النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة البقرة / ح ٤٤٨٩ كتاب التفسير كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره إلى قوله: ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ثم أورد حديث ابنِ عمر في تحويل القِبْلة، أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم شرحه في أوائل الصلاة مُستَوفَّى (٤٠٣). ١٥ - باب قولهِ: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَّلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤] ٤٤٨٩- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، عن أبيه، عن أنسِ رَ﴾، قال: لم يَبْقَ ممَّنْ صَلَّى القِبْلتَينِ غيرِي. قوله: ((باب قوله: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَآءِ﴾ الآية)) وفي رواية كَرِيمة: إلى ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قوله: ((عن أنس)) صرَّحَ في رواية الإسماعيليّ وأبي نُعيم بسماع سلیمان له من أنس. قوله: ((لم يَبْقَ ممَّنْ صَلَّى القِبْلِتَينِ غيري)) يعني: الصلاة إلى بيت المقدس وإلى الكعبة، وفي هذا إشارة إلى أنَّ أنساً آخرُ مَن ماتَ ممَّن صَلَّى إلى القِبِلَتينِ، والظاهر أنَّ أنساً قال ذلك وبعضُ الصَّحابة ممَّن تأخّرَ إسلامُه موجود، ثمَّ تأخّرَ أنس إلى أن كان آخرَ مَن ماتَ بالبَصرة من أصحاب رسول الله وَلّه قاله عليّ بن المَدِينِيّ والبزَّار وغيرهما، بل قال ابن عبد البَرّ: هو آخر الصَّحابة موتاً مُطلَقاً، لم يَبقَ بعده غيرُ أبي الطَّفَيل، كذا قال، وفيه نظر، فقد ثَبَتَ لجماعةٍ مَّن سَكَنَ البَوادي من الصَّحابة تأخّرهم عن أنس، وكانت وفاة أنس سنةً تسعينَ أو إحدى أو ثلاث، وهو أصحّ ما قيلَ فيها، وله مئة وثلاث سنينَ على الأصحّ أيضاً، وقيل: أكثر من ذلك، وقيل: أقلّ. وقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَلُهَا﴾ هي الكعبة، وروى الحاكم (٢٦٩/٢) من حديث ابن عمر في قوله: ﴿فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةُ تَرْضَمُهَا﴾ قال: نحو مِيزَاب الكعبة، وإنَّما قال ذلك لأنَّ تلكَ الجهة قِبلةُ أهل المدينة. ٤٢ سورة البقرة / ح ٤٤٩٠- ٤٤٩٢ فتح الباري بشرح البخاري ١٧٤/٨ ١٦ - بابٌ ﴿ وَلَبِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ الآية ٤٤٩٠ - حدَّثنا خالدُ بنُ مَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، حذَّثني عبدُ الله بنُ دِینارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: بينما الناسُ في الصُّبْحِ بقُباءٍ جاءهم رجلٌ فقال: إنَّ رسولَ الله وَّ قد أُنزِلَ عليه اللَّيلةَ قرآنٌ، وَأُمِرَ أن يَستَقْبِلَ الكعبةَ، أَلَا فاستَقبِلوها، وكان وجهُ الناسِ إلى الشَّامِ، فاستَداروا بؤُجُوهِهم إلى الكعبةِ. قوله: ((باب ﴿ وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ بِكُلِّءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ الآية [البقرة: ١٤٥])) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: إلى ﴿لَّمِنَ الظَّالِمِینَ ﴾، ذکر فیه حديث ابن عمر المشار إليه قبل باب (٤٤٨٨) من وجهٍ آخر. ١٧ - بابٌ ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ الآية ٤٤٩١ - حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِینارٍ، عن ابنِ عمرَ قال: بينا الناسُ بقُباءٍ في صلاةِ الصُّبْحِ إذ جاءهم آتٍ فقال: إنَّ النبيَّ ◌َ قد أُنزِلَ عليهِ اللَّيلَةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يَستَقْبِلَ الكعبةَ، فاستقبِلوها، وكانت وجوهُهم إلى الشَّامِ، فاستَدارُوا إلى الكعبةِ. قوله: ((باب ﴿﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٦])) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره إلى آخر الآية. وساق فيه حديث ابن عمر المذكور (٤٤٨٨ و٤٤٩٠) من وجه آخر. ١٨ - بابٌ ﴿ وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ مُوَلِيهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٨] ٤٤٩٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثْني أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ ﴾، قال: صَلَّينا معَ النبيِّ وَ﴿ نحوَ بيتِ المقدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ - أو سبعةَ عَشَرَ - شَهْراً، ثمَّ صَرَفَه نحوَ القِبْلةِ. ٤٣ سورة البقرة / ح ٤٤٩٣ - ٤٤٩٤ كتاب التفسير قوله: ((باب ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّهَا﴾ الآية)) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره: إلى ﴿كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. قوله: ((صَلَّينا معَ النبيّ ◌َ ◌ّهنحو بيت المقدس سِتّة عَشَر أو سبعة عَشَر شَهْراً ثمَّ صَرَفَه نحو القِبْلة)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((ثُمَّ صُرِفوا)) وهذا طَرَف من حديث البراء المشار إليه قريباً (٤٤٨٦). ١٩ - ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الآية [البقرة: ١٤٩] شَطْرُه: تِلْقَاؤُه. ٤٤٩٣- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِینارٍ، ١٧٥/٨ قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، يقول: بَيْنا الناسُ في الصُّبْحِ بِقُباءٍ، إذ جاءهم رجلٌ فقال: أُنزِلَ اللَّيلةَ قرآنٌ، فَأُمِرَ أن يَستَقْبِلَ الكعبةَ فاستَقبِلوها، فاستَدَارُوا كهَيئِهم، فَتَوَجَّهوا إلى الكعبةِ، وكان وجهُ الناسِ إلى