النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سورة الإسراء / ح ٤٧٠٨ كتاب التفسير قوله: (﴿مَّيْسُورًا﴾: لَيِّناً)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا﴾، أي: لَيِّناً. وروى الطَّبَرَيُّ من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ في قوله: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾، أي: ليِّناً(١) تَعِدُهم. ومن طريق عِكْرمة قال: عِدْهم عِدةً حَسنة. وروى ابن أبي حاتم(٢) من طريق محمَّد بن أبي موسى عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا﴾ قال: العِدة. ومن طريق السُّدّيِّ قال: تقول: نَعمْ وكَرَامة، وليس عندَنا اليوم. ومن طريق الحسن: تقول: سَيكون إن شاء الله تعالى. قوله: (﴿خِطْئًا﴾: إِثْماً، وهو اسم من خَطِئْتُ، والخَطَأ - مفتوحٌ - مَصْدَرُه من الإثم، خَطِئْت بمعنى أخطَأت)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، أي: إثماً، وهو اسم من خَطِئتُ، فإذا فتحته فهو مصدر، قال الشّاعر(٣): دَعِيني إِنَّمَا خَطَئِي وصَوْبي علَيَّ وإنَّ ما أَهلِكْتُ مالي ثُمَّ قال: وخَطِئْتُ وأخطَأت لُغَتان، وتقول العرب: خَطِئْت إذا أذنَبت عَمداً، وأخطَأتُ: إذا أذنَبت على غير عَمد. واختارَ الطَّبَريُّ القراءة التي بكسرٍ ثمَّ سكون، وهي المشهورة. ثُمَّ أسنَدَ عن مجاهد في قوله: ﴿خِطْئًا﴾ قال: خَطيئةً، قال: وهذا أولى، لأنَّهم كانوا يَقْتُلُونَ أولادهم على عَمْدٍ لا خطأٍ، فنُهوا عن ذلك. وأمَّا القراءة بالفتح فهي قراءة ابن ذَكْوانَ(٤)، وقد أجابوا عن الاستبعاد الذي أشارَ إليه (١) تحرف في (س) إلى: لصام. (٢) وهو أيضاً عند البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥١). (٣) هو أوس بن غلفاء التميمي. انظر: ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة ٢/ ٦٢١. (٤) أي في روايته عن ابن عامر الدمشقي من السبعة، ووافقه في هذه القراءة أبو جعفر المدني من العشرة، وقرأ ابن كثير من السبعة بكسر الخاء وفتح الطاء وألف ممدودة بعدها. انظر: ((النشر)) لابن الجزري ٢/ ٣٠٧. ٤٨٢ سورة الإسراء / ح ٤٧٠٨ فتح الباري بشرح البخاري الطَّبَرُّ بأنَّ معناها: إنَّ قتْلَهم كان غيرَ صواب، تقول: أخطأً يُخْطِئ خطأً: إذا لم يُصِب. وأمَّا قول أبي عُبيدة الذي تَبعَه فيه البخاريّ حيثُ قال: خَطِئت بمعنى أخطَأْت، ففيه نَظَر، فإنَّ المعروف عندَ أهل اللُّغة أنَّ خَطِئَ بمعنى: أثِمَ، وأخطأً: إذا لم يَتَعَمَّد، أو إذا لم ◌ُصِب. قوله: (﴿حَصِيرًا﴾: تَخْبِساً تَخْصَراً)) أمَّا تَحَبِساً، فهو تفسير ابن عبّاس، وصَلَه ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾ قال: مَحِساً. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿حَصِيرًا﴾ قال: مَصَراً. قوله: (﴿تَّخْرِقَ﴾: تَقْطَع)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ قال: لَن تَقطَع. قوله: ((﴿وَ إِذْ هُمْ تَجْرَ﴾: مَصْدَرٌ من ناجَيتُ، فَوَصَفَهم بها، والمُعْنَى: يَتَنَاجَوْنَ)) كذا فيه، وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ تَخْرَىٌ﴾ هو مصدر ناجَيتُ، أو اسم منها، فَوَصَفَ بها القوم، كقولهم: هم عذاب، فجاءت ((نَجْوَى)) في موضع مُتَنَاجِينَ. انتهى، ويحتمل أن يكون على حذف مُضاف، أي: وهم ذَوو نَجوَى، أو هو جمع نَجيٍّ، كقَتیلٍ وقَتْلَى. قوله: ((رُفاتاً: حُطامً)) قال أبو عُبيدة في قوله: ((رُفاتاً)، أي: حُطاماً، أي: عِظاماً مُخَطَّمة. وروى الطََّرَيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿أَوِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَانًا﴾ قال: تراباً. قوله: ((﴿ وَأَسْتَغْزِزْ﴾: استَخِفَّ. ﴿إِخَيْلِكَ﴾: الفُرْسان. والرَّجْل والرِّجال(١): الرَّجّالة، (١) كذا في الأصلين و(س): والرَّجْل والرِّجال، والذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) أن قوله: والرِّجال، إنما جاء في رواية أبي ذر الهروي بدل قوله: والرَّجْل، فجمع الحافظُ رحمه الله بينهما، ولم یَرِدا مجموعین في شيءٍ من روايات البخاري. والمراد من ذلك بيان قوله تعالى: ﴿وَرَجِلِكَ﴾، وكذا قرأها حفص عن عاصم، وقرأها الباقون: ((ورَجْلِك)) بإسكان الجيم. انظر: ((النشر)) ٣٠٨/٢. وأما القراءة بكسر الراء = ٤٨٣ سورة الإسراء / ح ٤٧٠٨ كتاب التفسير واحدُها راجِل، مِثْل: صاحبٍ وصَحْبٍ، وتاجِرٍ وتَجْرِ)) هو كلام أبي عُبيدة بنَصِّه، وتقدَّم شرحه في بَدْء الخلق(١). وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد في قوله: ﴿ وَاُسْتَغْزِزْ﴾ قال: اسْتَنزِلْ. قوله: (﴿حَاصِبًا﴾: الرِّيح العاصفُ، والحاصبُ أيضاً ما تَرْمي به الرّيح، ومنه ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يُرْمَى به في جَهَنَّم، وهم حَصَبُها، ويقال: حَصَبَ في الأرض: ذهب، والحَصَبُ مُشتَقّ من الحَصْباء الحجارة» تقدَّم في صفة النار من بَدْء الخلق(٢)، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾/ أي: ريحاً عاصفاً تَحصِب، ويكون الحاصب من الجليد أيضاً، ٣٩١/٨ قال الفَرَزدَق: بحاصبٍ كَنَديفِ القُطن مَنُورِ وفي قوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: كلّ شيء ألقيتَه في النار، فقد حَصَبتها به. وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قَتَادة قال: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قال: حجارة من السماء. ومن طريق