النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة النساء / ح ٤٥٩٠
كتاب التفسير
١٧ - بابٌ
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّهُ ﴾ [النساء: ٩٣]
٤٥٩٠ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا مُغِيرةُ بنُ النُّعْمان، قال: سمعتُ
سعيدَ بنَ جُبَيرٍ قال: آيَةٌ اختَلَفَ فيها أهلُ الكوفةِ، فَرَحَلْتُ فيها إلى ابنِ عبَّاسٍ، فسألتُه عنها،
فقال: نزلت هذه الآيةُ ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، هي آخِرُ ما
نزلَ، وما نَسَخَها شيءٌ.
قوله: ((باب ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا تُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ))) يقال: نزلت ٢٥٨/٨
في مِقْيَس بن صُبابة. وكان أسلَمَ هو وأخوه هشام، فقَتَلَ هشاماً رجل من الأنصار
غِيْلَةً فلم يُعرَف، فأرسَلَ إليهم النبيّ وََّ رجلاً يأمرهم أن يَدفَعوا إلى مِقْيَس دية
أخيه، ففَعَلوا، فأخَذَ الدّيةَ وقَتَلِ الرَّسولَ ولَقَ بمكَّة مُرتَدّاً، فنزلت فيه، وهو ممَّن
أهدَرَ النبيّ ◌َِّ دمه يوم الفتح، أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧/٣) من طريق سعيد بن
جُبَير.
قوله: ((حدثنا(١) شُعْبة، حدَّثنا مُغيرة بن التُّعْمان)) لِشُعْبةَ فيه شيخ آخر، وهو منصور، كما
سيأتي في سورة الفُرقان (٤٧٦٤ و٤٧٦٦).
قوله: «آيَةٌ اختَلَفَ فيها أهلُ الكوفة، فَرَحَلْتُ فيها إلى ابن عبَّاس فسألتُه عنها)) سَقَطَ لفظ:
(«آية)) لغير أبي ذرٍّ، وسيأتي مَزيد فيه في الفُرقان، وَقَعَ في تفسير الفُرقان (٤٧٦٣) من طريق
تُندَر عن شُعْبة بلفظ: اختَلَفَ أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدَخَلْتُ فيه إلى ابن عبّاس، وفي
رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فَرَحَلْتُ)) بالرّاءِ والمهمَلة وهي أصوَب، وسيأتي شرح الحديث مُستَوفَّى
هناك إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((هيَ آخر ما نزلَ)) أي: في شأن قتل المؤمن عَمداً بالنّسبة لآية الفُرقان.
(١) لفظة ((حدثنا)) من (ع) فقط، ولم ترد في (أ) و(س).

٢٠٢
سورة النساء / ح ٤٥٩١
فتح الباري بشرح البخاري
١٨ - بابٌ
﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]
السَّلَمُ والسَّلام والسِّلْم واحدٌ.
٤٥٩١- حدَّثني علىُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: قال ابنُ عيَّاسٍ:
كان رجلٌ في غُنَيمةٍ له، فلَحِقَه المسلمونَ، فقال: السَّلامُ عليكم، فقتلوه وأخَذوا غُنَيَمَتَهَ، فأَنزَلَ الله
في ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ اٌلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾: تلكَ الغُنَيمةُ، قال: قرأ ابنُ عبَّاسٍ: ((السَّلام).
قوله: ((باب ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ السَّلَّم والسَّلام
والسِّلْم واحد)) يعني: أنَّ الأوَّل بفتحَتَينِ والثّالث بكسرٍ ثمَّ سكون، فالأوَّل قراءة نافع وابن
عامر وحمزة، والثّاني قراءة الباقينَ، والثّالث قراءة رُويَت عن عاصم بن أبي النَّجود. ورويَ
عن عاصم الجَحْدَريِّ بفتح ثمَّ سكون، فأمَّا الثّاني فمن التَّحيَّة، وأمَّا ما عداه فمن الانقياد.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، وفي رواية ابن أبي عمر عن سفيان: حدَّثنا عَمْرو بن
دينار، كذا أخرجها أبو نُعَيم في ((مُستَخرَجه)) من طريقه.
قوله: ((كان رجل في غُنَيمة)) بالتَّصغيرِ، وفي رواية سِماك عن عِكْرمة عن ابن عبّاس عند
أحمد (٢٠٢٣)، والتِّرمِذيّ (٣٠٣٠) وحَسَّنَه، والحاكم (٢٣٥/٢) وصَحَّحَه: مرَّ رجل من
بني سُلَيم بنَفَرِ من الصَّحابة وهو يَسوق غَنَماً له فسَلَّمَ عليهم.
قوله: ((فقَتَلوه)) زاد في رواية سِماك: وقالوا ما سَلَّمَ علينا إلّا لِيَتَعَوَّذِمِنّا.
قوله: ((وأخَذوا غُنَيمَته)) في رواية سِماك: وأَتَوا بغَنَمِه النبيَّ ◌َ لِّ فنزلت، وروى البَزَّار
(٢٢٠٢) من طريق حبيب بن أبي عَمْرة عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبَّاس في سبب نزول
هذه الآية قِصّة أُخرى قال: بَعَثَ رسول الله وَلهَ سَريَّةً فيها المِقِداد، فلمَّا أتَوا القوم وجَدوهم
قد تَفرَّقوا، وبَقيَ رجل له مال كثير فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، فقَتَلَه المقداد، فقال له النبيّ
وَله: ((كيف لك بلا إله إلّا الله غَداً؟)). وأنزَلَ الله هذه الآية، وهذه القِصّة يُمكِن الجمع

