النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة الكهف / ح ٤٧٢٤
كتاب التفسير
قوله: ((﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾)) أي: لا يَعْقِلونَ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهدٍ، مثله.
١ - بابٌ
﴿ وَكَانَ آلْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلَا﴾ [الكهف: ٥٤]
٤٧٢٤- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، حدَّثنا أبي، عن
صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عليُّ بنُ حُسَينٍ، أنَّ حُسَينَ بنَ عليٍّ أخبَرَه، عن عليٍّ ◌َثُ:
أَنَّ رسولَ اللهِوَ طَرَقَه وفاطمةَ، / وقال: ((ألا تُصَلِّانِ)).
٤٠٨/٨
﴿رَحْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [٢٢]: لم يَستَبِنْ.
﴿قُرْطًا﴾ [٢٨]: نَدَماً.
﴿سُرَادِقُهَا﴾ [٢٩]: مِثلُ السُّرادِقِ والحُجْرةِ التي تُطِيفُ بالفَساطِيطِ.
﴿يُحَاوِرُهُ﴾ [٣٤ و٣٧]: منَ المحاوَرةِ.
﴿ لَّكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبٍِ﴾ [٣٨]: أي: لكن أنا هُوَ اللهُ رَبِّ، ثمَّ حَذَفَ الألفَ، وأدْغَمَ إحدَى
التّونَينِ فِي الأُخرَى.
﴿وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهْرًا ﴾ [٣٣]: يقول: بينهما.
( هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ﴾ [٤٤]: مَصْدَرُ ولِيَ الوَلِيُّ وَلاءً.
﴿عُقْبَا﴾ [٤٤]: عاقبةٌ وعُقْبَى وعُقْبٌ واحدٌ: وهي الآخِرة.
﴿قُبُلًا ﴾ [٥٥]: وقِبَلاً وقَبَلاً: استِثْنافاً.
﴿لِيُدْ حِضُواْ﴾ [٥٦]: لِيُزِيلوا، الدَّحَضُ: الزَّلَق.
قوله: (باب ﴿وَكَنَ آلْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾)) ذكر فيه حديث عليّ مختصراً، ولم يذكُر
مقصودَ الباب على عادتِه في الثَّعْميَّة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى في صلاة اللَّيل (١١٢٧)،
وفيه ذِكْر الآية المذكورة.
وقوله في آخره: ((ألا تُصَلّيانٍ)) زاد في نُسخة الصَّغَانيّ(١): وذكر الحديث والآية إلى قوله:
(١) في (أ): نسخة للصغاني.

٥٢٢
سورة الكهف / ح ٤٧٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
﴿أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا ﴾
قوله: (﴿رَبْمًا بِالْغَيْبِ﴾: لم يَسْتَبِن)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ هنا، وقد تقدَّم في أحاديث
الأنبياء(١).
ولِقَتَادة عندَ عبد الرَّزّاق: ﴿رَجْمَا يَالْغَيْبٍ﴾ قال: قَذْفاً بالظَّنِّ.
قوله: (﴿فُرُطًا﴾: نَدَماً)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (٢٣٦/١٥) من طريق داود بن أبي هِند في قوله:
﴿فُرُطًا﴾ قال: نَدامةٌ.
وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرُطًا﴾، أي: تَضييعاً وإسرافاً. وللطَّبَرِيِّ عن
مجاهد قال: ضَياعاً.
وعن السُّدّيِّ قال: إهلاكاً.
وعن ابن جُرَيج: نزلت في عُيَينةَ بن حِصْن بن حُذَيفة بن بدْر الفَزاريِّ قبلَ أن يُسلِم.
قوله: (﴿سُرَادِقُهَا﴾: مِثِلُ السُّرَّادِقِ والحُجْرة التي تُطِيفُ بالفَساطِيطِ)) هو قول أبي عبيدة،
لكنَّه تَصَرَّفَ فيه، قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ كَسُرادِقِ الفُسطاط، وهي
الحُجرة التي تُطِيفُ بالفُسطاطِ، قال الشّاعر(٢).
يا حَكَمَ بنَ المُنذِرِ بن الجارُودُ(٣) سُرادِقُ المجدِ عليكَ تَمدُوذْ
وروى الطَّبَرِيُّ من طريق ابن عبّاس بإسنادٍ مُنقَطِع قال: ﴿سُرَادِقُهَا﴾: حائط من نار.
قوله: ((﴿يُحَاوِرُهُ﴾: مِن المحاوَرة)) قال أبو عُبيدة: يُحاوِره، أي: يُكلِّمُه، مِن المحاورة،
أي: المراجَعَة.
قوله: ((﴿ لَّكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبِى﴾: أي: لكن أنا هو الله رَبِّي، ثمَّ حَذَفَ الألفَ وَأَدْغَمَ إحدَى
(١) بین یدي الحديث (٣٤٦٥).
(٢) في ((مجاز القرآن)) المطبوع: قال رُؤْبة. قلنا: هو ابن العَجَّاج، وفي ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة ٢/ ٦٧٤
أنه للكذاب الحزمازِي.
(٣) صدر البيت أثبتناه من (ع) وحدها.

٥٢٣
سورة الكهف / ح ٤٧٢٤
كتاب التفسير
النّونَينِ في الأُخرَى)) هو قول أبي عُبيدة. وقال الفَرّاء: تَرْك همزة(١) الألف من ((أنا)) كثير في
الكلام، ثمَّ أُدْغِمَت نون ((أنا)) في نون ((لكِن))، وأنشَدَ:
وتَرمُقُني بالطَّرْفِ، أي أنتَ مُذنِبٌ وتَقْلِينَي لكنَّ إِيّاكِ لا أَقْلِي
أي: لكن أنا إيّاكِ لا أقلي. قال: ومن العرب مَن يُشبع ألِف ((أنا))، فجاءت القراءة (٢) على
تلكَ اللُّغة.
قوله: ((﴿وَفَجَّرْنَا خِلَهُمَا نَهَرًا﴾: يقول: بينَهما)) ثَبَتَ لأبي ذرٍّ، وهو قول أبي عُبيدة. وقراءة
الجمهور بالتَّشديدِ، ويعقوب وعيسى بن عمر بالتَّخفيفِ.
قوله: «﴿ هُنَالِكَ الْوَلَيَّةُ﴾: مَصْدَر وليَ الوَلِيُّ وَلاءً)) كذا لأبي ذرِّ، وللباقينَ: مصدَرُ الوَليّ.
وهو أصوَب، وهو قول أبي عبيدة، قاله في تفسير سورة البقرة(٣). وقرأ الجمهور بفتح
الواو، والأخَوان (٤) بكسرها، وأنكَرَه أبو عَمْرو والأصمَعيّ، لأنَّ الذي بالكسرِ: الإمارةُ،
ولا معنى له هُنا. وقال غيرهما: الكسر لغةٌ بمعنى الفتح، كالدّلالة، بفتح دالها وكسرها
بمعنَی.
تنبيه: يأتي قوله: ﴿وَخَيْرُ عُقْبًا﴾ في الدَّعَوات(٥).
قوله: ﴿قُبْلاً﴾ وقِبَلاً وَقَبَلاً(٦): استِثْنافاً)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ﴾،
أي: أوَّلاً، فإن فتَحوا أوَّلها فالمعنى استئنافاً. وغَفَلَ ابن التِّين فقال: لا أعرفُ للاستئناف هنا
(١) لفظة ((همزة)) سقطت من (س).
(٢) يعني بإثبات الألف وصلاً، وهي قراءة أبي جعفر وابن عامر ويعقوب الحضرمي في رواية رُوَيسٍ عنه.
انظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري ٣١١/٢.
(٣) بل في تفسير هذه السورة، وتمام كلامه: مصدر الوليّ، فإذا كسرتَ الواو فهو مصدر وليت العمل والأمر تَليه.
(٤) هما حمزة والكسائي.
(٥) لم نقف للحافظ على كلام على هذا الحرف في كتاب الدعوات، فالله تعالى أعلم.
(٦) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر بضم القاف والباء، وقرأ الباقون بكسر القاف وفتح الباء. انظر:
((النشر)) لابن الجزري ٣١١/٢.