السُّدّيِّ قال: رامِياً يرميكُم بحجارةٍ. قوله: (﴿تَارَةً﴾: أي: مرَّةً، والجمع تِيَرٌ وتارات)) هو كلام أبي عُبيدة أيضاً. وقوله: ((والجمع تِيَ)) بكسرِ المثنّاة الفَوْقانيّة وفتح المثنّاة التَّحتانيَّة. وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد(٣) عن قَتَادة في ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ قال: مرَّة أُخرى. قوله: ((﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾: لَأستأصِلَنَّهُم، يقال: احتَنَكَ فلان ما عندَ فلان مِن عِلم: استَقْصاه)» = بعدها جيم خفيفة ثم ألف بعدها لام فهي قراءة شاذة قرأ بها أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعكرمة. انظر: ((زاد المسير)) ٣/ ٣٧. (١) قبل الحديث (٣٢٦٨). (٢) قبل الحديث (٣٢٥٨). (٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: شعبة. والمثبت على الصواب من (ع)، موافقاً لما جاء في ((تفسير الطبري)) ١٢٤/١٥، وكذا جاء هذا التفسير عن سعيد عن قتادة عند الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا نُخْرُِكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ من سورة طه. ٤٨٤ سورة الإسراء / ح ٤٧٠٩ - ٤٧١٠ فتح الباري بشرح البخاري تقدَّم شرحه في بَدْء الخلق(١). وروى سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ قال: لَاحتَوِیَن، قال: يعني: شِبه الزِّناق. قوله: ((وقال ابن عبّاس: كلّ سُلْطانٍ في القرآن فهو حُجّةٍ)) وصَلَه ابن عُيَينةَ في ((تفسيره)) عن عَمْرو بن دينار عن عِكْرمة عن ابن عبّاس. وهذا على شرط الصَّحيح. ورواه الفِرْيابيُّ بإسنادٍ آخر عن ابن عبّاس، وزاد: وكلّ تسبيح في القرآن فهو صلاة. قوله: ((﴿وَإِىٌّ مِّنَ الذُّلِ﴾: لم يُحالِفْ أحداً) وروى الطَّبَرِيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ, وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِ﴾ قال: لم يُخالِف أحداً. ١ - باب قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] ٤٧٠٩ - حدَّثنا عَبْدَانُ، أخبَرَنا عبدُ الله، حدَّثنا يونس (ح) وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا عَنْبَسةُ، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال ابنُ المسيّب: قال أبو هريرةَ: أَتِيَ رسولُ اللهِ وَله ليلةَ أُسْرِيَ به بإيلياءَ بقَدَحَينٍ من خْرٍ ولَبَنِ، فَنَظَرَ إليهما، فأخَذَ اللَّبَنَ، فقال جِبْرِيلُ: الحمدُ لله الذي هَداكَ الفِطْرةِ، لو أَخَذْتَ الخْرَ غَوَت أَمَّتُكَ. ٤٧١٠ - حدّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني یونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال أبو سَلَمةَ: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َلام يقول: (لمَّاً كَذَّبَتْني قُرَيشٌ قُمْتُ في الحِجْرِ، فجَلَّى الله لي بيتَ المقدِسِ، فطَفِقْتُ أُخبِرُهم عن آياته، وأنا أنظُرُ إلیه)). زادَ يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ شِهابٍ، عن عَمِّه: «لمَّا كَأَّبتْنِي قُرَيشٌ، حينَ أُسْرِيَ بي إلى بيتِ المقدِسِ» ... نحوَه. قوله: ((باب قوله: ﴿أَسْرَىُّ بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾)» لم يَختلِفِ القُرّاء في (١) قبل الحديث (٣٢٦٨). ٤٨٥ سورة الإسراء / ح ٤٧٠٩ - ٤٧١٠ كتاب التفسير ﴿أَسْرَى﴾ بخِلَاف قوله في قِصّة لوط: ﴿فَأَشْرِ﴾ [هود: ٨١]، فَقُرِتَت بالوجهَينِ(١). وفيه تَعقُّب على مَن قال من أهل اللُّغة: إنَّ أسرَى وسَرَى بمعنى واحدٍ. قال السُّهَيليُّ: السُّرَى: من سَرَيتُ: إذا سِرْتَ ليلاً، يعني فهو لازِم، والإسراء يَتَعَدَّى في المعنى، لكن حُذِفَ مفعوله حتَّى ظَنَّ مَن ظَنَّ أنَّهما بمعنَى واحد، وإنَّما معنى ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ جَعَلَ البُراقُ يَسري به، كما تقول: أمضَيتُ كذا، بمعنى: جَعَلتُه يمضي، لكن حَسُنَ حذف المفعول لقوّة الدّلالة عليه أو للاستِغْناءِ عن ذِكْره، لأنَّ المقصود بالذِّكرِ المصطفى لا الدّابةُ التي سارَت به. وأمَّا قِصّة لوط فالمعنى سِرْ بهم على ما يَتحمَّلونَ عليه من دابّة ونحوها، هذا معنی القراءة بالقطعِ، ومعنى الوَصلِ سِرْ بهم ليلاً، ولم يأتِ مِثل ذلك في الإسراء لأنَّه لا يجوز أن يقال: سری بعبده بوجهٍ من/ الوجوه، انتھی. ٣٩٢/٨ والنَّفي الذي جَزَمَ به إنَّما هو من هذه الحيثيَّة التي قَصَدَ فيها الإشارة إلى أنَّه سارَ ليلاً على البُراق، وإلّا فلو قال قائل: سَرَيتُ بزيدٍ، بمعنى: صاحَبتُه، لكان المعنى صحيحاً. ذكر فيه حديث أبي هريرة: أُتيَ رسول اللهَ وَّل﴿ ليلةَ أُسريَ به بإيلياءَ بقَدَحَينٍ، وقد تقدَّم شرحه في السِّيرة النبويَّة (٣٨٨٧)، ويأتي في الأشربة (٥٥٧٦ ٥٦٠٣). وذكر فيه أيضاً حديث جابر قال: سمعت رسول الله وَ لَم يقول: «لمَّا كَذَّبَتني قُرَيش)» كذا للأكثرِ، وللكُشْمِيهنيّ: ((كَذَّبَني)» بغير مُثنّاة. قوله: ((فجّى الله لي بيت المقدس)) تقدم شرحه أيضاً في السيرة النبوية (٣٨٨٦) والذي اقترحَ على النبي ◌َّر أن يصفَ لهم بيت المقدس هو المُطعِم بن عَديِّ، أخرجه أبو يعلى(٢) من حديث أم هانئ، وأخرج النسائي (ك١١٢٢١) من طريق زرارة بن (٣) أوفى عن ابن (١) قرأ ابن كثير ونافع بالوصل، وقرأ الباقون بالقطع. انظر ((السبعة)) لابن مجاهد ص٣٣٨. (٢) في ((مسنده)) الذي برواية ابن المقرئ، كما في (المطالب العالية)) للحافظ (٤٢٣٥). (٣) في (س): زرارة بن أبي أوفى، بإقحام لفظة ((أبي))، وهو خطأ. ٤٨٦ سورة الإسراء / ح ٤٧٠٩- ٤٧١٠ فتح الباري بشرح البخاري عباس هذه القصة مطوَّلة، وقد ذكرتُ طرفاً منها في أول شرح حديث الإسراء معزوّاً إلى أحمد (٢٨١٩) والبزار (٥٣٠٥)، ولفظ النسائي: ((لمَّا كان ليلة أُسريَ بي ثم أصبحتُ بمكة فَظِعْتُ بأمري، وعرفتُ أن الناس مُكذٍِّّ، فقعدتُ معتزِلاً حزيناً» فمرَّ به عدوُّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان مِن شيء؟ قال: ((نعم)) قال: ما هو؟ قال: ((إني أُسريَ بي الليلةَ)) قال: إلى أين؟ قال: ((إلى بيت المقدس)) قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: ((نعم)) قال: فلم يَرَ أن يُكذِّبَه مخافةَ أن يَجحَد ما قال إن دعا قومَه، قال: إن دعوتُ قومَك لك تحدِّثهم؟ قال: ((نعم)) قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي، هلمَّ، قال: فانتَفَضَت المجالسُ، فجاؤوا حتى جَلَسُوا إليهما، قال: حدِّث قومَك بما حدَّثْتَني، فحدَّثَهم، قال: فمِن مُصفّقٍ ومن واضِعِ يدَه على رأسِه متعجِّباً، وفي القوم مَن سافر إلى ذلك البلد، ورأى المسجدَ، قال: فهل تستطيع أن تَنعَتَ لنا المسجدَ، قال النبيُّ وََّ: ((فذهبتُ أنعَتُ لهم)) قال: ((فما زلتُ أَنعَتُ حتى التبَسَ عليَّ بعضُ النَّعْت، فجيء بالمسجد حتى وُضِعَ فنعتُّه وأنا أنظر إليه))، قال: ((فقال القوم: أمَّا النعتُ فقد أصاب)). قوله: ((زاد يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمِّه: لمَّا كذَّبْني قريشٌ حين أُسْريَ بي إلى بيت المقدس)) وَصَلَه الذُّهْلي في ((الزهريات)) عن يعقوب، بهذا الإسناد. وأخرجه قاسم بن ثابت في ((الدلائل)) من طريقه، ولفظه: جاء ناسٌ من قريش إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبِك يزعُم أنه أتى بيتَ المقدس، ثم رجعَ إلى مكة مِن ليلةٍ واحدةٍ؟ قال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لقد صدق. وروى الذُّهْلي أيضاً وأحمد في مسنده)) (١٥٠٣٤) جميعاً عن يعقوب بن إبراهيم المذكور عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب، بسنده: ((لمَّا كذَّبتْني قريٌ)) الحديث، فلعله دخل إسناد في إسناد، أو لمّا كان الحديثان في قصة واحدة أطلَقَ(١) ذلك. (١) في (س): أدخل، والمثبت من الأصلين. ٤٨٧ سورة الإسراء كتاب التفسير ٢- باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىّ ءَدَمَ ﴾ [الإسراء: ٧٠] كرّمنا وأكرمنا واحدٌ. ﴿ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [٧٥]: عذابَ الحياةِ وعذابَ المَمات. خِلَفَكَ﴾ [٧٦] وخَلْفَكَ سَواءٌ. ﴿وَنَا﴾ [٨٣]: تَبَاعَدَ. ﴿شَاكِلَتِهِ،﴾ [٨٤]: ناحيته، وهي مِن شَكَلْتُه. ﴿صَرَّفْنَا﴾ [٤١]: وجَّهْنا. ﴿ قَبِيلًا﴾ [٩٢]: مُعاينةً ومُقابَلةً، وقِيلَ: القابِلةُ، لأنَّهَا مُقابِلَتُها، وتَقبَلُ ولَدَها. خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾ [١٠٠]: أنفَقَ الرجُلُ: أملَقَ، ونَفِقَ الشَّيءُ: ذهبَ. ﴿قَتُورًا﴾ [١٠٠]: مُقَتِّراً. ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ [١٠٧ و١٠٩] أي: مُجْتَمَعُ اللَّحْبَينِ، الواحدُ: ذَقَرٌ. وقال مجاهدٌ: ﴿ مَّوْفُورًا﴾ [٦٣]: وافِراً. ﴿يَبِعًا﴾ [٦٩]: ثائراً. وقال ابنُ عبَّاسٍ: نَصِيراً. ((لا تُبَذِّرْ)) [٢٦]: لا تُنْفِقِ في الباطِلِ. ﴿أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ [٣٨]: رِزْقٍ. ﴿مَثْبُورًا﴾ [١٠٢]: مَلْعُوناً. ﴿وَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [١٠٧ و١٠٩]: للوُجُوه. ﴿فَجَاسُواْ﴾ [٥]: تَيمَّمُوا. ﴿يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ [٦٦]: يُجْرِي الفُلْكَ. قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىّ ءَدَمَ﴾ كَرَّمنا وأكرَمنا واحدٌ)) أي: في الأصل، وإلّا ٣٩٣/٨ ٤٨٨ سورة الإسراء فتح الباري بشرح البخاري فبالتَّشْدِيدِ أبلَغ، قال أبو عُبيد: كَرَّمْنا، أي: أكرمنا، إلّا أنَّها أشدّ مُبالَغَةً في الكرامة. انتهى. وهو من كَرُمَ بضمِّ الرّاء، مثل: شَرُفَ، وليس من الكَرَم الذي هو في المال. قوله: (﴿ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾: عذابَ الحياة وعذابَ المَمات)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ضِعْفَ الْحَيَوةِ﴾: مختصرٌ، والتَّقدير: ضِعف عذاب الحياة وضِعف عذاب الممات. وروى الطَّبَريُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ضِعْفَ الْحَيَوْةِ ﴾ قال: عذابها ﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ قال: عذاب الآخرة. ومن طريق عليّ بن أبي طلحة(١) عن ابن عبّاس قال: ضِعف عذاب الدُّنيا والآخرة. ومن طريق سعيد عن قَتَادة مثله. وتوجيه ذلك أنَّ عذاب النار يُوصَف بالضِّعفِ، قال تعالى: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: عذاباً مُضاعَفاً، فكأنَّ الأصل: لَأَذَقْنَاك عذاباً ضِعْفاً في الحياة، ثمَّ حَذَفَ الموصوف وأقامَ الصِّفة مَقامَه، ثمَّ أُضيفَتِ الصِّفةُ إضافةَ الموصوف، فهو كما لو قيل: ألِيمَ الحياةِ مَثَلاً. قوله: (﴿خِلَفَكَ﴾ وخَلْفَك سَواءٌ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خَلْفِكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أي: بعدَك. قال: ﴿خِلَفَكَ﴾ وخَلفك سواء، وهما لُغَتان بمعنَى، وقُرِئَ بهما. قلت: والقراءتان مشهورتان، فقرأ: ((خَلْفَك)) الجمهورُ، وقرأ: ﴿ِلَفَكَ ﴾ ابن عامر والأخوان(٢)، وهي رواية حفص عن عاصم. قوله: (﴿وَنَا﴾: تَبَاعَدَ)) هو قول أبي عبيدة، قال في قوله: ﴿وَا ◌ِجَانِهِ،﴾، أي: تَباعَدَ. قوله: (﴿شَاكِلَتِهِ،﴾: ناحيته، وهي من شَكَلْتُه)) وصَلَه الطَّبَريُّ (١٥٤/١٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ،﴾ قال: على ناحيته. (١) كذا ذكر الحافظ أنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، لأن الذي في ((تفسير الطبري)) ١٣١/١٥ أنه من رواية عطية العَوْفي عن ابن عباس. (٢) هما حمزة والكسائي الكوفيان، والمراد بالأخوة هنا أخوة العلم والمسكن، لا أخوة النسب. ٤٨٩ سورة الإسراء كتاب التفسير ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: على طَبِيعَته وعلى حِدَته. ومن طريق سعيد عن قتادة قال: يقول: على ناحيته و على ما يَنوي. وقال أبو عبيدة: ﴿قُلْ كُلٌ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ،﴾، أي: على ناحيَّتَه وخَلِيقَتِهِ، ومنها قولهم: هذا مِن شَکْل هذا. قوله: (﴿صَرَّفْنَا﴾: وجَّهْنا)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ أي: وجَّهُنا وبيَّنّا. قوله: (﴿حَصِيرًا﴾: تَخْبِسا) (١) هو قول أبي عبيدة أيضاً، وهو بفتح الميم وكسر الموحّدة، وروى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: ﴿حَصِيرًا﴾، أي: سِجناً. قوله: ((﴿قَبِيلًا﴾: مُعاينَةً ومُقابَلةً. وقيل: القابلة، لأنَّها مقابِلَتُها، وتَقبَل ولدَها)) قال أبو عُبيدة: ﴿وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلًا ﴾ مَجَازُه: مُقابَلة، أي: مُعاينة، قال الأعشَى: كَصَرْخة حُبلَى بَشَّرتْها قبيلُها أي: قابلتُها. وقال ابن التِّين: ضبطَه بعضهم: تَقْبُل ولدها، بضمِّ الموحَّدة، وليس ببيٍِّ. وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد، عن قَتَادة: ﴿قَبِيلًا﴾: أي: جُنداً نُعاِنُهم مُعايَنَةً. قوله: ((﴿خَشْيَةَ آلْإِنِفَاقِ﴾: يقال: أَنفَقَ الرجلُ: أمْلَقَ، ونَفِقَ الشَّيءُ: ذهبَ)) كذا ذكره هنا، والذي قاله أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ ﴾ [الأنعام: ١٥١]، أي: من ذهابٍ مالٍ، يقال: أمْلَقَ فلانٌ: ذهبَ مالُه، وفي قوله: ﴿ وَلاَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةً إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، أي: فقْرٍ. وقوله: (نَفِقَ الشَّيءُ: ذهبَ)) هو بفتح الفاء ويجوز كسرها، هو قول أبي عُبيدة. (١) تفسير هذه الكلمة تقدم عند البخاري في أول تفسير سورة الإسراء، وشرح عليه الحافظ هناك، ولم يرد هنا في شيء من روايات البخاري، حسب ما في اليونينية و((إرشاد الساري))، فلا ندري لم أعاد ذكره الحافظ رحمه الله هنا! على أن فيه من الفوائد ما لم يذكره الحافظ هناك. ٤٩٠ سورة الإسراء فتح الباري بشرح البخاري وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدّيِّ قال: خَشْية الإنفاق، أي: خَشْية أن يُنفِقُوا فَيَفْتَقِروا. قوله: (﴿قَتُورًا﴾: مُقَِّاً) هو قول أبي عبيدة أيضاً. قوله: (﴿لِلْأَذْقَانِ ﴾ أي: مُتَمَعُ اللَّخْبَينِ، الواحد ذَقَنٌ» هو قول أبي عبيدة أيضاً: وسيأتي له تفسير آخرُ قريباً. واللَّحيَينِ، بفتح اللّام ويجوز كسرها: تثنية لَحْيٍ. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مَّوْفُورًا﴾: وافِراً) وصَلَه الطَّبَرِيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عنه سواءً. قوله: (﴿يَبِيعًا﴾: ثائراً، وقال ابن عبّاس: نَصِيراً)) أمَّا قول مجاهد فوَصَلَه الطَّريُّ من ٣٩٤/٨ طريق ابن أبي نَجِيح عنه في قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْلَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، تَبِيعًا﴾/ أي: ثائراً، وهو اسم فاعل من الثَّْرِ، يقال لكلِّ طالبٍ ثَارٍ وغيره: تَبيع وتابع. ومن طريق سعيد عن قَتَادة، أي: لا نَخافُ أن نُتْبَع بشيءٍ من ذلك. وأمَّا قول ابن عبّاس، فوَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿يَبِيعًا﴾ قال: نَصِيراً. قوله: ((لا تُبَّذِّرْ: لا تُنْفِقِ في الباطِل)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (٧٤/١٥) من طريق عطاءِ الخُراسانيّ، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلَا نُبَذِّرْ﴾: لا تُنفِق في الباطِلِ، والتَّبذير: السَّرَف في غیر حَقّ. ومن طريق عِكْرمة عن ابن عباس (١) قال: المبَذِّر: المنفِقُ في غير حَقّ. ومن طرق مُتَعَدِّدة عن أبي العُبَيدَينِ - وهو بلفظ التَّصغير والتَّنية - عن ابن مسعود، مثله، وزاد في بعضها: كنَّا أصحابَ محمَّدٍ نَتَحَدَّث أنَّ التَّذيرَ النَّفَقةُ في غير حَقّ. قوله: ((﴿أَنْتِغَّءَ رَحْمَةٍ﴾: رِزْقٍ)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ من طريق عطاء(٢) عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَقِمِن رَّكَ﴾ قال: ابتغاء ڕِزقٍ. ومن طريق ◌ِكْرمة مثله. ولابن أبي حاتم من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ في قوله: ﴿أَنْتِغَّةَ رَحْمَةٍ مِّن رَِّكَ تَرْجُوهَا﴾: قال: فضلاً. (١) قوله: ((عن ابن عباس)) سقط من (س). (٢) هو ابن أبي مسلم الخُراساني. ٤٩١ سورة الإسراء / باب ٢ كتاب التفسير قوله: ((﴿مَثْبُورًا): مَلْعُوناً) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٧٥/١٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس. ومن وجه آخر عن سعيد بن