النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة الرعد
كتاب التفسير
اُلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢].
والأَولى أنَّ المحذوف حالٌ من فاعل ((يَدخُلونَ)) أي: يَدخُلُونَ قائلينَ، وقوله: ﴿بِمَا
صَبْتُمْ﴾ يَتَعلَّق بما يَتَعلَّق به ((علیکم))، و((ما)) مصدريَّة، أي: بسبب صبركُم.
قوله: ((والمَتَاب: إليه تَوْبَتَي)) قال أبو عبيدة: المتابُ: مصدَر تُبتُ إليه، وتَوْبَتي(١). وروى
ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ مَنَابٍ﴾ قال: تَوْبَتي.
قوله: (﴿أَفَلَمْ يَأيَِّسِ﴾: أفلم يَبيَّن؟)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَأْيْفَسِ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ أي: أفلم يعلم ويَتَبِيَّن؟ قال سُحَيمٌ الْيَربُوعِيُّ:
ألم تَيَأْسُوا أَنّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ
أي: لم تَتْبِيّنوا.
وقال آخرُ(٢):
ألم يَيْأسِ الأقوامُ أنّي أنا ابنُهُ وإن كنتُ عن أرضِ العَشيرةِ نائيا
ونَقَلَ الطَّبَرُّ عن القاسم بن مَعْن: أنَّه كان يقول: إنَّها لغة هَوازِن، تقول: يَئِست كذا،
أي: عَلمتُه، قال: وأنكَرَه بعض الكوفيّينَ - يعني الفَرّاء - لكنَّ سَلَّمَ أنَّه هنا بمعنى عَلِمْتُ،
وإن لم يكن مَسمُوعاً، ورُدَّ عليه بأنَّ مَن حَفِظَ حُجّة على مَن لم يَحَفَظ، ووَجَّهوه بأنَّ اليأس
إنَّما استُعمِلَ بمعنى العلم، لأنَّ الآيِس عن الشَّيء عالم بأنَّه لا يكون.
وروى الطََّرَيُّ (١٥٥/١٣) من طرق عن مجاهد وقَتَادة وغيرهما: ﴿أَفَلَمْ يَأْيَِّسِ﴾، أي:
أفلم يَعلَم؟
وروى الطَّبَيُّ (١٥٤/١٣) وعبد بن حُميدٍ بإسنادٍ صحيح كلّهم من رجال البخاريّ
عن ابن عبّاس: أنَّه كان يقرؤُها: ((أفلم يَتَبيَّن)) ويقول: كَتبَها الكاتبُ وهو ناعِسٌ.
(١) يعني أن هذا مصدرٌ ثانٍ لُبْتُ.
(٢) هو ریاح بن عدي، کما في «تفسير الماوَزْدي)) ١١٣/٣.

٤٤٢
سورة الرعد
فتح الباري بشرح البخاري
ومن طريق ابن جُرَيج قال: زَعَمَ ابن كثير(١) وغيره أنَّها القراءة الأُولَى.
وهذه القراءة جاءت عن عليّ وابن عبّاس وعِكْرمة وابن أبي مُلَيكة وعليّ بن بَذِيمة
وشَهْر بن حَوشَب وعلي بن الحسين وابنه زيد وحفيده جعفر بن محمَّد في آخرين قَرَؤوا
كلّهم: ((أفلم يَتَبيَّن)).
وأمَّا ما أسنَدَه الطَّبَرُّ عن ابن عبّاس، فقد اشتَدَّ إنكار جماعة مَمَّن لا عِلم له بالرِّجال
صِحَّتَه، وبالَغَ الَّتَشَرِيُّ في ذلك كَعادتِه إلى أن قال: وهي واللهِ فِرْيَةٌ ما فيها مِرية. وتَبِعَه
جماعة بعدَه. والله المستعان.
وقد جاء عن ابن عبّاس نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِنَّهُ﴾
[الإسراء: ٢٣] قال: ((ووَصَی)) التَزَقَت الواو في الصّاد، أخرجه سعید بن منصور باسنادٍ جيّد عنه.
وهذه الأشياء وإن كان غيرُها المعتمَدَ، لكن تكذيب المنقول بعدَ صِحَّته ليس من دَأْب
أهل التَّحصيل، فليُنظَر في تأويله بما يَلِيق به.
قوله: ((﴿فَارِعَةٌ﴾: داهية)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ أي:
داهيةٌ مُهلِكةٌ، تقول: قَرَعتُ عَظمَه، أي: صَدَعتُه. وفَسَّرَه غيره بأخَصَّ من ذلك.
فأخرج الطََّرِيُّ (١٥٦/١٣) بإسنادٍ حسن عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ قال: سَرِيَّة ﴿أَوَ تَحُلُّ قَرِيِبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ قال: أنتَ
يا محمَّد ﴿حَتَّى يَأْتِیَ وَعُدُ اللهِ﴾ فتح مگَّة. ومن طریق مجاهد وغیره نحوه.
قوله: ((﴿فَأَمْلَيْتُ ﴾: أَطَلْتُ، من المَلِيِّ والمُلَاوَة، ومنه: ﴿مَلِيًّا﴾، ويقال للواسِعِ الطَّويل
من الأرض: مَلاً)) كذا فيه، والذي قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾،
أي: أطَلْتُ لهم، ومنه المَلِيُّ والمُلاوة من الدَّهر، ويقال للَّلِ والنَّهار: المَلَوانِ، لِطُولهما،
ويقال للخَرْقِ الواسع من الأرض: مَلاً، قال الشّاعر(٢):
(١) هو عبد الله بن كثير المكي أحد القراء السبعة.
(٢) هو حميد بن ثور الهلالي. انظر: ((الأغاني)) لأبي الفرج الأصبهاني ٢٦٠/٨.