٢٠٣
سورة النساء / ح ٤٥٩١
كتاب التفسير
بينها وبين التي قبلها، ويُستَفاد منها تسمية القاتل، وأمَّا المقتول فروى الثَّعلَبيّ من طريق
الكَلْبِيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس، وأخرجه عبد بن حُميدٍ من طريق قَتَادة نحوه،
واللَّفظ للكَلبيِّ: أنَّ اسم المقتول مِرداس بن نَهِيك من أهل فَدَك، وأنَّ اسم القاتل أُسامة
ابن زيد، وأنَّ اسم أمير السَّريّة غالب بن فَضَالة اللَّيثيّ، وأنَّ قوم مِرداس لمَّا انهزموا بَقيَ
هو وحده، وكان ألجَأْ غَنَمَه بجبلٍ، فلمَّا لَحِقوه قال: لا إله إلّا الله محمَّد رسول الله، السَّلام
عليكم، فقَتَلَه أُسامة بن زيد، فلمَّا رجعوا نزلت الآية. وكذا/ أخرج الطَّبَريُّ (٢٢٤/٥) ٢٥٩/٨
من طريق السُّدّيِّ نحوه، وفي آخر رواية قَتَادة: لأنَّ تَحِيَّ المسلمينَ السَّلام، بها يَتَعارَ فونَ.
وأخرج ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٤٠) من طريق ابن لَهِيعة عن أبي الزُّبَير عن جابر قال:
أُنزِلَت هذه الآية ﴿وَلَا نَقُولُواْلِمَنْ أَلْقَ إِلَیْكُمُ السَّلَمَ ﴾ في مرداس. وهذا شاهد حسن.
ووَرَدَ في سبب نزولها عن غير ابن عبّاس شيء آخر، فروى ابن إسحاق في ((المغازي))،
وأخرجه أحمد (٢٣٨٨١) من طريقه عن عبد الله بن أبي حَدرَدٍ الأسلَميِّ قال: بَعَثَنا رسولُ الله
وَلّه فِي نَفَر من المسلمينَ فيهم أبو قَتَادة ومُحُلِّم بن ◌َثّامة، فمرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجَعيُّ
فسَلَّمَ علينا، فحَمَلَ عليه مُحُلِّم فقَتَلَه، فلمَّا قَدِمنا على النبيّ ◌َّهِ وأخبَرناه الخبر نزلَ القرآن، فذكر
هذه الآية. وأخرجها ابن إسحاق من طريق ابن عمر أتمّ سیاقاً من هذا، وزاد: أنَّه كان بین عامر
ومُحُلِّم عَدَاوة في الجاهليّ. وهذه عندي قِصّة أُخرى، ولا مانع أن تَنزِل الآية في الأمرَينِ معاً.
قوله في آخر الحديث: ((قال: قرأ ابن عبّاس: السَّلام)) هو مَقُول عطاء، وهو موصول
بالإسناد المذكور، وقد قَدَّمت أنَّها قراءة الأكثر.
وفي الآية دليل على أنَّ مَن أظهَر شيئاً من علامات الإسلام لم يَحِلّ دمه حتَّى يُخْتَبَر أمره،
لأَنَّ السَّلامِ تَحَيَّة المسلمينَ، وكانت تَحَيَّتهم في الجاهليّة بخلاف ذلك، فكانت هذه علامة.
وأمَّا على قراءة السّلم على اختلاف ضبطه فالمراد به الانقياد وهو علامة الإسلام، لأنَّ
معنى الإسلام في اللَّغة الانقياد، ولا يَلزَم من الذي ذكرته الحُكم بإسلام مَن اقتَصَرَ على
ذلك، وإجراء أحكام المسلمينَ عليه، بل لا بدَّ من التلفُّظ بالشَّهادتَينِ على تفاصيلَ في ذلك
بين أهل الكتاب وغيرهم، والله أعلم.

٢٠٤
سورة النساء / ح ٤٥٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
١٩ - بابٌ
﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: ٩٥]
٤٥٩٢ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حذَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ
شِهابٍ قال: حدَّثني سَهْلُ بنُ سعدٍ الساعدِيُّ: أنَّه رَأى مَرْوانَ بنَ الحَكَم في المسجدِ، فأقبَلْتُ
حَتَّى جَلَسْتُ إلى جَنْبِهِ، فأخبَرَنا أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ أخبره: أنَّ رسولَ الله وَلِّ أملَى عليه: ((لا
يَسْتَوِى القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمنينَ والمُجاهِدونَ في سَبِيلِ الله)) فجاءه ابنُ أمّ مكتومٍ وهو يُمِلُّها
عليَّ، قال: يا رسولَ الله، والله لو أستَطِيعُ الجهادَ لَجَاهَدْتُ - وكان أعمَى - فأَنزَلَ الله على رسوله
وَّةِ، وفَخِذُه على فخِذي، فثَقُلَت عليَّ حتَّى خِفْتُ أن تَرُضَّ فخِذي، ثمَّ سُرِّيَ عنه، فأنزَلَ الله:
﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾.
قوله: ((باب ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((والمجاهدونَ
في سبیل الله)).
٢٦٠/٨
واختَلَفَت القراءة في ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ فقرأ ابن كثير وأبو عَمْرو وعاصم بالرَّفع؛ على
البَدَل من ((القاعِدونَ))، وقرأ الأعمَش بالجرِّ؛ على الصِّفة للمؤمنينَ، وقرأ الباقونَ بالنَّصب
على الاستثناء.
قوله: ((عن صالح)) هو ابن کَیْسانَ.
قوله: ((حدَّثني سَهْل بن سعد)) كذا قال صالح، وتابَعَه عبد الرَّحمن بن إسحاق عن ابن
شِهاب عند الطََّريّ (٢٢٩/٥)، وخالَفَهما مَعمَر فقال: عن ابن شِهاب عن قَبِيصة بن ذُؤَيب
عن زيد بن ثابت. أخرجه أحمد (٢١٦٠١).
قوله: ((أَنَّه رَأى مَزْوان بن الحَكَم)) أي: ابن أبي العاص أمير المدينة، الذي صارَ بعد ذلك
خليفة.
قوله: ((فأقبَلْت حتَّى جَلَسْت إلى جَنْبه. فأخبَرَنا)) قال التِّرمِذيّ (٣٠٣٣): في هذا الحديث
رواية رجل من الصَّحابة، وهو سَهلُ بن سعد عن رجل من التابعينَ، وهو مروان بن الحكم،

٢٠٥
سورة النساء / ح ٤٥٩٢
كتاب التفسير
ولم يَسمَع من رسول الله وَّر فهو من التابعينَ. قلت: لا يَلَزَم من عَدَمِ السَّمَاعِ عَدَم
الصُّحبة، والأَولى ما قال فيه البخاريّ: لم يَرَ النبيَّ بََّ، وقد ذكره ابن عبد البَرّ في
الصَّحابة لأنَّه وُلِدَ في عَهد النبيّ وَّ قبل عام أُحُد، وقيل: عامَ الخندق، وثَبَتَ عن مروان
أنَّه قال لمَّا طلبَ الِخِلَافة، فذَكَروا له ابنَ عمر فقال: ليس ابن عمر بأفقَهَ منِّي، ولكنَّه أسَنّ
مِنِّي، وكانت له صُحْبة. فهذا اعتراف منه بعَدَمِ صُحبَته، وإنَّما لم يَسمَع من النبيّ ◌َِّ، وإن
كان سماعه منه ◌ُمكِناً، لأنَّ النبيّ وَِّ نَفَى أباه إلى الطائف، فلم يَرُدَّه إلّ عثمان لمَّا
استُخلِفَ، وقد تقدَّمت روايته عن النبيّ وَ لِّ في كتاب الشُّروط (٢٧١١ و٢٧١٢) مقرونة
برواية (١) المِسوَرِ بن ◌َخَرَمةَ، ونَبَّهتُ هناكَ أيضاً على أنَّهَا مُرسَلة، والله الموفِّق.
قوله: ((أنَّ النبيّ ◌َّهِ أَمَلَى عليه: لا يَستَوي القاعِدونَ من المؤمنينَ والمجاهدونَ في سَبيلِ الله)) في
روایة قبيصة المذكورة عن زید بن ثابت: کنت أكتُب لرسولِ الله ێ، وفي رواية خارجة بن زيد
ابن ثابت عن أبيه: إنّ لَقَاعِدٌ إلى جَنْب النبيّ ◌ََّ إِذ أوحِيَ إليه، وغَشْيَتَه السَّكينة، فَوَضَعَ فخِذه
على فخِذي، قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئاً قَطُّ أنقَل منها(٢)، وفي حديث البراء بن عازِب
الذي في الباب بعد هذا: لمَّا نزلت قال النبيّ وَّ: ((ادعُ لي فلاناً)) فجاءه ومعه الدَّواة واللَّوح
والكَتِفِ(٣)، وفي الرِّواية الأُخرى عنه في الباب أيضاً: دَعا زيداً فكَتبَها، فيُجمَع بينهما بأنَّ المراد
بقوله: ((لمَّا نزلت)) كادت أن تَنزِل، لتصريح رواية خارجة بأنَّ نزولها كان بحضرةزید.
قوله: ((فجاءه ابن أمّ مكتوم)) في رواية قَبيصة المذكورة: فجاء عبد الله ابن أمّ مكتوم،
وعند التِّرمِذيّ من طريق الثَّوريّ (٣٠٣١) وسليمان الثَّيْميِّ (١٦٧٠) كلاهما عن أبي
إسحاق عن البراء: جاء عَمْرو ابن أمّ مكتوم، وقد نَبَّهَ التِّرمِذيّ على أنَّه يقال له: عبد الله
وعَمْرو، وأنَّ اسم أبيه زائدة، وأنَّ أمّ مكتوم أمّه. قلت: واسمها عاتكة، وقد تقدَّم شيء من
خبره في كتاب الأذان (٦١٧).
(١) قوله: ((برواية)) سقط من (س)، وأثبتناه من الأصلين.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٦٦٤)، وأبو داود (٢٥٠٧) و (٣٩٧٥).
(٣) الرواية: ((أو الكتف))، والمثبت هنا كما في الأصلين و(س).

