت على عَظْم أو
شَوْكة، وهذا ظاهره أنَّهَا عَثَرَت بعدَ أن قَضَت عائشة حاجتها ثمَّ أخبَرَتها الخبر بعدَ ذلك،
لكن في رواية هشام بن عُرْوة الآتية قريباً: أنَّهَا عَثَرَت قبلَ أن تقضيَ عائشةُ حاجتها وأنَّها
لمَّا أخبَرَتها الخبر رَجَعَت، كأنَّ الذي خرجت له لا تَجِدُ منه لا قليلاً ولا كثيراً، وكذا وَقَعَ
في رواية ابن إسحاق: قالت: فوالله ما قَدَرْتُ أن أقضِيَ حاجتي، وفي رواية أبي أوَيس:
فذهب عنّي ما كنت أجِدُ من الغائط، ورجعتُ عَوْدي على بدئي، وفي حديث ابن عمر:
فأخَذَتني الْحُمَّى وتَقَلَّصَ ما كان مِنِّي. ويُجمَع بينَهما بأنَّ معنى قولها: ((وقد فَرَغْنا من شأنِنا))
أي: من شأن المسير، لا قضاءِ الحاجة.
قوله: ((فقالت: تَعِسَ مِسْطَح)) بفتح المثنّة وكسر العين المهمَلة، وبفتحها أيضاً، بعدَها
سين مُهمَلة، أي: كُبَّ لوجهه، أو هَلَكَ، أو لَزِمَه الشرُّ، أو بَعُدَ، أقوالٌ، وقد تقدَّم شرحها
أيضاً في الجهاد (٢٨٨٦).

٤٤
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فقلت لها: بِئْسَ ما قلتٍ، أتسُبّينَ رجلاً شَهِدَ بَدْراً)) في رواية هشام بن عُرْوة: أنَّها
عَثَرَت ثلاث مرّات، كلّ ذلك تقول: (تَعِسَ مِسطَح))، وأنَّ عائشة تقول لها: ((أيْ أمِّ،
أتسُبّينَ ابنك))، وأنَّها انتَهَرَتها في الثّالثة فقالت: ((والله ما أسُبّه إلّا فيكِ))، وعندَ الطبرانيّ:
فقلت: أتسُبّينَ ابنك وهو من المهاجِرِينَ الأوَّلينَ، وفي رواية ابن حاطِب عن عَلْقمة بن
وقّاص: فقلت: أتقولينَ هذا لابنِك وهو صاحب رسول الله وَ ◌َّ؟ فَفَعَلَت مَرَّتَيْنِ، فأعَدتُ
عليها، فحدَّثتني بالخيرِ، فذهب عنِّي الذي خَرَجت له حتَّى ما أجِدُ منه شيئاً.
قال أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: يُحتمل أن يكون قول أمّ مِسطَح هذا عَمداً لتَتَوَصَّلَ إلى
إخبار عائشة بما قيل فيها وهي غافلة، ويحتمل أن يكون اتِّفاقاً أجراه الله على لسانها لتَستَيقِظَ
عائشة من غَفلَتِها عمَّا قيل فيها.
قوله: ((قالت: أَيْ هَتْناهُ)) أيْ: حرف نِداء للبعيدِ، وقد يُستَعمَل للقريب، حيثُ يُنزَّلُ
مَنزِلة البعيد، والنُّكتة فيه هنا: أنَّ أمّ مِسطَح نَسَبَتْ عائشة إلى الغَفْلة عمّا قيل فيها؛ لإنكارها
سَبَّ مِسْطَح فخاطَبَتها خِطاب البعيد.
و((هَنْتَاهْ)) بفتح الهاء وسكون النُّون وقد تُفتَح، بعدَها مُثنّاة وآخِرُه هاء ساكنة، وقد تُضَمّ،
أي: هذه، وقيل: امرأة، وقيل: بَلْهاء، كأنَّهَا نَسَبَتها إلى قِلّة المعرفة بمكايدِ الناس. وهذه
اللَّفظة تَخْتَصّ بالنِّداءِ، وهي عبارة عن كلّ نَكِرة، وإذا خُوطِبَ المذكَّر، قيل: يا هَنَه، وقد تُشَبَع
النُّون فيقال: يا هَنَاه، وحكى بعضهم تشديد النُّون فيه، وأنكَرَه الأزهريّ.
قوله: ((قالت: قلت: وما قال؟)) في رواية أبي أوَيس: فقالت لها: إنَّك لَغافلة عمّا يقول
الناس، وفيها: أنَّ مِسطَحاً وفلاناً وفلانةَ يجتمعونَ في بيت عبد الله بن أُبِيٌّ، يَتَحَدَّثُونَ عنكِ
وعن صفوان، يَرمُونَك به، وفي رواية مِقسَمٍ عن عائشة: أشهدُ أنَّك من الغافلات المؤمنات (١)،
وفي رواية هشام بن عُرْوة الآتية (٤٧٥٧): فنَقَّرَت لي الحديث؛ وهو بنونٍ وقاف ثقيلة، أي:
شَرَحَته، ولِبعضِهم بموخَّدةٍ وقاف خفيفة، أي: أعلمَتْنيه.
(١) عند الطبراني ٢٣/ (١٥٢).

٤٥
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
قوله: ((فازْدَدْت مرضاً على مرضي)) عندَ سعيد بن منصور من مُرسَل أبي صالح: فقالت:
وما تدرينَ ما قال؟ قالت: لا والله، فأخبَرَتها بما خاضَ فيه الناس، فأخَذَتها الحُمَّى، وعندَ
الطبرانيّ (١٥٧/٢٣) بإسنادٍ صحيح عن أيوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة قالت: لمَّا
بَلَغَنِي ما تَكلَّمُوا بِه هَمَمت أن آتيَ قَلِيباً فأطرَحَ نفسي فيه، وأخرجه أبو عَوَانة أيضاً.
قوله: ((فلمَّا رَجَعْت إلى بيتي ودَخَلَ عليَّ رسول الله ◌َّ) في رواية مَعمَر: فدَخَلَ (١)، قيل: الفاء
زائدة، والأَولى أنَّ في الكلام حذفاً تقديره: فلمَّا دَخَلتُ بيتي استَقَرَّيت فيه فدَخَلَ.
قوله: ((فقلت: أتأذَنُ لي أن آتيَ أَبَوَيَّ) في رواية هشام بن عُرْوة المعلّقة (٤٧٥٧): فقلت: ٤٦٧/٨
أرسِلْني إلى بيت أبي، فأرسَلَ معي الغلام، وسيأتي نحوه موصولاً في الاعتصام (٧٣٧٠). ولم
أقِفْ على اسم هذا الغلام.
قوله: ((فقلت لأُمّي: يا أمَّتاهُ ما يَتَحَدَّث الناسُ؟ قالت: يا بُنيَّة هَوِّني عليك)) في رواية
هشام بن عُرْوة: فقالت: يا بُنيَّة خَفِّفي عليك الشَّأن.
قوله: ((وَضِيئة)) بوَزنٍ عظيمة من الوَضَاءة، أي: حَسَنة جميلة، وعندَ مسلم من رواية
ابن ماهانَ: ((حَظِيَّة)) بمُهمَلةٍ ثمَّ مُعجَمة من الخُطْوة، أي: رَفِيعة المنزلة، وفي رواية هشام:
ما كانت امرأةٌ حَسناء.
قوله: ((ضَرائر)) جمع ضَرّة، وقيل للَّوجات: ضَرائر، لأنَّ كلّ واحدة يَحَصُل لها الضَّرَرُ
من الأُخرى بالغَيْرة.
قوله: ((أكثرْنَ عليها)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((كَثَّرْنَ)) بالتَّشديد، أي: القولَ في عَيْبها،
وفي رواية ابن حاطِب: لَقَلَّما أحَبَّ رجل امرأته إلّا قالوا لها نحو ذلك، وفي رواية هشام:
إلّا حَسَدَها وقيل فيها. وفي هذا الكلام من فِطْنة أمِّها وحُسن تأتّها في تربيتها ما لا مَزِيدَ
عليه، فإنَّهَا عَلِمَت أنَّ ذلك يَعظُم عليها فهَوَّنَت عليها الأمر بإعلامها بأنَّها لم تَنفَرِد بذلك،
لأنَّ المرء يَتَأْسَى بغيره فيما يقع له، وأدَجَت في ذلك ما تُطيِّب به خاطِرَها من أنَّها فائقةٌ في
(١) عند مسلم (٢٧٧٠) (٥٦).