٥٢٤
سورة الكهف / ح ٤٧٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
معنَى، وإنَّما هو استقبالاً، وهو يعود على قَبَلاً بفتح القاف. انتهى، والمؤتَنِف قريب من
المقبل، فلا معنى لإعادة تعبيره(١).
قوله: ((﴿لِيُدْحِضُواْ﴾: لِيُزيلُوا، الدَّحَضُ: الزَّلَقَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: / ﴿لِيُدْ حِضُواْ بِهِ
٤٠٩/٨
اٌلْحَقَّ﴾: أي: ليُزيلوا، يقال: مكانٌ دَحَضٌ، أي: مُزِلٌّ مُزِلِقٌ لا يَتْبُتُ فيه خُفٍّ ولا حافِرٌ.
٢- بابٌ
﴿ وَإِذْ قَالَـ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ﴾ [الكهف: ٦٠]: زماناً، وجمعُه: أحقابٌ
٤٧٢٥- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حذَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرو بنُ دِينارٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ
جُبَيٍ، قال: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: إنَّ نَوْفاً الِكالِيَّ يَزِعُمُ أنَّ موسى صاحبَ الخَضِرِ ليس هو
موسى صاحبَ بني إسرائيلَ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: كَذَبَ عدوُّ الله، حدَّثني أُبيُّ بنُ كعبٍ، أَنَّه
سمعَ رسولَ اللهَ وَله يقول: ((إنَّ موسى قامَ خَطِيباً في بني إسرائيلَ، فسُئِلَ: أيُّ الناسِ أعلمُ؟
فقال: أنا، فعَتَبَ اللهُ عليه، إذ لم يَرُدَّ العِلْمَ إليه، فأوْحَى الله إليه: إنَّ لي عبداً بمَجْمَعِ البحرَينِ،
هو أعلمُ منكَ، قال موسى: يارَبِّ، فكيفَ لي به؟ قال: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتاً، فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ،
فحيثُما فَقَدْتَ الحوثَ فهو ثَمَّ.
فأخَذَ حُوتاً، فجَعَله في مِكْتَلٍ، ثمَّ انطَلَقَ وانطَلَقَ معه بفَتاهُ يُوشَعَ بنِ نُونٍ، حتَّى إذا أتيا
الصَّخْرَةَ وَضَعا رؤوسَهما فناما، واضْطَرَبَ الحوتُ في الِكْتَلِ، فخرج منه، فسَقَطَ في البحرِ
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وأمسَكَ الله عن الحوتِ جِرْيَةَ الماءِ، فصارَ عليه مِثلَ الطّاق، فلمَّا
استَيقَظَ نَسِيَ صاحبُهُ أن يُخْبِرَه بالحُوتِ، فانطَلَقا بَقيَّةَ يومِهما وليلَتَهُما، حتَّى إذا كان مِن الغَدِ
قال موسى لِفَتاهُ: ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال: ولم يَجِدْ موسى النَّصَبَ
حتَّى جَاوَزَ المكانَ الذي أمَرَ اللهُ به، فقال له فتاهُ: ﴿ قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ
اَلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ، وَتَّخَذَ سَبِيلَهُ، فِ الْبَحْرِ عَجبًا﴾ قال: فكان للحوثِ
(١) المثبت من (أ)، وسقطت العبارة برمتها من (ع)، وفي (س): لادعاء تفسيره، وما أثبتناه أوجَه.

٥٢٥
سورة الكهف / ح ٤٧٢٥
كتاب التفسير
سَرَباً، ولموسى ولِفَتَاهُ عَجَباً.
فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، قال: رَجَعا يَقُصّان آثارَهما،
حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخْرةِ، فإذا رجلٌ مُسَجّى بِثَوبٍ، فسَلَّمَ عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى
بأرضِكَ السَّلام؟! قال: أنا موسى، قال موسى بني إسرائيلَ؟ قال: نعم، أتيتُكَ لِتُعلِّمَني ممَّ
عُلِّمْتَ رَشَداً ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾، يا موسى إنّ على عِلْمٍ من عِلْمِ اللهِ، عَلَّمَنِه لا
تعلمُه أنتَ، وأنتَ على عِلْم من عِلْم الله، عَلَّمَكَ اللهُ لا أعلمُه، فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِيّ إِن
شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾، فقال له الخَضِرُ: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلاَ تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتٌَّ
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
فانطَلَقا يَمْشِيان على ساحلِ البحرِ، فمرَّت سَفِينَةٌ فكَلَّمُوهم أن يَحْمِلوهم، فعَرَفوا الخَضِرَ،
فحُمِلُوا بغيرِ نَوْلٍ، فلمَّا رَكِيا في السَّفِينةِ لم يَفْجَأ إلا والخَضِرُ قد قَلَعَ لَوْحاً من ألواح السَّفِينِةِ
بالقَدُومِ، فقال له موسى: قومٌ قد حَمَلُونا بغيرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِم فخَرَقْتَها ﴿لِنُغْرِقَ
أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًّا (٥) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًّا (٦) قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا
نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾/ قال: وقال رسولُ اللهِ وَِّ: ((وكانتِ الأولَى من موسى ٤١٠/٨
نِسْياناً) قال: وجاء عُصْفورٌ فوَقَعَ على حَرْفِ السَّفِينة، فتَقَرَ في البحرِ نَقْرَةً، فقال له الخَضِرُ: ما
عِلْمي وعِلْمُكَ من عِلْم الله، إلا مِثلُ ما نَقَصَ هذا العُصْفورُ من هذا البحرِ.
ثمَّ خَرَجا مِن السَّفِينِةِ، فبينما هما يَمْشِيان على الساحلِ، إذ أبصَرَ الخَضِرُ غلاماً يَلْعَبُ معَ
الغِلْمان، فأخَذَ الخَضِرُ بِرأسِهِ، فاقتَلَعَه بَيَدِه، فقَتَلَه، فقال له موسى: ﴿ أَقَلْتَ نَفْسًا زاكيً پِغَيْرِ
نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا (٦) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ قال: وهذه أشَدُّمِن
الأُولَى، ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾.
﴿ فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْبَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَن يُضَّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ
يَنْقَضَّ﴾ قال: مائلٌ، فقالَ الخَضِرُ بَيَدِهِ ﴿فَأَقَامَهُ﴾، فقال موسى: قومٌ أتيناهُم فلم يُطْعِمُونا
ولم يُضَيِّفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٦) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ

٥٢٦
سورة الكهف / ح ٤٧٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
تَأْوِيلُ مَالَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فقال رسولُ الله ◌ََّ: ((ودِدْنا أنَّ موسى كان صَبَرَ حتَّى يَقُصَّ اللهُ
علينا من خَرِ هما)).
قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: فكان ابنُ عبَّاسٍ يقرأُ: ((وكان أمامَهم مَلِكٌ يأخُذُ كلَّ سَفِينةٍ صالحةٍ
غَضْباً)، وكان يقرأ: ((وأمّا الغلامُ فكان كافراً وكان أبَواه مُؤْمِنَينِ».
قوله: ((باب ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنُهُ لَآ أَبْرَعُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾)) اختُلِفَ
في مكان مَجَمَع البحرَينِ: فروى عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال: بحرُ فارسَ والرّوم.
وعن الرَّبيع بن أنس مثله، أخرجه عبد بن مُميدٍ، وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدّيِّ قال:
هما الكَرُّ والرَّسُّ(١) حيثُ يَصُبّان في البحر.
قال ابن عَطيَّةُ: مَجَمَع البحرَينِ: ذِرائعٌ في أرض فارس من جهة أذرَبِيجانَ يَخْرُج من
البحر المحيط من شِماليِّه إلى جَنوبيِّه، وطَرَفُه ممّا يَلِي بَرَّ الشّام.
وقيلَ: هما بحر الأُردُنّ والقُلْزُم.
وقال محمَّد بن كعب القُرَظيّ: مَجَمَع البحرَينِ بطَنْجَةً.
وعن ابن المبارَك قال: قال بعضهم: بحر إرْمِينِيَةَ.
وعن أُبيِّبن كعب قال: بإفريقيةَ. أخرجهما ابن أبي حاتم، لكن السَّنَد إلى أُبيِّ بن كعب
ضعيف، وهذا اختلاف شدید.
وأغرَبُ من ذلك ما نَقَلَه القُرطُبيّ عن ابن عبَّاس قال: المراد بمَجمَع البحرَينِ: اجتماع
موسى والخَضِر، لأنَّهما بحرا عِلْم، وهذا غير ثابت، ولا يقتضيه اللَّفظ، وإنَّما يَحسُنُ أن
يُذكَر في مُناسَبة اجتماعهما بهذا المكان المخصوص، كما قال السُّهَيلِيُّ: اجتَمَعَ البحرانِ
بِمَجمَع البحرَينِ.
قوله: ((﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾: زماناً، وجمعُه: أحْقابٌ)) هو قول أبي عُبيدة، قال: ويقال فيه
(١) هما نهران يَصُبَّان في بحر قزوين. انظر: ((بلدان الخلافة الشرقية)) ص٢١٣.