٢٠٦
سورة النساء / ح ٤٥٩٣ - ٤٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وهو يُمِلُّها)) بضمٍّ أوَّله وكسر الميم وتشديد اللّام هو مِثل يُمليها، يُملي ويُملِل
بمعنّى، ولعلَّ الياء مُنقَلِبة من إحدى اللّمَينِ.
قوله: ((والله لو أستطيع الجهاد مَعَك لَجَاهَدْت)) أي: لو استَطَعت، وعَبَّرَ بالمضارع إشارةً
٢٦١/٨ إلى الاستمرار واستحضاراً لصورة الحال، قال: ((وكان أعمَى))، هذا يُفسِّر ما في حديث
البراء: فشَكا ضَرارَته، وفي الرِّواية الأُخرى عنه: فقال: أنا ضَرير، وفي رواية خارجة: فقامَ
حين سمعَها ابنُ أمّ مكتوم - وكان أعمَى - فقال: يا رسول الله، فكيفَ بمَن لا يستطيع
الجهاد ممَّن هو أعمَى وأشباه ذلك؟ وفي رواية قَبيصة: فقال: إنّي أُحِبّ الجهاد في سبيل الله،
ولکِن بي من الزَّمانة ما تَرَى، ذهب بصري.
قوله: ((أن تَرُضّ فخِذي)) أي: تَدُقّها.
قوله: ((ثُمَّ سُرّيَ)) بضمِّ المهمَلة وتشديد الرّاء، أي: كُشِفَ.
قوله: ((فَأَنْزَلَ الله: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾)) في رواية قَبيصة: ثمَّ قال: ((اكتُب: لا يَستَوي
القاعِدونَ من المؤمنينَ غير ◌ُولي الضَّرَر»، وزاد في رواية خارجة بن زيد: قال زيد بن ثابت:
فوالله لكأنّ أنظُر إلى مُلحَقِها عند صَدعٍ كان في الكتف.
٤٥٩٣ - حدّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ﴾ قال: لمَّا
نزلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رسولُ الله ◌ِِّ زيداً فَكَتبَها، فجاء ابنُ أمِّ مكتومٍ
فشَكا ضَرارَتَه، فأنزَلَ الله: ﴿غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾.
٤٥٩٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: لمَّاً
نزلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبيُّ ◌َ: ((ادْعوا فلاناً)) فجاءه ومعه الدَّواةُ
واللَّوْحُ - أو الكَتِفُ - فقال: ((اكْتُب: لا يَستَوي القاعِدونَ من المؤمِنِينَ والمجَاهِدُون في سَبيلِ الله))
وخَلْفَ النبيِّ وََّ ابنُ أمِّ مكتومٍ، فقال: يا رسولَ الله أنا ضَرِيرٌ! فنزلت مكانها: ﴿لَّا يَسْتَوِى
اُلْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قوله في الحديثِ الثّاني: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبيعيّ.

٢٠٧
سورة النساء / ح ٤٥٩٣-٤٥٩٤
كتاب التفسير
قوله: ((عن البراء)) في رواية محمَّد بن جعفر عن شُعْبة عن أبي إسحاق: أنَّه سمعَ البراء،
أخرجه أحمد (١٨٤٨٥) عنه، ووَقَعَ في رواية الطبرانيّ (٢٢٧/٥ -٢٢٨) من طريق أبي سِنان
الشَّيبانيِّ عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقَم، وأبو سِنان اسمه: ضِرار بن مُرّة، وهو ثقة، إلّا
أنَّ المحفوظ: عن أبي إسحاق عن البراء، كذا اتَّفَقَ الشَّيخان عليه من طريق شُعْبة ومن
طريق إسرائيل، وأخرجه التِّرمِذيُّ (٣٠٣١) وأحمد (١٨٥٥٦) من رواية سفيان الثَّوريّ،
والتِّرمِذيُّ أيضاً (١٦٧٠) والنَّسائيُّ (٣١٠١) وابن حِبّان (٤١) من رواية سليمان التَّيْميِّ،
وأحمد أيضاً (١٨٦٧٩) من رواية زُهَير، والنَّسائيُّ أيضاً (٣١٠٢) من رواية أبي بكر بن
عيّاش، وأبو عوانةَ (٧٤٢٥ و٧٤٢٦) من طريق زَكَريّا بن أبي زائدة ومِسْعَر، ثمانيتهم عن
أبي إسحاق.
قوله: ((ادْعوا فلاناً) كذا أبهَمَه إسرائيل في روايته، وسَمّاه غيره كما تقدَّم.
قوله: ((وخَلْفَ النبيِّ وََّ ابنُ أمّ مكتوم)) كذا في رواية إسرائيل، وفي رواية شُعْبة التي
قبلها: دَعا زيداً فكَتبَها فجاء ابن أمّ مكتوم، فيُجمَع بأنَّ معنى قوله: ((جاء)) أنَّه قامَ من
مقامه خَلْفَ النبيّ ◌َّ حتَّى جاء مُواجِهَه فخاطَبَه.
قوله: ((فنزلت مكانها)) قال ابن التِّين: يقال: إنَّ جِبْرِيل هَبَطَ ورَجَعَ قبل أن يَجِفّ القَلَم.
قوله: ((﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ ﴾)) قال ابن
المنيِّر: لم يَقتَصِر الراوي في الحال الثّاني على ذِكْر الكلمة الزّائدة وهي ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾،
فإن كان الوحي نزلَ بزيادةِ قولِه: ﴿غَيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ فَقَط فكأنَّه رأى إعادة الآية من أوَّلها
حتَّى يَتَّصِل الاستثناء بالمستَثَنَى منه، وإن كان الوحي نزلَ بإعادة الآية بالزّيادة بعد أن نزلَ
بدونها، فقد حكى الراوي صورة الحال. قلت: الأوَّل أظهَر، فإنَّ في رواية سهل بن سعد:
فأنزلَ الله ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾، وأوضَح من ذلك رواية خارجة بن زيد عن أبيه ففيها: ثمَّ
سُرِّيَ عنه فقال: ((اقرأ)) فقرأت عليه: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقالَ النبيّ ◌َّ:
(﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾))، وفي حديث الفَلَتان - بفتح الفاء واللّام وبمُثنّاةٍ فَوقائيّة - ابن عاصم

