النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ سورة يونس كتاب التفسير الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ قال: اختَلَطَ: فَنَبَتَ بالماءِ كلّ لَون ممَّا يأكل الناس / كالحِنطة والشَّعير وسائر حُبوب الأرض. ٣٤٦/٨ قوله: ((و﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَانَهُ, هُوَ الْغَنِىُّ﴾)) كذا ثَبَتَ هذا لغير أبي ذرِّ ترجمةً خاليةً من الحديث، ولم أرَ في هذه الآية حديثاً مُسنَداً، ولعلَّه أراد أن يُرِّج فيها طريقاً للحديثِ الذي في التوحيد ممّا يَتَعلَّق بذَمِّ مَن زَعَمَ ذلك، فبيَّضَ لَه. قوله: ((وقال زيد بن أسلَمَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾: محمَّد ◌َّ، وقال مجاهد: خَير)) أمَّا قول زيد بن أسلمَ فوَصَلَه ابن جَرِير (٨٢/١١) من طريق ابن عُيَينةَ عنه، بهذا الحديث، وهو في ((تفسير ابن عُيَينَةَ)): أُخبِرتُ عن زيد بن أسلم. وأخرج الطَّبَرِيُّ (١١/ ٨٢) من طريق الحسن أو قَتَادة قال: محمَّد بَّهِ شَفيع لهم. وهذا وصَلَه ابن مَرْدويه من حديث عليّ، ومن حديث أبي سعيد، بإسنادَينٍ ضعيفَينِ. وأمَّا قول مجاهد فوَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى ﴿وَبَشِِّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قال: خير، وروى ابن جَرِير (٨١/١١) من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قال: صَلاتهم وصومهم وصَدَقَتهم وتسبیحهم، ولا تَنافي بينَ القولَينِ، ومن طريق الرَّبيع بن أنس: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ أي: ثوابَ صِدق، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ قال: سَبَقَت لهم السَّعادة في الذِّكر الأوَّل. وَرَجَّحَ ابن جَرِير قول مجاهد ومَن تَبعَه لقولِ العرب: لفلان قَدَم صِدق في كذا، أي: قَدَمٌ فيه خير، أو قَدَم سوء في كذا، أي: قَدَمٌ فيه شَرّ. وجَزَمَ أبو عُبيدة بأنَّ المراد بالقَدَمِ السابقة. وروى الحاكم (٢/ ٣٣٨) من طريق أنس - وإنما أُهمل هنا لأن ابن جريج سمع من عطاء بن أبي رباح تفسير سورتي البقرة وآل عمران، وما سوى ذلك من التفسير فسمعه من الخراساني، كما نبّه عليه الحافظ في المقدمة في فصل الأحاديث المنتقدة عند الحديث الحادي والثمانين. وقد قُيِّد عند الطبري بالخُراساني. ٣٨٢ سورة يونس فتح الباري بشرح البخاري عن أُبيِّ بن كعب في قوله: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ قال: سَلَف صِدقٍ. وإسناده صحيح(١). تنبيه: ذكر عياض: أنَّه وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ: وقال مجاهد بن جَبْر. قال: وهو خطأ. قلت: لم أرَهُ في النُّسخة التي وَقَعَت لنا من رواية أبي ذرٍّ إلّا على الصَّواب كما قَدَّمتُه، نعم ذكر ابن التِّين: أنَّهَا وَقَعَت كذلك في رواية الشَّيخ أبي الحسن - يعني القابِسِيَّ - ومجاهد هو ابن جَبْر - بفتح الجيم، وسكون الموحّدة - لكنَّ المراد هنا أنَّه فَسَّرَ القَدَم بالخير، ولو كان وَقَعَ بزيادة ((ابن)) معَ التَّصحيف لكان عارياً عن ذِكْر القول المنسوب لمجاهدٍ في تفسير القَدَم. قوله: ((يقال: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ﴾ يعني: هذه أعلام القرآن. ومِثْلُه: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ المعنى: بكُم)) هذا وَقَعَ لغير أبي ذرٍّ، وسيأتي للجميع في التوحيد(٢). وقائلُ ذلك هو أبو عبيدة بن المثنَّى، وفي ((تفسير السُّدّيِّ)): ﴿مَايَتُ اَلْكِتَبِ﴾: الأعلام. والجامع بينَهما أنَّ في كلّ منهما صَرْفَ الخِطاب عن الغيبة إلى الحضور، وعكسه. قوله: ((﴿دَعْوَنَهُمْ﴾: دُعاؤُهم)) هو قول أبي عبيدة، قاله في معنى قوله: ﴿ دَعْوَنُهُمْ فِهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ ﴾. وروى الطَّبَرِيُّ (١١/ ٩٠) من طريق الثَّوريّ قال في قوله: ﴿ دَعَوَنَهُمْ فِيَهَا﴾ قال: إذا أرادوا الشَّيء قالوا: اللهمَّ، فيأتيهم ما دَعَوا به. ومن طريق ابن جُرَيج (٨٩/١١) قال: أُخبِرت، فذكر نحوه، وسياقه أتمّ. وكلّ هذا يُؤيِّد أنَّ معنى: ﴿ دَعْوَهُمْ دُعاؤُهم، لأنَّ ((اللهمَّ)) معناها: يا الله، أو معنى الدَّعوَى: العبادة، أي: كلامُهم في الجنَّة هذا اللَّفظُ بعينِهِ. قوله: ((﴿أُحِيَطَ بِهِمْ﴾: دَنَّوْا من الهَلَكة، ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْعَتُهُ﴾)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَظَنُّوَاْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي: دَنَوْا لِلِهَلكة، يقال: قد أُحيطَ به، أي: أنَّه لَالكٌ. انتهى، وكأنَّه من إحاطة العدوّ بالقوم، فإنَّ ذلك يكون سبباً للهلاكِ غالباً فَجُعِل كِنايةً (١) في (س): وإسناده حسن! (٢) بین یدي الحدیث رقم (٧٥٣٠). ٣٨٣ سورة يونس كتاب التفسير عنه، ولهذا أردَفَه المصنِّف بقوله: ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾ إشارةً إلى ذلك. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أَسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾: قول الإنسان لولدِه ومالِه إذا غَضِبَ: اللهمَّ لا تُبارك فيه والْعَنْه)) وقوله: ((﴿ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي: لَأُهلكَ مَن دُعيَ عليه ولَأَماتَه)) هكذا وصَلَه الفِرْيابيُّ وعبد بن مُميدٍ وغيرهما، من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في تفسير هذه الآية، ورواه الطَّبَرَيُّ (١١/ ٩٢) بلفظٍ مختصر، قال: فلو يُعَجِّل الله لهم الاستجابةَ في ذلك كما يُستَجاب في الخير لَأهلكهم. ومن طريق قَتَادة قال: هو دعاء الإنسان على نفسه وماله بما يَكرَه أن يُستَجابَ له، انتھی. وقد وَرَدَ في النَّهي عن / ذلك حديثٌ مرفوع أخرجه مسلم (٣٠٠٩) في أثناء حديث ٣٤٧/٨ طويل، وأفرَدَه أبو داود (١٥٣٢) من طريق عبادة بن الوليد عن جابر عن النبيّ وَّ قال: ((لا تَدعُوا على أنفُسِكُم، ولا تَدعُوا على أولادِكُم، ولا تَدعُوا على أموالِكُم، لا تُوافِقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءً، فيَستَجيبَ لكُم)). قوله: (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾: مِثْلُها حُسْنَى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: مَغْفِرة ورِضْوان)) هو قول مجاهد، وَصَلَه الفِرْيابيُّ وعبدٌ وغيرهما، من طريق ابن أبي نَجِيح عنه. قوله: ((وقال غيرُه: النَّظَر إلى وجهه)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرٍّ وأبي الوَقْت خاصّةً، والمراد بالغير هنا فيما أظنّ قَتَادةُ، فقد أخرج الطَّبَرُّ (١٠٦/١١-١٠٧) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عنه قال: الحُسنَى: هي الجنَّة، والزّيادة: النَّظَر إلى وجه الرَّحمن. وعندَ عبد الرَّزّاق (٢٩٤/١) عن مَعمَر عن قَتَادة: الحُسنَى: الجنَّة، والزّيادة فيما بَلَغَنا: النَّظَر إلى وجه الله. ولِسعيد بن منصور (١٠٥٩) من طريق عبد الرَّحمن بن سابِطٍ مثله موقوفاً أيضاً. ولعبد بن حُميدٍ عن الحسن مثله. وله عن عِكْرمة قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ قالوا: لا إله إلّ الله، ﴿اَلُْسْنَى﴾: الجنَّة، ﴿وَزِيَادَةٌ ﴾: النَّظَر إلى وجه الله الكريم. وقد وَرَدَ ذلك في حديث مرفوع أخرجه مسلم (١٨١)، والتُرمِذيّ (٢٥٥٢ و ٣١٠٥)، ٣٨٤ سورة يونس فتح الباري بشرح البخاري وغيرهما (١) من طريق حمَّد بن سَلَمةَ عن ثابت عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن صُهَيبٍ قال: قال رسول الله وَله: ((إذا دَخَلَ أهل الجنَّةِ الجنَّةَ نُودوا إنَّ لكُم عندَ الله مَوْعِداً، فيقولون: ألم يُبيِّضْ وجوهَنا ويُزَحْزِ حنا عن النار ويُدخِلْنا الجنَّة؟ قال: فيَكشِف الحِجَابَ فيَنظُرُونَ إليه، فوالله ما أعطاهم شيئاً هو أحَبَّ إليهم منه)) ثمَّ قرأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾. قال التِّرمِذيّ: إِنَّمَا أسنَدَه حَمَّاد بنُ سَلَمَةَ، ورواه سليمان بن المغِيْرة عن ثابت عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى(٢). قلت: وكذا قال مَعمَر، أخرجه عبد الرَّزاق (٢٩٦/١) عنه، وحمّاد بن زيد عن ثابت، أخرجه الطَّبَيُّ (١٠٥/١١)، وأخرجه أيضاً (١١/ ١٠٥) من طريق أبي موسى الأشعريّ نحوه موقوفاً عليه (٣)، ومن طريق كعب بن عُجْرة مرفوعاً قال: ((الزّيادة النَّظَر إلى وجه الرَّبّ)) (١١/ ١٠٧)، ولكِن في إسناده ضعف، ومن حديث حُذَيفة موقوفاً مثله (١٠٥/١١)، ومن طريق أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصِّدّيق مثله (١٠٤/١١-١٠٥) وصَلَه قيس بن الرَّبيع(٤) وإسرائيل عنه، ووَقَفَه سفيان وشُعْبة وشَرِيك على عامر بن سعد. وجاء في تفسير الزّيادة أقوال أُخَرُ: منها قول عَلقَمة والحسن(٥): إنَّ الزّيادة التَّضعيف، ومنها قول عليّ(٦): إنَّ الزّيادة غُرفة من لُؤلُؤة واحدة، لها أربعة أبواب أخرج جميع ذلك الطَّبَريّ (١٠٧/١١). (١) وأخرجه أحمد (٢٣٩٢٥)، وابن ماجه (١٨٧)، وابن حبان (٣١٠٥). (٢) يعني من قوله مقطوعاً. وقد أخرجه كذلك الطبري في تفسيره)) ١٠٦/١١، وابن خزيمة في ((التوحيد)) ٤٤٩/٢، والدار قطني في ((رؤية الله)) (٢١١). (٣) وأخرجه أيضاً من طريق أخرى عن أبي موسى ورفعه، وكلاهما في إسناده رجل متروك. (٤) زاد قيس بن الربيع بين عامر وأبي بكر سعيدَ بنَ نِمرانَ. (٥) وروى الطبريُّ عنه أيضاً من وجه آخر صحيح ١١ / ١٠٦ بأنها النظر إلى وجه الربّ سبحانه. (٦) وإسناده منقطع. ٣٨٥ سورة يونس / ح ٤٦٨٠ كتاب التفسير وأخرج عبد بن مُيدٍ رواية حُذَيفة ورواية أبي بكر من طريق إسرائيل أيضاً. وأشارَ الطََّرِيُّ إلى أنَّه لا تَعارض بينَ هذه الأقوال، لأنَّ الزّيادة تحتمِل كلَّا منها، والله أعلم. قوله: ﴿اَلْكِبْرِيَُّ﴾: الملك)) هو قول مجاهد، وصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عنه، وقال الفَرّاء: قوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِ الْأَرْضِ﴾ لأنَّ النبيّ إذا صُدِّقَ صارت مقاليدُ أمَّته ومُلكهم إليه. قوله: (﴿فَأَنْعَهُمْ﴾ وَبِعَهُم واحدٌ)) يعني: بهمزة القطع والتَّشديد، وبالثّاني قرأ الحسن، وقال أبو عبيدة: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ﴾ مِثل تَبِعَهم بمعنَى واحد. وهو كَرَدِفْتُه وأرْدَقتُه بمعنَّى. وعن الأصمعيّ: المهموز بمعنى أدرَكَ، وغير المهموز بمعنى مضى وراءَه أدرَكَه أو لم يُدرِكْه، وقيل: اتَّبَعَه - بالتَّشديدِ - في الأمر: اقتَدَى به، وأتبَعَه - بالهمز -: تَلَاه. قوله: (﴿عَدّوَا﴾: من العُدْوان)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً. وهو وما قبلَه(١) نَعتان منصوبان على أنَّهما مصدران، أو على الحال، أي: باغِينَ مُتَعَدّينَ، ويجوز أن يكونا مفعولَينِ، أي: لأجلِ البَغي والعُدوان، وقرأ الحسن بتشديد الواو وضمّ أوَّله. ١- بابٌ وَجَوَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَِّلَ اَلْبَحْرَ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿ تُنَجِيكَ﴾ [٩٢]: نُلْقِيكَ على نَجْوةٍ منَ الأرضِ، وهو النَّشَزُ: المكانُ المَرْتَفِع. ٣٤٨/٨ ٤٦٨٠- حدَّثني محمَّدُ بنُ بشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حذَّثنا شُعْبةُ، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ مجُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ المدينةَ واليهودُ تصومُ عاشُوراءَ، فقالوا: هذا يومٌ ظَهَرَ فيه موسى على فِرْعَونَ، فقال النبيُّ ◌َّه لأصحابه: ((أنتم أحقُّ بموسى منهم فَصُومُوا)). قوله: ((باب ﴿ وَجَوَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَهِيِلَ الْبَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠])) سَقَطَ للأكثرِ ((باب))، وساقوا (١) يعني في قوله تعالى: ﴿بَغْيَا وَعَدْوًا﴾. ٣٨٦ سورة يونس / ح ٤٦٨٠ فتح الباري بشرح البخاري الآيةَ إلى: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ قوله: (﴿نُنَجِّيكَ﴾: نُلْقيك على نَجْوة من الأرض، وهو النَّشَز: المكان المرْتَفِع)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ﴾، أي: نُلقيك على نَجْوة، أي: ارتفاع. انتهى، والنَّجْوة: هي الرَّبْوة المرتَفِعة، وجمعها نِجَأَ بكسرِ النُّون والقصر، وليس قوله: ﴿نُنَجِيكَ﴾ من النَّجاةِ بمعنى السَّلامة، وقد قيل: هو بمعناها، والمراد: مَّا وَقَعَ فيه قومُك من قَعْر البحر، وقيل: هو (١). وقد قرأ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع وغيرهما: ((نُنَحّيك)) بالتَّشديدِ والحاء المهمَلة، أي: نُلقیك بناحيةٍ. ووَرَدَ سبب ذلك فيما أخرجه عبد الرَّزّاق (٢٩٨/١) عن ابن التَّيْميِّ عن أبيه عن أبي السَّلِيل عن قيس بن عُبَاد أو غيره، قال: قال بنو إسرائيل: لم يَمُت فِرعَون، فأخرجه الله إليهم يَنظُرُونَ إليه كالثَّورِ الأحمر. وهذا موقوف(٢) رجاله ثقات. وعن مَعمَر عن قَتَادة قال: لمَّا أغرَقَ الله فِرعَون لم يُصدِّق طائفةٌ من الناس بذلك فأخرجه الله ليكونَ لهم ◌ِظةً وآيةً. وروى ابن أبي حاتم (١٩٨٣/٦) من طريق الضَّحّاك عن ابن عبّاس قال: فلمَّا خرج موسى وأصحابه، قال مَن تَّخَلَّفَ من قوم فِرعَون: ما غَرِقَ فِرِعَون وقومه، ولكنَّهم في جَزائر البحر يَتَصَيَّدُونَ. فأوحَى الله إلى البحر أن الْفِظِ فِرِ عَونَ عُرْياناً، فَلَفَظَه عُرياناً أصلَعَ أُخَيْنِسَ قصيراً، فهو قوله: ﴿فَلْيَوْمَ نُنَِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد ﴿يَبَدَنِكَ﴾ قال: بجسدِك. ومن طريق أبي صخر المدنيّ قال: البَدَن: الدِّرع الذي كان عليه. ثمَّ ذكر المصنّف حديث ابن عبّاس في صيام عاشوراء، وقد تقدَّم شرحه في الصيام (٢٠٠٤)، ومُناسَبتُه للتَرجمة قوله في بعض طرقه: ذاكَ يوم نَجَّى اللهُ فيه موسى، وأَغرَقَ فرعون. (١) بياض في الأصلين و(س). (٢) بل مقطوع رجاله ثقات، لأن قيس بن عُباد الصحيح أنه تابعي مخضرم. ٣٨٧ سورة هود كتاب التفسير ١١ - سورة هودٍ بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ ٠٠ قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿عَصِيبٌ﴾ [٧٧]: شديدٌ. ﴿لَا جَرَمَ﴾[٢٢]: بَلَى. وقال غيرُه: ﴿وَحَاقَ﴾ [٨]: نزلَ ﴿يَحِيقُ﴾ [فاطر: ٤٣]: يَنْزِل. (يَنَوسُ)) [٩]: فعولٌ من يَتِسْت. وقال مجاهدٌ: ﴿تَبْتَبِسُ﴾ [٣٦]: تَحْزَنْ. ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [٥]: شَكٍّ وامتِراءٌ في الحقِّ ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾: مِنَ الله إنِ استَطاعوا. وقال أبو مَيسَرةً: الأوّاه(١): الرَّحِيمُ، بالحَبَشِيّة. وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿بَادِىَ الرَّأْىِ﴾ [٢٧]: ما ظَهَرَ لنا. وقال مجاهدٌ: ﴿اَلْجُودِيِّ﴾ [٤٤]: جبلٌ بالجزيرة. وقال الحسنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ [٨٧]: يَستَهْزِئونَ به. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿أَقْلِعِ﴾ [٤٤]: أمسِكِي. ﴿وَفَارَ النَُّّورُ﴾ [١٠]: نَبَعَ الماء. وقال عِكْرِمةُ: وجه الأرضِ. قوله: ((سورة هود - بِسْمِ الهِالرَّمْنِ الرَّحِيمِ )) ثبتت البسملة لأبي ذرٍّ. قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿عَصِيبٌ﴾ شديد)) وصَلَه ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٦١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال في قوله: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ ﴾ قال: شدید. وأخرجه الطََّريُّ (٨٢/١٢) من طرق عن مجاهد وقتادة وغيرهما مثله، وقال: ومنه قول الرّاجِز: يومٌ عَصيب يَعصِبُ الأبطالا (١) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْزَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّهُ شُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]. ٣٨٨ سورة هود فتح الباري بشرح البخاري ويقولون: عَصَبَ يومُنا يَعصِب عَصْباً، أي: اشتَدَّ. قوله: (﴿لَا جَرَمَ﴾: بَلَى)) وصَلَه ابن أبي حاتم (٢٠١٩/٦) من طريق/ عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ ﴾(١) [النحل: ٢٣] قال: أي: بلى إنَّ الله يَعلَم، وقال الطَّبَرِيُّ: معنى جَرَمَ، أي: كَسَب الذَّنب، ثمَّ كَثُر استعماله في موضع ((لا بدَّ)) كقولهم: لا جَرَمَ أنَّك ذاهب، وفي موضع ((حَقّا)) كقولك: لا جَرَمَ لَيقومَنّ. قوله: ((وقال غيره: ﴿وَحَاقَ﴾: نزلَ ﴿يَحِيقُ﴾: يَنزِل)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾، أي: نزلَ بهم وأصابهم. قوله: ((﴿يَئُوسِّ﴾: فَعُول من يَبِسْت)) هو قول أبي عبيدة أيضاً، قال في قوله تعالى: ﴿لَيِّئُوسُ كَفُورٌ ﴾ هو فَعُول من يَئِست. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿نَبْتَبِسْ﴾: تَحْزَن)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (٣٣/١٢) من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال في قوله: ﴿فَلَ نَّبْتَيِسْ﴾ قال: لا تَحَزَن، ومن طريق قَتَادة وغير واحد نحوه. قوله: ((﴿يَثْنُنَ صُدُوَرَهُمْ﴾: شَكّ وامْتِراء في الحقّ ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾: من الله إن استَطاعوا)) وهو قول مجاهد أيضاً، قال في قوله: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ﴾ قال: شَكَّاً وامتِراءً في الحقّ، ليَستَخْفُوا من الله إن استَطاعوا. وصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٨٣/١١) من طرق عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، ومن طريق مَعمَر عن قَتَادة (١٨٤/١١) قال: أخفَى ما يكون الإنسان إذا أسَرَّ في نفسه شيئاً، وتغطّى بثوبه، واللهُ معَ ذلك يعلم ما يُسِرّونَ وما يُعلِنونَ. ومن طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس (١٨٥/١١) في قوله: ﴿ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ﴾: الشكّ في الله، وعَمَل السَّيِّئَات، يَستَغشي بثيابه، ويَستَكِنُّ من الله، واللهُ يراه، ويعلمُ ما يُسِرّ وما يُعلِن. والثَّنْيُ يُعبَّر به عن الشكّ في الحقّ، والإعراض عنه. ومن طريق عبد الله بن شَدّاد (١) لا ندري لِمَ عَدَلَ الحافظُ رحمه الله تعالى عن تفسير آية سورة هود إلى تفسير آية سورة النحل، مع أن هذا التفسير قد روي بهذا الإسناد المذكور لآية سورة هود، فلعله لم يقف عليه، والله أعلم. ٣٤٩/٨ ٣٨٩ سورة هود / ح ٤٦٨١ - ٤٦٨٢ كتاب التفسير (١٨٣/١١): أنَّها نزلت في المنافقينَ، كان أحدهم إذا مرَّ برسولِ الله وَّهِ ثَنَى صَدرَه، وطَأْطَأْ رأسه، وتَغَشَى بثوبه، لثَلّا يراه. أسنَدَه الطَّبَريُّ من طرق عنه، وهو بعيد، فإنَّ الآية مكّيَّةٍ، وسيأتي عن ابن عبّاس ما يُخالِفِ القول الأوَّل، لكنَّ الجمع بينَهما مُمكِنٌ. تنبيه: قُدِّمت هذه التَّفاسير من أوَّل السّورة إلى هنا في رواية أبي ذرٍّ، وهي عندَ الباقِينَ مُؤَخَّرَة عَّا سيأتي إلى قوله: ﴿أَقْلِمِ﴾: أمسِكي. قوله: ((وقال أبو مَيسَرةَ: الأوّاه: الرحيم، بالحَبَشِيَّةِ)) تقدَّم في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء(١)، وسَقَطَ هنا من رواية أبي ذرِّ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿بَادِىَ الرََّيِ﴾: ما ظَهَرَ لنا، وقال مجاهد: ﴿الْجُودِيِ﴾ جبل بالجزيرةٍ. وقال الحسن: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: يَستَهْزِئونَ به. وقال ابن عبّاس: ﴿أَقْلِعِ﴾: أمسِكي، ﴿وَفَارَ الذَّنُورُ﴾: نَبَعَ الماء. وقال عِكْرمة: وجه الأرض)) تقدَّم جميع ذلك في أحاديث الأنبياء(٢) وسَقَطَ هنا لأبي ذرّ. ١- بابٌ ﴿أَ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُوَرَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ ﴾ [هود:٥] ٤٦٨١ - حدَّثنا الحسنُ بنُ محمَّدِ بنِ صَبّاحِ، حدَّثنا حَجَاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيج: أخبرني محمَّدُ بنُ عبّادِ بنِ جعفرٍ: أنَّه سمعَ ابنَ عبَّاسٍ يقرأُ: ((ألا إنَّهم يَثْنَوْني صُدورُهم)) [٥]، قال: سألتُه عنها، فقال: أُناسٌٌ كانوا يَسْتَخْفُونَ أن يَتَخَلَّوْا فِيُفْضُوا إلى السماءِ، وأن يُجامِعُوا نساءَهم فيُفْضُوا إلى السماءِ، فنزلَ ذلك فیھم. [طرفاه في: ٤٦٨٢، ٤٦٨٣] ٤٦٨٢- حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَيج، وأخبرني محمَّدُ بنُ عبّادِ بنِ جعفرٍ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قرأ: ((ألا إنَّهم ◌َنْتَوْنِي صُدُورُهم)، قلتُ: يا أبا العَبَّاسِ، ما تَتْنَوْنِي (١) بين يدي الحديث رقم (٣٣٤٩). (٢) بعد الحديث رقم (٣٣٣٦). ٣٩٠ سورة هود / ح ٤٦٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ٣٥٠/٨ صُدورُهم؟ قال: كان الرجلُ يُجامِعُ/ امرأتَه، فَيَسْتَحْيِي، أو يَتَخلَى، فَيَسْتَحْيِي فنزلت: ((ألا إنَّهم تَنْتَونِي صُدُورُهُم)). ٤٦٨٣- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنا عَمْرٌو، قال: قرأ ابنُ عبَّاسِ: ﴿أَلَ إِنَّهُمْ يَتْنُنَ صُدُوَرَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. وقال غيرُه عن ابنِ عبَّاسِ: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: يُغَطّونَ رؤوسَهم. ﴿سِّءَ بِهِمْ﴾: ساءَ ظنُّهُ بقومِه ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ﴾ [٧٧]: بأضيافهِ. ﴿بِقِطْعِ مِنَ الَلِ﴾ [٨١]: بسَوادٍ. وقال مجاهدٌ: ((إليه أُنِيبُ)) [٨٨]: أَرجِعُ. ﴿سِجِيلٍ﴾ [٨٢]: الشَّدِيدُ الكَبِيرُ، سِجِّيلٌ وسِجِّينٌ واحد، واللّمُ والنّونُ أُختان، وقال تَمِيمُ بنُ مُقبِلٍ: ورَجْلةٍ يَضْرِبون البَيضَ ضاحيةً ضَرْباً تَواصَى به الأبطالُ سِجِينا ﴿اسْتَعْمَرَكُمْ﴾ [٦١]: جَعَلَكُمْ عُمَاراً، أعمَرْتُه الدّارَ، فهي عُمْرَى: جَعَلْتُها لَه. ﴿ذَكِرَهُمْ﴾ [٧٠]: وأنگرهم واستنگرَهم واحدٌ. (حَمِيدٌ فَجِيدٌ﴾ [٧٣]: كأنَّه فعِيلٌ من ماجِدٍ، محمودٌ من ◌َمِدَ. ﴿إِجْرَامِى﴾ [٣٥]: مَصْدَرٌ من أجْرَمْتُ، وبعضُهم يقول: جَرَمْتُ. ﴿الْفُلْكَ﴾ [٣٧]: والفُلَكُ واحدٌ، وهي السَّفِينَةُ والسُّفُن. (ُجْرَاها)) [٤١]: مَدْفَعُها، وهو مَصْدَرُ: أجْرَيتُ، وأرسَيتُ: حَبَسْتُ، وتُقْرَأُ: ((مَجَرَاهَا)) مِنْ جَرَتْ هي، (ومَرْسَاها)) مِن رَسَتْ، (ومُجرِيها ومُرْسِيها)): مِن فُعِلَ بها، راسِيَاتٌ: ثابتاتٌ. ﴿عَنِيدٍ﴾ وعَنودٌ وعائدٌ واحدٌ، وهو تَأْكِيدُ النَّجُِّ. ﴿وَيَقُولُ اُلْأَشْهَدُ ﴾ [هود: ١٨]: واحده شاهد، مثل صاحب وأصحاب. ٣٩١ سورة هود / ح ٤٦٨٣ كتاب التفسير قوله: ((باب ﴿أَلَ إِنَّهُمْ يَثْنُوُنَ صُدُوَرَهُمْ﴾)) سقط ((باب)) للأكثر. قوله: ((أخبَرَني محمّد بن عبّاد بن جعفر)) هكذا