النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ سورة الإسراء / ح ٤٧١٨ -٤٧١٩ كتاب التفسير قوله: ((باب قوله: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال مجاهد: صلاة الفجر)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٥/ ١٤٠) من طريق ابن أبي نَجِيح عنه. وزادَ(١): يَجْتَمِع فيها ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار. ومن طريق العَوْفيِّ عن ابن عبّاس نحوه. ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة، وقد تقدَّم شرحُه في صفة الصلاة (٦٤٧). ١٠ - باب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ٤٧١٨ - حدّثنا إسماعيلُ بنُ أبانَ، حدَّثنا أبو الأخْوَصِ، عن آدمَ بنِ عليٍّ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، يقول: إنَّ الناسَ يَصِيرونَ يومَ القيامةِ جُثَاً، كلُّ أمّةٍ تَنْبُعُ نبيّها، يقولون: یا فلانُ اشفَعْ، يا فلانُ اشفَعْ، حتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفاعةُ إلى النبيِّ وَّةِ، فذلك يومَ يَبْعَثُّهُ اللهُ المقامَ المحمود. رواه حمزةُ بنُ عبدِ الله، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّ. ٤٧١٩- حدَّثنا عليٌّ بنُ عيّاشِ، حدَّتنا شُعَيبُ بنُ أبي حمزةَ، عن محمَّدِ بنِ المنكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ قال: «مَن قال حينَ يَسْمَعُ النِّداءَ: اللهمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوةِ التامّةِ، والصلاةِ القائمةِ، آتٍ محمَّداً الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابْعَتْه مقاماً محموداً الذي وعَدْتَه، حَلَّت له شَفاعَتي يومَ القيامةِ)). قوله: ((باب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾)) روى النَّسائيُّ (ك١١٢٣٠) بإسنادٍ صحيح من حديث حُذيفة قال: يَجِتَمِع الناس في صعيد واحد، فأوَّل مَدعوٍّ محمَّدٌ وَلَّ فيقول: «لَبَّكَ وسَعدَيكَ، والخير في يَدَيك، والشّ ليس إليك، المهديُّ/ مَن هَدَيتَ، ٤٠٠/٨ عبدك وابن عبدَيك، وبك وإليك، ولا مَلجَأ ولا مَنجا مِنك إلّا إليك، تَبَارَكْتَ وتَعالَيتَ)) (١) هذه الزيادة عند الطبري ١٤٠/١٥ و١٤١ من طريق منصور عن مجاهد، وكذا من طريق ابن جريج عن مجاهد، وليست من طريق ابن أبي نجيح عنه. ٥٠٢ سورة الإسراء / ح ٤٧١٨-٤٧١٩ فتح الباري بشرح البخاري فهذا قوله: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾. وصَخَّحَه الحاكم (٣٦٣/٢-٣٦٤). ولا مُنافاة بينَه وبينَ حديث ابن عمر في الباب، لأنَّ هذا الكلام كأنَّه مُقدِّمة الشَّفاعة. وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن أبي هلال أنَّ بَلَغَه: أنَّ المقام المحمود الذي ذكره الله: أنَّ النبيّ ◌َ ◌ّه يكون يومَ القيامة بينَ الجبّار وبينَ جِبْرِيل، فيَغِطُه لمقامه ذلك أهلُ الجمع. ورجاله ثقات، لكنَّه مُرسل. ومن طريق عليّ بن الحسين بن عليّ أخبرني رجل من أهل العلم: أنَّ النبيّ وَّ قال: (تُمَدّ الأرض مَدَّ الأديم)» الحديث وفيه: «ثمَّ يُؤذَن لي في الشَّفاعة فأقول: أي رَبِّ عِبادك عَبَدوك في أطراف الأرض)) قال: ((فذلك المقام المحمود)). ورجاله ثقات، وهو صحيح إن كان الرجل صَحابيّاً. وقد تقدَّم في كتاب الزكاة (١٤٧٥): أنَّ المراد بالمقام المحمود: أخذُه بحَلْقة باب الجنَّة، وقيل: إعطاؤُه لواءَ الحمد، وقيل: جُلوسُه على العَرش. أخرجه عبد بن حُميدٍ وغيره(١) عن مجاهد، وقيل: شَفاعَته رابع أربعة. وسيأتي بيانه في كتاب الرِّقاق (٦٥٦٥) إن شاء الله تعالى. قوله: ((حدَّثنا أبو الأخْوَصِ)) بمُهمَلتَينِ: هو سَلّامُ بن سليم. قوله: ((عن آدم بن عليّ)) هو العِجْلِيُّ، بصريّ ثقة، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث، وقد تقدَّم في الزكاة من وجه آخر عن ابن عمر، وفيه تسمية بعض مَن أَبهمَ هنا بقوله: ((يا فلان)). وقوله: ((جُثَا)) بضمٍّ أوَّله والتَّنوين، جمع ◌ُثوة كَخُطوةٍ وخُطَاً، وحكى ابن الأثير أنَّه روي: جِئِيّ، بكسرِ المثلَّثة وتشديد التَّحتانيَّة: جمع جاثٍ، وهو الذي يَجلِس على رُكَبَتَه، وقال ابن الجَوْزيّ عن ابن الخشَّاب: إنَّما هو: جُتَّى، بفتح المثلَّثة وتشديدها: جمع جاثٍ، مِثل غازٍ وغُزَّى. قوله: ((حتَّى تَنْتَهِي الشَّفاعةُ إلى النبيّ وَلِّ)) زاد في الرّواية المعلّقة في الزكاة: فيَشِفَع لِيُقضَى (١) وأخرجه الطبري أيضاً ١٤٥/١٥، وقال بإثره: وأولى القولين في ذلك بالصواب ما صح به الخبر عن رسول الله وَلا، ثم ذكر حديث أبي هريرة عن النبي و للز قال: ((هي الشفاعة)). ٥٠٣ سورة الإسراء / ح ٤٧٢٠ كتاب التفسير بينَ الخلق. ويأتي شرح حديث الشَّفاعة مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٦٥) إن شاء الله تعالی. قوله: ((رواه حمزة بن عبد الله)) أي: ابن عمر ((عن أبيهِ)) تقدَّم ذِكْر مَن وَصَلَه في كتاب الزكاة (١٤٧٥). ثمَّ ذكر المصنّف حديث جابر في الدُّعاء بعدَ الأذان، وقد تقدَّم شرحه في أبواب الأذان (٦١٤). ١١ - بابٌ ﴿ وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ الآية [الإسراء: ٨١] يَزْهَقُ: يَهْلِكُ. ٤٧٢٠ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَحِيح، عن مجاهدٍ، عن أبي مَعمَر، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ لَّه، قال: دَخَلَ النبيُّنَّه ◌ِكَّةَ، وحَوْلَ البيتِ سِتّونَ وثلاثُ مئةِ نُصُبِ، فَجَعَلَ يَطْعُنُها بعُودٍ في يدِه، ويقول: (﴿جَاءَ الْحَقُ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ﴿جَآءَ اٌلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾)) [سبأ: ٤٩]. قوله: ((باب ﴿ وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ ﴾ الآيَةَ. يَزْهَقُ: يَهلك)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿تَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥ ٨٥]، أي: تَخرُج وتَموت وتَهلِك، ويقال: زَهَقَ ما عندَك، أي: ذهب كلُّه. وروى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: ﴿إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، أي: ذاهباً. ومن طريق سعيد عن قَتَادة ﴿زَهَقَ اُلْبَطِلُ﴾، أي: هَلَكَ. قوله: ((عن ابن أبي نَجِيح)) كذا لهم. وفي بعض النُّسَخِ: حدَّثنا ابن أبي نَجِيح. قوله: ((دَخَلَ رسول الله وَّ) في حديث أبي هريرة عندَ مسلم (١٧٨٠) والنَّسائيِّ (ك١١٢٣٤) أنَّ ذلك كان في فتح مكَّةً، وأوَّله في قِصّة فتح مگَّة، إلى أن قال: فجاء رسولُ الله ٥٠٤ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ فتح الباري بشرح البخاري حتَّى طافَ بالبيت، فجَعَلَ يَمُرّ بتلكَ الأصنام، فجَعَلَ يَطعُنُها بسِيَةِ القَوس ويقول: ٤٠١/٨ (﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾)»/ الحديث بطوله. وقد تقدَّم شرح ذلك مُستَوفَّى في غزوة الفتح بحَمدِ الله تعالى (٤٢٨٧). وقوله: ((وحول البيت ستّونَ وثلاثُ مئة نُصُب)) كذا للأكثرِ هنا بغير ألِف، وكذا وَقَعَ في رواية سعيد بن منصور، لكن بلفظ: صَنَم. والأوجَه نصبه على التَّمييز، إذ لو كان مرفوعاً لكان صفةً، والواحد لا يقع صفةً للجمع(١). ويحتمل أن يكون خَبَراً لمبتَدَأِ محذوف، والجملة صفة، أو هو منصوب لكنَّه كُتِبَ بغير ألِف على بعض اللُّغات. ١٢ - بابٌ ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] ٤٧٢١ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني إبراهيمُ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله ◌َ﴾، قال: بينا أنا معَ النبيِّ وَّهَ فِي حَرْثٍ، وهو مُتَّكِئٌّ على عَسِيبٍ، إذ مَّ اليهودُ، فقال بعضُهم لبعضٍ: سَلُوه عن الرّوحِ، فقال: ما رابَكُم إليه؟ وقال بعضُهم: لا يَستَقِلُكُم بشيءٍ تَكْرَهُونَه، فقالوا: سَلُوه، فسألُوه عن الرّوحِ، فأمسَكَ النبيُّ وَّه فلم يَرُدَّ عليهم شيئاً، فعَلمْتُ أنَّه يوحَى إليه، فقُمْتُ مقامي، فلمَّا نزلَ الوَحْيُ، قال: (﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ وَمَآ أُوْقِيْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾)). قوله: ((باب ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾)) ذكر فيه حديث إبراهيم، وهو النَّخَعيُّ، عن (١) هذا الكلام سبَقَ الحافظَ إليه الزركشيُّ والسَّفاقُسِيُّ، كما نبّه عليه القَسْطَلَّانيُّ في ((إرشاد الساري)) ٧/ ٢١٠، ونقل عن البدر الدَّمَامِينيّ صاحب ((مصابيح الجامع)) ردّه على الزركشي بأن هنا عددين كلٍّ منهما يحتاج إلى مميِّزْ، فالأول مميِّزُه منصوب يعني ستون نُصباً، والثاني تُميِّزُه مجرور يعني ثلاث مئة نُصبٍ، فإن عَنَى أنه مميّز لكلا العددين فخطأ، والظاهر أنه مجرورٌ كما وقع في بعض النسخ تمييزاً لثلاث مئة، ومميِّزْ ستون محذوف لوجود الدالِّ عليه. قلنا: وردَّ القسطلَّاني على دعوى أن الرواية بالرفع بقوله: فيه نظر فليحرر، والذي رأيته في جملةٍ من الفروع المعتمدة المقابلة على اليونينية المُجمَع عليها في الإتقان وتحرير الضبط بالجر، ولم أرَ غيرَه في نسخةٍ. ٥٠٥ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ كتاب التفسير عَلقَمة عن عبد الله: وهو ابن مسعود. قوله: ((في حَرْث)) بفتح المهمَلة وسكون الرّاء بعدَها مُثلَّثة، ووَقَعَ في كتاب العلم (١٢٥) من وجهٍ آخرَ بخاءٍ مُعجَمةٍ وموخَّدةٍ، وضَبَطوه بفتح أوَّله وكسر ثانيه وبالعكس، والأوَّل أصوَب، فقد أخرجه مسلم (٢٧٩٤/ ٣٤) من طريق مسروق عن ابن مسعود بلفظ: كان في نَخل. وزاد في رواية العلم: بالمدينة. ولا بنٍ مَرْدويه من وجه آخر عن الأعمَش: في حَرْثٍ للأنصار. وهذا يدلُّ على أنَّ نزول الآية وَقَعَ بالمدينة، لكن روى التِّرمِذيّ (٣١٤٠) من طريق داود بن أبي هِند عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: قالت قُرَيش لليهودِ: أعطُونا شيئاً نسألُ هذا الرجلَ، فقالوا: سَلُوه عن الرّوح، فسألوه، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ اُلُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِ﴾)) ورجاله رجالُه(١)، وهو عندَ ابن إسحاق(٢) من وجه آخرَ عن ابن عبّاس نحوه. ويُمكِن الجمع بأن يَتَعَدَّد النُّزول، ويُحمَلُ سكوتُه في المرّة الثّانية على تَوقُّع مَزيدٍ بيانٍ في ذلك، وإن ساغَ هذا، وإلّا فما في ((الصَّحيح)) أصحّ. قوله: (يَتَوَأ)»(٣) أي: يَعتَمِد. قوله: ((على عَسِيبٍ)) بمُهمَلتَينِ وآخره موخَّدة، بوَزنٍ عظيمٍ: وهي الجريدة التي لا ◌ُوصَ فيها. ووقع في رواية ابن حِبّان: ومعه جريدة(٤). قال ابن فارس: العَسَبَات(٥) من النَّخل كالقُضبان من غيرها. قوله: ((إذ مرَّ اليهودُ)) كذا فيه: اليهود، بالرَّفع على الفاعليَّة، وفي بَقيَّة الرِّوايات في العلم (١) المثبت من (أ)، وفي (ع) و(س): ورجاله رجال مسلم. والمراد بقوله: رجاله رجاله، أي: في الثقة والعدالة، فهي عبارة عن متانتهم في الرواية. (٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٦٩/٢ - ٢٧٠. (٣) هذا لفظ الرواية السالفة في العلم (١٢٥)، وإلا فلا خلاف هنا بين رواه البخاري أنها: مُتَّكِىٌّ. (٤) الحديث عند ابن حبان (٩٧ و٩٨) وليس فيه ما ذكره الحافظ. (٥) في (ع) و(س): العسبان، والمثبت من (أ) موافقاً