٤٦
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
الجمال والحُظْوة، وذلك ممّا يُعجِب المرأة أن تُوصَف به، معَ ما فيه من الإشارة إلى ما وَقَعَ
من حَمْنة بنت جَحْش، وأنَّ الحامل لها على ذلك كَوْن عائشة ضَرّة أُختها زَينَب بنت
جَحْش، وعُرِفَ من هذا أنَّ الاستثناء في قولها: ((إلّا أكثرنَ عليها)) مُتَّصِل؛ لأنَّها لم تَقصِد
قِصَّتها بعينِها، بل ذكرت شأن الضَّرائر، وأمَّا ضرائرها هي، فإنَّنَّ وإن كُنَّ لم يَصدُر منهنَّ
في حَقّها شيء ممّا يَصدُر من الضَّرائر، لكن لم يُعدَمْ ذلك ◌َمَّن هو منهنَّ بسبيلٍ، كما وَفَعَ من
حَمنة، لأنَّ وَرَعَ أُختها مَنَعَها من القول في عائشة كما مَنَعَ بَقِيَّة أمَّهات المؤمنين، وإنَّما
اختُصَّتِ زَينَب بالذِّكرِ لأنَّها التي كانت تُسَامِي(١) عائشة في المنزلة.
قوله: ((فقلت: سُبْحان الله! أوَلَقد تَحَدَّث الناس بهذا؟)) زاد الطََّريُّ (٨٩/١٨-٩٢) من
طريق مَعمَر عن الزُّهْرِيّ: وبَلَغَ رسولَ الله ◌َّارِ؟ قالت: نعم، وفي رواية هشام: فقلت: وقد
عَلِمَ به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسولُ الله؟ قالت: نعم ورسول الله ێ﴾، وفي رواية ابن
إسحاق: فقلت لأُمّي: غَفَرَ الله لك، يَتَحَدَّث الناس بهذا ولا تَذكُرِينَ لي! وفي رواية ابن
حاطِب عن عَلْقمة: ورجعتُ إلى أبَوَيَّ فقلت: أما اتَّقَيتُما الله فيَّ، وما وَصَلتُما رَحِي،
يَتَحَدَّث الناس بهذا ولم تُعلِماني، وفي رواية هشام بن عُرْوة: فاستَعبَرَتُ فَبَكَيت، فسمعَ
أبو بكر صوتي وهو فوقَ البيت يقرأُ، فقال لأُمّي: ما شأنُها؟ فقالت: بَلَغَها الذي ذُكِرَ من
شأنها، ففاضَتْ عيناه فقال: أقسَمتُ عليك يا بُنَيَّة إلّا رجعتِ إلى بيتك، فَرَجَعَت، وفي
رواية مَعمَر عندَ الطَّبَري(٢): فقالت أمّي: لم تكن عَلِمَت ما قيل لها فأكبَّ يبكي (٣) ساعةً، ثمّ
قال: اسكُتِي يا بُنِيَّة.
قوله: ((فقلت: سُبْحانَ الله!)) استغاثَت بالله مُتَعَجِّبة من وقوع مثل ذلك في حَقّها معَ
براءَتها المحقّقة عندَها.
قوله: ((لا يَرْقَاُ لِي دَمْع)) بالقاف بعدَها همزة، أي: لا يَنقَطِعِ.
(١) في (س): تضاهي.
(٢) تحرف في (س) إلى: الطبراني، والصواب كما في (أ) و(ع): الطبري، فهو في ((تفسيره)) ١٨ / ٩١.
(٣) في (س): فأكبت تبكي، والتصويب من الأصلين والطبري.

٤٧
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
قوله: ((ولا أكتَحِلُ بنومٍ)) استعارة للسَّهَرِ، ووَقَعَ في رواية مسروق عن أمّ رُومان كما مضى في
المغازي (٤١٤٣): فخَرَّت مَغشيّاً عليها، فما أفاقت إلّا وعليها حُمَّى بنافضٍ(١)، فطَرَحتُ عليها
ثيابَها فَغَطَّتها، وفي رواية الأسوَد عن عائشة: فألقَت عليَّ أمّي كلّ ثوب في البيت.
تنبيه: طرق حديث الإفك مُجْتَمِعةٌ على أنَّ عائشة بَلَغَها الخبر من أمّ مِسطَح، لكن وَقَعَ
في حديث أمّ رومان ما يُخالف ذلك ولفظه: بَيْنا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ وَلَجَت علينا امرأة
من الأنصار فقالت: فَعَلَ الله بفلانٍ وفَعَلَ، فقلت: وما ذاكَ؟ قالت: ابني فيمن حَدَّث الحديث،
قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا، هذا لفظ المصنّف في المغازي، ولفظه في قِصّة يوسف
(٣٣٨٨): قالت: إنَّه نَمَّى الحديث، فقالت عائشة: أيُّ حديث؟ فأخبَرَتها، قالت: فسمعَه
أبو بكر؟ قالت: نعم، قالت: ورسول الله وَ ل﴿؟ قالت: نعم، فخَرَّت مَغشياً عليها.
وطريق الجمع بينَهما:/ أنَّها سمعَت ذلك أوَّلاً من أمّ مِسطَح، ثمَّ ذهبَت لبيت أمّها ٤٦٨/٨
التَستَيَقِنَ الخبر منها فأخبَرَتها أمّها بالأمرِ مُجُمَلاً كما مضى من قولها: ((هَوِّني عليك)) وما أشبهَ
ذلك، ثمَّ دَخَلَت عليها الأنصاريَّة فأخبَرَتها بمِثلِ ذلك بحَضْرة أمّها، فقَوِيَ عندَها القطعُ
بوقوع ذلك، فسألَت: هل سمعَه أبوها وزوجها؟ تَرَجّياً منها أن لا يكونا سمعا ذلك
فيكونَ أسهَلَ عليها، فلمَّا قالت لها: إنَّهما سمعاه، غُشِيَ عليها. ولم أقِفْ على اسم هذه المرأة
الأنصاريَّة ولا على اسم ولدها.
قوله: ((فَدَعَا رسول الله وََّ عليّاً)) هذا ظاهره أنَّ السُّؤال وَقَعَ بعدَمَا عَلِمَت بالِقِصّة،
لأَنَّهَا عَقَّبَت بُكاءَها تلك اللَّيلةَ بهذا، ثمَّ عَقَّبَت هذا بالخُطبة، ورواية هشام بن عُرْوة تُشعِر
بأنَّ السُّؤال والخُطبة وَقَعَا قبلَ أن تَعلَمَ عائشة بالأمرِ، فإنَّ في أوَّل رواية هشام عن أبيه عن
عائشة: لمَّا ذُكِرَ من شأني الذي ذُكِرَ وما علمتُ به، قامَ رسول الله وَّل خطيباً ... فذكر
قِصّة الْخُطبة الآتية، ويُمكِن الجمعُ بأنَّ الفاء في قوله: «فدَعَا» عاطفة على شيء محذوف تقديره:
وكان رسول الله وَ ﴿ قبلَ ذلك قد سمعَ ما قيل فدَعَا عليّاً.
(١) أي: برِعْدة شديدة كأنها نَفَضَتها، أي: حرَّكَتها، والنافض: الرِّعدة. ((اللسان)) (نفض).