رواه هشام بن يوسف عن ابن جُرَيج، وتابَعَه حَجّاج عندَ أحمد(١)، وقال أبو أسامة عن ابن جُرَيج عن ابن أبي مُلَيكة عن ابن عبَّاس، أخرجه الطََّرِيُّ (١١/ ١٨٥). قوله: ((أَنَّه سمعَ ابن عبّاس يقرأ: ألا إنهم يَثْنَوْنِي)) بفتح أوَّله بتحتانيَّة - وفي رواية بفَوقانيَّة - وسكون المثلَّثة وفتح النُّون وسكون الواو وكسر النُّون بعدَها ياء، على وزن: يَفعَوعِل، وهو بناءُ مُبالَغة كاعْشَوشَبَ، لكن جُعِلَ الفِعل للصُّدورِ، وأنشَدَ الفَرّاء لعَنْتَرَةَ: وقولَك للشَّيءِ الذي لا تَنالُه إذا ما هو احْلَوْلَى ألا لَیتَ ذالیا وحكى أهل القراءات عن ابن عبّاس في هذه الكلمة قراءات أُخرى: وهي يَثْنَوِنَّ، بفتح أوَّله وسكون المثلَّثة وفتح النُّون وكسر الواو وتشديد النُّون، من الثِّنِّ، بالمثلَّثة والنُّون: وهو ما هَشَ وضَعُفَ من النَّبَات، وقراءة ثالثة عنه أيضاً بوزنٍ يَرْعَوي، وقال أبو حاتم السِّجِستانيُّ: هذه القراءة غَلَط إذ لا يقال: ثَنَوتُه فانثَوَى، كَرَعَوتُه فارْعَوی. قلت: وفي الشَّواذّ قراءات أُخرى ليس هذا موضع بسطها. قوله: (أُناس كانوا يَسْتَخْفُونَ أن يَتَخَلَّوْ)) أي: أن يَقضُوا الحاجة في الخَلَاءِ، وهم عُراةٌ، وحكى ابن الِّين أنَّه روي ((يَتَحَلَّو)) بالمهمَلة، وقال الشَّيخ أبو الحسن، يعني القابِسيّ: إنَّه أحسن، أي: يَرِقُدُ على حَلاوة قَفَاه. قلت: والأوَّل أَولى، وفي رواية أبي أُسامة: كانوا لا يأتونَ النِّساء ولا الغائط إلّا وقد تَغَشَوا بثیابهم، گراهة أن يُفْضُوا بقُروچِهم إلى السماء. قوله في رواية: (عَمْرو)) هو ابن دينار ((قال: قرأ ابن عبّاس: ﴿أَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾)) ضبط (١) يا عجباً للحافظ رحمه الله تعالى كيف نسب هذه المتابعة لأحمد، وهي إحدى طريقي البخاري هنا في الحديث الذي هو بصَددٍ شرحه، ولم نقف عليه في ((المسند))، ولا عزاه له هو في ((أطراف المسند))، ولا في («إتحاف المهرة)». ٣٩٢ سورة هود / ح ٤٦٨٣ فتح الباري بشرح البخاري أوَّله بالياءِ التَّحتانيَّة وبنونٍ آخِرَه و﴿صُدُورَهُمْ﴾ بالنَّصب على المفعوليّة، وهي قراءة الجمهور، كذا للأكثرِ، ولأبي ذرِّ كالذي قبلَه، ولِسعيد بن منصور عن ابن عُيَينَ ((يَتْنَونِي)) أوَّله تحتائيَّة وآخره تحتانيَّة أيضاً (١). وزاد: وعن محُميدِ الأعرج عن مجاهد: أنَّه كان يقرؤُها كذلك. قوله: ((وقال غيره)) أي: عن ابن عبّاس (﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: يُغَطّونَ رُؤوسهم)) الضَّمير في ((غيره)) يعود على عَمْرو بن دينار، وقد وصَلَه الطََّرِيُّ (١٨٦/١١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. وتفسير التَّغَشّي بالتَّغطية مُتَّفَق عليه. وتخصيص ذلك بالرّأسِ يحتاج إلى توقيف، وهذا مقبول من مِثل ابن عبّاس، يقال منه: استَغشَى بثوبه وتَغَشّاه. قال الشّاعر(٢): وتارةً أتغَشَى فَضْلَ أَطْهارِي قوله: (﴿سِّءَ بِهِمْ﴾: ساءَ ظُّه بقومِه ﴿وَضَافَ بِهِمْ﴾: بأضْيافِهِ)) هو تفسير ابن عبّاس، وصَلَه الطََّرِيُّ (٨١/١٢) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه في هذه الآية ﴿ وَلَمَّآ أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [العنكبوت:٣٣] ساءَ ظنّاً بقومِه وضاقَ ذَرْعاً بأضيافه. ويَلَزَم منه اختلافُ الضَّميرَينِ، وأكثر المفسِّرينَ على اتّحادهما. وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق الضَّحّاكِ(٣) قال: ساءَه مکانهم، لما رأی بهم من الجمال. قوله: ((﴿يِقِطْعٍ مِّنَ الَّيَّلِ﴾: بسَوادٍ)) وصَلَه ابن أبي حاتم (٦ / ٢٠٦٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. وقال أبو عبيدة: معناه: ببعضِ من اللَّيل، وقال عبد الرَّزّاق (٣٠٩/١) عن مَعمَر عن قَتَادة: بطائفةٍ من اللَّيل. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى، فالظاهر أنها وقعت له كذلك في نسخته من ((تفسير سعيد بن منصور))، ووقع في المطبوع المحقق من هذا الكتاب برقم (١٠٧٩) أنها ﴿يَثْنُونَ﴾ يعني كرواية البخاري هنا، فالله تعالى أعلم. (٢) هذا عجُزُ بيت قالته الخنساءُ، صدره: أَرْعَى النُّجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها. انظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس، مادة (رعى). (٣) كذا نَسَبَ الحافظُ هذا التفسيرَ للضحّاك، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، وإنما جاء هذا في ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٩/ ٣٠٥٧ من قول كعب الأحبار، وليس في إسناده الضحّاك. ٣٩٣ سورة هود / ح ٤٦٨٣ كتاب التفسير قوله: ((وقال مجاهد: إليه أُنِيبُ: أرجِعُ))/ كذا للأكثرِ، وسَقَطَ لأبي ذرِّ نِسبَتُه إلى مجاهد، فأوهم ٣٥١/٨ أنَّهعن ابن عبّاس کما قبله، وقد وصله عبد بن ◌ُمیدٍ من طريق ابن أبي نَجِیح عن مجاهد، بهذا. ووَقَعَ للأكثرِ قُبَيَلَ قوله: ((باب وكان عَرشُه على الماء)). قوله: ((﴿سِجِيلٍ﴾: الشَّديد الكبير، سِجِيلٌ وسِجّينٌ واحد، واللّام والتُّون أُختان. وقال تَمیم بن مُقبِل: ورَجْلةٍ يَضرِبونَ البَيْضَ ضَاحِيةً ضَرْباً تَواصَى به الأبطالُ سِجّينا» هو كلام أبي عُبيدة بمعناه، قال في قوله تعالى: ﴿حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ﴾: هو الشَّديد من الحجارة الصُّلْبُ، ومن الضَّرب أيضاً، قال ابن مُقبل، فذكره. قال: وقوله: سِجِيلاً، أي: شديداً، وبعضهم يُحوِّل اللّام نوناً. وقال في موضع آخر: السِّجّيل: الشَّديد الكثير. وقد تَعقَّبَه ابن قُتَيبة بأنَّه لو كان معنى السِّجّيل: الشَّديد، لمَا دَخَلَت عليه ((مِن))، وكان يقول: حجارةً سِجِيلاً، لأنَّه لا يقال: حجارة من شديد، ويُمكِن أن يكون الموصوف خُذِفَ. وأنشَدَ غيرُ أبي عُبيدة البيتَ المذكور، فأبدَلَ قوله: ((ضاحِيةً)) بقوله: ((عن عُرُضٍ))، وهو بضمَّتَينِ، وضاد مُعجَمة. وسيأتي قولُ ابن عبّاس ومَن تَبَعَه أنَّ الكلمة فارسيّة في تفسير سورة الفيل، وقد قال الأزهَريّ: إن ثَبَتَ أنَّهَا فارسيَّة فقد تَكلَّمَت بها العرب فصارت عربية، وقيل: هو اسم لسَماءِ الدُّنيا، وقيل: بحر مُعلَّق بينَ السماء والأرض، نزلت منه الحجارة، وقيل: هي جبال في السماء. تنبيه: تَميم بن مُقبل(١): هو ابن عوف بن حنيف(٢) بن قُتَيبة بن العَجلان بن كعب بن (١) كذا سماه الحافظ هنا، وفي ((الإصابة)): تميم بن مُقبِل، وإنما هو تميم بن أبيّ بن مُقبِل، كما في ((طبقات فحول الشعراء» لابن سلام الجُمحي ١٤٣/١، و((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص٢٨٨، و((خزانة الأدب)) للبغدادي ٢٣١/١، وغيرها. وإنما قال أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)): ابن مقبل، ولم يُسَمِّه. (٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: حبيب، كذا ضبط في (ع)، ولم يظهر الضبط في (أ)، وضبط في (س) بالخاء المعجمة بدل الحاء المهملة، وقُلِب الاسم أيضاً في الأصلين و(س) إلى: حبيب بن عوف، والتصويب من ((الإصابة)) للحافظ نفسه، ومن المصادر المشار إليها في التعليق المتقدم. ٣٩٤ سورة هود / ح ٤٦٨٣ فتح الباري بشرح البخاري عامر بن صَعصَعة العامريّ ثمَّ العَجلانيّ، شاعر مُضرَم أدرَكَ الجاهليَّة والإسلام، وكان أعرابيّاً جافياً، وله قِصّة معَ عمر. ذكره المرزُبانيّ. وقوله: رَجْلة، بفتح الرّاء، ويجوز كسرها، على تقدير ذَوي رِجْلةٍ، والجيم ساكنة، وحكى ابن التِّين في هذه الحاء المهمَلة. و ((البيض) بفتح الموحّدة، جمع بَيْضة: وهي الخُوذة، أو بكسرها، جمع أبيض: وهو السَّيف، فعلى الأوَّل المرادُ: مواضع البيض وهي الرُّؤوس، وعلى الثّاني المراد: يَضِرِبونَ بالبَيضِ، على نَزْع الخافض. والأوَّل أو جَه. و((ضاحية)) أي: ظاهرة، أو المراد: في وقت الضَّحوة. و ((تَواصَى)) أصله: تَتَواصَى، فخُذِفَتِ إحدى التاءَينِ، ورويَ: تَواصَت، بمُثنّاة بدلَ التَّحتانيَّة في آخره. وقوله: ((سِجّينا)) بكسرِ المهمَلة وتشديد الجيم، قال الحسن بن المظَفَّر: هو فِعِّيل من السَّجن، كأنَّه يُثْبِتُ مَن وَقَعَ فيه فلا يَبرَحُ مكانَه، وعن ابن الأعرابيّ أنَّه رواه بالخاءِ المعجمة بدلَ الجيم، أي: ضَرْباً حاراً. قوله: ((اسْتَعْمَرَكُم: جَعَلكُمْ عُمَاراً، أعمَرْتُه الدّارَ، فهي عُمْرَى)) سَقَطَ هذا لغير أبي ذرٍّ، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الهِبة (١). قوله: (﴿نَكِرَهُمْ﴾: وأنكرَهُم واستَنكَرَهُم واحدٌ)) هو قول أبي عبيدة، وأنشَدَ: وأنكَرَتني وما كان الذي نَكِرَت مِن الحوادثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا(٢) قوله: ((﴿حَمِيدٌ تَجِدٌ﴾: كأنَّ فَعِيل من ماجِدٍ، محمود من ◌َمِدَ) كذا وَقَعَ هنا، والذي في كلام أبي عُبيدة: ﴿حَمِيدٌ تَجِدٌ﴾، أي: محمود ماجِد. وهذا هو الصَّواب، والحميد: فَعِيل من حَدَ، فهو حامد، أي: يَحِمَدُ مَن يُطيعه، أو هو حَميد بمعنى محمود، والمجيد: فَعِيل من مُجُدَ، (١) بين يدي الحديث رقم (٢٦٢٥). (٢) عجز هذا البيت زدناه من (ع)، ولم يرد في (أ) و(س)، وهو في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة. ٣٩٥ سورة هود / ح ٤٦٨٣ كتاب التفسير بضمِّ الجيم، يَمجُد کَشَرُفَ یَشرُف، وأصله الرِّفعة. قوله: ((﴿إِجْرَامِى﴾: مَصْدَر أجْرَمْتُ، وبعضهم يقول: جَرَمْتُ)) هو كلام أبي عُبيدة، وأنشَدَ(١): طَرِيدُ عَشيرةٍ وَرَهِينُ ذَنْبٍ بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وجَنَى لِساني وجَرَمَتْ بمعنی کَسَبَتْ. وقد تقدَّم قريباً. قوله: ((﴿اُلْفُلْكَ﴾ والفُلَك واحد، وهي السَّفينة والسُّفُن)) كذا وَقَعَ لبعضِهم، بضمِّ الفاء فيهما، وسكون اللّم في الأولى وفتحها في الثّانية، ولآخَرِينَ بفتحَتَينِ في الأولى، وبضمِّ ثمَّ سكون في الثّانية، ورَجَّحَه ابن التِّين، وقال: الأوَّل واحد، والثّاني جمعٌ مِثل أسَد وأُسد. قال عياض: ولِبعضِهم بضمٍّ ثمَّ سكون فيهما / جميعاً، وهو الصَّواب، والمراد: أنَّ ٣٥٢/٨ الجمعَ والواحد بلفظٍ واحد. وقد وَرَدَ ذلك في القرآن فقد قال في الواحد: ﴿فِىِ اُلْفُلْكِ اٌلْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] وقال في الجمع: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. والذي في كلام أبي عُبيدة: الفُلْك واحدٌ وجمعٌ، وهي السَّفينة والسُّفُن. وهذا أوضَح في المراد. قوله: «مُجْرَاها: مَدْفَعُها، وهو مَصْدَر أجْرَيتُ، وأرسَيتُ: حَبَسْتُ، وتُقْرَأُ: تَجْراها، من: جَرَت هي، ومَرْساها، من: رَسَت، وتُجْرِيها ومُرْسِيها، مِن فُعِلَ بها)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرٍ بِهَا﴾ أي: مَسيرها، وهي مِن جَرَت بهم، ومَن قرأها بالضَّمِّ فهو من أجرَيتُها أنا، ﴿ وَمُرْسَهَا﴾ أي: وَقْفَها، وهو مصدر، أي: أرسَيتُها أنا. انتهى. ووَقَعَ في بعض الشُّروح: مُجراها: مَوقِفُها، بوارٍ وقافٍ وفاء، وهو تصحيف لم أرَه في شيء من النُّسَخ، ثمَّ وجَدت ابن التِّين حكاها عن رواية الشَّيخ أبي الحسن، يعني القابِسِيَّ، قال: وليس بصحيح، لأنَّ فاسدُ المعنى، والصَّواب ما في الأصل بدالٍ ثمَّ فاء ثمَّ عين. تنبيه: الذي قرأ بضمِّ الميم في ((عُجْراها)) الجمهورُ، وقرأ الكوفيّونَ: حمزة والكِسائيّ (١) نسَبَهُ أبو عبيدة للهَيْرُدَانِ بن خَطّار السَّعْدي أحد لُصوص