٤٤٣
سورة الرعد
كتاب التفسير
مَلاَّ لا تَخَطّاه العُيونُ رَغِيبُ
انتھی، والمَلِيُّ: بفتحِ ثمَّ کسر ثمَّ تشدید بغیر همزة.
٣٧٤/٨
قوله: (﴿أَشَقُّ﴾: أشَدّ، من المَشَقّة)) هو قول أبي عبيدة أيضاً. ومُراده: أنَّه أفعَل تفضيل.
قوله: (﴿مُعَقِّبَ﴾: مُغيِّر)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي: لا رادَ
لحُكمِه ولا مُغيِّرَ له عن الحقّ، وروى ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم في قوله: ﴿لَا
مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ﴾ أي: لا يَتَعَقَّب أحد حُكمه فيَرُدَّه.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مُّتَجَوِرَتٌ﴾ طيُّها وخبيثُها السِّباخ)) كذا للجميع، وسَقَطَ خَبَر
(طيِّها))، وقد وصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ وَفِ الْأَرْضِ
قِطَعٌ مُتَجَوِّرَاتٌ﴾ قال: طيِّبُها عَذبُها، وخبيثُها السِّبَاخ.
وعندَ الطَّبَرَيِّ (٩٧/١٣) من وجه آخر عن مجاهد: القِطَع المتجاورات: العَذِيَة والسَّبِخة
والمالح والطيِّب.
ومن طريق أبي سنان عن ابن عبّاس مثله.
ومن وجه آخر مُنقَطِع عن ابن عبّاس مثله، وزادَ: تُنبِت هذه، وهذه إلى جَنْبِها لا تُنبِت.
ومن طريق أُخرى مُتَّصِلة عن ابن عبّاس (٩٨/١٣) قال: تكون هذه حُلوة، وهذه
حامضة، وتُسقَى بماءٍ واحد، وهُنَّ مُتَجاوِرات.
قوله: (﴿صِنْوَانٌ﴾: النَّخْلَنان أو أكثر في أصلٍ واحدٍ، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: وحْدَها ﴿يُسْقَى
بِمَآءٍ وَحِلٍ﴾ كَصالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم واحد)) وصَلَه الفِرْیابيُّ أيضاً عن مجاهد مثله،
لكن قال: ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾، قال: بماءِ السماء. والباقي سواء. وروى الطَّبَرَيُّ (١٠٠/١٣)
من طريق سعيد بن جُبَير في قوله: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيِرُ صِنْوَانٍ﴾: مُجُتَمِع وغير مُتَمِع.
وعند سعيد بن منصور (١١٥٣) عن البراء بن عازِب قال: الصِّنوان: أن يكون أصلها
واحداً ورُؤوسها مُتَفرِّقة، وغير الصِّنوان: أن تكون النَّخلة مُنفَرِدةً ليس عندَها شيء. انتهى.
وأصل الصِّنْو المِثْلُ، والمراد به هنا: فَرْعٌ يجمعه وفَرْعاً آخرَ أو أكثر أصلٌ واحدٌ، ومنه:

٤٤٤
سورة الرعد
فتح الباري بشرح البخاري
((عَمُّ الرجل صِنوُ أبيه))(١) لأنَّهما يجمعهما أصلٌ واحدٌ.
قوله: (﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: الذي فيه الماء)» وصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً عن مجاهد مِثلُه.
قوله: ((﴿ كَبَسِطِ كَفَّتِهِ إِلَى الْمَآءِ﴾: يَدْعُو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبداً)) وصَلَه
الفِرْيابيُّ والطَّبَرِيُّ (١٢٩/١٣) من طرق عن مجاهد أيضاً، وقد تقدَّم قول غيره في أوَّل السّورة.
قوله: (﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: تَمْلَأُ بَطْنَ وادٍ ﴿رَبَدًا رَّبِيًا﴾: الزَّبَد: السَّيلُ، ﴿رَبَدٌ
مِثْلُ﴾: خَبَث الحديد والحِلْية)) وصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً عن مجاهد في قوله: ﴿زَبَدًا رَّبِيًا﴾ قال:
الَّبَد: السَّيل. وفي قوله: ﴿رَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ قال: خَبَث الحِلية والحديد.
وأخرجه الطَّبَرَيُّ (١٣٦/١٣) من وجهَينِ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله:
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ قال: بمِلِئِها ﴿فَاحْتَفَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾ قال: الزَّبَد: السَّيل ﴿وَمِقَا
تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ ◌ِيَّةٍ أَوْ مَتَحِ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ قال: خَبَث الحديد والحِلية ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَآءَ ﴾ قال: جُوداً في الأرض ﴿ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ قال: الماء،
وهما مَثَلان للحقِّ والباطِل. وأخرج من طريقَينِ عن ابن عبّاس نحوه، ووجه المماثلة في
قوله: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أنَّ كلَّ من الزَّبَدَينِ ناشئ عن الأكدار.
ومن طريق سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿يِقَدَرِهَا﴾ قال: الصَّغير بصِغَره والكبير بكِبَرَه.
وفي قوله: ﴿رَِّيًا﴾ أي: عالياً. وفي قوله: ﴿ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ﴾: الذَّهَب والفِضّة. وفي قوله: ﴿أَوْ
مَتَعِ﴾: الحديد والصُّفْر الذي يُنتَفَع به. والجُفاء: ما يَتَعلَّق بالشَّجَرِ.
وهيَ ثلاثة أمثال ضَرَبَهَا الله في مَثَل واحد، يقول: كما اضمَحَلَّ هذا الزَّبَدُ فصارَ لا
يُنْتَفَع به، كذلك يَضمَحِلّ الباطِل عن أهله، وكما مَكَثَ هذا الماء في الأرض فأمرَعَتْ
وأخرجَتْ نَباتها، كذلك يَبقَى الحقّ لأهلِه، ونَظِيره بَقاءُ خالصِ الذَّهَب والفِضّة، إذا أُدخِلَ
(١) هذه مقالةُ النبي وَّر في حق عمه العباس بن عبد المطلب، قالها وَّ لعمر بن الخطاب لما بعثه على
الصدقة، فلم يعطه العباس، فقال عليه الصلاة والسلام: ((هي عليَّ ومثلها معها)) ثم قال: ((أما شعرتَ يا
عمر أن عم الرجل صنو أبيه)) أخرجه مسلم (٩٨٣)، وذلك أن النبي ◌َّ تعجّل صدقة العباس سنتين
كما بسط الحافظ بيانه عند شرح الحديث (١٤٦٨).

٤٤٥
سورة الرعد / ح ٤٦٩٧
كتاب التفسير
النار وذهب خَبَتُهُ وبَقِيَ صَفْوُه، كذلك يَبقَى الحقّ لأهلِه، ويذهب الباطل.
تنبيه: وَقَعَ للأكثرِ: تَمَلَأ بطن وادٍ، وفي رواية الأَصِيلِّ: ثَمَلَأْ كلَّ وادٍ، وهو أشبَهُ،
ويُروی: ماء بطن وادٍ.
١- باب قوله:
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنَ وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد:٨]
((غِيْضَ)) [هود: ٤٤]: نُقِصَ.
٤٦٩٧- حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثْنا مَعْنٌ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِینارٍ، ٣٧٥/٨
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: «مفاتِحُ الغيبِ خمسٌ لا يَعْلَمُها إلا اللهُ: لا
يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللهُ، ولا يَعْلَمُ ما تَغِيضُ الأرحامُ إلا اللهُ، ولا يَعْلَمُ متى يأتي المطرُ أحدٌ إلا
اللهُ، ولا تَدْري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تَموتُ، ولا يَعْلَمُ متى تقومُ الساعةُ إلا اللهُ).
قوله: ((باب قوله: ﴿ اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ اَلْأَزْحَامُ﴾، (غِيْضَ): نُقِصَ))
قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَآءُ﴾، أي: ذهب وقَلَّ. وهذا في سورة هود، وإنَّما ذكره
هنا لتفسير قوله: ﴿تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾، فإنَّها من هذه المادّة. وروى عبد بن مُميدٍ من طريق
أبي بشر عن مجاهد في قوله: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْقَى وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾
قال: إذا حاضَتِ المرأةُ وهي حاملٌ كان نُقصاناً من الولد، فإن زادَت على تسعة أشهُر كان
تماماً لمَا نَقَصَ مِن ولدها.
ثُمَّ روى من طريق منصور عن الحسن قال: الغَيْضُ ما دونَ تسعة أشهُر، والزّيادة ما
زادَت عليها؛ يعني: في الوَضْع.
ثمَّ ذكر المصنِّف حديث ابن عمر في مفاتح الغيب، وقد تقدَّم في سورة الأنعام
(٤٦٢٧)، ويأتي في سورة لقمان (٤٧٧٨)، ويُشرَح هناكَ إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حدَّثني إبراهيم بن المنذِر، حدَّثْنا مَعْن، عن مالك)) قال أبو مسعود: تفرَّد به
إبراهيم بن المنذر، وهو غريب عن مالك.