٤٨
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عليّ بن أبي طالب وأسامةَ بن زيد)) في حديث ابن عمر: وكان إذا أراد أن يَستَشير
أحداً في أمر أهله لم يَعْدُ عليّاً وأُسامة؛ لكن وَقَعَ في رواية الحسن العُرَنيّ عن ابن عبَّاس عندَ
الطبرانيِّ (١٦٢/٢٣): أَنَّ وَّهِ استَشارَ زيد بن ثابت فقال: دَعْها فلعلَّ الله يُحدِثُ لك فيها
أمراً؛ وأظنّ في قوله: ((ابن ثابت)) تغيير، وأنَّه كان في الأصل ((ابن حارثة))، وفي رواية
الواقديٍّ: أنَّه سألَ أمّ أيمَنَ فَبَرَّأتها؛ وأُمّ أيمَن هي والدة أُسامة بن زيد، وسيأتي أنَّه سألَ
زينب بنت جَحْش أيضاً.
قوله: ((حينَ استَلْبَثَ الوَحْيُّ)) بالرَّفع، أي: طالَ لَبثُ نزوله، وبالنَّصب، أي: استَبِطَأً
النبيُّ ◌َّټ نزوله.
قوله: ((في فِراق أهله)) عَدَلَت عن قولها: في فِراقي، إلى قولها: فِراق أهله، لكَراهَتِها
التَّصريح بإضافة الفِراق إليها.
قوله: ((أهلُك)) بالرَّفع، فإنَّ في رواية مَعمَر: ((هم أهلُك))(١)، ولو لم تقع هذه الرِّواية لجَازَ
النَّصب، أي: أمسِك أهلَك، ومعنى ((هم أهلك)) أي: العَفِيفة اللّائقة بك، ويحتمل أن
يكون قال ذلك مُتبرِّئاً من المَشُورة ووَكَلَ الأمر إلى رأي النبيّ ◌َّهِ، ثمَّ لم يَكتَفِ بذلك
حتَّى أخبر بما عندَه فقال: ((ولا نَعلمُ إلّا خيراً))، وإطلاق الأهل على الزَّوجة شائع. قال ابن
التِّين: أطلق عليها أهلاً، وذكرها بصيغة الجمع حيثُ قال: ((هم أهلُك))، إشارةً إلى تعميم
الأزواج بالوصفِ المذكور. انتهى، ويُحتمل أن يكون جَمَعَ لإرادة تعظيمها.
قوله: ((وأمَّا عليّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يُضَيِّ الله عليك، والنِّساءُ سواها
كَثِيرٌ)) كذا للجميع بصيغة التَّذكير كأنَّه أراد الجِنس، معَ أنَّ لفظ ((فَعِيل)) يَشتَرِك فيه المذكَّر
والمؤنَّث إفراداً وجمعاً. وفي رواية الواقديِّ: قد أحَلَّ الله لك وأطابَ، طَلِّقها وانكِحْ غِيرَها؛
وهذا الكلام الذي قاله عليٌّ حَلَه عليه ترجيحُ جانب النبيّ وَّ لمَا رأى عندَه من القَلَق
والغَمّ بسبب القول الذي قيلَ، وكان ◌َّ شديد الغَيْرة، فرأى عليٌّ أنَّه إذا فارَقَها سَكَنَ ما
(١) عند مسلم (٢٧٧٠) (٥٦).

٤٩
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
عندَه من القَلَق بسببها إلى أن تَتَحقَّقَ براءَتُها فيُمكِنُ رَجْعَتُها، ويُستَفاد منه ارتكابُ أَخَفّ
الضَّرَرَينِ لذهاب أشدّهما.
وقال النَّوَويّ: رأى عليٌّ أنَّ ذلك هو المصلحة في حَقّ النبيّ وَّةِ، واعتَقَدَ ذلك لمَا رأى
من انزِعاجه، فَبَذَلَ جَهْدَه في النَّصيحة لإرادة راحة خاطِرِه وَّ.
وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: لم يَجِزِم عليٌّ بالإشارة بفِراقها، لأنَّه عَقَّبَ ذلك
بقوله: ((وسَلِ الجارية تَصدُفْك)) فَفَوَّضَ الأمر في ذلك إلى نظر النبيّ ◌َِّ، فكأنَّه قال: إن
أردتَ تعجيل الرَّاحة ففارقْها، وإن أردت خِلاف ذلك فابحَث عن حقيقة الأمر إلى أن
تَطَّلِعَ على براءَتها، لأنَّه كان يَتَحقَّق أنَّ بَرِيرةَ لا تخبره إلّا بما عَلِمَته، وهي لم تعلمْ من عائشة
إلّا البراءة المَحْضة.
والعِّة في اختصاص عليٍّ وأُسامة بالمشاوَرة أنَّ عليّاً كان عندَه كالولدِ، لأنَّه رَبّاه من
حال صِغَرَه ثمَّ لم يُفارِقه، بل وازدادَ اتِّصاله بتزويج فاطمة، فلذلك كان مخصوصاً
بالمشاوَرة فيما يَتَعلَّق بأهلِه لمَزيدِ اطِّلاعه على أحواله أكثر من غيره، وكان أهلُ مَشُورته / ٤٦٩/٨
فيما يَتَعلَّق بالأُمورِ العامّة أكابرَ الصَّحابة كأبي بكر وعمر، وأمَّا أسامة فهو كعليٍّ في طول
الملازمة ومَزِيد الاختصاص والمحبّة، ولذلك كانوا يُطلِقُونَ عليه أنَّه حِبُّ رسول الله وَِّ،
وخَصَّه دونَ أبيه وأُمّه لكَوْنِه كان شاباً كعليٍّ، وإن كان عليّ أسَنَّ منه، وذلك أنَّ للشّابِّ من
صَفاء الذِّهن ما ليس لغيرِه، ولأنَّه أكثرُ جُرأةً على الجواب بما يَظْهَرُ له من المسِنّ، لأنَّ المسِنّ
غالباً يَحسُبُ العاقبةَ، فرُبَّما أخفَى بعض ما يَظهَرُ له رِعايةً للقائلِ تارةً، والمسؤولِ عنه
أُخرى، معَ أنه وَرَدَ في بعض الأخبار أنَّه استشارَ غير هما.
تنبيه: وَقَعَ بسبب هذا الكلام من عليٍّ نِسبةُ عائشة إيّاه إلى الإساءة في شأنها، كما تقدَّم من
رواية الزُّهْريّ عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن وأبي سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن عن عائشة في المغازي
(٤١٤٢) وما راجَعَ به الوليد بن عبد الملك من ذلك، فأغنى عن إعادتِهِ، وقد وَضَحَ عُذْر
عليّ في ذلك.

