النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة الأنعام كتاب التفسير والأنعام التي سَمَّى الله هي البَحيرة والسائبة كما تقدَّم تفسيرها في المائدة (٤٦٢٣)، وقد تقدَّم في أخبار الجاهليّة (٣٥٢٤) قول ابن عبّاس: إن سَرَّك أن تعلم جهل العرب، فأشارَ إلى هذه الآية. قوله: ((أَكِنَّةٌ، واحدها: كِنان)» ثَبَتَ هذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي، وهو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوُهُ ﴾ [الأنعام: ٢٥]: واحدها كِنان، أي: أغطية، ومثله أعِنّة وعِنان، وأسِنّة وسِنان. قوله: ((وَقْرٌ: صَمَمٌ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَفِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، أي: الثَّقَل والصَّمَم وإن كانوا يَسمَعونَ، لكنَّهم صُمُّ عن الحقّ والهُدَى. وقال مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قال: يَسمَعونَ بآذانهم ولا يعونَ منها شيئاً، كمَثَلِ البَهيمة تَسمَع القول ولا تَدري ما يقال لها، وقرأ الجمهور بفتح الواو، وقرأ طلحة بن مُصرِّف بکسرها. قوله: ((وأمَّا الوِقْر)) أي: بكسرِ الواو ((فإنَّه الحِمل)) هو قول أبي عُبيدة، قاله مُتَّصِلاً بكلامه الذي قبله، فقال: الوِقر: الحِمل إذا كَسَرتَه. وأفادَ الرّاغِب(١) أنَّ الوِقر: حمل الحِمار، والوَسْق: حِمل الجَمَل، والمعنى على قراءة الكسر: إنَّ في آذانهم شيئاً يَسُدّها عن استماع القول ثقيلاً کوقرِ البعير. قوله: (﴿أَسَطِيرُ﴾: واحدها أُسْطورة وإسطارة، وهي التَُّهات)) هو كلام أبي عُبِيدَة أيضاً، قال في قوله: ﴿إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: واحدها أُسطورة وإسطارة، ومَجَازُها: التُّهات. انتهى، والتُّرَّهات بضمٍّ أوَّله وتشديد الرّاء: أصلها: بُنَيَّات الطَّريق(٢)، وقيل: إنَّ تاءَها مُنقَلِبة من واو وأصلها: الوَرَه، وهو الحُمق. (١) في ((المفردات في غريب القرآن)) ص ٨٧١ و٨٨٠. (٢) بُنَيّات الطريق، بالضم مصغراً: هي الطرق الصغار التي تتشعب من الجادة. انظر ((الصحاح)) للجوهري ٦/ ٢٢٨٧ مادة (بني). ٢٦٢ سورة الأنعام فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((البَأْساءُ: من البَأس ويكون من البُؤْس)) هو معنى كلام أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُمْ بِالْبَأْسَلَ﴾ [الأنعام: ٤٢] هي البَأس من الخير والشرّ، والبُؤس. انتهى، والبَأس: الشِّدّة، والبُؤس: الفقر، وقيل: البَأس: القتل، والبُؤس: الضُّرّ. قوله: (﴿جَهْرَةً﴾: مُعاينة)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنَنَّكُمْ عَذَابُ اَللَّهِ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة وهم لا يَشعُرُونَ، ﴿أَوْ جَهْرَةً ﴾، أي: عَلانية وهم يَنظُرُونَ. قوله: ((الصُّوَرُ: جماعة صُورة، كقولِك: سُورة وسوَر)) بالصّادِ أوَّلاً، وبالسِّين ثانياً، كذا للجميع إلّا في رواية أبي أحمد الجُرجانيِّ، ففيها: ((كقولك: صُورة وصُوَر)» بالصّادِ في الموضعينِ، والاختلاف في سكون الواو وفتحها، قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ (١) يُنْفَخُ فِ الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] يقال: إنَّها جمع صُورة، يُنفَخ فيها روحها فتَحيا، بمَنزِلة قولهم: سُوَر المدينة واحدها: سُورة، قال النابغة: ٢٨٩/٨ ألم تَرَ أنَّ اللهَ أعطاكَ سُورةً تَرَى كلّ مَلْكِ دونها يَتَذَبِذَبُ (٢) انتَهَى، والثّابت في الحديث أنَّ الصّور قَرن يُنفَخ فيهِ(٣)، وهو واحد، لا اسم جمع، وحكى الفَرَّاء الوجهَينِ، وقال في الأوَّل: فعلى هذا فالمراد النَّفْخ في الموتَى، وذكر الجَوْهريّ في (الصِّحاح)) أنَّ الحسن قرأها بفتح الواو، وسَبَقَهُ النَّخَّاس فقال: ليست بقراءةٍ، وأثبتَها أبو البَقَاء العُكبَرَيُّ قراءةً في كتابه ((إعراب الشَّواذّ))، وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الرِّقاق (٦٥١٧) إن شاء الله تعالى. قوله: (﴿سَرْمَدًا﴾: دائماً)) كذا وَقَعَ هنا، وليس هذا في الأنعام، وإنَّما هو في سورة القَصَص، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْهِكُمُ الَّتْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَّمَةِ﴾: سَرمَداً، أي: دائماً، قال: وكلّ شيء لا يَنقَطِع فهو سَرمَدٌ. وقال الكِرْمانيُّ: كأنَّه ذكرها هنا لمناسَبة قوله تعالى في هذه السّورة: ﴿ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. (١) في الأصلین و(س): ویوم، بالواو، والذي في سورة الأنعام بدون واو. (٢) ((ديوانه)) ص٧٣، والبيت من الطويل. (٣) انظر حديث أبي سعيد الخدري في ((مسند أحمد)) (١١٠٣٩). ٢٦٣ سورة الأنعام كتاب التفسير قوله: ((يقال: على الله حُسْباتُه، أي: حِسابه)) تقدَّم هذا في بَدْء الخلق (٣١٩٩)، وروى عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] قال: یدوران في حساب. وعن الأخفش قال: حُسبان: جمع حساب، مِثل شُهبان جمع شِهاب. قوله: ((تَعالَى (٢): عَلا)) وَقَعَ في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم)): تعالى الله: عَلا الله، وهو في رواية النَّسَفيِّ أيضاً. قوله: ((﴿حُسْبَانًا﴾: مَراميَ ورُجوماً للشَّياطينِ)) تقدَّم الكلام عليه في بَدْء الخلق. قوله: (﴿جَنَّ﴾: أَظْلَمَ)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ﴾، أي: غَطَّى عليه وأظلَمَ، وما جَنَّك من شيء فهو چِنان لك، أي: غِطاء. قوله: ((مُسْتَقَّ: في الصُّلْب، ومُسْتَوْدَع: في الرَّحِم)) هكذا وَقَعَ هنا، وقد قال مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] قال: مُستَقرّ في الرَّحِم ومُستَودَع في الصُّلب، أخرجه