٤٤٦
سورة إبراهيم
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: قد أخرجه الدّارَ قُطنيُّ من رواية عبد الله بن جعفر البَرْمَكيّ عن مَعْن، ورواه
أيضاً من طريق القَعنبيِّ عن مالك، لكنَّه اختَصَرَه.
قلت: وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن القاسم عن مالك(١). قال الدّارَ قُطنيُّ:
ورواه أحمد بن أبي طَيبةً(٢) عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فوَهِمَ فيه إسناداً ومَتناً.
١٤ - سورة إبراهيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]: داع.
وقال مجاهدٌ: ﴿صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦]: قَيِحٌ ودَمٌ.
وقال ابنُ عُبَينَةَ: ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [٦]: أيادِيَ الله عندَكُم، وأيّامَه.
وقال مجاهدٌ: ﴿مِّنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [٣٤]: رَغِتُم إليه فيه.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [٣]: تَلْتَمِسون لها عِوَجاً.
﴿وَلَا خِلَلُ﴾ [٣١]: مَصْدَرُ: خالَلْتُهُ خِلالاً، ويجوزُ أيضاً جمعُ خُلّةٍ وخِلالٍ.
وَإِذْ تَّأَذَنَ رَبُّكُمْ﴾ [٧]: أعلمَكُم: آذَنَكُم.
﴿أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ [٩] هذا مَثَلٌ: كَفُّوا عَنَّا أُمِروا به.
﴿مَقَامِى﴾ [١٤]: حيثُ يُقِيمُه الله بینَ يَدَیه.
﴿جَهََّمٌ﴾ [١٦].
﴿مِّنْ وَرَآبِهِ﴾: قُدّامه ﴿
﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ [٢١]: واحدُها تابعٌ، مِثْلُ: غَيَبٍ وغائبٍ.
﴿بِمُصْرِحِكُمْ﴾[٢٢] استَصْرَخَني: استغاثَنِي ﴿يَسْتَصْرِفُهُ﴾ [القصص: ١٨]: منَ الصُّراخ.
(١) وأخرج ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) هذا الحديث من طريق يحيى بن بكير وسعيد بن عُفَير، كلاهما عن
مالك، به، موقوفاً على ابن عمر. قال: وقد روي مرفوعاً عن مالك. قلت: لكنه لم يسنده.
(٢) أخرجه من طريقه أبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) ٧٨٩/٢.

٤٤٧
سورة إبراهيم
كتاب التفسير
أَجْتُثَتْ ﴾ [٢٦]: استُؤْصِلَتْ.
قوله: ((سورة إبراهيم - بِسْمِ اللهِالرَّْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرِّ.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿هَادٍ﴾: داع)) كذا في جميع النُّسَخ، وهذه الكلمة إنَّمَا وَقَعَت في
السّورة التي قبلَها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.
واختَلَفَ أهل التَّأويل في تفسيرها بعدَ اتِّفاقهم على أنَّ المراد بالمنذِرِ محمَّد ◌َّ: فروى
الطَّبَرُّ (١٠٨/١٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ
مَادٍ﴾ أي: داعٍ.
ومن طريق قَتَادة مثله (١٣/ ١٠٦).
ومن طريق العَوْفيِّ عن ابن عبّاس قال: الهادي: الله (١٠٧/١٣)، وهذا بمعنى الذي ٣٧٦/٨
قبلَه، كأنَّه لَحَظَ قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُواْإِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [يونس: ٢٥].
ومن طريق أبي العالية (١٠٨/١٣) قال: الهادي: القائد.
ومن طريق مجاهد وقَتَادة أيضاً: الهادي: نبيّ. وهذا أخَصُّ من الذي قبلَه. ويُحمَل القومُ في
الآية في هذه الأقوال على العموم.
ومن طريق عِكْرمة وأبي الضُّحَى ومجاهد(١) أيضاً قال: الهادي: محمَّد، وهذا أخَصّ من
الجميع، والمراد بالقومِ على هذا الخصوصُ، أي: هذه الأُمّة.
والمستَغرَب ما أخرجه الطَّبَرِيُّ (١٣/ ١٠٧) بإسنادٍ حسن(٢) من طريق سعيد بن جُبَير
عن ابن عبّاس قال: لمَّ نزلت هذه الآية وَضَعَ رسول اللهَ ◌ِّيدَه على صَدْره، وقال: ((أنا
(١) لم يذكر الطبريُّ عن مجاهد أنه فسَّرها بمحمد وهل9. وقد أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٢٢٢٤/٧
بإسناد حسن عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس، قال: هو المنذر، وهو الهاد، يعني النبي ◌َّد.
(٢) هذا تساهلٌ من الحافظ رحمه الله، فإن هذا الخبر يرويه معاذ بن مسلم الكوفي، عن عطاء بن السائب، عن
سعيد بن جبير به، ومعاذ هذا ترجمه الذهبي في ((السير)) ٧/ ٤٣٢، وقال عنه: ما هو بمعتمَد في الحدیث،
وأشار إلى هذا الحديث في ترجمته في ((الميزان)) أيضاً، وقال: له عن عطاء بن السائب خبر باطل سُقْناه في
الحسن بن الحسين. قلنا: يعني ترجمة الراوي عنه الحسن بن الحسين العُرني الكوفي، وكلاهما كان شيعياً.