٥٠
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقْك)) في رواية مِقسَمِ (١) عن عائشة: أرسِلْ إلى بَريرةَ خادِمَتها
فسَلْها، فعَسَى أن تكون قد اطَّلَعَت على شيء من أمرها.
قوله: ((فَدَعَا رسول الله وَيُّهَ بَرِيرةَ)) بفتح الموحَّدة وكسر الرَّاء، تقدَّم ضبطها في العِتق
(٢٥٦١)، في رواية مِقسَم: فأرسَلَ إلى بريرة فقال لها: ((أتشهَدينَ أنّ رسول الله؟)) قالت:
نعم، قال: ((فإنّ سائلُكِ عن شيء فلا تَكتُمينَه)) قالت: نعم، قال: ((هل رأيتٍ من عائشة ما
تَکرَهینَه؟» قالت: لا.
وقد قيل: إنَّ تسميتَها هنا وهمٌّ، لأنَّ قِصَّتها كانت بعدَ فتح مكَّة، كما سيأتي أنَّها لمَّا
خُيِّرَت فاختارَت نفسَها كان زوجها يبكي، فقال النبيّ وَّ للعبَّاس: ((يَا عِبَّاسُ، ألا
تَعجَب من حُبّ مُغيثٍ بَرِيرةَ؟)) الحديثَ، وسيأتي (٥٢٨٣).
ويُمكِن الجواب بأن تكون بَريرةُ كانت تَخْدُم عائشة وهي في رِقٌّ مَوَاليها، وأمَّا قِصَّتها
معها في مُكاتَبتها وغير ذلك فكان بعدَ ذلك بمُدّةٍ، أو أنَّ اسم هذه الجارية المذكورة في قِصّة
الإفك وافَقَ اسمَ بَريرة التي وَقَعَ لها التَّخيير، وجَزَمَ البدرُ الَّركَشُّ في ((ما استَدرَكَته عائشة
على الصَّحابة)): أنَّ تسمية هذه الجارية ببَرَيرةَ مُدرَجةٌ من بعض الزُّواة، وأنَّها جارية أُخرى،
وأخَذَه من ابن القَيِّم الحنبليّ فإنَّه قال: تسميتُها ببَريرةَ وهمٌّ من بعض الرُّواة، فإنَّ عائشة إنّما
اشتَرَت بَريرةَ بعدَ الفتحِ، ولمَّا كاتَبَتها عَقِبَ شرائها وعَتَقَتْ، خُيِّرَت فاختارَت نفسَها،
فظَنَّ الراوي أنَّ قول عليّ: ((وسَلِ الجارية تَصدُفْك)) أنَّهَا بريرة فغَلِطَ، قال: وهذا نوعٌ غامض
لا يَتَبَّه له إلّ الْخُذّاق. قلت: وقد أجابَ غيره بأنَّها كانت تَّخْدُم عائشة بالأُجرة وهي في رِقٌّ
مَوالِيها قبلَ وقوع قِصَّتها في المكاتَبة، وهذا أَولى من دَعوَى الإدراج وتغليط الحُفّاظ.
قوله: ((أيْ بَرِيرةُ، هل رأيتٍ من شيءٍ يَرِيبُك)) في رواية هشام بن عُرْوة: فانتَهَرَها بعض
أصحابه فقال: اصدُقي رسول الله وَ لِّ، وفي رواية أبي أوَيس(٢): أنَّ النبيّ وَّ قال لعليٍّ:
((شأنُك بالجارية)) فسَألها عليّ وتَوَعَّدَها فلم تُخبره إلّ بخيرٍ، ثمَّ ضَرَبَها وسألها فقالت: والله
(١) عند الطبراني ٢٣/ (١٥٢).
(٢) عند الطبراني ٢٣/ (١٥١) لكن ليس فيه أنه ضربها، فلعله عند أبي عوانة في ((صحيحه)).

٥١
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
ما علمتُ على عائشةَ سوءاً، وفي رواية ابن إسحاق: فقامَ إليها عليّ فضَرَبَها ضرباً شديداً
يقول: اصدُقي رسول الله ◌َ ﴿، ووَقَعَ في رواية هشام(١): ((حتَّى أسقَطُوا لها به)) يقال: أسقَطَ
الرجلُ في القول: إذا أتى بكلام ساقط، والضَّمير في قوله ((به)) للحديثِ أو الرجل الذي
التَّهَموها به، وحكى عِيَاض أنَّ في رواية ابن ماهانَ في مسلم: ((حتَّى أسقطوا لهاتَها)) بمُثنّةٍ
مفتوحة وزيادة ألِف بعدَ الهاء، قال: وهو تصحيف، لأنَّهم لو أسقطوا لهاتَها لم تستطع
الكلام، والواقع أنَّها تَكلَّمَت فقالت: سبحان الله .. إلى آخره، وفي رواية حمّاد بن سَلَمةَ عن
هشام بن عُرْوة عندَ الطبرانيّ (١٤٩/٢٣): فقال: ((لست عن هذا أسألك)) قالت: فعَمَّهْ؟
فلمَّا فَطِنَت قالت: سبحان الله! وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بقوله في الرّواية: ((حتَّى أسقَطوا لها
به)) حتَّى صَرَّحوا لها بالأمر، فلهذا تَعَجَّبَت. وقال ابن الجَوْزيّ: أسقَطُوا لها به، أي:
صَرَّحوا لها بالأمرِ، وقيل: جاؤوا في خِطابها بسَقَطٍ من القول.
ووَقَعَ في رواية الطَّبَرِيِّ/ (٩٢/١٨-٩٣) من طريق أبي أُسامة: قال عُرْوة: فعِيبَ ذلك على ٤٧٠/٨
مَن قالَه. وقال ابن بَطّال: يحتمل أن يكون من قولهم: سَقَطَ إليَّ الخبرُ: إذا عَلِمته، قال الشّاعر:
إذا هنَّ ساقَطْنَ الحديثَ وقُلْنَ لي(٢)
قال: فمعناه: ذَكَروا لها الحديث وشَرَحوه.
قوله: ((إن رأيتُ عليها أمراً)) أي: ما رأيت فيها ممَّا تسألونَ عنه شيئاً أصلاً، وأمَّا من غيره
ففيها ما ذكرتُ من غَلَبَة النَّومِ لِصِغَرِ سِنّها، ورُطوبة بَدَنها.
قوله: ((أغمِصُه)) بغَينِ مُعجَمة وصادٍ مُهمَلة، أي: أَعيبُه.
قوله: ((سِوَى أنَّها جارية حديثة السِّنّ تَنام عن عَجِين أهلها)) في رواية ابن إسحاق: ما
كنت أَعيب عليها إلّا أنّي كنت أعجِنُ عَجيني وآمرُها أن تَحْفَظَه فتَنَامَ عنه، وفي رواية مِقْسَمِ:
(١) ستأتي معلّقة برقم (٤٧٥٧).
(٢) أخطأ ابن بطّال في ((شرحه) ٤٥/٨ برواية الشعر، فجمع بين بيتين في واحدٍ: الأول لأبي حيّة النُّميري
وهو قوله: ((إذا هنَّ ساقَطْنَ الحديث كأنه ... سِقاط حصى المرجان من سلك ناظم))، والثاني لعمر بن أبي
ربيعة وهو قوله: ((فلما تنازعنَ الأحاديثَ وقلن لي ... أخِفتَ علينا أن نُغَرَّ ونُخدعا».