لما في ((مجمل اللغة)) لابن فارس ٦٦٧/١. ٥٠٦ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ فتح الباري بشرح البخاري (١٢٥) والاعتصام (٧٢٩٧) والتوحيد (٧٤٦٢)، وكذا عندَ مسلم (٢٧٩٤ /٣٢): إذ مرَّ بنَفَرِ من اليهود. وعندَ الطَّبَريِّ (١٥٤/١٥) من وجه آخر عن الأعمش: إذ مَرَرنا على يهود. ويُحمَل هذا الاختلاف على أنَّ الفريقَينِ تَلاقَوا فيَصدُق أنَّ كلَّا مَرَّ بالآخرِ، وقوله: يهود، هذا اللَّفظ مَعرِفة تَدخُله اللّام تارةً وتارةً يَتَجَرَّد، وحَذَفوا منه ياء النِّسبة ففَرَّقوا بينَ مُفْرَده وجمعه، كما قالوا: زِنْج وزِنْجيّ، ولم أقِفْ في شيء من الطّرق على تسمية أحد من هؤلاء اليهود. قوله: ((ما رابَكُم إليه)) كذا للأكثرِ بصيغة الفِعل الماضي من الرَّيب، ويقال فيه: رابَه كذا ٤٠٢/٨ وأرابَه كذا، بمعنَّى، وقال أبو زيد: رابَه إذا عَلِمَ/ منه الرَّيب، وأرابَه إذا ظنَّ ذلك به. ولأبي ذرِّ عن الحقُّوِيِّ وحدَه بهمزةٍ وضمّ الموحّدة، من الرَّأْب: وهو الإصلاح، يقال فيه: رأبَ بينَ القوم: إذا أصلَحَ بينَهم. وفي توجيهه هنا بُعدٌ. وقال الخطَّبيُّ: الصَّواب: ما أَرَبُّكُم، بتقديم الهمزة وبفتحتين، من الأَرَب، وهو الحاجة. وهذا واضح المعنى لو ساعَدَتْه الرِّواية. نعم رأيتُه في رواية المسعوديّ عن الأعمَش عندَ الطّريّ (١٥٥/١٥) كذلك. وذكر ابن التِّين أنَّ رواية القابِسيّ كَرواية الحَقُّوِيِّ، لكن بتحتانيَّةِ بدلَ الموحّدة من الرَّأي، والله أعلم. قوله: ((وقال بعضهم: لا يَستَقْبِلُكُم بشيءٍ تَكْرَهونَه)) في رواية العلم: لا يجيء فيه بشيءٍ تَكرَهُونَه، وفي الاعتصام: لا يُسمِعكُم ما تَكرَهونَ. وهي بمعنِّى، وكلّها بالرَّفع على الاستئناف، ويجوز السُّكون وكذا النَّصب أيضاً. قوله: ((فقالوا: سَلُوه)) في رواية التوحيد: فقال بعضهم: لَنسَلَّه. واللّام جواب قَسَم محذوف. قوله: ((فسألُوه عن الرّوح)) في رواية التوحيد: فقامَ رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الرّوح؟ وفي رواية العَوْفِيِّ عن ابن عبّاس عندَ الطََّرَيِّ (١٥٦/١٥): فقالوا: أخبرنا ما الرّوح؟ قال ابن التِّين: اختَلَفَ الناس في المراد بالرّوحِ المسؤول عنه في هذا الخبر على أقوال: ٥٠٧ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ كتاب التفسير الأوَّل: روح الإنسان، الثّاني: روح الحيوان، الثّالث: جِبْريل، الرّابع: عيسى، الخامس: القرآن، السادس: الوحي، السابع: مَلكٌ يقوم وحده صَفّاً يومَ القيامة، الثّامن: مَلكٌ له أحدَ عشرَ ألف (١) جناح و[ألف](٣) وجه. وقيل: مَلك له سبعون ألف لسان، وقيل: له سبعون ألف وجه، في كلّ وجه سبعون ألف لسان، لكلِّ لسان ألف لغة، يُسبِّح الله تعالى، يَخْلُق الله بكلِّ تسبيحة ملكاً يَطير معَ الملائكة(٣)، وقيل: مَلك رِجلاه في الأرض السُّفلَى ورأسه عندَ قائمة العَرش، التاسع: خلق كَخلقِ بني آدم، يقال لهم: الرّوح يأكلونَ ويَشرَبونَ، لا يَنزِل مَلك من السماء إلّا نزلَ معه، وقيل: بل هم صِنف من الملائكة يأكلونَ ويَشرَبونَ. انتهى كلامه مُلخَّصاً بزیاداتٍ من كلام غيره. وهذا إنَّما اجتَمَعَ من كلام أهل التَّفسير في معنى لفظ الرُّوح الوارد في القرآن، لا خصوص هذه الآية، فمن الذي في القرآن: ﴿ نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ آلْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ،﴾ [غافر: ١٥]، ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ﴿يَوَمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، ﴿ نَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا﴾ [القدر: ٤]: فالأوَّل: جِبْريل، والثّاني: القرآن، والثّالث: الوحي، والرّابع: القوّة، والخامس والسادس مُحْتَمِل لجِبْرِيل ولغيره. (١) كذا قال الحافظُ رحمه الله، وهو خطأ سبقَ الحافظَ إليه أبو جعفر النحاس في ((معاني القرآن)) ١٨٩/٤ حيث نَسبَ هذا القول إلى عطاء عن ابن عباس، والصواب في الرواية: ملك واحدٌ له عشرة آلاف ... كذلك أخرجه أبو الشيخ في «العظمة)) (٤٠٩)، والجُوزقاني في ((الأباطيل)) (٧١٩) من رواية ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. وعطاء هذا: هو ابن أبي مسلم الخراساني، وليس بابن أبي رباح، لأن ابن جريج لم يسمع من ابن أبي رباح غير تفسير سورتي البقرة وآل عمران، وما عدا ذلك من التفسير فسمعه من الخراساني، كما نبّه عليه الحافظ في مقدمة هذا الكتاب، والخراساني لم يسمع من ابن عباس. (٢) لفظة ((ألف)) سقطت من الأصلين و(س)، وهي ثابتة في الرواية، وذكرها العيني في ((عمدة القاري)) ٢٠١/٢. (٣) أخرجه الطبري ١٥٦/١٥ وغيره من حديث علي بن أبي طالب، وإسناده ضعيف الإبهام الراوي عن علي، وتفرد کاتب الليث به. ٥٠٨ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ إطلاق روح الله علی عیسى. وقد روی إسحاق(١) في ((تفسیرہ)) بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس قال: الرّوح من الله، وخلق من خلق الله، وصُوَر كبني آدَم، لا يَنزِل مَلَك إلّا ومعه واحد من الرّوح. وثَبَتَ عن ابن عبّاس: أنَّه كان لا يُفسِّرِ الرّوح(٢)، أي: لا يُعيِّنُ المراد به في الآية. وقال الخطَّبيُّ: حَكَوا في المراد بالرّوحِ في الآية أقوالاً: قيل: سألوه عن جِبْريل، وقيل: عن مَلك له ألسِنّةٌ. وقال الأكثر: سألوه عن الرّوح التي تكون بها الحياة في الجسد. وقال أهل النَّظَر: سألوه عن كيفيَّة مَسلَك الرّوح في البَدَن وامتِزاجه به، وهذا هو الذي استأثَرَ اللهُ بعِلْمِهِ. وقال القُرطُبيّ: الرّاجح أنَّهم سألوه عن روح الإنسان، لأنَّ اليهود لا تَعتَرِف بأنَّ عيسى روحُ الله، ولا تَجَهَلْ أنَّ جِبْرِيلِ مَلَكٌ، وأنَّ الملائكة أرواح. وقال الإمام فخر الدّين الرّازيُّ: المختار أنَّهم سألوه عن الرّوح الذي هو سبب الحياة، وأنَّ الجواب وَقَعَ على أحسن الوجوه، وبيانه: أنَّ السُّؤال عن الرّوح يُحتمَل عن ماهيَّتَه، وهل هي مُتَحيِّزة أم لا، وهل هي حالة في مُتَحيِّز أم لا، وهل هي قديمة أو حادثة، وهل تَبقَى بعدَ انفصالها من الجسد أو تَفنَى، وما حقيقة تَعذيبها وتَنعيمها، وغير ذلك من مُتَعلَّقاتها. قال: وليس في السُّؤال ما يُخْصِّصُ أحد هذه المعاني، إلّا أنَّ الأظهَر أنَّهم سألوه عن الماهيَّة، وهل الرّوح قديمة أو حادثة، والجواب يدلّ على أنَّها شيء موجود مُغايِر ٤٠٣/٨ للطّبائع والأخلاط وتركيبها، فهو جَوهَر بَسيط مُجرَّد لا يَحَدُث إلّا بمُحدِثٍ،/ وهو قوله (١) في (س): ابن إسحاق، بإقحام لفظة ((ابن)) وكذا أُلحق في هامش (أ) بخطٌّ مُغاير لخط الناسخ، والمثبت على الصواب من الأصلين. وإسحاق هذا هو ابن راهويه، وقد وقع تفسيره هذا للحافظ رحمه الله، إذ ذكر إسناده إلى مصنفه في ((المعجم المفهرس)) (٣٧٠). وهو في ((تفسير آدم بن أبي إياس)) المطبوع باسم ((تفسير مجاهد)» في تفسير سورة النبأ. (٢) أشار إليه ابن القيم رحمه الله في کتاب «الروح» ص١٥٣، وأفصح عن بعض إسناده، وفيه خصیف بن عبد الرحمن الجزري، وهو ضعيف يعتبر به، وقد تابعه قتادة عند عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٣٨٨/١، حیث قال: وكان ابن عباس یکتمه. وقتادة لم يسمع ابن عباس، لكن متابعته هذه تصلح للاعتبار. ٥٠٩ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ كتاب التفسير تعالى: ﴿كُنْ﴾ فكأنَّه قال: هي موجودة مُحدَثةٌ بأمرِ الله وتكوينِه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسدِ، ولا يَلزَم من عَدَم العلم بكيفيَّتِّها المخصوصة نفيه. قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمرِ في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾ الفِعل، كقوله: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، أي: فِعلُه، فيكون الجواب: الرّوح من فِعل ربّي، وإن كان السُّؤال هل هي قديمة أو حادثة؟ فيكون الجواب: إنَّها حادثة. إلى أن قال: وقد سَكَتَ السَّلَف عن البحث في هذه الأشياء والتَّعَمُّق فيها. انتهى. وقد تَنَطَّعَ قوم فَتَبَاينَت أقوالهم، فقيلَ: هي النَّفَس الداخل والخارج، وقيل: الحياة، وقيل: جِسم لطيف يَحُلّ في جميع البَدَن، وقيل: هي الدَّم، وقيل: هي عَرَضٌ، حتَّى قيل: إِنَّ الأقوال فيها بَلَغَت مئة. ونَقَلَ ابن مَنْدَهْ عن بعض المتكلِّمينَ: أنَّ لكلِّ نبيّ خمسة أرواح، وأنَّ لكلِّ مُؤمِن ثلاثة، ولِكلِّ حَيّ واحدة. وقال ابن العربيّ: اختلفوا في الرّوحِ والنَّفس، فقيلَ: مُتَغايران، وهو الحقّ، وقيل: هما شيء واحد، قال: وقد يُعبَّر بالرّوحِ عن النَّفْس وبالعكس، كما يُعبَّر عن الرّوح وعن النَّفْس بالقلب وبالعكس، وقد يُعبَّر عن الرّوح بالحياة حتَّى يَتَعَدَّى ذلك إلى غير العُقَلاء، بل إلى الجماد مجازاً. وقال السُّهَيليُّ: يدلّ على مُغايرة الرّوحِ والنَّفْس قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا سَوَيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِهِ مِن رُّوحِى﴾[الحجر: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فإنَّه لا يَصِحّ جَعْل أحدِهما موضعَ الآخر، ولولا التَّغايُرِ لَساغَ ذلك. قوله: ((فأمسَكَ النبيّ وََّ فلم يَرُدّ عليهم)) في رواية الكُشْمِيهنئِّ: عليه، بالإفراد، وفي رواية العلم(١): فقامَ مُتَوَكِّئاً على العَسيب وأنا خَلْفَه. قوله: ((فعَلِمْت أَنَّه يوحَى إليه)) في رواية التوحيد (٧٤٥٦): فَظَنَنتُ أنَّه يوحَى إليه، وفي (١) بل في رواية التوحيد (٧٤٥٦). ٥١٠ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ فتح الباري بشرح البخاري الاعتصام (١): فقلت: إنَّه يُوحَى إليه. وهي مُتَقاربة، وإطلاق العلم على الظَّنّ مشهور، وكذا إطلاق القول على ما يقع في النَّفْس. ووَقَعَ عندَ ابن مَرْدويه من طريق ابن إدريس(٢) عن الأعمَش: فقامَ وحَنَى من رأسه، فِظَنَنتُ أنَّه يُوحَی إلیه. قوله: ((فقُمْت مقامي)) في رواية الاعتصام: فتأخَّرتُ عنه. أي: أدَباً معه لئلّا يَتَشَوَّش بقُرْبي منه. قوله: «فلمَّا نزلَ الوَحْيُ قال)» في رواية الاعتصام: حتَّى صَعِدَ الوحي فقال، وفي رواية العلم: فقُمت، فلمَّا انجَلَى. قوله: (﴿مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾)) قال الإسماعيليّ: يحتمل أن يكون جواباً، وأنَّ الرّوح من جُملة أمر الله، وأن يكون المراد أنَّ الله اختَصَّ بعِلْمِه، ولا سؤالَ لأحدٍ عنه. وقال ابن القَيِّم: ليس المراد هنا بالأمرِ الطَّلبَ اتِّفاقاً، وإنَّما المراد به المأمورُ، والأمر يُطلَق على المأمور كالخَلْق على المخلوق، ومنه: ﴿لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١]، وقال ابن بَطّال: مَعرِفة حقيقة الرّوح ثمّ استأثرَ الله بعِلْمِه بدليلِ هذا الخبر، قال: والحكمة في إبهامه اختبار الخَلْق ليُعرِّفَهم عَجْزَهم عن عِلْم ما لا يُدرِكونَه، حتَّى يَضطَرَّهم إلى رَدِّ العلم إليه. وقال القُرطُبيّ: الحكمة في ذلك إظهار عَجز المرء، لأنَّه إذا لم يعلم حقيقةَ نفسِه معَ القطع بوُجودِهِ، كان عَجزُه عن إدراك حقيقة الحقّ أَولَى. وجَنَحَ ابن القَيِّم في ((كتاب الرّوح)) إلى ترجيح أنَّ المراد بالرّوح المسؤولِ عنها في الآية (١) بل في كتاب العلم (١٢٥). (٢) تحرف في (ع) إلى: أبي أويس، وفي (أ): إدريس، بإسقاط لفظة ((ابن))، وابن إدريس هو عبد الله بن إدريس الأَوْدي، وروايته عن الأعمش مشهورة، وقد روى عنه هذا الحديث أيضاً مسلم (٢٧٩٤)، لكن روايته عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود، ولم ينبه على ذلك الحافظ رحمه الله. وقال الدارقطني في ((العلل)) سؤال (٨٦١): لعل الطريقين صحيحان، وابن إدريس من الأثبات، ولم يتابَع على هذا القول. ٥١١ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ كتاب التفسير ما وَقَعَ في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قال: وأمَّا أرواح بني آدم، فلم يقع تسميَتُها في القرآن إلّا نفساً. كذا قال، ولا دلالة في ذلك لمَا رَجَّحَه، بل الرّاجِحِ الأوَّل، فقد أخرج الطَّبَرِيُّ (١٥٦/١٥) من طريق العَوْفيِّ، عن ابن عبّاس في هذه القِصّة: أنَّهم قالوا: أخبرنا عن الرّوح، وكيف تُعذَّب الرُّوحُ التي في الجسد، وإنَّما الرّوح من الله؟ فنزلت الآية. وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أنَّ الله لم يُطْلِعِ نبيَّه على حقيقة الرّوح، بل يحتمل أن يكون أطلَعَه، ولم يأمره أن يُطلِعَهم، وقد قالوا في عِلم الساعة نحو هذا، والله أعلم. وَمَّن رأى الإمساك عن الكلام في الرّوح أستاذ الطائفة أبو القاسم(١)، فقال فيما نَقَلَه في ((عَوارف المعارف)) عنه بعدَ أن نَقَلَ كلام الناس في الرّوح: وكان الأوْلَى الإمساك عن ذلك، والتَّادُّب بأدَب النبيّ ◌َّ. ثُمَّ نَقَلَ عن الْجُنَيَد/ أنَّه قال: الرّوح استأثرَ الله تعالى بعِلْمِه، ولم يُطلِع عليه أحداً من خلقه، ٤٠٤/٨ فلا تجوز العِبارة عنه بأكثرَ من موجود. وعلى ذلك جَرَى ابن عَطيَّة وجمعٌ من أهل التَّفْسیر. وأجابَ مَن خاضَ في ذلك: بأنَّ اليهود سألوا عنها سؤالَ تَعجيزٍ وتَغليطٍ، لكَوْنِهِ يُطلَق على أشياء، فأضمَروا أنَّه بأيِّ شيء أجابَ، قالوا: ليس هذا المراد، فرَدَّ الله كَيدَهم، وأجابَهم جواباً مُجمَلاَ مُطابِقاً لسؤالهم المجمَلِ. وقال السُّهرَ وَرديّ في ((العَوارف)): يجوز أن يكون مَن خاضَ فيها سَلكَ سبيل التّأويل لا التَّفسير، إذ لا يَسُوغ التَّفسير إلّا نَقلاً، وأمَّا التَّأويل فتَمتَدّ العقول إليه بالباع الطّويل، وهو ذِكْر ما لا تحتمل الآيةُ من غير قَطْع بأنَّه المراد، فمن ثَمَّ يكون القول فيه، قال: وظاهر الآية المنع من القول فيها، لخَتْمِ الآية بقوله: ﴿وَمَآ أُوِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾، أي: اجعَلوا حُكم الرّوح من الكثير الذي لم تُؤتَوه، فلا تسألوا عنه، فإنَّه من الأسرار. وقيل: المراد (١) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشَيري النيسابوري، والمقصود بالطائفةِ الصوفيةُ، انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٢٧/١٨. ٥١٢ سورة الإسراء / ح ٤٧٢١ فتح الباري بشرح البخاري بقوله: ﴿أَمْرِ رَبِ﴾ كَوْن الرّوح من عالم الأمر الذي هو عالم المَلَكوت، لا عالم الخَلْق الذي هو عالَم الغَيْب والشَّهادة. وقد خالَفَ الْجُنَيَدَ ومَن تَبعَه من الأئمّة جماعةٌ مِن مُتأخِّري الصّوفيَّة، فأكثروا من القول في الرُّوحِ، وصَرَّحَ بعضهم بمَعِرِفة حقيقتها، وعابَ مَن أمسَكَ عنها. ونَقَلَ ابن مَندَهْ في ((كتاب الرّوح)) له عن محمَّد بن نَصْر المروَزيِّ الإمام المطَّلِعِ على اختلاف الأحكام من عَهد الصَّحابة إلى عَهد فقهاء الأمصار: أنَّه نَقَلَ الإجماع على أنَّ الرّوح مخلوقة، وإنَّما يُنقَل القولُ بقِدَمِها عن بعض غُلاة الرّافضة والمتصَوِّفة. واختُلِفَ هل تَفنَى عندَ فَناء العالم قبلَ البعث أو تَستَمِرّ باقيةً؟ على قولَينٍ، والله أعلم. ووَقَعَ في بعض التَّفاسير: أنَّ الحكمة في سؤال اليهود عن الرّوحِ: أنَّ عندَهم في التوراة أنَّ روح بني آدم لا يَعلَمها إلّا الله، فقالوا: نسأله، فإن فَسَّرَها فهو نبيّ، وهو معنى قولهم: لا يَجِيء بشيءٍ تَكرَهونَه، وروى الطََّرِيُّ (١٥٦/١٥) من طريق مُغيرةَ، عن إبراهيم في هذه القِصّة: فنزلت الآية فقالوا: هكذا نَجِدُه عندَنا. ورجاله ثقات، إلّا أنَّه سَقَطَ من الإسناد عَلقَمة. قوله: (﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾)) كذا للكُشْمِيهنيِّ هنا، وكذا لهم في الاعتصام، ولغير الكُشْمِيهنيِّ هنا: ((وما أوتوا))، وكذا لهم في العلم، وزاد: قال الأعمَش: هكذا قراءتُنا. وبيَّن مسلمٌ (٢٧٩٤) اختلافَ الرُّواة عن الأعمَش فيها، وهي مشهورة عن الأعمَش، أعني بلفظ: ((وما أوتوا))، ولا مانعَ أن يَذكُرَها بقراءة غيره، وقراءةُ الجمهورِ: ﴿وَمَآ أُوِيْتُمْ﴾، والأكثرُ على أنَّ المخاطَب بذلك اليهودُ، فَتَّحِد القراءتان. نعم وهي تَتَنَاوَل جميع عِلم الخلق بالنِّسبة إلى عِلم الله. ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس الذي أشرت إليه أوَّلَ الباب: أنَّ اليهود لمَّا سمعوها، قالوا: أُوتينا عِلْماً كثيراً التوراةَ، ومَن أوتيَ التوراة فقد أوتيَ خيراً كثيراً، فنزلت: ﴿قُل لَوْكَانَ اُلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِ﴾ [الكهف: ١٠٩] الآيةَ. قال التِّرمِذيّ (٣١٤٠): حسن صحيح. قوله: ((﴿إِلَّا قَلِيلًا ﴾)) هو استثناءٌ من العلم، أي: إلّا عِلْماً قليلاً، أو من الإعطاء، أي: إلا ٥١٣ سورة الإسراء / ح ٤٧٢٢- ٤٧٢٣ كتاب التفسير عطاءً قليلاً، أو من ضمير المخاطَب، أو الغائب على القراءتَينِ، أي: إلّا قليلاً منهم أو منكم. وفي الحديث من الفوائد غيرُ ما سَبَقَ: جواز سؤال العالم في حال قيامه ومَشْیه، إذا كان لا يَتْقُل ذلك عليه. وأدَبُ الصَّحابة معَ النبيّ ◌َّهِ. والعَمَل