٤٤٨
سورة إبراهيم
فتح الباري بشرح البخاري
المنذِر)) وأوماً إلى عليٍّ وقال: ((أنتَ الهادي، بك يَهتَدي المهتَدُونَ بعدي))، فإن ثَبَتَ هذا فالمراد
بالقومِ أخَصُّ من الذي قبله، أي: بني هاشم مثلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٢٥) وعبد الله بن أحمد في زيادات ((المسنَد)) (١٠٤١)
وابن مَرْدويه من طريق السُّدّيّ عن عبدٍ خير عن عليّ قال: الهادي رجل من بني هاشم.
قال بعض رواته: هو عليٌّ. وكأنَّه أخَذَه من الحديث الذي قبله، وفي إسناد كلّ منهما بعض
الشِّيعة، ولو كان ذلك ثابتاً ما تَخالَفَتْ رُواتُه.
قوله: (وقال مجاهد: ﴿صَدِيدٍ﴾: قَبِحُ ودَمٌ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرِّ. وصَلَه الفِرْیابيُّ بسندِه
إليه في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مََّهِ صَدِيدٍ﴾ قال: قَيح ودَم.
قوله: ((وقال ابن عُيَينَةَ: ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: أياديَ الله عندَكُم وأيامَه))
وصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٦٨/٦) من طريق الحُميديِّ عنه، وكذا رُوِّيناه في ((تفسير ابن عُبَينَةَ)) رواية
سعید بن عبد الرَّحمن عنه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات ((المسند)) (٢١١٢٠) والنَّسائيّ (ك١١١٩٦)(١)،
وكذا ذكره ابن أبي حاتم من طريق ابن عبّاس عن أبيّ بن كعب، قال: إنَّ الله أوحى إلى
موسى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَتَِّمِ اَللَّهِ﴾ قال: نِعَم الله.
وأخرجه عبد الرَّزّاق (١ / ٤٠٦) من حديث ابن عبّاس بإسنادٍ صحيح فلم يَقُل: عن
أُبيِّ بن كعب(٢).
(١) يا عجباً للحافظ رحمه الله، كيف ذهل عن وجود هذا الحديث في ((صحيح مسلم))، إذ هو فيه برقم
(٢٣٨٠) مطولاً بذكر قصة موسى والخضر، مع أنه سيخرجه منه عند شرح الحديث (٤٧٢٦)، ثم هو
عند البخاري أيضاً مطولاً لكن دون تفسير قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَتَّنِمِ اَللَّهِ﴾ في عدة مواضع، منها الموضع
المذكور، ثم إن الحديث عندهم جميعاً مرفوع، فلا ندري لِمَ لَم يُنبّه الحافظ على رفعه !!
(٢) كلام الحافظ هذا يُوهم أن الاختلاف في ذكر أبي بن كعب في الإسناد اختلافٌ معتبر، لكن هذا الحديث
قد رواه البخاري وغيره من عدة طرق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ومن طرق عن الزهري عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، فجعلوه جميعاً عن ابن عباس عن أبي بن كعب، وعليه فما
عند عبد الرزاق مخالفة غير معتبرة، كيف وهي من رواية معمر عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن
جبير، وفي رواية معمر عن العراقيين كلام.

٤٤٩
سورة إبراهيم
كتاب التفسير
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾: رَغِبِتُم إليه فيهِ)) وصَلَه الفِرْيابيُّ في قوله:
﴿وَءَاتَنْكُمْ مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ قال: رَغِتُم إليه فيه.
قوله: ((﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تَلْتَمِسونَ لها عِوَجاً) كذا وَقَعَ هنا للأكثرِ، ولأبي ذرِّ قبلَ الباب
الذي یلیه، وصنیعهم أولی، لأنَّ هذا من قول مجاهد فذِكْرُه مع غيره من تفاسيره أولى، وقد
وصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
[الأعراف: ٨٦] قال: تَلتَمِسونَ لها الزَّيْغ.
وذكر يعقوب بن السِّكِّيت: أنَّ العِوَج بكسرِ العين، في الأرض والدِّين، وبفتحها في
العُود ونحوه ممَّا كان مُنتَصِباً.
قوله: (﴿وَلَا خِذَلُ﴾: مَصْدَر خالَلْتُهُ خِلالاً، ويجوز أيضاً جمع خُلّة وخِلال)) كذا وَقَعَ فيه،
فأوهَمَ أنَّه من تفسير مجاهد، وإنَّما هو من كلام أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ
وَلَا خِذَلُ﴾، أي: لا محالة خليل، قال: وله معنى آخر: جمع ◌ُلّة، مِثل ◌ُلّة والجمع چِلال،
وقُلّة والجمع قِلال.
وروى الطََّرِيُّ (٢٢٤/١٣ -٢٢٥) من طريق قَتَادة قال: عَلمَ الله أنَّ في الدُّنيا بُيوعاً
وخِلالاً يَتَخالُّونَ بها في الدُّنيا، فمَن كان يُخالِلُ الله فليَدُم عليه، وإلّا فسَيَنْقَطِعُ ذلك عنه،
وهذا يوافق مَن جَعَلَ الخِلال في الآية جمع خُلّة.
قوله: (﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: أعلمَكُم: آذَنَكُم)) كذا للأكثرِ، ولأبي ذرٍّ: أعلمَكُم
رَبَّكُم. قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ وَ إِذْ نَأَذَنَ رَبُّكُمْ﴾ ((إذ)) زائدة(١)، و((تأذَّنَ)): تَفَعَّلَ
من آذَنَ، أي: أعلمَ. وهو قول أكثر أهل اللُّغة: أنَّ (تأذَّنَ)) من الإيذان(٢)، وهو الإعلام،
(١) ذكر ابن هشام في ((مغني اللبيب)) أن ابن قتيبة تبعه، وقال: وليس قولهما بشيء. وهذا مثل قوله في ((إذ)) في
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ﴾، وقد سلف في أحاديث الأنبياء بين يدي الحديث (٣٣٢٦)، وانظر
رد الحافظ عليه هناك.
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وإنما الإيذان مصدر آذَنَ لا تَأذَّن، فالصواب أن يقال: من التأذين. أفاده العيني
في «عمدة القاري» ٣/١٩.

٤٥٠
سورة إبراهيم
فتح الباري بشرح البخاري
ومعنى تَفَعَّلَ: عَزَمَ عَزْماً جازِماً، ولهذا أُجيبَ بما يُجاب به القَسَم. ونَقَلَ أبو عليّ الفارسيّ أنَّ
بعض العرب يجعل آذَنَ وتأذَّنَ بمعنَى واحد. قلت: ومثله قولهم: تَعلَّمَ موضع أعلمَ،
وأوعَدَ وتَوَعَّدَ. وقد قيل: إنَّ((إذ) زائدة، فإنَّ المعنى: اذكُرُوا حينَ تأَذَّنَ رَبّكُم. وفيه نظر.
قوله: (﴿أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾: هذا مَثَلٌ: كَفّوا عَّا أُمِروا به)) قال أبو عبيدة في قوله:
﴿رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَهِهِمْ﴾ مَجَازه عَجَاز المثَل، ومعناه: كَفّوا(١) عَّ أُمِروا بقَبُولِه من الحقّ،
ولم يُؤمِنوا به، يقال: رَدَّ يدَه في فمه: إذا أمسَكَ ولم يُحِب.
٣٧٧/٨ وقد تَعقَّبوا كلام أبي عُبيدة فقيلَ: لم يُسمَع / من العرب: رَدَّ يده في فيه إذا تَرَكَ الشَّيء
الذي كان يريد أن يَفْعَلَه، وقد روى عبد بن مُميدٍ من طريق أبي الأحوص عن عبد الله
قال: عَضُّوا على أصابعهم. وصَحَّحَه الحاكم (٢/ ٣٥٠-٣٥١) وإسناده صحيح، ويُؤيِّده
الآية الأُخرى ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ عَمُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وقال
الشّاعر:
يَرُدّونَ في فيه غَيظ (٢) الحَسودِ
أي: يَغِيظُونَ الْحَسودَ حتَّى يَعَضَّ على أصابعه. وقيل: المعنى رَدَّ الكفَّارُ أيديَ الرُّسُل في
أفواهم، بمعنى: أنَّهم امتَنَعوا من قَبُول كلامهم.
أو المراد بالأيدي: النِّعَم، أي: رَدّوا نِعمة الرُّسُل - وهي نَصائحُهم - عليهم، لأنَّهم إذا
گذَّبوها کانهم رَذُّوها من حیثُ جاءت.
قوله: (﴿ مَقَاِى﴾: حيثُ يُقيمه اللهُ بينَ يَدَيهِ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ
مَقَامِى﴾ قال: حيثُ أُقيمُه بينَ يَدَيَّ للحِساب. قلت: وفيه قول آخر، قال الفَرّاء أيضاً: إنَّه
مصدَرٌ، لكن قال: إنَّه مُضافٌ للفاعلِ، أي: قيامي عليه بالحِفظِ.
(١) تحرف في (س) إلى: کقوله.
(٢) جميع من روى هذا البيت ذكره بلفظ: عشر الحَسُود. يعني أصابعه العشرة. انظر ((المعاني الكبير)) لابن
قتيبة ٢/ ٨٣٤، و(تهذيب اللغة)) للأزهري ١٤ / ١٧٠، و((زاد المسير)) لابن الجوزي ٢/ ٥٠٦.

