النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة البقرة كتاب التفسير قوله: (﴿رَعِنَا﴾: من الرُّعونة، إذا أرادوا أن يُحَمِّقوا إنساناً قالوا: راعِناً)) قلت: هذا على قراءة مَن نَوَّنَ، وهي قراءة الحسن البصريّ وأبي حَيْوةً(١)، ووجْهُهُ أنَّها صفة لمصدَرٍ محذوف، أي: لا تقولوا قولاً راعِناً، أي: قولاً ذا رُعُونة. وروى ابن أبي حاتم من طريق عبّاد بن منصور عن الحسن قال: الرّاعِن: السِّخْريّ من القول، نَهاهم الله أن يَسْخَروا من محمَّد. ويحتمل أن يُضَمِّن القول التَّسمية، أي: لا تُسمّوا نبيّكُمْ راعِناً. الرّاعِن: الأحمق، والأَرْعَن مُبالَغة فيه. وفي قراءة أُبيِّ بن كعب: ((لا تقولوا: راعونا)) وهي بلفظ الجمع، وكذا في مُصحَف ابن مسعود (٢). وفيه أيضاً ((ارْعَوْنا))(٣). وقرأ الجمهور: ﴿رَعِنَا﴾ بغير تنوين على أنَّه فِعل أمر من المراعاة، إنَّما نُهوا عن ذلك؛ لأنَّها كلمة تقتضي المساواة، وقد فَسَّرَها مجاهد: لا تقولوا: اسمَع مِنّا ونَسمَع مِنك. وعن عطاء: كانت لغةً(٤) تقولها / الأنصار فنُهوا عنها. ١٦٣/٨ وعن السُّدّيِّ قال: كان رجل يهوديّ يقال له رِفاعة بن زيد، يأتي النبيّ وَّ فيقول له: أرِعْنِي سَمْعَك واسمَعْ غير مُسْمِع، فكان المسلمونَ يَحسَبونَ أنَّ في ذلك تفخيماً للنبيِّ وَّه فكانوا يقولون ذلك، فنُهوا عنه. وروى أبو نُعَيم في ((الدَّلائل)) بسندٍ ضعيف جدّاً عن ابن عبَّاس قال: راعِنا بلسان اليهود: السَّبُّ القبيح، فسمعَ سعد بن معاذ ناساً من اليهود خاطَبوا بها النبيّ وَّ﴿ فقال: لَئِن سمعتُها من أحد منكم لأضرِبَنَّ عُنُقُه. قوله: ((لا يَخْزِي: لا يُغْني(٥)) هو قول أبي عُبيدة في قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ (١) وهي قراءة شاذة، انظر: ((مختصر في شواذ القرآن)) لابن خالويه ١٦. قال ابن جرير في ((جامع البيان)) ١/ ٤٧٢: وهذه قراءة لقُرَّاء المسلمين مخالفة، فغير جائزٍ لأحدٍ القراءة بها الشذوذها وخروجها عن قراءة المتقدمين والمتأخرين. (٢) وهي قراءة شاذة أيضاً، وقرأ بها ابن مسعود أيضاً. قال ابن عطية في ((المحرر الوجيز)) ٣٠٧/١ ط: قطر ٢: وفي مصحف ابن مسعود: (راعوانا) وهي شاذة. وانظر: ((مختصر في شواذ القرآن)) ١٦. (٣) نسبها له أبو حيان في ((البحر المحيط)) ١/ ٣٣٨، والسَّمين في ((الدّر المصون)) ٥١/٢، وهي قراءة شاذة. (٤) في (ع): كلمة. (٥) تصحفت في (س) إلى: ((لا تجزي: لا تغني)) بالتاء فیھما. ٢٢ سورة البقرة / ح ٤٤٧٧ فتح الباري بشرح البخاري شَيْئًا﴾، أي: لا تُغني، وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدّيِّ قال: يعني: لا تُغني نفسٌ مُؤمِنَةٌ عن نفسٍ كافرةٍ من المنفَعة شيئاً. قوله: ((﴿خُطُوَتِ﴾: من الخَطْو، والمعنَى: آثارَه)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾: هي الخطا واحدتها(١) خُطوة، ومعناها آثار الشّيطان، وروى ابن أبي حاتم من طريق ◌ِكْرمة قال: خُطوات الشّيطان: نَزَغات الشّيطان، ومن طريق مجاهد: خُطوات الشّيطان: خُطاه، ومن طريق القاسم بن الوليد: قلتُ لقَتَادة فقال: كلّ معصية لله فهي من خطوات الشَّيطان، وروى سعيد بن منصور(٢) عن أبي مِجْلَز قال: خُطوات الشّيطان: التُّذور في المعاصي. كذا قال، واللَّفظ أعَمُّ من ذلك، فـ((مِنْ» في كلامه مُقدَّرة. قوله: ((﴿أَبْتَلَّ﴾: اختبَرَ)) هو تفسير أبي عُبيدة والأكثر، وقال الفَرّاء: أمَرَه، وثَبَتَ هذا في نُسخة الصَّغَانيِّ. ٣- باب قوله تعالی: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَِّ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] ٤٤٧٧ - حدَّثني عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عَمْرٍو ابنِ شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ الله، قال: سألتُ النبيَّ ◌َّهِ: أَيُّ الذَّنْبِ أعظَمُ عندَ الله؟ قال: ((أن تَجْعَلَ الله نِدّاً وهو خَلَقَكَ)) قلتُ: إنَّ ذلك لَعظيمٌ، قلتُ: ثمَّ أيّ؟ قال: ((وأن تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أن يَطْعَمَ مَعَكَ)) قلتُ: ثمَّ أيُّ؟ قال: ((أن تُزانيَ حَلِيلةَ جارِكَ)). [أطرافه في: ٤٧٦١، ٦٠٠١، ٦٨١١، ٦٨٦١، ٧٥٢٠، ٧٥٣٢] قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾)) الأنداد جمع نِدّ، بکسرِ النُّون: وهو النَّظير، وروى ابن أبي حاتم (١/ ٦٢) من طريق أبي العالية قال: النِّ: العَدْل. ومن طريق الضَّحّاك عن ابن عبّاس قال: الأنداد: الأشباه. وسَقَطَ لفظ ((باب)) لأبي ذرٍّ. (١) في (أ) و(ع): واحدها، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في ((مجاز القرآن)) ١/ ٦٣. (٢) في قسم التفسير من ((سننه)) (٢٤٢). ٢٣ سورة البقرة / ح ٤٤٧٨ كتاب التفسير ثم ذكر المصنِّف حديث ابن مسعود: ((أيُّ الذَّنْب أعظَم؟))، وسيأتي شرحه في كتاب التوحيد(١) إن شاء الله تعالی. ٤- بابٌ ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى إلى ﴿يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] وقال مجاهدٌ: المنُّ: صَمْغَةٌ، والسَّلْوَى: الطَّرِ. ٤٤٧٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الملِكِ، عن عَمْرِو بنِ حُرَيثٍ، عن سعيد ابنِ زيدٍ ﴾، قال: قال رسولُ اللهَِّ: «الكَمْأَةُ منَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ للعينِ». [طرفاه في: ٤٦٣٩، ٥٧٠٨] قوله: ((باب ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ إلى ﴿يَظْلِمُونَ﴾)) ١٦٤/٨ كذا لأبي ذرِّ، وسَقَطَ له لفظ ((باب))، وساقَ الباقونَ الآية. قوله: ((وقال مجاهد: المنّ: صَمْغة)) أي: بفتح الصّاد المهمَلة وسكون الميم ثمَّ غَيْن مُعجَمة (والسَّلْوَى: الطَّير)) وصَلَه الفِرْيابيُّ عن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد مثله، وكذا قال عبد بن حُميدٍ عن شَبَابةً عن وَرْقاء، وروى ابن أبي حاتم (١٥٩١/٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: كان المنّ يَنزِل على الشَّجَر فيأكلونَ منه ما شاؤوا. ومن طريق عِكْرمة قال: كان مِثل الرُّبّ الغليظ. أي: بضمِّ الرّاء بعدها موخَّدة. ومن طريق السُّدّيِّ قال: كان مِثل التَّرَنجبيل (٢). ومن طريق سعيد بن بشير عن قَتَادة قال: كان المنّ يَسقُط عليهم (١) عند (٧٥٢٠) باختصار، وبأطول منه في كتاب الحدود (٦٨١١) باب إثم الزناة. (٢) في (ع): الترنجبين - بالنون-، والمثبت من (أ) و(س)، ولعله خطأ قديم محرف عن ((الزنجبيل))، فقد عزا تفسير المن بالزنجبيل أو أنه شيء يسقط على شجر الزنجبيل للسدي: الطبري في «تفسيره)) ١/ ٧٠١ ط: دار هجر، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١١٤/١ و٥/ ١٥٩١، وابن كثير في ((تفسيره)) ١٣٤/١ و١٣٨، وابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٨٤/١، وأبو حيان الأندلسي في ((البحر المحيط)) ٣٧٤/١، ومكي في (تفسيره)) المسمى بـ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) ١ / ٢٧٧. ٢٤ سورة البقرة / ح ٤٤٧٩ فتح الباري بشرح البخاري سُقوط الثّلج أشدّ بياضاً من اللَّبَن وأحلى من العَسَل. وهذه الأقوال كلّها لا تَنافيَ فيها. ومن طريق وَهْب بن مُنَبِّه قال: المنّ: خُبْزِ الرِّقاق، وهذا مُغاير لجميع ما تقدَّم، والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم أيضاً من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: السَّلَوَى: طائر يُشبه السُّمَانَى. ومن طريق وَهْب بن مُنِّه قال: هو السُّمَانَى. وعنه قال: هو طير سمين مثل الحمام. ومن طريق ◌ِكْرمة قال: طير أكبر من العُصفور. ثمَّ ذكر المصنّف حديث سعيد بن زَيد في ((الكَمْأة من المَنّ)) سيأتي شرحه في کتاب الطِّبّ (٥٧٠٨)، ووَقَعَ في رواية ابن عُيَينَةَ عن عبد الملك بن عُمَير في حديث الباب: ((من المنّ الذي أُنزِلَ على بني إسرائيل))(١)، وبه تظهر مُناسَبة ذِكْره في التَّفسير، والردّ على الخطّابِيِّ حيثُ قال: لا وجه لإدخال هذا الحديث هنا، قال: لأنَّه ليس المراد في الحديث أنَّها نوع من المنّ المنزَّل على بني إسرائيل، فإنَّ ذاكَ شيء كان يَسقُط عليهم كالتَّرَنجَبين(٢)، والمراد أنَّهَا شَجَرة تَنْبُت بنفسِها من غير استنبات ولا مُؤنة، انتهى. وقد عُرِفَ وجه إدخاله هنا، ولو كان المراد ما ذكره الخطَّبيّ لما ذكره البخاري في هذا الباب(٣)، والله أعلم. ٥- بابٌ ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ اَلْقَرْبَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٨] ﴿رَغَدًا﴾: واسعاً كثيراً. ٤٤٧٩- حدَّثني محمَّد، حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْديّ، عن ابن المبارَك، عن مَعْمَرٍ، عن همّام ابن مُنٍِّ، عن أبي هريرة ، عن النبيِّي ◌َّرَ قال: ((قيل لِبَني إسرائيل: ﴿آدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ﴾ فَدَخلوا يَزْحَفون على أسْتاهِهم فبدّلوا، وقالوا: حِطّة حَبَّةٌ في شعرةٍ)). (١) أخرجه مسلم (٢٠٤٩) (١٦١)، وابن ماجه (٣٤٥٤). (٢) في (أ) و(س): كالترنجبيل - باللام-، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في ((أعلام الحديث)) للخطابي ٣/ ١٨٠٠. قلنا: والترنجبين قال عمر بن يوسف التركماني في «المعتمد في الأدوية المفردة)) ص ٥٠: هو طَلِّ يقع من السماء، وهو ندی شبيه بالعسل، جامد متحبب، وتأويله عسل الندى، وأكثر ما يقع بخراسان على شجر الحاج. (٣) قوله: ((لما ذكره البخاري ... )) سقط من (أ) و(س) وأثبتناه من (ع). ٢٥ سورة البقرة / ح ٤٤٨٠ كتاب التفسير قوله: ((باب ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرِيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتٌ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره الآية إلى قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ؟ قوله: (﴿رَغَدًا﴾: واسعاً كثيراً)) هو من تفسير أبي عُبيدةَ، قال: الرَّغَد: الكثير الذي لا يُتْعِب، يقال: قد أرغَدَ فلان: إذا أصاب عَيشاً واسعاً كثيراً (١). وعن الضَّحّاك عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥] قال: الرَّغَد: سَعة المعيشة، أخرجه الطَّبَريّ (١/ ٢٣٠)، وأخرَج من طريق السُّدّيِّ عن رجاله قال: الرَّغَد: الهَنيء، ومن طريق مجاهد قال: الرَّغَد: الذي لا حِساب فيه. ثم ذكر المصنِّف حديث أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿ وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾ وقد تقدَّم ذِكْره في قِصّة موسى من أحاديث الأنبياء (٣٤٠٣)، وأحَلتُ بشرحِه على تفسير سورة الأعراف (٤٦٤١)، وسأذكرُه هناكَ إن شاء الله تعالى. وقوله في أوَّل هذا الإسناد: ((حدَّثْنا محمَّد)) لم يقع منسوباً إلّا في رواية أبي عليّ بن السَّكَن عن الفِرَبْرِيِّ فقال: ((محمَّد بن سَلَام)) ويحتمل عندي أن يكون محمَّد بن يحيى الذَّهْلِيَّ، فإنَّه يَروي عن عبد الرَّحمن بن مَهديّ / أيضاً، وأمَّا أبو علي الجَيّانيُّ فقال: الأشبَه أنَّه محمَّد بن بشَّار. ١٦٥/٨ ٦- بابٌ ﴿مَن كَانَ عَدُوًّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] وقال عِكْرمةُ: جَبْرَ ومِيكَ وسَرَافِ: عبدٌ. إيل: الله. ٤٤٨٠- حدّثنا عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ، سمعَ عبدَ الله بنَ بَكْرٍ، حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسٍ، قال: سمعَ عبدُ الله بنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ رسولِ اللهِوَِّ، وهو في أرضٍ يَخْتَرِفُ، فأتى النبيَّ ◌َِّ، فقال: إنّ سائلُكَ عن ثلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نبيٌّ، فما أوَّلُ أشراطِ الساعةِ؟ وما أوَّلُ طعامِ أهلِ الجنَّةِ؟ وما يَنِعُ الولدُ، إلى أبيه أو إلى أمّه؟ قال: ((أخبَرَني بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفاً)) قال: جِبْريل؟ قال: ((نعم)) قال: ذاكَ عدُّ اليهودِ منَ الملائكةِ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَ قَلْبِكَ﴾ ((أمَّا أَوَّلُ (١) انظر: ((مجاز القرآن)) ٣٨/١ و٣٦٩. ٢٦ سورة البقرة / ح ٤٤٨٠ فتح الباري بشرح البخاري أشراطِ الساعةِ: فنارٌ تَحَشُرُ الناسَ منَ المشرقِ إلى المغربِ، وأمَّا أوَّلُ طعام أهلِ الجنَّةِ: فزيادةُ كَبِدِ حوتٍ، وإذا سَبَقَ ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ نَزَعَ الولدَ، وإذا سَبَقَ ماءُ المرأةِ نَزَعَتْ)) قال: أَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّ الله، وأشهَدُ أَنَّكَ رسولُ الله، يا رسولَ الله، إنَّ اليهودَ قومٌ بُهُتُّ، وإنَّهم إن يَعْلَموا بإسلامي قبلَ أن تسألهم يَبْهَتوني. فجاءتِ اليهودُ، فقال النبيُّ وَِّ: ((أيُّ رجلٍ عبدُ الله فيكم؟». قالوا: خيرُنا وابنُ خيرِنا، وسَيِّدُنا وابنُ سَيِِّنا، قال: ((أرأيتُم إن أسلَمَ عبدُ الله بنُ سَلَامِ؟)) فقالوا: أعاذَه الله من ذلك، فخرج عبدُ الله فقال: أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، فقالوا: شَرُّنا وابنُ شَرِّنا، وانتَقَصوه. قال: فهذا الذي كنتُ أخافُ يا رسولَ الله. قوله: ((بابٌ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِِّبْرِيلَ ﴾﴾. قيل: سبب عَدَاوة اليهود لجِبْريل أنَّه أُمِرَ باستمرار النُّبوّة فيهم فنَقَلَها لغيرهم، وقيل: لكَوْنِهِ يَطَّلِعِ على أسرارهم. قلت: وأصحّ منهما ما سيأتي بعد قليل: لكَوْنِه الذي يَنزِل عليهم بالعذاب. قوله: ((وقال عِكْرمة: جَبْرَ ومِيكَ وسَرَافِ: عبدٌ. إِيْل: الله)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ (٤٣٧/١) من طريق عاصم عنه قال: جِبْريل عبد الله، وميكائيلُ عبد الله(١)، إيل: الله. ومن وجه آخر عن عِكْرمة: جَبْرَ عبد، ومِيْكَ عبد، وإيْل الله. ومن طريق يزيد النَّحويّ عن ◌ِكْرمة عن ابن عبّاس نحو الأوَّل وزادَ: وكلَّ اسم فيه إيل فهو الله. ومن طريق عبد الله بن الحارث البصريّ أحد التابعينَ قال: إيل: الله بالعِبرانيَّة. ومن طريق عليّ بن الحسين قال: اسم جِبْريل عبدُ الله، وميكائيلُ عُبيد الله - يعني: بالتَّصغير - وإسرافيل عبد الرَّحمن، وكلّ اسم فيه إيل فهو مُعَبَّد لله. وذُكِرَ عكس هذا، وهو أنَّ إيل معناه عبد، وما قبله معناه اسم الله، كما تقول: عبد الله وعبد الرَّحمن وعبد الرحيم، فلفظ عبد لا يَتغيَّر، وما بعده يَتغيَّر لفظه وإن كان المعنى واحداً، ويُؤيِّده أنَّ الاسم المضاف في لغة غير العرب غالباً يَتقدَّم فيه المضاف إليه على المضاف. (١) كذا في الأصلين و(س)، وهو تحريف، صوابه: عُبيد الله مصغراً، كما في ((تفسير الطبري)). ٢٧ سورة البقرة / ح ٤٤٨٠ كتاب التفسير وقال الطََّرِيُّ وغيره: في جِبْريل لُغات، فأهل الحِجاز يقولون بكسرِ الجيم بغير همز، وعلى ذلك عامّة القُرّاء، وبنو أسَد مثله لكن آخره نون، وبعض أهل نَجد وَميم وقيْس / يقولون: جَبْرَئيلُ بفتح الجيم والرّاء بعدها همزة(١)، وهي قراءة حمزة والكِسائيّ وأبي بكر ١٦٦/٨ وخَلَف واختيار أبي عُبيد، وقرأ يحيى بن وثّاب وعَلقَمة مثله لكن بزيادة ألف، وقرأ یحیی بن آدم مثله لكن بغير ياء(٢)، وذُكِرَ عن الحسن وابن كثير أنَّهما قرءا كالأوَّل لكن بفتح الجيم(٣)، وهذا الوزن ليس في كلام العرب، فَزَعَمَ بعضهم أنَّه اسم أعجميّ، وعن يحيى بن يَعمَرَ: جَبْرَكلّ بفتح الجيم والرّاء بعدها همزة مكسورة وتشديد اللّام. ثمَّ ذكر حديث أنس في قِصّة عبد الله بن سَلَام، وقد تقدَّمت قُبيل كتاب المغازي (٣٩٣٨)، وتقدَّم مُعظَم شرحها هناكَ. وقوله: ((ذاكَ عدوُّ اليهودِ من الملائكةِ، فقرأ هذه الآية ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ. عَ قَلْبِكَ﴾)) ظاهر السّياق أنَّ النبيّ ◌َّ هو الذي قرأ الآية رَدّاً على قولِ (٤) اليهود، ولا يَستَلِزِم ذلك نزولها حينئذٍ، وهذا هو المعتمَد، فقد روى أحمد (٢٤٨٣)، والتِّرمِذيّ (٣١١٧)، والنَّسائيُّ (ك٩٠٢٤) في سبب نزول الآية قِصّةً غير قِصّة عبد الله بن سَلَام، فأخرَجوا من طريق بُكَير بن شِهاب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: أقبَلَتْ يهودُ إلى رسول الله وَالهم فقالوا: يا أبا القاسم، إنّا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنَّ عَرَفنا أنَّك نبيّ، واتَّبَعناك، فذكر الحديث، وفيه: أنَّهم سألوه عمَّا حَرَّمَ إسرائيل على نفسه، وعن علامة النَّبي(٥)، وعن الرَّعد وصوته، وكيف تُذْكِر المرأة وتُؤنِث، وعَمَّن يأتيه بالخبرِ من السماء، فأخَذَ عليهم ما (١) قلنا: وبزيادة ياء بعد الهمزة. وهذه العبارة سقطت من الأصلين و(س)، وهي موجودة في الطبري، فقال هناك: جَبْرَئيل على مثال: جَبْرَعيل، بفتح الجيم والراء وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة، وعلى القراءة بذلك قراءة عامة أهل الكوفة. وانظر: ((السبعة)) لابن مجاهد ص١٦٦، و((النشر)) لابن الجزري ٢١٩/٢. (٢) أي: جبرئل على وزن جَبَرعِل. (٣) أي: جَبْرِيل. (٤) في (س): ((ردّاً لقول)). (٥) تحرف في (س) إلى ((النبوة)). ٢٨ سورة البقرة / ح ٤٤٨٠ فتح الباري بشرح البخاري أَخَذَ إسرائيل على بنيه. وفي رواية لأحمد (٢٥١٤)، والطَّبَرَيِّ من طريق شهر بن حَوشَبٍ عن ابن عبّاس: ((عليكم عَهد الله لَئِن أنا أنبَتْكُم لَتُبَايِعُنّي؟)) فأعطَوه ما شاءَ من عهد وميثاق، فذكر الحديث، لكن ليس فيه السُّؤال عن الرَّعد. وفي رواية شَهْر بن حَوشَبٍ: لمَّا سألوه عَمَّن يأتيه من الملائكة قال: ((جِبْريل))، قال: ((ولم يَبعَث اللهُ نبيّاً قَطُّ إلَّا وهو وليّه)). فقالوا: فعندها نُفارقك، لو كان وليّك سواه من الملائكة لَبايعْناك وصَدَّقْناك. قال: ((فما مَنَعَكُم أن تُصَدِّقوه؟)) قالوا: إنَّه عدوّنا، فنزلت. وفي رواية بُكَير بن شِهاب: قالوا: حِبْريل يَنزِل بالحرب والقتل والعذاب، لو كان مِيكائيلُ الذي يَنزِل بالرَّحمة والنَّبات والقَطر، فنزلت. وروى الطََّرَيُّ من طريق الشَّعبيّ: أنَّ عمر كان يأتي اليهود فيَسمَع من التوراة، فَتَعَجَّب كيف تُصَدِّق ما في القرآن، قال: فمرَّ بهم النبيُّ ◌َّه فقلت: نَشَدتُّكُم بالله أتعلمونَ أنَّه رسولُ الله؟ فقال له عالمُهم: نعم، نَعلم أنَّه رسول الله. قال: فِلِمَ لا تَتَّبعونَه؟ قالوا: إنَّ لنا عدوّاً من الملائكة وسِلْماً، وإنَّ قَرَنَ بُنُبَّتِه من الملائكة عدوّنا، فذكر الحديث، وأنَّه ◌ِحِقَ النبيّ وَلّ، فتلا عليه الآية. وأورَدَه من طريق قَتَادة عن عمر نحوه. وأورَدَ ابن أبي حاتم (١٨٢/١) والطَّبَرُّ أيضاً من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: أن يهوديّاً لَقيَ عمر فقال: إنَّ جِبْريل الذي يَذكره صاحبكُم عدوّ لنا، فقال عمر: مَن كان عدوّاً لله وملائكته ورُسُله وجِبْريل وميكال فإنَّ الله عدوُّه(١)، فنزلت على وِفْقٍ ما قال. وهذه طُرقٌ يُقوِّي بعضُها بعضاً، ويدلُّ على أنَّ سبب نزول الآية قول اليهوديِّ المذكور لا قِصّة عبد الله بن سَلَام، وكان النبيّ وَ ◌ّ لمَّا قال له عبدُ الله ابن سَلام: إنَّ جِبْريل عدوّ اليهود، تلا عليه الآية مُذكِّراً له سبب نزولها، والله أعلم. وحكى الثَّعَلَبِيّ عن ابن عبّاس: أنَّ سبب عَدَاوة اليهود لجِبْريل أنَّ نبيّهم أخبَرَهم أنَّ بُخُت نَصَّرَ سَيُخرِّبُ بيت المقدس، فَبَعَثُوا رجلاً ليقتُله فوَجَدَه شاباً ضعيفاً، فمَنَعَه چِبْريل من قتله، وقال له: إن كان اللهُ أراد هلاكَكُم على يده فلَن تُسَلَّط عليه، وإن كان غيره فعلى أي حَقّ تَقتُله؟ فَتَرَكَه، فَكَبُرَ بُخت نَصَّر وغَزابيت المقدس فقَتَلَهم وخَرَّبَه، فصاروا يكرهونَ جِبْریل لذلك. (١) كذا في (أ) و(ع)، وفي (س) و ((تفسير ابن أبي حاتم): عدوّ للكافرين. ٢٩ سورة البقرة / ح ٤٤٨١ كتاب التفسير وذكر أنَّ الذي خاطَبَ النبيّ ټګ في ذلك هو عبد الله بن صُوریا. وقوله: ((أمَّا أوَّل أشراط الساعة فنار)) يأتي شرح ذلك في أواخر كتاب الرِّقاق (٦٥٢٢) إن شاء الله تعالى. ١٦٧/٨ ٧- باب قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ٤٤٨١ - حدَّثنا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال عمرُ ﴾: أقرؤُنا أَبٌّ، وأقضانا عليٌّ، وإنّا لَنَدَعُ من قولِ أُبيِّ، وذاكَ أنَّ ◌ُبَّاً يقول: لا أدَعُ شيئاً سمعتُه من رسولِ الله وَّه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا﴾. [طرفه في: ٥٠٠٥] قوله: ((باب قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ: «ُنِها)) بضمٍّ أوَّله وكسر السِّين بغير همز، ولغيره: (نَنْسَأْها)»، والأوَّل قراءة الأكثر، واختارَها أبو عُبيدة(١)، وعليه أكثر المفسّرينَ، والثّانية قراءة ابن كثير وأبي عَمْرو وطائفة(٢)، وسأذكرُ توجيههما، وفيها قراءة(٣) أُخرى في الشَّواذٌ. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوريّ. قوله: ((عن حبيب)) هو ابن أبي ثابت، ووَرَدَ منسوباً في رواية صَدَقَةَ بن الفضل عن يحيى القَطّان في فضائل القرآن (٥٠٠٥)، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق ابن خَلّادٍ: ((عن یحیی بن سعید عن سفيان حدَّثنا حبيب)). قوله: ((قال عمر: أقرؤُنا أَيُّ وأقضانا عليّ)) كذا أخرجه موقوفاً، وقد أخرجه التِّرمِذيّ (٣٧٩٠) وغيره(٤) من طريق أبي قِلابةَ عن أنس مرفوعاً في ذِكْر أُبيِّ، وفيه ذِكْر جماعة، (١) وقع في الأصلين: ((عبيد)) وهو خطأ. انظر: ((مجاز القرآن)) ٤٩/١ وهي قراءة بقية العشرة. (٢) انظر: ((السبعة)) ١٦٨، و((النشر)) ٢٢٠/٢. (٣) في (س): ((قراءات))، وانظر: ((المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات)) لابن جني ١/ ١٠٣. (٤) وأخرجه ابن ماجه (١٥٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨١٨٥). ٣٠ سورة البقرة / ح ٤٤٨١ فتح الباري بشرح البخاري وأوَّله: ((أرحَم أمَّتي بأُمَّتي أبو بكر - وفيه ـــ وأقرؤهم لكتاب الله أُبيُّ بن كعب)) الحديث وصَحَّحَه، لكن قال غيره: إنَّ الصَّواب إرساله، وأمَّا قوله: ((وأقضانا عليّ)) فوَرَدَ في حديث مرفوع أيضاً عن أنس رفعه: ((أَقضَى أمَّتي عليٌّ بن أبي طالب)) أخرجه البَغَويّ(١)، وعند(٢) عبد الرَّزّاق (٢٠٣٨٧) عن مَعمَر عن قَتَادة عن النبيّ ◌َّهِ مُرسَلاً: «أرحَم أمَّتي بأُمَّتي أبو بكر وأقضاهم عليّ)) الحديث. ورُوِّيناه موصولاً في ((فوائد أبي بكر محمَّد بن العبَّاس بن نَجِیح)) من حديث أبي سعيد الخُدْريِّ مثله، وروى البزَّار (١٦١٦) من حديث ابن مسعود قال: كَّا نَتَحَدَّث أنَّ أقضَى أهل المدينة عليّ بن أبي طالب ﴾. قوله: ((وإنّا لَنَدَعُ من قول أُبيِّ)) في رواية صَدَقة: ((من ◌َّنِ أُبيِّ» واللَّحْنُ: اللُّغة، وفي رواية ابن خَلّادٍ: وإنّا لنَترُك كثيراً من قراءة أُبيِّ. قوله: ((سمعتُه من رسول الله وَ لَ)) في رواية صَدَقة: أخذته من في رسول الله وَ﴿ ولا أتركه لشيءٍ؛ لأَنَّه بسماعِه من رسول الله وَّه يَحِصُل له العلم القَطْعَيّ به، فإذا أخبَرَه غيره عنه بخِلَافه لم يَنتَهِض مُعارضً له حتَّى يصل إلى درجة العلم القَطْعَيّ، وقد لا يَحَصُل ذلك غالباً. تنبيه: هذا الإسناد فيه ثلاثةٌ من الصَّحابة في نَسَقِ: ابنُ عبّاس عن عمرَ عن أُبيِّبن كعبٍ. قوله: ((وقد قال الله تعالى ... )) إلى آخره، هو مَقُول عمر مُحْتَجّاً به على أُبيِّ بن كعب، ومُشيراً إلى أنَّه رُبَّما قرأ ما نُسِخَت تِلاوَته لكَوْنِهِ لم يَبلُغْه النَّسخ، واحتَجَّ عمر لجوازٍ وقوع ذلك بهذه الآية. وقد أخرج ابنُ أبي حاتم (١/ ٢٠١) من وجهٍ آخر عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: خَطَبَنا عمر فقال: إنَّ الله يقول: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا﴾ أي: نُؤَخِّرها. وهذا