النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة آل عمران / ح ٤٥٥٩ - ٤٥٦٠ كتاب التفسير بَقِيَّة الآية: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، ولأحمد (٥٨١٢) أيضاً من طريق محمَّد بن عَجْلان عن نافع عن ابن عمر: ((كان رسول الله وَّهِ يَدعُو على أربعة، فنزلت، قال: وهَداهم الله للإسلام)) وكان الرّابعَ عَمْرو بنُ العاص، فقد عَزاه السُّهَيلِيُّ لرواية التِّرمِذيّ، لكن لم أرَه فيه، والله أعلم. قوله: «رواه إسحاق بن راشد عن الزُّهْريّ)) أي: بالإسناد المذكور، وهو موصول عند الطبرانيٌّ في ((المعجَم الكبير)) (١٣١١٣) من طريقه. قوله: ((كان إذا أرادَ أن يَدْعو على أحدٍ أو يَدْعوَ لأحدٍ» أي: في صلاته. قوله: (قَنَتَ بَعْد الرُّكوع)) تَمَسَّكَ بمفهومِه مَن زَعَمَ أنَّ القُنوت قبل الرُّكوع، قال: وإنّما يكون بعد الرُّكوع عند إرادة الدُّعاء على قومٍ أو لقومٍ، وتُعقِّبَ باحتمال أنَّ مفهومَه أنَّ القُنوت لم يقع إلّا في هذه الحالة، ويُؤيِّده ما أخرجه ابن خُزَيمةَ (٦٢٠) بإسنادٍ صحيح عن أنس: أنَّ النبيّ وَّه كان لا يَقْنُت إلّ إذا دَعَا لقوم أو دَعَا على قوم. وقد تقدَّم بيان الاختلاف في القُنوت وفي محلّه في آخر ((باب الوتر)) (١٠٠١-١٠٠٣). قوله: ((الوليد بن الوليد)) أي: ابن المغيرة، وهو أخو خالد بن الوليد، وكان مَمَّن شَهِدَ بدراً معَ المشرِكِينَ، وأُسِرَ وفَدَى نفسه، ثمَّ أسلَمَ فحُبسَ بمكَّة، ثمَّ تَوَاعَدَ هو وسَلَمَةُ وعيّاشٌ المذكورونَ معه وهَرَبوا من المشرِكِينَ، فَعَلمَ النبيّ وَّرَ بِمَخْرَجِهم فدَعَا لهم، أخرجه عبد الرَّزّاق (٤٠٣١) بسندٍ مُرسَل، وماتَ الوليد المذكور لمَّا قَدِمَ على النبيّ وَِّ، رُوِّينا ذلك في ((الفوائد الزّيادات)) من حديث الحافظ أبي بكر بن زياد النَّيسابوريّ بسَنِهِ عن جابرٍ قال: رَفَعَ رسول الله وَّ رأسه من الرَّكعة الأخيرة من صلاة الصُّبح صَبِيحة خمسَ عشرةَ من رمضان فقال: ((اللهمَّ آنْج الوليد بن الوليد) الحديث، وفيه: فدَعًا بذلك خمسة عشر يوماً، حتَّى إذا كان / صَبيحة يوم الفِطْر تَرَكَ الدُّعاء، فسألَه عمر فقال: ((أوَما عَلمت أنَّهم قَدِموا؟)) قال: بينما هو ٢٢٧/٨ يَذْكُرهم انفَتَحَ عليهم الطَّريقُ يَسوقُ بهم الوليد بن الوليد قد نُكِبَتْ إصبَعُه بالخَرَّة، وساقَ بهم ثلاثاً على قَدَمَيه، فنَهَجَ بين يَدَي النبيّ ◌َِّهِ حَتَّى قَضَى، فقال النبيّ ◌َّ: ((هذا الشَّهيد، أنا على هذا شهيد)). ورَثَتْه أمّ سَلَمَةَ زوج النبيّ ◌َِّ بأبياتٍ مشهورة. قوله: ((وسَلَمةَ بن هشام)) أي: ابن المغيرة، وهو ابن عمّ الذي قبله، وهو أخو أبي جهل، ١٤٢ سورة آل عمران / ح ٤٥٥٩ - ٤٥٦٠ فتح الباري بشرح البخاري وكان من السابقينَ إلى الإسلام، واستُشهِدَ في خِلَافة أبي بكر بالشّام سنة أربع عشرة. قوله: ((وعيّاش)) هو بالتَّحتانيَّة ثمَّ المعجَمة، وأبوه أبو ربيعة: اسمه عَمْرو بن المغيرة، فهو عَمّ الذي قبله أيضاً، وكان من السابقينَ إلى الإسلام أيضاً وهاجَرَ الهجرتَينِ، ثمَّ خَدَعَه أبو جهل فَرَجَعَ إلى مكَّة فحُبِسَ بها، ثمَّ فَرَّ معَ رَفيقَيه المذكورَينِ، وعاشَ إلى خِلَافة عمر، فماتَ(١) سنة خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك، والله أعلم. قوله: ((وكان يقول في بعض صَلانه في صلاة الفجر)) كأنَّه يشير إلى أنَّه لا يُداوم على ذلك. قوله: (اللهمَّ العَنْ فلاناً وفلاناً، لأخْیاءٍ من العرب» وَقَعَ تسميتهم في روایة یونس عن الزّهْريّ عند مسلم (٦٧٩) بلفظ: ((اللهمَّ الْعَن ◌ِعلاً وذَكْوانَ وعُصَيَّةٌ)). قوله: ((حتَّى أنزَلَ الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ﴾)) تقدَّم استشكاله في غزوة أُحُد، وأنَّ قِصّة رِعْلٍ وذَكْوانَ كانت بعد أُحُد، ونزول ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ كان في قِصّة أُحُد، فكيف يَتَأَخَّرِ السَّبَب عن التُّزول؟ ثمَّ ظَهَرَ لي عِلُّ الخبر، وأنَّ فيه إدراجاً، وأنَّ قوله: ((حتَّى أَنزَلَ الله)) مُنقَطِع من رواية الزُّهْرِيّ عَمَّن بَلَّغَه، بيَّن ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة فقال: هنا قال - يعني الزّهْرِيّ -: ثمَّ بَلَغَنا أنَّه تَرَكَ ذلك لمَّا نزلت. وهذا البَلاغُ لا يَصِحّ لمَا ذكرتُه، وقد وَرَدَ في سبب نزول الآية شيءٌ آخر لكنَّه لا يُنافي ما تقدَّم، بخِلَاف قِصّة رِعْلٍ وذَكْوانَ، فعند أحمد (١١٩٥٦)، ومسلم (١٧٩١) من حديث أنس: أنَّ النبيّ وَّلَ كُسِرَت رَباعِيَتَه يوم أُحُد، وشُجَّ وجهه حتَّى سالَ الدَّم على وجهه، فقال: «كيف يُفْلِح قومٌ فعَلوا هذا بنبيِّهم وهو يَدعُوهم إلى رَبّهم!)) فأنزَلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ الآية. وطريق الجمع بينَه وبين حديث ابن عمر: أنَّه ◌ِوَّهِ دَعَا على المذكورينَ بعد ذلك في صَلاته، فنزلت الآية في الأمرَينِ معاً، فيما وَقَعَ له من الأمر المذكور وفيما نَشَأ عنه من الدُّعاء عليهم، وذلك كلّه في أُحُد، بخِلَاف ◌ِقِصّة رِعلٍ وذَكْوانَ فإنَّهَا أجنبيّة، ويحتمل أن يقال: إنَّ قِصَّتهم كانت عَقِب ذلك، وتأخَّرَ نزول الآية عن سببها قليلاً، ثمَّ نزلت في جميع ذلك، والله أعلم. (١) زاد هنا في (س) لفظة ((كان))، والصواب بدونها، كما في (أ) و(ع). ١٤٣ سورة آل عمران / ح ٤٥٦١ - ٤٥٦٢ كتاب التفسير ١٠ - باب قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىَ أُخْرَىكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]: وهو تأنيث آخِرِ كُم وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]: فتْحاً أو شهادةً. ٤٥٦١- حدَّثنا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثْنا زُهَيرٌ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ بنَ عازِبٍ رضي الله عنهما قال: جَعَلَ النبيُّ نَّهِ على الرَّجّالةِ يومَ أُحُدٍ عبد الله بنَ جُبَيرٍ، وأقبَلوا مُنْهَزِمِينَ، فذاكَ إذْ يَدْعوهمُ الرَّسولُ في أَخراهم، ولم يَبْقَ مَعَ النبيِّ ◌ََّ غِيرُ اثْنَ عَشَرَ رجلاً. قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَائِكُمْ﴾ وهو تأنيث آخِرِكُمْ» كذا وَقَعَ فيه، وهو تابع لأبي عُبيدة؛ فإنَّه قال: أُخراكُم: آخِرِكُم، وفيه نظر، لأنَّ أُخرى تأنيث آخَر بفتح الخاء لا كسرها، وقد حكى الفَرّاء أنَّ من العرب مَن يقول: في أُخراتكُم بزيادة المثنّة. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: فتْحاً أو شهادة)) كذا وَقَعَ هذا التَّعليق بهذه الصّورة، ومَحَلّه في سورة براءة، ولعلَّه أورَدَه هنا للإشارة إلى أنَّ ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَقَعَت في أُحُد / وهي الشَّهادة، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن طلحة عن ابن عبّاس مثله. ٢٢٨/٨ ثم ذكر المصنف طرفاً من حديث البراء في قِصّة الرُّماة يوم أُحُد، وقد تقدَّم بتمامه معَ شرحه في المغازي (٤٠٤٣). ١١ - بابٌ ﴿أَمَنَةٌ تُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] ٤٥٦٢ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ أبو يعقوبَ، حدَّثنا حُسَينُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثْنَا شَيْبانُ، عن قَتَادةَ، حدَّثنا أنسٌ، أنَّ أبا طَلْحةَ قال: غَشِيَنا النُّعاسُ ونحنُ في مَصاقٌّنا يومَ أُحُدٍ، قال: فجَعَلَ سيفي يَسْقُطُ من يَدي وآخُذُه، ويَسْقُطُ وآخُذُه. قوله: ((باب قوله: ﴿أَمَنَةً تُّعَاسًا﴾ حدَّثني إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرّحمن أبو يعقوب)) هو بغداديّ لَقَّبَه لُؤلُؤ، ويقال: يُؤْيُؤْ بتحتانيَّتینِ، وهو ابن عمّ أحمد بن مَنیع، وليس له في ١٤٤ سورة آل عمران / ح ٤٥٦١- ٤٥٦٢ فتح الباري بشرح البخاري البخاريّ سِوَى هذا الحديث، وآخر في كتاب الرِّقاق (٦٤٥٥)، وهو ثقة باتِّفاق، وعاشَ بعد البخاريّ ثلاث سنينَ، مات سنة تسع وخمسين. ثمَّ ذكر حديث أبي طلحة في النُّعاس يوم أُحُد، وقد تقدَّم في المغازي (٤٠٦٨) من وجه آخر عن قَتَادة معَ شرحه. ١٢ - باب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْاْ أَبْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] ﴿اَلْقَرْعُ﴾: الجِرَاحِ. ﴿أَسْتَجَابُواْ﴾: أجابوا ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾ [الشورى: ٢٦]: يُجِيب. قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أَسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ اَلْقَرْعُ﴾) ساقَ الآية إلى ﴿عَظِيمُ﴾. قوله: ((القَرْح: الجِراح)) هو تفسير أبي عبيدة(١)، وروى سعيد بن منصور (٢) بإسناد جيِّد عن ابن مسعود أنَّه قرأ: ((القُرح)) بالضَّمِّ، قلت: وهي قراءة أهل الكوفة(٣). وذَكَر أبو عُبيد عن عائشة أنَّهَا قالت: أقرأُها بالفتح لا بالضَّمِّ، قال الأخفَش: القُرح بالضَّمِّ وبالفتح المصدَر، فالضَّمّ لغة أهل الحِجاز، والفتح لغة غيرهم، كالضَّعفِ والضُّعف، وحكى الفَرّاء أنَّه بالضَّمِّ: الْجُرح، وبالفتح: أَلَمُهُ، وقال الرّاغِب: القَرح بالفتح: أثر الجِراحة، وبالضَّمِّ: أثرها من داخل. قوله: ((استجابوا: أجابوا، ويَستَجيب: يُجيب)) هو قول أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: (١) زاد هنا في (س) عبارة: ((وكذا أخرجه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير مثله)) وهذه العبارة لم ترد في (أ) و(ع). قلنا: ولم نقف عليه عند ابن جرير الطبري في ((التفسير)). (٢) في ((تفسيره)) (٥٤١). (٣) الضم قراءة عاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي، وقرأ حفص عن عاصم وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ((فَرْح)) بالفتح. انظر ((السبعة)) لابن مجاهد ص٢١٦. ١٤٥ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٣ كتاب التفسير ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: أجابهم، تقول العرب: استَجَبتُك، أي: أجَبتُك، قال كعب الغَنَويُّ: وداعٍ دَعَا: يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدَى فلم يَستجِبْه عند ذاكَ مُجيبُ وقال في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ [الشورى: ٢٦] أي: ◌ُجيب الذينَ آمنوا، وهذه في سورة الشّورَى، وإنَّما أورَدَها المصنّف استشهاداً للآية الأُخرى. تنبيه: لم يَسُق البخاريّ في هذا الباب حديثاً، وكأنَّه بيَّضَ له، واللّائق به حديث عائشة أنَّها قالت لعُرْوةَ في هذه الآية: يا ابن أُختي كان أبَواك منهم: الزُّبَير وأبو بكر. وقد تقدَّم في المغازي معَ شرحه (٤٠٧٧). وروى ابن عُيَينَةَ عن عَمْرو بن دينار عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس قال: لمَّا رَجَعَ المشركونَ عن أُحُد قالوا: لا محمَّداً قَتَلْتُم، ولا الكَواعِب أَرْدَفْتُم (١)، بئسَمَا صَنَعْتُم، فرجعوا، فَنَدَبَ رسول الله وَّهِ الناس فانتُدِبوا حتَّى بَلَغَ حمراء الأسَد، فَبَلَغَ المشرِكينَ، فقالوا: نَرجِع مِن قابلٍ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ الآية. أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٠١٧)، وابن مَرْدويه، ورجاله رجال الصَّحيح، إلّا أنَّ المحفوظ إرساله عن عِكْرمة ليس فيه ابن عبّاس،/ ومن الطَّريق المرسلة أخرجه ابن أبي حاتم ٢٢٩/٨ (٤٥١٠) وغيره. ١٣ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ٤٥٦٣ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، أُراه قال: حدَّثنا أبو بَكْرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿حَسْجُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيمُ عليه السلام حينَ أَلْقِيَ في النار، وقالها محمَّدٌ وَِّ حِينَ قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. [طرفه في: ٤٥٦٤] (١) في (س): ردفتم، والمثبت من (أ) و(ع)، وهو الموافق لما في النسائي. ١٤٦ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٤ فتح الباري بشرح البخاري ٤٥٦٤- حدثنا مالك بنُ إسماعیلَ، حدّثنا إسرائیلُ، عن أبي حَصِینٍ، عن أبي الضُّحى، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: كان آخِرَ قولِ إبراهيمَ حينَ أَلْقِيَ في النار: حسبيَ الله ونِعْمَ الوَكِيل. قوله: (باب قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَّكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾)» في رواية أبي ذرٍّ: ((باب ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾)) وزاد غيره: ((الآية». قوله: ((حدَّثنا أحمد بن يونس، أُراه قال: حدَّثنا أبو بَكْر)) كذا وَقَعَ، القائل «أُراه)»: هو البخاريّ، وهو بضمِّ الهمزة بمعنى: أظنُّه، وكأنَّه عَرَضَ له شَكٍّ في اسم شيخ شيخه، وقد أخرجه الحاكم (٢٩٨/٢) من طريق أحمد بن إسحاق: ((عن أحمد بن يونس، حدَّثنا أبو بكر ابن عيّاش)) بإسناده المذكور بغير شَكّ، لكن وهم الحاكم في ((استدراكه)). قوله: ((عن أبي حَصين)) بفتح المهملة، واسمه: عثمان بن عاصم. ولأبي بكر بن عيّاش في هذا الحديث إسناد آخر، أخرجه ابن مَرْدويه من وجه آخر عنه عن حُميد(١) عن أنس: أنَّ النبيّ وَّ﴿ قيل له: إنَّ الناس قد جَمَعوا لكم فاخشوهم، فنزلت هذه الآية. قوله: ((عن أبي الضُّحَى)) اسمه: مُسلِمٍ بن صُبَيح، بالتَّصغيرِ. قوله: ((قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلّقيَ في النار)) في الرِّواية التي بعدها: أنَّ ذلك آخِرُ ما قال، وكذا وَقَعَ في رواية الحاكم المذكورة، ووَقَعَ عند النِّسائيّ (ك١٠٣٦٤) من طريق يحيى بن أبي بُكَير عن أبي بكر كذلك، وعند أبي نُعَيم في ((المستَخرَج)) من طريق عُبيد الله(٢) بن موسى عن إسرائيل بهذا الإسناد: ((أنَّهَا أوَّل ما قال))، فيُمكِن أن يكون أوَّلَ شيء قال، وآخِرَ شيء قال، والله أعلم. قوله: ((حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾)» فيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق مُطوَّلاً في هذه القِصّة، وأنَّ أبا سفيان رَجَعَ بقُرَيشٍ بعد أن تَوَجَّهَ من أُحُد، فلَفيَه مَعبَد الْخُزَاعِيُّ، فأخبَرَه أنَّه رأى النبيّ ◌َّه في جمع كثير، وقد اجتَمَعَ معه مَن كان تَخلَّفَ عن أُحُد، ونَدِموا، (١) قوله: ((عن حميد)) سقط من (س)، وهو مثبت في (أ) و(ع)، وهو الصواب، فقد ساق إسناد ابن مردويه هذا بتمامه ابنُ كثير في تفسيره)» ٢/ ١٤٧ وذكر فيه حُميداً. (٢) تحرف في (أ) و(ع) إلى: عبد الله، والصواب: عُبيد الله مصغراً، وهو عبيد الله بن موسى بن باذام العبسي. ١٤٧ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٥ كتاب التفسير فثنَى(١) ذلك أبا سفيان وأصحابه فرجعوا، وأرسَلَ أبو سفيان ناساً فأخبَرَوا النبيّ وَلِّ أنَّ أبا سفيان وأصحابه يَقصِدونَهم، فقال: ((حَسْبُنا الله ونِعمَ الوَكيل)). ورواه الطَّبَرِيُّ (١٧٩/٤) من طريق السُّدّيِّ نحوه ولم يُسمِّ مَعبداً، قال: ((أعرابيا))، ومن طريق ابن عبّاس موصولاً لكن بإسنادٍ لَيِّن، لكن(٢) قال: استَقْبَلَ أبو سفيان عِيراً واردةَ المدينة، ومن طريق مجاهد: أنَّ ذلك كان من أبي سفيان في العام المقبل بعد أُحُد، وهي غزوة بَدْر الموعِد، ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الأوَّل. ويقال: إنَّ الرَّسول بذلك كان نُعَيم بن مسعود الأشجَعَيّ، ثمَّ أسلَمَ نُعَيم فحَسُنَ إسلامه. قیل: إطلاق الناس على الواحد لگوْنِه من چِنسهم، کما يقال: فلان یرکَب الخيل وليس له إذ ذاكَ إلّا فَرَس واحد. قلت: وفي صِحّة هذا المثال نظر. ١٤ - بابٌ ٢٣٠/٨ ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،﴾ الآية سَيُطَوَّقُونَ﴾: كقولِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ. ٤٥٦٥ - حدَّثني عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ، سمعَ أبا النَّضْرِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، هو ابنُ عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌َّه: ((مَن آتاه الله مالاً، فلم يُؤَدِّ زَكانَه، مُثِّلَ له مالُه شُجاعاً أقرَعَ له زَبِبَتَان، يُطَوَّقُه يومَ القيامةِ، يأخُذُ بلِهْزِمَتَيه - يعني: بشِدْقَيه - يقول: أنا مالُكَ، أنا كَنْزُكَ)) ثمَّ تلا هذه الآيةَ ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ،﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [آل عمران: ١٨٠]. قوله: ((باب ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، ﴾ الآية)) ساقَ غيرُ أبي ذرِّ إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾، قال الواحديّ: أجَمَع المفسِّرونَ على أنَّها نزلت في مانِعِي الزكاة، وفي صِحّة هذا النَّقل نظر، فقد قيل: إنَّها نزلت في اليهود الذينَ كَتَموا صفة محمَّد، قاله ابن جُرَيج، واختارَه الزَّجّاج، وقيل: فيمَن يَبخَل بالنَّفَقة في الجهاد، وقيل: على العيال وذي (١) كذا في (أ) و(س) و ((سيرة ابن هشام))، وفي (ع): ((فساء))، وكلاهما محتمل. (٢) ((لكن)) الثانية سقطت من (س). ١٤٨ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٦ فتح الباري بشرح البخاري الرَّحِم المحتاج، نعم الأوَّل هو الرّاجِح وإليه أشارَ البخاريّ. قوله: (﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾، كقولِك: طَوَّقْتُه بِطَوْقٍ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يُلزَمونَ، كقولِك: طَوَّقته بالطَّوقِ. وروى عبد الرَّزّاق وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ بإسنادٍ جيّدٍ في هذه الآية﴿سَيُطَوِّقُونَ﴾ قال: بطرقٍ من النار. ثمَّ ذكر حديث أبي هريرة فيمَن لم يُؤَدِّ الزكاة، وقد تقدَّم معَ شرحه في أوائل كتاب الزكاة (١٤٠٣)، وكذا الاختلافُ في التطويق المذكور هل يكون حِسّيّاً أو مَعنَويّاً. وروى أحمد (٣٥٧٧)، والتِّرمِذيّ (٣٠١٢)، والنَّسائيُّ (٢٢٣٣)، وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (٢٢٥٦) من طريق أبي وائل عن عبد الله مرفوعاً: ((لا يَمنَع عبدٌ زكاةَ مالِه إلّا جُعِلَ له شُجاعاً أقرَع يُطَوَّق في عُنُقُه))، ثمَّ قرأ مِصْداقَه في كتاب الله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقد قيل: إنَّ الآية نزلت في اليهود الذينَ سُئِلوا أن يُخبِرِوا بصفة محمَّد ◌َّ عندهم فَبَخِلوا بذلك وكَتَموه، ومعنى قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْ بِهِ﴾ أي: بإثمِه. ١٥ - بابٌ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] ٤٥٦٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ أُسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما أخبره: أنَّ رسولَ الله وَرَكِبَ على حمارٍ على قَطِيفةٍ فَدَكِيَّةٍ، وأردَفَ أُسامةَ بنَ زيدٍ وراءَه، يعودُ سعدَ بنَ عُبَادةَ في بني الحارثِ بنِ الخزْرَجِ قبلَ وْعِةِ بَدْرٍ، قال: حتَّى مرَّ بِمَجْلِسٍ فيه عبدُ الله بنُ أَبِيِّ ابنُ سَلولَ، وذلك قبلَ أن يُسلمَ عبدُ الله بنُ أَيِّ، فإذا في المجْلِسِ أخلاطٌ منَ المسلمينَ والمشركينَ عَبَدةِ الأوْثان، واليهودِ، والمسلمينَ، وفي المجْلِسِ عبدُ الله بنُ رواحةَ، فلمَّا غَشِيَتِ المجْلِسَ عَجَاجَةُ الدّابَةِ خَمََّ عبدُ الله بنُ أَبيَّ أنفَه برِدائه، ثمَّ قال: لا تُغَبِروا علينا، فسَلَّمَ رسولُ الله ◌ِِّ عليهم، ثمَّ وقَفَ فنزلَ فَدَعاهم إلى الله، وقرأ عليهمُ القرآنَ، فقال ٢٣١/٨ عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنُ سَلولَ: أَيُّهَا المَرْءُ إِنَّه لا أحسنَ مَّاً تقولُ إن كان حَقّاً، فلا تُؤْذِنا به/ في مَجْلِنا، ارجع إلى رَحْلِكَ، فمَن جاءكَ فاقصُص عليه، فقال عبدُ الله بنُ رواحةً: بلى يا رسولَ الله، فاغْشَنا ١٤٩ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٦ كتاب التفسير به في مجالسِنا، فإنّا نُحِبُّ ذلك، فاستَبَّ المسلمونَ والمشركونَ واليهودُ، حَتَّى كادوا يَاوَرونَ، فلم يزلِ النبيُّ نَّه يُخُفِّضُهم حتَّى سَكَنوا، ثمَّ رَكِبَ النبيُّ ◌َِّ دَابَتَه فسارَ حتَّى دَخَلَ عَلَى سعدِ بنِ عُبَادَةَ، فقال له النبيُّ ◌َّ: (يا سعدُ ألم تَسْمَع ما قال أبو حُبَابٍ؟)) يُرِيدُ عبد الله بنَ أَبيِّ((قال: كذا وكذا)» قال سعدُ بنُ عُبَادَةَ، يا رسولَ الله اعْفُ عنه، واصْفَح عنه، فوالذي أنزَلَ عليكَ الكتابَ، لقد جاء الله بالحقِّ الذي أنزَلَ عليكَ، ولقد اصْطَلَحَ أهلُ هذه البَحْرةِ على أن يُتَوِّجوه، فيُعَصِّبوهُ بالعِصابةِ، فلمَّا أبَى الله ذلك بالحقِّ الذي أعطاكَ الله شَرِقَ بذلك، فذلك فعَلَ به ما رأيتَ، فعفا عنه رسولُ اللهِ وَّةِ، وكان النبيُّ وَّه وأصحابُه يَعْفونَ عن المشركينَ وأهلِ الكتاب، كما أمَرَهُمُ الله، ويَصْبِرونَ على الأذَى، قال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا﴾ الآيةَ، وقال الله: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [البقرة: ١٩]، وكان النبيُّ ◌ََّيَتَأَوَّلُ العَفْوَ مَا أَمَرَه الله به حتَّى أذِنَ الله فيهم، فلمَّا غَزَا رسولُ اللهِوَلَ بَدْراً، فقَتَلَ الله به صَنادِيدَ كَفَّار قُرَيشٍ، قال ابنُ أَيِّ ابن سَلولَ ومَن معه منَ المشركينَ وعَبَدةِ الأَوْثان: هذا أمرٌ قد تَوَجَّهَ، فبايعوا الرَّسُولَ وَّل على الإسلام، فأسلموا. قوله: ((باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا﴾)) ذكر عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْريّ عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك: أنَّها نزلت في كعب بن الأَشَرَف فيما كان يَهجو به النبيَّ ◌َّهِ وأصحابَه من الشِّعر، وقد تقدَّم في المغازي خَبَرَه (٤٠٣٧)، وفيه شرح حديث ((مَن لكعب بن الأَشَرَف، فإنَّه آذَی الله ورسوله»، وروی ابن أبي حاتم (٨٢٨/٣-٨٢٩)، وابن المنذر بإسنادٍ حسن عن ابن عبّاس: أنَّها نزلت فيما كان بين أبي بكر وبين فِنحاص اليهوديّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَغَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] تعالى الله عن قوله، فغَضِبَ أبو بكر، فنزلت. قوله: ((على قَطِيفة فَذَكِيَّة)) أي: كِساءٍ غَليظٍ منسوب إلى فَدَك بفتح الفاء والدّال، وهي بَلَد مشهور على مَرحَلتَينِ من المدينة. قوله: «یعود سعدَ بنَ عُبادة» فيه عيادة الکبیر بعض أتباعه في داره. ١٥٠ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٦ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((في بني الحارث بن الخزْرَج)) أي: في منازِل بني الحارث، وهم قوم سعد بن عُبَادة. قوله: ((قبل وقْعة بَدْرٍ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((وَقِيعَة)). قوله: ((وذلك قبل أن يُسلِم عبدُ الله بنُ أُبيِّ)) أي: قبل أن يُظهِر الإسلام. قوله: ((فإذا في المجْلِس أخلاطٌ من المسلمينَ والمشركينَ عَبَدةِ الأوْثان واليهودِ والمسلمينَ)) كذا فيه تَكرار لفظ المسلمينَ آخِراً بعد البداءة به، والأَولى حذف أحدهما، وسَقَطَت الثّانية من رواية مسلم وغيره(١). وأمَّا قوله: ((عَبَدة الأوثان)) فعلى البَدَل من المشرِكِينَ، وقوله: ((اليهود)) يجوز أن يكون معطوفاً على البَدَل أو على المُبدَل منه وهو أظهر، لأنَّ اليهود مُقِرّونَ بالتوحيدِ، نَعم مِن لازِم قول مَن قال منهم: عُزَيْرٌ ابن الله - تعالى الله عن قولهم - الإشراكُ، وعَطْفُهم على أحد النَّقديرَينِ تنويهاً بهم في الشّ، ثمَّ ظَهَرَ لي رُجْحان أن يكون عَطفاً على البدل، لا(٢) على المبدَل منه، كأنَّه فَسَّرَ المشرِكِينَ بعَبَدة الأوثان وباليهودٍ، ومنه يَظهَر توجيه إعادة ٢٣٢/٨ لفظ المسلمينَ، / كأنَّه فَسَّرَ الأخلاط بشيئينٍ: المسلمينَ والمشرِكينَ، ثمَّ لمَّا فَسَّرَ المشرِكينَ بشيئينِ رأى إعادة ذِكْر المسلمينَ تأكيداً، ولو كان قال أولاً: من(٣) المسلمينَ والمشرِكينَ واليهود، ما احتاجَ إلى إعادة، وإطلاق المشرِكينَ على اليهود لكَوْنِهِم يُضاهونَ قولهَم ويُرجِّحونَهُ(٤) على المسلمينَ، ويوافقونَهم في تكذيب الرَّسول عليه الصلاة والسَّلام ومُعاداتِه وقتالِهِ بعدَما تَبيَّن لهم الحقّ، ويُؤيِّد ذلك أنَّه قال في آخر الحديث: ((قال عبد الله بن أُبيِّ ابنُ سَلول ومَن معه من المشرِكينَ وعَبَدة الأوثان)) فعَطَفَ عَبَدة الأوثان على المشرِكينَ، وبالله التوفيق. قوله: ((عَجَاجة)) بفتح المهمَلة وجيمَينِ الأولى خفيفة، أي: غُبارها. وقوله: ((َّرَ)) أي: غَطَّى. (١) عند أحمد (٢١٧٦٧)، ومسلم (١٧٩٨)، والترمذي (٢٧٠٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٤٦٠)، وابن حبان (٦٥٨١). (٢) عبارة ((على البدل، لا)) سقطت من (أ) و(س)، وأثبتناها