٤٥١
سورة إبراهيم
كتاب التفسير
﴾)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿مِّن وَرَآپِهِ،
قوله: (﴿مِّن وَرَآَبِهِ ﴾: قُدّامَه :
◌َجازه: قُدّامَه وأمامَه، يقال: الموت من ورائك، أي: قُدّامَك، وهو اسمٌ لكلِّ ما تَوارَى عن
الشَّخص، نَقَلَه ثَعلَب، ومنه قولُ الشّاعر(١):
أليسَ ورائي إن تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزومُ العَصا تُحُنَى عليها الأصابعُ
وقولُ النابغة:
وليس وراءَ الله للمَرءِ مذهبُ
أي: بعدَ الله. ونَقَلَ قُطرُبٌ وغيره: أنَّه من الأضداد، وأنكَرَه إبراهيم بن عَرَفَةَ نِفْطويه
وقال: لا يقع وراءَ بمعنى أمامَ إلّا في زمان أو مكان.
قوله: (﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾: واحدها تابعٌ، مِثْل: غَيَبٍ وغائبٍ)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً، و((غَيَب))
بفتح الغَين المعجَمة والتَّحتانيَّة بعدَها موخَّدة.
قوله: (﴿بِمُصْرِحِكُمْ﴾: استَصْرَخَني: استغاثَنِي ﴿يَسْتَصْرِفُهُ﴾ يَستَصْرِخُه من الصُّراخ))
سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ. قال أبو عُبيدة ﴿ مَّآ أَنَأْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾، أي: ما أنا بمُغِيثكم، ويقال:
استَصرَخَني فأصْرَختُه، أي: اسْتَغَائَنِي فأغَثْتُه.
قوله: ((﴿اَجْتُثَّتْ﴾: استُؤْصِلَت)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً، أي: قُطِعَت جُثَّتُها بكمالها.
وأخرجه الطََّرِيُّ (٢١٢/١٣) من طريق سعيد عن قَتَادة مثله.
ومن طريق العَوْفيِّ عن ابن عبّاس: ضَرَبَ الله مَثَلَ الشَّجَرة الخبيثة بمَثَلِ الكافر، يقول:
الكافر لا يُقبَل عَمَلُه ولا يَصعَد، فليس له أصلٌ ثابتٌ في الأرض ولا فَرْعٌ في السماء.
ومن طريق الضَّحّاك قال في قوله: ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ أي: ما لها أصلٌ ولا فَرْعٌ ولا
ثَمَرَةٌ ولا مَنفَعَةٌ، كذلك الكافر ليس يعمل خيراً ولا يقول خيراً، ولم يجعل الله فيه بَرَكةً ولا
مَنْفَعةً.
(١) هو لَبيد بن ربيعة. انظر: ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة ١/ ٢٧١.

٤٥٢
سورة إبراهيم / ح ٤٦٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
١ - باب قوله:
كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]
٤٦٩٨ - حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي أسامةَ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما، قال: كنَّا عندَ رسولِ الله وَّةِ، فقال: ((أخبروني بشَجَرةٍ شِبْهِ - أو: کالرجُلِ -
المسلم، لا يَتَحاتُّ ورَقُها ولا ولا ولا. تُؤْتٍ أُكْلَها كلَّ حِينٍ)) قال ابنُ عمرَ: فَوَقَعَ في نفسي أنَّها
النَّخْلةُ، ورأيتُ أبا بَكْرٍ وعمرَ لا يتكلَّانِ، فكَرِهْتُ أن أتكلّمَ، فلمَّا لم يقولوا شيئاً قال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((هِيَ النَّخْلةُ)) فلمَّا قُمْنا قلتُ لِعِمرَ: يا أبتَاهْ، والله لقد كان وقَعَ في نفسي أنَّها
النَّخْلةُ، فقال: ما مَنَعَكَ أن تَكَلَّمَ؟ قال: لم أرَكُمْ تَكَلَّمونَ، فكَرِهْتُ أن أتكلَّمَ أو أقولَ شيئاً،
قال عمرُ: لأن تكونَ قُلتَها أحبُّ إليَّ مِن كذا وكذا.
قوله: ((باب قوله: ﴿كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره إلى
٣٧٨/٨ ﴿چين﴾ وسَقَطَ عندهم/ ((باب قوله)). ثمّ ذكر حديث ابن عمر.
قوله: ((شِبْهِ أو كالرجلِ المسلم)) شَكٍّ من أحد رواته، وأخرجه الإسماعيليّ من الطَّريق
التي أخرجها منها البخاريّ بلفظ: ((شِبْهِ الرجلِ المسلم)) ولم يَشُكَّ، وقد تقدَّم شرح
الحديث مُستَوفَّى في كتاب العلم (٦١)، وقد تقدَّم هناكَ البيانُ الواضح بأنَّ المراد بالشَّجَرة
في هذه الآية النَّخلة، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ المراد بها شَجَرةُ الجوز الهنديّ. وقد أخرجه
ابن مَرْدويه من حديث ابن عبّاس بإسنادٍ ضعيف في قوله: ﴿ تُؤْقِ أُكُلَهَا كُلَّ مِینِ﴾ قال:
هي شَجَرة جَوْز الهند لا تَتَعَطَّل من ثَمَرة تَحمِل كلَّ شهر.
ومعنى قوله: ﴿طَيِّبَةٍ﴾، أي: لَذيذة الثَّمَر، أو حَسنة الشَّكل، أو نافعة، فتكون طيِّية بما
یؤولُ إلیه نَفعُها.
وقوله: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾، أي: لا يَنْقَطِع.
وقوله: ﴿وَفَرَّعُهَا فِى السَّمَآءِ﴾، أي: هي نهاية في الكمال، لأنَّها إذا كانت مُرتَفِعة بَعُدَت
عن عُفونات الأرض. وللحاكم من حديث أنس: ((الشَّجَرة الطيِّة النَّخلة، والشَّجَرة الخبيثة