٢٠٨
سورة النساء / ح ٤٥٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
في هذه القِصّة: قال: فقال الأعمَى: ما ذَنبنا؟ فأنزَلَ الله، فقلنا له: إنَّه يوحَى إليه، فخافَ أن
يَنزِل في أمره شيء، فجَعَلَ يقول: أتوب إلى الله، فقال النبيّ وَّرِ للكاتب: «اكتُب ﴿غَيْرُ أُوْلِ
الضَّرَرِ﴾)) أخرجه البزَّار (٢٢٠٣) والطبرانيُّ (٣٣٤/١٨) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٧١٢)،
ووَقَعَ في غير هذا الحديث ما يُؤْيِّد الثّاني، وهو في حديث البراء بن عازِب: فَأُنزِلَت هذه
الآية: حافظوا على الصَّلَوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاءَ الله، ثمَّ نزلت ﴿حَفِظُواْ عَلَى
الصَلَوَتِ وَالصَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾(١).
الحديث الثالث:
٤٥٩٥ - حذَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرهم (ح) وحدَّثني
إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا ابنُ جُرَيج: أخبرني عبدُ الكَرِيمِ، أنَّ مِقْسَماً مولى عبدِ الله
ابنِ الحارثِ أخبَرَه: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبَرَه ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
عن بَذْرٍ والخارجونَ إِلى بَدْرٍ.
قوله: ((وحدَّثني إسحاق)) جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) وأبو مسعود في ((الأطراف)) بأنَّه
إسحاق بن منصور، وكنت أظنّ أنَّه ابن راهويه لقوله: أخبرنا عبد الرَّزاق، ثمَّ رأيت في أصل
النَّسَفيِّ: حدَّثني إسحاق، حدَّثنا عبد الرَّزّاق، فعَرَفَت أنَّه ابن منصور، لأنَّ ابن راهويه لا
يقول في شيء من حديثه: ((حدّثنا)).
قوله: ((أخبَرَني عبد الكريم)) تقدَّم في غزوة بدر (٣٩٥٤) أنَّه الجَزَّريّ.
قوله: ((أنَّ مِقْسَماً مولى عبد الله بن الحارث أخبَرَه)) أمَّا مِقسم فتقدَّم/ ذِكْره في غزوة بدر، ٢٦٢/٨
وأمَّا عبد الله بن الحارث فهو ابن نَوفَل بن الحارث بن عبد المطَّلِب، لأبيه ولجدِّه صُحْبة،
وله هو رُؤية، وكان يُلقَّب: ((بَّة)) بموخَّدتَينِ مفتوحَتَينِ الثّانية ثقيلة.
قوله: ((﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بَدْر والخارجونَ إِلى بَدْر)) كذا أورَدَه مختصراً،
وظَنَّ ابن التِّين أنَّه مُغاير لحديثَي سَهل والبراء، فقال: القرآن يَنزِل في الشَّيء ويَشتَمِل على
(١) أخرجه مسلم (٦٣٠).

٢٠٩
سورة النساء / ح ٤٥٩٥
كتاب التفسير
ما في معناه، وقد أخرجه التِّرمِذيّ (٣٠٣٢) من طريق حَجّاج بن محمَّد عن ابن جُرَيج بهذا
مثله، وزاد: «لمَّا نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جَحْش وابن أمّ مكتوم: إنا أعميان
يا رسول الله، هل لنا رُخصة؟ فنزلت ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ
وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ
دَرَجَةً﴾ فهؤلاءِ القاعِدونَ غير أولي الضَّرَر ﴿وَفَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا لَا
90
دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ -٩٦] على القاعِدينَ من المؤمنينَ غير أولي الضَّرَر)) هكذا أورَدَه
سياقاً واحداً، ومن قوله: ((درجة ... )) إلى آخره، مُدَرَج في الخبر من كلام ابن جُرَيج، بيَّنَه
الطََّرِيُّ (٢٢٩/٥)، فأخرج من طريق حَجّاج نحو ما أخرجه التِّرمِذيّ إلى قوله: ((درجة))،
ووَقَعَ عنده: ((فقال عبد الله ابن أمّ مكتوم وأبو أحمد بن جَحْش)) وهو الصَّواب في ابن
جَحْش فإنَّ عبد الله أخوه، وأمَّا هو فاسمه عبد بغير إضافة وهو مشهور بكُنْتِه. ثمَّ أخرجه
بالسَّنَدِ المذكور عن ابن جُرَيج قال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى اُلْقَعِدِينَ أَجْرًاً عَظِيمًا ٥ دَرَجَاتٍ
مِنْهُ﴾ قال: على القاعِدينَ من المؤمنينَ غيرِ أُولي الضَّرَر. وحاصل تفسير ابن جُرَيج أنَّ
المفضَّل عليه غير أولي الضَّرَر، وأمَّا أولو الضَّرَر فمُلحَقونَ في الفضل بأهلِ الجهاد إذا
صَدَقَت نيّاتهم، كما تقدَّم في المغازي (٤٤٢٣) من حديث أنس: ((إنَّ بالمدينة لَأقواماً ما
سِرتُم من مَسيرٍ ولا قَطَعتُم من وادٍ إلّا وهم معكم حَبَسهم العُذر)).
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾
أي: من أولي الضَّرَر وغيرهم، وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًّاً عَظِيمًا
دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾ أي: على القاعِدينَ من غير أولي الضَّرَر، ولا يُنافي ذلك الحديث المذكور عن
أنس، ولا ما دَلَّت عليه الآية من استواء أولي الضَّرَر معَ المجاهدينَ، لأنَّهَا استَئنَت أولي
الضَّرَر من عَدَم الاستواء، فأفهَمَت إدخالهم في الاستواء، إذ لا واسطة بين الاستواء
وعَدمه، لأنَّ المراد منه استواؤهم في أصل الثَّواب لا في المضاعَفة لأنَّها تتعلَّق بالفِعلِ،
ويحتمل أن يَلْتَحِقِ بالجهاد في ذلك سائرُ الأعمال الصالحة.
وفي أحاديث الباب من الفوائد أيضاً: التّخاذ الكاتب، وتقريبه، وتقييد العلم بالكتابة.