٥٢
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
ما رأيت منها مُذْ كنت عندَها إلّا أنّ عَجَنتُ عَجيناً لي، فقلت: احفظي هذه العَجينة حتَّى
أقتبسَ ناراً لأخبزَها، فغَفَلَت، فجاءت الشّاة فأكَلَتها؛ وهو يُفسِّر المراد بقوله في رواية
الباب: ((حتَّى تأتي الدَّاجِن)) وهي بدالٍ مُهمَلة ثمَّ جيم: الشّاة التي تألَفُ البيت ولا تَخْرُج
إلى المرعَى، وقيل: هي كلّ ما يألَفُ البيوت مُطلَقاً شاةً أو طَيراً.
قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): هذا من الاستثناء البديع الذي يُراد به المبالَغة في نفي
العَيب، فغَفْلتها عن عجينها أبعَدُ لها من مِثل الذي رُمَيَت به، وأقرَبُ إلى أن تكونَ من
الغافلات المؤمنات. وكذا في قولها في رواية هشام بن عُرْوة: ما عَلمتُ منها إلّا ما يَعلَمُ
الصّائغ على الذَّهَب الأحمر؛ أي: كما لا يعلم الصّائغ من الذَّهَب الأحمر إلّ الخُلوص من
العَيْب، فكذلك أنا لا أعلم منها إلّ الخُلوص من العَيب.
وفي رواية ابن حاطِب عن عَلْقمة: فقالت الجارية الحبشيَّة: والله لَعائشةُ أطيَبُ من
الذَّهَب، ولَئِن كانت صَنَعت ما قال الناس لَيُخبِرَنَّك الله، قالت: فَعَجِبَ الناس من
فِقهِها(١).
قوله: ((فقامَ رسول الله وَّ)) في رواية أبي أوَيس: ثمَّ خرج حينَ سمعَ من بَريرة ما
قالت، وفي رواية هشام بن عُرْوة: قامَ فينا خطيباً، فتَشَهَّدَ وَمِدَ الله وأثنَى عليه بما هو أهله
ثمَّ قال: أمَّا بعد، وزاد عطاء الخُراسانيّ عن الزّهْريّ هنا قبلَ قوله: ((فقامَ)): وكانت أمّ أيوبَ
الأنصاريَّة قالت لأبي أيوب: أمَا سمعتِ ما يَتَحَدَّث الناس؟ فحدَّثَتَه بقولِ أهل الإفك، فقال:
ما يكون لنا أن نَتَكلَّمَ بهذا، سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ(٢).
قلت: وسيأتي في الاعتصام (٧٣٧٠) من طريق يحيى بن أبي زكريًّا عن هشام بن عُرْوة
في قِصّة الإفك مختصرة، وفيه بعدَ قوله: ((وأرسَلَ معها الغلام)): وقال رجل من الأنصار:
ما يكون لنا أن نَتَكلَّم بهذا، سبحانَك؛ فيُستَفاد مَعرِفَته من رواية عطاء هذه. وروى
(١) عند الطبري ١٨ / ٩٣ -٩٤.
(٢) عند الطبراني ٢٣/ (١٤٠).

٥٣
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
الطبراني(١) من حديث ابن عمر قال: قال أُسامة: ما يَحِلُّ لنا أن نَتَكلَّمَ بهذا، ﴿سُبْحَتَكَ ... ﴾
الآيةَ [النور: ١٦]، لكنَّ أُسامة مُهاجِريّ، فإن ثَبَتَ حُمِلَ على التوارُد. وفي مُرسَل سعيد بن
جُبَيرِ: أنَّ سعد بن معاذ ممَّن قال ذلك. وروى الطََّرَيُّ (١٨/ ٩٥) أيضاً من طريق ابن
إسحاق: حدَّثني أَبي عن بعض رجال بني النَّجّار: أنَّ أبا أيوب قالت له أمّ أيوب: أما
تَسمَعُ ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بَلَى، وذلك الكَذِب، أكنتِ فاعلةً ذلك يا أمّ أيوب؟
قالت: لا والله، قال: فعائشةُ والله خير مِنك، قالت: فنزلَ القرآن ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الآية.
وللحاكمٍ من طريق أفلَحَ مولى أبي أيوب عن أبي أيوب نحوه، وله من طريق أُخرى قال:
قالت أمّ الطُّفَيل لأُبِيِّ بن كعب ... فذكر نحوه.
قوله: ((فاستَعْذَرَ من عبد الله بن أبيِّ)) أي: طلبَ مَن يَعذِرُه منه، أي: يُنصِفُهُ. قال
الخطّبيُّ: يحتمل أن يكون معناه: مَن يقوم بعُذْره فيما رَمَى أهلي به من المكروه، ومَن يقوم
بِعُذري إذا عاقَتُه على سوء ما صَدَرَ منه؟ ورَجَّحَ النَّوَويّ هذا الثّاني، وقيل: معنى ((مَن
يَعْذِرُني)): مَن يَنصُرُني؟ والعَذِيرُ(٢): الناصر. وقيل: المراد: مَن يَنتَقِم لي منه؟ وهو كالذي
قبلَه، ويُؤيِّده قول سعد: أنا أعذِرُك منه.
قوله: (بَلَغَنِي أذاهُ في أهل بيتي)) في رواية هشام بن عُرْوة: ((أَشيروا عليَّ في أُناس أبَنُوا
أهلي))، وهو بفتح الموحّدة الخفيفة والنُّون المضمومة، وحكى عِيَاض أنَّ في رواية الأَصِيلِيِّ
بتشديد/ الموحَّدة، وهي لغة، ومعناه: عابُوا أهلي أو التَّهَموا أهلي، وهو المعتمد، لأنَّ الأَبَن ٤٧١/٨
بفتحَتَينِ: التُّهمة.
وقال ابن الجَوْزيّ: المراد: رَمَوْا بالقبيح، ومنه الحديث الذي في الشَّمائل في ذِكْر مَجَلِسه ◌َله.
لا تُؤْبَن فيه الحُرَم(٣).
(١) في الأصلين و(س): الطبري، وهو خطأ، والصواب: الطبراني، فهو في ((معجمه الكبير)) ٢٣/ (١٦٤)
و(٢٠٢)، والطبري لم يخرج حديث ابن عمر.
(٢) تحرف في (س) إلى: العزيز.
(٣) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٣٢٩) ضمن حديث هند بن أبي هالة الطويل في وصف النبي ◌َّ}،
وسنده ضعيف.

٥٤
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وحكى عِيَاض أنَّ في رواية عَبْدوس بتقديم النُّون الثَّقيلة على الموحّدة، قال: وهو
تصحيف، لأنَّ التَّأنيب هو اللَّومِ الشَّديد، ولا معنى له هنا، انتهى.
قال النَّوَويّ: وقد يُوَجَّه بأنَّ المراد: لامُوهم أشدَّ اللَّوم فيما زَعَموا أنَّهم صَنَعوه وهم لم
يصنعوا شيئاً من ذلك، لكنَّه بعيدٌ من صورة الحال، والأوَّل هو المعتمَد، قال النَّوَويّ:
التَّخفيف أشهر. وفي رواية ابن إسحاق: ((ما بالُ أُناس يُؤذوني في أهلي»، وفي رواية ابن
حاطِب: ((مَن يَعِذِرني فيمَن يُؤذيني في أهلي، ويجمع في بيته مَن يُؤذيني))، ووَقَعَ في رواية
الغَسّانيّ(١) المذكورة: ((في قوم يَسُبّونَ أهلي)) وزاد فيه: ((ما علمتُ عليهم من سوء قَطُّ).
قوله: ((ولقد ذَكَروا رجلاً)) زاد الطبراني (٢٣/ ١٤٠) في روايته: ((صالحاً))، وزاد أبو
أوَيس (٢٣/ ١٥١) في روايته: وكان صفوان بن المعَطَّل قَعَدَ لحسَّان فضَرَبَه ضربة بالسَّيفِ
وهو يقول:
تَلَقَّ ذُبابَ السَّيف مِنِّي فإِنَّني غلامٌ إذا هُوجِيتُ لستُ بشاعرٍ
فصاحَ حسَّان، فَفَرَّ صفوان، فاستَوهَبَ النبيُّ وََّ من حسَّان ضربةً صفوان فوَهَبَها له.
قوله: ((فقامَ سعد بن معاذ الأنصاريّ)) كذا هنا، وفي رواية مَعمَر وأكثر أصحاب الزُّهْريّ،
ووَقَعَ في رواية صالح بن كَيْسانَ: فقامَ سعد أخو بني عبد الأشهَل(٢)، وفي رواية فُلَيَحِ: ((فقامَ
سعد)) ولم يَنسُبه، وقد تَعيَّنَ أنَّه سعد بن معاذ لمَا وَقَعَ في رواية الباب وغيره.
وأمَّا قول شيخ شيوخنا القُطْب الحَلَبيّ: وَقَعَ في نُسخة سماعنا: فقامَ سعد بن معاذ، وفي
موضع آخر: فقامَ سعد أخو بني عبد الأشهَل، فيحتمل أن يكون آخرَ غير سعد بن معاذ،
فإنَّ في بني عبد الأشهَل جماعة من الصَّحابة يُسمَّى كلّ منهم سعداً، منهم سعد بن زيد
الأشهَليّ، شَهِدَ بدراً وكان على سَبايا قُرَيظةَ الذينَ بِيعوا بنَجِدٍ، وله ذِكْر في عِدّة أخبار منها
في خُطبة النبيّ وَ ل ◌ّ في مرض وفاته، قال: فيحتمل أن يكون هو المتكلِّم في قِصّة الإفك.
(١) يريد: يحيى بن أبي زكريا الغسّاني، وستأتي روايته في الاعتصام برقم (٧٣٧٠).
(٢) عند النسائي في ((الكبرى)) (٨٨٨٢) لكن بلفظ: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل.

٥٥
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
قلت: وحَمَلَه على ذلك ما حكاه عیاض وغيره من الإشكال في ذِكْر سعد بن معاذ في
هذه القِصّة، والذي جَوَّزَه مردود بالتَّصريح بسَعدِ بن معاذ في هذه الرّواية الثابتة(١)، فأذكُرُ
کلام عِیَاض وما تيسر من الجواب عنه.
قال عِيَاض: في ذِكْر سعد بن معاذ في هذا الحديث إشكال لم يتكلّم الناس عليه ونَبَّهَنا
عليه بعضُ شيوخنا، وذلك أنَّ الإفك كان في المُرَيسيع وكانت سنة ستّ فيما ذكر ابن
إسحاق، وسعدُ بن معاذ ماتَ من الرَّمية التي رُمِّيَها بالخندقِ فَدَعَا اللهَ، فأبقاه حتَّى حَكَمَ
في بني قُرَيظةَ ثمَّ انفَجَرَ جُرحُه فماتَ منها، وكان ذلك سنة أربع عندَ الجميع إلّا ما زَعَمَ
الواقديُّ أنَّ ذلك كان سنة خمس، قال: وعلى كلّ تقدير فلا يَصِحُّ ذِكْر سعد بن معاذ في هذه
القِصّة، والأشبَه أنَّه غيره، ولهذا لم يَذكُرُه ابن إسحاق في روايته، وجَعَلَ المراجَعة أوَّلاً
وثانياً بينَ أُسَيدِ بن حُضَيرٍ وبينَ سعد بن عُبَادة، قال: وقال لي بعض شيوخنا: يَصِحّ أن
يكون سعد موجوداً في المُرَيسيع بناءً على الاختلاف في تاريخ غزوة المُرَیسیع، وقد
حكى البخاريّ عن موسى بن عُقْبةَ أنَّها كانت سنة أربع، وكذلك الخندق كانت سنة أربع،
فيَصِحّ أن تكون المُرَيسيعِ قبلَها، لأنَّ ابن إسحاق جَزَمَ بأنَّ المُرَيسيع كانت في شعبان
وأنَّ الخندق كانت في شوّال، فإن كانا من سنة واحدة، استَقامَ أن تكون المُرَيسيع قبلَ
الخندق، فلا يَمتَنِعُ أن یَشهَدَها سعد بن معاذ، انتھی.
وقد قَدَّمنا في المغازي (٤١٣٨) أنَّ الصَّحيح في النََّل عن موسى بن عُقْبَةَ: أنَّ
المُرَيسيع كانت سنة خمس، وأنَّ الذي نَقَلَه عنه البخاريّ من أنَّها سنة أربع سبقُ فَلَمٍ، نعم،
والرَّاجح أنَّ الخندق أيضاً كانت في سنة خمس خِلافاً لابن إسحاق، فيَصِحّ الجواب
المذكور، ومَمَّن جَزَمَ بأنَّ المُرَيسيع سنة / خمس الطََّريّ، لكن يُعكِّر على هذا شيء لم يَتعرَّضوا ٤٧٢/٨
له أصلاً، وذلك أنَّ ابن عمر ذكر أنَّه كان معهم في غزوة بني المصطَلِقِ - وهو المُرَيسيع -
كما تقدَّم من حديثه في المغازي، وثَبَتَ في ((الصحيحين))(٢) أيضاً أنَّه عُرِضَ في يوم أُحُد فلم
(١) في الأصلين و(س): الرواية الثالثة، وهو خطأ، والوجه ما أثبتناه.
(٢) البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨).

٥٦
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
يُحِزْه النبيّ وَّهِ، وعُرِضَ في الخندق فأجازَه، فإذا كان أوَّل مَشاهدِه الخندق، وقد ثَبَتَ أنَّه
شَهِدَ المُرَيسيع، لَزِمَ أن تكون المُرَيسيع بعدَ الخندق فيعود الإشكال.
ويُمكِن الجواب بأنَّه لا يَلزَمُ من كَوْن ابن عمر كان معهم في غزوة بني المصطَلِقِ أن
يكون أُجيزَ في القتال، فقد يكون صَحِبَ أباه ولم يُباشِر القتال، كما ثَبَتَ عن جابر: أنَّه كان
يَمتَح الماء لأصحابه يومَ بدر(١)، وهو لم يَشْهَدْ بدراً باتِّفاقٍ.
وقد سَلَكَ البيهقيُّ في أصل الإشكال جواباً آخر بناءً على أنَّ الخندق قبلَ المُرَيسيع فقال:
يجوز أن يكون جرحُ سعد بن معاذ لم يَنفَجِرْ عَقِبَ الفَراغِ من بني قُرَيظَةَ، بل تأخّرَ زماناً ثمّ
انفَجَرَ بعدَ ذلك، وتكون مُراجَعَته في قِصّة الإفك في أثناء ذلك، ولعلَّه لم يَشهَد غزوة المُرَيسيع
لمرضِه، وليس ذلك مانعاً له أن يُحِيبَ النبيَّي ◌َّه في قِصّة الإفك بما أجابَه.
وأمَّا دَعوَى عِيَاض: أنَّ الذينَ تقدَّموا لم يتكلَّموا على الإشكال المذكور، فما أدري مَن
الذينَ عَناهم، فقد تَعرَّضَ له من القُدَماء إسماعيل القاضي فقال: الأولى أن تكون
المُرَيسيع قبلَ الخندق للحديثِ الصَّحيح عن عائشة، واستَشكَلَه ابن حَزْم لاعتقادِهِ أنَّ
الخندق قبلَ المُرَيسيع، وتَعرَّضَ له ابن عبد البَرّ فقال: روايةٌ مَن روى أنَّ سعد بن معاذ
راجَعَ في قِصّة الإفك سعدَ بن عُبَادة وهمٌّ وخطأ، وإنَّما راجَعَ سعدُ بن عُبَادة أُسَيدَ بن
حُضَيرٍ كما ذكره ابن إسحاق، وهو الصَّحيح، فإنَّ سعد بن معاذ ماتَ في مُنصَرَفِهم من
غزوة بني قُرَيظةَ لا يختلفونَ في ذلك، فلم يُدرِك المُرَيسيعَ ولا حَضَرَها. وبالَغَ ابن العربيّ
على عادَتِه فقال: اتَّفَقَ الرُّواة على أنَّ ذِكْر سعد بن معاذ في قِصّة الإفك وهمٌّ، وتَبِعَه على
هذا الإطلاق القُرطُبيّ.
قوله: ((أنا أعذِرُك منه)) في رواية فُلَيح فقال: أنا والله أعذِرك منه، ووَقَعَ في رواية مَعمَر:
أعذِرُك منه، بحذفِ المبتَدَأ (٢).
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٦٥/٣.
(٢) كذا هو عند النسائي في ((الكبرى)) (١١٢٩٦)، أما عند مسلم (٢٧٧٠) (٥٦) والطبري ٨٨/١٨-٩١ فمثل
رواية المصنف: أنا أعذرك منه. وأما رواية أحمد (٢٥٦٢٣) والطبراني ٢٣/ (١٣٣) فلفظها: لقد أعذرك منه.