٤٥٣
سورة إبراهيم / ح ٤٦٩٩ - ٤٧٠٠
كتاب التفسير
الحَنظَلة))(١).
٢- بابٌ
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
٤٦٩٩ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَلْقمةُ بنُ مَرْئَدٍ، قال: سمعتُ سعدَ
ابنَ عُبيدةَ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ، أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((المسلمُ إذا سُئِلَ في القَيْرِ يَشْهَدُ أن لا
إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، فذلك قولُهُ: ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ
الْخَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾)».
قوله: ((باب: ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّاِتِ﴾ ذكر فيه حديث البراء مختصراً،
وقد تقدَّم في الجنائز (١٣٦٩) أتمَّ سياقاً واستَوفَيت شرحَه في ذلك الباب.
٣- بابٌ
﴿أَلَمَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْرَا ﴾ [إبراهيم: ٢٨]
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تَعلَمْ كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ﴾
[البقرة: ٢٤٣].
﴿الْبَوَارِ ﴾: الهلاكُ، بارَ يَبُورُ بَوْراً ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨]: هالِكِينَ.
٤٧٠٠ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن عطاءٍ، سمعَ ابنَ عبَّاسٍ:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَّلُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفَّارُ أهلِ مَكَّةً.
قوله: ((باب ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تَعلَمْ، كقوله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ﴾)) زاد غير أبي ذرٍّ: ﴿أَلَمْ تَرَكَيَّفَ﴾(٢)، وهذا قول أبي عُبيدة
(١) الحديث أخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٢ لكن دون ذكر الشجرة الخبيثة، وذهل الحافظ رحمه الله تعالى عن وجود
هذا الحديث في ((جامع الترمذي))، إذ هو فيه برقم (٣١١٩)، وهو مختلف في رفعه ووقفه كما بينه
الترمذي.
(٢) كذا ذكر الحافظ رحمه الله تعالى أن غير أبي ذر زاد هذه الآية، مع أنه لم يُذكر في اليونينية ولا في «إرشاد =

٤٥٤
سورة إبراهيم / ح ٤٦٩٩ - ٤٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
بلفظه.
قوله: (﴿اَلْبَوَارِ﴾: الهلاك، بارَ يَبُور بَوْراً ﴿قَوْمًا بُورًا﴾: هالكينَ)) هو كلام أبي عُبيدة.
ثمَّ ذكر حديث ابن عبّاس فيمَن نزلت فيه الآية مختصراً. وقد تقدَّم مُستَوفَّ معَ شرحه
في غزوة بدر (٣٩٧٧).
وروى الطََّرِيُّ (٢١٩/١٣) من طريق أُخرى عن ابن عبّاس(١): أنَّه سألَ عمرَ عن هذه
الآية، فقال: مَن هم؟ قال: هم الأفجَران من بني تَخَزوم وبني أُميَّةَ، أخوالي وأعمامك، فأمَّا
أخوالي فاستأصَلَهم الله يومَ بدر، وأمَّا أعمامك فأمْلَى الله لهم إلى حينٍ.
ومن طريق عليّ(٢) (١٣/ ٢٢٠) قال: هم الأفجَران بنو أُميَّة وبنو المغيرة، فأمَّا بنو المغيرة
فقطَعَ الله دابِرَهم يومَ بدر، وأمَّا بنو أُميَّ فُتِّعوا إلى حينٍ.
وهو عندَ عبد الرَّزّاق(٣) أيضاً (٣٤٢/١) والنَّسائيِّ (ك١١٢٠٣)، وصَحَّحَه الحاكم
(٣٥٢/٢).
قلت: والمراد بعضهم لا جميع بني أُميَّة وبني تَخزوم، فإنَّ بني تَخَزوم لم يُستأصَلوا يوم
بدر، بل المراد بعضهم، كأبي جهل من بني تَخزوم، وأبي سفيان من بني أُميَّة.
= الساري)) أية إشارة إلى وجود خلاف بين رواة البخاري في ذكرها، فالله أعلم.
(١) يرويه عنه عمرو بن مرة المرادي، ولم يسمع منه.
(٢) یرویه عنه عمرو ذو مُرّ، وهو مجهول لا يُعرف.
(٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن وهب بن عبد الله بن أبي دبي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن علي.
وخالف عبد الرزاق محمدُ بنُ ثور الصنعاني، فرواه عن معمر بإسناده، وقال في روايته: الأفجران. ولم
يُسمِّهما. أخرجه من طريقه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (٧٢٦). وهو في رواية النسائي التي
ذكرها الحافظ من طريق القاسم بن أبي بَزّة عن أبي الطفيل عن علي، أنه قال: هم كفار قريش یوم بدٍ،
ولم يُسمِّ أحداً بعينه، وأخرجه الطبري ٢٢١/١٣ من طريق بسام الصيرفي عن أبي الطفيل، عن علي،
قال: منافقو قريش. ولم يسمّ أحداً أيضاً، فتبين بذلك ضعف رواية من قيّده ببني مخزوم وبني أمية، والله
أعلم. وأما الحاكم فروايته من طريق عمرو ذي مر، وهو مجهول.

٤٥٥
سورة الحجر
كتاب التفسير
٣٧٩/٨
١٥ - تفسير سورة الحِجْر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال مجاهدٌ: ﴿صِرَّطُ عَلَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [٤١]: الحقُّ يَرجِعُ إلى الله، وعليه طريقُه.
﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [٧٩]: على الطَّريق.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [٧٢]: لَعَيِشُكَ.
﴿قَوْمٌ مُّكَرُونَ﴾: أنكَرَهم لوطٌ.
كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [٤]: أجَلٌ.
لَّوَّمَا﴾ [٧]: هَلَا تَأْتِينا.
﴿شِيَعِ﴾[١٠]: أُمَمِّ، والأولياءُ أيضاً: شِيَعٌ.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ [هود: ٧٨]: مُسْرِعِينَ.
﴿لِلْمُتَوَسِّينَ﴾ [٧٥]: للنّاظِرِينَ.
﴿سُكِّرَتْ﴾ [١٥]: تُشِّيَتْ.
﴿ لَعَمْرُكَ ﴾: لَعَيَشُك.
﴿وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ﴾ [٩]: قال مجاهد: عندنا.
﴿بُرُوجًا﴾ [١٦]: منازِلَ للشمس والقمرِ.
﴿لَوَقِحَ ﴾ [٢٣]: مَلاقِحَ.
﴿حَمٍ ﴾ [٢٦]: جماعةُ حَمْأةٍ، وهو: الطِّينُ المتغيّرُ، والمَسْنونُ: المَصْبوب.
﴿لَا نَوْجَلْ﴾ [٥٣]: لا تَخَفْ.
﴿ دَابِرَ﴾ [٦٦]: آخِرَ.
وَلَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [٧٩] الإمامُ: كلُّ ما اثْتَمَمْتَ به واهْتَدَيتَ.
﴿الصَّيْحَةُ﴾ [٨٣]: الهَلَكةُ.
قوله: ((تفسير سورة الحِجْر - بِسمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي، وله عن