٢١٠
سورة النساء / ح ٤٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
٢٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ
قَالُواْ فِيمَ كُمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧]
٤٥٩٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقرِئُ، حدَّثنا حَيْوةُ وغيرُه، قالا: حدَّثْنا محمَّدُ بنُ
عبدِ الرَّحمنِ أبو الأسوَدِ قال: قُطِعَ على أهلِ المدينةِ بَعْثٌ فاكْتُبِتُ فيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرمةَ مولى ابنِ
عَبَّاسٍ، فأخبَرْتُه فتَهاني عن ذلك أشَدَّ النَّهْي، ثمَّ قال: أخبَرني ابنُ عبَّاسِ أنَّ ناساً منَ المسلمينَ
كانوا معَ المشركينَ يُكَثِّرُونَ سوادَ المشركينَ على عَهْدِ رسولِ الله ◌ِِّ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمَی به فُصِيبُ
أحدَهم فيَقْتُلُه، أو يُضْرَبُ فِيُقْتَلُ، فأنزلَ الله: ﴿ إِنَّالَّذِينَ تَوَقَُّهُمُ الْمَئِكَةُّ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ.
رواه اللَّيثُ، عن أبي الأسوَدِ.
[طرفه في: ٧٠٨٥]
قوله: ((﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرِّ،
٢٦٣/٨
وساقَ غيره إلى: ((فتُهاجِروا فيها)) وليس عند الجميع لفظ ((باب)).
قوله: ((حدّثنا حَيْوة)) بفتح المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة وفتح الواو: وهو ابن شُرَيحِ المِصريّ،
یُكنى أبا زُرْعة.
قوله: ((وغيره)) هو ابن لَهِيعة، أخرجه الطبراني (١١٥٠٥)، وقد أخرجه إسحاق بن
راهويه عن المقرِئ عن حَيْوةَ وحده، وكذا أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٠٥٤) عن زَكَريّا بن يحيى
عن إسحاق، والإسماعيليّ من طريق يوسف بن موسى عن المقرئ كذلك.
قوله: ((قالا: حدَّثنا محمّد بن عبد الرَّحمن)) هو أبو الأسوَد الأسَديُّ يَتيم عُرْوة بن الزُّبَير.
قوله: ((قُطِعَ)) بضمِّ أوَّله.
قوله: ((بَعْثٌ)) أي: جيشٌ، والمعنى: أنَّهم أُلزِموا بإخراج جيش لقتال أهل الشّام، وكان
ذلك في خِلَافة عبد الله بن الزُّبَير على مكَّة.
قوله: ((فاكُتِيْتُ)) بضمِّ المثّة الأولى وكسر الثّانية بعدها موحّدة ساكنة على البناء للمجهولِ.
قوله: ((أنَّ ناساً من المسلمينَ كانوا معَ المشركينَ يُكَثِّرُونَ سواد المشركينَ» سُمَّ منهم في

٢١١
سورة النساء / ح ٤٥٩٦
كتاب التفسير
رواية أشعَث بن سَوّار عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: قيسُ بن الوليد بن المغيرة، وأبو قَيْس
ابن الفاكِهِ بن المغيرة، والوليدُ بن عُتبةَ بن ربيعة، وعَمْرو بن أُميَّة بن سفيان، وعليُّ بن أُميَّة
ابن خَلَف، وذُكِر في شأنهم أنَّهم خَرَجوا إلى بدر، فلمَّا رأوا قِلّة المسلمينَ دَخَلَهم شَكّ
وقالوا: غَرَّ هؤلاءِ دينُهم فقُتِلوا ببَدرٍ. أخرجه ابن مَرْدويه، ولابنِ أبي حاتم (١٠٤٦/٣)
من طريق ابن جُرَيج عن عِكْرمة نحوه، وذَكَر فيهم: الحارثَ بن زَمعةَ بن الأسوَد والعاصَ
ابن مُنبِّه بن الحجّاج، وكذا ذكرهما ابنُ إسحاق.
قوله: ((يُرْمَی به)) بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول.
قوله: «﴿فَأَنَزَلَ اللهُ ﴾)» هكذا جاء في سبب نزولها، وفي رواية عمرو بن دينار عن عكرمة
عن ابن عبّاس عند ابن المنذر والطَّبَرَيِّ (٢٣٣/٥-٢٣٤): كان قوم من أهل مكَّة قد
أسلموا، وكانوا يُحِفونَ الإسلام، فأخرجهم المشرِكونَ معهم يوم بدر، فأُصيبَ بعضهم،
فقال المسلمونَ: هؤلاءِ كانوا مسلمينَ فأُكرهوا فاستَغفِروا لهم، فنزلت، فكَتَبوا بها إلى مَن
بَقيَ بمكَّة منهم وأنَّهم لا عُذر لهم، فخَرَجوا فلَحِقَهم المشرِكونَ ففَتَنوهم فرجعوا، فنزلت:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِ اُللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ [العنكبوت:
١٠] فكَتَبَ إليهم المسلمونَ بذلك فتَحَّنوا، فنزلت: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ
مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ الآية [النحل: ١١٠]، فكَتَبوا إليهم بذلك، فخَرَجوا فلَحِقوهم، فَنَجا مَن
نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ.
قوله: ((رواه اللَّيث عن أبي الأسوَد)) وَصَلَه الإسماعيليّ والطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٨٦٣٨) من
طريق أبي صالح كاتب اللَّيث عن اللَّيث عن أبي الأسوَد عن عِكْرمة، فذكره بدونِ قِصّة أبي
الأسوَد، قال الطبرانيُّ: لم يَروِهِ عن أبي الأسوَد إلّا اللَّيث وابن لَهِيعة. قلت: ورواية البخاريّ
من طريق حَيْوةَ تَرُدّ عليه، ورواية ابن لَهِيعة أخرجها ابن أبي حاتم أيضاً (١٠٤٥/٣)(١).
وفي هذه القِصّة دلالة على براءة ◌ِكْرمة ممّا يُنسَب إليه من رأي الخوارج؛ لأنَّه بالَغَ في
(١) وأخرجها أيضاً الطبراني نفسه في ((الأوسط)) (٣٥٨).

٢١٢
سورة النساء / ح ٤٥٩٧ - ٤٥٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
النَّهي عن قتال المسلمينَ وتكثير سواد مَن يقاتلهم، وغَرَض ◌ِكرمة أنَّ الله ذَمّ مَن كَثَّرَ
سواد المشرِكينَ معَ أنَّهم كانوا لا يريدونَ بقلوبهم موافَقَتهم، قال: فكذلك أنتَ لا تُكَثِّر
سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافَقَتهم، لأنَّهم لا يقاتلون في سبيل الله.
وقوله: ((﴿فِيمَ كُمْ ﴾)) سؤال تَوبيخ وتقريع، واستَنْبَطَ سعيد بن جُبَير من هذه الآية
وجوبَ الهجرة من الأرض التي يُعمَل فيها بالمعصية.
٢١ - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِجَالِ وَالنِّسَاءِ وَاُلْوِلْدَنِ
لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ٩٨]
٤٥٩٧- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: قال: كانت أمّي مَمَّنْ عَذَرَ الله.
قوله: ((﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ﴾ الآية)) فيه مَعِذِرة مَن اتَّصَفَ بالاستضعاف
٢٦٤/٨
من المذكورينَ، وقد ذُكروا في الآية الأُخرى في سياق الحثّ على القتال عنهم، وتقدَّم
حديث ابن عبّاس المذكور والكلام عليه قبل ستّة أبواب (٤٥٨٨).
٢٢ - باب قوله:
﴿فَأُوْلَكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ الآية [النساء: ٩٩]
٤٥٩٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال:
بَينا النبيُّ ◌َّهِ يُصَلّى العِشاءَ إذ قال: ((سمعَ الله لمن حَمِدَه)) ثمَّ قال قبلَ أن يَسْجُدَ: ((اللهمَّ نَجِّ
عَّاشَ بنَ أبي رَبِيعَةَ، اللهمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بنَ هشامٍ، اللهمَّ نَجِّ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ نَجِّ
المستَضْعَفِينَ منَ المؤمنينَ، اللهمَّ اشدُد وطأتكَ على مُضَرَ، اللهمَّ اجْعَلْها سنينَ كَسِني يوسفَ».
قوله: ((باب قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اَللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره:
((فَعَسَى الله أن يَعفوَ عنهم وكان الله عَفوّاً غَفوراً))، كذا وَقَعَ عند أبي نُعَيم في ((المستَخرَج))
وهو خطأ من النُّسّاخِ، بدليلٍ وقوعه على الصَّواب في رواية أبي ذرٍّ: ﴿فَأُوْلَِّكَ عَسَى اللَّهُ﴾