٥٢٧
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
أيضاً: حِقبة، أي: بكسرٍ أوَّله، والجمع: حِقَب.
وقال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة: الحُقُب: الزّمان.
وعن ابن عبّاس: الحُقُب: الدَّهر.
وعن سعيد بن جُبّير: الحُقُب: الحينُ. أخرجهما ابنُ المنذِر.
وجاء تقديره عن غيرهم، فروى ابن المنذر عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص: أنَّه
ثمانونَ سنةً. وروى عبد بن حُميدٍ عن مجاهد: أنَّه سبعونَ.
ثمَّ ذكر المصنِّفُ قِصّة موسى والخَضِر، وسأذكرُ شرح ذلك في الباب الذي يَليه.
٣- بابٌ ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا
فَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]
مَذْهَباً، يَسْرُبُ: يَسْلُكُ، ومنه: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].
٤٧٢٦ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيجِ أخبَرَهُم، ٤١١/٨
قال: أخبرني يَعْلَى بنُ مسلمٍ وعَمْرو بنُ دِينارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ - يزيدُ أحدُهما على صاحبِهِ،
وغيرُهما قد سمعتُهُ يُحدِّثُه، عن سعيدِ بن جُبَير - قال: إنّا لَعِندَ ابنِ عبَّاسٍ في بيتِهِ، إذ قال:
سَلُوني، قلتُ: أي أبا عبَّاسٍ، جَعَلَني الله فِداءَكَ، إنّ بالكوفةِ رجلاً قاصّاً يقال له: نَوْفٌ، يَزُمُ
أَنَّه ليس بموسى بني إسرائيلَ، أَمَّا عَمْرٌو فقال لي: قد كَذَبَ عدُ الله، وأمَّا يَعْلَى فقال لي: قال
ابنُ عبّاسٍ: حدَّثني أبيُّ بنُ كعبٍ، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: («موسى رسولُ الله عليه السلام»
قال: ((ذَكَّرَ الناسَ يوماً، حتَّى إذا فاضَتِ العُيونُ، وَرَقَّتِ القُلوبُ، وَلَّى فأدْرَكَه رجلٌ، فقال: أي
رسولَ الله، هل في الأرضِ أحدٌ أعلمُ منكَ؟ قال: لا، فعَتَبَ عليه إذ لم يَرُدَّ العِلْمَ إلى الله، قيل:
بَلَى، قال: أي رَبِّ، فأينَ؟ قال: بمَجْمَعِ البحرَينِ.
قال: أي رَبِّ، اجْعَل لِي عَلَماً أعلَمُ ذلك به، قال لي عَمْرٌو: قال: حيثُ يُفارقُكَ الحوت،
وقال لي يَعْلَى: قال: خُذْ حُوتاً ميِّاً حيثُ يُنفَخُ فيه الرّوحُ، فأخَذَ حُوتاً، فجعله في مِكتَلِ، فقال
لِفَتَاهُ: لا أُكلِّفُكَ إلا أن تُخْبِرَني بحيثُ يُفارقُكَ الحوتُ، قال: ما كَلَّفْتَ كثيراً، فذلك قولُه جلَّ

٥٢٨
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
ذِكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ يُوشَعَ بنِ نوٍ - ليست عن سعيدٍ - قال: فبينما هو في ظِلِّ
صَخْرةٍ في مكانٍ ثَرْيانَ، إذ تَضَرَّبَ الحوتُ وموسى نائمٌ، فقال فتاهُ: لا أُوقِظُهُ، حَتَّى إذا
استَيقَظَ، فَسِيَ أن يُخْبِرَهِ، وَتَضَرَّبَ الحوتُ حتَّى دَخَلَ البحرَ، فأمسَكَ الله عنه جِرْيةَ البحرِ،
حتَّى كأنَّ أثَرَه في حَجَرٍ - قال لي عَمْرٌو: هكذا كأنَّ أَثَرَه في حجرٍ - وحَلَّقَ بينَ إبهامَيه والتي
تَلِيانهما ﴿لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال: قد قَطَعَ الله عنكَ النَّصَبَ - ليست هذه عن
سعيدٍ - أخَرَة، فَرَجَعا فوَجَدا خَضِراً - قال لي عثمانُ بنُ أبي سليمانَ: ((على طِنْفِسةٍ خَضْراءَ على
كَبِدِ البحرِ)). قال سعيدُ بنُّ جُبَيرٍ : - مُسَجَّى بثوبِهِ، قد جَعَلَ طَرَفَه تحتَ رِجْلَيه، وطَرَفَه تحتَ
رأسِه، فسَلَّمَ عليه موسى، فكَشَفَ عن وَجْهِه، وقال: هل بأرضي من سَلامِ؟! مَن أنتَ؟ قال:
أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيلَ؟ قال: نعم، قال: فما شأنُكَ؟ قال: جِئْتُ لِتُعلِّمَني ممَّاً
عُلِّمْتَ رَشَداً، قال: أما يَكْفِيكَ أنَّ التّوْرَاةَ بَيَدَيكَ؟ وأنَّ الوَحْيَ يأتيكَ؟ يا موسى، إنَّ لي عِلْماً لا
يَنْبَغِي لكَ أن تعلَمَه، وإِنَّ لكَ عِلْماً لا يَنبَغي لي أن أعلَمَهِ، فَأَخَذَ طائرٌ بِمِنْقاره مِن البحرِ، فقال:
والله، ما عِلْمي وما عِلْمُكَ في جَنْبٍ عِلْمِ اللهِ، إلّا كما أَخَذَ هذا الطّائِرُ بِمِنْقاره مِن البحرِ.
حتَّى إذا رَكِيا في السَّفِينةِ وجَدا مَعابِرَ صِغاراً، تَحمِلُ أهلَ هذا الساحلِ إلى أهلِ هذا
الساحلِ الآخَرِ، عَرَفوه، فقالوا: عبدُ الله الصالحُ - قال: قُلْنا لِسعيدٍ: خَضِرٌ؟ قال: نعم - لا
نَحْمِلُهُ بأجْرٍ فخَرَقَها، وَتَّدَ فيها وتِداً، قال موسى: ﴿أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾
٤١٢/٨ قال مجاهدٌ: مُنْكَراً ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ كانتِ / الأُولَى نِسْياناً، والوُسْطَى
شَرْطاً، والثّالثةُ عَمْداً، ﴿ قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾.
لَقِيا غلاماً فقَتَلَه. قال يَعْلَى: قال سعيدٌ: وجَدَ غِلْماناً يَلْعَبونَ، فأخَذَ غلاماً كافراً ظَرِيفاً،
فأضْجَعَه، ثمَّ ذَّبَحَه بالسِّكِّينِ. ﴿قَالَ أَقَتْلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ لم تَعمَلِ الحِنْثَ - وابنُ عبَّاسٍ
قرأَها: ﴿زَكِيَّةٌ﴾ زاكِيةً: مُسلِمةً، كقولِكَ: غلاماً زَكِيّاً.
فانطَلَقَا فَوَجَدا جِداراً يُرِيدُ أن يَنْقَضَّ فأقامَه - قال سعيدٌ بَيَدِه هكذا - ورَفَعَ يدَه فاستَقَامَ -
قال يَعْلَى: حَسِبتُ أنَّ سعيداً قال: فَمَسَحَه بَيَدِه فاسْتَقامَ ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
قال سعيدٌ: أجْراً نأكُلُه.