الشَّامِ. ٤٤٩٤- حدّثنا قُتییةُ بنُ سعیدٍ، عن مالكِ، عن عبدِ الله بنِ دِینارٍ، عن ابنِ عمر قال: بينما الناسُ في صلاةِ الصُّبْحِ بِقُباءٍ إذ جاءهم آتٍ فقال: إنَّ رسولَ الله وَّه قد أُنزِلَ عليه اللَّيلَةَ، وقد أُمِرَ أن يَستَقْبِلَ الكعبةَ فاستَقبِلوها، وكانت وجوهُهم إلى الشَّامِ فاستَداروا إلى القِبْلةِ. قوله: ((﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: إلى ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قوله: ((شَطْرُه: تِلْقَاؤُه)) قال الفَرّاء في قوله تعالى: ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ٥٠] يريد: نحوَه، قال: وفي بعض القراءات: ((تِلقاءَه))، وروى الطَّبَرَيُّ من طريق أبي العالية قال: ﴿شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: تِلقاءَه، ومن طريق قَتَادة نحوَه. ثم ذكر حديثَ ابن عمر من طريقٍ أخرى(١). (١) يعني من غير الطرق التي سلفت قريباً بالأرقام (٤٤٨٨ و٤٤٩٠ و٤٤٩١). ٤٤ سورة البقرة / ح ٤٤٩٥-٤٤٩٦ فتح الباري بشرح البخاري ٢٠- باب قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَّعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ١٥٨] شَعائرُ: علاماتٌ، واحدتُها شَعِيرةٌ. وقال ابنُ عبّاسٍ: الصَّفْوانُ: الحَجَرُ، ويقال: الحجارةُ المُلْسُ التي لا تُنِتُ شيئاً، والواحدةُ صَفْوانٌ، بمعنى: الصَّفَا، والصَّفَا للجميعِ. ٤٤٩٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، أنَّه قال: قلتُ لعائشةَ زَوْجِ النبيِّ وَلَ - وأنا يومَئذٍ حديثُ السَّنِّ -: أرأيتِ قولَ الله تَبَارَكَ وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ فما أُرَى على أحدٍ شيئاً أن لا يَطَّوَّفَ بهما؟ فقالت عائشةُ: كَلّا، لو كانت كما تقولُ كانت: فلا جُناحَ عليه أن لا يَطَّوَّفَ بهما، إِنَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ في الأنصار، كانوا يُمِّونَ لِمَناةَ، وكانت مَناةٌ حَذْوَ قُدَيدٍ، وكانوا يَتَحرَّجونَ أن يَطوفوا بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، فلمَّا جاء الإسلامُ سألوا رسولَ الله وَ لَّ عن ذلك، فأنزلَ الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَاِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَّوَّفَ بِهِمَا﴾. ١٧٦/٨ ٤٤٩٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عاصم بنِ سليمانَ، قال: سألتُ أنسَ ابنَ مالكٍ ◌ّ عن الصَّفا والمَرْوةِ، فقال: كنّا نرَى من أمرِ الجاهليَّةِ، فلمَّا كان الإسلامُ أمسَكْنا عنهما، فأَنزَلَ الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ شَعائرُ: علاماتٌ، واحدتها شَعيرة» وهو قول أبي عُبيدة. قوله: ((وقال ابن عبّاس: الصَّفْوان: الحَجَرِ)) وصَلَه الطََّرِيُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه. قوله: ((ويقال: الحجارة المُلْس التي لا تُنْبت شيئاً، والواحدة صَفْوانة بمعنى: الصَّفا، والصَّفا ٤٥ سورة البقرة / ح ٤٤٩٧ كتاب التفسير للجميع)) هو كلام أبي عبيدة أيضاً؛ قال: الصَّفوان جَمْع(١)، ويقال للواحدة: صفوانة في معنى الصَّفا، والصَّفا للجميع، وهي الحجارة المُلْس التي لا تُنبت شيئاً أبداً من الأرضينَ والرُّؤوس، وواحد الصَّفا: صَفاة، وقيل: الصَّفا اسم جِنس يُفرَّق بينه وبين مُفرَده بالتاءِ، وقيل: مُفرَد يُجمَع على فُعول(٢) وأفعال كقَفَا وأَقْفاء، فيقال فيه: صُفِيٌّ(٣) وأَصْفاء، ويجوز كسر صاد صِفِيٌّ أيضاً. ثم ساق حديث عائشة في سبب نزول ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ﴾ وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ (١٦٤٣)، وكذا حديث أنس (١٦٤٨). وقوله هنا: ((كنَّا نَرَى من أمر الجاهليَّةُ)) فيه سقطٌ (٤)، ووَقَعَ في رواية ابن السَّكَن: ((كنَّا نَرَى أنَّهما)» وبه يستقيم الكلام. ٢١ - باب قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] يعني: أضْداداً، واحدها نِدٌّ. ٤٤٩٧ - حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن شَقِيقٍ، عن عبدِ الله: قال النبيُّ وَ كلمةً، وقلتُ أُخرَى، قال النبيُّ نَّهِ: ((مَن ماتَ وهو يَدْعو من دونِ اللهِ نِدّاً دَخَلَ النارَ)) وقلتُ أنا: مَن ماتَ وهو لا يَدْعو لله نِدّاً دَخَلَ الجنَّةَ. قوله: ((باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اُللّهِ﴾ يعني أضْداداً، واحدها نِدٌّ)) قد تقدَّم تفسير الأنداد في أوائل هذه السّورة (٤٤٧٧)، وتفسير الأنداد بالأضدادِ لأبي عُبيدة، وهو تفسير باللازِمِ. وذکر هنا أيضاً حديث ابن مسعود: «مَن مات وهو يجعل له نِدّاً)) وقد مضى شرحه في (١) تحرفت في (س) إلى: إجماع. (٢) أي: على صُفُوي، لكن سبقت الواو الياءَ بالسكون فأُبدلت الواو ياءً ثم أُدغمت الياء في الياء وكُسرت الفاء لمناسبة الياء فصارت: صُفِيٌّ، ويجوز كسر الصاد فيها. (٣) تحرفت في (س) في الموضعين هذا والذي يليه إلى: صفا، بالألف. (٤) في (س): ((فيه حذف سقط))، والمثبت من الأصلين. ٤٦ سورة البقرة / ح ٤٤٩٨- ٤٥٠٠ فتح الباري بشرح البخاري أوائل كتاب الجنائز (١٢٣٨)، ويأتي الإلمام بشيءٍ منه في الأيمان والنُّذور (٦٦٨٣). ٢٢- بابٌ ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣] عُفِىَ : تُرِكَ. ٤٤٩٨ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنَا عَمْرٌو، قال: سمعتُ مجاهداً، قال: سمعتُ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، يقول: كان في بني إسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكن فيهمُ الدِّيةُ، فقال الله تعالى لِذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلَى الْخُرُّ بِالْخُ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِاَلْأُنْقَ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ﴾ فالعَفْوُ: أن يَقْبَلَ الدِّيَةَ في العَمْدِ، ﴿فَنِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ ٧٧/٨ ١ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ يَتَّبِعُ بالمعْروفِ، وَيُؤَدّي بإحسانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾/ مَّا كُتِبَ على مَن كان قبلَكُم، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ, عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَتَلَ بعدَ قَبُولِ الدِّيةِ. [طرفه في: ٦٨٨١] ٤٤٩٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، حدَّثنا مُحميدٌ، أنَّ أنساً حدَّثهم، عن النبيِّ وَّه قال: ((كتابُ الله القِصَاصُ)). ٤٥٠٠ - حدَّثني عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ، سمعَ عبدَ الله بنَ بَكْرِ السَّهْميَّ، حدَّثْنا مُميِدٌ، عن أنسٍ: أنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهَ كَسَرَت ثَنِيَّةَ جاريةٍ، فطَلَبوا إليها العَفْوَ فَأَبُوْا، فَعَرَضُوا الأرشَ فَأَبُوْا، فَأَتَوْا رسولَ الله وَّ وأبَوْا إلا القِصاصَ، فأمَرَ رسولُ الله وَِّ بِالقِصاص، فقال أنسُ بنُ النَّضْرِ: يا رسولَ الله أَتْكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ! لا والذي بَعَثَكَ بالحقِّ لا تُكْسَرُ ثَتُها، فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((يا أنسُ، كتابُ الله القِصاص)) فَرَضِيَ القومُ فعَفَوْا، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((إنَّ من عِبادِ الله مَن لو أقسَمَ على الله لَأَ بَّه)). قوله: ((باب ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره الآية إلى ﴿أَلِمٌ﴾. قوله: (عَمْرو)) هو ابن دینار. ٤٧ سورة البقرة / ح ٤٤٩٨ -٤٥٠٠ كتاب التفسير قوله: ((كان في بني إسرائيل القصاص)) سيأتي شرحه في كتاب الدّيات (٦٨٨١). قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريّ، حدَّثنا مُميدٌ، أنَّ أنساً حدَّثهم، عن النبيّ وَيّ قال: كتاب الله القصاص)) هكذا أورَدَه مختصراً، وساقَه في الصُّلح (٢٧٠٣) بهذا الإسناد مُطوَّلاً، وسيأتي(١) في الدّيات أيضاً باختصار ويأتي فيه شرحه(٢). ثمَّ أورَدَه من وجه آخر عن حُميدٍ، وسيأتي شرحه في تفسير سورة المائدة (٤٦١١) إن شاء الله تعالى. وقوله: ((كتاب الله القِصاص)) بالرَّفع فيهما على أنَّه مُبتَدَأ وخَبَر، وبالنصب فيهما على أنَّ الأوَّل إغراء والثّاني بَدَل، ويجوز في الثّاني الرَّفع على أنَّه مُبتَدَأ محذوف الخبر، أي: اتَّبعوا كتاب الله ففيه القصاص. قال الخطَّبيُّ: في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأْتِبَاعٌ﴾ ... إلى آخره: يحتاج إلى تفسير، لأنَّ العفو يقتضي إسقاط الطََّب، فما هو الاتِباع؟ وأجابَ بأنَّ العفو في الآية محمولٌ على العفو على الدّية، فيَنَّجِه حينئذٍ المطالَبةُ بها، ويَدخُل فيه عفوُ(٣) بعض مُستَحقّي القِصاص، فإنَّه يَسقُط ويَنْتَقِل حَقُّ مَن لم يَعفُ إلى الدّية فيُطالب بحِصَّتِهِ. ٢٣- بابٌ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٣] قوله: ((باب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾)) أمَّا قوله: ﴿كُتِبَ﴾ فمعناه: فُرِضَ، والمراد بالمكتوب فيه: اللَّوح المحفوظ. (١) باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات، قبل الحديث (٦٨٨٦). (٢) قوله: ((ويأتي فيه شرحه)) سقط من (أ) و(س). (٣) لفظة ((عفو)) سقطت من (س). ٤٨ سورة البقرة / ح ٤٥٠١ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قوله: ((كما)) فاختُلِفَ في التَّشبيه الذي دَلَّت عليه الكاف، هل هو على الحقيقة فيكون صيام رمضان قد كتبه الله على الأمم قبلكم ولهذا قال الحسن البصري(١): كُتِبَ على من قبلنا. أو المراد مُطلَق الصيام دون وقتِه وقَدْره؟ فيه قولان. ووَرَدَ في الأول حديثٌ مرفوع عن ابن عمر أورَدَه ابن أبي حاتم (٣٠٤/١) بإسنادٍ فيه مجهول، ولفظه: «صيام رمضان كَتَبَه الله على الأُمَم قبلكم))، وبهذا قال الحسن البصريّ والسُّدّئُّ، وله شاهد آخر أخرجه التِّرمِذيّ(٢) من طريق دَغْفَلِ (٣) النَّسّابة وهو من المخَضرَمينَ ولم تَثْبُت له صُحْبة، ونحوه عن الشَّعبيّ وقَتَادة. والقول الثّاني: أنَّ التَّشبيه واقع على نفس الصوم، وهو قول الجمهور، وأسنَدَه ابن أبي حاتم والطَّبَرَيُّ عن معاذ وابن مسعود وغيرهما في الصَّحابة والتابعينَ، وزاد الضَّحّاك: ((ولم يزل الصيام مشروعاً من زمن نوح)). وفي قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ إشارة إلى أنَّ مَن قبلنا كان فَرْضُ الصوم عليهم من قَبِيل الآصار والأثقال التي كُلِّفوا بها، وأمَّا هذه الأُمّة فتكليفها بالصوم ليكونَ سبباً لاتِّقاءِ المعاصي وحائلاً بينهم وبينَها، فعلى هذا المفعول المحذوف يُقدَّر بالمعاصي أو بالمنهيّات. ٤٥٠١ - حدَّثْنَا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله (١) من قوله: ((كتبه الله ... )) إلى هنا لم يرد في (س)، وأثبتناه من الأصلين. (٢) لم يخرجه الترمذي، فدَغفَل النسّابة - وهو ابن حنظلة - لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة إلا حديثاً واحداً أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٣٦٥): أن النبي ◌َ ◌ّ قُبضَ وهو ابن خمس وستين. ثم قال الترمذي: ودغفل لا نعرف له سماعاً من النبي وَّل. أما حديث صيام الأمم السابقة فقد أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢٥٤/٣، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨١٩٣) من طريق قتادة، عن الحسن البصري، عن دَغفَل بن حنظلة، عن النبي ◌َّر قال: ((كان على النصارى صوم رمضان، فمرض مَلِكُهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة أيام، ثم كان عليهم بَعْدُ، فقال: ما نَدَعُ من هذه الثلاثة الأيام شيئاً أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع، ففعل، فصارت خمسين يوماً)). وأخرجه الطحاوي في ((أحكام القرآن)) (٩١٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٢٠٣) من طريق قتادة عن الحسن عن دغفل قوله، ولم یرفعه. (٣) تحرفت في (س) إلى: معقل. ٤٩ سورة البقرة / ح ٤٥٠٢ - ٤٥٠٤ كتاب التفسير عنهما، قال: كان عاشُوراءُ يصومُه أهلُ الجاهليَّةِ، فلمَّا نزلَ رمضانُ قال: «مَن شاءَ صامَه، ومَن شاءً لم يَصُمْه)). ٤٥٠٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: كان عاشُوراءُ يُصامُ قبلَ رمضانَ، فلمَّا نزلَ رمضانُ، قال: ((مَن شاءَ صامَ ومَن شاءَ أَفطَرَ)). ٤٥٠٣ - حدَّثني محمودٌ، أخبرنا عُبيدُ الله، عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله قال: دَخَلَ عليه الأشعَثُ وهو يَطْعَمُ، فقال: اليومُ عاشُوراءُ، فقال: كان ١٧٨/٨ يُصامُ قبلَ أن يَنزِلَ رمضانُ، فلمَّا نزلَ رمضانُ تُرِكَ، فادنُ فَكُلْ. ٤٥٠٤ - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشامٌ، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً رضي الله عنها قالت: كان يومُ عاشُوراءَ تصومُه قُرَيشٌ في الجاهليَّةِ، وكان النبيُّ ◌َّ يصومُه، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ صامَه وأمَرَ بصيامِه، فلمَّا نزلَ رمضانُ كان رمضانُ الفَرِيضَةَ وتُرِكَ عاشُوراءُ، فكان مَن شاءَ صامَه ومَن شاءً لم يَصُمْه. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عمر وقد تقدَّم في كتاب الصيام (١٨٩٢) من وجه آخر معَ شرحه. ثانيها: حديث عائشة، أورَدَه من وجهَينِ عن عُرْوة عنها، وقد تقدَّم شرحه كذلك (٢٠٠١ و ٢٠٠٢). ثالثها: حديث ابن مسعود. قوله: ((حدَّثني محمود)) هو ابن غَيْلان، وثَبَتَ كذلك في رواية؛ كذا قال أبو عليّ الجَيّانيّ، وقد وَقَعَ في نُسخة الأَصِيلِيِّ عن أبي أحمد الجُرجانيّ: ((حدَّثْنا محمَّد)) بَدَل محمود، وقد ذكر الكَلَاباذِيُّ أنَّ البخاريّ روى عن محمود بن غَيْلان وعن محمَّد - وهو ابن يحيى الذُّهْلِيُّ - عن عُبيد الله بن موسى، قال أبو عليّ الجَيّانيُّ: لكن هنا الاعتماد على ما قال الجماعة: عن محمود بن غَيْلان المروزيِّ. قوله: «عن عبد الله)) هو ابن مسعود. ٥٠ سورة البقرة / ح ٤٥٠٢ - ٤٥٠٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال: دَخَلَ عليه الأشعَث وهو يَطْعَم)) أي: يأكل، وفي رواية مسلم (١١٢٧ /١٢٤) من وجه آخر عن إسرائيل بسندِه المذكور إلى عَلقَمة قال: دَخَلَ الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل. وهو ظاهر في أنَّ عَلقَمة حَضَرَ القِصّة، ويحتمل أن يكون لم يَضُرها وَمَلَها عن ابن مسعود، كما دَلَّ عليه سياق رواية الباب. ولمسلم أيضاً (١١٢٧/ ١٢٢) من طريق عبد الرَّحمن بن يزيد قال: دَخَلَ الأشعَث بن قيس على عبد الله وهو يَتَغَدَّى. قوله: ((فقال: اليومُ عاشُوراء)) كذا وَقَعَ مختصراً، وتمامه في رواية مسلم بلفظ: ((فقال - أي: الأشعَث ـ: يا أبا عبد الرّحمن)) وهي كُنية ابن مسعود، وأوضَحُ من ذلك رواية عبد الرَّحمن بن يزيد المذكورة: ((فقال - أي: ابن مسعود -: يا أبا محمَّد)) وهي كُنية الأشعَك ((ادنُ إلى الغَداء، فقال: أوَليس اليومَ يومُ عاشُوراء؟». قوله: ((كان يُصام/ قبل أن يَنزِل رمضان)) في رواية عبد الرَّحمن بن يزيد: إنَّما هو يومٌ كان رسول الله پڼ یصومه قبل أن ينزِل شهر رمضان. ١٧٩/٨ قوله: ((فلمَّا نزلَ رمضان تُرِكَ» زاد مسلم في روايته: فإن كنتَ مُفطِراً فاطعَم، وللنَّسائيِّ (ك٢٨٥٦) من طريق عبد الرَّحمن بن يزيد عن عبد الله: كنَّا نصوم عاشوراء، فلمَّا نزلَ رمضان لم نُؤْمَر به ولم نُنهَ عنه، وكثَّا نفعله، ولمسلم (١١٢٨) من حديث جابر بن سَمُرة نحو هذه الرِّواية. واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ صيام عاشُوراء كان مُفتَرَضاً قبل أن یَنزِلَ فرضُ رمضان ثمَّ نُسِخَ، وقد تقدَّم القول فيه مبسوطاً في أواخر كتاب الصيام (٢٠٠٠ - ٢٠٠٧). وإيراد هذا الحديث في هذه التَّرجمة يُشعِر بأنَّ المصنِّف كان يميل إلى ترجيح القول الثّاني، ووجهه أنَّ رمضان لو كان مشروعاً قبلنا لَصامَه النبيّ ◌َّهِ ولم يَصُمْ عاشُوراء أوَّلاً، والظّاهر أنَّ صيامه عاشوراء ما كان إلّا عن توقيف، ولا يَضُرّنا في هذا المقام(١) اختلافهم هل كان صومه فرضاً أو نَفلاً. (١) في (س): في هذه المسألة، والمثبت من الأصلين. ٥١ سورة البقرة / ح ٤٥٠٥ كتاب التفسير ٢٤- باب قوله: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌلَّةَ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : ١٨٤] وقال عطاءٌ: يُفطِرُ منَ المرضِ كلِّه كما قال الله تعالى. وقال الحسنُ وإبراهيمُ في المُرْضِعِ أو