يُرجِّح رواية مَن قرأ بفتح أوَّله وبالهمزِ، وأمَّا قراءة مَن قرأ بضمٍّ أوَّله فمن النِّسيان، وكذلك كان سعيد بن المسيّب يقرؤُها فأنكَرَ عليه سعد بن أبي وقّاص، أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٩٢٩) (١) لم نقف عليه عند البغوي في كتبه التي بين أيدينا، وذكر السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٤٢) أن البغوي أخرجه في ((شرح السنة)) و((المصابيح))، وحديث أنس الذي عند البغوي في ((شرح السنة)) (٣٩٣٠) وغيره ليس فيه هذا الحرف، وإنما الذي ذكره البغوي تعليقاً بعد حديث أنس فقال: ورُوي عن معمر عن قتادة مرسلاً وفيه: ((وأقضاهم علي)) وهي الرواية التي وقعت عند عبد الرزاق كما أشار الحافظ إليها. (٢) تحرف في (س) إلى: ((وعن)). ٣١ سورة البقرة / ح ٤٤٨٢ كتاب التفسير وصَحَّحَه الحاكم (٢٤٢/٢ و٥٢١)، وكانت قراءة سعد: ((أو تَنْسها(١)) بفتح المثنّاة خِطاباً للنبيِّ وَّةِ، واستُدِلَّ بقوله تعالى: ﴿سَنُفْرِتُكَ فَلَا تَسَ﴾ [الأعلى: ٦]. وروى ابن أبي حاتم من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: رُبَّما نزلَ على النبيّ وَّهِ الوحي باللَيلِ وَسِيَه بالنَّهار فَنَزلت. واستُدِلَّ بالآية المذكورة على وقوع النَّسخ خِلَافاً لمن شَذَّ فمَنَعَه، وتُعقِّبَ بأنَّهَا قضيَّةً شرطيّة لا تَستَلِزِم الوقوع، وأُجيبَ بأنَّ السّياق وسبب / التُّرول كان في ذلك، لأنَّها نزلت ١٦٨/٨ جواباً لمن أنكَرَ ذلك. ٨- بابٌ ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأُ سُبْحَنَهُ ﴾ [البقرة: ١١٦] ٤٤٨٢- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي حُسَين، حدَّثنا نافعُ بنُ مُجُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «قال اللهُ تعالى: كَذَّبني ابنُ آدَمَ، ولم يكن له ذلك، وشَتَمَني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تَكْذِيبُهُ إِّي، فَزَعَمَ أنَّ لا أقدِرُ أن أُعِيدَه كما كان، وأمَّا شَتْمُه إيّاي فقولُه لي ولدٌ، فسُبْحاني أن أنَّخِذَ صاحبةً أو ولداً)). قوله: ((بابٌ ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَانَهُ)) كذا للجميع، وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر: ((قالوا)) بحذفِ الواو (٢)، واتَّفَقوا على أنَّ الآية نزلت فيمَن زَعَمَ أنَّ الله ولداً من يهود خَيَبَرَ ونصارَى نَجْران، ومَن قال من مُشِرِكي العرب: الملائكةُ بنات الله، فَرَدَّ اللهُ تعالى عليهم. قوله: ((قال الله تعالى)) هذا من الأحاديث القُدُسيَّة. قوله: ((وأمَّا شَتْمه إيّاي فقوله لي ولدٌ)) إنَّما سَمّاه شَتماً لما فيه من التَّقيص، لأنَّ الولد إنَّا يكون عن والدة تَحمِله ثمَّ تَضَعه، ويَستَلِزِم ذلك سَبْق النِّكاح، والنِّكاح يستدعي باعِثاً له على ذلك، والله سبحانه مُنَّه(٣) عن جميع ذلك، ويأتي شرحه في تفسير سورة الإخلاص (٤٩٧٤). (١) تحرف في (س): ((تنساها)) بالألف، وانظر: ((زاد المسير)) ١٢٨/١. (٢) انظر: ((السبعة)) ١٦٩، و((النشر)) ٢٢٠/٢. (٣) في (ع): غني. ٣٢ سورة البقرة / ح ٤٤٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ٩- بابٌ ﴿وَاتَّخَذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥] ﴿ مَثَابَةٌ﴾، يَثُوبونَ: يَرجِعونَ. ٤٤٨٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ: وافَقْتُ اللهَ في ثلاثٍ - أو وافَقَنِي رَبّ في ثلاثٍ - قلتُ: يا رسولَ الله، لَوِ اتَّخَذْتَ مِقامَ إبراهيمَ مُصَلَّ؟ وقلتُ: يا رسولَ الله، يَدخُلُ عليكَ البُّ والفاجِرُ، فلو أُمَرْتَ أمَّهات المؤمنينَ بالحِجاب؟ فأنزَلَ اللهُ آيَةَ الحِجاب، قال: وبَلَغَنِي مُعاتَبةُ النبيِّ ◌َِّ بعضَ نسائه، فدَخَلْتُ عليهنَّ، قلتُ: إِنِ انتَهَيتُنَّ أو لِيُبدِّلَنَّ اللهُ رسولَهَ بَّهِ خيراً مِنْكُنَّ، حتَّى أتيتُ إحدَى نسائه، قالت: يا عمرُ، أمَا في رسولِ الله وَ مَا يَعِظُ نساءَهُ حتَّى تَعِظَهُنَّ أنتَ! فأنزلَ اللهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ الآيةَ [التحريم: ٥]. وقال ابنُ أبي مريمَ: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، حدَّثني مُميدٌ، سمعتُ أنساً عن عمرَ. قوله: ((بابٌ ﴿وَاتَّخَذُوا (١) مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلُ﴾)) كذا لهم(٢)، والجمهور على كسر الخاء من قوله: ﴿وَأَخِذُواْ﴾ بصيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء بصيغة الخبر(٣)، والمراد: مَن أَّبَعَ إبراهيم، وهو معطوف على قوله: ((جَعَلْنا)) فالكلام جُملة واحدة، وقيل: على ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ فيحتاج إلى تقدير(٤) ((إذ))، ويكون الكلام مُلَتينٍ، وقيل: على محذوف تقديره: فثابوا، أي: رجعوا واَّخذوا، وتوجيه قراءة الجمهور أنَّه معطوف على ما تَضَمَّنَه قوله: ﴿مَثَابَةٌ﴾ كأنَّه قال: ثُوبُوا واَّخِذوا، أو معمول لمحذوفٍ، أي: وقلنا اتَّخِذوا، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف(٥). (١) بفتح الخاء وكسرها، بالوجهين جميعاً. (٢) أي: رواة ((الصحيح)). (٣) انظر: ((السبعة)) ص ١٧٠، و((النشر)) ٢٢٢/٢. (٤) زاد في (ع): ((عامل)) والوجه إسقاطها. (٥) انظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي ١/ ١٠٤. ٣٣ سورة البقرة / ح ٤٤٨٣ كتاب التفسير قوله: ((﴿مَثَابَةٌ﴾/ يَثوبونَ: يَرجِعونَ)) قال أبو عبيدة: قوله تعالى: ﴿مَثَابَةٌ ﴾ مصدر يَثوبونَ، ١٦٩/٨ أي: يصيرونَ إليه، ومُراده بالمصدَرِ اسم المصدر، وقال غيره: هو اسم مكان. وروى الطََّرِيُّ (٥٣٣/١) من طريق العَوْفيِّ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿مَثَابَّةً﴾ قال: يأتونَه ثمَّ يَرجِعونَ إِلى أهليهم ثمَّ يعودونَ إليه لا يَقضُونَ منه وَطَراً. قال الفَرّاء: المثابة والمثابُ بمعنَى واحد كالمقام والمقامة. وقال البصريّونَ: الهاء للمبالَغة لمَّا كَثُرَ من يَتُوب إليه، كما قالوا: سَيّارة لمن يُكثِرِ السَّير، والأصل في مثابة: مَثوبة، فأُعِلَّ بالنَّقْلِ والقلب. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث أنس عن عمر قال: وافقت رَبّ في ثلاث، وقد تقدَّم في أوائل الصلاة (٤٠٢)، وتأتي قِصّة الحجاب في تفسير الأحزاب (٤٧٩٠)، والتَّخيير في تفسير التَّحريم (٤٩١٦). وقوله في الحديث: ((فانتَهَيت إلى إحداهُنَّ))(١) يأتي الكلام عليه في ((باب غَيْرة النِّساء))(٢) من أواخر كتاب النكاح. قوله: ((وقال ابن أبي مريم ... )) إلى آخره، تقدَّم أيضاً في الصلاة، وروى أبو نُعَيم في ((الدَّلائل))(٣) من حديث ابن عمر: أخَذَ النبيُّنَّ بِيَدِ عمر فمرَّ به على المقام فقال له: ((هذا مقام إبراهيم)) قال: يا نبيّ الله، ألَا تَتَّخِذه مُصَلَّى؟ فنزلت. تكملة: قال ابن الجَوْزيّ: إنَّما طلبَ عمر الاستنان بإبراهيم عليه السلام معَ النَّهي عن النَّظَر في كتاب التوراة، لأنَّه سمعَ قولَ الله تعالى في حَقّ إبراهيم: ﴿إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] فعَلِمَ أنَّ الائتِمامِ بإبراهيم من هذه الشَّريعة، ولِكَوْنِ البيت مضافاً إليه، وأنَّ أثر قَدَمَيه في المقام كَرَقمِ الباني في البناء ليُذكَر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسمَ مَن بناه. انتهى، وهي (١) كذا ذكر هذه العبارة هنا، وهي ليست في روايات الصحيح، بل هي رواية ابن حبان (٦٨٩٦)، والطحاوي في ((المشكل)» (١٦٥٢)، أما عبارة الصحيح فهي: «حتی أتیت إحدى نسائه)). (٢) بل في ((باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها)) من كتاب النكاح، بين يدي الحديث (٥١٩١). (٣) لم نقف عليه في ((الدلائل))، وإنما هو في ((الحلية)) ٣٠٢/٣. ٣٤ سورة البقرة / ح ٤٤٨٣ فتح الباري بشرح البخاري مُناسَبة لطيفة. ثمَّ قال: ولم تَزَل آثار قَدَمَي إبراهيم ظاهرةً (١) في المقام معروفةً عند أهل الحَرَم، حتَّى قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: ومَوطِئُ إبراهيمَ في الصَّخْرِ رَطْبةٌ على قَدَمَيهِ حافياً غيرَ ناعِلِ وفي «موطَّأَ ابن وَهْب)) عن يونس عن ابن شِهاب عن أنس قال: رأيتُ المقام فيه أصابعُ إبراهيم وأخَصُ قَدَمَيه، غير أنَّه أذْهَبَه مَسحُ الناس بأيديهم. وأخرج الطَّبَرِيُّ في ((تفسيره)) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة في هذه الآية: إنَّما أُمِروا أن يُصَلّوا عنده ولم يُؤمروا بمَسحِه، قال: ولقد ذَكَر لنا مَن رأى أثر عَقِبه وأصابعِه فيها، فما زالوا يَمسَحونَه حتَّی اخْلَوَلَقَ وانمَحًا. وكان المقام من عَهْد إبراهيم لِزْقَ البيت إلى أن أخَّرَه عمر ته إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبد الرَّزّاق في ((مُصنَّفه)) بسندٍ صحيح عن عطاء وغيره (٨٩٥٥)، وعن مجاهد (٨٩٥٣) أيضاً (٢)، وأخرج البيهقيُّ(٣) عن عائشة مثله بسندٍ قويّ، ولفظه: أنَّ المقام كان في زمن النبيّ وَ﴿ وفي زمن أبي بكر مُلتَصِقاً بالبيت ثمَّ أَخَّرَه عمر، وأخرج ابن مَرْدويه بسندٍ ضعيف عن مجاهد: أنَّ النبيّ وَّرَ هو الذي حَوَّلَه، والأوَّل أصُ، وقد أخرج ابن أبي حاتم (٢٢٦/١) بسندٍ صحيح عن ابن عُيَينةَ قال: كان المقام في سُقْع البيت في عَهْد رسول الله وَّهِ، فَحَوَّلَه عمر، فجاء سَيلٌ فذهب به، فَرَدَّه عمرُ إليه، قال سفيان: لا أدري أكان لاصقاً بالبيت أم لا. انتهى، ولم تُنكِرِ الصَّحابة فِعلَ عمر ولا مَن جاء بعدهم، فصارَ إجماعاً، وكأن عمر رأى أنَّ إبقاءَه يَلزَم منه التَّضييق على الطائفينَ أو على المصلِّينَ فَوَضَعَه في مكان يَرتَفِع به الخَرَج، وتَهيَّأ له ذلك لأنَّه الذي كان أشارَ باتَِّاذِهِ مُصَلَّى، وأوَّل مَن عَمِلَ عليه المقصورة الموجودة الآن. (١) تحرفت في (س) إلى: حاضرة. (٢) روايتا عطاء ومجاهد عند عبد الرزاق ليستا بهذا اللفظ الذي ذكره الحافظ ابن حجر، فهذا اللفظ عن مجاهد عند ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٣١٠). (٣) في ((دلائل النبوة)) ٦٣/٢. ٣٥ سورة البقرة / ح ٤٤٨٤ كتاب التفسير ١٠ - بابٌ ﴿وَ إِذْ يَرَفَعُ إِبْرَهِعُ الْقَوَاِدَ مِنَ اْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] القواعدُ: أساسُه، واحدتُها: قاعدةٌ. والقواعدُ من النساء، واحدتُها: قاعدٌ. ٤٤٨٤- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله: أنَّ ١٧٠/٨ عبد الله بنَ محمَّدٍ بنِ أبي بكرٍ أخبَرَ عبد الله بنَ عمرَ، عن عائشةَ رضي الله عنها زَوْجِ النبيِّ وَّةِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: «ألم تَرَي أن قومَكِ بَنَوا الكعبةَ، واقتَصَروا عن قواعدِ إبراهيمَ)) فقلتُ: يا رسولَ الله، ألا تَرُدُّها على قواعدِ إبراهيمَ؟ قال: «لولا حِدْثانُ قومِكِ بالكُفْرِ». فقال عبدُ الله بنُ عمرَ: لَئِن كانت عائشةُ سمعت هذا من رسولِ الله ێ، ما أُرَى رسولَ الله مَّ تَرَكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَينِ اللَّذَينِ يَلِيَانِ الِحِجْرَ، إِلَّ أنَّ البيتَ لم يُتَمَّمْ على قواعدِ إبراهيمَ. قوله: ((باب ﴿وَ إِذْ يَرِفَعُ إِنْزَهِعُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾)) ساقَ إلى: ﴿اَلْعَلِيمُ﴾. قوله: ((القواعد: أساسُه، واحدتُها قاعِدة)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْزَهِعُ اُلْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قال: قواعده: أساسه. وقال الفَرّاء: يقال: القواعد: أساس البيت. قال الطَّبَريُّ: اختلفوا في القواعد التي رَفَعَها إبراهيم وإسماعيل، أهما أحدَثاها أم كانت قبلَهما؟ ثمَّ روى (٥٤٦/١) بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس قال: كانت قواعدُ البيت قبل ذلك، ومن طريق عطاء قال: قال آدم: أي رَبّ لا أسمَعُ أصوات الملائكة، قال: ابنِ لي بيتاً ثمَّ احفُفْ به كما رأيتَ الملائكة تَحُفّ ببيتي الذي في السماء. فيَزعُم الناس أنَّه بناه من خمسة أجبُلٍ حَتَّى بناه إبراهيم بعدُ. وقد تقدَّم بزيادة فيه في قِصّة إبراهيم عليه السلام من أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام(١). (١) نعم تقدم في أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٦٨) لكن ليس فيه الزيادة التي أشار إليها الحافظ رحمه الله، وإنما تقدمت الزیادة في کتاب الحج (١٥٨٤) و(١٥٨٦). ٣٦ سورة البقرة / ح ٤٤٨٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((والقَواعدُ من النساءِ: واحدتها قاعِد)) أراد الإشارة إلى أنَّ لفظ الجمع مُشتَرَك، وتظهر التَّفْرِقة بالواحدٍ، فمفرد (١) النِّساء اللَّواتي قَعَدنَ عن الحيض والاستمتاع: قاعِدٌ، بلا هاء، ولولا تخصيصهنَّ بذلك لَثَبَتتِ الهاء، نحو: قاعِدة، من القعود المعروف. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث عائشة في بناء قُرَيش البيتَ، وقد سَبَقَ بَسطُه في كتاب الحجّ (١٥٨٣-١٥٨٦). ١١- بابٌ ﴿ قُولُوَاْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] ٤٤٨٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، أخبرنا عليٌّ بنُ المبارَكِ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: كان أهلُ الكتاب يَقْرَؤونَ التّوْرَاةَ بِالعِبْرانيَّةِ، ويُفسِّرونَها بالعربيَّةَ لأهلِ الإسلام، فقال رسولُ الله ◌ِ: ((لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾». [طرفاه في: ٧٣٦٢، ٧٥٤٢] قوله: ((باب ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِالَّهِ﴾)) سَقَطَ لفظ ((باب)) لغير أبي ذرِّ. قوله: «کان أهلُ الکتاب» أي: اليهود. قوله: ((لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذّبوهم)) أي: إذا كان ما يُخْبِرونَكُم به مُحْتَمَلاً، لِئَّلّا يكون في نفس الأمر صِدقاً فتُكذِّبوه، أو كَذِباً فتُصَدِّقوه فَتَقَعوا في الحَرَج. ولم يَرِدِ النَّهي عن تكذيبهم فيما وَرَدَ شَرْعُنا بخِلَافه، ولا عن تصديقهم فيما وَرَدَ شَرعنا بوِفاقِهِ، نَبَّهَ على ذلك الشافعيّ رحمه الله. ويُؤْخَذ من هذا الحديث التوَقَّف عن الخَوض في المشكلات والجزم فيها بما يَقَع في الظَّنّ، وعلى هذا يُحمَل ما جاء عن السَّلَف من ذلك. (١) في (أ) و(س): فجمع، وهو خطأ، والمثبت من (ع). ٣٧ سورة البقرة / ح ٤٤٨٦ كتاب التفسير قوله: ((وقولوا: ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾)) زاد في الاعتصام (٧٣٦٢): وما أُنزِلَ إليكُم، وزاد الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان عن محمَّد بن المثنَّى / عن عثمان بن عمر بهذا ١٧١/٨ الإسناد: وما أُنزِلَ إلينا وما أُنزِلَ إليكم وإلهنا وإلهُكُم واحدٌ ونحنُ له مسلمونَ(١). ١٢ - باب قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَن قِبْلَئِمُ﴾ الآية [البقرة: ١٤٢] ٤٤٨٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، سمعَ زُهَيراً، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ﴾: أنَّ رسولَ الله وَلـ صَلَّى إلى بيتِ المقدِسِ سِتّةَ عَشَرَ شَهْراً، أو سبعةَ عَشَرَ شَهْراً، وكان يُعْجِبُهُ أن تكونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البيتِ، وأَنَّه صَلَّى - أو صَلّاها - صلاةَ العَصْرِ، وصَلَّى معه قومٌ، فخرج رجلٌ مَّن كان صَلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم راكعونَ، قال: أشهدُ بالله لقد صَلَّیتُ معَ النبيِّ ێ قِبَلَ مَكَّةَ، فداروا کما هم قِبَلَ البيتِ، وكان الذي ماتَ على القِبْلةِ قبلَ أن تُحوَّلَ قِبَلَ البيتِ رجالٌ قُتِلوا، لم نَذْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّمُهُمْ عَن قِبَلَنِمُ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾، والسُّفَهاء: جمع سَفِيه وهو خفيف العَقْل، وأصله من قولهم: ثوب سَفِيه، أي: خفيف النَّسج، واختُلِفَ في المراد بالسُّفَهاءِ؛ فقال البراء - في حديث الباب - وابن عبَّاس ومجاهد: هم اليهود، وأخرج ذلك الطَّبَريُّ (١/٢) عنهم بأسانيد صحيحة، وروَى من طريق السُّدّيِّ قال: هم المنافقونَ. والمراد بالسُّفَهاءِ: الكفَّار وأهل النِّفاق واليهود، أمَّا الكفَّار فقالوا لمَّا حُوَّلَت القِبْلة: رَجَعَ محمَّدٌ إلى قِبِلَتنا وسَيَرجِعُ إلى ديننا، فإنَّه عَلَمَ أنّا على الحقّ، وأمَّا أهل النِّفاق فقالوا: إن كان أوَّلاً على الحقّ فالذي انتَقَلَ إليه باطِل وكذلك بالعكس، وأمَّا اليهود فقالوا: خالَفَ قِبلة الأنبياء ولو كان نبيّاً لمَا خالَفَ، فلمَّا (١) هذه الزيادة التي زادها الإسماعيلي، وكذلك الزيادة التي عند البخاري في كتاب الاعتصام، ليستا من تتمة هذه الآية من سورة البقرة، وإنما هي ملفّقة من آية البقرة هذه ومن الآية ٤٦ من العنكبوت، ولعل هذا خطأ من النساخ، والله أعلم. ٣٨ سورة البقرة / ح ٤٤٨٧ فتح الباري بشرح البخاري كَثُرَت أقاويل هؤلاءِ السُّفَهاء أُنزِلَت هذه الآيات من قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾ الآية [البقرة: ١٠٦ - ١٥٠])). قوله: ((سِتّة عَشَر شَهْراً أو سبعة عَشَر شَهْراً)) تقدَّم الكلام عليه وعلى شرح الحديث في كتاب الإيمان (٤٠). ١٣ - باب قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ٤٤٨٧- حدَّثنا يوسفُ بنُ راشدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ وأبو أسامة - واللَّفْظُ لجرير - عن الأعمَشِ، عن أبي صالح - وقال أبو أسامةَ: حدَّثنا أبو صالح - عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، قال: قال رسولُ الله وََّ: «يُدْعَى نوحٌ يومَ القيامةِ، فيقول: لَبَّكَ وسعدَيكَ يا رَبِّ، فيقول: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم، فيقال لأُمْتِه: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: ما أتانا من نَذِيرٍ، فيقول: مَن يَشْهَدُ لكَ؟ فيقول: محمَّدٌ ١٧٢/٨ وَأُمَّتُه، فيشْهَدونَ أنَّه قد بَلَّغَ ويكونَ الرسولُ عليكم شهيداً./ فذلك قولُه جلَّ ذِكرُه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، والوَسَط: العَدْل)». قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره الآية إلى ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾، وسيأتي الكلام على الآية في كتاب الاعتصام (٧٣٤٩) إن شاء الله تعالى. قوله: ((حدَّثْنَا قُتَيبة(١) حدَّثنا جَرِير وأبو أُسامةَ، واللَّفْظ لجرير)) أي: لفظ المتن. قوله: ((وقال أبو أسامة: حدَّثنا أبو صالح)) يعني: قال أبو أُسامة عن الأعمَشِ: حدَّثنا أبو صالح؛ فأفادَ تصريحَ الأعمش بالتَّحديثِ، وقد أخرجه في الاعتصام من وجه آخر عن أبي أُسامة وصَرَّحَ في روايته أيضاً بالتَّحديثِ، وستأتي روايةُ أبي أُسامة مُفرَدة في الاعتصام. (١) کذا في الأصلین و (س)، ولعله سبق قلم من الحافظ ابن حجر رحمه الله، صوابه: حدثنا یوسف بن راشد. ٣٩ سورة البقرة / ح ٤٤٨٧ كتاب التفسير قوله: ((يُدْعَى نوحٌ يوم القيامة فيقول: لَبِّيكَ وسعدَيكَ يا رَبّ(١)، فيقول: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم)) زاد في الاعتصام: ((نعم يا رَبّ)). قوله: ((فيقول: مَن يَشْهَدُ لك؟» في الاعتصام: ((فيقول: مَن شُهودُك؟». قوله: ((فيَشْهَدونَ)» في الاعتصام: ((فَيُجاء بكُم فتَشهَدونَ))، وقد روى هذا الحديث أبو معاوية عن الأعمَش بهذا الإسناد أتمّ من سياق غيره وأشمَل، ولفظه: ((يَجيء النبيّ يوم القيامة ومعه الرجل، وتجيء النبيّ ومعه الرجلان، وتجيء النبيّ ومعه أكثر من ذلك، قال فيقال لهم: أبَلَّغَكُم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال للنبيِّ: أبلَّغْتَهم؟ فيقول: نعم، فيقال له: مَن يَشْهَد لك؟)) الحديث، أخرجه أحمد (١١٥٥٨) عنه، والنَّسائيُّ (ك١٠٩٤٠) وابن ماجه (٤٢٨٤) والإسماعيليّ من طريق أبي معاوية أيضاً. قوله: ((فِيَشْهَدونَ أنَّه قد بَلَّغَ)) زاد أبو معاوية: «فیقال: وما عَلَّمَكُم؟ فيقولون: أخبرنا نبيُّنًا أنَّ الرُّسُل قد بَلَّغوا فصَدَّقناه))، وقد جاء في (٢) حديث أُبيّ بن كعب تعمیمُ ذلك، فأخرج ابن أبي حاتم (١/ ٢٥٠) بسندٍ جيّد عن أبي العالية عن أُبيِّ بن كعب في هذه الآية قال: ﴿لَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وكانوا شُهَداء على الناس يوم القيامة؛ كانوا شُهَداء على قوم نوح وقوم هودٍ وقوم صالح وقوم شُعَيب وغيرهم أنَّ رُسُلهم بَلَّغَتهم وأنَّهم كَذَّبوا رُسُلَهم، قال أبو العالية: وهي قراءة أُبيِّ: ((لتكونوا شُهَداءَ على الناس يومَ القيامة))، ومن حديث جابرٍ عن النبيّ وَِّ: ((ما من رجلٍ من الأُمَم إلّا وَّ أنَّه ◌ِمِنّا أيّتها الأُمّة، ما من نبيّ كَذَّبَه قومه إلّا ونحنُ شُهَداؤُه يوم القيامة أن قد بَلَّغَ رسالة الله ونَصَحَ لهم))(٣). قوله: ((فذلك قوله عزَّ وجلَّ (٤): ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾)) في الاعتصام: ثمَّ قرأ رسول الله قالد. (١) كذا في (س)، وهو الموافق لما في نسخ (الصحيح))، ووقع في (أ) و(ع): لبيك يا رب وسعديك. (٢) تحرف في (س) إلى: ويؤخذ من، والمثبت من الأصلين. (٣) أخرجه الطبري ٨/٢، وفيه رجل مبهم. (٤) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع): تعالى، وفي روايات الصحيح خلا أبي ذر الهروي: جلَّ ذكره، أما رواية أبي ذر فليس فيها شيء من هذا. ٤٠ سورة البقرة / ح ٤٤٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((والوَسَط: العَدْل)» هو مرفوع من نفس الخبر، وليس بمُدرَجٍ من قول بعض الزُّواة كما وَهِمَ فيه بعضهم، وسيأتي في الاعتصام بلفظ: ((﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: عَدلاً))، وأخرج الإسماعيليّ من طريق حفص بن غِيَاث عن الأعمَش بهذا السَّنَد في قوله: ﴿وَسَطًا﴾ قال: ((عَدْلاً)، كذا أورَدَه مختصراً مرفوعاً(١)، وأخرجه الطَّبَرَيُّ من هذا الوجه مختصراً مرفوعاً (٧/٢)، ومن طريق وكيع عن الأعمَش بلفظ: ((والوَسَطْ: العَدْل)) مختصراً مرفوعاً، ومن طريق أبي معاوية عن الأعمَش مثله، وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٢٩٦١) والنَّسائيُّ (ك١٠٩٣٩) من هذا الوجه، وأخرجه الطََّريُّ من طريق جعفر بن عَوْن عن الأعمَش مثله، وأخرجه عن جماعة من التابعينَ كمُجاهدٍ وعطاء وقَتَادة، ومن طريق العَوْفيِّ عن ابن عبَّاس مثله، قال الطَّبَرِيُّ: الوَسَط في كلام العرب: الخيار، يقولون: فلان ١٧٣/٨ وسَط في قومه وواسطٌ، إذا أرادوا الرَّفع في حَسَبه. قال: والذي أرَى أنَّ معنى / الوَسَط في الآية: الجُزء الذي بين الطََّفَينِ، والمعنى أنَّهم وَسَطٌّ لتَوَسُطِهِم في الدّين؛ فلم يَغْلُوا كَغُلوِّ الَّصارَى، ولم يُقَصِّروا كتقصِير اليهود، ولكنَّهم أهل وسَط واعتدال. قلت: لا يَلْزَم من كَوْن الوَسَط في الآية صالحاً لمعنى التوسُّط أن لا يكون أُريدَ به معناه الآخر كما نَصَّ عليه الحديث، فلا مُغايَرةً بين الحديث وبين ما دَلَّ عليه معنى الآية، والله أعلم. ١٤- باب قولهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣] ٤٤٨٨- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: بَيْنا الناسُ يُصَلّونَ الصُّبْحَ في مسجدٍ قُباءٍ، إذ جاءَ جاءٍ فقال: أَنزَلَ الله على النبيِّ وَّل قرآناً أن يَستَقْبِلَ الكعبةَ، فاستَقبِلوها، فتَوَجَّهوا إلى الكعبةِ. قوله: ((باب قولِهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ الآية)) (١) في (أ) و(ع): ((موقوفاً)، والمثبت من (س) و((تحفة الأحوذي)) ٢٣٨/٨ حيث نقل المباركفوري كلام الحافظ هناك بتمامه، وسياق الكلام يقتضي أن ((مرفوعاً)) هي الأولى كما أثبتنا، والله أعلم.