٥٢٩
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَّلِكُ﴾ - وكان أمامَهم، قرأها ابنُ عبَّاسِ: ((أمامَهم مَلِكٌ)) يَزْعُمونَ عن غيرِ
سعيدِ: أنَّه هُدَدُ بنُ بُدَدَ، والغلامُ المقتولُ: اسمُه يَزِعُمونَ جَيسورٌ - ﴿مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ
غَصْبًا﴾ فأرَدْتُ إذا هي مَرَّت به أن يَدَعَها لِعَبِها، فإذا جاوَزُوا أصلَحُوها، فانتَفَعوا بها،
ومنهم مَن يقول: سَدّوها بقارورةٍ، ومنهم مَن يقول: بالقارِ. كان أبَواه مُؤْمِنَينٍ، وكان كافراً
﴿فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ - أن يَحْمِلَهما حُبُّه على أن يُتابعاه على دِينِهِ ﴿فَأَرَدْنَآ أَنْ
يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةٌ ﴾ لقوله: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ - هما به أرحَمُ
منهما بالأوَّلِ الذي قَتَلَ خَضِرٌ.
وزَعَمَ غيرُ سعيدٍ: أنَّهما أُبدِلا جاريةً.
وأمَّا داودُ بنُ أبي عاصمِ، فقال عن غيرٍ واحدٍ: إنَّها جاريةٌ.
قوله: ((باب ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾)) وَوَقَعَ في رواية الأَصِيلِيِّ: ((فلمَّا
بَلَغَ مَجَمَع بينهما))، والأوَّل هو الموافق للتِّلاوة.
قوله: (﴿فَتَّخَذَ سَبِيَلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَّبًا﴾: مَذْهَباً، يَسْرُبِ: يَسْلُك، ومنه: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾)»
قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا﴾، أي: مَسلَكاً ومذهباً يَسُب فيه،
وفي آية أُخرى: ﴿وَسَارِبٌ بِلنَّهَارِ﴾. وقال أيضاً في قوله: ﴿وَسَارِبٌّ ◌ِالنَّهَارِ﴾: سالِكٌ في سَرَبِهِ،
أي: مَذْهَبِهِ، ومنه: أصبَحَ فلان آمِناً في سَرْبِهِ، ومنه: انسَرَبَ فلانٌ: إذا مضى.
قوله: ((يزيد أحدهما على صاحبه) يُستَفاد بيان زيادة أحدهما على الآخر من الإسناد
الذي قبله، فإنَّ الأوَّل من رواية سفيان عن عَمْرو بن دينار فقط وهو أحد شيخَي ابن
جُرَیج فیه.
قوله: ((وغيرهما قد سمعتُهُ يُحدِّثه)) أي: يُحدِّث الحديثَ المذكورَ، وعَدّاه بغير الباء. ووَقَعَ
في رواية الكُشْمِيهنيّ(١): يُحدِّث، بحذفِ المفعول، وقد عَيَّنَ ابنُ جُرَيج بعضَ مَن أَبَهَمَه،
كَعثمانَ بن أبي سليمان. وروى شيئاً من هذه القِصّة عن سعيد بن جُبَير من مشايخ ابن
(١) في (أ): في روايةٍ غيرِ الكُشْمِيهَنيّ، ونظنها تحرفت عن: روايةٍ عن الكشميهني، فيجتمع ما في الأصلين.

٥٣٠
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
جُرَيج: عبد الله بن عثمان بن خُثَيمٍ وعبد الله بن هُرمُزَ(١) وعبد الله بن عُبيد بن عُمَير.
وثمَّن روى هذا الحديث عن سعيد بن جُبَير: أبو إسحاق السَّبيعيُّ، وروايته عندَ مسلم
(١٧١/٢٣٨٠ -١٧٢ و٢٦٦١) وأبي داود (٤٧٠٥) وغيرهما، والحَكَمُ بن عُتَيبة وروايته في
((السِّيرة الكُبرى)) لابنِ إسحاق(٢)، وسأذكرُ بيان ما في رواياتهم من فائدة.
قوله: ((إذ قال: سَلُوني)) فيه جواز قول العالم ذلك، ومَحَلَّه إذا أَمِن العُجْبَ، أو دَعَتِ
الضَّرورة إليه، كخَشْية نِسيان العلم.
قوله: «أيْ أبا عبّاس» هي ◌ُنيةُ عبد الله بن عبَّاس.
وقوله: ((جَعَلَني الله فِداءَك)) فيه حُجّة لمن أجازَ ذلك خِلَافاً لمن مَنَعَه، وسيأتي البحثُ
فیه في كتاب الأدب (٦١٨٥).
قوله: ((إنَّ بالكوفةِ رجلاً قاصّاً) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: بالكوفة رجلٌ قاصٌّ، بحذفِ ((إنَّ)
من أوَّله، والقاصّ، بتشديد المهمَلة: الذي يَقُصّ على الناس الأخبارَ من المواعِظ وغيرها.
٤١٣/٨
قوله: ((يقال له: نَوْفٌ)) بفتح النُّون وسكون الواو/ بعدَها فاء، وفي رواية سفيان: إنَّ
نَوفاً البكاليّ. وهو بكسرِ الموخَّدة مُفَّفاً، وبعدَ الألف لامٌّ، ووَقَعَ عندَ بعض رواة مسلم
(٢٣٨٠/ ١٧٠) بفتح أوَّله والتَّشديد، والأوَّل هو الصَّواب، واسم أبيه: فضالة، بفتح الفاء
وتخفيف المعجَمة، وهو منسوب إلى بني بِكال بن دُعْمِيّ بن سعد بن عَوْفٍ، بطن من چِیَرَ،
ويقال: إنَّه ابنُ امرأة كعب الأحبار: وقيلَ: ابن أخيه، وهو تابعيّ صَدوق.
وفي التابعينَ: جَبْر - بفتح الجيم وسكون الموخَّدة - بن نَوْف البَكِيلِيّ، بفتح الموحّدة
وكسر الكاف مُفَّفاً بعدَها تحتانيَّة بعدَها لام، منسوب إلى بَكِیل بطنٍ من هَمْدانَ، ويُكنى أبا
الوَدّاك - بتشديد الدّال - وهو مشهور بكُنْتِهِ، ومَن زَعَمَ أنَّه ولدُ نَوْف البِكَالِيّ فقد وَهِمَ.
(١) يغلب على الظن أنه عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، وقد يُنسبُ لجده، وهو ضعيف.
(٢) ومن طريقه أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٢٧٩/١٥ -٢٨٠. ورواية ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة
عن الحكم بن عتيبة، والحسن بن عمارة متروك الحديث.