جُبير، عنه. ومن طريق العَوْفِيِّ، عنه، قال: مَغلوباً. ومن طريق الضَّحّاك مثله. ومن طريق مجاهد قال: هالكاً. ومن طريق قَتَادة قال: مُهلكاً. ومن طريق عَطيَّة قال: مُغيِّراً مُبَدِّلاً . ومن طريق ابن زيد بن أسلَمَ قال: تَحَبُولاً، لا عقْلَ لَه. قوله: (﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾: للوُجوهِ) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٥/ ١٨٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة، عنه. وكذا أخرجه عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة، مثله. وعن مَعمَر عن الحسن: لِلٌّحَى. وهذا يوافق قول أبي عُبيدة الماضي، والأوَّل على المجازِ. قوله: ((﴿فَجَاسُواْ﴾: تَيَمَّمُوا)) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ﴾، أي: فمَشَوْا. وقال أبو عُبيد(١): جاسَ يَجُوس، أي: نَقَّبَ. وقيل: نزلَ، وقيل: قَتَل، وقيل: تَرَدَّدَ، وقيل: هو طلب الشَّيء باستقصاءٍ، وهو بمعنى نَقَّبَ. قوله: (﴿يُزْجِى﴾ الفُلْكَ: يُجْرِي الفُلْكَ)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٢٢/١٥) من طريق عليّ بن (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: أبو عبيدة، والتصويب من ((الدر المصون)) للسَّمين الحلبي ٧/ ٣١٤، و((اللباب في علوم الكتاب)) لابن عادل الحنبلي ١٢/ ٢١٠. ٤٩٢ سورة الإسراء / ح ٤٧١١ فتح الباري بشرح البخاري أبي طلحة عنه، به. ومن طريق سعيد عن قَتَادة: ﴿يُزْجِى﴾ الفُلْك، أي: يُسَيِّرُها في البحر. ٣ -بابٌ ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَآَ أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا﴾ الآية [الإسراء: ١٦] ٤٧١١ - حدَّثْنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، أخبرنا منصورٌ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، قال: كنَّا نقولُ للحَيِّ إذا کَثُروا في الجاهليَّةِ: أَمِرَ بنو فلانٍ. حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، وقال: أُمَرَ. قوله: ((باب ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن ◌َُّلِكَ قَرْبَةً أَمْرْنَا مُتْرَفِبها ﴾ الآية)) ذکر فیہ حديث عبد الله - وهو ابن مسعود _: كنَّا نقول للحَيِّ إذا كَثُروا في الجاهليَّة: أَمِرَ بنو فلان، ثمَّ ذکره عن شیخ آخر عن سفيان - يعني بسندِه - قال: أَمَرَ؛ فالأُولى بكسر الميم، والثّانية بفتحها، وكلاهما لُغَتان، وأنكَرَ ابن التِّين فتح الميم في ((أمَرَ)) بمعنى: كَثُرَ، وغَفَلَ في ذلك، ومَن حَفِظَه حُجّة عليه، کما سأُوضحُه. وضَبَطَ الكِرْمانيُّ أحدَهما بضمِ الهمزة، وهو غَلَطُ منه. وقراءة الجمهور بفتح الميم، وحكى أبو جعفر عن ابن عبّاس: أنَّه قرأها بكسرِ الميم، وأثبتَها أبو زيد لغةً، وأنكَرَها الفَرّاء، وقرأ أبو رَجاء في آخِرِينَ بالمدِّ وفتح الميم، ورُويَت عن أبي عَمْرو وابن كثير وغيرهما(١)، واختارَها يعقوب، ووَجَّهَها الفَرّاء بما وَرَدَ من تفسير ابن مسعود، وزَعَمَ أنَّه لا يقال: أمَرْنا، بمعنى: كَثَّرْنا، إلّا بالمدِّ، واعتَذَرَ عن حديث: (أفضل المال مُهرةٌ مأمُورةً)(٢)، فإنَّهَا ذُكِرَت للمُزاوَجة لقوله فيه: ((أو سِكّةٌ مأبُورةٌ))، وقرأ أبو عثمان النَّهْديُّ كالأوَّل لكن بتشديد الميم، بمعنى الإمارة. واستَشهَدَ الطََّرِيُّ بما أسنَدَه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: (١) لكن القراءة المعتمدة عنهما كالجمهور. انظر: ((النشر)) لابن الجزري ٣١٢/٢. (٢) أخرجه أحمد (١٥٨٤٥) من حديث سويد بن هُبيرة، وإسناده ضعيف. ٤٩٣ سورة الإسراء / ح ٤٧١٢ كتاب التفسير ﴿أَمَّرْنَا مُتْرَفِهَا﴾ قال: سَلَّطنا/ شِرارَها. ثمَّ ساقَ عن أبي عثمان وأبي العاليَة ومجاهد أنَّهم ٣٩٥/٨ قرؤوا بالتَّشدید. وقيل: التَّضعيف للتَّعدية، والأصل: أمَرْنا، بالتَّخفيفِ، أي: كَثُرُنا، كما وَقَعَ في هذا الحديث الصَّحيح، ومنه حديث: ((خير المال مُهرةٌ مأمورَةٌ)) أي: كثيرة النِّتاج، أخرجه أحمد (١٥٨٤٥). ويقال: أَمِرَ بنو فلانٍ، أي: كَثُروا، وأَمَرَهم اللهُ: كَثَّرَهم، فَأَمِرُوا، أي: كَثُروا. وقد تقدَّم قول أبي سفيان في أوَّل هذا الشَّرح (٧) في قِصّة هِرَقَلَ حيثُ قال: لقد أَمِرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشة؛ أي: عَظُمَ. واختارَ الطَّبَريُّ قراءة الجمهور، واختارَ في تأويلها حَمَلَها على الظّاهر، وقال: المعنى: أمَرَنا مُتَرَفِيها بالطاعة، فعَصَوْا. ثمَّ أسنَدَه عن ابن عبّاس، ثمَّ عن سعيد بن جُبَیر. وقد أنكَرَ الََّشَرِيُّ هذا التَّأْوِيلَ وبالَغَ كعادتِهِ، وعُمْدة إنكاره: أنَّ حذف ما لا دليل عليه غير جائز. وتُعقِّبَ بأنَّ السِّياق يدلّ عليه، وهو كقولك: أمَرتُّه فعَصَاني، أي: أمَرْته بطاعَتي فعصاني، وكذا أمَرتُه فامتَثَل. ٤- بابٌ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] ٤٧١٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا أبو حَيّانَ التَّيْميُّ، عن أبي زُرْعةَ ابنِ عَمْرِو بنِ جَرِير، عن أبي هريرةَ ، قال: أَتِيَ رسولُ اللهِوَّ بِلْمِ، فُرُفِعَ إليه الذِّراعُ، وكانت تُعجِبُهُ، فَتَهَسَ منها نَهْسةً، ثمَّ قال: ((أنا سَيِّدُ الناسِ يومَ القيامةِ، وهل تَدْرُونَ مِمَّ ذلك؟ يُجمَعُ الناسُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحدٍ، يُسمِعُهُمُ الدّاعي، ويَنفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنو الشمسُ، فَيَبْلُغُ الناسَ منَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقونَ ولا يَحْتَمِلونَ، فيقول الناسُ: ألا تَرَوْنَ ما قد بَلَغَكُم؟ ألا تَنظُرُونَ مَن يَشْفَعُ لكُم إلى رَبِّكُم؟ فيقول بعضُ الناسِ لبعضٍ: عليكم بآدَمَ، فيأتونَ آدَمَ عليه السلام، فيقولون له: أنتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللّه بَيَدِه، ونَفَخَ فيكَ من رُوحِهِ، وَأمُرَ الملائكةَ فسَجَدُوا لكَ، اشفَع لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نحنُ فيه؟ ألا تَرَى إلى ما قد بَلَغَنا؟ فيقول آدمُ: ٤٩٤ سورة الإسراء / ح ٤٧١٢ فتح الباري بشرح البخاري إنَّ رَبّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً لم يَغْضَب قبلَه مِثلَه، ولا يَغْضَبُ بعدَه مِثلَه، وإنَّه قد نَهاني عن الشَّجَرةِ فعَصَيتُه، نفْسي نفْسي نفْسي، اذهبوا إلى غَيري، اذهبوا إلى نوحٍ. فيأتونَ نُوحاً، فيقولون: يا نوحُ، إِنَّكَ أنتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهلِ الأرضِ، وقد سَمّاكَ الله عبداً شكوراً، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نحنُ فيه؟ فيقول: رَبِّي عزَّ وجلَّ قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً، لم يَغْضَب قبلَه مِثلَه، ولن يَغْضَبَ بعدَه مِثلَه، وإنَّه قد كانَ لي دَعْوةٌ دَعَوْتُها على قومي، نفْسي نفْسي نفْسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيمَ. ٣٩٦/٨ فيأتونَ إبراهيمَ، فيقولون: يا إبراهيمُ، أنتَ نبيُّ الله، وخليلُه من أهلِ الأرضِ، اشفَع لنا / إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نحنُ فيه؟ فيقول لهم: إنَّ رَبّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً لم يَغْضَب قبلَه مِثلَه، ولن يَغْضَبَ بعدَه مِثْلَه، وإنّ قد كنتُ كَذَبتُ ثلاثَ كَذَباتٍ - فذكرهُنَّ أبو حَيّانَ في الحديثِ - نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسی. فيأتونَ موسى، فيقولون: يا موسى، أنتَ رسولُ الله، فضَّلَكَ الله برسالَتِهِ، وبِكلامِه على الناسِ، اشفَع لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نحنُ فيه؟ فيقول: إنَّ رَبّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً لم يَغْضَب قبلَه مِثْلَه، ولن يَغْضَبَ بعدَه مِثْلَه، وإنّ قد قَتَلْتُ نفْساً لم أومَر بقَتْلِها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى ابنِ مَريَّمَ. فيأتونَ عیسى، فيقولون: يا عيسى، أنتَ رسولُ الله، و کَلمَتُه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، وكَلَّمْتَ الناسَ في المَهْدِ صَبِيّاً، اشفَع لنا، ألا تَرَى إلى ما نحنُ فيه؟ فيقول عيسى: إنَّ رَبّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً لم يَغْضَب قبلَه مِثْلَه قَطُّ، ولن يَغْضَبَ بعدَه مِثْلَه، ولم يَذْكُرُ ذَنْباً، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمَّدٍ. فيأتونَ محمَّداً، فيقولون: يا محمَّدُ، أنتَ رسولُ الله، وخاتمُ الأنبياءِ، وقد غَفَرَ الله لكَ ما تقدَّم من ذَنْبِكَ وما تَأْخَّرَ، اشفَع لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نحنُ فيه؟ فأَنْطَلِقُ، فَآتي تحتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ ساجِداً لِرَبّ عزَّ وجلَّ، ثمَّ يَفْتَحُ الله عليَّ مِن تَحَامِدِهِ، وحُسْنِ الثََّاءِ عليه شيئاً، لم يَفْتَحْه على أحدٍ قبلي، ثمَّ يقال: يا محمَّدُ، ارفَع رأسَكَ، سَل تُعْطَه، واشفَع تُشَفَّع، فأرفَعُ رأسي، ٤٩٥ سورة الإسراء / ح ٤٧١٢ كتاب التفسير فأقولُ: أمَّتي يا رَبِّ، أمَّتي يا رَبِّ، أمَّتي يا ربٍّ فيقال: يا محمَّدُ، أدْخِل من أمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عليهم منَ الباب الأيمَنِ من أبواب الجنَّةِ، وهم شُرَكَاءُ الناسِ فيما سِوَى ذلك منَ الأبواب)» ثمَّ قال: ((والذي نفسي بيَدِه، إنَّ ما بينَ المِصْراعَينِ من مَصاريع الجنَّةِ كما بينَ مَكَّةَ وِيَرَ، أو كما بینَ مگَّةَ وبُصْرَی». قوله: باب (﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُكَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾)) ذكر فيه حديث أبي هريرة في الشَّفاعة من طريق أبي زُرْعة بن عَمْرو، عنه، وسيأتي شرحه في الرِّقاق (٦٥٦٥). وأورَدَه هنا لقوله فيه: ((يقولون: يا نوح، أنتَ أوَّل الرُّسُل إلى أهل الأرض، وقد سَمّاك اللهُ عبداً شَكوراً)) وقد مضى البحث في كَوْنه أوَّلَ الرُّسُل في كتاب التيمُم (٣٣٥). وقوله فيه في ذِكْر إبراهيم: ((وإنّي قد كنت كَذَبتُ ثلاث كَذباتٍ - فذكرُهُنَّ أبو حَيّانَ في الحديث -)) يشير إلى أنَّ مَن دونَ أبي حَیّانَ اختَصَرَ ذلك، وأبو حیّان هو الراوي له عن أبي زُرْعة، وقد مضى بيانُ ذلك في أحاديث الأنبياء (٣٣٦١). وفي الحديث رَدُّ على مَن زَعَمَ أنَّ الضَّمير في قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ لموسى عليه السلام، وقد صَحَّحَ ابن حِبّان(١) من حديث سلمان الفارسيّ: كان نوحُ إذا طَعِمَ أو لَبِسَ ◌َمِدَ الله، فسُمّيَ عبداً شكوراً. وله شاهد عند ابن مردويه من حديث معاذ بن أنس، وآخر من حديث أبي فاطمة. وقوله: (يَنفُذُهم البَصَر)) بفتح أوَّله وضمّ الفاء من الثَّلاثيّ، أي: يَخِرِقُهم، ويضمٍّ أوَّله وكسر الفاء من الرُّباعيّ، أي: يُحيط بهم. والذّال مُعجَمة في الرّواية، وقال