بما يَغْلِب على الظَّنّ، والتوقُّف عن الجواب بالاجتهادِ لمن يَتَوقَّع النَّصّ. وأنَّ بعض المعلومات قد استأثرَ الله بعِلْم حقيقتهِ(١)، وأنَّ الأمر يَرِد لغير الطََّب، والله أعلم. ١٣- بابٌ ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] ٤٧٢٢ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هُشَيمٌّ، أخبرنا أبو بشْرٍ، عن سعيدِ بنِ مُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا ﴾ قال: نزلت ورسولُ الله ◌َِّ مُخْتَفٍ بمكَّةَ، / كان إذا صَلَّى بأصحابه رَفَعَ صوتَه بالقرآنِ، فإذا سمعَه ٤٠٥/٨ المشركونَ سَبُّوا القرآنَ، ومَن أنزَلَه، ومَن جاء به، فقال الله عزَّ وجلَّ لِنبيِّهِ وَّ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي: بقراءتِكَ، فَيَسْمَعَ المشركونَ، فَيَسُبُّوا القرآنَ ﴿وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ عن أصحابكَ، فلا تُسْمِعُهم ﴿وَاَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾. [أطرافه في: ٧٤٩٠، ٧٥٢٥، ٧٥٤٧] ٤٧٢٣ - حدَّثْنَا طَلْقُ بنُ غَنّام، حدَّثنا زائدةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: أُنزِلَ ذلك في الدُّعاءِ. [طرفاه في: ٦٣٢٧، ٧٥٢٦] قوله: ((باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾)) سَقَطَ ((باب)) لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((حدَّثنا يعقوبُ بن إبراهيم)) هو الدَّورَقيّ. قوله: (أخبرنا أبو بشْر)) في رواية غير أبي ذرّ: حدَّثنا أبو بشر؛ وهو جعفر بن أبي وحشيَّةً، وذكر الكِرْمانيُّ: أنَّه وَقَعَ في نُسخَته ((يونس)) بدلَ قوله: أبو بشر، وهو تصحيف. (١) في (س): بعلمه حقيقة. والمثبت من الأصلين أجود وأحسن. ٥١٤ سورة الإسراء / ح ٤٧٢٢ - ٤٧٢٣ فتح الباري بشرح البخاري قال الفِرَبريّ: أخبرنا محمَّد بن عيّاش قال: لم يُرِّج محمّد بن إسماعيل البخاريّ في هذا الکتاب من حديث هُشَیمٍ إلّا ما صَرَّحَ فیه بالإخبار. قلت: يريد في الأُصول، وسبب ذلك أنَّ هُشَيماً مذكور بتدليسِ الإسناد. قوله: ((عن ابن عبّاس)) كذا وصَلَه هُشَيمٌ، وأرسَلَه شُعْبة، أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٤٥) من طريق الطَّيالسيِّ عن شُعْبة وهُشَيم مُفَصَّلاً. قوله: ((نزلت ورسول الله وَلِّ مُخْتَفٍ بمكَّةَ)) يعني في أوَّل الإسلام. قوله: ((رَفَعَ صوتَه بالقرآنٍ » في رواية الطَّبَرِيِّ (١٨٥/١٥) من وجه آخرَ عن ابن عبّاس: فكان إذا صَلَّى بأصحابه أسمَعَ المشرِكِينَ، فَاذَوه. وفَسَّرَت رواية الباب الأذى بقوله: سَبُّوا القرآن. وللطَّبَرَيِّ من وجه آخرَ عن سعيد بن جُبَير: فقالوا له: لا تَجَهَر فتُؤذيَ آهَتَنَا، فَنَهِجُوَ إِلُهَك. ومن طريق داود بن الحُصَين، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس: كان النبيّ ◌َِّ إِذا جَهَرَ بالقرآن وهو يُصَلّى تَفرَّقَ عنه أصحابه، وإذا خَفَضَ صوته لم يَسمَعْه مَن يريد أن يَسمَعَ قراءته، فنزلت. قوله: (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي: بقراءتِك)) وفي رواية الطَّبَرِيِّ: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي: لا تُعلِن بقراءة القرآن إعلاناً شديداً فيَسمَعَك المشركونَ فُيُؤذونَك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، أي: لا تَخِفِض صوتك حتَّى لا تُسمِع أُذُنَيك ﴿وَأَبْتَخْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي: طريقاً وسطاً. قوله: ((حدَّثْنَا طَلْق)) بفتح المهمَلة وسكون اللّام ((ابن غَنّام)) بالمعجَمة والنُّون: وهو النَّخَعيّ، من كِبار شيوخ البخاريّ، وروايته عنه في هذا الكتاب قليلة. وشيخه زائدة: هو ابن قُدامةَ. قوله: ((عن عائشة)) تابَعَه الثَّوريّ(١) عن هشام، وأرسَلَه سعيد بن منصور عن يعقوب (١) أخرجه من طريقه البزار ١٨/ (٧٣)، والطحاوي في ((أحكام القرآن)) (٤٦٩)، وعجبٌ صنيعُ الحافظ رحمه الله كيف أغفل تتبّع متابعاته على عادته في الاستقراء التامّ! وقد تابعه عند البخاري مالكُ بن سُعَير = ٥١٥ سورة الإسراء / ح ٤٧٢٢ - ٤٧٢٣ كتاب التفسير. ابن عبد الرحمن (١) الإسكَنْدَراني عن هشام، وكذلك أرسَلَه مالك (٣٠٤/٢). قوله: ((أُنزِلَ ذلك في الدُّعاء)» هكذا أطلقَت عائشة، وهو أعَمّ من أن يكون ذلك داخلَ الصلاة أو خارجَها. وقد أخرجه الطَّبَرِيُّ (١٨٧/١٥)، وابن خُزَيمةَ (٧٠٧)، والمَعْمَري (٢)، والحاكم (١/ ٢٣٠) من طريق حفص بن غياث عن هشام، فزاد في الحديث: في التَّشَهُّد(٣). ومن طريق عبد الله بن شَدّاد، قال: كان أعرابٌ من بني تَيم إذا سَلَّمَ النبيّ ◌َِّ قالوا: اللهمَّ ارزُقنا مالاً ووَلَداً(٤). ورَجَّحَ الطَّبَرَيُّ حديث ابن عبّاس، قال: لأنَّه أصحّ ◌َخَرَجاً. ثمَّ أسنَدَ عن عطاء قال: يقول قوم: إنَّها في الصلاة، وقوم: إنَّها في الدُّعاء. وقد جاء عن ابن عبّاس نحو تأويل عائشة، أخرجه الطَّبَرِيُّ (١٨٣/١٥) من طريق أشعَثَ ابن سوَّار عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: نزلت في الدُّعاء. ومن وجه آخرَ عن ابن عبّاس مثله (١٨٤/١٥). ومن طریق عطاء ومجاهد وسعید ومكحول، مثله. ورَجَّحَ النَّوَويّ وغيره قولَ ابن عبّاس كما رَجَّحَه الطََّريّ، لكن/ يحتمل الجمع بينَهما ٤٠٦/٨ بأنّها نزلت في الدُّعاء داخل الصلاة، وقد روى ابن مَرْدويه من حديث أبي هريرة(٥) قال: = وأبو أسامة (٦٣٢٧، ٧٥٢٦)، وتابعه أيضاً على وصله خارج ((الصحيح)) حمادُ بن زيد ووكيعٌ وأبو معاوية ويحيى بن زكريا عند مسلم (٤٤٧)، وعَبْدةُ بن سليمان ويحبى القطانُ عند النسائي (١١٢٣٨). (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: عبد الرحيم، والمثبت على الصواب من (ع). (٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: العُمري. والمَعْمَري: هو الحسن بن علي بن شبيب الحافظ، صاحب كتاب ((عمل اليوم والليلة))، له ترجمة في (سير أعلام النبلاء)) ١٣ / ٥١٠. (٣) قال الحافظ في ((نتائج الأفكار)) ٢/ ١٨٣: صحيح السند غريبُ بعضِ المتنِ. ثم قال: فإن كان حفصُ حفظه، فهو أخصُّ ما ورد في ذلك. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤١، والطبري ١٥ /١٨٤، وعبد الله بن شداد تابعي. (٥) أورده ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٧٤١) مبيّناً أن في إسناده إبراهيم الهَجَريّ، وهو ضعيف. ٥١٦ سورة الكهف فتح الباري بشرح البخاري كان رسول الله وَّه إذا صَلَّى عندَ البيت رَفَعَ صوته بالدُّعاءِ، فنزلت. وجاء عن أهل التَّفسير في ذلك أقوال أُخَرُ: منها ما روى سعيد بن منصور من طريق صَحَابِيّ(١) لم يُسمَّ رفَعَه في هذه الآية: ((لا تَرفَع صوتَك في دُعائك، فتَذْكُرَ ذُنُوبَك، فتُعِيَّرَ بها)). ومنها ما روى الطَّبَرَيُّ (١٨٧/١٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: ﴿وَلَا ◌َّجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي: لا تُصَلِّ مُراءاة للنّاس ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي: لا تَترُكها تَحافةً منهم. ومن طرق عن الحسن البصريّ، نحوه. وقال الطَّبَرِيُّ: لولا أنَّنا لا نَستَجيزُ مُخالَفة أهل التَّفسير فيما جاء عنهم، لاحتَمَلَ أن يكون المراد: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي: بقراءتِك نهاراً ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي: ليلاً، وكان ذلك وجهاً لا يَبعُد من الصِّحّة. انتهى، وقد أثبتَه بعض المتأخِرينَ قولاً. وقيل: الآية في الدُّعاء، وهي منسوخة بقوله: ﴿آَدّعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] يأتي مزید لذلك في کتاب التوحید. ١٨ - سورة الكهف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ [١٧]: تَترُكُهم. وقال مجاهدٌ: ((وكانَ لَهُ ثُمُرٌ)) [٣٤]: ذهبٌ وفِضّةٌ، وقال غيرُه: جماعةُ الثَّمَرِ. ﴿يَجِعٌ﴾ [٦]: مُهْلِكٌ. ﴿أَسَفًا﴾ [٦]: نَدَماً. [المطففين: ٢٠]: مكتوبٌ، مِن الكَهْفُ: الفَتْحُ في الجبلِ، والرَّقِيمُ [٩]: الكتابُ، ﴿مَرْقُومٌ الرَّقْمِ. ﴿أَمَدًا﴾ [١٢]: غايةً، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ ﴾ [الحديد: ١٦]. (١) تحرف في (أ) إلى: مجاهد. ٥١٧ سورة الكهف كتاب التفسير وقال سعيدٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ: الرَّقِيمُ: لَوْحٌ مِن رَصَاصٍ، كَتَبَ عامِلُهم أسماءهم ثمَّ طَرَحَه في خِزانَتِه، فضَرَبَ اللهُ على آذانِهِم، فنامُوا. وقال غيره: ((رَبَطْنا على قُلوبِهِم)) [١٤]: ألْهَمْناهم صَبْراً، ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [القصص: ١٠]. ﴿مِرْفَقًا﴾ [١٦]: كلَّ شيءٍ ارتَفَقْتَ به. ﴿َتَزَوَرُ﴾ [١٧]: من الزَّوَرِ، والأَزْوَرُ: الأَمْيَلُ. ﴿فَجْوَةٍ﴾ [١٧]: مُتَّسَع، والجمعُ: فَجَواتُ وفِجَاءٌ، كقَولِك: رَكَوَاتٌ ورِكاءٌ. ﴿شَطَطًا﴾ [١٤]: إِفْراطاً. الوَصِيدُ [١٨]: الفِناءُ، جمعُه: وَصَائِدُ ووُصُدٌ، ويقال: الوَصِيدُ: البابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ ﴾ [البلد: ٢٠]: مُطْبَقةٌ، آصَدَ البابَ وأَوصَدَ. ﴿بَعَثْنَهُمْ﴾ [١٩]: أحيَيْناهُم. ﴿أَزْكَى﴾ [١٩]: أكثرُ، ويقال: أحَلُّ، ويقال: أكثرُ رَيْعاً. وقال غيره: ((لم تَظْلِمْ)) [٣٣]: لم تَنْقُصْ. وقال مجاهدٌ: ﴿ مَوْبِلًا﴾ [٥٨]: مَحِرِزاً، وأَلَتْ تَئِلُ: تَنْجُو. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [١٠] أي: لا يَعْقِلونَ. قوله: ((سورة الكهف - بِسْمِ اللهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) ثبتت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: تَترُكُهم)) وصَلَه الفِرْيابيُّ عنه، وروى عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة نحوه. وسَقَطَ هنا لأبي ذرِّ. قوله: ((وقال مجاهد: وكَانَ لَهُ ثُمُرٌ: ذهب وفِضّة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظه، وأخرج الفَرّاء من وجه آخر عن مجاهد قال: ما كان في القرآن ((ثُمُرِّ)) بالضَّمِّ: فهو المال، وما كان بالفتح: فهو النَّبات. ٥١٨ سورة الكهف فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال غيره: جماعةُ الثَّمَر)) كأنَّه عَنَى به قَتَادةَ، فقد أخرج الطَّبَريُّ من طريق أبي سفيانَ المعمَريّ عن مَعمَر عن قَتَادة قال: الثُّمُر المال كلّه، وكلّ مالٍ إذا اجتَمَعَ فهو ثُمُرٌّ، إذا كان من ◌َون الثَّمَرة وغيرها من المال كله. وروى ابن المنذر من وجه آخر عن قَتَادة قال: قرأ ابن عبّاس: ﴿ثَمَرٌ﴾ يعني بفتحَتَينِ (١)، وقال: يريد أنواع المال، انتهى. والذي قرأ هنا بفتحَتَينِ: عاصم، وبضمٌّ ثمَّ سكون: أبو عَمْرو، والباقونَ بضمَّتَيْنٍ. قال ابن التِّين: معنى قوله: جماعة الثَّمَر: أنَّ ثَمَرة ◌ُجمع على ثمار، وثمار على ثُمُر. قوله: (﴿بَخِعٌ﴾: مُهْلِكٌ)) هو قول أبي عُبيدة، وأنشَدَ لذي الرُّمّة: ألا أُّهذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ وروى عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة: ﴿َخِعُ نَّفْسَكَ﴾ أي: قاتلٌ نَفسَك. قوله: ((﴿أَسَفًا﴾: نَدَماً) هو قول أبي عبيدة، وقال قَتَادةُ: حَزَناً. ٤٠٧/٨ قوله: ((الكَهْفُ: الفَتْحُ في الجبل، والَّقِيمُ: الكتابُ، ﴿َّرْقُومٌ﴾: مَكْتُوب، من الرَّقْم)) تقدَّم جميع ذلك في أحاديثِ الأنبياء مشروحاً(٢). قوله: ((﴿أَمَدًا﴾: غايةً، ﴿فَطَالَ عَلَتِهِمُ الْأَمَّدُ﴾)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ، وهو قول أبي عُبيدة، وروى عبد بن حُميدٍ من طريق مجاهد في قوله: ﴿أَمَدًا﴾ قال: عَدَداً. قوله: ((وقال سعيد)) يعني ابنَ جُبَيرِ ((عن ابن عبّاس: الرَّقيمُ: لَوْحٌ من رَصَاصٍ كَتَبَ عامِلُهم أسماءَهم، ثمَّ طَرَحَه في خِزانَتِهِ، فضَرَبَ الله على آذانهم)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من (١) كذا قالَ الحافظُ رحمه الله، والظاهر أن هذا من ضبطه، لأن الطبري ١٥ /٢٤٥ قد أخرج قول قتادة هذا، وقال: بالضَّمِّ، ونسبه السيوطي في ((الدر المنثور)) أيضاً لأبي عبيد وابن أبي حاتم، وقال الطبري: وكأن الذين وجَّهوا معناها إلى أنها أنواع من المال، أرادوا أنها جَمْعُ ثمار ◌ُمِعَ تُمُراً، كما يُجمَعِ الكِتاب كُباً، والحمارُ حُمراً. قلنا: وما نقله الحافظ عن مجاهد عند الفراء يؤيده، فبان خطأ ما عند الحافظ رحمه الله. (٢) بین یدي الحديث (٣٤٦٥). ٥١٩ سورة الكهف كتاب التفسير طريق يَعْلى بن مسلم عن سعيد بن جُبَير مُطوَّلاً، وقد لخّصتُه في أحاديث الأنبياء، وإسناده صحيح على شرط البخاريّ. وقد روى ابن مَرْدويه من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس أنَّه قال: ما كنت أعرِف الرَّقيم، ثمَّ سألتُ عنه، فقيلَ لي: هي القرية التي خَرَجوا منها. وإسناده ضعيف. قوله: ((وقال غيره: رَبَطْنا على قُلُوبِهِمٍ: أَمْناهم صَبْراً)) تقدَّم شرحُه في أحاديث الأنبياء. قوله: ((﴿لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾)) أي: ومن هذه المادّة هذا الموضعُ، ذكره استِطْراداً، وإنَّما هو في سورة القَصَص. وهو قول أبي عُبيدة أيضاً. وروى عبد الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن قَتَادة قال: ﴿لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ﴾ بالإيمان. قوله: ((﴿مِرْفَقًا﴾(١): كلُّ شيء ارتَفَقْتَ به)) هو قول أبي عُبيدة، وزادَ: ويَقْرؤه قومٌ بفتح الميم وكسر الفاء. انتهى، وهي قراءة نافع وابن عامر. واختُلِفَ هل هما بمعنَى أم لا؟ فقيلَ: هو بكسرِ الميم للجارِحة، وبفتحها للأمرِ الذي يُرتَفَق به (٣)، وقد يُستَعمَل أحدهما موضعَ الآخر. وقيل: لُغَتان فيما يُرتَفَق به، وأمَّا الجارحة فبالكسرِ فقط. وقيل: لُغَتان في الجارحة أيضاً. وقال أبو حاتم: هو بفتح الميم: الموضع، كالمسجد، وبكسرها: الجارحة. قول: (﴿تَّزَوَرُ﴾: من الزَّوَرِ، والأزْوَرُ: الأمْيَلُ» هو قول أبي عبيدة. قوله: ((﴿فَجْوَةٍ﴾ مُتَّسَعٌ، والجمع: فَجَواتٌ وفِجَاء(٣)، كقولِك: رَكَوَاتٌ ورِكَاءٌ(٤)) هو قول أبي عبيدة أيضاً. (١) لم يَرِدْ تفسير هذه الكلمة والكلمتين بعدها في اليونينية هنا، ولا في ((إرشاد الساري))، مع أن كلام الحافظ الآتي قريباً يفيد أنها ثابتة عند غير أبي ذرِّ الهروي، فالله تعالى أعلم. (٢) قوله: الذي يرتفق به، سقط من (أ) و(س)، وأثبتناه من (ع). (٣) تحرف في (س) إلى: وفجی. (٤) تحرف في (أ) و(س) إلى: زكوات وزكاة. والمثبت على الصواب من (ع). وقد تقدم هذا الكلام بعينه في الحج في باب السير إذا دفع من عرفة بإثر الحديث (١٦٦٦)، لكنه جاء بلفظ: رَكْوة ورِكاء، يعني بذكر المفرد وأحد الجمعين، وهُنا ذكر الجمعين معاً. ٥٢٠ سورة الكهف فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((﴿شَطَطًا﴾: إفراطاً. الوَصيدُ: الفِناء ... )) إلى آخره، تقدَّم كلّه في أحاديث الأنبياء(١). قوله: (﴿بَعَثْنَهُمْ﴾: أحيَيْناهُم)) هو قول أبي عُبيدة. وروى عبد الرَّزّاق من طريق عِكْرمة قال: كان أصحاب الكهف أولادَ مُلوك اعتَزَلُوا قومَهم في الكهف، فاختلفوا في بعث الرّوح والجسد، فقال قائل: يُبعَثان، وقال قائل: تُبعَث الرّوح فقط، وأمَّا الجسد فتأكُله الأرض، فأماتَهم الله ثمَّ أحياهم، فذكر القِصّة. قوله: (﴿أَزْكَ﴾: أكثر، ويقال: أحَلُّ، ويقال: أكثرُ رَيْعاً)) تقدَّم أيضاً، وروى سعيد بن منصور من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: أحَلُّ ذَبيحةً، وكانوا يَذْبَحونَ لِلطَّواغِيتِ. تنبيه: سَقَطَ من قوله: ((الكهف: الفتح)) إلى هنا، من رواية أبي ذرِّ هنا، وكأنَّه استَغْنى بتقديم جُلٌّ ذلك هناكَ. قوله: ((وقال غيره: لم تَظْلِمْ: لم تَنْقُصْ)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: وقال ابن عبّاس، فذكره، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن جُرَيج عن عطاء(٢) عن ابن عبّاس، وكذا الطَّبَرِيُّ من طريق سعيد عن قَتَادة. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مَوْبِلًا﴾: مَخْرِزاً)) وصَلَه الفِرْيابيّ. وروى عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿مَوْبِلًا﴾ قال: مَلجَأً، ورَجَّحَه ابن قُتَيبة، وقال: هو مِن وَأَلَ: إذا لَجَأَ إليه. وهو هنا مصدر، وأصل المَوئِل: المَرجِع. قوله: ((وَأَلَتْ تَثْلُ: تَنْجُو)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿مَوْبِلًا﴾: مَلجَأَ ومَنْجاً، قال الشّاعر (٣): فلا وَأَلَتْ نفسُ عليها تُحاذِرُ أي: لا نَجَت. (١) بین یدي الحدیث (٣٤٦٥). (٢) عطاء هذا: هو الخراساني، وهو الذي سمع منه ابن جريج تفسير القرآن سوى سورتي البقرة وآل عمران، فسمعهما ابن جريج من عطاء بن أبي رباح، كما نبّه عليه الحافظ في مقدمة الشرح، والخراساني لم يسمع ابن عباس. (٣) هو خُراشة بن عمرو العَبْسي، انظر: ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه ٢٦/٦-٢٧.