٥٧
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
قوله: ((إن كان من الأوس)) يعني: قبيلة سعد بن معاذ.
قوله: ((ضَرَبْنا عُنُقَه)) في رواية صالح بن كَيْسانَ: ((ضَرَبتُ)) بضمِّ المثنّاة(١)، وإنَّما قال
ذلك لأنَّه كان سيِّدهم، فجَزَمَ بأنَّ حُكمَه فیهم نافذ.
قوله: ((وإن كان مِن إخْواننا مِن الخَزْرَجِ)) ((مِن)) الأُولى تبعيضيَّة، والأُخرى بيانيّة، ولهذا
سَقَطَت من رواية فُلَيح.
قوله: ((أمَرْتنا ففَعَلْنا أمرَك)» في رواية ابن جُرَيج: أتيناك به ففَعَلنا فيه أمرَك (٢).
قوله: ((فقامَ سعد بن عُبَادَةَ وهو سَيِّد الخَزْرَج)) في رواية صالح بن كَيْسانَ: فقام رجل
من الخَزْرَج، وكانت أمّ حسَّان بن ثابت بنتَ عَمّه من فَخِذه، وهو سعد بن عُبَادة، وهو
سَيِّد اخررج، انتھی.
وأُمّ حسَّان: اسمها الفُرَيعة بنت خالد بن خُنَيس بن لَوْذان بن عبدٍ وُدِّ بن زيد بن
ثَعْلبة، وقوله: ((من فخذه)) بعدَ قوله: ((بنت عَمّه)) إشارة إلى أنَّها ليست بنت عَمّه لَحّاً، لأنَّ
سعد بن عُبَادة يجتمع معها في ثَعْلبة، وقد تقدَّم سياق نَسَبه في المناقب (٣٨٠٧).
قوله: ((وكان قبلَ ذلك رجلاً صالحاً) أي: كاملَ الصَّلاح، في رواية الواقديِّ: وكان
صالحاً لكنَّ الغضب بَلَغَ منه، ومع ذلك لم تَغْمَصْ عليه في دينِهِ.
قوله: ((ولكن احتَمَلَتْه الحَميَّة)) كذا للأكثر: ((احتَمَلَته)) بمُهمَلةٍ ثمَّ مُثنّة ثمَّ ميم، أي:
أغضَبَته، وفي رواية مَعمَر عندَ مسلم (٥٦/٢٧٧٠)، وكذا يحيى بن سعيد عندَ الطبرانيِّ
(٢٣/ ١٤٢): ((اجتَهَلَته)) بجيمٍ ثمَّ مُثنّاة ثمَّ هاء، وصَوَّبَها الوَقْشِيّ، أي: حَمَلَته على الجهل.
قوله: ((فقال لسعدٍ)) أي: ابن معاذ ((كَذَبتَ لَعَمْرُ الله، لا تَقْتُلُه)) العَمْر بفتح العين المهمَلة: هو
البَقَاء، وهو العُمر بضمِّها، لكن لا يُستَعمَل في القَسَم إلّا بالفتح.
(١) عند النسائي (٨٨٨٢).
(٢) عند الطبراني ٢٣/ (١٣٨) ولفظها: ((أتيناك به مُوثقاً)، وليس فيه: ((ففعلنا فيه أمرك))، لكن سبق أن عزاه
الحافظ أيضاً من هذا الطريق في أول شرح الحديث إلى ((صحيح أبي عوانة))، فلعلَّه فيه، إذ لم نقف عليه في
المطبوع منه.

٥٨
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (ولا تَقْدِر على قَتْله، ولو كان من رَهْطك ما أحْبَبتَ أن يُقتَل)) فَسَّرَ قولَه: ((لا تَقتُّله))
بقوله: ((ولا تَقدِر على قتله)) إشارة إلى أنَّ قومه يَمنَعونَه من قتله، وأمَّا قوله: ((ولو كان من
٤٧٣/٨ رَهْطك)) فهو من تفسير قوله: / ((كَذَبتَ)) أي: في قولك: إن كان من الأوس ضَرَبتُ عُنُقُه،
فَنَسَبَه إلى الكَذِب في هذه الدَّعوَى وأنَّه جَزَمَ بأنه يَقتُله إن كان من رَهْطه مُطلَقاً، وأنَّه إن
كان من غير رهطه إن أُمِرَ بقتلِهِ قَتَله وإلّا فلا، فكأنَّه قال له: بل الذي تَعتقِده على العكس
مَا نَطَقتَ به، وأَنَّه لو كان من رَهْطك ما أحبَبتَ أن يُقتَل، ولكنَّه من غير رهطك فأنتَ تُحِبّ أن
يُقْتَل، وهذا بحَسَب ما ظَهَرَ له في تلك الحالة.
ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُودِيِّ أنَّ معنى قوله: ((كَذَبتَ لا تَقتُله)): أنَّ النبيّ ◌َّ لا يجعل
حُكمَه إليك، فلذلك لا تَقدِرُ على قتله.
وهو حملٌ جَيِّد، وقد بيَّنَتِ الرِّوايات الأُخرى السَّبَب الحامل لسعدِ بن عُبَادة على ما قال،
ففي رواية ابن إسحاق: فقال سعد بن عُبَادة: ما قلتَ هذه المقالة إلّا أنَّك عَلمتَ أنَّه من
الخَزْرَج، وفي رواية ابن حاطِب: فقال سعد بن عُبَادة: يا ابنَ معاذ، والله ما بك نُصْرة
رسول الله وَل﴾، ولكنَّها قد كانت بينَنَا ضَغائنُ في الجاهليَّة وإحَنٌّ لم تُحلَلْ لنا من صُدوركم،
فقال ابن معاذ: الله أعلم بما أردتُ، وفي حديث ابن عمر: إنَّما طلبتَ به ذُحُول(١) الجاهليَّة.
قال ابن التِّين: قول ابن معاذ: ((إن كان من الأوس ضَرَبتُ عُنُقُه)) إنَّما قال ذلك لأنَّ
الأوس قومه وهم بنو النَّجّار، ولم يَقُل ذلك في الخَزْرَج لمَا كان بينَ الأوس والخَزْرَج من
التَّشاحُن قبلَ الإسلام ثمَّ زالَ بالإسلام، وبَقيَ بعضه بحُكمِ الأَنَفة. قال: فَتَكلَّمَ سعد بن
عُبَادة بحُكمِ الأنَفة، ونَفَى أن يَحكم فيهم سعدُ بن معاذ وهو من الأوس. قال: ولم يُرِدْ
سعد بن عُبَادة الرِّضا بما نُقِلَ عن عبد الله بن أُبيِّ، وإنَّما معنى قول عائشة: ((وكان قبلَ ذلك
رجلاً صالحاً) أي: لم يَتقدَّم منه ما يَتَعلَّق بالوقوفِ مع أنَفة الحَميَّة، ولم تُرِدْ أنَّه ناضَلَ عن
المنافقينَ.
(١) تصحفت في (أ) و(س) إلى: دخول، والذُّحول جمع ذَحْل: وهو الثَّأر والحِقد.