٥٣١
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
قوله: ((يَزعُمْ أَنَّه ليس بموسى بني إسرائيل)) في رواية سفيان: يَزْعُم أنَّ موسى صاحبَ
الخَضِر ليس هو موسى صاحبَ بني إسرائيل. ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق(١) عن سعيد بن
جُبَيرِ عندَ النَّسائيِّ(٢) قال: كنت عندَ ابن عبّاسٍ، وعندَه قومٌ من أهل الكتاب، فقال
بعضهم: يا أبا عبَّاس، إنَّ نَوفاً يَزِعُم عن كعب الأحبار: أنَّ موسى الذي طلبَ العِلم إنَّما هو
موسى بن ميشا، أي: ابن أفراييم بن يوسف عليه السلام، فقال ابن عبّاس: أسمعتَ ذلك منه
يا سعيد؟ قلت: نعم. قال: كَذَبَ نَوف. وليس بينَ الرِّوايتَينِ تَعارُض، لأنَّه يُحمَل على أنَّ
سعيداً أبهَمَ نفسه في هذه الرّواية، ويكون قوله: فقال بعضهم، أي: بعضُ الحاضرينَ، لا أهلُ
الكتاب. ووَقَعَ عندَ مسلم من هذا الوجه: قيلَ لابنِ عبَّاس، بدلَ قوله: فقال بعضهم، وعندَ
أحمد (٢١١١٨) في رواية أبي إسحاق: وكان ابن عبّاس مُتَّكِئاً فاستوى جالساً، وقال: أكذاك
يا سعيد؟ قلت: نعم أنا سمعته. وقال ابن إسحاق في ((المبتَدَأ)»: كان موسى بن ميشا قبلَ
موسى بن عمران نبيّاً في بني إسرائيل، ويَزعُم أهلُ الكتاب أنَّه الذي صَحِبَ الخَضِر.
قوله: ((أمَّا عَمْرو - ابن دينار - فقال لي: كَذَبَ عدوّ الله)) أراد ابن جُرَيج: أنَّ هذه الكلمة
وقعت في روایة عَمْرو بن دينار دونَ روایة یَعْلی بن مسلم، وهو كما قال، فإنَّ سفيان رواها
أيضاً عن عَمْرو بن دينار كما مضى، وسَقَطَ ذلك من رواية يَعْلی بن مسلم.
وقوله: ((كَذَبَ))، وقوله: ((عدوّ الله)) محمولان على إرادة المبالَغة في الزَّجر والتَّنفير عن
تصديق تلكَ المقالة، وقد كانت هذه المسألة دارَت أوَّلاً بينَ ابن عبّاس والحُرّ بن قيس
الفَزَاريِّ، وسألا عن ذلك أُبيَّ بن كعب، لكن لم يُفصَحْ في تلكَ الرِّوایة بییان ما تَنازَعا فيه،
وقد تقدَّم بيان ذلك في كتاب العلم (٧٤).
(١) هو من روايته عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير، كما في ((تفسير الطبري)) ٢٧٩/١٥-
٢٨٠. وقد رواه أيضاً أبو إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير، لكن بلفظ آخر غير اللفظ الذي ساقه
الحافظ رحمه الله.
(٢) قوله: عند النسائي، سبقُ قلم من الحافظ رحمه الله، فليست رواية ابن إسحاق عنده، ولكنها عند الطبري في
(«تفسيره)) ٢٧٩/١٥- ٢٨٠، وفي إسناده الحسن بن عمارة شيخ ابن إسحاق، وهو متروك الحديث.

٥٣٢
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال رسول الله وَلّ)) في رواية سفيانَ: أنَّه سمعَ رسول الله وَل.
قوله: ((قال: ذَكَّرَ)) هو بتشديد الكاف، أي: وعَظَهم، وفي رواية أبي(١) إسحاق عندَ
النَّسائيِّ (ك١١١٩٦): ((فذَكَّرَهم بأيام الله. وأيام الله: نَعماؤُه))، ولمسلم من هذا الوجه:
((يُذكِّرُهم بأيام الله، وأيامُ(٢) الله: نَعماؤُه وبَلاؤُه))، وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في تفسير
سورة إبراهيم(٣)، وفي رواية سفيان: ((قامَ خطيباً في بني إسرائيل)).
قوله: ((حتَّى إذا فاضَت العُيون ورَقَّتِ القلوبُ)) يَظهَر لي أنَّ هذا القَدر من زيادة يَعْلى بن
مسلم على عَمْرو بن دينار، لأنَّ ذلك لم يقع في رواية سفيان عن عَمْرو، وهو أثبَتُ الناس
فيهِ. وفيه أنَّ الواعِظ إذا أَثََّ وعْظُه في السامعينَ فخَشَعوا وبَكَوا ينبغي أن يُحُفِّفَ لَّا يَمَلّوا.
قوله: ((فأدْرَكَه رجلٌ)) لم أقِفْ على اسمه، وهو يقتضي أنَّ السُّؤال عن ذلك وَقَعَ بعدَ أن
فَرَغَ من الْخُطبة وتَوَجَّهَ، ورواية سفيان تُوهِمُ أنَّ ذلك وَقَعَ في الْخُطبة، لكن يُمكِن حَمْلها
على هذه الرِّواية، فإنَّ لفظهُ: ((قامَ خطيباً في بني إسرائيل فسُئِلَ)) فيُحمل على أنَّ فيه حذفاً
تقديره: قامَ خطيباً فخَطَبَ ففَرَغَ فَتَوَجَّهَ فسُئِلَ، والذي يَظهَر أنَّ السُّؤال وَقَعَ وموسى بعدُ
لم يُفارقِ المجلِسَ، ويُؤيِّده أنَّ في مُنازَعة ابن عبّاس والحُرّ بن قيس: ((بينما موسى في مَلَأْ من
بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحداً أعلمَ مِنك)) الحديثَ.
قوله: «هل في الأرض أحدٌ أعلمُ مِنْك؟ قال: لا)) في رواية سفيان: «فسُئِلَ: أُّ الناس
٤١٤/٨ أعلم؟ فقال: أنا)) وبينَ الرِّوايتَينِ فرْقٌ، / لأنَّ رواية سفيان تقتضي الجزم بالأعلميَّة له، ورواية
الباب تنفي الأعلميّة عن غيره عليه، فيَبقَى احتمال المساواة، ويُؤيِّد رواية الباب أنَّ في قِصّة
الحُرّ بن قيس: ((فقال: هل تعلم أحداً أعلمَ مِنك؟ قال: لا))، وفي رواية أبي إسحاق عندَ
مسلم: ((فقال: ما أعلمُ في الأرض رجلاً خيراً وأعلمَ منِّي، فأوحَى الله إليه: إنّي أعلمُ بالخير
عندَ مَن هو، وإنَّ في الأرض رجلاً هو أعلمُ مِنك)).
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: ابن.
(٢) في الأصلين و(س): وآلاء، وهو سبق قلم من الحافظ رحمه الله، أو مَن بَعْده من النُّسَّاخِ.
(٣) في مقدمة شرحه للسورة، بين يدي الحديث رقم (٤٦٩٨).

٥٣٣
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
وقد تقدَّم في كتاب العلم البحثُ عمَّا يَتَعلَّق بقولهِ: ((فَعَتَبَ الله عليه))، وهذا اللَّفظ في
العلم (١٢٢)، ووَقَعَ هنا: ((فَعَتَبَ)) بحذفِ الفاعل.
وقوله في رواية الباب: ((قيلَ: بَلَى)) وَقَعَ في رواية سفيان: ((فأوحَى الله إليه: إِنَّ لي عبداً
بِمَجمَع البحرَينِ هو أعلم مِنك))، وفي قِصّة الحُرّ بن قيس: ((فأوحَى الله إلى موسى: بلى،
عبدُنا خَضِرٌ))، وفي رواية أبي إسحاق عندَ مسلم: ((إنَّ في الأرض رجلاً هو أعلمُ مِنك)).
وعندَ عبد بن حُميدٍ من طريق هارونَ بن عَنتَرَةَ عن أبيه عن ابن عبّاس: ((أنَّ موسى قال: أيْ
رَبّ، أيُّ عِبادك أعلمُ؟ قال: الذي يَبْتَغِي عِلمَ الناس إلى عِلْمِه، قال: مَن هو؟ وأين هو؟
قال: الخَضِر، تَلْقَاهُ عندَ الصَّخرة)) وذكر له حِليَتَه. وفي هذه القِصّة: ((وكان موسى حدَّث
نفسَه بشيءٍ من فضْل عِلْمِه أو ذكرَه على مِنبَره)) وتقدَّم في كتاب العلم شرح هذه اللَّفظة،
وبيان ما فيها من إشكال، والجواب عنه مُستَوفَّى.
ووَقَعَ في رواية أبي إسحاق(١) عندَ النَّسائيِّ: ((إنَّ من عِبادي مَن آتَيْتُهُ مِن العلم ما لم
أوتِكَ))، وهو يُبيِّنُ المراد أيضاً.
وعندَ عبد بن حُميدٍ من طريق أبي العاليَة ما يدلُّ على أنَّ الجواب وَقَعَ في نفس موسى
قبلَ أن يُسألَ، ولفظه: ((لمَّا أوتيَ موسى التوراة، وكَلَّمَه الله، وجَدَ في نفسِه أن قال: مَن
أعلم منِّي))، ونحوه عندَ النَّسائيِّ من وجه آخر عن ابن عبّاس، وأنَّ ذلك وَقَعَ في حال
الخُطبة، ولفظه: ((قامَ موسى خطيباً في بني إسرائيل فأبلَغَ في الخُطبة، فعَرَضَ في نفسه أنَّ
أحداً لم يُؤْتَ من العلم ما أُوتِيَ))(٢).
قوله: ((قال: فأينَ؟)) في رواية سفيان: ((قال: يا رَبّ، فكيفَ لي به؟» وفي رواية النَّسائيِّ
المذكورة: ((قال: فادلُلْني على هذا الرجل حتَّى أتعَلَّمَ منه)).
(١) بل في رواية عبد الله بن عبيد الأنصاري، عن سعيد بن جبير، كما ذكره الحافظ على الصواب في كتاب
العلم، وهي عند النسائي برقم (١١٢٤٣).
(٢) هي رواية عبد الله بن عبيد نفسُها.