٤٥٦
سورة الحجر
فتح الباري بشرح البخاري
غيره بدونِ لفظ ((تفسير)) وسَقَطَت البسملةُ للباقينَ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿صِرَطُ عَلَىَ مُسْتَقِيمٌ﴾: الحقّ يَرجِعُ إلى الله، وعليه طريقُه)) وصَلَه
الطَّبَيُّ (١٤/ ٣٣) من طرق عنه مِثْلَه، وزاد: لا يُعرِّج(١) على شيءٍ. ومن طريق قَتَادة ومحمّد
ابن سِيرِين وغيرهما: أنَّهم قَرَؤوا: ((عَلِيٌّ)) بالتَّنوين، على أنَّه صِفة للصِّراطِ، أي: رفيعٌ.
قلت: وهي قراءة يعقوب.
قوله: (﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾: على الطَّريق)) وروى الطَّبَرِيُّ (٤٩/١٤) من طرق عن ابن أبي
نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ قال: بطريقٍ مُعلَمٍ. ومن رواية سعيد عن
قَتَادة قال: طريق واضح، وسيأتي له تفسیرٌ آخرُ.
تنبيه: سَقَطَ هذا والذي قبلَه لأبي ذرِّ إلّا عن المُستَمْلِي.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: لَعَيَشُكَ)) وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن
أبي طلحة عن ابن عبّاس.
قوله: (﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: أنكَرَهم لُوطٌ)) وصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً من الوجه المذكور.
تنبيه: سَقَطَ هذا والذي قبلَه لأبي ذرٍّ .
قوله: ((﴿كِنَابٌ مَعْلُومٌ﴾: أجَلٌ)) كذا لأبي ذرٍّ، فأوهَمَ أنَّه من تفسير مجاهد، ولغيره:
وقال غيره: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾: أجَلٌ؛ وهو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله: ﴿إِلَّا وَلَمَا كِتَابٌ﴾
أي: أجَلٌ ومُدّةٌ ﴿مَعْلُومٌ ﴾ أي: مُؤَقَّت.
قوله: ((﴿ لَّوْمَا﴾: هَلّا تَأْتِينا)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ لَّوْمَا تَأْتِيِنَا﴾ مجازها: هَلّ تأتينا.
قوله: (﴿شِيَعِ﴾: أُمَم، والأولياء أيضاً: شِيَعٌ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿شِيَعَ الْأَوَِّينَ﴾،
أي: أُمَم الأوَّلينَ، واحدتها شِيْعة، والأولياء أيضاً: شِيَعٌ. أي: يقال لهم: شِيَعٌ. وروى
الطَّبَرِيُّ (٨/١٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: أُمَم الأوَّلينَ. قال الطَّبَريّ: ويقال لأولياءِ الرجل أيضاً: شِيعة.
(١) تحرف في (س) إلى: يعرض.

٤٥٧
سورة الحجر
كتاب التفسير
قوله: ((وقال ابن عبّاس ﴿يُّهْرَعُونَ﴾: مُسْرِعينَ)) كذا أورَدَها هنا، وليست من هذه
السّورة، وإنَّما هي في سورة هود، وقد وصَلَه ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٦١) من طريق عليّ بن
أبي طلحة عن ابن عبّاس.
قوله: (﴿لِلْمُتَّوَسّمِينَ﴾: للنّاظرينَ)) تقدَّم شرحُه في قِصّة لوط من أحاديث الأنبياء(١).
تنبيه: سَقَطَ هذا والذي قبلَه لأبي ذرٍّ أيضاً.
قوله: (﴿سُكِّرَتْ﴾: غَُّت)) كذا لأبي ذرٍّ فأوهَمَ أنَّه من تفسير مجاهد، وغيره يُوهِم أنَّه
من تفسير ابن عبّاس، لكنَّه هو قول أبي عُبيدة، وهو بمُهمَلةٍ ثمَّ بمُعجمةٍ(٢). وذكر الطََّرِيُّ
عن أبي عَمْرو بن العلاء أنَّه كان يقول: هو مأخوذ من سُكْرِ الشَّراب، قال: ومعناه غَشَى
أبصارَنا / مِثلَ السُّكْر. ومن طريق مجاهد والضَّحّاك قوله: ﴿سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا﴾ قال: سُدَّت. ٣٨٠/٨
ومن طريق قَتَادة قال: سُحِرَت. ومن وجه آخر عن قَتَادة، قال: ﴿سُكِرَتْ﴾ بالتَّشديد:
سُدَّت، وبالتّخفيفِ: سُحِرَت، انتھی.
وهما قراءتان مشهورتان، فقرأها بالتَّشديدِ الجمهورُ، وابنُ كثير بالتَّخفيفِ، وعن الزُّهْريّ:
بالتَّخفيفِ، لكن بناها للفاعلِ.
قوله: ((﴿لَعَفُرُكَ﴾: لَعَيْشُك)) كذا ثَبَتَ هنا لبعضِهم، وسيأتي لهم في الأيمان والنُّذُور معَ
شرحه(٣).
قوله: ((﴿وَ إِنَّ لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]: قال مجاهد: عندنا)) وصَلَه ابن المنذر من طريق ابن
أبي نَجِيح عنه. وهو في بعض نُسَخ ((الصَّحيح)).
قوله: (﴿بُرُوجًا﴾: منازِلَ للشمس والقمر. ﴿لَوَقِحَ﴾: مَلاقحَ(٤). ﴿حَمَلٍ﴾: جماعة حَمْأَةٍ،
(١) بين يدي الحديث رقم (٣٣٧٦).
(٢) بمهملة، أي: في سكرت، ثم بمعجمةٍ، أي: في غشيت. انتهى من هامش الأصل (س).
(٣) بين يدي الحديث رقم (٦٦٦٢).
(٤) زاد بعدها في (ع) وحدها: جماعة ملقح، ولم يرد في شيء من روايات البخاري. لكن جاء في بدء الخلق
قبل الحديث (٣٢٠٥): مَلاقِح مُلْقِحة، يعني أن مفردها ملقحة، فالظاهر أن ما وقع في (ع) من بعض
نسخ ((الفتح)) كُرِّر هنا، ثم تحرف من مُلقحة إلى: ملقح، والله أعلم.