بني سعْد. ٣٩٦ سورة هود / ح ٤٦٨٤ فتح الباري بشرح البخاري وحفص عن عاصم بالفتح(١)، وأبو بكر عن عاصم كالجمهورِ، وقَرَؤوا كلِّهم في المشهور بالضَّمِّ في ((مُرْسَاها))، وعن ابن مسعود فتحها أيضاً، رواه سعيد بن منصور (١٠٨٩) بإسنادٍ حسن، وفي قراءة يحيى بن وثّاب: مُجرِيها ومُرسِيها: بضمٍّ أوَّلهما وكسر الرّاء والسّين، أي: الله فاعلُ ذلك. قوله: ((راسياتٌ: ثابتاتٌ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ:١٣]، أي: ثِقالٍ ثابتاتٍ عِظام. وكأنَّ المصنّف ذكرها استطراداً لمَّا ذكر مُرساها. قوله: ((﴿عَنِيدٍ﴾ وعَنود وعاند واحدٌ، وهو تَأكيد التَّجَبُّر)) هو قول أبي عُبيدة بمعناه، لكن قال: وهو العادِل عن الحقّ. وقال ابن قُتَيبة: المعارض المخالف. قوله: (﴿ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ﴾: واحدُه شاهدٌ، مِثلُ صاحبٍ وأصحابٍ)) هو كلام أبي عُبيدة أيضاً، واختُلِفَ في المراد بهم هنا، فقيلَ: الأنبياء. وقيل: الملائكة، أخرجه عبد بن حُميدٍ عن مجاهد. وعن زيد بن أسلم: الأنبياء والملائكة والمؤمنونَ. وهذا أعَمّ. وعن قَتَادة فيما أخرجه عبد الرَّزّاق (١ / ٣٠٤): الخلائق. وهذا أعَمّ من الجميع. ٢- باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود:٧] ٤٦٨٤- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ به، عن رسولِ اللهِ وَّ قال: «قال الله عزَّ وجلَّ: أنِفِقِ أُنفِق عليكَ)) وقال: ((يَدُ الله مَلْأی، لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيلَ والنَّهارَ)) وقال: «أرأيتُم ما أنفَقَ مُذْ خَلَقَ السماء والأرضَ؟ فإنَّه لم يَغِضْ ما في يدِه، وكان عَرْشُه على الماء، وبيَدِه الميزانُ، يَخْفِضُ وبَرفَع))(٢). [أطرافه في: ٥٣٢٥، ٧٤١١، ٧٤١٩، ٧٤٩٦] (١) مع إمالة الألف أيضاً. انظر: ((العُنْوان في القراءات السبع)) لأبي طاهر السَّرَ قُسْطِيّ ص ١٠٧، و ((الإقناع)) لابن الباذِش ص١٢٢ -١٢٣. (٢) جاء بعد هذا الحديث في اليونينية تفسير بعض ألفاظ من سورة هود، قدَّمنا بعضها إلى الباب الذي قبله، وبعضها إلى الباب التالي، وفقاً لشرح الحافظ رحمه الله تعالى. ٣٩٧ سورة هود / ح ٤٦٨٥ كتاب التفسير قوله: ((باب قوله: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ ﴾)) ذكر فيه حديث أبي هريرة، وفيه ٣٥٣/٨ قوله: ((وكان عَرشه على الماء، وبيَدِه الميزان، تَخْفِضُ ویَرفَع))، وسيأتي شرحه في كتاب التوحيد (٧٤١٩) إن شاء الله تعالى. وقوله: ((لا تَغيضُها)» بالغَيْنِ المعجَمة والضّاد المعجَمة الساقطة، أي: لا تَنقُصُها. و (سَجّاءُ)) بمُهمَلَتَينِ مُثقَّلاً ممدوداً، أي: دائمة، ويُروَى ((سَخّاً)) بالتَّوين، فكأنَّهَا لِشِدّة امتِلائها تَفِيضُ (١) أبداً. و((اللَّيل والنَّهار)) بالنَّصب على الظَّرفيَّة. و ((الميزان)) كِناية عن العَدل. ٣- باب قوله: ﴿ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ الآية(٢) [هود:١٨] ٤٦٨٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ وهشامٌ، قالا: حدَّثْنَا قَتَادةُ، عن صَفْوانَ بنِ مُخْرِزِ، قال: بينا ابنُ عمرَ يَطوفُ، إذ عَرَضَ رجلٌ، فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ - أو یا ابنَ عمرَ - سمعتَ النبيَّ وَ ◌ّه فِي النَّجْوَى؟ قال: سمعتُ النبيَّ ◌َ يقول: «يُدْنَى المؤمنُ من رَبِّه - وقال هشامٌ: يَدْنُو المؤمنُ - حتَّى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقرِّرُه بِذُنُوبِهِ، تَعْرِفُ ذَنْبَ كذا، يقول: أعرِفُ، يقول: رَبِّ أعرِفُ - مَرَّتَينِ - فيقول: سَتَرْتُها في الدُّنْيا، وأغفِرُها لكَ اليومَ، ثمَّ يُعطَى(٣) صَحِيفةَ حسناتِهِ، وأمَّا الآخَرونَ - أو الكفَّارُ - فيُنادَى على رؤوسِ الأشهادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ﴾. وقال شَيْبانُ عن قَتَادةَ: حدَّثْنا صَفْوانُ. (١) تحرف في (س) إلى: تغيض. (٢) جاء بعد هذه الآية في اليونينية بيان لفظ من الأشهاد من سورة هود، قدّمناه إلى ما بعد الحديث (٤٦٨٣) مع جملة ألفاظ أخرى من السورة، وفقاً لشرح الحافظ رحمه الله. (٣) كذا في رواية الكُشميهني وحده، وفي رواية غيره: تُطوى، وصحح الحافظُ روايةَ الكشميهني وخطّأَ رواية الباقين عند شرح الحديث (٦٠٧٠)! ٣٩٨ سورة هود / ح ٤٦٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ﴿اَعْتَرَنكَ﴾ [٥٤]: افتَعَلَكَ، من عَرَوْتُه، أي: أصَبتُه، ومِنْه: يَعْرُوه، واعْتَراني. ﴿وَاخِذٌبِنَاصِيَيْهَا﴾ [٥٦] في مِلْكِهِ وسُلْطانِهِ. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ [هود: ٨٤]: إلى أهلِ مَدْيَنَ، لأنّ مَدْينَ بلدٌ، ومثلُه: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ﴿وَاَلْعِيَرَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلَ القريةِ وأصحابَ العِيرِ. ﴿ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]: يقول: لم تَلْتَفِتوا إليه، يقال: إذا لم يَقْضِ الرجلُ حاجَتَه: ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي، وجَعَلْتَنِي ظِهْرِيّاً، والظُّهْرِيُّ هاهنا: أن تَأْخُذَ معكَ دابّةً أو وِعاءً تَستَظهِرُ به. ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ [٢٧]: سُقّاطُنا. قوله: ((باب قوله تعالى: ((﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ الآيةَ)) ذكر فيه حديث ابن عمر في النَّجَوَى يومَ القيامة، وسيأتي شرحه في كتاب الأدب (٦٠٧٠). وقوله: ((حدثنا مسَّد، حدثنا يزيد بن زُریع)) لمسدّد فيه إسناد آخر يأتي في الأدب وفي التوحيد (٧٥١٤)، وهو أعلى من هذا، رواه عن مسدَّد عن أبي عَوَانة عن قتادة. وقوله في الإسناد: ((حدثنا سعيد وهشام)) أما سعيد: فهو ابن أبي عَرُوبة، وأما هشام: فهو ابن أبي(١) عبد الله الدَّستُوائي، وصفوان بن محرز، بالحاء المهملة والراء ثم الزاي. قوله: ((وقال شيبان، عن قتادة: حدثنا صفوان)) وصله ابن مَرْدويه من طريق شيبان، وسيأتي بيان ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. قوله: «﴿أَعْتَرَنِكَ﴾: افتَعَلك من عَرَوْته، أي: أُصَبْته، ومنه يَعْروه واعْتَراني» هو كلام أبي عُبيدة، وقد تقدَّم شرحه في فرض الخمس، وثَبَتَ هنا للكُشْمِيهنيِّ وحده، ووَقَعَ في بعض ٣٥٤/٨ / النُّسَخِ: ((اعتَراك: افتَعَلت)) بمُئنّةٍ في آخره وهو كذلك عندَ أبي عُبيدة، واعتَرَى افتَعَلَ من عَراه يَعروه إذا أصابه، وقوله: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنكَ﴾ ما بعدَ إلّا مفعول بالقولِ قبلَه، ولا يحتاج إلى تقدير محذوف كما قَدَّرَه بعضهم، أي: ما نقول إلّا هذا اللَّفظ، فالجملة مَحَكِيَّة، نحو: ما قلت: إلّا زيد قائم. (١) لفظة ((أبي)) سقطت من (س). ٣٩٩ سورة هود / ح ٤٦٨٥ كتاب التفسير قوله: (﴿وَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾: في مِلْكِهِ وسُلْطانِهِ)) هو كلام أبي عبيدة أيضاً، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(١) وثَبَتَ هنا للكُشْمِيهنيِّ وحدَه. قوله: (﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ﴾)) أي: إلى أهْلِ مَديَن، لأَنَّ مَدْيَن بَلَد، ومثله: ﴿ وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾ ﴿وَالْعِيَرَ﴾ أي: أهل القرية وأصحاب العِيرِ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ مَدْيَن لا يَنصَرِف، لأنَّه اسم بَد مؤنَّث، ومجازه مَجاز المختصر الذي فيه ضمير، أي: إلى أهل مَدَيَن، ومثله ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ أي: أهل القرية، ﴿وَالْعِيَرَ﴾ أي: مَنْ في العير. قوله: (﴿ وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِيًّا﴾: يقول: لم تَلتَفِتوا إليه، يقال: إذا لم يَقْضِ الرجلُ حاجَتَه: ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي ... )) إلى آخره، ثَبَتَ هذا للكُشْمِيهنيِّ وحدَه، وقد تقدَّم شرحه في ترجمة شُعَيب عليه السلام من أحاديث الأنبياء(٢). قوله: ((﴿أَرَازِلْنَا﴾: سُقّاطُنا)) بضمِّ المهمَلة وتشديد القاف، والأرازِل: جمع أَرْذَل(٣)، إمّا على بابه كما جاء: ((أحاسنُكُم أخلاقاً) أو جَرَى مَجَرَى الأسماء كالأبطَح، وقيل: أراذِل جمع أرذُل، بضمِّ الذّال، وهو جمعِ رَذْل، مِثْلُ كَلْب وأكلُب وأكالِب. ٤ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُوَ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] ﴿اُلْرِفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [٩٩]: العَوْنُ المُعِينُ، رَفَدْتُهُ: أَعَنْتُه. ﴿تَرْكَنُواْ﴾ [١١٣]: تَمِيلُوا. ﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ [١١٦]: فَهَلًا كان. ﴿أُتْرِفُواْ ﴾ [١١٦]: أُهْلِكوا. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿زَفِيْرٌ وَشَهِينٌ﴾ [١٠٦]: شديدٌ وصوتٌ ضَعِيفٌ. (١) بين يدي الحديث رقم (٣٢٩٧). (٢) قبل الحديث رقم (٣٤١٢). (٣) تحرف في (س) إلى: أرذال. ٤٠٠ سورة هود / ح ٤٦٨٦ فتح الباري بشرح البخاري ٤٦٨٦- حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا أبو معاويةَ، حدَّثنا بُرَيدُ بنُ أبي بُرْدَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى صُه، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((إنَّ اللهَ لَيُمْلي للظّالمِ، حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْه) قال: ثمَّ قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ أَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾)» الكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ لتشبيه الأخذ المستقبل بالأخذ الماضي، وأتى باللفظ الماضي موضع المضارعة على قراءة طلحة بن مُصَرِّف: ((أَخَذَ)) بفتحتين في الأول كالثاني مبالغةً في تحقُّقه. قوله: ((﴿اَلْرِفَدُ الْمَرْفُودُ ﴾ العَوْن المُعِين، رَفَدْتُه: أعنتُه)) كذا وقع فيه. وقال أبو عبيدة: اُلْرِقْدُ الْمَرْفُودُ﴾: العون المُعِين، يقال: رفَدْتُه عند الأمير، أي: أعنتُه، قال الكرماني: وقع في النسخة التي عندنا: العون المُعِين، والذي يدل عليه التفسير ((المُعان))، فإما أن يكون الفاعل بمعنى المفعول، أو المعنى: عونٌ ذو إعانة. قوله: ((﴿تَرْكَنُواْ﴾: تميلوا)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾: لا تعدلوا إلیھم ولا تمیلوا، يقال: رَکِنْتُ إلی قولك، أي: أردتُه وقلتُه. وروی عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس ﴿لا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾: لا ترضَوا أعمالهم. قوله: ((﴿فَلَوْلَا كَانَ ﴾: فهلَّ كان)) سقط هذا والذي قبله من رواية أبي ذر، وهو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَفِيَّةٍ ﴾ مجازه: فهلًّا كان من القرون، وروى عبد الرزاق (٢٩٨/١) عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ قال: في حرف ابن مسعود: «فهلًا)». قوله: ((﴿أُثْرِفُواْ﴾: أُهلِكوا)) هو تفسير باللازم، أي: كان الترفُ سبباً لإهلاكهم، وقال ٣٥٥/٨ أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ ﴾ أي: ما تحبّروا وتكبّروا/ عن أمر الله وصَدُّوا عنه . قوله: ((﴿زَفِيرٌ وَشَهِينٌ﴾.)) إلى آخره، تقدَّم في بَدْء الخلق(١). (١) بین یدي الحدیث رقم (٣٢٥٨).