من (ع)، وهو الصواب، إذ لا يستقيم المعنى إلا بها. (٣) تحرفت في (س) إلى: أُولاهُنّ. (٤) کذا في (أ)، وفي (ع) و(س): ويرجحونهم. ١٥١ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٦ كتاب التفسير وقوله: «أنفَه)) في رواية الگُشْمِیهنيِّ: ((وجهه)). قوله: ((فسَلَّمَ رسولُ اللهِ وَّ عليهم)) يُؤخَذ منه جواز السَّلام على المسلمينَ إذا كان معهم كفَّارٌ، ويَنوي حينئذٍ بالسَّلامِ المسلمينَ، ويحتمل أن يكون الذي سَلَّمَ به عليهم صيغة عمومٍ فيها تخصيص، كقوله: السَّلام على مَن اتَّبَعَ الهُدَى. قوله: ((ثُمَّ وقَفَ فنزلَ)) عَبَّرَ عن انتِهاء مَسِيره بالوقوفِ. قوله: ((إنَّه لا أحْسَن ممَّا تقول)) بنصب أحسن وفتح أوَّله على أنَّه أفعَل تفضيل، ويجوز في ((أحسن)) الرَّفع على أنَّه خَبَر ((لا)) والاسم محذوف، أي: لا شيءَ أحسنُ من هذا، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: بضمٍّ أوَّله وكسر السّين وضمّ النّون، ووَقَعَ في رواية أُخرى: ((لَأحسَنُ)) بحذفِ الألف لكن بفتح السّين وضمّ النُّون على أنَّها لام القَسَم، كأنَّه قال: أحسنُ من هذا أن تَقعُد في بيتك، حكاه عِياض عن أبي عليّ واستَحسَنَه، وحكى ابن الجَوْزيّ: لا أحسّ(١)، بتشديد السّين المهمَلة بغير نون من الحِسّ، أي: لا أعلم منه شيئاً. قوله: (يَاورونَ)) بمُثلَّثة، أي: يَتَواثَبونَ، أي: قارَبوا أن يَئِب بعضهم على بعض فيَقْتَتِلوا، يقال: ثارَ إذا قامَ بسُرعةٍ وانزعاج. قوله: ((حتَّى سَكَنوا)) بالنّونِ، كذا للأكثرِ، وعند الكُشْمِيهنيِّ بالمثنّاةِ، ووَقَعَ في حديث أنس أنَّه نزلَ في ذلك: ﴿وَإِن ◌َآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ﴾ الآية، وقد قَدَّمت ما فيه من الإشكال وجوابَه عند شرح حديث أنس في كتاب الصُّلح (٢٦٩١). قوله: ((يا(٢) سعد)) في رواية مسلم: ((أي سعد)). قوله: ((أبو حُبَاب)) بضمِّ المهمَلة وبموخَّدتَينِ الأوَّل خفيفة، وهي كُنية عبد الله بن ◌ُِّ، وكَنّاه النبيّ ◌َّه في تلكَ الحالة لكَوْنِه كان مشهوراً بها، أو لمَصلَحة التَّأَلُّف. (١) قوله: ((لا أُحِسُّ)) أثبتناها من (ع) فقط، ووقعت العبارة في (أ) و(س): وحكى ابن الجوزي تشديد السين، و کلاهما متوجه. (٢) في (أ) و(س): ((أيا))، والمثبت من (ع) وسائر نسخ الصحيح على ما في النسخة اليونينية. ١٥٢ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وَلَقد اصْطَلَحَ)) بثُبُوتِ الواو للأكثرِ، وبحذفها لبعضِهم. قوله: ((أهل هذه البَحْرة)) في رواية الحَمُِّيِّ ((البُحَيرة)) بالتَّصغيرِ، وهذا اللَّفظ يُطلَق على القرية وعلى البَلَد، والمراد به هنا المدينة النبويَّة، ونَقَلَ ياقوت أنَّ البَحْرة من أسماء المدينة النبويَّة. قوله: ((على أن يُتَوِّجوه فيُعَصِّبوه بالعِصابةِ)) يعني: يُرَتِّسوه عليهم ويُسوِّدوه، وسُمِّي الرّئيس مُعَصَّباً لمَا يُعصَب برأسِه من الأُمور، أو لأنَّهم يُعصِّبونَ رُؤوسهم بعِصابةٍ لا تَنَبَغي لغيرهم يَمتازونَ بها، ووَقَعَ في غير البخاريّ: ((فُيُعصِّبونَه)) والتَّقدير: فهم يُعصِّبونَه أو فإذا هم يُعصِّبونَه، وعند ابن إسحاق: لقد جاءنا الله بك وإنّا لَنَنظِم له الخَرز لتُوِّجه، فهذا تفسير المراد، وهو أولى ممّاً تقدَّم. قوله: (شَرِقَ بذلك)) بفتح المعجَمة وكسر الرّاء، أي: غَصَّ به، وهو كِناية عن الحَسَد، يقال: غَصَّ بالطَّعام وشَجَى بالعَظمِ وشَرِقَ بالماءِ: إذا اعتَرَضَ شيءٌ من ذلك في الخَلق فمَنَعَه الإساغة. قوله: ((وكان النبيّ وَ﴿ وأصحابه يَعْفونَ عن المشركينَ وأهل الكتاب)) هذا حديث آخر أفرَدَه ابن أبي حاتم في ((الَّفْسير)) (٨٣٤/٣) عن الذي قبله وإن كان الإسناد مُتَّحِداً، وقد أخرج مسلم (١٧٩٨) الحديث الذي قبله مُقتَصِراً عليه، ولم يُخرج شيئاً من هذا الحديث الآخر. قوله: ((وقال الله: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَنْكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمِ﴾ إلى آخر الآية)»، ساقَ في رواية أبي نُعَيم في ((المستَخرَج)) من وجه آخر عن أبي اليَمَان بالإسناد المذكور الآية، وبما بعدَ ما ساقَه المصنّف منها تَتَبَيَّن المناسَبة وهو قوله تعالى: ﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ﴾. قوله: ((حتَّى أذِنَ الله فيهم)) أي: في قتالهم، أي: فتَرَكَ العفوَ عنهم، وليس المراد أنَّه تَرَكَه أصلاً، بل بالنّسبة إلى تَرْك القتال أوَّلاً، ووقوعه آخِراً، وإلّا فعَفوُهُ وَّ عن كثير من ٢٣٣/٨ المشرِكينَ واليهود / بالمنِّ والفِداء، وصَفْحُه عن المنافقينَ، مشهورٌ في الأحاديث والسّيَر. قوله: ((صَناديد)) بالمهمَلة ثمَّ نون خفيفة جمع صِنديد بكسرٍ ثمَّ سكون: وهو الكبير في قومه. ١٥٣ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٧-٤٥٦٨ كتاب التفسير قوله: ((هذا أمرٌ قد تَوَجَّهَ)) أي: ظَهَرَ وجهُه. قوله: ((فبايعوا)) بلفظ الماضي، ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر، والله أعلم. ١٦ - بابٌ ﴿ لَا يَحْسِبَنّ (١) الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوَأْ ﴾ [آل عمران: ١٨٨] ٤٥٦٧- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثني زيدُ بنُ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ : أنَّ رجالاً منَ المنافِقِينَ على عَهْدِ رسولِ الله وَ﴿ كان إذا خَرَج رسولُ الله ◌َّهِ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفوا عنه، وفَرِحوا بمَفْعَدِهم خِلَافَ رسولِ الله (وَّهِ، فإذا قَدِمَ رسولُ اللهِوَ اعْتَذَروا إليه، وحَلَفوا، وأحَبّوا أن يُحْمَدوا بما لم يَفْعَلوا، فنزلت: لَا يَحْسِبَنَّالَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآيَةَ. ٤٥٦٨ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ: أنَّ ابنَ جُرَيج أخبرهم، عن ابنِ أبي مُلَيكةً: أنَّ عَلْقمةَ بنَ وَقَّاصِ أخبَرَه أنَّ مَرْوانَ قال لِيوَّابِه: اذهب يا رافعُ إلى ابنِ عبَّاسٍ، فَقُل: لَئِن كان كلُّ امِرِئٍ فِرِحَ بما أوِيَ، وأحَبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يَفْعَل