الحامِلِ، إذا خافَتا على أنفُسِهما، أو ولدِهما: تُفْطِران ثُمَّ تَقْضِیان. وأمَّا الشيخُ الكبِيرُ إذا لم يُطِقِ الصِّيامَ، فقد أطْعَمَ أنسُ بعدَما كَبِرَ عاماً أو عامَينٍ، كلَّ يومٍ مِسْكيناً خُبْزاً ولحماً، وأفطَرَ. قراءةُ العامّةِ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ وهو أكثر. ٤٥٠٥ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا رَوٌْ، حدَّثنا زكريًّا بنُ إسحاقَ، حدَّثنا عَمْرو بنُ دِینارٍ، عن عطاءٍ: سمعَ ابنَ عبَّاسٍ يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطوَّقونه فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ: ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكَبِيرُ والمرأةُ الكَبِيرةُ لا يستطيعان أن يصوما، فلْيُطْعِمانِ مكانَ كلِّ يومٍ مِسْكيناً. قوله: ((باب قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾)) ساقَ الآية كلّها، وانتَصَبَ ﴿أَيَّامًا﴾ بفِعلِ مُقدَّر يدلّ عليه سياق الكلام، كصوموا أو صاموا، وللزَّمَشَريِّ في ((إعرابه)) كلامٌ مُتَعقَّب ليس هذا موضعه. قوله: ((وقال عطاء: يُفطِر من المرض كلِّه كما قال الله تعالى)) وَصَلَه عبد الرَّزاق (٧٥٦٨) عن ابن جُرَيج قال: قلت لعطاءٍ: من أيِّ وَجَع أُفطِر في رمضان؟ قال: من المرض كلِّه، قلت: يصوم، فإذا غَلَبَ عليه أفطَرَ؟ قال: نعم. وللبخاريِّ في هذا الأثر قِصّة معَ شيخه إسحاق بن راهويه ذكرتُها في ترجمة البخاريّ من ((تغليق التَّعليق)). ٥٢ سورة البقرة / ح ٤٥٠٥ فتح الباري بشرح البخاري وقد اختَلَفَ السَّلَف في الحَدّ الذي إذا وَجَدَه المكلَّف جازَ له الفِطْر، والذي عليه الجمهور أنَّه المرض الذي يُبيح له التيمُّم معَ وُجود الماء، وهو ما إذا خافَ على نفسه لو تَمَادَى على الصوم أو على عُضو من أعضائه، أو زيادة في المرض الذي بدأ به، أو تَمادیه. وعن ابن سِيرِين: متى حَصَلَ الإنسانُ في حالٍ (١) يَسْتَحِقّ بها اسمَ المرض فله الفِطْرِ، وهو نحو قول عطاء، وعن الحسن والنَّخَعيِّ: إذا لم يَقدِر على الصلاة قائماً يُفطِر. قوله: ((وقال الحسن وإبراهيم في المُرْضِع أو الحامِل إذا خافَتا على أنفُسِهما أو ولدِهما: تُفْطِران ثُمَّ تَقْضيان)) كذا وَقَعَ لأبي ذرٍّ وللأَصِيلِيِّ بلفظ: ((أو الحامل))، ولغيرهما: ((والحامل)) بالواو وهو أظهر. ١٨٠/٨ وأمَّا أثر الحسن فوَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق يونس بن عُبَيد(٢)/ عن الحسن، هو البصريّ قال: المرضِعُ إذا خافَت على ولدها أفطَرَت وأطعَمَت، والحامل إذا خافَت على نفسها أفطَرَت وفَضَت، وهي بمَنزِلة المريض (٣). ومن طريق قَتَادة عن الحسن: تُفطِران وتقضيان. وأمَّا قول إبراهيم - وهو النَّخَعيُّ - فوَصَلَه عبد بن محُميدٍ أيضاً من طريق أبي مَعشَر عن النَّخَعيِّ قال: الحامل والمرضِع إذا خافَتا أفطَرَتا وقَضَتا صوماً. قوله: ((وأمَّا الشَّيخ الكبير إذا لم يُطِقِ الصيام، فقد أطْعَمَ أنسُ بن مالك بعدَما كَبِرَ عاماً أو عامَينٍ، كلَّ يومٍ مِسْكيناً خُبْزاً ولحماً وأفطَرَ)) وروى عبد بن حُميدٍ من طريق النَّضر بن أنس عن أنس أنَّه أفطَرَ في رمضان وكان قد كَبِرَ، فأطعَمَ مِسْكيناً كلَّ يوم. ورُوِّيناه في ((فوائد محمَّد بن هشام بن مَلَّاس)) عن مروان عن معاوية عن حُميدٍ قال: ضَعُفَ أنس عن الصوم عامَ تُؤُلِّ، فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاقَ الصوم؟ قال: لا، فلمَّا عَرَفَ أنَّه لا يُطيق القضاء، أمَرَ بِفانٍ من خُبز ولحم فأطعَمَ العِدّة أو أكثر. (١) كذا في (أ) و(ع)، وفي (س): متى حصل للإنسان حالٌ. (٢) تحرف في (س) إلى: حُمید. (٣) في (ع): بمنزلة المرأة الحائض، وهو خطأ، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في ((سنن البيهقي)) ٢٣٠/٤، و((عمدة القاري)) ١٠٤/١٨. ٥٣ سورة البقرة / ح ٤٥٠٥ كتاب التفسير تنبيه: قوله: ((فقد أطعَمَ)) الفاء جواب للدَّليل الدَّالّ على جواز الفِطْر، وتقدير الكلام: وأمَّا الشَّيخ الكبير إذا لم يُطِق الصيام فإِنَّه يجوز له أن يُفطِرِ ويُطعِم، فقد أطعَمَ ... إلى آخره. وقوله ((كَبِرَ)) بفتح الكاف وكسر الموحَّدة، أي: أسَنَّ، وكان أنس حينئذٍ في عَشْر المئة كما تقدَّم التَّنبيه عليه قريباً (٤٤٨٩). قوله: ((قراءة العامّة: يُطِيقونَه، وهو أكثر)) يعني: من أطاقَ يُطيق، وسأذكرُ ما خالَفَ ذلك في الذي بعده. قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن راهويه، ورَوح - بفتح الرّاء -: هو ابن عُبَادة. قوله: ((سمعَ ابن عبّاس يقول)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((يقرأ)). قوله: (يُطَوَّقونَه)) بفتح الطاء وتشديد الواو مَبنيّاً للمفعولِ مُخُفَّف الطاء، مِن: طُوِّقَ، بضمٍّ أوَّله بوزنِ قُطِّعَ، وهذه قراءة ابن مسعود أيضاً، وقد وَقَعَ عند النَّسائيِّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن عَمْرو بن دينار: يُطَوَّقونَه: يُكلَّفونَه، وهو تفسير حسن، أي: يُكلَّفونَ إطاقته. وقوله: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ زاد في رواية النِّسائيّ (ك١٠٩٥١) ((واحد)). وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً﴾ زاد في رواية النَّسائيِّ: ((فزاد مِسْكيناً آخر)). قوله: ((قال ابن عبَّاس: ليست بمنسوخةٍ، هو الشَّيخُ(١) الكبير والمرأة الكبيرة)) إلى آخره، هذا مذهب ابن عبَّس، وخالَفَه الأكثر، وفي(٢) الحديث الذي بعده ما يدلُّ على أنَّها