٢١٣
سورة النساء / ح ٤٥٩٩
كتاب التفسير
وهي التِّلاوة، ووَقَعَ في ((تنقيح الزَّركَشِيِّ)) هنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] قال:
وهو خطأ أيضاً. قلت: لكن لم أقِفْ عليه في رواية.
ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة في الدُّعاء للمستَضعَفينَ، وقد تقدَّم الكلام عليه في أوَّل
الاستسقاء (١٠٠٦).
٢٣- بابٌ
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذٌَّ مِّن مَّطَرٍ ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]
٤٥٩٩- حدَّثنا محمّدُ بنُ مُقاتلٍ أبو الحسنِ، أخبرنا حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني
يَعْلَى، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذٌَّ مِّن مَّطَرٍ أَوْ
كُنْتُم مَّرْضَى﴾ قال: عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ، وكان جَرِيحاً.
قوله: ((بابٌ ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وله
عن المُستَمْلي: باب قوله: ﴿ وَلَا جُنَاحَ ... ﴾ إلى آخره، وسَقَطَ لغيره ((باب))، وزادوا:
﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَّ أَنْ تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ .
قوله: ((حَجّاج)) هو ابن محمَّد، و((يَعْلى)): هو ابن مسلم.
قوله: ((﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْكُنتُم مَّرْضَى﴾، قال: عبد الرحمن بن عَوْف وكان
جَرِيجاً)) في رواية: ((كان)) بغير واو، كذا وَقَعَ عنده مختصراً، ومَقُول ابن عبّاس ما ذُكِرَ عن
عبد الرّحمن.
وقوله: ((كان جَريحاً)) أي: فنزلت الآية فيه، وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل هذا، ويحتمل أنَّ
التَّقدير: قال ابن عبّاس: وعبد الرّحمن بن عَوْف يقول: مَن كان جريحاً فحُكمُه كذلك،
فكان عَطف الجريح على المريض إلحاقاً به على سبيل القياس، أو لأنَّ الجُرح نوع من
المرض فيكون كلّه مَقُول عبد الرَّحمن، وهو مَرويّ عن ابن عبّاس. قلت: وسياق ما
أورَدَه غير البخاريّ يَدفَع هذا الاحتمال، فقد وَقَعَ عند أبي نُعَيم في (المستَخرَج)) من
طريق إبراهيم ابن سعيد الجَوْهريّ عن حَجّاج بن محمَّد قال: كان عبد الرَّحمن بن عَوْف

٢١٤
سورة النساء / ح ٤٦٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
جَريحاً، وهو ظاهر في أنَّ فاعل ((قال)) هو ابن عبّاس، وأنَّه لا رواية لابنٍ عبَّاس في هذا
عن عبد الرَّحمن.
قوله في الآية الكَرِيمة: ﴿أَنْ تَضَعُوْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ رَخَّصَ لهم في وضع السِّلاحِ لِثِقَلِها
٢٦٥/٨ عليهم، / بسبب ما ذكره من المطر أو المرض، ثمَّ أمَرَهم بأخذِ الحَذَر خَشْية أن يَغفُلوا فيَهجُمَ
العدوُّ عليهم.
٢٤- بابٌ
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ
فِى الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]
٤٦٠٠- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن
أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اَللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَ﴾ إلى
قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشةُ: هو الرجلُ تكونُ عندَه اليَتِيمةُ، هو ولِيُّها
ووارثُها، فأشرَكَتْه في ماله حتَّى في العَذْقِ، فَيَرْغَبُ أن يَنْكِحَها، ويَكْرَه أن يُزِّجَها رجلاً،
فِيَشْرَكُه في ماله بما شَرِكَتْهِ، فَيَعْضُلُها، فنزلت هذه الآية.
قوله: ((باب ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ فِى
اُلْكِتَبِ فِ يَتَمَى الْنِسَآءِ﴾)» كذا لأبي ذرٍّ، وله عن غير المُستَمْلي: ((باب يَستَقْتونَك)) وسَقَطَ
لغيره: ((باب)).
وقوله: ((يَستَقْتونَك)) أي: يَطلُبُونَ الفُتَيا أو الفَتَوَى، وهما بمعنَّى واحد، أي: جواب السُّؤال
عن الحادثة التي تُشكِل على السائل، وهي مُشتَقّة من الفَتَاء، ومنه: الفَتِيُّ، وهو الشّابُّ القويّ.
ثم ذكر حديث عائشة في قِصّة الرجل يكون عنده اليتيمة فتُشرِكه في ماله، وقد تقدَّم الكلام
عليه في أوائل هذه السّورة مُستَوفَّى (٤٥٧٤)، وروى ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٧٧ -١٠٧٨) من
طريق السُّدّيِّ قال: كان لجابرِ بنت عَمّ دَميمة، ولهَا مال ورِثَتَه عن أبيها، وكان جابر يَرغَب عن
نِكاحها ولا يُنكِحُها خَشْية أن يذهب الَّوج بمالها، فسألَ النبيّ ◌َّ عن ذلك فنزلت.

٢١٥
سورة النساء / ح ٤٦٠١
كتاب التفسير
٢٥ - ﴿وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]
وقال ابنُ عبّاسٍ: شِقاقٌ: تَفَاسُدٌ ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [١٢٨] قال: هَوَاهُ في الشّيءِ
تحرصُ علیه.
﴿كَلْمُعَلَّقَةٍ ﴾ [١٢٩]: لا هي أيِّمٌ، ولا ذاتُ زَوْجٍ.
﴿نُشُوزًا﴾: بُغْضاً.
٤٦٠١ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ
رضي الله عنها: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: الرجلُ تكونُ عندَه
المرأةُ ليس بمُستكثِرٍ منها يُرِيدُ أن يُفارقَها، فتقولُ: أجْعَلُكَ من شأني في حِلٍّ، فنزلت في ذلك.
قوله: ((﴿وَ إِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا فُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾)) كذا للجميع بغير ((باب)).
قوله: ((وقال ابن عبّاس: شِقاقٌ: تَقاسُد)» وصَلَه ابن أبي حاتم (٤٩٥/٣) من طريق عليّ
ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وقال غيره: الشِّقاق: العَدَاوة، لأنَّ كلَّ من المتعادِيَينِ في شِقٌّ
خِلَافَ شِقٌّ صاحبه.
قوله: ((وأُحْضِرَت الأنفُسُ الشُّحَّ، قال: هَواه في الشَّيء يَخْرِص عليه)» وصَلَه ابن أبي حاتم
(١٠٨٢/٤) أيضاً بهذا الإسناد عن ابن عبّاس.
قوله: ((كالمعلّقةِ: لا هي أيِّمٌ ولا ذاتُ زَوْج)) وصَلَه ابن أبي حاتم بإسنادٍ صحيح من طريق
يزيد النَّحويّ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: قال: لا هي
أيِّم ولا ذات زوج. انتهى، والأيِّم بفتح الهمزة وتشديد النَّحتانيَّة: هي التي لا زوج لها.
قوله: ((نُشُوزاً: بُغْضاً)) وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس
في قوله: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ قال: يعني البُغض،/ وقال الفَرّاء: النُّشوز ٢٦٦/٨
يكون من قِبَل المرأة والرجل، وهو هنا من قِبَل الرجل.
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك.