٤٥٨
سورة الحجر / ح ٤٧٠١
فتح الباري بشرح البخاري
وهو الطّين المتغيِّر، والمَسْئُون: المصبُوب)) كذا ثَبَتَ لغير أبي ذرِّ وسَقَطَ له، وقد تقدَّم معَ
شرحه في بدء الخلق.
قوله: (﴿لَا نَوَجَلْ﴾: لا تَخَف. ﴿دَابِرَ﴾: آخِرَ)) تقدَّم شرح الأوَّل في قِصّة إبراهيم(١)،
وشرح الثّاني في قِصّة لوط من أحاديث الأنبياء(٢)، وسَقَطَ لأبي ذرِّ هُنا.
قوله: (﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾: الإمام كُلُّ ما اتْتَمَمْتَ به واهْتَدَيتَ)) هو تفسير أبي عُبيدة.
قوله: (﴿اَلْقَّيْحَةُ﴾: الهَلَكةُ)) هو تفسير أبي عبيدة، وقد تقدَّمت الإشارة إليه في قِصّة
لوط من أحاديث الأنبياء(٣).
١- باب قوله:
﴿﴿إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨]
٤٧٠١- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن عِكْرمةً، عن أبي هريرةَ،
يَبْلُغُ به النبيَّ وَّهِ، قال: ((إذا قُضِيَ الأمرُ في السماءِ، ضَرَبَتِ الملائكةُ بأْنِحَتِها خُضْعاناً لقوله،
كأنه سِلْسِلَةٌ على صَفْوانٍ - قال عليٌّ: وقال غيرُه: صَفْواٍ يَنفُذُهم ذلك - فإذا فُزِّعَ عن قُلُوبِهِم
قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا لِلَّذِي قال: الحَقُّ، وهو العليُّ الكبيرُ، فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُو السَّمْعِ،
ومُسْتِقُ السَّمْعِ هكذا واحدٌ فوقَ آخَرَ - ووَصَفَ سفيانُ بَيَدِه ففَرَّجَ بينَ أصابعِ يدِهِ الْيُمْنَى،
نَصَبَها بعضَها فوقَ بعضٍ - فُرُبَما أدْرَكَ الشِّهابُ المستَمِعَ قبلَ أن يُرْمی بها إلى صاحبه، فيُحْرِقُه،
ورُبَّما لم يُدْرِكْه حتَّى يُرْمى بها إلى الذي يَلِيهِ إلى الذي هو أسفَلَ منه، حتَّى يُلْقُوها إلى الأرضِ
- ورُبَّما قال سفيانُ: حتَّى تَنتَهِيَ إلى الأرضِ - فتُلْقَى على فَمِ الساحرِ، فيَكذِبُ معها مئةَ كَذْبةٍ،
فيَصَدُقُّ، فيقولون: ألم يُخْبِرْنا يومَ كذا وكذا: يكونُ كذا وكذا؟ فوَجَدْناه حَقّاً للكلمةِ التي
سُمِعَت منَ السماءِ)).
(١) بين يدي الحديث (٣٣٧٢).
(٢) بين يدي الحديث (٣٣٧٦).
(٣) بين يدي الحديث (٣٣٧٦).

٤٥٩
سورة الحجر / ح ٤٧٠٢
كتاب التفسير
حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنَا عَمْرٌو، عن عِكْرمةَ، عن أبي هريرةَ: ((إذا قَضَى اللهُ
الأمرَ )» وزادَ: ((والكاهنِ».
حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، فقال: قال عَمْرٌو: سمعتُ عِكْرمةَ، حدَّثنا أبو هريرةَ،
قال: ((إذا قَضَى الله الأمرَ))، وقال: ((على فَم الساحرِ)). قلتُ لِسفيانَ: آنْتَ سمعتَ عَمراً قال:
سمعتُ عِكْرمةَ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ؟ قال: نعم.
قلتُ لِسفيانَ: إِنَّ إنساناً روى عنكَ عن عَمٍو، عن عِكْرمةَ، عن أبي هريرةَ، ويرفعُه: أنَّه
قرأ: فُرِّغَ، قال سفيانُ: هكذا قرأْ عَمْرٌو، فلا أدري سمعَه هكذا أم لا؟
قال سفيانُ: وهي قراءتُنا.
[طرفاه في: ٤٨٠٠، ٧٤٨١]
قوله: ((باب قوله: ﴿ إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ,شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾)) ذكر فيه حديث أبي هريرة
في قِصّة مُستَرِقِي السَّمْعِ، / أورَدَه أوَّلاَ مُعَنعَناً ثمَّ ساقَه بالإسناد بعينِهِ مُصرَّحاً فيه بالتَّحديثِ ٣٨١/٨
وبالسَّماع في جميعه، وذكر فيه اختلاف القراءة في: ﴿فُزِعَ عَن قُلُوپِهِمْ﴾، وسيأتي شرحه في
تفسير سورة سَبَأ (٤٨٠٠) ويأتي الإلمام به في أواخر الطِّبّ (٥٧٦٢) وفي كتاب التوحيد
(٧٤٨١) إن شاء الله تعالى.
٢- باب قوله:
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]
٤٧٠٢- حَدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثْنا مَعْزٌ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ
دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال لأصحاب الحِجْرِ: ((لا تَدْخُلُوا
على هؤلاءِ القومِ إلّا أن تكونوا باكِينَ، فإن لم تكونوا باكِينَ فلا تَدْخُلوا عليهم، أن يُصِيبَكُم
مِثلُ ما أصابَهُم)).
قوله: ((باب قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾)) ذكر فيه حديث ابن عمر في
النَّهي عن الدُّخول على المعَذَّبينَ.

٤٦٠
سورة الحجر / ح ٤٧٠٣- ٤٧٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((إلّا أن تكونوا باكينَ)) ذكر ابن التِّين أنَّه عندَ الشَّيخ أبي الحسن: ((بائينَ)) بهمزةٍ
بدلَ الکاف، قال: ولا وجهَ لَه.
٣- باب قوله:
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]
٤٧٠٣- حَدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن خُبَيْبٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ،
عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي سعيدِ بنِ المُعلَّى، قال: مرَّ بِيَ النبيُّ ◌ِ﴿ وأنا أُصَلّي فدَعاني، فلم
آتِهِ حتَّى صَلَّيْتُ، ثمَّ أتيتُ، فقال: ((ما مَنَعَكَ أن تَأْتِيَني؟)) فقلتُ: كنتُ أُصَلّي، فقال: ((ألم يَقُلِ
اللهُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾؟ ألا أُعَلِّمُكَ
أعظَمَ سورةٍ في القرآنِ قبلَ أن أخرُجَ منَ المسجدِ؟)) فذهب النبيُّ ◌َلَّ لِيَخْرُجَ، فَذَكَّرْتُه، فقال:
(﴿الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾، هي السَّبْعُ المَثَاني، والقرآنُ العظيمُ الذي أوتِيتُه)».
٤٧٠٤ - حدَّثنا آدمُ، حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، حدَّثني سعيدٌ المقبُريُّ، عن أبي هريرةَ ◌َُه، قال:
قال رسولُ الله ◌َّهِ: «أُمُّ القرآنِ هي السَّبْعُ المَثَاني، والقرآنُ العظيمُ)).
قوله: (باب قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾)» ذكر فيه حديث أبي
سعيد بن المُعلَّ في ذكر فاتحة الكتاب. وقد سبق في أول التفسير (٤٤٧٤) مشروحاً.
ثم ذكر حديث أبي هريرة مختصراً بلفظ: ((أمُّ القرآن هي السبعُ المثاني)»، في رواية الترمذي(١)
(٣١٢٤) من هذا الوجه: ((الحمدُ لله أمُّ القرآن وأمُّ الكتاب والسبعُ المثاني))، وقد تقدم في
تفسير الفاتحة(٢) من وجه آخر عن أبي هريرة أتمَّ من هذا، وللطبري (١٤/ ٥٨ -٥٩) من
وجه آخر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رفعه: ((الركعة التي لا يُقرأْ فيها كالخِدَاج)) قال:
فقلت لأبي هريرة: فإن لم يكن معي إلّا أم القرآن؟ قال: هي حسبُك، هي أمُّ الكتاب، وهي
أمُّ القرآن، وهي السبْعُ المَثاني.
(١) وهو أيضاً عند أبي داود (١٤٥٧).
(٢) ذكره الحافظ عند شرح الحديث (٤٤٧٤).