منسوخة. وهذه القراءة تُضعِف تأويل مَن زَعَمَ أنَّ ((لا)) محذوفة من القراءة المشهورة، وأنَّ المعنى: وعلى الذينَ لا يُطيقونَه فِدْية، وأنَّه كقولِ الشّاعر: فقلتُ يمينُ الله أبرَحُ قاعِداً(٣) (١) في (أ) و(ع): هي للشيخ، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في اليونينية. (٢) زاد هنا في (س) لفظة: ((هذا)) وهو خطأ. (٣) هو صدر من بيت منسوب لا مرئ القيس، وعجزه: ولو قَطَعوا رأسِي لديكَ وأَوصَالي انظر: ((اللمع في العربية)) لابن جنِّي ص١٨٦. ٥٤ سورة البقرة / ح ٤٥٠٦- ٤٥٠٧ فتح الباري بشرح البخاري أي: لا أبرَح قاعِداً، وَرَدَ بدلالة القَسَم على النَّفي بخِلَاف الآية، وسبب(١) هذا التَّويل أنَّ الأكثر على أنَّ الضَّمير في قوله: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ للصيام، فيصير تقدير الكلام: وعلى الذينَ يُطيقونَ الصيام فِدْية، والفِذْية لا تجب على المطيق وإنَّما تجب على غيره، والجواب عن ذلك أنَّ في الكلام حذفاً تقديره: وعلى الذينَ يُطيقونَ الصيام إذا أفطَروا فِدْية، وكان هذا في أوَّل الأمر عند الأكثر، ثمَّ نُسِخَ وصارت الفِدْية للعاجِزِ إذا أفطَرَ، وقد تقدَّم في الصيام حديث ابن أبي ليلى قال: حدَّثنا أصحاب محمَّد، لمَّا نزلَ رمضان شَقَّ عليهم، فكان مَن أطعَمَ كلّ يومٍ مِسْكيناً تَرَكَ الصوم ممَّن يُطيقه، ورُخِّصَ لهم في ذلك، فَنَسَخَتها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾(٢)، وأمَّا على قراءة ابن عبَّاس فلا نسخَ، لأنَّه يجعل الفِدْية على مَن تَكلَّفَ الصوم وهو لا يَقدِر عليه فيُقْطِرِ ويُكَفِّر، وهذا الحكم باقٍ. وفي الحديث حُجّة لقولِ الشافعيّ ومَن وافَقَه أنَّ الشَّيخ الكبير ومَن ذُكِرَ معه إذا شَقَّ عليهم الصوم فأفطَروا فعليهم الفِذْية، خِلَافاً لمالك ومَن وافَقَه. واختُلِفَ في الحامل والمرضِع ومَن أفطَرَ لكِبَرِ ثمَّ قويَ على القضاء بعد، فقال الشافعيّ وأحمد: يَقضونَ ويُطعِمونَ، وقال الأوزاعيُّ والكوفيّونَ: لا إطعام. ٢٥- بابٌ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ٤٥٠٦ - حدَّثنا عيّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ ١٨١/٨ عمرَ رضي الله عنهما: / أنَّه قرأَ: ((فِذْيةُ طَعامٍ مساكين)) قال: هي منسوخةٌ. ٤٥٠٧ - حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ، عن عَمْرِو بنِ الحارثِ، عن بُكَيرِ بنِ عبدِ الله، عن يَزِيدَ مولى سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ، عن سَلَمَةَ قال: لمَّا نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان مَن أرادَ أن يُفطِرَ ويَفْتَدِيَ، حتَّى نزلتِ الآيةُ التي بعدَها فنَسَخَتْها. (١) تحرف في (س) إلى: ويثبت. (٢) معلقاً بين يدي الحديث رقم (١٩٤٩). ٥٥ سورة البقرة / ح ٤٥٠٦- ٤٥٠٧ كتاب التفسير قال أبو عبدِ الله: ماتَ بُکَیرٌ قبلَ یزیدَ. قوله: ((باب ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾)) ذكر فيه حديث ابن عمر أنَّه قرأ: ((فِدْيةٌ طعامٍ)) بالإضافة و((مَسَاكينَ)) بلفظ الجمع، وهي قراءة نافع وابن ذَكْوانَ، والباقونَ بتنوينٍ ((فِدْية)) وتوحيد ((مِسْكين))، و((طعامٌ)) بالرَّفع على البَدَليَّة، وأمَّ الإضافة فهي من إضافة الشَّيء إلى نفسه، والمقصود به البيان، مِثل: خاتَمُ حديدٍ وثوبُ حَرِيرٍ، لأنَّ الِفِدْية تكون طعاماً وغيره، ومَن جمع مَساكين فلمُقابلة الجمع بالجمع، ومَن أفرَدَ فمعناه: فعلى كلّ واحد ممَّن يُطيق الصوم، ويُستَفاد من الإفراد أنَّ الحُكم لكلِّ يوم يُفطِرِ فيه إطعام مِسْكين، ولا يُفهَم ذلك من الجمع، والمراد بالطَّعام: الإطعام. قوله: ((قال: هي منسوخة)) هو صريح في دَعوَى النَّسخ، ورَجَّحَه ابن المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] قال: لأنَّها لو كانت في الشَّيخ الكبير الذي لا يُطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ معَ أنَّه لا يُطيق الصيام. قوله في حديث ابن الأكوَع: ((لمَّا نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾)) إلى آخره، هذا أيضاً صريح في دَعوَى النَّسخ، وأصرَح منه ما تقدّم من حديث ابن أبي ليلى(١)، ويُمكِن إن كانت القراءة بتشديد الواو ثابتةً أن يكون الوجهان ثابتَينِ بحَسَب مدلول القراءتين(٢)، والله أعلم. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف، وثَبَتَ هذا الكلام في رواية المُستَمْلي وحده. قوله: ((ماتَ بُكَيرٌ قبل يزيد)) أي: ماتَ بُكَيرُ بن عبد الله بن الأشجّ الراوي عن یزید وهو ابن أبي عُبيد قبل شيخه يزيد، وكانت وفاته سنة عشرينَ ومئة، وقيل: قبلها أو بعدها، وماتَ يزيد سنة ستّ أو سبع وأربعينَ ومئة. (١) انظر شرح الحديث السابق. (٢) تحرف في (س) إلى: القرائن. ٥٦ سورة البقرة / ح ٤٥٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ٢٦ - بابٌ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ٤٥٠٨ - حدَّثنا عُبيدُ الله، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ (ح). وحدَّثنا أحمدُ بنُ عثمانَ، حدَّثنا شُرَيِحُ بنُ مَسْلَمَةَ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ يوسفَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ ﴾: لمَّ نزلَ صومُ رمضانَ كانوا لا يَقْرَبونَ النِّساءَ رمضانَ كلَّه، وكان رجالٌ يَخونونَ أنفُسَهم، فأنزَّلَ الله: ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَّخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾. قوله: ((باب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾)) كذا لأبي ذرِّ، وساقَ في رواية كَرِيمة الآية كلّها. قوله: ((لمَّا نزلَ صومُ رمضان كانوا لا يَقْرَبونَ النِّساء)» قد تقدَّم في كتاب الصيام (١٩١٥) من حديث البراء أيضاً أنَّهم كانوا لا يأكلونَ ولا يَشرَبونَ إذا ناموا، وأنَّ الآية نزلت في ذلك، وبيَّنَتُ هناكَ أنَّ الآية نزلت في الأمرَينِ معاً، وظاهر سياق حديث الباب أنَّ الجماع كان ١٨٢/٨ ممنوعاً في جميع اللَّيل والنَّهار، بخِلَاف الأكل / والشُّرب، فكان مأذوناً فيه ليلاً ما لم يَحَصُل النَّوم، لكن بَقيَّة الأحاديث الواردة في هذا المعنى تَدُلّ على عَدَمِ الفَرق، كما سأذكرُها بعدُ، فُيُحمَل قوله: ((كانوا لا يَقرَبونَ النِّساء)) على الغالب، جمعاً بين الأخبار. قوله: ((وكان رجال يخونونَ أنفُسهم)) سُمّيَ من هؤلاءِ عمر وكعب بن مالك رضي الله عنهما، فروى أحمد (٢٢١٢٤) وأبو داود (٥٠٧)، والحاكم (٢٧٤/٢) من طريق عبد الرَّحمن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: أُحيل الصيامُ ثلاثة أحوال: فإنَّ رسول الله وَ لَ قَدِمَ المدينة فجَعَلَ يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، وصامَ عاشوراء، ثمَّ إنَّ الله فرَضَ عليه الصيام وأنزَلَ عليه ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فذكر الحديث إلى أن قال: وكانوا يأكلونَ ويَشرَبونَ ويأتونَ النِّساء ما لم يَناموا، فإذا ناموا امتَنَعوا. ثمَّ إنَّ رجلاً من الأنصار ٥٧ سورة البقرة / ح ٤٥٠٩ كتاب التفسير صَلَّى العِشاء ثمَّ نامَ فأصبَحَ مجهوداً، وكان عمر أصاب من النِّساء بعدما نامَ، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنِعُواْ الصِّيَامَ إِلَى أَلَّيْلِ﴾. وهذا الحديث مشهور عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى(١)، لكنَّه لم يَسمَع من معاذ، وقد جاء عنه فيه: حدَّثنا أصحاب محمَّد، كما تقدَّم التَّنبيه عليه قريباً، فكأنَّه سمعَه من غير معاذ أيضاً، وله شواهد: منها ما أخرجه ابن مَرْدويه من طريق كُرَيبٍ عن ابن عبّاس قال: ((بَلَغَنا))، ومن طريق عطاء عن أبي هريرة نحوه، وأخرج ابن جَرِير (١٦٥/٢) وابن أبي حاتم (٣١٦/١) من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: كان الناس في رمضانَ إذا صامَ الرجلُ فأمسَى فنامَ، حَرُمَ عليه الطَّعام والشَّراب والنِّساء حتَّى يُفطِر من الغَد، فَرَجَعَ عمر من عند النبيّ ◌َّ﴾ وقد سَمُرَ عنده، فأراد امرأته، فقالت: إنّ قد نِمتُ، قال: ما نِمتُ، ووَقَعَ عليها. وصَنَعَ كعب بن مالك مِثل ذلك، فنزلت. وروى ابن جَرِير من طريق ابن عبَّاس نحوه، ومن طريق أصحابه مجاهد وعطاء وعِكْرمة وغير واحد من غيرهم كالسُّدّيِّ وقَتَادة وثابت نحو هذا الحديث، لكن لم يَزِد أحدٌ منهم في القِصّة على تسمية عمر إلّا ما في حدیث کعب ابن مالك، والله أعلم. ٢٧- بابٌ ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ اْلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧] العالِفُ: المُقِيم. ٤٥٠٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن حُصَينٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَدِيٌّ قال: أخَذَ عَدِيٌّ عِقالاً أبيضَ وعِقالاً أسوَدَ، حتَّى كان بعضُ اللَّيلِ نظرَ، فلم يَستَبِينا، فلمَّا أصبَحَ قال: يا رسولَ الله جَعَلْتُ تحتَ وِسادَقي، قال: ((إنَّ وِسادَكَ إذاً لَعَرِيضٌ، أن كان الخيطُ الأبيضُ والأسوَدُ تحتَ وِسادتِكَ!)). (١) انظر شرح الحديث (٤٥٠٥). ٥٨ سورة البقرة / ح ٤٥١٠-٤٥١٢ فتح الباري بشرح البخاري ٤٥١٠- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَدِيٌّ بنِ حاتم الَّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله ما ﴿ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ أهما الخيطان؟ قال: ((إِنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا إن أبصَرْتَ الخيطَينِ)) ثمَّ قال: ((لا، بل هو سوادُ اللَّيلِ، وبياضُ النَّهار)). ٤٥١١ - حذَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ محمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ، حدَّثني أبو حازِمِ، عن ١٨٣/٨ سَهْلِ بنِ سعدٍ / قال: وأَنْزِلَت: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبَّنَ لَكُ اَلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم يُنْزَل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وكان رجالٌ إذا أرادوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحدُهم في رِجْلَيه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسوَدَ، ولا يزالُ يأكلُ حتَّى يَتَبَّن له رُؤْيَتُهما، فأَنزَلَ الله بعدَه: ﴿مِنَ اُلْفَجْرِ﴾ فعَلموا أَنَّما يعني اللَّيلَ منَ النَّهار. قوله: ((باب ﴿وَكُواْ وَاشْرَبُواْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ الآية. العاكِف: المقيم)) ثَبَتَ هذا التَّفسير في رواية المُستَمْلي وحده، وهو تفسير أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ أي: المقيم والذي لا يُقيم. ثم ذكر المصنِّف حديث عَديّ بن حاتم من وجهَينٍ في تفسير الخيط الأبيض والأسود، وحديث سهل بن سعد في ذلك، وقد تقدَّما في الصيام معَ شرحهما (١٩١٦ و١٩١٧). ٢٨ - باب قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْ اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ الآية [البقرة: ١٨٩] ٤٥١٢- حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ قال: كانوا إذا أحرَموا في الجاهليَّةِ أتوا البيتَ من ظَهْرِهِ، فأنزلَ الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾. قوله: ((باب قولِهِ: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ الآية» کذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في روایة کَرِیمة إلى آخرها. ثم ذكر حديث البراء في سبب نزولها، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحج (١٨٠٣). ٥٩ سورة البقرة / ح ٤٥١٣-٤٥١٥ كتاب التفسير ٢٩- باب قوله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ آَنْشَهَوْاْ فَلَاَ عُدْوَنَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] ٤٥١٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا عبدُ الوهّاب، حدَّثْنا عُبيدُ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أتاه رجلان في فِتْنِةِ ابنِ الزُّبَيرِ، فقالا: إنَّ الناسَ ضُيِّعوا وأنتَ ابنُ عمرَ وصاحبُ النبيِّ وَّةِ، فما يَمْنَعُكَ أن تَخْرُجَ؟ فقال: يَمْنَعُني أنَّ اللهَ حَرَّمَ دَمَ أخي، فقالا: ألم يَقُلِ الله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾. فقال: قاتَلْنا حتَّى لم تكن فِتْنَةٌ، وكان الدِّينُ له، وأنتم تريدونَ أن تُقاتلوا حتَّى تكونَ فِتْنَةٌ، ويكونَ الدِّينُ لغيرِ الله. ٤٥١٤ - وزادَ عثمانُ بنُ صالح، عن ابنِ وَهْب، قال: أخبرني فلانٌ وحَيْوةُ بنُ شُرَيح، عن بكرِ بنِ عَمرٍو المعافِيِّ: أنَّ بُكَيرَ بنَ عبدِ الله حدَّثه، عن نافع: أنَّ رجلاً أتى ابنَ عمر فقال: یا أبا عبدِ الرَّحْمنِ ما ◌َلَكَ على أن تَحُجَّ عاماً وتَعْتَمِرَ عاماً، وتَتْرُكَ الجهادَ في سبيلِ الله عزَّ وجلَّ؟ وقد عَلمْتَ ما رَغَّبَ الله فيه، قال: يا ابنَ أخي/، بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: إيمانٍ بالله ورسوله، ١٨٤/٨ والصلاةِ الخمسِ، وصيامِ رمضانَ، وأداءِ الزكاةِ، وحَجِّ البيتِ، قال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ ألا تَسْمَعُ ما ذكر الله في كتابه ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى: ﴿أَمْرِ اَللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ قال: فعَلْنا على عَهْدِ رسولِ الله ◌َّ وكان الإسلامُ قَلِيلاً، فكان الرجلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ؛ إمّا قَتَلُوه، وإمّا يُعذِّبوه، حتَّى كَثُرَ الإسلامُ، فلم تكن فِتٌْ. ٤٥١٥ - قال: فما قولُكَ في عليّ وعثمانَ، قال: أَمَّا عثمانُ فكانَ الله(١) عَفا عنه، وأمَّا أنتم فكَرِهْتُم أن يَعِفُوَ عنه، وأمَّا عليٌّ فابنُ عَمِّ رسولِ اللهَوَّهِ وخَتَنُهُ - وأشارَ بَيَدِه فقال -: هذا بيتُه حيثُ تَرَوْنَ. قوله: ((باب قوله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾)) ساقَ إلى آخر الآية. قوله: (أتاه رجلان)) تقدَّم في مناقب عثمان(٢) أنَّ اسم أحدهما العلاء بن عِرَار وهو بمُهمَلاتٍ، (١) ضُبطت في نسخ ((الصحيح)) بوجهين معاً، الأول كما هو مثبت، والثاني: ((فكأنَّ اللهَ). (٢) بل في مناقب أبي بكر في أواخر شرحه على الحدیث رقم (٣٦٥٤). ٦٠ سورة البقرة / ح ٤٥١٣-٤٥١٥ فتح الباري بشرح البخاري واسم الآخر حِبّانُ السُّلَميُّ صاحب الدُّنَينة(١)، أخرج سعيد بن منصور من طريقه ما يدلَّ على ذلك، وسيأتي في تفسير سورة الأنفال (٤٦٥١) أنَّ رجلاً اسمه حَكيم سألَ ابن عمر عن شيء من ذلك، ويأتي شرح الحديث هناكَ إن شاء الله تعالى. وقوله: ((في فتنة ابن الزُّبَيرِ)) في رواية سعيد بن منصور أنَّ ذلك عام نَزَل(٢) الحجّاج بابنِ الزُّبَير، فيكون المراد بفتنة ابن الزُّبَير: ما وَقَعَ في آخر أمره، وكان نزول الحجّاج - وهو ابن يوسف الثَّقَفيّ - من قِبَل عبد الملك بن مروان، جَهَّزَه لقتال عبد الله بن الزُّبَير وهو بمكَّة في أواخر سنة ثلاث وسبعينَ، وقُتِلَ عبد الله بن الزُّبَير في آخر تلكَ السَّنة، وماتَ عبد الله بن عمر في أوَّل سنة أربع وسبعينَ كما تقدَّمت الإشارة إليه في ((باب العِيدَينِ)). قوله: ((إنَّ الناس قد ضُيِّعوا)) بضمِّ المعجَمة وتشديد التَّحتانيَّة المكسورة للأكثرِ، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((صَنَعوا)) بفتح المهمَلة والنّون، ويحتاج إلى تقدير شيءٍ محذوف، أي: صَنَعوا ما تَرَى من الاختلاف. وقوله في الرّواية الأُخرى: ((وزاد عثمان بن صالح)) هو السَّهميّ، وهو من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج عنه في الأحكام (٧١٧٥) حديثاً غير هذا(٣). وقوله: (أخبرني فلان وحَيْوةُ بن شُرَيح)) لم أقِفْ على تعيين اسم فلان، وقيل: إنَّه عبد الله بن لَهِيعة، وسيأتي سياق لفظ حَيْوةَ وحده في تفسير سورة الأنفال (٤٦٥٠). وهذا الإسناد من ابتدائه إلى بُكَير بن عبد الله - وهو ابن الأشَجّ - مِصْريّونَ(٤)، ومنه إلى مُنتَهاه مَدَنيّونَ. قوله: ((ما حَمَلك على أن تَحُجّ عاماً وتَعْتَمِر عاماً وتَتْرُك الجهاد في سبيل الله)) أطلقَ على قتال (١) هو حبان بن جَزْء السلمي أخو خُزيمة بن جَزء من رجال ((التهذيب)). والدثينة كجُهينة أو كسَفينة: موضع، أو ماء لبني سَّار بن عمرو كان يُدعى الدُّثينة فتطيروا فغيروا. قاله في ((القاموس)). (٢) كذا في الأصلین، وفي (س): نزول. (٣) وله حديث آخر غير الذي في الأحكام سلف برقم (٣٨٧٠). (٤) تحرفت في (أ) و(س) إلى: بصريون، والتصويب من (ع).