٢١٦
سورة النساء / ح ٤٦٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قالت: الرّجلُ تكونُ عندَه المرأةُ ليسَ بمُسْتَكْثِرٍ مِنْها)) أي: في المحبّة والمعاشَرة
والملازَمة.
قوله: ((فتقول: أجْعَلُكَ مِن شأني في حِلٍّ)) أي: وتَترُكني من غير طَلاق.
قوله: ((فنزلَتْ في ذلك)) زاد أبو ذرِّ عن غيرِ المُستَمْلِي: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا
نُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية، وعن عليّ: نزلت في المرأة تكون عند الرجل تَكرَه مُفارَقَته،
فيَصطَلِحان على أن يَجيئها كلّ ثلاثة أيام أو أربعة، وروى الحاكم من طريق ابن المسيّب عن
رافع بن خَديج: ((أنَّه كانت تحته امرأة، فتزوَّجَ عليها شابّة، فآثَرَ البكر عليها، فنازَعَتَه فِطَلَّقَها،
ثمّ قال لها: إن شِئت راجَعتُك وصَبَرَتِ، فقالت: راجِعني، فراجَعَها، ثمَّ لم تَصبر فطَلَّقَها)) قال:
فذلك الصُّلح الذي بَلَغَنا أنَّ الله أنزَلَ فيه هذه الآية. وروى التِّرمِذيّ (٣٠٤٠) من طريق سِماك
عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: خَشِيَت سودة أن يُطَلِّقها رسول الله وَ لَّ، فقالت: يا رسول الله
لا تُطَلِّقني، واجعَل يومي لعائشة، ففَعَلَ، ونزلت هذه الآية، وقال: حسن غريب. قلت: وله
شاهد في ((الصحيحينِ)) من حديث عائشة بدونِ ذِكْر نزول هذه الآية(١).
٢٦ - بابٌ
﴿﴿ إِنَّ الْمُتَفِقِينَ فِىِ الدَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]
وقال ابنُ عبّاسٍ: أسفَلَ النارِ.
﴿َنَفَقًا﴾ [الأنعام: ٣٥]: سَرَباً.
٤٦٠٢ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حذَّثني إبراهيمُ، عن
الأسوَدِ قال: كنّا في حَلْقةِ عبدِ الله، فجاء حُذَيفةُ حتَّى قامَ علينا فسَلَّمَ، ثمَّ قال: لقد أُنزِلَ النَّاقُ
على قومٍ خيرٍ منكم، قال الأسوَدُ: سُبْحانَ الله، إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ اُلْتُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ
مِنَ النَّارِ﴾، فتبَسَّمَ عبدُ الله، وجَلَسَ خُذَيفةُ في ناحيةِ المسجدِ، فقامَ عبدُ الله فتَفرَّقَ أصحابُه،
فَرَمَاني بالحَصَا فأتيتُه، فقال حُذَيفةُ: عَجِبتُ من ضَحِكِهِ وقد عَرَفَ ما قلتُ، لقد أُنزِلَ النَّفَاقُ
على قومٍ كانوا خيراً منكم، ثمَّ تابوا فتاب الله عليهم.
(١) سلف برقم (٢٥٩٣)، وهو عند مسلم (١٤٦٣).

٢١٧
سورة النساء / ح ٤٦٠٢
كتاب التفسير
قوله: ((باب ﴿إِنَّ الَُْفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لغيره
((باب)).
قوله: ((قال ابن عبّاس: أسفَلَ النار)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (١٠٩٨/٤) من طريق عليّ بن
أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: الدَّرْك الأسفَل: أسفَل النار. قال العلماء: عذاب المنافق أشدّ
من عذاب الكافر؛ لاستهزائه بالدِّينِ.
قوله: (﴿نَفَقًا﴾: سَرَباً) وَصَلَه ابن أبي حاتم (١٢٨٤/٤) من طريق ابن جُرَيج عن
عطاء عن ابن عبّاس به، وهذه الكلمة ليست من سورة النِّساء، وإنَّما هي من سورة
الأنعام، ولعلَّ مُناسَبة ذِكْرها هنا للإشارة إلى اشتقاق النِّفاق، لأنَّ النّفاق إظهار غير ما
يُبطِن، كذا وجَّهَه الكِرْمانيّ، وليس ببعيدٍ مَّا قالوه في اشتِقاق النِّفاق أنَّه من النافِقَاءِ: وهو
جُحْرِ اليَرَبُوع، وقيل: هو من النَّفَق: وهو السَّرَب، حكاه في ((النِّهاية)).
قوله: ((إبراهيم)) هو النَّخَعَيّ، والأسوَد خاله: وهو ابن يزيد النَّخَعيّ.
قوله: ((كنَّا في حَلْقة عبد الله)) يعني: ابن مسعود.
قوله: ((فجاء حُذَيفة)) هو ابن اليَمَان.
قوله: ((لقد أُنزِلَ النَّاقُ على قومٍ خَيرٍ منكُم)) أي: ابتُلوا به؛ لأنَّهم كانوا من طبقة الصَّحابة
فهم خير من طبقة التابعينَ، لكنَّ الله ابتلاهم فارتَدّوا ونافَقوا فذهبَت الخيريَّة منهم، ومنهم
مَن تابَ فعادت له الخيريَّة، فكأنَّ حُذَيفة حَذَّرَ الذينَ خاطَبَهم وأشارَ لهم أن لا يَغتَرّوا،
فإنَّ القلوب تَتَقَلَّب، فحَذَّرَهم من / الخروج من الإيمان لأنَّ الأعمال بالخاتمة، وبيَّن لهم أنَّهم ٢٦٧/٨
وإن كانوا في غاية الوُثوق بإيمانهم فلا ينبغي لهم أن يأمَنوا مَكْرَ الله، فإنَّ الطَّقة الذينَ من
قبلهم وهم الصَّحابة كانوا خيراً منهم، ومع ذلك وُجِدَ بينهم مَن ارتَدَّ ونافَقَ، فالطَّقة التي
هي من بعدهم أمگنُ من الوقوع في مثل ذلك.
وقوله: ((فتَبَسَّمَ عبدُ الله)) كأنَّه تَبَسَّمَ تَعَجُّباً من صِدق مقالته.
قوله: (فرماني» أي: حُذَیفة رَمَی الأسوَد یستدعیه إلیه.