٥٣٤
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((اجْعَل لِي عَلَماً)) بفتح العين واللام، أي: علامة، وفي قِصّة الحُرّ بن قيس (٧٤):
((فجَعَلَ اللهُ له الحوتَ آيَةً))، وفي رواية سفيان (٤٧٢٥): ((فكيف لي به؟))، وفي قِصّة الحُرّ
ابن قيس: «فسألَ موسى السَّبيلَ إلى لُقيّه».
قوله: ((أعلمُ ذلك به)) أي: المكان الذي أطلُبُه فيه.
قوله: ((فقال لي عَمْرو)) هو ابن دينارٍ، والقائل: هو ابن جُرَيج.
قوله: «قال: حيثُ يُفارِقُك الحوثُ)) يعني: فهو ثَمَّ، ووَقَعَ ذلك مُفَسَّراً في رواية سفيان
عن عَمْرو: قال: ((تأخذ مَعَك حوتاً فتجعله في مِكتَلٍ، فحيثُما فقَدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ)، ونحوه
في قِصّة الْحُرّ بن قيس، ولفظه: ((وقيلَ له: إذا فقَدتَ الحوتَ فارجِع، فإنَّك سَتَلقاهُ».
قوله: ((وقال لي يَعْلَى)) هو ابن مسلمٍ، والقائل أيضاً: هو ابن جُرَيج.
قوله: ((قال: خُذ حُوتاً)) في رواية الكُشْمِيهنيٍّ: ((نونا))، وفي رواية أبي إسحاق عندَ مسلم
(١٧٢/٢٣٨٠): «فقيلَ له: تزوَّدْ حُوتاً مالحاً، فإنَّه حيثُ تَفِقِدُ الحوتَ)).
ويُستَفاد من هذه الرُّواية أنَّ الحوت كان ميِّاً، لأنَّه لا يُمْلَح وهو حَيّ، ومنه تُعلمُ
الحكمةُ في تخصيص الحوت دونَ غيره من الحيوانات، لأنَّ غيره لا يُؤْكَل ميِّئاً، ولا يَرِدُ
الجراد لأنَّه قد یُفقَد وُجودُه لا سيَّما بمِصرَ.
قوله: ((حيثُ يُنفَخ فيه الرّوح)) هو بيان لقوله في الرِّوايات الأُخرى: «حيثُ تَفْقِده)).
قوله: «فأخَذَ حوتاً، فجعله في مِكْتَل)) في رواية الرَّبيع بن أنس (١) عندَ ابن أبي حاتم: ((أنَّهما
اصطاداه)) يعني: موسى وفَتاه.
قوله: ((فقال لفَتاه)) في رواية سفيان: «ثمَّ انطَلَقَ وانطَلَقَ معه بفَتَاه)).
قوله: ((ما كلَّفْتَ كَثيراً) للأكثرِ بالمثلََّة، وللكُشْمِيهنيّ بالموخَّدة.
قوله: ((فذلك قوله: ﴿ وَإِذْ قَاكَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ يُوشَعَ بنِ نُون، ليست عن سعيد)»
(١) روايته مقطوعة من قوله، كما هو ظاهرٌ في ((الدر المنثور)) للسيوطي.

٥٣٥
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
القائل: ليست عن سعيد: هو ابن جُرَيج، ومُراده: أنَّ تسمية الفَتَى ليست عندَه في رواية
سعيد بن جُبَير، ويحتمل أن يكون الذي نَفاهُ صورةَ السّياق، لا التَّسميةَ، فإنَّها وقَعَت في
رواية سفيان عن عَمْرو بن دينار عن سعيد بن جُبَير ولفظه: «ثمَّ انطَلَقَ، / وانطَلَقَ معه ٤١٥/٨
بفتاه يُوشَعَ بن نُون)).
وقد تقدَّم بيان نَسَب يُوشَع في أحاديث الأنبياء(١)، وأنَّه الذي قامَ في بني إسرائيل بعدَ
موت موسی، ونَقَلَ ابن العربيّ: أنَّه كان ابنَ أُخت موسى.
وعلى القول الذي نَقَلَه نَوْف بن فَضَالة من أنَّ موسی صاحب هذه القِصّة لیس هو ابن
عِمرانَ، فلا يكون فتاه يُوشَع بن نون، وقد روى الطَّريُّ (٢٨١/١٥) من طريق عِكْرمة قال:
قيل لابنِ عبّاس: لم نَسمَع لفَتَى موسى بذِكْرٍ من حين لَفيَ الْخَضِر، فقال ابن عبّاس: إنَّ الفَتَى
شَرِبَ من الماء الذي شَرِبَ منه الحوت فخَلَد، فأخَذَه العالِمُ، فطابَقَ به بين لَوحَينٍ، ثمَّ أرسَلَه
في البحر، فإنَّا لَتَموجُ به إلى يومِ القيامة، وذلك أنَّه لم يكن له أن يَشْرَبَ منه.
قال أبو نَصر بن القُشَيرِيِّ: إن ثَبَتَ هذا فليس هو يُوشَع.
قلت: لم يَثْبُتْ، فإنَّ إسناده ضعيفٌ(٢).
وزَعَمَ ابن العربيّ أنَّ ظاهر القرآن يقتضي أنَّ الفَتَى ليس هو يُوشَع، وكأنَّه أخذه من
لفظ الفَتَى، وأَنَّه خاصّ بالرَّقيقِ. وليس بجيِّدٍ، لأنَّ الفَتَى مأخوذ من الفَتَاءِ، وهو الشَّباب،
وأُطلِقَ ذلك على مَن يَخْدُم المرء، سواء كان شاباً أو شيخاً، لأنَّ الأغلَب أنَّ الحَدَم تكون شُبّاناً.
قوله: ((فبينما هو في ظِلّ صَخْرةٍ) في رواية سفيان: ((حتَّى إذا أتيا الصَّخرةَ وضَعا رُؤوسهما
فناما)).
قوله: ((في مكانٍ ثَرْيانَ» بمُثلَّئةٍ مفتوحة وراءِ ساكنة ثمَّ تحتانيَّة، أي: مبلُول.
(١) بل في مقدمة شرحه، حيث قال: يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف.
(٢) بل إسناده واهٍ بمرةٍ، فيه الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث وأبوه عمارة بن المضرب، وهو مجهول، ثم
إن راويه عن الحسنِ بنِ عمارة محمدُ بنُ إسحاق قد رواهُ عنه بالعنعنة.