عبد الرَّزّاق(٣)، وأخرَج سعيد بن منصور(٤) من حديث ابن عبّاس مثله بإسنادٍ صحيح، وصَحَّحَه الحاكم (٥٠٨/٢-٥٠٩)، وقال أبو عبيدة: مُستَقرّ في صُلب الأب، ومُستَودَع في رَحِم الأُمّ، وكذا أخرج عبد بن حُميدٍ من حديث محمَّد ابن الحنفيَّة، وهذا موافق لمَا عند المصنِّف مخالف لما تقدَّم. وأخرج عبد الرَّزّاق عن ابن مسعود قال: مُستَقَرّها في الدُّنيا ومُستَودَعها في الآخِرة، وللطَّبَرانيِّ (٩٠١٦) من حديثه: المستَقَرّ: الرَّحِم، والمستَودَع: الأرض. تنبيه: قرأ أبو عَمْرو وابن كثير: ((فمُسْتَقِرّ)) بكسرِ القاف، والباقونَ بفتحها، وقرأ الجميع ((مُستَودَع)) بفتح الدَّال إلّا رواية عن أبي عَمْرو فبكسرها. (١) في ((التفسير)) ١/ ٢١٤. (٢) يعني في قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]. (٣) في ((التفسير)) ١/ ٢١٤. (٤) في قسم التفسير من ((سننه)) (٨٩٢). ٢٦٤ سورة الأنعام فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((القِنْو: العِذْق، والاثنان قِنْوان، والجماعة أيضاً قِنْوانٌ، مِثْل صِنْوٍ (١) وصِنْوانِ وصِنْوانٌ» كذا وَقَعَ لأبي ذرِّ تَكرير صِنوان، الأولى مَجَرورة النُّون والثّانية مرفوعة، وسَقَطَت الثّانية لغير أبي ذرٍّ. ويوَضِّح المراد كلام أبي عبيدة الذي هو منقول منه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] قال: القِنو: هو العِذق بكسر العين يعني: العُنقود، والاثنان قِنوانٍ، والجمع قِنوانٌ كَلفظ الاثنَينِ، إلّا أنَّ الاثنَينِ مَجَرورة، ونون الجمع يَدخُلُه الرَّفع والنَّصب والجرّ، ولم نَجِد مثله غير صِنو وصِنوانِ والجمع صِنوانٌ. وحاصله أنَّ مَن وقَفَ على قِنوان وصِنوان وَقَعَ الاشتراك اللَّفظيّ في إرادة التَّنية والجمع، فإذا وصَلَ ظَهَرَ الفَرق، فيقع الإعراب على النُّون في الجمع دون النَّنية، فإنّها مكسورة النُّون خاصّة، ويقع الفَرق أيضاً بانقلاب الألف في التَّنية حال الجرّ والنَّصب بخِلافها في الجمع، وكذا بحذفِ نون الَّنية في الإضافة بخلاف الجمع. تنبيه: قرأ الجمهور ﴿قِنْوَانٌ﴾ بكسرِ القاف، وقرأ الأعمَش والأعرَج - وهي رواية عن أبي عَمْرو - بضمِّها وهي لغة قيس، وعن أبي عَمْرو رواية أيضاً بفتح القاف، وخَرَّجَها ابن جِنّيّ على أنَّها اسم جمعٍ لِقِنوٍ لا جمع، وفي الشَّواذّ قراءة أُخرى. قوله: ((مَلكوتٌ ومُلْكٌ، رَهَبوتٌ رَحَموتٌ، ويُقال: تُرْهَبُ خيرٌ من أن تُرْحَم)) كذا لأبي ذرٍّ، وفيه تَشويش، ولغيره: ((مَلَكوتٌ: مُلكٌ، مِثل: رَهَبوت خير من رَحَموت، وتقول: تُرِهَب خير من أن تُرحَم))، وهذا هو الصَّواب. فَسَّرَ معنى ((مَلكوت)) بمُلكِ وأشارَ إلى أنَّ وزنه: رَهَبوت ورَحَموت، ويُوضحه كلام أبي عُبيدة، فإنَّه قال في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىَّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥]، أي: مُلك السَّماوات، خرج تَخَرَج قوله في المَثَل: ٢٩٠/٨ رَهَبوت خير من رَحَموت، أي: رَهبةٌ/ خير من رحمة. انتهى، وقرأ الجمهور ﴿مَلَكُوتَ﴾ بفتح اللّام، وقرأ أبو السَّال(٢) بسكونها، وروى عبدُ بن حُميدٍ والطََّرَيُّ (٢٤٥/٧) عر (١) لفظة ((صنو)) سقطت من (س). (٢) في (أ) و(س): السماك، بالكاف، وهو تصحيف، وأبو السَّمّال: هو قعنب بن أبي قعنب العدوي البصري المقرئ، قال عنه الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) ٥٣٤/٤: له حروف شاذة لا يعتمد على نقله ولا يوثق به، = ٢٦٥ سورة الأنعام كتاب التفسير ◌ِكْرمة قال: ﴿مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾: مُلك السَّمَوات والأرض، وهي بالنَّبَطيَّة ((مَلْكُوثا))، أي: بسكونِ اللّام وبالمثلَّثة وزيادة ألفٍ، وعلى هذا فيحتمل أن تكون الكلمة مُعرَّبة، والأولى ما تقدَّم وأنَها مُستَقّة من مُلك، وَرَدَ مِثْلُه في رَهَبوت وجَبَروت. قوله: ((﴿ وَإِن تَعْدِلْ﴾: تُقْسِط، لا يُقْبَل منها في ذلك اليوم)) وَقَعَ هذا في رواية أبي ذرِّ وحده، وقد حكاه الطَّبَرِيُّ واستَنكَرَه، وفَسَّرَ أبو عُبيدة العَدل بالتوبة قال: لأنَّ التوبة إِنَّا تَنفَع في حال الحياة، والمشهور ما روى مَعمَر عن قَتَادة في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾، أي: لو جاءت بمِلءِ الأرض ذهباً لم يُقبَل، فجعله من العدل بمعنى المثل وهو ظاهر، أخرجه عبد الرَّزّاق(١) وغيره. قوله: (﴿أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، يعني: هل تَشْتَمِل إلّا على ذَكَر أو أُنثَى، فِلِمَ تُحُرِّمونَ بعضاً وتُحِلّونَ بعضاً؟)) كذا وَقَعَ لأبي ذرِّ هنا، ولغيره في أوائل التَّفاسير وهو أصوَب، وهو إردافه على تفاسير ابن عبّاس، فقد وصَلَه ابن أبي حاتم (١٤٠٣/٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس مثله، ووَقَعَ عند كثير من الرُّواة ((فلمَ تُحُرِّموا ولمَ تُحِلُّوا)) بغير نون فيهما، وحذفُ النُّون بغير ناصب ولا جازِم لغةٌ. وقال الفَرّاء: قوله: ﴿قُلْءَالذَّكَرَيْنِ حَزَّمَ أَمِ آلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ اَلْأُنثَبَيْنِ﴾ يقول: أجاءكُم التَّحريم فيما حَرَّمتُم من السائبةِ والبَحيرةِ والوَصيلةِ والحامِ من قِبَل الذَّكَرَينِ أم من الأُنثَينِ؟ فإن قالوا: من قِبَل الذَّكَر لَزِمَ تحريم كلّ ذَكَر، أو من قِبَل الأُنْثَى فكذلك، وإن قالوا: من قِبَل ما اشتَمَلَ عليه الرَّحِم لَزِمَ تحريم الجميع، لأنَّ الرَّحِم لا يَشتَمِل إلّا على ذَكَر أو أُنثَى، وقد تقدَّم في أخبار الجاهليّة (٣٥٢٤) قول ابن عبّاس: إن سَرَّك أن تَعلمَ جهَلَ العَرب، فاقرأ الثلاثينَ ومئةً من سورةِ الأنعام، يعني: الآيات المذكورة. قوله: ((﴿مَّسْفُوحًا﴾: مُهْراقاً)) وَقَعَ هذا للكُشْمِيهنيِّ، وهو تفسير أبي عُبيدة في قوله = ووقعت تسميته في ((المغني في الضعفاء)) ٧٨٩/٢، و((المقتنى في سرد الكنى)) له ١/ ٢٩٣: قَعنب بن هلال. (١) في ((التفسير)) ١/ ٢١٢. ٢٦٦ سورة الأنعام فتح الباري بشرح البخاري تعالى: ﴿أَوْدَمَا مَّسْفُوحًا﴾، أي: مُهراقاً مَصبوباً، ومنه قولهم: سَفَحَ الدَّمُ(١)، أي: سالَ. قوله: ((صَدَفَ: أعرَضَ)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّهُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦]، أي: يُعرِضونَ، يقال: صَدَفَ عنِّي بوجهه، أي: أعرَضَ(٢)، وروى عبد الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿يَصْدِفُونَ﴾، أي: يُعرِضونَ عنها. قوله: ((أُبُلِسوا: أُوِسُوا)) كذا للكُشْمِيهنيِّ، ولغيره: ((أيِسوا)) بغير واو، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَاهُمْ قُّبْلِسُونَ﴾ المُبْلِس: الحَزين النادِمِ، قال رُؤْبة بن العَجّاج: وفي الوجوهِ صُفرة وإبْلاسْ (٤) أي: اكتِئاب(٥) وحُزن، وقال الفَرّاء: قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ المُبْلِس: البائس المنقَطِعِ رَجاؤُه، وكذلك يقال للّذي يَسكُت عند انقطاع حُجَّته فلا يُجِيب: قد أبلَسَ، قال العَجّاج: يا صاحِ هل تَعرِف رَسْماً دارسا (٦) قال نعم أعرفه وأبلَسا وتفسير المُبْلِس بالحَزينِ وبالبائسِ مُتَقارب. قوله: (﴿أُبْسِلُواْ﴾: أُسْلِموا)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا (١) في (س): الدمع، والمثبت من (ع). (٢) وفي سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ الآية: ١٥٧. (٣) في ((التفسير)) ١/ ٢٠٦-٢٠٧. (٤) وصدره: وحضَرَتْ يومَ خميسٍ الأخماسْ (٥) كذا في (س): ((اكتئاب))، وفي (أ): ((صفرة)). (٦) كذا في الأصلين و(س)، والذي في كتب اللغة: رَسْماً مُكْرَساً، قال في ((شرح القاموس)) مادة (کرس): ورَسْمٌ مُكرَسِّ - كمُكرَم - بَعَرَتْ فيه الإبل وبوَّلَتْ، فركب بعضُه بعضاً، قيل: ومنه سميت الكُرَّاسة. انتهى، وانظر: ((لسان العرب))، و((الصحاح))، و((مقاييس اللغة)) مادة (کرس). قلنا: ولعله اختلط هذا البيت على الحافظ رحمه الله ببيت الشماخ: أتعرفُ رَسْماً دارساً قد تغيَّرًا بِذَرْوةَ أقوى بعدَ ليلى وأقْفَرا كما في ((أدب الكاتب)) لأبي بكر الصولي ص ١٢٠، و((تاج العروس)) مادة (عرض). ٢٦٧ سورة الأنعام / ح ٤٦٢٧ كتاب التفسير كَسَبُوا﴾، أي: أُسلموا، وقوله في الآية الأُخرى(١): ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسُلٌ﴾ أي: تُرتَهَن وتُسلَم، قال عوف بن الأحوَص: وإبسالي بنيَّ بغير حُرمٍ (٣) وروى مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌُّ﴾ قال: ◌ُحبَس، قال قَتَادةُ وقال الحسن: أي: تُسلم، أي: إلى الهلاك، أخرجه عبد الرَّزّاق(٣)، وقد تقدَّم لهذه الكلمة تفسير آخر، والمعنى مُتَقارب. قوله: (﴿اَسْتَهُوَتَهُ﴾: أضَلَّْه)) هو تفسير قَتَادة، أخرجه عبد الرَّزّاق(٤)، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾: هو الذي تُشَبِّه له الشَّياطين فيَتَبَعها حتَّى يهوي في الأرض فيَضِلّ. قوله: (﴿ تَمْتَرُونَ﴾: تَشُكّونَ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أي: تَشُكّونَ. وكذا أخرجه الطَّبَرِيُّ (١٤٨/٧) من طريق أسباط عن / السُّدّيِّ. ٢٩١/٨ قوله: ((يقال: على الله حُسْبانه، أي: حِسابه)) كذا لأبي ذرٍّ، أعادَه هنا وقد تقدَّم قبلُ. ١ - بابٌ ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] ٤٦٢٧- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((مفاتحُ الغيبِ خمسٌ: ﴿إِنَّاللَّهَ عِندَهُ, عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًّا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ (١) بل في الآية نفسها، وهي الآية ٧٠ من سورة الأنعام. (٢) عجزه: بَعَوناهُ ولا بِدمِ مُراقٍ انظر: ((العين)) للفراهيدي ٢/ ٢٦٥، و((معجم مقاييس اللغة)) لابن فارس ٢٤٨/١. (٣) لم نقف عليه في ((تفسير عبد الرزاق)) ولا في ((مصنفه))، ولكن هذا الأثر أخرجه من طريق عبد الرزاق: الطبري ٧/ ٢٣٢، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ١٤١٨/٤. (٤) في ((التفسير)) ١/ ٢١٢. ٢٦٨ سورة الأنعام / ح ٤٦٢٧ فتح الباري بشرح البخاري بِأَِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: ٣٤])). قوله: ((باب ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾)) المفاتح جمع مِفتَح بكسرِ الميم: الآلة التي يُفتَح بها، مِثل مِنجَل ومَناجِل، وهي لغة قليلة في الآلة، والمشهور مِفتاح بإثبات الألف، وجمعه مفاتيح بإثبات الياء، وقد قُرِئَ بها في الشَّواذٌ، قرأ ابن السَّمَيفَع: ((وعندَهُ مفاتيحُ الغَيب))، وقيل: بل هو جمع مَفتَح بفتح الميم وهو المكان، ويُؤيِّده تفسير السُّدّيِّ فيما رواه الطَّبَريُّ (٢١٢/٧) قال: مفاتح الغيب: خزائن الغيب، وجَوَّزَ الواحديُّ أنَّه جمع مَفتَح بفتح الميم على أنَّه مصدر بمعنى الفتح، أي: وعنده فُتوح الغيب، أي: يَفتَح الغيب على مَن يَشاء من عباده، ولا يَخْفَى بُعد هذا التَّأويل، للحديثِ المذكور في الباب، وأنَّ مَفاتح الغيب لا يَعلَمها أحد إلّا الله سبحانه وتعالى. وروى الطَّبَرِيُّ (٢١٢/٧) من طريق ابن مسعود قال: أَعطيَ نبيّكُم وَ لَّ عِلم كلّ شيء إلّا مفاتح الغيب. ويُطلَق المفتاح على ما كان محسوساً ممَّا تَحِلّ غَلقاً كالقُفلِ، وعلى ما كان مَعنَويّاً كما جاء في الحديث ((إنَّ من الناس مفاتيح للخير)) الحديث صَخَّحَه ابن حِبّان من حديث أنس(١). ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديث ابن عمر: ((مفاتح الغيب خمس)) أورَدَه مختصراً، وساقَه في تفسير سورة لقمان مُطوَّلاً(٢)، وسيأتي شرحه هناكَ مُستَوقَى إن شاء الله تعالى. ٢- بابٌ ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ ﴾ الآية [الأنعام: ٦٥] ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ [٦٥]: يَخْلِطَكُم؛ منَ الالتباسِ. يَلْبِسُوْاْ﴾ [٨٢]: يَخْلِطُوا. ﴿شِيَعًا﴾ [٦٥، ١٥٩]: فِرَقاً. (١) لم نقف على هذا الحديث في ((صحيح ابن حبان))، وإنما أخرجه الطيالسي (٢١٩٥)، وابن ماجه (٢٣٧) بإسناد ضعيف، فيه محمد بن أبي حميد، ضعفه أحمد والبخاري وابن معين وابن أبي حاتم. (٢) مطولاً برقم (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة، ومختصراً برقم (٤٧٧٨) من حديث ابن عمر كما هو هنا. ٢٦٩ سورة الأنعام / ح ٤٦٢٨ كتاب التفسير ٤٦٢٨- حدَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عَمْرِو بنِ دِینارٍ، عن جابرٍ ﴾ قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ قال رسولُ اللهِّ. (أعوذُ بَوَجْهِكَ)) قال: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: ((أعوذُ بوَجْهِكَ)) ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسولُ اللهِ وَّةِ: «هذا أهوَنُ، أو هذا أيسَر)). [طرفاه في: ٧٣١٣، ٧٤٠٦] قوله: ((باب ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ الآية، ﴿يَلْيِسَكُمْ﴾: يَخْلِطكُم، من الالتباس، ﴿يَلْبِسُواْ﴾: تَخْلِطُوا)) هو من كلام أبي عُبيدة في الموضعينِ، وعند ابن أبي حاتم (٤ /١٣٩٣) من طريق أسباط بن نَصر عن السُّدّيِّ مثله. قوله: (﴿شِيَعًا﴾: فِرَقاً) هو كلام أبي عبيدة أيضاً، وزادَ: واحدتها شِيعة، وللطََّريّ (٧/ ٢٢١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن / عبَّاس في قوله: ﴿شِيَعًا﴾ قال: الأهواء المختَلِفة. ٢٩٢/٨ قوله: ((عن جابر)) وَقَعَ في الاعتصام (٧٣١٣) من وجه آخر: عن ابن عُيَينةَ عن عَمْرو ابن دينار سمعت جابراً، وكذا للنَّسائيِّ (ك١١١٠٠) من طريق معمر عن عمرو بن دينار. قوله: ((﴿عَذَابًامِّن فَوْقِكُمْ ﴾ قال: أعوذ بوجهك) زاد الإسماعيليّ من طريق حمّاد بن زيد عن عَمْرو: ((الكريم)) في الموضعينِ. قوله: ((هذا أهوَن، أو هذا أيسَر)) هو شَكّ من الراوي، والضَّمير يعود على الكلام الأخير. ووَقَعَ في الاعتصام: ((هاتان أهوَن أو أيسَر)) أي: خَصْلة الالتباس وخَصْلة إذاقة بعضهم بأس بعض، وقد روى ابن مَرْدويه(١) من حديث ابن عبَّاس ما يُفسَّر به حديث جابر، ولفظه عن النبيّ ◌َّه قال: ((دَعَوتُ الله أن يَرفَع عن أمَّتي أربعاً، فَرَفَعَ عنهم اثنتينِ، وأبَى أن يَرفَع عنهم اثنَتَينِ: دَعَوت الله أن يَرفَع عنهم الرَّجم من السماء، والخسف من (١) وأخرجه أيضاً الطبراني في ((الكبير)) (١٢٠٤٩)، والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (١٥٢) من طريق محمد بن عبد الله المروزي، عن أبي الدرداء عبد العزيز بن المنيب، عن إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١١٧/١: ومن عدا عكرمة لم أعرفهم، ولم أر من ذكرهم. ٢٧٠ سورة الأنعام / ح ٤٦٢٨ فتح الباري بشرح البخاري الأرض، وأن لا يَلبسهم شيعاً، ولا يُذيق بعضهم بأس بعض، فَرَفَعَ الله عنهم الخسف والرَّجم، وأبى أن يَرفَع عنهم الأُخرَيَينِ)). فُيُستَفاد من هذه الرّواية المراد بقوله: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، ويُستأنَس له أيضاً بقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ خَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ووَقَعَ أصَرح من ذلك عند ابن مَرْدويه من حديث أبيّ بن كعب قال في قوله تعالى: ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرَّجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ ﴾ قال: الخسف. وروى ابن أبي حاتم (٤/ ١٣١٠، ١٣١١) من طريق السُّدّيِّ عن شيوخه أيضاً أنَّ المراد بالعذاب من فوق: الرَّجم، ومن تَحت: الخسف، وأخرج من طريق ابن عبّاس أنَّ المراد بالفَوقِ: أئمّة السّوء، وبالتَّحتِ: خَدَم السّوء. وقيل: المراد بالفَوقِ: حَبْس المطر، وبالتَّحتِ: مَنْعِ الثَّمرات. والأوَّل هو المعتمَد. وفي الحديث دليل على أنَّ الخسف والرَّجم لا يقعان في هذه الأُمّة، وفيه نظر، فقد روى أحمد (٢١٢٢٧)، والطَّبَريُّ (٢٢٦/٧) من حديث أُبيِّ بن كعب في هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآية قال: هُنَّ أربع، وكلّهنَّ واقع لا محالة، فمَضَت اثْنَتَان بعد وفاة نبيّهم بخمسٍ وعشرينَ سنة: أُلبِسوا شيعاً وذاقَ بعضُهم بأس بعض، وبَقَيَت اثنتان واقعَتان لا محالة: الخسف والرَّجم. وقد أُعِلَّ هذا الحديث بأنَّ أَبيَّ بن كعب لم يُدرِك سنة خمس وعشرينَ من الوفاة النبويَّة، فكأنَّ حديثه انتهى عند قوله: لا محالة، والباقي من كلام بعض الرُّواة، وأُعِلَّ أيضاً بأنَّه مخالف لحديثِ جابر وغيره(١). وأُجيبَ بأنَّ طريق الجمع أنَّ الإعاذة (٢) المذكورة في حديث جابر وغيره مُقيَّدة بزمان (١) قلنا: وإسناد أحمد والطبري ضعيف، فيه عيسى بن ماهان أبو جعفر الرازي، سيِّئ الحفظ، ولا يحتمل تفرده. وقد أخرج الطبري ٧/ ٢٢٢ عن محمد بن عيسى الدامغاني، عن ابن المبارك، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، من قوله، وهذا إسناد جيد، وهو أولى بالصواب، وهذا يؤيد ما ذهب إليه الحافظ رحمه الله. (٢) في (أ) و(س): الإعادة، وهو تصحيف. ٢٧١ سورة الأنعام / ح ٤٦٢٨ كتاب التفسير مخصوص وهو وُجود الصَّحابة والقُرون الفاضلة، وأمَّا بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم، وقد روى أحمد (١٤٦٦)، والتِّرمِذيّ (٣٠٦٦) من حديث سعد بن أبي وقّاص قال: سُئِلَ رسول