٢١٨
سورة النساء / ح ٤٦٠٣- ٤٦٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عَجِبتُ من ضَحِكِه)) أي: من اقتصارِه على ذلك ((وقد عَرَفَ ما قلتُ)) أي: فَهِمَ
مُرادي وعَرَفَ أنَّه الحقّ.
قوله: ((ثُمَّ تابوا فتابَ الله عليهم)) أي: رجعوا عن النَّفاق.
ويُستَفاد من حديث حُذَيفة أنَّ الكفر والإيمان والإخلاص والنِّفاق كلَّ بخَلقِ الله تعالى
وتقديره وإرادته.
ويُستفاد من قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ
لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] صِحّة تَوبة الزنديق وقَبُولها على ما عليه
الجمهور، فإنَّهَا مُستَثناة من المنافقينَ من قوله: ﴿إِنَّ الْمَُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾،
وقد استَدَلَّ بذلك جماعة، منهم أبو بكر الرّازيُّ في ((أحكام القرآن)) والله أعلم.
٢٧ - باب قولِهِ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾
إلى قوله: ﴿وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَ﴾ [النساء: ١٦٣]
٤٦٠٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني الأعمَشُ، عن أبي وائلٍ،
عن عبدِ الله، عن النبيِّ ◌َّمِ قال: ((ما يَنبَغي لأحدٍ أن يقولَ: أنا خيرٌ من يونُسَ بنِ مَتَّى)).
٤٦٠٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ ◌ِنانٍ، حدَّثنا فُلَيِحٌ، حدَّثنا هلالٌّ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي
هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ وَّم قال: ((مَن قال: أنا خيرٌ من يونُسَ بنِ مَتَّى، فقد كَذَبَ)).
قوله: («باب قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوجِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُونُسَ وَهَرُونَ
وَسُلَيْمَنَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وزاد في رواية أبي الوَقْت: ﴿إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾، والباقي
سواء، لكن سَقَطَ لغير أبي ذرٍّ: ((باب)).
قوله: ((ما يَنْبَغي لأحدٍ)) في رواية المُستَمْلِي والحَمُّوِيِّ: ((لعبدٍ)).
قوله: ((أن يقول: أنا خيرٌ من يونس)) يحتمل أنَّ يكون المراد أنَّ العبد القائل هو الذي لا
ينبغي له أن يقول ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((أنا)) رسول الله وَ له، وقاله تَواضُعاً،
ودَلَّ حديث أبي هريرة ثاني حديثَي الباب على أنَّ الاحتمال الأوَّل أولَى.

٢١٩
سورة النساء / ح ٤٦٠٥
كتاب التفسير
قوله: ((فقد كَذَبَ)) أي: إذا قال ذلك بغير توقيف، وقد تقدَّم شرح هذا الحديث في
أحاديث الأنبياء (٣٤١٢-٣٤١٦) بما أغنى عن إعادته هنا، والله المستعان.
٢٨- بابٌ
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ إِنِ آَمُواْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ وَلَهُ:
أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لََّا وَلَّدٌ ﴾ [النساء: ١٧٩]
والكَلَالةُ: مَن لم يَرِثْه أبٌّ ولا ابنٌّ، وهو مَصْدَرٌ مِن: تَكلَّلَه النَّسَبُ.
٤٦٠٥ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، سمعتُ البراءَ ﴾ قال:
آخِرُ سورةٍ نزلت («بَرَاءةٌ»، وآخِرُ آيةٍ نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ﴾.
قوله: ((باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ اُلْكَلَلَةِ﴾)) ساقوا الآية إلى قوله: ﴿إِن لَمْ
يَكُنْ لَّمَا وَلَدٌ﴾ وَسَقَطَ ((باب)) لغير أبي ذرِّ. والمراد بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: عن مَواريث
الكلالة، وحُذِفَ لِدلالة السّياق عليه في قوله: ﴿قُلِ اُللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾.
٢٦٨/٨
قوله: ((والكلالة: مَن لم يَرِثه أبٌ ولا ابن)) هو قول أبي بكر الصِّدّيق، أخرجه ابن أبي شَيْبة
(٣٢٢٥٥) عنه، وُهورِ العلماء من الصَّحابة والتابعينَ ومَن بعدهم، وروى عبد الرَّزّاق(١)
عن مَعمَر عن أبي إسحاق عن عَمْرو بن شُرَحبيل قال: ما رأيتهم إلّا تَواطَؤوا على ذلك،
وهذا إسناد صحيح، وعَمْرو بن شُرَحبيل: هو أبو مَيسَرة، وهو من كبار التابعينَ، مشهور
بگنیته أكثر من اسمه.
قوله: ((وهو مَصْدَر مِن: تَكلَّلَه النَّسَبُ)) هو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿وَإِن
كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَكَةَّ﴾ قال: هو مصدر من: تكلَّله النسبُ(٢)، أي: تَعَطَّفَ النَّسَب
عليه، وزاد غيره: كأنَّه أخَذَ طَرَفَيه من جهة الولد والوالد وليس له منهما أحد، وهو قول
البصريّينَ، قالوا: هو مأخوذ من الإكليل، كأنَّ الوَرَثة أحاطوا به وليس له أبٌ ولا ابن،
(١) في ((التفسير)) ١/ ١٧٧.
(٢) من قوله: ((هو قول أبي عبيدة قال)) إلى هنا سقط من (أ) و(س).

٢٢٠
سورة النساء / ح ٤٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: هو مِن كَلَّ يَكِلّ، يقال: كَلَّت الرَّحِمُ: إذا تَبَاعَدَت وطالَ انِتِسابها. وقيل: الكلالة
مَن ◌ِوَى الولد، وزاد الدّاووديُّ: ووَلَد الولد، وقيل: مَن سِوَى الوالد، وقيل: هم
الإخوة، وقيل: من الأُمّ، وقال الأزهَريّ: سُمّيَ الميّت الذي لا والد له ولا ولد: كلالة،
وسُمّيَ الوارث: كلالة، وسُمّيَ الإرث: كلالة. وعن عطاء: الكلالة: هي المال، وقيل:
الفريضة، وقيل: الوَرَثة والمال، وقيل: بنو العَمّ ونحوهم، وقيل: العَصَبات وإن بَعُدوا،
وقيل غير ذلك، ولِكَثْرة الاختلاف فيها صَحَّ عن عمر أنَّه قال: لم أقُل في الكلالة شيئاً.
قوله: ((آخِر سورة نزلت براءة، وآخِر آية نزلت: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى
اُلْكَلَلَةِ﴾)» تقدَّم الكلام على الأخيرة في تفسير البقرة (٤٥٤٤)، وللتِّرمِذيِّ (٣٠٤١) من
طريق أبي السَّفَر عن البراء قال: ((آخِر آية نزلت أو آخر (١) شيء نزلَ)) فذكرها. وفي النَّسائيِّ
(ك٦٢٩٠، ٦٢٩١، ٧٤٧١) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر قال: اشتَكَيتُ، فدَخَلَ عليَّ
رسول الله وَ﴿ فقلت: يا رسول الله أُوصِي لأخَواتي بالثُّلثين(٢)؟ قال: ((أحسِن)) قلت:
بالشَّطِرِ؟ قال: ((أحسِن)) ثمَّ خرج، ثمَّ دَخَلَ عليَّ فقال: ((لا أراك تَموتُ من وجَعك هذا، إنَّ
الله أَنزَلَ وبيَّن ما لأخَواتك وهو الثَّلثان)) فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ
قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾. قلت: وهذه قِصّة أُخرى لجابر غير التي تقدَّمت في أوَّل
تفسير سورة النِّساء (٤٥٧٧) فيما يَظهَر لي، وقد قَدَّمتُ المستَنَد في ذلك واضحاً في أوائل
هذه السّورة، والله أعلم.
قال الدّاووديُّ: في الآية دليل على أنَّ الأُخت تَرِث معَ البنت، خِلَافاً لابنِ عبَّاس
حيثُ قال: لا تَزِث الأُخت إلّا إذا لم تكن بنتٌ، لقوله تعالى: ﴿إِنِ آمُّ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ
وَلَهُ وَأُخْتٌ﴾ قال: والحُجّة عليه في بَقيَّة الآية ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآَ إِن لَّمْ يَكُنْ لََّا وَلَّدٌ﴾ كذا قال،
وسأذكرُ البحث في ذلك واضحاً في الفرائض (٦٧٤٣).
(١) في الأصلين و(س): ((وآخر))، والمثبت من ((جامع الترمذي)).
(٢) في (أ) و(س): ((بالثلث))، والمثبت من (ع) و((السنن الكبرى)).