مُعَذَّباً، لَتُعَذَّبَنَّ أْمَعونَ! فقال ابنُ عبَّاسٍ: وما لكُم ولِهِذه، إِنَّمَا دَعَا النبيُّ ◌َّه يهودَ فسألهم عن شيءٍ، فَكَتَموه إيّاه، وأخبروه بغيرِه، فأرَوْه أن قد استَحْمَدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفَرِحوا بما أَتَوا من كِتْمانهم، ثمَّ قرأ ابنُ عبَّاسٍ: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ كذلك حتَّى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوَأْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٧ -١٨٨]. تابَعَه عبدُ الرَّزّاق، عن ابنٍ ◌ُرَیج. ٤٥٦٨/ م- حدَّثنا ابنُ مُقاتلٍ، أخبرنا الحجّاجُ، عن ابنِ جُرَيج، أخبرني ابنُ أبي مُلَيكةً، عن محميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ: أَنَّه أخبَرَه، أنَّ مَرْوانَ ... بهذا. قوله: ((باب ﴿ لَا يَحَسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ﴾)) سَقَطَ لفظ: ((باب)) لغير أبي ذرٍّ. (١) كذا هي بالياء وكسر السين، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي من السبعة، وقرأ الباقون (تَحَسَبَنَّ)) بالتاء وفتح السين. ((السبعة)) ص١٩١ و٢١٩. ١٥٤ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٧-٤٥٦٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا محمّد بن جعفر)) أي: ابن أبي كثير المدنيّ، والإسناد كلّه مَدَنيّونَ إلّا(١) شيخ البخاريّ. قوله: ((إنَّ رجالاً من المنافقينَ)) هكذا ذكره أبو سعيد الخُدْريُّ في سبب نزول الآية، وأنَّ المراد مَن كان يَعتَذِر عن التَّخَلَّف من المنافقينَ، وفي حديث ابن عبّاس الذي بعدَه أنَّ المراد مَن أجابَ من اليهود بغير ما سُئِلَ عنه وكَتَموا ما عندهم من ذلك، ويُمكِن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقَينِ معاً، وبهذا أجابَ القُرطُبيّ وغيره، وحكى الفَرّاء أنَّها نزلت في قول اليهود: نحنُ أهل الكتاب الأوَّل والصلاة والطاعة، ومع ذلك لا يُقِرّونَ بمحمَّدٍ، فنزلت: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾، وروى ابن أبي حاتم من طرق أُخرى عن جماعة من التابعينَ نحو ذلك ورجحه الطّريّ، ولا مانع أن تکون نزلت في کلّ ذلك، أو نزلت في أشياء خاصّة وعمومُها يَتَناوَل كلَّ مَن أتى بحَسنةٍ ففَرِحَ بها فرَحَ إعجابٍ، وأحَبَّ أن يَحمَده الناسُ ويُثنوا عليه بما ليس فيه، والله أعلم. قوله: ((أخبرنا هشام)) هو ابن يوسف الصَّنعانيّ. ٢٣٤/٨ قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكةَ)) في رواية/ عبد الرَّزّاق(٢) عن ابن جُرَيج: ((أخبرني ابن أبي مُلَيكةَ))، وسيأتي، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٦/٣) من طريق محمَّد بن ثَور عن ابن جُرَيج. قوله: ((أنَّ عَلْقَمة بن وقّاص)) هو اللَّيْثِيُّ من كبار التابعينَ، وقد قيل: إنَّ له صُحْبةً. وهو راوي حديث الأعمال عن عمر (٣). قوله: ((أنَّ مَرْوان)) هو ابن الحكم بن أبي العاص الذي ولي الخلافة، وكان يومئذٍ أمیر المدينة من قِبَل معاوية. (١) تحرفت في (س) إلى: ((إلى))، والتصويب من (أ) و(ع)، فشيخ البخاري وهو سعيد بن أبي مريم مصريٌّ وليس مدنيّاً. (٢) في ((التفسير)) ١/ ١٤١- ١٤٢. (٣) سلف برقم (١). ١٥٥ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٧-٤٥٦٨ كتاب التفسير قوله: ((قال لبوًّابه: اذهب یا رافع إلى ابن عبّاس فقُل)) رافع هذا لم أرَ له ذِكْراً في كتاب الرُّواة إلّا بما جاء في هذا الحديث، والذي يَظْهَر من سياق الحديث أنَّه تَوَجَّه إلى ابن عبّاس فَبلَّغَه الرّسالة ورَجَعَ إلى مروان بالجواب، فلولا أنَّه مُعتَمَد عند مروان ما قَنَعَ برسالَتِهِ، لكن قد ألزَم الإسماعيليُّ البخاريَّ أن يُصَحِّح حديث بُسرة بنت(١) صفوان في نَقضِ الوضوء من مَسّ الذَّكَر، فإنَّ عُرْوة ومروان اختَلَفا في ذلك، فبَعَثَ مروان حَرَسيَّه إلى بُسرة فعادَ إليه بالجواب عنها، فصارَ الحديث من رواية عُرْوة عن رسول مروان عن بُسرة(٢)، ورسول مروان مجهول الحال، فتَوَقَّفَ عن القول بصِحّة الحديث جماعة من الأئمَّة لذلك، فقال الإسماعيليّ: إنَّ القِصّة التي في حديث الباب شبيهةٌ بحديثٍ بُسرة، فإن كان رسولُ مروان مُعتَمَداً في هذه فليُعتَمَد في الأُخرى، فإنَّه لا فرق بينهما، إلّا أنَّه في هذه القِصّة سَمَّى رافعاً ولم يُسمِّ الحَرَسِيّ، قال: ومع هذا فاختُلِفَ على ابن جُرَيج في شيخ شيخه، فقال (١) تحرفت في (أ) و(س) إلى: ((يُسرة بن))، والتصويب من (ع)، وهي بُسرة بنت صفوان الأسدية، صحابية لها سابقة وهجرة. (٢) وفيه قصة الاختلاف بين عروة ومروان فيه كما ساقها الإسماعيلي، أخرجه أحمد (٢٧٢٩٦)، والنسائي في «الكبرى)) (١٥٩). لكن الحديث أخرجه مالك في («الموطأ» ١/ ٤٢، وأحمد (٢٧٢٩٣)، وأبو داود (١٨١)، والنسائي (١٥٩) من طریق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر الوضوء، فقال عروة: ما علمت هذا، فقال مروان بن الحكم: أخبرتني بسرة بنت صفوان: فذكره، ليس فيه قصة إرسال حرسه إلى بسرة. وأخرجه ابن ماجه (٤٧٩)، والترمذي (٨٣)، وابن حبان (١١١٤) و(١١١٩)، والحاكم (١/ ١٣٧) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن بسرة، ليس فيه قصة عروة مع مروان. زاد الحاكم في روايته: قال عروة: فسألت بسرة فصدقته. قال الحاكم: وقد روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة والتابعين، عن بسرة ... فذكرهم، ثم قال: وقد رُوِّينا إيجاب الوضوء من مس الذكر عن جماعة من الصحابة والصحابيات عن رسول الله وَل ◌ٍ ... فذكرهم. قلنا: انظر حديث عبد الله بن عمرو في «المسند» (٧٠٧٦) وشواهده والكلام عليه هناك. وأخرجه الترمذي (٨٢) و(٨٤)، والنسائي (٤٤٥)، وابن حبان (١١٥١) من طرق عن عروة بن الزبير، عن بسرة بنت صفوان، وليس فيه مروان بن الحكم. ١٥٦ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٧-٤٥٦٨ فتح الباري بشرح البخاري عبد الرَّزّاق وهشام عنه: عن ابن أبي مُلَيكةً عن عَلقَمة، وقال حَجّاج بن محمَّد عن ابن جُرَيج: عن ابن أبي مُلَيكةً عن حُميدٍ بن عبد الرّحمن، ثمَّ ساقَه من رواية محمَّد بن عبد الملِك