أبو حاتم السِّجِستانيُّ: أصحاب الحديث يقولونه (١) كذا قال الحافظُ رحمه الله، وهو ذهول منه، لأن الحديث لم يذكره ابن حبان، ولا عزاه إليه هو في («إتحاف المهرة))، وإنما عزاه في («إتحاف المهرة)) (٥٩٥٣) إلى الحاكم، وهو عنده ٢/ ٣٦٠، ولعله أراد أن يذكر الحاكم، فسبق قلمه فذكر ابن حبان! ثم الحديث موقوف على سلمان الفارسي، ولم ينبّه عليه الحافظ رحمه الله. ٤٩٦ سورة الإسراء / ح ٤٧١٣ - ٤٧١٤ فتح الباري بشرح البخاري بالمعجَمة، وإنَّما هو بالمهمَلة، ومعناه يَبلُغ أوَّلهم وآخرهم. وأُجيبَ: بأنَّ المعنى يُحِيط بهم الرّائي، لا يَخْفَى عليه منهم شيءٌ لاستواءِ الأرض، فلا يكون فيها ما يَستَتِرِ به أحدٌ من الرّائي، وهذا أولَى من قول أبي عُبيد (١): يأتي عليهم بَصَرُ الرَّحمن؛ إذ رؤية الله تعالى مُحيطة بجميعِهم في كلّ حال سواءٌ الصَّعيدُ المستَوي وغيره. ويقال: نَفَذَه البَصَرُ: إذا بَلَغَه وجاوَزَه، والنَّفاذ: الجَوَاز، والْخُلُوص من الشَّيء، ومنه: نَفَذَ السَّهمُ نفوذاً(٢): إذا خَرَقَ الرَّمِيَّةَ وخرج منها. ٣٩٧/٨ ٥- بابٌ ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] ٤٧١٣- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن هنَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((خُفِّفَ على داودَ القُرآنُ، فكان يأمُرُ بدابَّتِهِ لِتُسرَجَ، فكان يقرأُ قبلَ أن يَفْرُغَ" يعني القرآنَ. قوله: ((باب ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾)) ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((خُفِّفَ على داود القرآن)». وَوَقَعَ في روايةٍ لأبي ذرٍّ: ((القِراءة)). والمراد بالقرآن: مصدر القراءة، لا القرآن المعهودُ لهذه الأُمّة. وقد تقدَّم إشباع القول فيه في ترجمة داود عليه السلام من أحاديث الأنبياء (٣٤١٧). ٦- بابٌ ﴿ قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ الآية [الإسراء: ٥٦] ٤٧١٤ - حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثني سليمانُ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعمَر، عن عبدِ الله: ﴿إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: كان ناسٌ منَ الإنسِ يَعْبُدُونَ ناساً مِنَ الجِنِّ، فأسلَمَ الجِنُّ، وتَمَسَّكَ هؤلاءِ بِدِينِهم. (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: أبي عبيدة، وإنما هو قول أبي عبيد القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)) ٤/ ٥٢. (٢) لفظة ((نفوذا)) سقطت من (س). ٤٩٧ سورة الإسراء / ح ٤٧١٣-٤٧١٤ كتاب التفسير زادَ الأشجَعُيُّ، عن سفيانَ، عن الأعمَشِ: ﴿ قُلِ آَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم قوله: ((باب ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ،﴾ الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره إلى: ﴿تَحْوِيلًا﴾. قوله: ((يحبى)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوريّ، وسليمان: هو الأعمش، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، وأبو مَعمَر: هو عبد الله الأزديّ، وعبد الله: هو ابن مسعودٍ. قوله: ((عن عبد الله: ﴿إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: كان ناس)) في رواية النَّسائيِّ (ك١١٢٢٥) من هذا الوجه عن عبد الله، في قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ قال: كان ناس ... إلى آخره. والمراد بالوسيلة: القُرْبة، أخرجه عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة. وأخرجه الطَّبَرِيُّ من طريق أُخرى عن قَتَادة، ومن طريق ابن عبّاس(١) أيضاً (١٥ / ١٠٦). قوله: ((فأسلَمَ الجِنّ، وَمَسَّكَ هؤلاءِ بدينِهم)) أي: استَمرَّ الإنس الذينَ كانوا يَعْبُدُونَ الجِنّ على عبادة الجِنّ، والجِنّ لا يَرضَونَ بذلك لكَوْنِم أسلموا، وهم الذينَ صاروا يَبْتَغونَ إلى ربهم الوسيلةَ. وروى الطَّبَرِيُّ (١٠٤/١٥) من وجه آخر عن ابن مسعود، فزاد فيه: والإنسُ الذينَ كانوا يَعْبُدُونَهم لا يَشعُرُونَ بإسلامهم. وهذا هو المعتمَد في تفسير هذه الآية. وأمَّا ما أخرجه الطَّبَريُّ (١٠٥/١٥) من وجه آخر عن ابن مسعود قال: كان قبائلُ من العرب يَعْبُدُونَ صِنْفاً من الملائكة، يقال لهم: الجِنّ، ويقولون: هم بنات الله، فنزلت هذه الآية. فإن ثَبَتَ(٢)، فهو محمول على أنَّها نزلت في الفريقَينِ، وإلّا فالسّياق يدلّ على أنَّهم قبلَ الإسلام كانوا راضِينَ بعِبادَتِهِم، وليست هذه من صفات الملائكة. وفي رواية سعيد بن منصور عن ابن مسعود في حديث الباب: فعَيَّرَهم الله بذلك. وكذا ما أخرجه من طريق (١) لكنه منقطع، إذ رواه ابن جريج عن ابن عباس، ولم يُدركه. (٢) في إسناده يحيى بن السكن البصري الرقي، ضعفه أبو حاتم وصالح جزرة، فلا يثبت الخبر. ٤٩٨ سورة الإسراء / ح ٤٧١٥ فتح الباري بشرح البخاري أُخرى ضعيفة عن ابن عبّاس: أنَّ المراد مَن كان يَعبُد الملائكة والمسيح وعُزَيراً. تنبيه: استَشكَلَ ابن التِّين قوله: ناساً من الجِنّ. من حيثُ إنَّ الناس ضِدّ الجِنّ. وأُجيبَ: بأنَّه على قول مَن قال: إنَّه مِن ناسَ: إذا تَحرَّكَ، أو ذُكِرَ للتَّقَابُلِ حيثُ قال: ناسٌ من الإنس وناسٌ من الجِنّ ويا لَيتَ شِعري على مَن يَعتَرِضُ. قوله: ((زادَ الأشجَعيّ)) هو عُبيد الله بن عُبيد الرَّحمن، بالتَّصغير فيهما. قوله: «عن سُفْيان، عن الأعمَش: ﴿ قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾﴾ أي: روى الحديث بإسناده، ٣٩٨/٨ وزاد / في أوَّله من أوَّل الآية التي قبلَها، وروى الطَّبَرِيُّ (١٠٤/١٥) من طريق العَوْفيِّ عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ إلى آخر الآية. قال: كان أهل الشِّرك يقولون: نَعبُد الملائكةَ. وهم الذينَ يَدْعُونَ. ٧- باب قوله: : أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧] ٤٧١٥- حدَّثنا بِشرُ بنُ خالدٍ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعمَرٍ، عن عبدِ الله ، في هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ اُلْوَسِيلَةَ﴾، قال: ناسٌ منَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ، فأسلَمُوا. قوله: ((باب قوله: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ الآيَةَ)) ذكر فيه الحديث قبلَه من وجهٍ آخرَ عن الأعمَش مختصراً، ومفعول يَدعونَ محذوف، تقديره: أولئكَ الذينَ يَدعُونَهم آلهةً يَبتَغونَ إلى رَبّهم الوسيلةَ، وقرأ ابن مسعود: ((تَدْعُونَ)) بالمثّة الفَوْقانيَّة، على أنَّ الخِطاب للكفَّار، وهو واضح. وقوله: (﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾)) معناه: يَبْتَغُونَ مَن هو أقرَبُ منهم إلى رَبِّهم، وقال أبو البَقَاء: مُبتَدأ والخبر ﴿أَقْرَبُ﴾، وهو استفهام في موضع نصب بايدعون))، ويجوز أن یکون بمعنی الذينَ، وهو بَدَل من الضَّمير في ﴿يَدْعُونَ﴾. كذا قال، وكأنَّه ذهب إلى أنَّ فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿يَبْتَغُونَ﴾ واحدٌ، والله أعلم. ٤٩٩ سورة الإسراء / ح ٤٧١٦ كتاب التفسير ٨- بابٌ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْرُّغْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ٤٧١٦- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّنْيَا الَّتِّ أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ قال: هي رُؤْيا عَيْنٍ، أُرِيَها رسولُ اله ◌َّ ليلةَ أُسْرِيَ بِه. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَ فِ الْقُرْءَانِ﴾: شَجَرةُ الزَّقّومِ. قوله: ((باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِيِ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾)) سَقَطَ ((باب)) لغير أبي ذرٍّ. قوله: «عن عَمْرو)» هو ابن دینارٍ. قوله: ((هيَ رُؤْيا عَيْن أُربَها رسولُ الله ◌ِّهِ ليلةَ أُسْريَ به)) لم يُصرِّح بالمرئيِّ، وعندَ سعيد ابن منصور من طريق أبي مالك(١) قال: هو ما أُريَ في طريقه إلى بيت المقدس. قلت: وقد بيّنت ذلك واضحاً في الكلام على حديث الإسراء في السِّيرة النبويَّة من هذا الكتاب (٣٨٨٧). قوله: ((أُرِيَها ليلةً أُسْريَ به)) زاد سعيد بن منصور عن سفيان في آخر الحديث: وليست رُؤیا مَنامِ. وقوله: «لیلة أُسْريَ به)» جاء فيه قول آخر: فروى ابن مَرْدويه من طريق العَوْفيِّ عن ابن عبَّاس قال: أُريَ أنَّه دَخَلَ مكَّةَ هو وأصحابه، فلمَّا رَدَّه المشرِكونَ كان لبعضِ الناس بذلك فتنةً. وجاء فيه قولٌ آخرُ: فروى ابن مَرْدويه من حديث الحسين بن عليّ رفَعَه: ((إنّي رأيتُ كأنَّ بني أُميَّةٍ يَتَعاورونَ مِنبَري هذا، فقيلَ: هي دُنيا تَنَالُهُم، ونزلت هذه الآية)). وأخرجه ابن أبي حاتم من حديث عَمْرو بن العاص، ومن حديث يَعْلى بن مُرّة، ومن مُرسَل ابن المسيّب نحوه، وأسانيد الكلّ ضعيفة. واستُدِلَّ به على إطلاق لفظ الرُّؤيا على ما يُرَى بالعين في اليَقَظة، وقد أنكَرَه الحَريرِيّ (١) هو غَزْوان الغفاري الكوفي. ٥٠٠ سورة الإسراء / ح ٤٧١٧ فتح الباري بشرح البخاري تَبَعاً لغيره، وقالوا: إنَّما يقال: رُؤيا في المناميّة، وأمَّا التي في اليَقَظة فيقال رُؤية. وممَّن استعملَ الرُّؤيا في اليَقَظة المتنَبّي في قوله: ورُؤياك أحلَى في العُيون من الغُمْضِ ٣٩٩/٨ وهذا التَّفسير يَرُدّ/ على مَن خَطَّأه. قوله: (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْءَانِ ﴾ قال: شَجَرةُ الزَّقْومِ)) هذا هو الصَّحيح، وذكره ابن أبي حاتم عن بضعةَ عشرَ نفساً من التابعينَ، ثمَّ روى من حديث عبد الله بن عَمْرو: أنَّ الشَّجَرة الملعونة الحكم بن أبي العاص ووَلَده. وإسناده ضعيف. وأمَّا الَّقّوم، فقال أبو حنيفة الدِّينَوَريّ في ((كتاب النَّبَات)): الزَّقّومِ: شَجَرة غَبراء تَنْبُتُ في السَّهل، صغيرة الوَرَق مُدَوَّرَتُه، لا شَوك لها، ذَفِرةٌ (١) مُرّة، ولَهَا نَوْرٌ أبيض ضعيف تَجِرُسُه النَّحلُ، ورُؤوسها قِباح جدّاً. وروى عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال: قال المشركونَ: يُخْبِرُّنا محمَّد أنَّ في النار شَجَرةً، والنار تأكُل الشَّجَر، فكان ذلك فتنةً لهم. وقال السُّهَيليُّ: الزَّقْومِ: فَعَول من الزَّقْم، وهو اللَّقْم الشَّديد. وفي لغة تميميَّة: كلّ طعام يُتقَيّأ منه يقال له: زَقّوم، وقيل: هو كلّ طعام ثقيل. ٩- باب قوله: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال مجاهدٌ: صلاة الفجرِ. ٤٧١٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ وابنِ المسيّب، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وََّ، قال: ((فَضْلُ صلاةِ الجميعِ على صلاةٍ الواحدِ خمسٌ وعِشْرونَ درجةً، وتَجْتَمِعُ ملائكةُ اللَّيْلِ وملائكةُ النَّهار في صلاةِ الفَجْر)). يقول أبو هريرةَ: اقرَؤوا إن شئتُم: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. (١) تحرف في (س) إلى: زفرة.