٥٣٦
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إذ تَضَرَّبَ الحوتُ) بضادٍ مُعجَمة وتشديد، وهو تَفَعَّلَ من الضَّرب في الأرض،
وهو السَّير، وفي رواية سفيان: ((واضْطَرَبَ الحوت في المِكتَل، فخرج منه، فسَقَطَ في البحر))،
وفي رواية أبي إسحاق عندَ مسلمٍ: ((فاضطَرَبَ الحوتُ في الماء))، ولا مُغايرةَ بينَهما، لأنَّه
اضطَرَبَ أوَّلاً في المِكتَل، فلمَّا سَقَطَ في الماء اضطَرَبَ أيضاً، فاضطِرابُه الأوَّل في مَبدَأ ما
حَيِيَ، والثّاني في سَيره في البحر حيثُ اَّخَذَ فيهِ مَسلَكاً.
وفي رواية قُتَيبة عن سفيان في الباب الذي يَليه من الزّيادة: قال سفيان: وفي غير
حديث عَمْرو: ((وفي أصل الصَّخرة، عينٌ يقال لها: الحياةُ، لا يُصيب من مائها شيءٌ(١) إلّا
حَيِيَ، فأصاب الحوتَ من ماء تلكَ العَين، فَتَحرَّكَ وانسَلَّ من المِكتَل، فدَخَلَ البحر))،
وحَكَى ابن الجَوْزيّ: أنَّ في روايته في البخاريّ: ((الحَيَا)) بغير هاء، قال: وهو ما يَحِيَا به
الناس. وهذه الزّيادة التي ذكر سفيانُ أنَّها في حديث غيرِ عَمْرو قد أخرجها ابن مَرْدويه من
رواية إبراهيم بن بشّار (٢) عن سفيان مُدرَجة في حديث عَمْرو، ولفظه: ((حتَّى انتَهَينا إلى
الصَّخرة، فقالَ موسى عندَها - أي: نامَ، قال: وكان عندَ الصَّخرة عين ماء يقال لها: عين
الحياة، لا يُصيب من ذلك الماء ميِّت إلّا عاشَ، فقَطْرَت من ذلك الماء على الحوت قَطرة
فعاشَ - وخرج من المِكتَل فسَقَطَ في البحر))، وأظنّ أنَّ ابن عُيَينةَ أخَذَ ذلك عن قَتَادة، فقد
أخرج ابن أبي حاتم من طريقه قال: ((فأتى على عَينٍ في البحر يقال لها: عين الحياة، فلمَّا
أصابَ تلكَ العينَ، رَدَّ الله روحَ الحوت إليه))، وقد أنكَرَ الدّاووديُّ فيما حكاه ابن التِّين هذه
الزّيادة، فقال: لا أرَى هذا يَثْبُتُّ، فإن كان محفوظاً فهو من خَلْق الله وقُدرَتِه. قال: لكن في
دُخولِ الحوت العَيْنَ دلالة على أنَّه كان حَبِيَ قبلَ دُخوله، فلو كان كما في هذا الخبر لم يَحْتَجْ
إلى العين. قال: والله قادر على أن يُحييَه بغير العين. انتهى، قال: ولا يَخْفَى ضعف كلامِه
دَعَوَى واستدلالاً، وكأنَّه ظنَّ أنَّ الماء الذي دَخَلَ فيه الحوت هو ماء العين، وليس كذلك،
(١) في (أ): لا تُصيب من مائها شيئاً. وهي رواية أبي ذر الهروي عن المستملي والكشميهني، والمثبت هو
رواية أبي ذر عن الحموي، كرواية بقية رواة البخاري.
(٢) تصحف في (س) إلى: يسار.

٥٣٧
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
بل الأخبار صريحة في أنَّ العين عندَ الصَّخرة، وهي غير البحر، وكأنَّ الذي أصاب الحوتَ
من الماء كان شيئاً من رَشَاشِ، ولعلَّ هذه العين - إن ثَبَتَ النَّقل فيها - مُستَنَدُ مَن زَعَمَ: أَنَّ
الخَضِر شَرِبَ من عين الحياة فخلدَ، وذلك مذكور عن وَهْب بن مُنبِّه وغيره ممَّن كان يَنْقُل
من الإسرائيليّات. وقد صَنَّفَ أبو جعفر بن المُنادي(١) في ذلك كتاباً، وقَرَّرَ أَنَّه لا يوثَق
بالنَّقْلِ فيما يُوجَد من الإسرائيليّات.
قوله: ((وموسى نائم، فقال فتاهُ: لا أُوقِظُه، حتَّى إذا استَيقَظَ، فَنَسِيَ أن يُخِرَه)) في الكلام
حذف تقديره: حتَّى إذا استَيقَظَ سارَ، فَنَسِيَ. وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ فقيلَ:
نُسِبَ / النِّسيانُ إليهما تَغليباً، والناسي هو الفَتَى، نَسِيَ أن يُخبرَ موسى كما في هذا الحديث. ٤١٦/٨
وقيلَ: بل المراد أنَّ الفَتَى نَسِيَ أن يُخبرَ موسى بقِصّة الحوت، ونَسِيَ موسى أن يَستَخبِرَه
عن شأن الحوت بعدَ أن استَيقَظَ، لأنَّه حينئذٍ لم يكن معه، وكان بصَدَدِ أن يسأله: أين
هو؟ فَسَيَ ذلك. وقيلَ: بل المراد بقولهِ: ﴿فَسِيَا﴾ أَخّرا، مأخوذ من النِّسْي - بكسرِ النُّون -
وهو التَّأخير، والمعنى أنَهما أخّرا افتقاده لعَدَمِ الاحتياج إليه، فلمَّا احتاجا إليه ذَكَراه.
وهو بعيد، بل صريح الآية يدلّ على صِحّة صريح الخبر، وأنَّ الفَتَى الطَّلَعَ على ما جَرَى
للحوثِ، ونَسِيَ أن يُخْبِرِ موسى بذلك. ووَقَعَ عندَ مسلم في رواية أبي إسحاق: ((أنَّ
موسى تقدَّم فتاهُ لمَّا استَيقَظَ، فسارَ، فقال فتاهُ: ألا ألحَقُّ نبيّ الله فأُخبِرَه، قال: فنُسِّيَ أن
◌ُخبرَە)).
وذكر ابن عَطيَّة: أنَّه رأى سَمَكةً أحد جانبيها شَوك وعَظم، وجِلد رَقيق على أحشائها،
ونصفها الثّاني صحيح، ويَذكُر أهلُ ذلك المكان أنَّها من نَسل حوت موسى، إشارةً إلى أنَّه
لمَّا حَبِيَ بعدَ أن أُكِلَ منه استَمرَّت فيه تلكَ الصِّفة، ثمَّ في نَسلِه، والله أعلم.
قوله: ((فأمسَكَ الله عنه جِرْيةَ البحر، حتَّى كان أثَرُه في حَجَر)) كذا فيه بفتح الحاء المهمَلة
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله: أبو جعفر بن المُنادي، وهو سَبْق قلم منه، لأن الذي صنّف في الخضر إنما هو
أبو الحسين بن المُنادي، حفيد أبي جعفر، وقد ذكره الحافظ على الصواب في ((الإصابة)) ٢٩٩/٢ في
ترجمة الخضر. وقد نقل بعضَ كلامه في الخضر ابن الجوزي في («المنتظم)» ٣٦٣/١.