ابن جُرَيج عن أبيه عن ابن أبي مُلَيكةً عن حُميدٍ بن عبد الرَّحمن، فصارَ لهشامِ مُتابع وهو عبد الرَّزّاق، ولحَجّاجِ بن محمَّد مُتابع وهو محمَّد، وأخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٦/٣) من طريق محمَّد بن ثَور عن ابن جُرَيج كما قال عبد الرَّزاق. والذي يَتَحَصَّل لي من الجواب عن هذا الاحتمال: أن يكون عَلقَمة بن وقّاص كان حاضراً عند ابن عبّاس لمَّا أجابَ، فالحديث من رواية عَلقَمة عن ابن عبّاس، وإنَّما قَصَّ عَلَقَمة سبب تحديث ابن عبّاس بذلك فقط، وكذا أقول في مُميدٍ بن عبد الرّحمن، فكأنَّ ابن أبي مُلَيكةَ حَمَلَه عن كلٍّ منهما، وحدَّث به ابن جُرَيج عن كلٍّ منهما؛ فحدَّث به ابن جُرَيج تارةً عن هذا وتارةً عن هذا. وقد روى ابن مَرْدويه في حديث أبي سعيد ما يدلُّ على سبب إرساله لابنِ عبَّاس، فأخرج من طريق اللَّيث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسْلَمَ قال: كان أبو سعيد وزيد بن ثابت ورافع بن خديج عند مروان فقال: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله - فذكر الآية - فقال: إنَّ هذا ليس من ذاكَ، إنَّما ذاكَ أنَّ ناساً من المنافقينَ - فذكر نحو حديث الباب، وفيه ــ: فإن كان لهم نَصرٌ وفتحٌّ حَلَفوا لهم على سُرورهم بذلك لَيَحمَدوهم على فرَحهم وسرورهم، فكأنَّ مروان تَوَقَّفَ في ذلك، فقال أبو سعيد: هذا يَعلم بهذا، فقال: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم صَدَقَ. ومن طريق مالكٍ عن زيد بن أسلَمَ عن رافع بن خديج: أنَّ مروان سألَه عن ذلك فأجابَه بنحوِ ما قال أبو سعيد، فكأنَّ مروان أراد زيادة الاستظهار، فأرسَلَ بوَّابه رافعاً إلى ابن عبّاس يسأله عن ذلك، والله أعلم. وأمَّا قول البخاريّ عَقِب الحديث: تابَعَه عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَيج، فيريد أنَّه تابَعَ هشام بن يوسف على روايته إيّاه عن ابن جُرَيج عن ابن أبي مُلَيكةً عن عَلقَمة، ورواية عبد الرَّزّاق وَصَلَها في التَّفْسير (١٤١/١- ١٤٢)، وأخرجها الإسماعيليّ والطَّبَرِيُّ (٤/ ٢٠٦) وأبو نُعَيم وغيرهم من طريقه، وقد ساقَ البخاريّ إسناد حَجّاج عَقِب هذا ولم ١٥٧ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٧-٤٥٦٨ كتاب التفسير يَسُق المتن، بل قال: عن حُميدٍ بن عبد الرَّحمن بن عَوْف أنَّه أخبَرَه أنَّ مروان .. بهذا، وساقَه مسلم (٢٧٧٨)، والإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ: أنَّ مروان قال لبوَّابه: اذهَب يا رافعُ إلى ابن عبّاس فقل له .. فذكر نحو حديث هشام. قوله: ((لَتُعَذَّبَنَّ أْمَعونَ)) في رواية حَجّاج بن محمَّد: لَنُعَذَّبَنَّ أجمعينَ. قوله: ((إِنَّمَا دَعَا النبيّ وَّه يهودَ فسألَم عن شيء)) في رواية حَجّاج بن محمَّد: إنَّما نزلت هذه الآية في أهل/ الكتاب. ٢٣٥/٨ قوله: ((فأرَوْه أن قد استَحْمَدوا إليه بما أخبَرَوه عنه فيما سألهَم)» في رواية حَجّاج بن محمَّد: فخَرَجوا قد أرَوه أنَّهم أخبَروه بما سألهَم عنه واستَحمَدوا بذلك إليه، وهذا أوضح. قوله: ((بما أَوْا)) كذا للأكثرِ بالقصرِ بمعنى جاؤوا، أي: بالذي فعَلوه، وللحَمُّويِّ: ((بما أُوتُوا)) بضمِّ الهمزة بعدها واو، أي: أُعطوا، أي: من العلم الذي كَتَموه، كما قال تعالى: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ [غافر: ٨٣]، والأوَّل أَولى لموافَقَتِهِ التِّلاوة المشهورة، على أنَّ الأُخرى قراءة السُّلَميِّ وسعيد بن جُبَير، وموافَقة المشهور أَولى معَ موافَقَته لتفسير ابن عبّاس. قوله: ((ثمَّ قرأ ابن عبّاس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ﴾)) فيه إشارة إلى أنَّ الذينَ أخبر الله عنهم في الآية المسؤولِ عنها هم المذكورونَ في الآية التي قبلها، وأنَّ الله ذَمّهم بكِتِمان العلم الذي أمَرَهم أن لا يَكتُموه، وتَوَعَّدَهم بالعذاب على ذلك، ووَقَعَ في رواية محمَّد بن ثَور المذكورة: فقال ابن عبّاس: قال الله جلَّ ثَنَاؤُه في التوراة: إنَّ الإسلام دين الله الذي افتَرَضَه على عِباده وإنَّ محمَّداً رسولُ الله. تنبيه: الشَّيء الذي سألَ النبيُّ وَّه عنه اليهود لم أرَه مُفَسَّراً، وقد قيل: إنَّه سألَم عن صِفَتَه عندهم بأمرٍ واضح، فأخبَروه عنه بأمرٍ مُجُمَل. وروى عبد الرَّزاق(١) من طريق سعيد بن جُبَير في قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ قال: محمَّد، وفي قوله: ﴿يَفْرَهُونَ بِمَآ آتَواْ﴾ قال: بكتمانهم محمَّداً. وفي قوله: ﴿أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ قال: قولهم: نحنُ على دين إبراهيم. (١) في ((التفسير)) ١٤١/١. ١٥٨ سورة آل عمران / ح ٤٥٦٩ - ٤٥٧٠ فتح الباري بشرح البخاري ١٧ - باب قوله: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَاُلَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِى الْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ٤٥٦٩- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني شَرِيكُ بنُ عبدِ الله ابنِ أبي نَمِرٍ، عن كُرَيبٍ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: بِتُّ عندَ خالَتي ميمونةَ، فَتَحدَّث رسولُ الله ◌ِ الّ معَ أهلِه ساعةً، ثمَّ رَقَدَ، فلمَّا كان ثُلُثُ اللَّلِ الآخِرُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إلى السماءِ فقال: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَةٍ لِّأُوْلِ آلْأَلْبَبِ ﴾ ثمَّ قامَ فَتَوضَّأ واستَنَّ، فصَلَّى إحدَى عشْرةَ رَكْعَةً، ثمَّ أَنَّنَ بِلاَلٌ فصَلَّى رَكْعَتَينٍ، ثمَّ خرج فصَلَّى الصُّبْحَ. قوله: (باب قوله: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾» ساقَ إلى ﴿اَلْأَلْبَبِ ﴾، وذکر حديث ابن عبّاس في بيت ميمونة، أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى في أبواب الوتر (٩٩٢). ووَرَدَ في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٨٤١) والطبرانيُّ (١٢٣٢٢) من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: أتت قُرَيش اليهود فقالوا: بما جاء به موسى؟ قالوا: العَصا ويَده .. الحديث، إلى أن قال: فقالوا للنبيِّ وَّ: اجعَل لنا الصَّفا ذهباً، فنزلت هذه الآية، ورجاله ثقات، إلّ الِحِمَانيَّ فإنَّه تُكلِّمَ فيه. وقد خالَفَه الحسن ابن موسی، فرواه عن یعقوب عن جعفر عن سعید مُرسلاً، وهو أشبه، وعلی تقدیر کَوْنه محفوظاً وصْلُه، ففيه إشكال من جهة أنَّ هذه السّورة مَدَنيَّة، وقُرَيش من أهل مكَّة. قلت: ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجَرَ النبيّ وَّه إلى المدينة ولا سيَّما في زمن الهُدْنة. ١٨ - بابٌ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩١] ٤٥٧٠- حذَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٌّ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن تَخْرَمَةَ بنِ سليمانَ، عن كُرَيبٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: بِتُّ عندَ خالَتي ميمونةَ، ٢٣٦/٨ ١٥٩ سورة آل عمران / ح ٤٥٧١ كتاب التفسير فقلتُ: لأنظُرُنَّ إلى صلاةِ رسولِ الله وَّةِ، فِطُرِحَت لِرسولِ اللهِّه ◌ِسادةٌ، فنامَ رسولُ اله ◌َّ في طولها، فجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عن وجهِهِ، فَقَرأَ الآيات العَشْرَ الأواخرَ من آلِ عِمْرانَ حتَّى خَتَمَ، ثَّ أتى شَنّاً مُعلَّقاً، فأخَذَه فَتَوضَّأْ، ثمَّ قامَ يُصَلّى، فقُمْتُ فصَنَعْتُ مِثلَ ما صَنَعَ، ثمَّ جِئْتُ فقُمْتُ إِلى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يِدَه على رأسي، ثمَّ أَخَذَ بأُذُني فجَعَلَ يَفْتِلُها، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَینِ، ثمَّ أوْتَرَ. قوله: ((باب ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ الآية)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس من وجهٍ آخر عن كُرَيبٍ عنه مُطوَّلاً، وقد تقدَّمت فوائده أيضاً(١). ووَقَعَ في هذه الرّواية: ((فقرأ الآيات العشر الأواخر من آلَ عِمران حتَّى خَتَمَ)) فلهذا تَرجَمَ ببعضِ الآية المذكورة. واستُفيدَ من الرِّواية التي في الباب قبله أنَّ أوَّل المقروء قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ﴾. ١٩ - بابٌ ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ٤٥٧١- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثْنا مَعْنُ بنُ عيسى، حدَّثنا مالكٌ، عن تَخْرَمَةَ بنِ سليمانَ، عن كُرَيبٍ مولى عبدِ الله بنِ عِبَّاسٍ، أنَّ عبد الله بنَ عبَّاسٍ أخبَرَه: أنَّه باتَ عندَ ميمونةً زَوْجِ النبيِّ بَّه ◌ِ وهيَ خالَتُه - قال: فاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ الوِسادةِ، واضْطَجَعَ رسولُ الله ◌َّ وأهلُه في طولها، فنامَ رسولُ اللهِ وَِّ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أو قبلَه بقَلِيلٍ، أو بعدَه بقَلِيلٍ، ثمَّ اسْتَقَظَ رسولُ اللهِوَّةِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عن وجهِه بِيَدَيه، ثمَّ قرأ العَشْرَ الآياتِ الخواتِمَ من سورةٍ آلِ عِمْرَانَ، ثمَّ قامَ إلى شَنٌّ مُعلَّقةٍ فتَوضَّأ منها، فأحسنَ وُضوءَه، ثمَّ قامَ يُصَلّ، فصَنَعْتُ مِثْلَ ما صَنَعَ، ثمَّ ذهبتُ فقُمْتُ إلى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رسولُ اللهَوَّهِيَدَه اليُمْنَى على رأسي، وأخَذَ بأُذُنِي بِيَدِه الْيُمْنَى يَفْتِلُها، فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَكْعَتَينِ، ثمَّ رَكْعَتَينٍ، ثمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَكْعَتَينِ، ثمَّ (١) انظر الباب السابق. ١٦٠ سورة آل عمران / ح ٤٥٧٢ فتح الباري بشرح البخاري رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثمَّ اضْطَجَعَ حتَّى جاءه المؤَذِّنُ، فقامَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَينِ، ثمَّ خرج فصَلَّى الصُّبْحَ. قوله: ((باب ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ أَلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس المذكور(١)، وليس فيه إلّا تغيير شيخ شيخه فقط، وسياق الرِّواية في هذا الباب أتُّ من تلكَ. ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيِّ هنا: ((وأَخَذَ بيَدي اليُمنَى)) وهو وهمٌّ، والصَّواب: ((بأُذُني) کما في سائر الرِّوايات. ٢٣٧/٨ ٢٠- بابٌ ﴿ رَبََّآَ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٣] ٤٥٧٢ - حدَّثْنَا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكِ، عن تَخْرَمةَ بنِ سليمانَ، عن كُرَيبٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبره: أنَّه باتَ عندَ ميمونةَ زَوْجِ النبيِّ ◌َّ- وهيَ خالَتُه - قال: فاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ الوِسَادِةِ، واضْطَجَعَ رسولُ اللهِوَ له وأهلُه في طولها، فنامَ رسولُ الله ◌َِّ حَتَّى إذا انتَصَفَ اللَّيلُ، أو قبلَه بقَلِيلٍ، أو بعدَه بقَلِيلِ استَيْقَظَ رسولُ اللهِوَلِّ فجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عن وجهِهِ بَيَدِه، ثمَّ قرأ العَشْرَ الآيات الخواتمَ من سورةٍ آلِ عِمْرانَ، ثمَّ قامَ إلى شَنَّ مُعلَّقٍ فَتَوضَّأ منها فأحسنَ وُضوءَه، ثمَّ قامَ يُصَلّي، قال ابنُ عبّاسٍ: فَقُمْتُ فصَنَعْتُ مِثْلَ ما صَنَعَ، ثمَّ ذهبتُ فَقُمْتُ إلى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رسولُ اللهَ وَلِ يدَه اليُّمْنَى على رأسي، وأخَذَ بأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُها، فصَلَّى رَكْعَتَينٍ، ثمَّ رَكْعَتَينِ، ثمَّ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ رَكْعَتَينِ، ثمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثمَّ رَكْعَتَينٍ، ثمَّ أوْتَرَ، ثمَّ اضْطَجَعَ حتَّى جاءه المؤَذِّنُ، فقامَ فصَلَّى رَكْعَتَينِ خَفِيفَتَيْنِ، ثمَّ خرج فصَلَّى الصُّبْحَ. قوله: ((باب ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾ الآية)) ذكر فيه الحديث المذكور (٢) عن شيخ له آخر عن مالك، وساقَه أيضاً بتمامه. (١) المذكور في البابين السابقين. (٢) المذكور في الأبواب الثلاثة السابقة.