٥٩
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
كتاب التفسير
وهو كما قال، إلّا أنَّ دَعْواه أنَّ بني النَّجّار قوم سعد بن معاذ خطأ، وإنَّما هم من رَهْط
سعد بن عُبادة، ولم يَجرِ لهم في هذه القِصّة ◌ِكْر.
وقد تأوَّلَ بعضهم ما دارَ بينَ السَّعدَينِ بتأويلٍ بعيد فارتَكَبَ شَطَطاً، فَزَعَمَ أنَّ قول
سعد بن عُبَادة: ((لا تَقتُله ولا تَقدِر على قتله)) أي: إن كان من الأوس، واستدلَّ على ذلك
بأنَّ ابن معاذ لم يَقُل في الْخَزْرَجيّ: ضَرَبْنا عُنُقُه، وإنَّما قال ذلك في الأوسيّ، فدَلَّ على أنَّ ابن
عُبَادة لم يَقُل ذلك حَمِيَّةً لقومِه، إذ لو كان حَمَيَّة لم يوَجِّهها لرهطٍ غيره، قال: وسبب قوله
ذلك أنَّ الذي خاضَ في الإفك كان يُظهِر الإسلام، ولم يكن النبيّ ◌َّه يَقْتُل مَن يُظهِرُ
الإسلام، وأراد أنَّ بَقيَّة قومِه يَمنَعونَه منه إذا أراد قتله، إذا لم يَصدُر من النبيّ وَّ أمرٌ
بقتله، فكأنَّه قال: لا تَقُل ما لا تفعل، ولا تَعِدْ بما لا تَقدِر على الوَفاء به. ثمَّ أجابَ عن قول
عائشة: ((احتَمَلَته الحَميَّة)) بأنَّها كانت حينئذٍ مُنزَعِجةَ الخَاطِرِ لمَا دَهَمَها من الأمر، فقد يقعُ
في فَهمِها ما يكون غيره(١) أرجَحَ منه، وعن قول أُسَيدِ بن حُضَيرِ الآتي بأنَّه حَمَلَ قول ابن
عُبَادة على ظاهر لفظه، وخَفِيَ عليه أنَّ له محمَلاً سائغاً، انتهى.
ولا يخفى ما فيه من التَّعَسُّف من غير حاجة إلى ذلك، وقوله: إنَّ عائشة قالت ذلك
وهي مُنزَعِجة الخاطِرِ، مردود، لأنَّ ذلك إنَّما يَتِمّ لو كانت حدَّثت بذلك عندَ وقوع الفِتْنة،
والواقع أنَّهَا إِنَّما حدَّثت بها بعدَ دَهرٍ طويل، حتَّى سمعَ ذلك منها عُرْوةُ وغيره من التابعينَ
كما قَدَّمتُ الإشارة إليه، وحينئذٍ كان ذلك الانزعاج زالَ وانقَضَى، والحقُّ أنَّهَا فَهِمَت ذلك
عندَ وقوعه بقرائنِ الحال.
وأمَّا قوله: ((لا تَقدِرُ على قتله)) معَ أنَّ سعد بن معاذ لم يَقُل بقتله كما قال في حَقّ مَن
يكون من الأوس، فإنَّ سعد بن عُبَادة فَهِمَ أنَّ قول ابن معاذ: ((أمَرتَنا بأمرٍك)) أي: إن أمَرتنا
بأمرِك، أي: أمَرتَنا بقتله قتلناه، وإن أمَرتَ قومه بقتله قتلوه، فنَفَى سعد بن عُبَادة قُدْرة
سعد بن معاذ على قتله إن كان من الخَزْرَج، لعِلمِه أنَّ النبيّ ◌َِّ لا يأمرُ غير قومه بقتله،
(١) لفظ (غیرہ)»، من (ع) وحدها.

٦٠
سورة النور/ ح ٤٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
فكأنَّه أيْأْسَه من مُباشَرة قتله، وذلك بحُكمِ الحَميَّة التي أشارت إليها عائشة، ولا يَلْزَم من
ذلك ما فهمَه المذكور أنَّه يَرُدّ أمرَ النبيّ ◌َّ بقتله ولا يَمتَئِله، حاشا لسَعدٍ من ذلك.
وقد اعتَذَرَ المازَرِيُّ عن قول أُسَيدِ بن حُضَيرِ لسَعدِ بنِ عُبَادة: ((إنَّك مُنافق)) أنَّ ذلك
٤٧٤/٨ وَقَعَ/ منه على جهة الغَيْظ والحَنَق والمبالَغة في زَجْر سعد بن عُبَادة عن المجادلة عن ابن أُبيِّ
وغيره، ولم يُرِدِ النِّفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر، قال: ولعلَّه ◌َّهِ إِنَّمَا تَرَكَ الإنكار
عليه لذلك. وسأذكرُ ما في فوائد هذا الحديث في آخر شرحه زيادةً في هذا.
قوله: ((فقامَ أُسَيدُ بن حُضَيرٍ)) بالتَّصغير فيه وفي أبيه، وأبوه: بمُهمَلةٍ ثمَّ مُعجَمة تقدَّم
نَسَبُه في المناقب (٣٨٠٥).
قوله: ((وهو ابن عمّ سعد بن معاذ)) أي: من رَهْطه، ولم يكن ابنَ عَمّه لَحّاً، لأنَّه سعد بن
معاذ بن النُّعمان بن امرئٍ القيس بن زيد بن عبد الأشهَل، وأَسَيد بن حُضَير بن سِماك بن
عَتِيك بن امرئ القيس، إنَّما يجتمعانِ في امرئ القيس وهما في التعدُّد إليه سواء.
قوله: ((فقال لسعدِ بن عُبَادَةَ: كَذَبْت، لَعَمْرُ الله لَنَقْتُلَنَّه)) أي: ولو كان من الخَزَرَج إذا أمَرَنا
النبيُّ نَّ بذلك، وليست لكم قُدْرة على مَنِعِنا من ذلك.
قوله: ((فإنَّك مُنافق تُجادِل عن المنافقينَ)) أطلقَ أُسَيد ذلك مُبالَغةً في زَجْره عن القول
الذي قالَه، وأراد بقوله: فإنَّك مُنافق، أي: تَصنَعُ صَنِيعِ المنافقينَ، وفَشَّرَه بقوله: تُجَادِل عن
المنافقينَ، وقابَلَ قولَه لسَعدِ بن معاذ: كَذَبتَ لا تَقتُله، بقوله هو: كَذَبتَ لَنَقْتُلنَّه.
وقال المازَرِيُّ: إطلاق أُسَيدٍ لم يُرِدْ به نِفاق الكفر، وإنَّما أراد أنَّه كان يُظهِر الموَدّة
للأوسِ، ثمَّ ظَهَرَ منه في هذه القِصّة ضِدُّ ذلك فأشبَهَ حالَ المنافق، لأنَّ حقيقتَه إظهار شيء
وإخفاء غيره، ولعلَّ هذا هو السَّبَب في تَرْك إنكار النبيّ وَّ عليه.
قوله: ((فتَنَاوَرَ)) بمُثنّاةٍ ثمَّ مُثلَّئة: تَفَاعَلَ من الثّورة، والحيّان: بمُهمَلةٍ ثُمَّ تحتانيَّة تَثْنية
حَيٍّ، والحيّ كالقبيلة، أي: نَهضَ بعضُهم إلى بعض من الغضب. ووَقَعَ في حديث ابن عمر:
وقامَ سعدُ بن معاذ فسَلَّ سيفَه.