٥٣٨
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
والجيم، وفي روايةٍ: ((جُحْر)) بضمِّ الجيم وسكون المهمَلة، وهو واضح.
قوله: ((قال لي عَمْرو: هكذا)» القائل: هو ابن جُرَيج ((كأنَّ أثره في حَجَر، وحَلَّقَ بينَ إبهامَيه
والتي)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((واللَّتَيْنِ تَليانهما)) يعني: السَّبّابَتَينِ، وفي رواية سفيان عن عَمْرو:
((فصارَ عليه مِثْلَ الطاق))، وهو يُفسِّر ما أشارَ إليه من الصِّفة، وفي رواية أبي إسحاق عندَ
مسلم: ((فاضطَرَبَ الحوت في الماء، فجَعَلَ لا يَلَئِمِ عليه، صارَ مِثْلَ الكُوَّة)).
قوله: ((﴿لَقَدْ لَقِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾) كذا وَقَعَ هنا مختصراً، وفي رواية سفيان:
((فانطَلَقا بَقيَّةَ يومِهما وليلتَهما، حتَّى إذا كان من الغَد قال موسى لفَتاه: ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ
لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾» قال الدّاووديُّ: هذه الرّواية وهمٍّ. وكأنَّه فهمَ أنَّ الفَتَى لم يُخبر
موسى إلّ بعدَ يومٍ وليلةٍ، وليس ذلك المراد، بل المراد أنَّ ابتداءَها من يومٍ خَرَجا لطَلبه،
ويوَضِّح ذلك ما في رواية أبي إسحاق عندَ مسلم: ((فلمَّا تَجَاوَزا قال لفَتاه: ﴿مَائِنَا غَدَآءَنَا
لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال: ولم يُصِبْه نَصَبُ حتَّى تَجَاوَزا))، وفي رواية سفيان
المذكورة: ((ولم يَجِد موسى النَّصَبَ حتَّى جاوَزَ المكان الذي أمَرَ الله به)).
قوله: ((قال: قد قَطَعَ الله عنك النَّصَبَ - ليست هذه عن سعيد -)) هو مَقُولُ ابن جُرَيج،
ومُراده: أنَّ هذه اللَّفظة ليست في الإسناد الذي ساقَه.
قوله: ((أُخَرَة)) كذا عندَ أبي ذرٍّ: بهمزةٍ ومُعجَمة وراء وهاء، ثمَّ في نسخة منه: بمَدِّ الهمزة
وكسر الخاء وفتح الرّاء بعدَها هاءُ ضميرٌ، أي: إلى آخِرِ الكلام، وأحالَ ذلك على سياق
الآية، وفي أُخرى: بفَتَحاتٍ وتاء تأنيث مُنْوَّنةٌ منصوبةٌ، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: أخبَرَه، بفتح
الهمزة وسكون الخاء ثمَّ موخَّدة: مِن الإخبار، أي: أخبر الفَتَى موسى بالقِصّة، ووَقَعَ في
رواية سفيان: «فقال له فتاه: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ فساقَ الآية إلى: ﴿عَمَا﴾، قال:
فكان للحوتِ سَرَباً، ولموسی عَجَبا))، ولا بنِ أبي حاتم من طريق قَتَادة قال: عَجِب موسی
أن يَسْرُبَ حوتٌ مُمْلَحٌ في مِكتَل.
قوله: ((فَرَجَعا فوَجَدا خَضِراً)) في رواية سفيان: ((فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَاكُنَّا نَبْغِ﴾)) أي:

٥٣٩
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
نَطلُب. وفي روايةٍ للنَّسائيِّ (١) (ك١١٢٤٣): «هذه حاجتنا، وذكر موسى ما كان اللهُ عَهِدَ
إليه)) يعني في أمر الحوت.
قوله: ((﴿فَأَرْتَذَا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا ﴾ قال: رَجَعا یَقُصّان آثارهما))(٢) أي: آثار سَيْرهما
((حَتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرة)) زاد النَّسائيُّ في رواية له (ك١١٢٤٣): «التي فعَلَ فيها الحوت ما
فعَلَ))، وهذا يدلُّ على أنَّ الفَتَى لم يُخبر موسى حتَّى سارا زماناً، إذ لو أخبَرَه أوَّلَ ما استَيقَظَ
ما احتاجا إلى اقتصاص آثارهما.
قوله: ((فَوَجَدا خَضِراً» تقدَّم ذِكرُ نَسَبِه وشرح حاله في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٢)، وفي ٤١٧/٨
رواية سفيان: ((حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرة فإذا رجلٌ))، وزَعَمَ الدّاووديُّ أنَّ هذه الرِّواية وهمٌّ،
وأنَّهما إنَّما وجَداه في جزيرة البحر.
قلت: ولا مُغايَرة بينَ الرِّوايتَينِ، فإنَّ المراد أنَّهما لمَّا انتَهَيا إلى الصَّخرة تَتَّعَاهُ، إلى أن
وجَدَاه في الجزيرة.
ووَقَعَ في رواية أبي إسحاق عندَ مسلم (١٧٢/٢٣٨٠): «فأراه مكانَ الحوت فقال:
هاهُنَا وُصِفَ لِي، فذهب يَلتَمِس، فإذا هو باخَضِرِ)).
وروى ابن أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس قال: انْجابَ الماءُ عن مَسلك الحوت،
فصارَ كُوّةً، فدَخَلَها موسى على أثر الحوت، فإذا هو باخَضِرِ.
وروى ابن أبي حاتم من طريق العَوْفيِّ عن ابن عبّاس قال: فَرَجَعَ موسى حتَّى أتى
الصَّخرةَ، فَوَجَدَ الحوتَ، فجَعَلَ موسى يُقَدِّم عَصاه، يُفرِّج بها عنه الماء ويَتْبَع الحوتَ،
وجَعَلَ الحوتُ لا يَمَسّ شيئاً من البحر إلّا يَبِسَ حتَّى يصيرَ صخرةً، فجَعَلَ موسى يَعجَب
من ذلك، حتَّى انتهى إلى جزيرةٍ في البحر، فلَقِيَ اخَضِر.
(١) في الأصلين: رواية النسائي، على الإضافة، والمثبت من (س) هو الأصح، لأن النسائي أخرج هذا الحديث
من عدة روايات، ومنها الرواية المذكورة.
(٢) هذا الكلام جاء في رواية سفيان بن عيينة (٤٧٢٥)، وليس في هذه الرواية.

٥٤٠
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
ولا بنِ أبي حاتم من طريق السُّدّيِّ قال: بَلَغَنا عن ابن عبّاس: أنَّ موسى دَعَا رَبَّه، ومعه
ماء في ◌ِقاءٍ يَصُبّ منه في البحر، فيصير حجراً فيأخُذُ فيهِ، حتَّى انتهى إلى صخرة، فصَعِدَها
وهو يَتَشَوَّف هل یری الرجلَ، ثمَّ رآه.
قوله: ((قال سعيد بن جُبَير: مُسَجّى بثوبه)) هو موصول بالإسناد المذكور، وفي رواية
سفيان: ((فإذا رجل مُسَجَّى بثوبٍ))، وفي رواية مسلم: «مُسَجَّى ثوباً، مُستَلقياً على القَفا»،
ولعبد بن مُميدٍ من طريق أبي العاليَة: ((فَوَجَدَه نائماً في جَزيرة من جَزائر البحر، مُلْتَقّاً
بكِساءِ))، ولا بنِ أبي حاتم من وجه آخر عن السُّدّيِّ: «فرأى الخَضِرَ وعليه جُبّة من صوف
وكِساء من صُوف، ومعه عَصاً قد ألقَى عليها طعامه، قال: وإنَّما سُمّيَ الخَضِرَ لأنَّه كان إذا
أقام في مكان نبتَ العُشب حوله» انتھی، وقد تقدّم في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٢) حديث
أبي هريرة رفعه: ((إنَّمَا سُمّيَ الْخَضِرَ لأَنَّه جَلَسَ على فروةٍ بيضاءَ، فإذا هي تَهتَزّ تحته خضراءَ)»
والمراد بالفَروة: وجه الأرض.
قوله: ((قال لي عثمان بن أبي سليمان: على طِنْفِسةٍ خَضْراءَ» القائل: هو ابن جُرَیج، وعثمان:
هو ابن أبي سليمان بن جُبَير بن مُطعِم، وهو ممَّن أخَذَ هذا الحديث عن سعيد بن جُبَیر،
وروى عبد بن حُميدٍ من طريق ابن المبارك عن ابن جُرَيج عن عثمان بن أبي سليمان قال:
رأى موسى الخضر على طِنفِسةٍ خضراءً على وجه الماء. انتهى.
والطِّنِفِسة: فَرْشٌ صغير، وهي بكسرِ الطاء والفاء بينَهما نونٌ ساكنة، وبضمِّ الطاء
والفاء، وبكسرِ الطاء وبفتح الفاء، لُغاتٌ.
قوله: ((فسَلَّمَ عليه موسى، فكَشَفَ عن وجهه)) في رواية أبي إسحاق عندَ مسلم
(١٧١/٢٣٨٠): ((فقال: السَّلام عليكُم، فكَشَفَ الثَّوبَ عن وجهه، وقال: وعليكُم السَّلام)).
قوله: ((وقال: هل بأرضي من سَلام؟!)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((بأرضٍ)) بالتَّنوين، وفي
رواية سفيان: ((قال: وأنّى بأرضِك السَّلام؟!)) وهي بمعنى: أين أو كيف، وهو استفهام
استبعادٍ يدلُّ على أنَّ أهل تلكَ الأرض لم يكونوا إذ ذاكَ مسلمينَ. ويُجمَع بينَ الرِّوايتَينِ بأنَّه