النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ سورة براءة كتاب التفسير قوله تعالى: ﴿هَارٍ﴾، أي: هائر: والعرب تَنزع الياء التي في الفاعل، وقيل: لا قلبَ فيه، وإنَّما هو بمعنى ساقِطٍ، وقد تقدَّم شيء من هذا في تفسير آل عمرانَ. قوله: ((﴿لَأَوَّهُ﴾: شَفَقاً وفَرَقاً، قال الشّاعر: إذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيلِ تَأوَّهُ آهَةَ الرُّجُلِ الحَزينِ)» قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ﴾: هو فَعَّال من التَّأُوُّه، ومعناه: مُتَضَرِّعٌ شَفَقاً وفَرَقاً لطاعة رَبّه، قال الشّاعر، فذكره. وقوله: ((أرحَلُها)) هو بفتح الهمزة والحاء المهمَلة. وقوله: ((آهَةَ)) بالمدِّ للأكثرِ، وفي رواية الأَصِيليِّ بتشديد الهاء، بلا مَدِّ. تنبيه: هذا الشِّعر للمُثقِّب العبديِّ، واسمه: شأس(١) بنُ عائذٍ، وقيل: ابن نَهَارٍ (٢)، وهو من جُملة قَصيدة، أوَّهُما: أفاطمُ قبلَ بيْنِكِ مَتِّعيني ومَنعُكِ ما سألتُ كأن تَبِيني تَمُرُّ بها رياحُ الصَّیفِ دُوني ولا تَعِدِي مَواعِدَ کاذِباتٍ لمَا أتَبَعتها أبداً يَمِيني فإنّي لو ◌ُخالِفُني شِمالي ويقول فيها: فإمّا أنْ تكونَ أخي بِحَقٌّ فأعرِفَ منكَ غَثّي مِن سَمِيني وإلّا فاطَّرِحْني والّخِذْني عدُوّاً أَتَّقِيكَ وتَتَّقِيني وهيَ كثيرة الحِكَم والأمثال، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لو كان الشِّعر مثلها، وَجَبَ ٣١٦/٨ على الناس أن يَتعلَّموه. (١) في (ع) و(س): جحاش. والمثبت من (أ)، موافقاً لما في ((معجم الشعراء)» للمرزُباني ص ٣٠٣. (٢) كذا قال الحافظ، والمعروف أن شأس بن نهار هو شاعر آخر لقبة المُمزَّق العبدي، وهو ابن أخت المثقّب كما قال الثعالبي في ((لباب الآداب)) ص١٢٤. لكن ذكر المرزُباني قولاً في اسم المثقِّب أنه نهار بن شأس. ٣٢٢ سورة براءة / ح ٤٦٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ١- باب قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] أَذَانٌّ: إعلامٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿أُذُنٌ﴾ [٦١]: يُصدِّقُ. ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [١٠٣] ونحوُهاَ كَثِيرٌ، والزكاةُ: الطّاعةُ والإخلاص. ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت: ٧]: لا يَشِهَدونَ أن لا إلهَ إلّا الله. ﴿يُضَهُونَ﴾ [٣٠]: يُشَبِّهونَ. ٤٦٥٤- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ ﴾ يقول: آخِرُ آيةٍ نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخِرُ سورةٍ نزلت ((براءةٌ)». قوله: ((باب قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أذانٌ: إِعْلامٌ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ وَأَذَنُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾﴾ [التوبة: ٣] قال: عِلمٌ من الله، وهو مصدر من قولِك: آذَنْتُهم، أي: أعلمتُهم. قوله: ((وقال ابن عبّاس: أُذُنُّ: يُصَدِّق)) وصَلَه ابن أبي حاتم (١٨٢٧/٦) من طريق عليّ ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ يعني: أنَّه يَسمَع من كلّ أحد، قال الله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ يعني: يُصدِّقُ بالله. فظَهرَ أنَّ ((يُصدِّق)) تفسير (يُؤمِن)) لا تفسير ((أُذُن)) كما يُفهِمه صنيع المصنّف، حيثُ اختَصَرَه. قوله: ((﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَّكْبِم بِهَا﴾ ونحوُها كَثِيرٌ)) وفي بعض النُّسَخ: ومثل هذا كثير، أي: في القرآن، ويقال: التَّركية ((والزكاة: الطّاعة والإخلاص)) وصَلَه ابن أبي حاتم (١٨٧٦/٦) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ قال: الزكاة: طاعة الله والإخلاص. قوله: (﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾: لا يَشْهَدونَ أن لا إله إلّا الله)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من ٣٢٣ سورة براءة / ح ٤٦٥٤ كتاب التفسير طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ آ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ قال: هم الذينَ لا يَشهَدونَ أن لا إله إلّا الله. وهذه الآية من تفسير فُصِّلَت ذكرها هنا استطراداً. وفي تفسير ابن عبَّاس الزكاةَ بالطاعة والتوحيد: دَفْعٌ لاحتجاج مَن احتَجَّ بالآية على أنَّ الكفَّار مُخاطَبونَ بفُروع الشَّريعة. قوله: (﴿يُضَهِقُونَ﴾: يُشبِّهون)) وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى ﴿يُضَهِثُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: يُشبِّهونَ. وقال أبو عُبيدة: المضاهاة: التَّشبيه. ثمَّ ذكر حديث البراء في آخر آيةٍ نزلت وآخِرِ سورةٍ نزلت. فأمَّا الآية فتقدَّم حديث ابن عبّاس في سورة البقرة (٤٥٤٤)، وأنَّ آخر آيةٍ نزلت آيةٌ الرِّبا. ويُجمَع بأنَّهما لم يَنقُلاه، وإنَّما ذَكَراه عن استقراءٍ بحَسَب ما الطَّلَعا عليه، وأولى من ذلك أنَّ كلَّا منهما أراد آخِرِيَّةً مخصوصةً. وأمَّا السّورة فالمراد بعضها أو مُعظَمها، وإلّا ففيها آياتٌ كثيرةٌ نزلت قبلَ سَنة الوفاة النبويَّة، وأوضَحُ من ذلك أنَّ أوَّل براءة نزلَ عَقِبَ فتح مگَّة في سنة تسع عامَ حَجِّ أبي بكر، وقد نَزَلْت ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وهي في المائدة [٣] في حَجّة الوَداع سنةَ عشرٍ، فالظّاهر أنَّ المراد مُعظَمها، ولا شَكَّ أنَّ غالبها نزلَ في غزوة تَبُوكَ، وهي آخِرُ غَزَوات النبيّ ◌َِّ، وسيأتي في تفسير ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الَّهِ﴾ أنَّهَا آخِرُ سورةٍ نزلت، وأذكُرُ الجمع هناكَ إن شاء الله تعالى. وقد قيل في آخِرِيَّة نزول براءة: إنَّ المراد بعضُها، فقيلَ: قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ الآيةَ، وقيل: ﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [١٢٨]. وأصحّ/ الأقوال في ٣١٧/٨ آخِرِيَّة الآية قوله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، كما تقدَّم في البقرة، ونَقَلَ ابن عبد السَّلام: آخِر آية نزلت آية الكلالة، فعاشَ بعدَها خمسين يوماً، ثمَّ نزلت آية البقرة، والله أعلم. ٣٢٤ سورة براءة / ح ٤٦٥٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢- بابٌ ﴿ فَسِيحُواْ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِرِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] ﴿فَسِيحُواْ ﴾: سِیروا. ٤٦٥٥ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حذَّثني اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، وأخبرني مُميدُ بنُ عبدِ الرّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: بَعَثَني أبو بَكْرٍ في تلكَ الحَجّةِ، في مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهم يومَ النَّحْرِ، يُؤَذِّونَ بِمِنَّى: لا يَحُُ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطوفُ بالبيتِ عُرْيانٌ. قال مُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: ثمَّ أردَفَ رسولُ اللهَ وَّهِ بعليٍّ بنِ أبي طالبٍ، فأمَرَه أن يُؤَذِّنَ ببراءةَ، قال أبو هريرةَ: فأذَّنَ مَعَنا عليٍّ يومَ النَّحْرِ في أهلٍ مِنَّى ببراءةَ، وأن لا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ. قوله: ((باب ﴿فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ساقَ إلى ﴿اَلْكَفِرِينَ﴾. ﴿فَسِيحُواْ﴾: سيروا)) هو كلام أبي عُبيدة، بزيادة: قال في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِ اُلْأَرْضِ ﴾ قال: سيروا وأقبلوا وأدبروا. قوله: ((حدَّثني اللَّيث عن عُقَيل)) في الرّواية التي بعدَها: حدَّثني اللَّيث، حدَّثني عُقَيل. ولَلَّيْثِ فيه شيخٌ آخر تقدَّم في كتاب الحجّ (١٦٢٢): عن يحيى بن بُكَير عن اللَّيث عن يونس. قوله: ((عن ابن شِهاب وأخبَرَني مُميدٌ)) قال الكِرْمانيُّ: بواوِ العَطْفِ إشعاراً بأنَّه أخبَرَه أيضاً بغير ذلك قَبْلُ(١)، فهو عَطفٌ على مُقدَّر. قلت: لم أرَ في طرق حديث أبي هريرة عن أبي بكر الصِّدّيق زيادةً إلّا ما وَقَعَ في رواية شُعَيب عن الزُّهْريّ، فإنَّ فيه: كان المشرِكونَ يوافُونَ بالِّجارة، فيَنْتَفِعُ بها المسلمونَ، فلمَّا حَرَّمَ الله على المشرِكينَ أن يَقرَبوا المسجدَ الحرام وجَدَ المسلمونَ في أنفُسهم ممَّا قُطِعَ عنهم من التِّجارة، فنزلت: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ الآيةَ [التوبة: ٢٨]، ثمَّ أحَلَّ في الآية الأُخرى (١) تصحفت في (ع) و(س) إلى: قیل. ٣٢٥ سورة براءة / ح ٤٦٥٦ كتاب التفسير الجِزيةَ، الحديث. أخرجه الطبرانيُّ(١) وابن مَرْدويه مُطوَّلاً من طريق شُعَيب، وهو عندَ المصنّف في كتاب الجِزية (٣١٧٧) من هذا الوجه. قوله: «أنَّ أبا هريرة ﴾ قال: بعثني)» في روایة صالح بن گیْسانَ عن ابن شهاب في الباب الذي يَليه: أنَّ أبا هريرة أخبَرَه. قوله: ((قال أبو هريرة: فأذَّنَ مَعَنا عليّ)) كذا للأكثرِ، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ وحده: قال أبو بكر: فأَذَّنَ مَعَنا. وهو غَلَط فاحِش مخالف لرواية الجميع، وإنَّما هو كلام أبي هريرة قطْعاً، فهو الذي كان يُؤَذِّن بذلك. وذكر عياض أنَّ أكثر رواة الفِرَبْريِّ وافَقوا الكُشْمِيهنيَّ، قال: وهو غَلَط. ٣- بابٌ وَأَذَنُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة:٣، ٤] ٤٦٥٦- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، حدَّثني عُقَيلٌ، قال ابنُ شِهابٍ: فأخبرني مُميدُ بنُ عبدِ الرّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: بَعَثَني أبو بَكْرِ عَّه في تلكَ الحَجّةِ في المؤَذِّنِينَ، بَعَثَهم يومَ النَّحْرِ يُؤَذِّنونَ بِمِنَّى: أن لا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ. قال مُميدٌ: ثمَّ أردَفَ النبيُّ ◌َّهَ/ بعليٍّ، فأمَرَه أن يُؤَذِّنَ ببراءةَ، قال أبو هريرةَ: فأذَّنَ مَعَنا عليٌّ ٣١٨/٨ في أهلٍ مِنّ يومَ النَّحْرِ ببراءةَ، وأَلَا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ. قوله: ((باب ﴿ وَأَذَنٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ﴾ إلى ﴿الْمُنَّقِينَ﴾)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبلَه من وجهينِ. قوله: ((بَعَثَني أبو بَكْر في تلكَ الحَجّة)» في رواية صالح بن كَيْسانَ التي بعدَ هذه: الحجّة التي أمَّرَه رسولُ الله وَّل عليها قبلَ حَجّة الوداع. وروى الطََّرُّ من طريق ابن (١) وهو في ((مسند الشاميين)) (٣٠٦٧). ٣٢٦ سورة براءة / ح ٤٦٥٦ فتح الباري بشرح البخاري عبَّاس(١) قال: بَعَثَ رسول الله بَّهِ أبا بكر أميراً على الحجّ، وأمَرَه أن يُقيم للنّاس حَجَّهم، فخرج أبو بكر. قوله: ((يُؤَذِّنونَ بِمِنَّى: أن لا يَحُجَّ بعدَ العام مُشْرِك)) في رواية ابن أخي الزُّهْريّ عن عَمّه في أوائل الصلاة (٣٦٩): في مُؤَذِّنينَ، أي: في جماعةٍ مُؤَذِّنينَ، والمراد بالتَّأذينِ: الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿ وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعلامُ. وقد وقَفتُ ثَمَّن سُمّيَ ممَّن كان معَ أبي بكر في تلكَ الحجّة على أسماء جماعة: منهم سعد ابن أبي وقّاصٍ فيما أخرجه الطَّبَريُّ من طريق الحَكَم عن مُصعَب بن سعد عن أبيه قال: بَعَثَ رسول الله ◌َّ﴿ أبا بكر، فلمَّا انتَهَينا إلى ضَجْنانَ أتْبَعَه عليّاً. ومنهم جابر روى الطَّبَرِيُّ(٢) من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيمٍ عن أبي الزُّبَير عن جابر: أنَّ النبيّ وَ لَهَ بَعَثَ أبا بكر على الحجّ فأقبلْنا معه. قوله: ((أَلَا يَحَُّ)) بفتح الهمزة وإدغام الُّون في اللّام. قال الطَّحاويُّ في ((مُشكِل الآثار)): هذا مُشكِلٌ، لأنَّ الأخبار في هذه القِصّة تَدُلّ على أنَّ النبيّ وَِّكان بَعَثَ أبا بكر بذلك، ثمَّ أتْبَعَه عليّاً، فأمَرَه أن يُؤَذِّنَ، فكيفَ يَبعَث أبو بكر أبا هريرة ومَن معه بالتَّأذين معَ صَرْف الأمر عنه في ذلك إلى عليٍّ؟ ثمَّ أجابَ بما حاصله: أنَّ أبا بكر كان الأميرَ على الناس في تلكَ الحجّة بلا خِلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتَّذينِ بذلك، وكأنَّ عليّاً لم يُطِقِ التَّأذين بذلك وحده، واحتاجَ إلى مَن يُعينُه على ذلك، فأرسَلَ معه أبو بكر أبا هريرة وغيرَه ليُساعِدوه على ذلك. ثمَّ ساقَ (٣٥٩٣) من طريق المحرّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت معَ عليّ حينَ بَعَثَه النبيّ وَيّ ببراءة إلى أهل مكَّة، فكنت أُنادي معه بذلك حتَّى يَصْحَلَ صوتي، وكان هو (١) لم نقف عليه في شيء من كتب الطبري المسندة المطبوعة، وكذا لم نقف على حديث سعد بن أبي وقاص وحديث جابر الآتيين قريباً، فلعله في بعض كتب الطبري الأخرى التي لم تصل إلينا، منها «المسند» و((الفضائل)) وغيرهما، والله تعالى أعلم. (٢) كذا عزاه الحافظ هنا للطبري وحده، مع أنه سيذكره مرة أخرى في آخر شرح هذا الحديث مُتوسِّعاً في تخريجه، وأما الطبري فلم نقف عليه عنده في شيء من كتبه المطبوعة، فلعله في جملة ما لم يصلنا من كتبه، والله أعلم. ٣٢٧ سورة براءة / ح ٤٦٥٦ كتاب التفسير ينادي قبلي حتَّى يُعبي)) وأخرجه أحمد أيضاً وغيره (١) من طريق مُحُرَّر بن أبي هريرة. فالحاصل أنَّ مُباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمرٍ أبي بكر، وکان ینادي بما يُلقيه إليه عليٌّمِمَّ أُمِرَ بَتَبليغِهِ. قوله: ((بعدَ العام)) أي: بعدَ الزَّمان الذي وَقَعَ فيه الإعلام بذلك. قوله: ((ولا يَطوفَ)) بفتح الفاءِ عَطفاً على الحجّ. قوله: ((قال مُميدٌ)) هو ابن عبد الرَّحمن بن عَوْف ((ثُمَّ أَردَفَ النبيُّ ◌َّ بِعلِيِّ، فأمَرَه أن يُؤَذِّنَ ببراءةَ)) هذا القَدْر من الحديث مُرسَل، لأنَّ حُميداً لم يُدرِك ذلك، ولا صَرَّحَ بسماعِه له من أبي هريرة، لكن قد ثَبَتَ إرسال عليٍّ من عِدّة طرق: فروى الطَّبَرَيُّ(٢) من طريق أبي صالح عن عليّ قال: بَعَثَ رسول الله وَ لَه أبا بكر ببراءةَ إلى أهل مكَّة وبَعَثَه على الموسِم، ثمَّ بَعَثَني في أثره، فأدرَكتُه فأخذتُها منه، فقال أبو بكر: ما لي؟ قال: ((خيرٌ أنتَ، صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، غير أنَّه لا يُبَلِّغ عنِّي غيري، أو رجل منِّي))، ومن طريق عَمْرو بن عَطيَّةً عن أبيه عن أبي سعيد مِثلَه، ومن طريق العمريّ عن نافع عن ابن عمر كذلك(٣). وروى التِّرمِذيّ (٣٠٩١) من حديث مِقْسَمِ عن ابن عبّاس مِثْلَه مُطوَّلاً، وعندَ الطبري(٤) من حديث أبي رافع نحوُه، لكن قال: فأتاه جِبْريل، فقال: إنَّه لَن يُؤَدّيَها عنك إلّا أنتَ أو رجلٌ مِنك. وروى التِّرمِذيّ (٣٠٩٠) وحَسَّنَهَ، وأحمد (١٣٢١٤) من حديث أنس قال: بَعَثَ النبيّ ◌َ صَلىالله وَستار (١) أخرجه أحمد (٧٩٧٧)، والنسائي (٢٩٥٨). (٢) لم نقف عليه عند الطبري، وقد أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١٧٧) عن أبي صالح مرسلاً، ودون قوله فيه: ((غير أنه لا يبلِّغ عنِّي غيري أو رجل منِّي)». (٣) لم نقف عليهما عند الطبري، فلعلهما في بعض كتبه التي لم تصل إلينا، وأغلب الظن أنه في ((الفضائل)). (٤) في (أ) و(س): الطبراني، والمثبت من (ع)، وهو الأظهر، لأن مسند أبي رافع موجود في ((المعجم الكبير))، وليس فيه هذا الحديث، ولأن الحافظ خرّج من الطبري عدة أحاديث هنا، فالظاهر أنه أراد الطبري، والله أعلم. ٣٢٨ سورة براءة / ح ٤٦٥٦ فتح الباري بشرح البخاري براءة معَ أبي بكر، ثمَّ دَعَا عليّاً فأعطاها إيّاه، وقال: ((لا ينبغي لأحدٍ أن يُبَلِّغَ هذا إلّا رجل من أهلي)». ٣١٩/٨ وهذا يوضِّحُ قوله في الحديث الآخر: ((لا / يُبلِّغ عنِّي))، ويُعرَف منه أنَّ المراد خصوصُ القِصّة المذكورة لا مُطلَقُ التَّبليغ. وروى سعيد بن منصور (١٠٠٥) والتِّرمِذيّ (٨٧١ و٨٧٢) والنَّسائيُّ (١)، والطَّبَرِيُّ (٦٤/١٠) من طريق أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيِعِ قال: سألت عليّاً: بأيِّ شيء بُعِثت؟ قال: بأنَّه لا يَدخُلِ الجنَّة إلّا نفسٌ مُؤمِنة، ولا يَطوف بالبيت عُريانٌ، ولا يَجِتَمِع مسلمٌ معَ مُشِرِك في الحجّ بعدَ عامهم هذا، ومَن كان له عَهد فعَهِدُه إلى مُدَّتِهِ، ومَن لم يكن له عَهد فأربعةُ أشهُرٍ. واستُدِلَّ بهذا الكلام الأخير على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ﴾ يَخْتَصّ بمَن لم يكن له عَهد مُؤَقَّت، أو لم يكن له عَهد أصلاً، وأمَّا مَن له عَهد مُؤَقَّت، فهو إلى مُدَّته. فروی الطبريُّ (٥٩/١٠) من طريق ابن إسحاق، قال: هم صنفان: صِنف كان له عهد دونَ أربعة أشهُر، فأُمهِلَ إلى تمام أربعة أشهُر، وصِنف كانت مدَّة عَهْده بغير أجَلِ، فَقُصِرَت على أربعة أشهُر. وروى أيضاً (٦٠/١٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: أنَّ الأربعة الأشهُر أجَل مَن كان له عَهْد مؤقَّت بقَدْرها أو يزيد عليها، وأمَّا مَن ليس له عهد فانقضاؤه إلى سَلْخ المحرَّم لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُ فَاقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ ﴾. ومن طريق عُبَيد بن سليمان(٢) سمعت الضَّحّاك: أنَّ رسول الله وَّ عاهَدَ ناساً من (١) أخرجه النسائي (٢٩٥٨)، لكن من طريق المحرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه بنحوه مختصراً، ولم يخرجه من حديث علي. وطريق محرر عن أبيه سلفت الإشارة إليها قريباً، وسيوردها الحافظ ويخرجها في شرحه على الحديث التالي. (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: عبيدة بن سلمان، وتحرف اسم الأب فقط في (ع) إلى: سلمان. ٣٢٩ سورة براءة / ح ٤٦٥٦ كتاب التفسير المشرِكينَ من أهل مكَّةَ وغيرهم فنزلت براءة، فنَبَذَ إلى كلّ أحدٍ عَهْدَه، وأجَّلَهم أربعةَ أشهُرٍ، ومَن لا عَهدَ له فأجَلُه انقضاءُ الأشهر الحُرُم. ومن طريق السُّدّيِّ نحوه (٥٩/١٠ و ٦٠). ومن طريق مَعمَر عن الزُّهْريّ (٦٢/١٠) قال: كان أوَّل الأربعة أشهُرِ عندَ نزول براءة في شوّال، فكان آخرها آخر المحَّم. فبذلك يُجمَع بينَ ذِكْر الأربعة أشهُر وبينَ قوله: ﴿ فَإِذَا أُنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾، واستَبَعَدَ الطََّرِيُّ ذلك من حيثُ إنَّ بُلوغَهم الخبرَ إنَّما كان عندَما وَقَعَ النِّداء به في ذي الحِجّة، فكيف يقال لهم: سِيحُوا أربعة أشهر، ولم يَبقَ منها إلّا دونَ الشَّهرَينِ؟ ثمَّ أَسنَدَ (١٠/ ٦١) عن السُّدّيِّ وغير واحد التَّصريحَ بأنَّ تمام الأربعة الأشهُر في ربيع الآخر. قوله: ((أن يُؤَذِّن ببراءة)) يجوز فيه التَّنوين بالرَّفع على الحِكاية وبالجرِّ، ويجوز أن يكون علامة الجرّ فتحة، وهو الثابت في الرِّوايات. قوله: ((قال أبو هريرة: فأذَّنَ مَعَنا عليّ)) هو موصول بالإسناد المذكور، وكأنَّ حُميدَ بن عبد الرّحمن حَمَلَ قِصّة تَوَجُّه عليّ من المدينة إلى أن لَحِقَ أبا بكر عن غير أبي هريرة، وَلَ بَقيَّة القِصّة كلّها عن أبي هريرة. وقوله: (فَأَذَّنَ مَعَنا عليّ في أهل مِنَّى يومَ النَّحْرِ .. )) إلى آخره، قال الکِرْمانيُّ: فيه إشكال، لأَنَّ عليّاً كان مأموراً بأن يُؤَذِّنَ ببراءةَ، فكيف يُؤَذِّن بأن لا يَحُجّ بعدَ العام مُشِرِك؟ ثمَّ أجابَ بأنَّه أذَّنَ ببراءةَ، ومن جُملة ما اشتَمَلَت عليه أن لا يَحُجّ بعدَ العام مُشِرِك، من قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ويحتمل أن يكون أُمِرَ أن يُؤَذِّن ببراءةَ، وبما أُمِرَ أبو بكر أن يُؤَذِّن به أيضاً. قلت: وفي قوله: ((يُؤَذِّن ببراءةَ)) تَجُّزٌ، لأنَّه أُمِرَ أن يُؤَذِّن ببضع وثلاثينَ آيَةً، مُنتَهاها عندَ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ﴾ فروى الطََّرِيُّ (٦١/١٠) من طريق أبي مَعشَر عن محمَّد بن كعب وغيره قال: بَعَثَ رسول الله وَّ أبا بكر أميراً على الحجّ سنة ٣٣٠ سورة براءة / ح ٤٦٥٦ فتح الباري بشرح البخاري تسع، وبَعَثَ عليّاً بثلاثين أو أربعينَ آيَةً من براءةَ. وروى الطَّبَرِيُّ (٦٧/١٠ -٦٨) من طريق أبي الصَّهباء، قال: سألت عليّاً عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: إنَّ رسول الله وَ لْ بَعَثَ أبا بكر يُقيم للنّاس الحجّ، وبَعَثَني بعدَه بأربعينَ آيةً من براءةَ، حتَّى أتى عَرَفَةَ، فخَطَبَ ثمَّ التَّفَتَ إليَّ فقال: يا عليّ، قُم فأدِّ رسالة رسول الله بَّةِ، فَقُمت فقرأت أربعينَ آيةً من أوَّل ٣٢٠/٨ براءة، ثمَّ صَدَرنا حتَّى رَمَينا الجَمْرة، فطَفِقتُ/ أَتَتَبَّع بها الفَساطِيطَ أقرؤها عليهم، لأنَّ الجميع لم يكونوا حَضَروا خُطبة أبي بكر يومَ عَرَفة. قوله: ((وأن لا يَحُجّ بعدَ العام مُشْرِك)) هو مُنتَزَع من قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، والآية صريحة في مَنعِهم دخول المسجد الحرام ولو لم يَقصِدوا الحجّ، ولكِن لمَّا كان الحجّ هو المقصود الأعظم صَرَّحَ لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءَه أولى بالمنعِ. والمراد بالمسجدِ الحرام هنا الحَرَمُ كلُّه، وأمَّا ما وَقَعَ في حديث جابر فيما أخرجه الطَّبَرِيُّ(١) وإسحاق في ((مُسنَده)) والنَّسائيُّ (٢٩٩٣) والدَّارِميُّ (١٩١٥) كلاهما عنه، وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (٢٩٧٤) وابن حِبّان (٦٦٤٥) من طريق ابن جُرَيج، حدَّثني عبد الله ابن عثمان بن خُثَيمِ عن أبي الزُّبَير عن جابر: أنَّ النبيّ وَّهِ حِينَ رَجَعَ من عمرة الجِعرانة بَعَثَ أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه حتَّى إذا كنَّا بالعَرْجِ ثَوَّبَ بالصُّبحِ، فسمعَ رَغوةَ ناقِةِ النبيّ وََّ، فإذا عليٌّ عليها، فقال له: أمير أو رسول؟ فقال: بل أرسَلَني رسول الله وَّ ببراءةَ أقرؤُها على الناس، فقَدِمنا مكَّةَ، فلمَّا كان قبلَ يومِ التَّروية بيومٍ قامَ أبو بكر فخَطَبَ الناس بمَناسكِهِم، حتَّى إذا فَرَغَ قامَ عليّ فقرأ على الناس براءةَ حتَّى خَتَمَها، ثمَّ كان يومُ النَّحر كذلك، ثمَّ يوم النَّفْر كذلك. فيُجمَعُ بأنَّ عليّاً قرأها كلّها في المواطِن الثلاثة، وأمَّا في سائر الأوقات فكان يُؤَذِّن بالأُمورِ المذكورة: أن لا يَحُجّ بعدَ العام مُشرِك ... إلى آخره، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره (١) لم نقف عليه فيما طبع من كتب الطبري، فلعله فيما لم يطبع بعدُ. ٣٣١ سورة براءة / ح ٤٦٥٧ كتاب التفسير في الأذان بذلك. وقد وَقَعَ في حديث مِقْسَمٍ عن ابن عبّاس عندَ التِّرمِذيّ (٣٠٩١): أنَّ النبيّ وَّ بَعَثَ أبا بكر، الحديث، وفيه: فقامَ عليّ أيامَ التَّشريق فنادَى: ذِمّة الله وذِمّة رسوله بريئة من كلّ مُشِرِك، فسِيحُوا في الأرض أربعة أشهُر، ولا يَحُجَّن بعدَ العام مُشِرِك، ولا يَطوفَنَّ بالبيت عُريانٌ، ولا يَدخُلِ الجنَّة إلّا مُؤمِن، فكان عليّ ينادي بها، فإذا بُحَّ قام أبو هريرة فنادى بها. وأخرج أحمدُ (١٣٢١٤) بسندٍ حسن عن أنس: أنَّ النبيّ ◌َهَ بَعَثَ ببراءةَ معَ أبي بكر، فلمَّا بَلَغَ ذا الْحُلَيفة قال: ((لا يُبَلِّغُها إلّا أنا أو رجل من أهل بيتي)) فَبَعَثَ بها معَ عليّ. قال التِّرمِذيّ (٣٠٩٠): حسن غريب. ووَفَعَ في حديث عليٍّ عندَ أحمد(١) (١٢٩٧): لمَّا نزلت عشرُ آيات من براءة بَعَثَ بها النبيّ وَّ معَ أبي بكر ليقرأها على أهل مكَّة، ثمَّ دَعاني فقال: ((أدرِك أبا بكر فحيثُما لَقيته فخُذ منه الكتاب)) فَرَجَعَ أبو بكر، فقال: يا رسول الله نزلَ فيَّ شيء؟ فقال: ((لا، إلّا أنَّه لَن يُؤَدّيَ - أو لكن جِبْريل قال: لا يُؤَدّي - عنك إلّا أنتَ أو رجل مِنك)). قال العِماد بن كثير: ليس المراد أنَّ أبا بكر رَجَعَ مِن فَوره، بل المراد رَجَعَ من حَجَّته. قلت: ولا مانع من حَمْلُه على ظاهره لقُرب المسافة، وأمَّا قوله: عشر آيات، فالمراد أوَّلها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. ٤٦٥٧ - حدَّثْني إسحاقُ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ مُميدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ أخبَرَه، أنَّ أبا هريرةَ أخبره: أنَّ أبا بَكْرٍ ﴾ بَعَثَه في الحَجّةِ التي أَقَّرَه رسولُ اللهَوَّل عليها، قبلَ حَجّةِ الوَداعِ، في رَهْطِ يُؤَذِّنُ في الناسِ: أن لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ. فكان مُميدٌ يقول: يومُ النَّحْرِ يومُ الحَجِّ الأكبِ، من أجْلٍ حديث أبي هريرةَ. قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن منصور، كما جَزَمَ به المِزِيُّ. ويعقوب بن إبراهيم، أي: ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عَوْف. وصالح: هو ابن كَيْسانَ. وقد تقدَّم في أوائل (١) بل هو في زيادات عبد الله بن أحمد (١٢٩٧). ٣٣٢ سورة براءة / ح ٤٦٥٧ فتح الباري بشرح البخاري ٣٢١/٨ الصلاة (٣٦٩) من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن / ابن أخي ابن شِهاب عن عَمّه. فله فيه طريقان، وسياقه عن ابن أخي ابن شِهاب موافق لسياق عُقَيل (٤٦٥٥). وأمَّا رواية صالح فوَقَعَ في آخرها: فكان حُميدٌ يقول: يوم النَّحر يوم الحجّ الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وهذه الزّيادة قد أدرَجَها شُعَيب عن الزّهْريّ كما تقدَّم في الجِزية (٣١٧٧)، ولفظه عن أبي هريرة: بَعَثَني أبو بكر فيمَن يُؤَذِّن يوم النَّحر بمِنَّى: لا يَحُجّ بعدَ العام مُشِرِك، ولا يَطوف بالبيت عُريان، ويوم الحجّ الأكبر يوم النَّحر، وإنَّما قيل: الأكبر، من أجل قول الناس: الحجّ الأصغر، فتَبَذَ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يَحُجّ عامَ حَجّة الوداع التي حَجَّ فيها النبيّ ◌َّ مُشِرِك. انتهى. وقوله: ((ويوم الحجّ الأكبر يوم النَّحْر)) هو قول حُميدٍ بن عبد الرَّحمن، استَنْبَطَه من قوله تعالى: ﴿ وَأَذَنٌ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ﴾ ومن مُناداة أبي هريرة بذلك بأمرِ أبي بكر يوم النَّحر، فدَلَّ على أنَّ المراد بيومِ الحجّ الأكبر يوم النَّحر، وسياق رواية شُعَيب يوهمُ أنَّ ذلك ممّا نادَى به أبو بكر، وليس كذلك، فقد تَظافَرَت(١) الرّوايات عن أبي هريرة بأنَّ الذي كان ينادي به هو ومَن معه من قِبَلِ أبي بكر شيئان: مَنع حَجّ المشرِكِينَ، ومَنع طَواف العُريان، وأنَّ عليّاً أيضاً كان ينادي بهما، وكان يزيد: مَن كان له عَهد فعَهْده إلى مُدَّتِهِ، وأن لا يَدخُل الجنَّة إلّا مسلم. وكأنَّ هذه الأخيرة كالتوطِئَة لأن لا يَحُجّ البيت مُشِرِك، وأمَّا التي قبلَها فهي التي اختُصَّ عليّ بتَبليغِها. ولهذا قال العلماء: إنَّ الحكمة في إرسال عليّ بعدَ أبي بكر: أنَّ عادة العرب جَرَت بأن لا يَنقُضَ العَهدَ إلّا مَن عَقَدَه، أو مَن هو مِنه بِسبيلٍ مِن أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: ((لا يُبَلِّغ عنِّي إلّا أنا أو رجل من أهل بيتي)). وروى أحمد (٧٩٧٧) والنَّسائيُّ (٢٩٥٨) من طريق مُحرَّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت معَ عليّ حينَ بَعَثَه رسول الله وَّه إلى مكَّة ببراءةَ، فكنّا نُنادي أن لا يَدخُلَ الجنَّة إلّا (١) في (س): تضافرت، وكلاهما بمعنَى. ٣٣٣ سورة براءة / ح ٤٦٥٧ كتاب التفسير نفسٌ مسلمة، ولا يطوفَ بالبيت عُريانٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسول اللهِ وَّهِ عَهد فأجَلُه أربعةُ أشهُر، فإذا مَضَت فإنَّ الله بريء من المشرِكينَ ورسولُه، ولا يَحُجّ بعدَ العام مُشِرِك. فكنت أُنادي حتَّى صَحِلَ صوتي. وقوله: ((وإنَّما قيل: الأكبر ... )) إلى آخره، في حديث ابن عمر عندَ أبي داود (١٩٤٥) وأصله في هذا ((الصَّحيح)) رفعه: ((أيُّ يوم هذا؟)) قالوا: هذا يوم النَّحر، قال: ((هذا يوم الحجّ الأكبر))(١). واختُلِفَ في المراد بالحجِّ الأصغر، فالجمهور على أنَّه العمرة، وصَلَ ذلك عبد الرَّزّاق من طريق عبد الله بن شَدّاد أحد كِبار التابعينَ، ووَصَلَه الطَّبَرِيُّ عن جماعة منهم عطاء والشَّعبيّ. وعن مجاهد: الحجّ الأكبر: القِران، والأصغَر: الإفراد. وقيل: يوم الحجّ الأصغَر يومُ عَرَفَةَ، ويوم الحجّ الأكبر يوم النَّحر، لأنَّ فيه تَتَكَمَّل بقيَّةُ المناسك. وعن الثَّوريّ: أيام الحجّ تُسمَّى يوم الحجّ الأكبر، كما يقال: يوم الفتح. وأَيَّدَه السُّهَيليُّ بأنَّ عليّاً أُمِرَ بذلك في الأيام كلّها. وقيل: لأنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يَقِفُونَ بعَرَفَةَ، وكانت قُرَيش تَقِف بالمزدَلِفة، فإذا كان صبيحةُ النَّحر وقَفَ الجميع بالمزدَلِفة، فقيلَ له: الأكبر، لاجتماع الكلّ فيه. وعن الحسن: سُمّيَ بذلك لاتَّفاق حَجّ جميع الِلَل فیه. وروى الطَّبَرِيُّ (٦٨/١٠) من طريق أبي جُحَيفةَ وغيره(٢): أنَّ يوم الحجّ الأكبر: يومُ عَرَفَةَ. ومن طريق سعيد بن جُبَير أنَّه يوم النَّحر، واحتَجَّ بأنَّ يوم التاسع، وهو يوم عَرَفة، إذا انسَلَخَ قبلَ الوقوف لم يَفُتِ الحُجُّ، بخِلَاف العاشر، فإنَّ اللَّيل إذا انسَلَخَ قبلَ الوقوف فاتَ. وفي رواية التِّرمِذيّ (٩٥٨ و٣٠٨٨ و٣٠٨٩) من حديث عليّ مرفوعاً وموقوفاً: يوم الحجّ الأكبر يوم النَّحر. ورَجَّحَ الموقوف. (١) انظر ما سلف برقم (١٧٣٩ - ١٧٤٢). (٢) ومنهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وغيرهم. ٣٣٤ سورة براءة / ح ٤٦٥٧ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((فَتَبَذَ أبو بكر ... )) إلى آخره، وهو أيضاً مُرسَل من قول حُميدٍ بن عبد الرَّحمن، والمراد: أنَّ أبا بكر أفصَحَ لهم بذلك، وقيل: إنَّما لم يَقْتَصِر النبيُّ ◌َّه على تبليغ أبي بكر عنه ببراءةَ لأنَّهَا تَضَمَّنَت مَدْح أبي بكر، فأراد أن يَسمَعُوها من غير أبي بكر، وهذه غَفْلة من قائله حَمَلَه ٣٢٢/٨ عليها ظنُّ أنَّ المراد تَبليغُ براءةَ كلِّها، وليس الأمر كذلك/ لمَا قَدَّمناه، وإنَّما أُمِرَ بتَبليغِه منها أوائلها فقط، وقد قَدَّمتُ حديث جابر، وفيه: أنَّ عليّاً قرأها حتَّى خَتَمَها، وطريقَ الجمع فيه. واستُدِلَّ به على أنَّ حَجّة أبي بكر كانت في ذي الحِجّة على خِلاف المنقول عن مجاهد وعِكْرمة بن خالد، وقد قَدَّمتُ النَّقْلَ عنهما بذلك في المغازي(١). ووجه الدّلالة أنَّ أبا هريرة قال: بَعَثَني أبو بكر في تلكَ الحجّة يوم النَّحر. وهذا لا حُجّة فيه، لأنَّ قول مجاهد إن ثَبَتَ فالمراد بيومِ النَّحر الذي هو صبيحة يوم الوقوف، سواء كان الوقوف وَقَعَ في ذي القَعْدة أو في ذي الحِجّة. نعم روى ابن مَرْدويه من طريق عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه قال: كانوا يجعلونَ عاماً شهراً وعاماً شهرَينٍ. يعني: يَحُجّونَ في شهر واحد مرَّتَيْنِ في سنتَينِ ثمَّ يَحُجّونَ في الثّالث في شهر آخرَ غيره، قال(٢): فلا يقع الحجّ في أيام الحجّ إلّا في كلّ خمسٍ وعشرينَ سنةً، فلمَّا كان حَجّ أبي بكر وافَقَ ذلك العامُ شهرَ الحِجَ، فسَّه الله الحجّ الأكبر. تنبيه: اتَّفَقَتِ الرِّوايات على أنَّ حَجّة أبي بكر كانت سنة تسع، ووَقَعَ في حديثٍ لعبد الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر عن الزُّهْريّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة في قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لمَّا كان زمن حنين (٤) اعتَمَرَ رسول الله وَّهِ من الجِعرانة، ثمَّ أمَّر أبا بكر الصِّدّيق على تلكَ الحجّة. قال الزُّهْريّ: وكان أبو هريرة يُحدِّث أنَّ أبا بكر أمَرَه أن (١) قبل شرح الحديث (٤٣٦٣). (٢) القائل هو عبد الله بن عمرو بن العاص. (٣) أخرجه من طريقه ابن خزيمة (٣٠٧٨)، وابن حبان (٣٧٠٧). وهو في ((تفسير عبد الرزاق)) ١/ ٢٦٥ لكن دون ذكر أبي هريرة في إسناده، فصار من رواية ابن المسيب مرسلاً. (٤) تحرف في (أ) و(س) إلى: خيبر. ٣٣٥ سورة براءة / ح ٤٦٥٨ كتاب التفسير يُؤَذِّنَ ببراءةَ، ثُمَّ أتبَعَ النبيُّ ◌َّ عليّاً، الحديث. قال الشَّيخ عِماد الدّين بن كثير: هذا فيه غرابة من جهة أنَّ الأمير في سنة عُمْرة الجِعرانة كان عَّابَ بن أَسِيدٍ، وأمَّا حَجّة أبي بكر فكانت سنةَ تسع. قلت: يُمكِن رفع الإشكال بأنَّ المراد بقوله: ثمَّ أَمَّرَ أبا بكر، يعني: بعدَ أن رَجَعَ إلى المدينة وطَوَى ذِكْر مَن وَلِيَ الحجّ سنة ثمانٍ. فإنَّ النبيّ ◌َّهِ لمَّا رَجَعَ من العمرة إلى الجِعرانة فأصبَحَ بها تَوَجَّهَ هو ومَن معه إلى المدينة، إلى أن جاء أوان الحجّ فأمَّرَ أبا بكر، وذلك سنة تسع، وليس المراد أنَّه أمَرَ أبا بكر أن يُحُجّ في السَّنة التي كانت فيها عُمْرة الجِعرانة. وقوله: على تلكَ الحجّة، يريد الآتيةَ بعدَ رُجوعهم إلى المدينة. ٤ - باب قوله تعالى: فَقَائِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: ١٢] ٤٦٥٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا زيدُ بنُ وَهْب، قال: كنَّا عندَ حُذَيفةَ، فقال: ما بَقِيَ من أصحاب هذه الآيةِ إلا ثلاثةٌ، ولا منَ المنافِقِينَ إلا أربعةٌ - فقال أعرابيّ: إنَّكُم أصحابَ محمَّدٍ وَِّ تُخْبِوننا، فلا نَذْري، فما بالُ هؤلاءِ الَّذِينَ يَبْقُرونَ بُيُوتَنا، ويَسْرِقونَ أعلاقَنا؟ - قال: أولئكَ الفُسّاقُ، أجَل لم يَبْقَ منهم إلا أربعةٌ، أحدُهم شيخٌ كَبِيرٌ، لو شَرِبَ الماءَ البارِدَ لمَا وَجَدَ بَرْدَه. قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ﴾)) قرأ الجمهور ٣٢٣/٨ بفتح الهمزة من («أيمان)) أي: لا عُهودَ لهم، وعن الحسن البصريّ بكسرِ الهمزة، وهي قراءةٌ شاذّةٌ، وقد روى الطَّبَرَيُّ (٨٩/١٠) من طريق عمَّار بن ياسر وغيره في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَآّ أَيْمَنَ لَهُمْ﴾، أي: لا عَهْدَ هم، وهذا يُؤيِّد قراءة الجمهور. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعیدٍ، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد. قوله: ((ما بَقيَ من أصحاب هذه الآيةِ إلّا ثلاثة)) هكذا وَقَعَ مُبهَاً، ووَقَعَ عندَ الإسماعيليّ من رواية ابن عُبَينَةَ عن إسماعيل بن أبي خالد، بلفظ: ما بَقيَ من المنافقينَ من أهل هذه الآية ٣٣٦ سورة براءة / ح ٤٦٥٨ فتح الباري بشرح البخاري ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ الآيةَ [الممتحنة: ١] إلّا أربعةُ نَفَرِ، إنَّ أحدهم لَشيخٌ كبير. قال الإسماعيليّ: إن كانت الآية ما ذُكِرَ في خَبَرَ ابن عُيَينَةَ فحَقّ هذا الحديث أن يُخرَّج في سورة الممتحنة، انتھی. وقد وافَقَ البخاريَّ على إخراجها عندَ آية براءة: النَّسائيُّ (ك١١١٥١) وابنُ مَرْدويه، فأخرَجاه من طرق عن إسماعيل، وليس عندَ أحد منهم تعيين الآية، وانفَرَدَ ابن عُيَينَةَ بتعيينِها، إلّا أنَّ عندَ الإسماعيليّ من رواية خالدٍ الطَّحّان عن إسماعيل في آخر الحديث: قال إسماعيل: يعني الذينَ كاتَّبوا المشرِكِينَ. وهذا يُقوِّي رواية ابن عُيَينَةَ. وكأنَّ مُستَنَد مَن أخرجها في آية براءة ما رواه الطَّبَريُّ (٨٨/١٠) من طريق حبيب بن حسَّانَ عن زيد بن وَهْب قال: كنَّا عندَ حُذَيفة فقرأ هذه الآية ﴿فَقَئِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، قال: ما قُوتِلَ أهل هذه الآية بعدُ. ومن طريق الأعمَش عن زيد بن وَهْب نحوه. والمراد بكَوْنِم لم يقاتَلُوا: أنَّ قتالهم لم يقع لِعَدَم وقوع الشَّرط، لأنَّ لفظ الآية ﴿ وَإِن تَّكَثُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِىِ دِينِكُمْ فَقَدِلُواْ﴾ فلمَّا لم يقع منهم نَكْثٌ ولا طَعنٌ لم يقاتَلُوا. وروى الطَّبَريُّ من طريق السُّدّيِّ قال: المراد بأئمَّة الكفر: كفَّار قُرَيش. ومن طريق الضَّحّاك قال: أئمّة الكفر رؤوس المشرِكينَ من أهل مَّة. قوله: ((إلّا ثلاثة)) سُمّيَ منهم في رواية أبي بشر عن مجاهد: أبو سفيان بن حَرْب، وفي رواية مَعمَر عن قَتَادة: أبو جهل بن هشام وعُتبةٌ بن ربيعة وأبو سفيان وسُهَيل بن عَمْرو. وتُعقّبَ بأنَّ أبا جهل وعُتبةَ قُتِلا بيدٍ، وإنَّما يَنطَبقُ التَّفسير على مَن نزلت الآية المذكورة وهو حَيٍّ، فيَصِحّ في أبي سفيان وسُهَيل بن عَمْرو، وقد أسلَما جميعاً. قوله: ((ولا من المنافقينَ إلّا أربعة)) لم أقِفْ على تسميَتِهم. قوله: ((فقال أعرابيّ)) لم أقِفْ على اسمِه. قوله: (إِنَّكُم أصحابَ محمَّد وَلَ)) بنصب ((أصحاب)) على النِّداء معَ حذف الأداة، أو هو بدل من الضَّمیر في ((إنَّكُم)). ٣٣٧ سورة براءة / ح ٤٦٥٩ كتاب التفسير قوله: (تُخْبِرونَنا فلا نَذْري)) كذا وَقَعَ. وفي رواية الإسماعيليّ: تُخبرونَنا عن أشياءَ. قوله: ((يَبْقُرُونَ)) بموخَّدةٍ ثمَّ قافٍ، أي: يَنْقُبونَ. قال الخطَّبيُّ: وأكثر ما يكون النَّقر في الخشب والصُّخور. يعني: بالنّونِ(١). قوله: ((أعْلاقنا)) بالعين المهمَلة والقاف، أي: نَفائس أموالنا، وقال ابن التِّين: وجَدته في بعض الرِّوايات مضبوطاً بالغين المعجمة، ولا وجه له، انتهى. ووُجِدَ في نُسخة الدِّمياطيّ بخَطِّ بالغَينِ المعجَمة أيضاً، ذكره شيخنا ابن الملقّن. ويُمكِن توجيهُه بأنَّ الأغلاقَ جمع غَلَقٍ بفتحَتَينِ: وهو الباب الذي يُغلَق على البيت ويُفتَح بالِفتاح، ويُطلَق الغَلَقَ على الحديدة التي تُجُعَل في الباب ويُعمَل فيها القُفْل، فيكون قوله: ويَسرقوا أَغْلاقَنا، إمّا على الحقيقة، فإنَّه إذا تمكَّنَ من سَرِقة الغَلَق تَوَصَّلَ إلى فتح الباب، أو فيه مَجَازُ الحذفِ، أي: يَسِرِقونَ ما في أغلاقنا. قوله: ((أولئكَ الفُسّاق)) أي: الذينَ يَبِقُرونَ ويَسِرِقونَ، لا الكفَّارُ ولا المنافقونَ(٢). قوله: ((أحدهم شيخ كبير)) لم أقِفْ على تسميَتِه. قوله: (لو شَرِبَ/ الماءَ الباردَ لمَا وجَدَ بَرْدَه)) أي: لِذهاب شَهوَتِه وفساد مَعِدَته، فلا ٣٢٤/٨ يُفرِّق بينَ الألوان ولا الطّعوم. ٥- باب قوله: وَاُلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴾ [التوبة: ٣٤] ٤٦٥٩- حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافع، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، أنَّ عبدَ الرَّحمنِ الأعرَجَ حدَّثه، أنَّه قال: حدَّثْني أبو هريرةَ ◌َُ، أَنَّه سمعَ رسولَ الله ◌َ﴿ يقول: ((يكونُ كَنْزُ أحدِكُم يومَ (١) أراد الحافظُ رحمه الله أن ينبِّه بذلك على أن رواية الخطابي إنما هي بالنون بدل الباء الموحدة. (٢) قوله: لا الكفار ولا المنافقون، أثبتناه من (س)، ولم يرد في الأصلين. ٣٣٨ سورة براءة / ح ٤٦٦٠-٤٦٦١ فتح الباري بشرح البخاري القيامةِ شُجاعاً أقرَعَ)). ٤٦٦٠- حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن حُصَينٍ، عن زيدِ بنِ وَهْب، قال: مَرَرْتُ على أبي ذرِّ بالرَّبَدةِ، فقلتُ: ما أَنزَلَكَ بهذه الأرضِ؟ قال: كنَّا بالشَّام، فقرأتُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِمٍ ﴾ قال معاويةُ: ما هذه فينا، ما هذه إلا في أهلِ الكتاب، قال: قلتُ: إِنَّهَا لَفِينا وفِيهم. قوله: ((باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ ﴾ الآيةَ)). قوله: ((يكون كَنْز أحدكُم يومَ القيامة شُجاعاً أقرَعَ)) كذا أورَدَه مختصراً، وهو عندَ أبي نُعَيم في ((المستَخرَجِ)) من وجه آخرَ عن أبي اليَمَان، وزاد: ((يَفِرّ منه صاحبه ويَطلُبه، أنا كَنُك، فلا يزال به حتَّى يُلقِمَه إصبعه)) وكذا أخرجه النَّسائيُّ (٢٤٤٨) من طريق عليّ بن عيّاش عن شُعَيب. وقد تقدَّم من وجه آخرَ عن أبي هريرة في كتاب الزكاة معَ شرح الحديث (١٤٠٣). ثم ذكر حديث أبي ذرِّ في قِصَّته مع معاوية في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقد تقدَّم في الزكاة (١٤٠٦) أيضاً معَ شرحه. ٦ - باب قوله عز وجل: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى﴾ الآية [التوبة: ٣٥] ٤٦٦١- وقال أحمدُ بنُ شَبِيبٍ بنِ سعيدٍ، حدَّثنا أبي، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خالدِ بنِ أسلَمَ، قال: خَرَجْنا معَ عبدِ الله بنِ عمرَ، فقال: هذا قبلَ أن تُنْزَلَ الزكاةُ، فلمَّا أُنزِلَت جعلها الله طُهْراً للأموال. قوله: ((باب قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا﴾ الآيةَ)). قوله: ((وقال أحمد بن شَبيب)) كذا أورَدَه مختصراً، وتقدَّم بأتمَّ منه في كتاب الزكاة مع شرحه (١٤٠٤). ٣٣٩ سورة براءة / ح ٤٦٦٢ كتاب التفسير ٧- باب قوله: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الّذِيْنُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿ذَلِكَ الِدِينُ الْقَيِّمُ﴾: هو القائم. ٤٦٦٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن ابنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((إنَّ الزَّمانَ قد استَدَارَ كَهيئِه يومَ خَلَقَ الله السَّماوات والأرضَ، السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شَهْراً، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ مُتَوالياتٌ: ذو القَعْدةِ، وذو الحِجّةِ، والمحرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بينَ مُمادَى وَشَعْبانَ)). قوله: ((باب قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِىِ كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ﴾)) أي: أنَّ الله سبحانه وتعالى لمَّ ابتَدَأْ خَلْقَ السَّماوات والأرض جَعَلَ السَّنة اثْنَي عشر شهراً. قوله: ((﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾)) قد ذُكِرَ تفسيرها في حديث الباب. قوله: (﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: هو القائم)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ اٌلْقَيِّمُ﴾ مَجَازُه: القائمُ، أي: المستقيم، فخرج تَخَرَج سَيِّد، مِن سادَ يَسُود، كَقامَ يقوم. قوله: ((﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾)) أي: في الأربعة باستحلال القتال، وقيل: بارتكاب المعاصي. قوله: ((إنَّ الزَّمان قد استَدارَ كَهَيئِهِ)) تقدَّم الكلامُ عليه في أوائل بَدْء الخلق (٣١٩٧)، وأنَّ المراد بالزّمان: السَّنة. وقوله: ((كَهيئِه)) أي: استَدارَ اسْتِدارةً مِثلَ حالَته. ولفظ ((الزَّمان)) يُطلَق على قليل الوقت وكثيره، والمراد باستدارَتِه: وقوع تاسع ذي الحِجّة في الوقت الذي حَلَّت فيه الشمس بُرْجَ الحَمَل، حيثُ يَستَوي اللَّيل والنَّهار. ٣٤٠ سورة براءة / ح ٤٦٦٢ فتح الباري بشرح البخاري وَوَقَعَ في حديث ابن عمر عندَ ابن مَرْدويه: ((إنَّ الزّمان قد استَدارَ، فهو اليومَ كَهَيئتِه يومَ خَلَقَ الله السَّماوات والأرض». ٣٢٥/٨ قوله: ((السَّنة اثنا عَشَرَ شَهْراً)) أي: السَّنة العربيَّة الهلاليَّة،/ وذكر الطَّبَرِيُّ في سبب ذلك من طريق حُصَينٍ بن عبد الرّحمن عن أبي مالك: كانوا يجعلونَ السَّنة ثلاثة عشرَ شهراً. ومن وجه آخر: كانوا يجعلونَ السَّنة اثني عشرَ شهراً وخمسةً وعشرينَ يوماً، فَتَدور الأيام والشُّهور كذلك. قوله: ((ثلاثٌ مُتَواليات)) هو تفسير الأربعة الحُرُم، قال ابن التِّين: الصَّواب ثلاثة مُتَوالية، يعني: لأنَّ المميَّزَ الشَهرُ، قال: ولعلَّه أعادَ على المعنى، أي: ثلاث مُدَد مُتَوالیات. انتهى، أو باعتبار العِدّة معَ أنَّ الذي لا يُذكَر التَّمييزُ معه يجوز فيه التَّذكير والتَّأنيث. وذِكْرها من سنتَينٍ لِمصلحة التوالي بينَ الثلاثة، وإلّا فلو بَدَأ بالمحرَّمِ لَفَاتَ مقصود التوالي. وفيه إشارة إلى إيطال ما كانوا يَفعَلونَه في الجاهليّة من تأخير بعض الأشهر الحُرُم، فقيلَ: كانوا يجعلونَ المحرَّم صَفَراً، ويجعلونَ صَفَراً المحرَّمَ لثَلَا يَتَوالَى عليهم ثلاثة أشهُر لا يَتَعاطَونَ فيها القتال، فلذلك قال: ((مُتَوالیات)). وكانوا في الجاهليّة على أنحاءٍ: منهم مَن يُسَمّي المحرَّمَ صَفَراً، فَيُحِلّ فيه القتالَ، ويُحرِّم القتال في صَفَر ويُسَمّيه المحرَّمَ. ومنهم مَن كان يجعل ذلك سنةً هكذا وسنةً هكذا. ومنهم مَن يجعله سنتَينِ هكذا وسنتَينِ هكذا. ومنهم مَن يُؤَخِّر صَفَراً إلى ربيع الأوَّل وربيعاً إلى ما يَليه، وهكذا إلى أن يصير شوّال ذا القَعدة وذو القَعدة ذا الحِجّة، ثمَّ يعود فيُعيد العَدَد على الأصل. قوله: ((وَرَجَبُ مُضَر)) أضافَه إليهم لأنَّهم كانوا مُتَمَسِّكينَ بتعظيمِه، بخلاف غيرهم فيقال: إنَّ ربيعة كانوا يجعلونَ بدلَه رمضان، وكان من العرب مَن يجعل في رَجَبٍ وشعبانَ ما ذُكِرَ في المحرَّمِ وصَفَر، فيُحِلّونَ رَجَباً ويُرِّمُونَ شعبانَ. ووَصَفَه بِكَوْنِهِ بينَ جُمادَى وشعبان تأكيداً، وكان أهل الجاهليّة قد نَسَؤُوا بعض الأشهُر