الله ◌َ﴿ه عن هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ إلى آخرها فقال: «أما إنَّها كائنة ولم يأتِ تأويلها بعد))(١)، وهذا يحتمل أن لا يُخالف حديث جابر بأنَّ المراد بتأويلِها ما يَتَعلَّق بالفتنِ ونحوها. وعند أحمد (١٥٩٥٦) بإسنادٍ صحيح(٢) حديث صُحارٍ - بالمھمَلَتینِ أوَّله مضموم معَ التَّخفيف - العبديِّ رَفَعَه قال: ((لا تقوم الساعة حتَّى يُحْسَف بقَبائل)) الحديث، وسيأتي في كتاب الأشربة (٥٥٩٠) في الكلام على حديث أبي مالك الأشعَريّ ذِكْر الخسف والمسخ أيضاً، وللتِّرمِذيِّ (٢١٨٥) من حديث عائشة مرفوعاً: ((يكون في آخر هذه الأُمّة خَسْف ومَسْخِ وقَذْف))، ولابنِ أبي خَيْئمةَ(٣) من طريق هشام بن الغازي بن ربيعة الُّرشيِّ عن أبيه عن جَدّه رَفَعَه: ((يكون في أمَّتي الخسفُ والمسخُ والقَذْف)) الحديث. ووَرَدَ فيه أيضاً عنده (٤) عن عليّ وعن أبي هريرة مثله(٥) وعن عثمان عند ... (٦) وعن ابن مسعود وابن عمر وابن عَمْرو وسَهْل بن سعد عند ابن ماجه (٤٠٥٩ -٤٠٦٢)، وعن أبي أمامةَ عند أحمد (٢٢٢٣١)، وعن عُبادة عند ولده (٢٢٧٩٠)، وعن / أنس عند البزَّار (٣٤٠٤)، وعن عبد الله بن بُسر ٢٩٣/٨ وسعيد بن أبي راشد عند الطبرانيِّ في ((الكبير))(٧)، وعن ابن عبّاس وأبي سعيد عنده في ((الصَّغير)) (١) وهذا أيضاً إسناده ضعيف، فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، ثم هو منقطع. (٢) بل ضعيف، فيه عبد الرحمن بن صُحار، وهو مجهول. (٣) في السفر الثاني من ((تاريخه الکبیر)) (٢٨٥٥). (٤) في (ع) و(س): عنه، والمثبت من (أ)، والضمير في ((عنده) يعود إلى الترمذي، وهو عنده برقم (٢٢١٠)، وفيه الفرج بن فضالة وهو ضعيف. (٥) كذا في (أ): ((مثله))، وفي (ع): ((عنه))، وفي (س): ((عند)) وأشير في هامشها أن بعدها بياض في الأصل. قلنا: وحديث أبي هريرة هو مثل حديث علي، وهو عند الترمذي (٢٢١١)، وفي إسناده رُمَيح الجذامي وهو مجهول. (٦) هنا بياض في نسخة (أ)، وكذلك في هامش (س) أشير إلى أن هنا بياضاً في أصلها. (٧) حديث سعيد بن أبي راشد عند الطبراني في ((الكبير)) (٥٥٣٧)، أما حديث عبد الله بن بُشْر فلم نجده فيه، وإنما في ((مسند الشاميين)) (١٠٣٥). ٠ ٢٧٢ سورة الأنعام / ح ٤٦٢٨ فتح الباري بشرح البخاري (١٦٨ و٩٧٣)، وفي أسانيدها مقال غالباً، لكن يدلّ مجموعها على أنَّ لذلك أصلاً. ويحتمل في طريق الجمع أيضاً أن يكون المراد أنَّ ذلك لا يقع لجميعِهم، وإن وَقَعَ لأفرادٍ منهم غير مُقيَّد بزمانٍ كما في خَصْلة العدوّ الكافر، والسَّنة العامّة، فإنَّ ثَبَتَ في ((صحيح مسلم) (٢٨٨٩) من حديث ثوبان رَفَعَه في حديث أوَّلُه: ((إنَّ الله زَوَى لِي مَشارق الأرض ومغاربها، وسَيَبلُغُ مُلك أمَّتي ما زُويَ لي منها)) الحديث، وفيه: ((وإنّ سألت رَبّي أن لا يُهلِك أمَّتي بسَنةٍ عامّة، وأن لا يُسَلِّط عليهم عدوّاً من غير أنفُسهم، وأن لا يَلِسهم شَيَعاً ويُذيق بعضهم بأس بعض(١)، فقال: يا محمَّد، إنّ إذا قَضَيتُ قَضاءً فإنَّه لا يُردّ، وإنّ أعطَيتُك لأُمَّتِك أن لا أُهلِكهم بسَنةٍ عامّة، وأن لا أُسَلِّط عليهم عدوّاً من غيرهم يَستَبيح بَيضَتهم حتَّى يكون بعضهم يُهلِك بعضاً))، وأخرج الطَّبَريُّ (٧/ ٢٢٣) من حديث شَدّاد نحوه بإسناد صحيح. فلمَّا كان تَسليط العدوّ الكافر قد يقع على بعض المؤمنينَ لكنَّه لا يقع عموماً، فكذلك الخَسف والقَذف، ويُؤيِّد هذا الجمع ما روى الطبري(٢) (٢٢٤/٧ -٢٢٥) من مُرسَل الحسن قال: لمَّ نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ الآية، سألَ النبيّ وَّهِ رَبّه، فَهَبَطَ جِبْرِيل فقال: ((يا محمَّد، إنَّك سألت رَبّك أربعاً فأعطاك اثنَتَينِ ومَنَعَك اثنَتَينِ: أن يأتيهم عذابٌ من فوقهم أو من تحت أرجُلهم، فيَستأصِلَهم كما استأصَلَ الأُمَم الذينَ كَذَّبوا أنبياءَهم، ولكنَّه يَلبسُهم شيعاً ويُذيقُ بعضَهم بأس بعض)) وهذان عذابان لأهلِ الإقرار بالكتاب والتَّصديق بالأنبياءِ. انتهى، وكأنَّ من قوله: ((وهذان ... )) إلى آخره، من كلام الحسن. وقد ورَدَت الاستعاذة من خصال أُخرى: منها عن ابن عبّاس عند ابن مَرْدويه مرفوعاً: ((سألت رَبِّي لأُمَّتي أربعاً، فأعطاني اثنَتَينِ ومَنَعَني اثنَتَينِ: سألته أن يَرفَع عنهم الرَّجم من (١) قوله: ((وأن لا يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض)) ليس في رواية مسلم، وإنما هي من حديث ثوبان عند ابن ماجه (٣٩٥٢) و(٦٧١٤). (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: الطبراني، والمثبت من (ع). ٢٧٣ سورة الأنعام / ح ٤٦٢٨ كتاب التفسير السماء، والغَرَق من الأرض، فَرَفَعَهما)) الحديث(١). ومنها حديث سعد بن أبي وقّاص عند مسلم (٢٨٩٠) مرفوعاً: ((سألت رَبّي أن لا يُهلِك أمَّتي بالغَرَقِ فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلِكهم بالسَّنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمَنَعَنيها)»، وعند الطبري(٢) من حديث جابر بن سَمُرة نحوه، لكن بلفظ: ((أن لا يَهلِكوا جوعاً)، وهذا ممَّا يُقوِّي أيضاً الجمع المذكور، فإنَّ الغَرَق والجوع قد يقع لبعضٍ دون بعض، لكن الذي حَصَلَ منه الأمان أن يقع عاماً. وعند التِّرمِذيّ (٢١٧٥) وابن مردويه من حدیث خبّابٍ نحوه، وفيه: «وأن لا يُهلِكنا بما أهلكَ به الأُمَم قبلنا»(٣). وكذا في حديث نافع بن خالد الخُزَاعِيِّ عن أبيه عند الطبرانيّ(٤) (٤١١٢)، وعند أحمد (٢٧٢٢٤) من حديث أبي بَصرة - بالباءِ والصّاد المهمَلة - نحوه، لكن قال بَدَل خَصْلة الإهلاك: ((أن لا يجمعهم على ضَلالة))، وكذا للطَّبَيِّ (٢٢٤/٧) من مُرسَل الحسن، ولابنِ أبي حاتم (١٣١٢/٤) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: «سألت رَبّي لأُمَّتي أربعاً، فأعطاني ثلاثاً ومَنَعَني واحدة: سألته أن لا تَكفُر أمَّتي جُملة فأعطانيها، وسألته أن لا يُظهِر عليهم عدوّاً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُعذِّبهم بما عَذَّبَ به الأُمَم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسَهم بينهم فمَنَعَنيها))، وللطبري (٧/ ٢٢٤) من طريق السُّدّيِّ مُرسَلاً نحوه. ودَخَلَ في قوله: ((بما عَذَّبَ به الأُمَم قبلهم)): الغَرَق؛ كقوم نوح وفِرِعَون، والهلاك بالرّيحِ؛ كعادٍ، والخَسف؛ كقوم لوط وقارون، والصَّيحة؛ كَثَمُودَ وأصحاب مَدَيَن، والرَّجم؛ كأصحاب الفيل، وغير ذلك ممَّا عُذِّبَت به الأُمَم عموماً. وإذا جُمعت الخِصال (١) وهو عند الطبراني (١٢٠٤٩). (٢) كذا وقع في الأصلين و(س)، ولم نقع عليه في ((تفسيره))، وإنما رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٩) من حديث جابر بن سمرة عن علي بن أبي طالب، رفعه. (٣) هذا اللفظ ليس في رواية الترمذي، وهو عند النسائي (١٦٣٨). (٤) تحرفت في (ع) إلى: ((الطبري))، والمثبت من (أ) و(س). ٢٧٤ سورة الأنعام / ح ٤٦٢٩-٤٦٣١ فتح الباري بشرح البخاري المستعاذ منها من هذه الأحاديث التي سُقتُها بَلَغَت نحو العشرة. وفي حديث الباب أيضاً أنَّه ◌َّهِ سألَ رفع الخَصلَتَينِ الأخيرتَينِ، فَأُخبرَ بأن ذلك قد قُدِّرَ من قَضاء الله وأنَّه لا يُردّ، وأمَّا ما زادَه الطبراني(١) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر في حديث الباب بعد قوله: ((هذا أيسر)) قال: ((ولو استعاذَه لَأعاذَه)) فهو محمول على أنَّ جابراً لم يَسمَعِ بَقيَّة الحديث، وحَفِظَه سعد بن أبي وقّاص وغيره، ويحتمل أن يكون قائل: ((ولو استعاذَه ... إلى آخره)) بعض رواته دون جابر، والله أعلم. ٢٩٤/٨ ٣- بابٌ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢] ٤٦٢٩- حدَّثني محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله عظُه، قال: لمَّا نزلت: ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابُه: وأيُّنا لم يَظلم؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. قوله: ((باب ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾)) ذكر فيه حديث سليمان: وهو الأعمَش، عن إبراهيم: وهو النَّخَعَيّ، عن عَلقَمة: وهو ابن يزيد، عن عبد الله: وهو ابن مسعود قال: لمَّا نزلت ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه، أي: أصحاب النبيّ وَّه. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الإيمان (٣٢) بما أغنى عن إعادته. ٤- باب قوله: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطَأْ وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] ٤٦٣٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حذَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أبي العاليَةِ، قال: حدَّثني ابنُ عَمِّ نبيَّكُم - يعني: ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما - عن النبيِّ وَِّ قال: «ما يَنبَغي لعبدٍ أن يقولَ: أنا خيرٌ من یونُسَ بنِ مَتَّى)). ٤٦٣١- حذَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرنا سعدُ بنُ إبراهيمَ، قال: سمعتُ (١) في ((المعجم الأوسط)) (٩٠٦٨). ٢٧٥ سورة الأنعام / ح ٤٦٣٢ كتاب التفسير مُميدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، عن أبي هريرةَ عَُّه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((ما يَنْبَغي لعبدٍ أن يقولَ: أنا خيرٌ من يونُسَ بنِ مَتَّى)). قوله: ((باب قوله: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾)) ذكر فيه حديثَي ابن عبّاس وأبي هريرة: ((ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن مَتَّى))، وقد تقدَّم شرحه في أحاديث الأنبياء (٣٤١٢ - ٣٤١٦). ٥- باب قولِهِ: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَدُهُمُ أُقْتَدِهُ﴾ [الأنعام: ٩٠] ٤٦٣٢ - حدَّثْني إبراهيمُ بنُّ موسى، أخبرنا هشامٌ: أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرهم، قال: أخبرني سليمانُ الأحوَلُ، أنَّ مجاهداً أخبَرَه، أنَّه سألَ ابنَ عبَّاسٍ: أفي ﴿صّ﴾ سَجْدةٌ؟ فقال: نعم، ثمَّ ثَلا: ﴿وَوَهَبْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَثُهُمْ أَقْتَدِهْ ﴾ ثمّ قال: هو منهم. زادَ يَزِيدُ بنُ هارونَ ومحمَّدُ بنُ عُبيدٍ وسَهْلُ بنُ يوسفَ، عن العَوّامِ، عن مجاهدٍ: قلتُ لابنِ عِبَّاسٍ، فقال: نبيُّكُم ◌َّ ◌َمَّنْ أُمِرَ أن يَقْتَدِيَ بهم. قوله: ((باب قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ اُقْتَدِه ))) ذكر فيه حديث ابن عبَّاس في السُّجود في ﴿صَ﴾ وسيأتي شرحُه في تفسير ص (٤٨٠٦ و٤٨٠٧). قوله: ((زادَ يزيد بن هارون ومحمَّد بن عُبيد وسَهْل بن يوسف عن العَوّام)) هو ابن حَوشَبٍ: ((عن مجاهد: قلت لابنِ عبَّاس، فقال: نبيّكُمْ وََّ مَمَّن أُمِرَ أن يَقْتَديَ بهم)) حاصله أنَّ الزّيادة لفظيَّة، وإلّا فالكلام / المذكور داخل في قوله في الرّواية الأولَى: ((هو منهم)) أي: داودُ ممَّن ٢٩٥/٨ أُمِرَ نبيِّكُم أن يَقتَديَ به في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَهُمُ اُقْتَدِه﴾، وطريق يزيد بن هارون المذكورة وصَلَها الإسماعيليّ، وطريق محمَّد بن عُبيد وصَلَها المصنِّف في تفسير ص (٤٨٠٧)، وطريق سَهْل بن يوسف وصَلَها المصنّف في أحاديث الأنبياء (٣٤٢١). وقد اختُلِفَ: هل كان عليه الصلاة والسَّلام مُتَعَبَّداً بشَرع مَن قبلَه حتَّى يَنْزِلَ عليه ناسخُه؟ فقيلَ: نعم، وحُجَّتُهم هذه الآية ونحوُها. وقيل: لا، وأجابوا عن الآية بأنَّ المراد اتِّباعُهم فيما ٢٧٦ سورة الأنعام / ح ٤٦٣٣ فتح الباري بشرح البخاري أُنزِلَ عليه وِفاتُه ولو على طريق الإجمال، فيَتَبَعُهم في التَّفصيل، وهذا هو الأصحّ عندَ كثير من الشافعيّة، واختارَه إمام الحَرَمَينِ ومَن تَبَعَه، واختارَ الأوَّل ابن الحاجِب، والله أعلم. ٦- بابٌ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ◌ُظُفُرٍ ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿كُلَّ ذِى تُفُرٍ﴾: الْبَعِيرُ والنَّعامةُ. ﴿الْحَوَايَآَ﴾: المَبْعَر. وقال غيرُه: ﴿هَادُواْ﴾: صاروا يهوداً، وأمَّا قولُه: ﴿هُدْنَا﴾ [الأعراف: ١٥٦]: تُبْنا، هائدٌ: تائبٌ. ٤٦٣٣ - حدَّثنا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا اللَيثُ، عن يَزِيدَ بنِ أبي حبيبٍ، قال عطاءٌ: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، سمعتُ النبيَّ بَِّ قال: ((قاتَلَ الله اليهودَ، لمَّا حَرَّمَ الله عليهم شُحومَها ◌َمَلوه، ثمَّ باعوه فأكلوها». وقال أبو عاصم: حدّثنا عبدُ الحميدِ، حدَّثنا يَزِيدُ، كَتَبَ إليَّ عطاءٌ، سمعتُ جابراً، عن النبيِّ ◌َلَد. قوله: ((باب ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ◌ُفُرٍ﴾)) زاد أبو ذرٍّ في روايته إلى قوله: ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴾. قوله: ((﴿كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾: البعير والنَّعامة)) وصَلَه ابن جَرِير (٧٢/٨) من طريق عليّ ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس مِثله، ورَوَى من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد مثله، وروى ابن أبي حاتم (١٤١٠/٥) من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: كلّ ذي ظُفُر هو الذي ليس بمُنفَرِجِ الأصابع - يعني ليس بمَشقوقِ الأصابع - منها الإبل والنَّعام، وإسناده حسن، وأخرجه ابن جَرِير (٨/ ٧٢) من طريق سعيد بن جُبَير مثله مُفرَّقاً، وليس فيه ابن عبّاس، ومن طريق قَتَادة قال: البعير والنَّعامة وأشباهه من الطَّر والحيوانات والحيتان. قوله: ((الحَوَايا: المَبْعَرِ)) في رواية أبي الوَقْت: المباعرِ، وَصَلَه ابن جَرِير (٧٥/٢) من طريق ٢٧٧ سورة الأنعام / ح ٤٦٣٤ كتاب التفسير عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قال: الحَوَايا هو المبعَر، وأخرجه عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة مثله. وقال سعيد بن جُبَير: الحَوَايا المباعر، أخرجه ابن جَرِير، وقال: الحَوَايا جمع حَوِيَّة: وهي ما تَحوَّى واجتَمَعَ واستَدارَ من البطن وهي بَناتُ(٢) اللََّن، وهي المباعر وفيها الأمعاء. قال: ومعنى الكلام: إلّا ما حَمَلَت ظُهورُهما وإلّا ما حَلَت الحَوايا، أي: فهو حلال لهم. تنبيه: المَبعَر بفتح الميم ويجوز كسرُها. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث جابر: ((قاتَلَ الله اليهود حُرِّمَت عليهم شُحومُها)) الحديثَ، وقد تقدَّم شرحه في أواخرِ كتاب البيوع (٢٢٣٦)، وقد تقدَّم أيضاً بيان مَن وَصَلَ رواية أبي عاصم المذكور هنا، ونَبَّهَ ابن التِّين على أنَّه وَقَعَ في الرِّواية هنا: ((لُومها)) قال: والصَّواب شُحومُها. قوله: ((﴿هَادُواْ﴾: تابُوا(٣)، ﴿هُدْنَآَ﴾: تُبْنا، هائدٌ: تائبٌ)) هو كلام أبي عُبيدة، وقد تقدَّم في أوائلِ الهجرة(٤). ٧- باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] ٤٦٣٤ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمرو، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله هـ قال: ((لا أحدَ أغيَرُ منَ الله، ولذلك حَرَّمَ الفواحشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا شيءَ أحَبُّ ٢٩٦/٨ (١) في (التفسير)) ١/ ٢٢١، وتحرف في المطبوع هناك ((المبعر)) إلى: البقر. (٢) تصحفت في (س) إلى: نبات. (٣) كذا في الأصلين و(س): ((تابوا))، وهو خطأ، صوابه: ((صاروا يهوداً)) كما أثبتناه في المتن من الطبعة السلطانية، ومن ((شرح العيني))، وهو الموافق لكلام أبي عبيدة في ((مجاز القرآن)) ١٦٦/١ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] قال: وهو هنا من الذين تهوَّدوا فصاروا يهوداً. انتهى. قلنا: وأما هادوا بمعنى: تابوا، فهو في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى ... ﴾ الآية [البقرة: ٦٢] فقد فسرها أبو عبيدة بقوله: أي الذين تابوا ممن تهوَّد، أي هدنا إلى ربنا. والله أعلم. (٤) بين يدي الحديث رقم (٣٩٤١). ٢٧٨ سورة الأنعام / ح ٤٦٣٤ فتح الباري بشرح البخاري إليه المَدْحُ مِنَ الله، ولذلك مَدَحَ نفسَه)). قلتُ: سمعتَه من عبدِ الله؟ قال: نعم، قلتُ: وَرَفَعَه؟ قال: نعم. [أطرافه في: ٤٦٣٧، ٥٢٢٠، ٧٤٠٣] قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾)) ذكر فيه حديث ابن مسعود: ((لا أحدَ أغيَرُ من الله))، وسيأتي شرحه في كتاب التوحيد (٧٤٠٣) إن شاء الله تعالى. ٨- باب قوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَآءَ كُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] لغةُ أهلِ الحِجازِ: هَلُمَّ، للواحِدِ والاثنَيْنِ والجَمعِ. ﴿وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]: حفيظٌ مُحيطٌ به. ﴿ قُبُلًا﴾ [١١١]: جمع قَبيلِ، والمعْنَى: أَنَّ ضُروبٌ للعذاب كلُّ ضَرْبٍ منها قَبِلٌ. ﴿َزُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ [١١٢]: كلُّ شيءٍ حَسَّنْتَه وزَيَّنْتَه وهو باطِلٌ فهو زُخْرُفٌ. ﴿وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾ [١٣٨]: حَرامٌ، وكلَّ ممنوع فهْوَ حِجْرٌ محجورٌ، والحِجْرُ: كلُّ بناءٍ بَنِيْتَه، ويقال للأُنْثَى مِنَ الخيلِ: حِجْرٌ، ويقال للعَقْلِ: حِجْرٌ وحِجَّى، وأمَّا الحِجْرُ، فموضعُ ثَمُودَ، وما حَجَّرْتَ عليه منَ الأرضِ فهو حِجْرٌ، ومِنْه سُمِّيَ خَطِيمُ البيتِ حِجْراً، كأنَّه مُشتَقٌّ من محطومِ، مِثلُ قَتِيلٍ من مقتولٍ، وأمَّا حَجْرُ الْيَامَةِ فَهْوَ مَنزِلٌ. قوله: ((باب قوله: ﴿قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَ كُمُ﴾ لغة أهل الحِجاز، هَلُمَّ للواحدِ والاثنَينِ والجمع)) هو كلام أبي عبيدة بزيادة: والذَّكَر والأُنْثَى سواء، وأهل نَجْد يقولون للواحدِ: هَلُمَّ، وللمرأة: هَلُمّي، وللاثنَينِ: هَلْما، وللقومِ هَلُّمّوا، وللنِّساءِ: هَلمُمْنَ، يجعلونَها من هَلمَمتُ. وعلى الأوَّل فهو اسم فِعل معناه طلب الإحضار، وشُهَداءَكُم مفعول به، والميم في هَلُمَّ مَبنيّة على الفتح في اللُّغة الأولى، واختُلِفَ هل هي بسيطة أو مُرَكَّبة، ولِبَسطِ ذلك موضع ٢٧٩ سورة الأنعام كتاب التفسير غير هذا(١). قوله: (﴿وَكِيلٌ﴾: حَفيظٌ مُحيطٌ به)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ [هود: ١٢](٢) أي: حَفيظٌ مُحيطٌ. قوله: (﴿قُبُلًا﴾: جمع قبيلِ، والمعْنَى: أَنَّه ضُروب للعذاب كلّ ضَرْب منها قَبيل)) انتهى. هو من كلام أبي عُبيدة أيضاً لكن بمعناه، قال في قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا﴾، قال: فمعنى ((حَشَرنا)): جَمَعنا، و(قُبُلاً)) جمع قبيل، أي: صِنف. وروى ابن جَرِير (٣/٨) عن مجاهد قال: قُبُلاً، أي: أفواجاً، قال ابن جَرِير: أي: حَشَرنا عليهم كلّ شيء قبيلةً قبيلةً، صِنفاً صِنفاً، وجماعةً جماعةً، فيكون القُبُل جمع قَبِيلٍ الذي جمع قَبيلة، فيكون القُبُل جمع الجمع. قال أبو عبيدة: ومَن قرأها ((قِبَلاً)) أي: بكسرٍ القاف فإنَّه يقول: معناها: عِياناً. انتهى، ويجوز أن يكون بمعنى ناحية؛ تقول: لي قُبُلَ فلان كذا، أي: من جِهَته، فهو نصبٌ على الظَّرفيَّة. وقال آخرونَ: قُبُلاً، أي: مقابلاً، انتهى. وقد روى ابن أبي حاتم (٤/ ١٣٧٠) وابن جَرِير (٢/٨) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ((كل شيء قُبلاً))، أي: مُعاينةً، فكأنَّه قرأها بكسرِ القاف، وهي قراءة أهل المدينة وابن عامر(٣)، معَ أنَّه يجوز أن يكون بالضَّمِّ، ومعناه: المعاينة، تقول: أتيتك قُبُلاً لا دُبُراً: إذا أتيته من قِبَلِ وجهه، وتَستَوي على هذا القراءتان. قال ابن جَرِير: ويحتمل أن يكون القُبُلُ جمع قَبيل: وهو الضَّمينُ والكفيل، أي: وحَشَرنا عليهم كلّ شيء (١) وسيأتي في شرح حديث أبي هريرة في الرقاق (٦٥٠٦). (٢) كذا ذكر الحافظ ابن حجر هذه الآية هنا من سورة هود، کما في الأصلین و(س)، وهو سبق قلم منه رحمه الله، وإلا فالآية التي يشرح عليها هنا والتي شرح عليها أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)) ٢٠٣/١ هي آية الأنعام ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. (٣) قرأ نافع وابن عامر: (قِبَلاً)) بكسر القاف وفتح الباء في آيتي الأنعام والكهف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ((قُبِلاً) مضمومة القاف والباء فيهما أيضاً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((قُبُّلاً)) بضم القاف والباء في آية الأنعام، و((قِبَلاً)) بكسر القاف وفتح الباء في آية الكهف. انظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٢٦٦. ٢٨٠ سورة الأنعام / ح ٤٦٣٥-٦٤٣٦ فتح الباري بشرح البخاري كَفيلاً يَكفُلونَ لهم أنَّ الذي نَعِدُهم حَقٌّ، وهو بمعنى قوله في الآية الأُخرى: ﴿أَوْ تَأْتَِ بِاللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٣] انتهى. ولم أرَ مَن فَسَّرَ بأصناف العذاب، فليُحرَّر هذا. تنبيه: ثَبَتَ هذا والذي بعدَه لأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ حَسْب. قوله: ((﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: كلُّ شيءٍ حسَنتَه، وزَيَّنْته وهو باطل فهو زُخْرُف» هو كلام أبي عُبيدة، وزادَ: يقال: زَخِرَفَ فلان كلامه وشهادته. وقيل: أصل الزُّخرُف في اللُّغة: التَّزيينُ والتَّحسين، ولذلك سَمَّوا الذَّهَب زُخرُفاً. قوله: (﴿وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾: حَرام ... )) إلى آخره، تقدَّم الكلام عليه في قِصّة ثَمُودَ من أحاديث الأنبياء مُستَوفَّى(١)، وسَقَطَ هنا من رواية أبي ذرٍّ والنَّسَفيِّ وهو أولَى. ٩- بابُ ﴿وَلَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾ [الأنعام:١٥٨] ٤٦٣٥ - حدَثَّنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حَّثنا عُمَارةُ، حدَّثنا أبو زُرْعةَ، ٢٩٧/٨ حدَّثنا أبو هريرةً/، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: («لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغْرِبها، فإذا رآها الناسُ آمَنَ مَن عليها، فذاكَ حِينَ ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾)). ٤٦٣٦ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن همَّام، عن أبي هريرةَ هُ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ من مَغْرِبها، فإذا طَلَعَت ورآها الناسُ آمنوا أجْمَعونَ، وذلك حينَ ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾)) ثمَّ قرأ الآيَةَ. قوله: ((باب ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾)) ذكر فيه حديث أبي هريرة في طُلوع الشمس من المغرب، وسيأتي شرحُه مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٠٦) إن شاء الله تعالى. وإسحاق في الطَّريق الأُخرى جَزَمَ خَلَفٌ بأنَّه ابن نَصْر، وأبو مسعود بأنَّه ابن منصور، وقول خَلَفٍ أقوى ، والله أعلم. (١) بين يدي الحديث (٣٣٧٧).