النص المفهرس
صفحات 1-20
فَتَعُ النَّهُي بشرح صِيُّح البُخَارِيّ تأليفٌ الإِحَّاِ الْحَافِظِ شَكَابِ الِّينِ أحَ بْن عَلَيّ بْنِ حَجَرِ السَّقَّلَا فِيّ ٧٧٣- ١٥٢ هـ أُشرفَ على تحقيق الكتّابُ ورَاجَعه شُعَيِّب الأهتُوُوَطْ عَادكِّ مُّشْد شارك في تخريج نصوصه حقّق ◌َهَّا الجُزْءِ وخّصَهُ وعَلّ عَلَيْ هَيْم ◌َعَبْ النَّورُ أحمَدُ بُرْهُومٌ محمدُ كَائِل قره بلكي الجزِّءُ الْتَالِثْ عَشْرٌ الرسالة العالمية ... . 3 فَبَُّ النََّرِي بشرح صحِيُّح البُخاريّ ١٣ جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَة للنّاشِرْ الطّبْعَة الأولىُ ١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها الا باذن خطي من: شركة الرسالة العالمية م.م. M-Bessich M-A Tamdioh a. Publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحي 2625 (963)11-2212773 (963)11-2234305 الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalahonline.com http://www.resalatonline.com فرع بيروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112-319039- 818615 P.O. BOX:117460 ٥ سورة الفاتحة كتاب التفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب التّفسير ١٥٥/٨ الَّحمنُ الرَّحيمُ: اسمانٍ من الرَّحمة، الَّحِيمُ والرَّاحمُ بمعنَّى واحدٍ، كالعَلِيم والعالِمِ. قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب التَّفسير)) في رواية أبي ذرٍّ: ((كتاب تفسير القرآن))، وأَخَّرَ غيره البسملة. والتَّفسيرُ تفعيل من الفَشْر: وهو البيان، تقول: فَسَرتُ الشَّيءَ بالتَّخفيفِ أفسُره فَسْراً، وفَسَّرتُه بالتَّشديدِ أُفسِّره تفسيراً: إذا بيَّتُهُ، وأصل الفَسْر: نظرُ الطَّبيب إلى الماء لِيَعرِفَ العِلّة. وقيل: هو من فَسَرتُ الفرسَ: إذا رَكَضتَها محصورةً لِيَنْطَلِقِ حَصرُها. وقيل: هو مقلوب من سَفَرَ، كجَذَبَ وجَبَذَ، تقول: سَفَرَ: إذا كَشَفَ وجهه، ومنه: أسفَرَ الصبحُ: إذا أضاءً. واختلفوا في التَّفسير والتَّأويل، قال أبو عُبيدة(١) وطائفة: هما بمعنَّى. وقيل: التَّفسير: هو بيان المراد باللَّفظِ، والتَّويل: هو بيان المراد بالمعنى، وقيل في الفَرْق بينهما غير ذلك، وقد بَسَطتُه في أواخر كتاب التوحيد(٢). قوله: ((الرَّحمن الرّحيم اسمان من الرَّحْمة)) أي: مُشتَقّان من الرَّحمة، والرَّحمة لغةً: الرِّقّة والانعِطاف، وعلى هذا فوَصْفُه به تعالى مَجَاز عن إنعامه على عباده، وهي صفة فِعْل لا صفة ذات(٣). وقيل: ليس الرَّحمن مُشتَقّاً، لقولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]، وأُجيبَ بأنَّم جَهِلوا الصِّفة لا(٤) الموصوف، ولهذا لم يقولوا: ومَن الرَّحمن؟ وقيل: هو عَلَمٌ بالغَلَبة؛ لأنَّه (١) في الأصلين: أبو عبيد، والمثبت من (س). وانظر: ((مجاز القرآن)) ٨٦/١. (٢) بين يدي الحديث رقم (٧٥٥٣). (٣) ليس للمجاز مدخلٌ في صفات الله تعالى البتة، وإنما تُحمل على الحقيقة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بما يليق بجلاله عزّ وجلّ، والقاعدة المستمرة في ذلك قوله سبحانه: ﴿لَیْسَ کَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. (٤) في (س): ((والموصوف)) بالواو، وهو غير سديد، والمثبت من (أ) و(ع)، وانظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي ١/ ١٠٤. ٦ سورة الفاتحة فتح الباري بشرح البخاري جاء غير تابع لموصوفٍ في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أُسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠]، ﴿قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ اٌلْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٨٥] وغير ذلك. وتُعقِّبَ بأنَّه لا يَلزَم من ◌َجَيئِه غير تابع أن لا يكون صفةً، لأنَّ الموصوف إذا عُلمَ جازَ حذفه وإبقاء صِفَته. قوله: ((الرحيم والرّاحم بمعنّى واحد كالعليمِ والعالم)) هذا بالنَّظَرِ إلى أصل المعنى، وإلّا فصيغة فَعِيل من صِيَغ المبالَغة، فمعناها زائد على معنى الفاعل، وقد تَرِد صيغة فعيل بمعنى الصِّفة المشَبَّهة، وفيها أيضاً زيادة لدلالتها على الثُّبوت، بخِلَاف ◌ُجُرَّد الفاعل فإنَّه يدلّ على الحدوث، ويحتمل أن يكون المراد أنَّ فعيلاً بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول، لأنَّه قد يَرِد بمعنى مفعول فاحتُرِزَ عنه، واختُلِفَ هل الرَّحمن الرحيم بمعنّى واحد، كالنَّدمان والنَّديم فجُمِعَ بينهما تأكيداً؟ أو بينهما مُغايرة بحَسَب المتعلّق؟ فهو رحمن الدُّنيا ورحيم الآخِرة؛ لأنَّ رحمته في الدُّنيا تَعُمّ المؤمن والكافر، وفي الآخِرة تَّخُصّ المؤمن. أو التَّغايُر بجهة أُخرى فالرَّحمن أبلَغْ لأَنَّه يَتَنَاوَل جَلائل النِّعَم وأُصولها، تقول: فلان غَضبان إذا امتَلَا غَضَباً، وأُردِفَ بالرحيم ليكونَ كالَّتِمّة لِيَنَاوَل ما دَقَّ. وقيل: الرحيم أبلَغْ لمَا يقتضيه صيغة فعيل، والتَّحقيق أنَّ جهة المبالَغة فيهما مُخْتَلِفة. وروى ابن جَرِير من طريق عطاء الخُراسانيّ: أنَّ غير الله لمَّا تَسَمَّى بالرَّحمنِ، كمُسَيلِمة، جِيءَ بلفظ الرحيم لقطع التوهّم، فإنَّه لم يوصَف بهما أحد إلّا الله. وعن ابن المبارك: الرَّحمن إذا سُئِلَ أعطَى، والرحيم إذا لم يُسأل يَغْضَب. ومن الشّاذّ ما رويَ عن المَبَرّد وثَعلَب: أنَّ الرَّحمن عِبْرانيّ والرَّحيم عربيّ، وقد ضَعَّفَه ابن الأنباريّ والزَّجّاج وغيرهما، وقد وُجِدَ في اللِّسان العِبرانيّ لكن بالخاءِ المعجَمة، والله أعلم. ١ - باب ما جاء في فاتحة الكتاب وسُمِّيَت أمَّ الكتاب أنَّ يُبدَأُ بكتابتها في المصاحفِ، ويُبدَأُ بقراءتِها في الصلاةِ. ١٥٦/٨ الدِّينُ: الجزاءُ في الخيرِ والشرّ، كما تَدِينُ تُدَانُ. وقال مجاهدٌ: ﴿بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: ٩]: بالحِساب، ﴿ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]: مُحاسَبِينَ. ٧ سورة الفاتحة كتاب التفسير قوله: ((باب ما جاء في فاتحة الكتاب)) أي: من الفَضْل، أو من التَّفسير، أو أعَمّ من ذلك، معَ التَّقیید بشرطِه في کلّ وجه. قوله: ((وسُمّيَت أمَّ الكتاب أنَّه)) بفتح الهمزة ((يُبدأ بكتابتها في المصاحف، ويُبدَأ بقراءتِها في الصلاة)) هو كلام أبي عبيدة في أوَّل ((مَجاز القرآن)) لكن لفظه: لِسُوَرِ القرآن أسماء: منها أنَّ ((الحمدُ لله)) تُسمَّى أمّ الكتاب لأنَّه يُبدَأ بها في أوَّل القرآن، وتُعاد قراءتها فيُقرأ بها في كلّ ركعة قبل السّورة، ويقال لها: فاتحة الكتاب لأنَّه يُفتَتَح بها في المصاحف فتُكتَب قبل الجميع. انتهى، وبهذا تَبَيَّ المراد ممَّ اختَصَرَه المصنِّف. وقال غيره: سُمّيَت أمّ الكتاب لأنَّ أمّ الشَّيء ابتداؤُه وأصله، ومنه سُمّيَت مكَّة أمّ القُرَى؛ لأنَّ الأرض دُحيَت من تحتها. وقال بعض الشُّرَاحِ: التَّعليل بأنَّهَا يُبدَأ بها يناسب تسميتها فاتحة الكتاب لا أمّ الكتاب، والجواب أنَّه يَتَّجِه ما قال بالنَّظَرِ إلى أنَّ الأُمّ مَبدَأ الولد. وقيل: سُمّيَت أمّ القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثَّناء على الله تعالى والتَّعَبُّد بالأمرِ والنَّهي والوعد والوعيد، وعلى ما فيها من ذِكْر الذّات والصِّفات والفِعل، واشتمالها على ذِكْر المبدأ والمعاد والمعاش. ونَقَلَ السُّهَيلِيُّ عن الحسن وابن سِيرِين ووافَقَهما بَقيُّ بن تَخَلَدٍ كراهية تسمية الفاتحة أمّ الکتاب، وتعقّبَه السُّهَيليّ. قلت: وسيأتي في حديث الباب تسميتها بذلك، ويأتي في تفسير الحجر (٤٧٠٤) حديث أبي هريرة مرفوعاً: (أُمّ القرآن هي السَّبع المثاني)، ولا فرق بين تسميتها بأُمِّ القرآن وأُمّ الكتاب، ولعلَّ الذي كَرِهَ ذلك وَقَفَ عند لفظ الأُمّ، وإذا ثَبَتَ النَّصّ طاحَ ما دونه. وللفاتحة أسماء أُخرى جُمِعَت من آثار أُخرى: الكَنْزِ، والوافية(١)، والشّافية، والكافية، وسورة الحمد، والحمد لله(٢)، وسورة الصلاة، وسورة الشِّفاء، والأساس، وسورة الشُّكر، وسورة الدُّعاء(٣). (١) تصحف في (أ) إلى: الواقية، بالقاف ولا يُعرف هذا الاسم لسورة الفاتحة، وجمهور المفسرين على أنها بالفاء ووجه تسميتها بذلك: لأنها وافية بما في القرآن من المعاني. (٢) قوله: ((والحمد لله)) سقط من (ع). (٣) وانظر في بقية أسمائها ومعانيها ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي ٣٤٩/٢ ط: المجمع. ٨ سورة الفاتحة / ح ٤٤٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (الدّين: الجزاء في الخير والشّ. كما تَدِين تُدان)) هو كلام أبي عبيدة أيضاً قال: الدّين: الحِساب والجزاء، يقال في المثل: كما تَدِين تُدَان(١). انتهى. وقد وَرَدَ هذا في حديث مرفوع أخرجه عبد الرَّزاق (٢٠٢٦٢) عن مَعمَر عن أيوب عن أبي قلابةً عن النبيّ ◌َّ بهذا، وهو مُرسَل رجاله ثقات. ورواه عبد الرَّزّاق(٢) بهذا الإسناد أيضاً عن أبي قِلابةَ عن أبي الدَّرداء موقوفاً، وأبو قلابةً لم يُدرِكْ أبا الدَّرداء، وله شاهد موصول من حديث ابن عمر أخرجه ابن عَديّ (٢١٦٦/٦) وضَعَّفَه. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿ِاَلِّنِ﴾: بالحِساب. ﴿ مَدِينِينَ﴾: مُحاسَبينَ)) وصَلَه عبد بن حُميدٍ في (التَّسير)) من طريق منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿كَلَّابَلْ تُكَذِّبُونَ بِاَلِدِينِ﴾ [الانفطار: ٩] قال: بالحِساب. ومن طريق وَرْقاء بن عمر عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِنَ﴾ [الواقعة: ٨٦] قال: غير مُحاسَبينَ. والأثر الأوَّل جاء موقوفاً عن ناس من الصَّحابة، أخرجه الحاكم (٢٥٩/٢) من طريق السُّدّيِّ عن مُرّة الهَمْدانيٌّ عن ابن مسعود وناس من الصَّحابة في قوله تعالى: ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: هو يوم الحِساب. والّذي يجمع القولين أنَّ الجزاءَ ناشئ عن الحساب، فيصِحُّ أن يُسمى يوم الحساب(٣) ويوم الجزاء. وللدِّينِ مَعانٍ أُخرى: منها العادة (٤) والعمل والحُكم والحال والخُلُق والطاعة والقَهْر والِلّة والشَّريعة والوَرَعِ والسّياسة، وشواهد ذلك يَطُول ذِكْرِها. ٤٤٧٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني خُبَيَبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن حفصِ بنِ عاصمٍ، عن أبي سعيدِ بنِ المعلَّ، قال: كنتُ أُصَلّي في المسجدِ، فدَعاني رسولُ الله وَ﴿، فلم أَجِبْه، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ كنتُ أُصَلّى؟ فقال: ((ألم يَقُلِ اللهُ: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلّهِ (١) من قوله: ((هو كلام ... )) إلى هنا سقط من (أ) و(ع). (٢) لم نقع على حديث أبي الدرداء عند عبد الرزاق في ((المصنف)) وفي ((التفسير))، وإنما أخرجه أحمد في ((الزهد)» ص ١٤٢، وقد عزاه كذلك لأحمد: السخاويُّ في ((المقاصد الحسنة)). (٣) من قوله: ((والذي يجمع القولين ... )) إلى هنا سقط من (س)، وأثبتناه من الأصلين. (٤) قال ابن فارس في ((معجم مقاييس اللغة)) ٣١٩/٢: فأمَّا قولهم: إن العادة يقال لها دينٌ، فإن كان صحیحاً؛ فلأن النفس إذا اعتادت شيئاً مرَّت معه وانقادت له. ٩ سورة الفاتحة / ح ٤٤٧٤ كتاب التفسير وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ [الأنفال: ٢٤])) ثمّ قال لي: «لأُعَلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظَمُ السّوَرِ في القرآنِ قبلَ أن تَخْرُجَ منَ المسجدِ)) ثمَّ أَخَذَ بَيَدي، فلمَّا أرادَ أن يَخْرُجَ قلتُ له: ألم تَقُل: / لأُعَلِّمَنَّكَ سورةَ ١٥٧/٨ هي أعظَمُ سورةٍ في القرآنِ؟ قال: ((﴿اٌلْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، هي السَّبْعُ المَثَاني، والقرآنُ العظيمُ الذي أُوتِيتُه)). [أطرافه في: ٤٦٤٧، ٤٧٠٣، ٥٠٠٦] قوله: ((حدَّثني خُبَيَبٌ)) بالمعجَمة مُصغَّر ((ابن عبد الرَّحمن)) أي: ابن خُبَيب بن يِساف الأنصاريّ، وحفص بن عاصم، أي: ابن عمر بن الخطّاب. قوله: ((عن أبي سعيد بن المعلَّ)) بَيَّنَ في رواية أُخرى تأتي في تفسير الأنفال (٤٦٤٧) سماعَ خُبَیبٍ له من حفص، وحفصٍ له من أبي سعيد(١)، وليس لأبي سعيد هذا في ((البخاريّ)) سِوَى هذا الحديث. واختُلِفَ في اسمه فقيلَ: رافع، وقيل: الحارث - وقَوّاه ابن عبد البَرّ ووَهَّى الذي قبله-، وقيل: أوس، وقيل: بل أوس اسم أبيه، والمعلَّى جَدّه. وماتَ أبو سعيد سنة ثلاث أو أربع وسبعينَ من الهجرة، وأرَّخَ ابن عبد البَرّ وفاته سنة أربع وسبعينَ، وفيه نظر بيَّنته في كتابي في الصَّحابة(٢). تنبيهان يتعلَّقان بإسناد هذا الحديث: أحدهما: نَسَبَ الغَزالُّ والفَخرِ الرَّازِيُّ وتَبِعَه البَيْضاويُّ هذه القِصّة لأبي سعيد الخُدْرِيِّ، وهو وهمٌّ، وإنَّما هو أبو سعيد بن المعلّ. ثانيهما: روى الواقديُّ هذا الحديث عن محمَّد بن معاذ عن خُبَيب بن عبد الرَّحمن، بهذا الإسناد، فزاد في إسناده: عن أبي سعيد بن المعلّى عن أبيِّ بن كعب. والذي في ((الصَّحيح)) أصحّ، والواقديُّ شديد الضَّعف إذا انفَرَدَ، فكيفَ إذا خالَفَ، وشيخه مجهول، وأظنّ (١) جاء الإسناد بلفظ: خبيب بن عبد الرحمن، سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى، وهذا الأخیر لیس صيغة سماع. (٢) انظر في ترجمته ((الإصابة)) لابن حجر ١٧٥/٧. ١٠ سورة الفاتحة / ح ٤٤٧٤ فتح الباري بشرح البخاري الواقديَّ دَخَلَ عليه حديثٌ في حديث، فإنَّ مالكاً أخرج نحو الحديث المذكور من وجه آخر فيه ذِكْر أُبيِّ بن كعب (٨٣/١) فقال: عن العلاء بن عبد الرّحمن عن أبي سعيد مولى عامر: أنَّ النبيّ وَِّنادَى أُبيَّ بن كعب، ومن الرُّواة عن مالك مَن قال: عن أبي سعيد عن أُبيِّ بن كعب: أنَّ النبيّ ◌َ ناداه، وكذلك أخرجه الحاكم (٢٥٨/٢)، ووَهِمَ ابن الأثير حيثُ ظنَّ أنَّ أبا سعيد شيخ العلاء هو أبو سعيد بن المعلَّى، فإنَّ ابن المعَّى صَحابيُّ أنصارٌّ من أنفسهم مَدَنيّ، وذلك تابعيّ مَكِّيّ من مَوالِي قُرَيش. وقد اختُلِفَ فيه على العلاء: أخرجه التِّرمِذيّ (٢٨٧٥) من طريق الدَّراوَرديِّ، والنَّسائيُّ (ك ١١١٤١) من طريق رَوْح بن القاسم، وأحمد (٩٣٤٥) من طريق عبد الرَّحمن بن إبراهيم، وابن خُزَيمةَ (٨٦١) من طريق حفص بن مَيسَرة، كلّهم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﴿ه قال: خرج النبيّ ◌َليل على أُبيِّ بن كعب، فذكر الحديث. وأخرجه التِّرمِذيّ (٣١٢٥)، وابن خُزَيمةَ (٥٠٠) من طريق عبد الحميد بن جعفر، والحاكم (٥٥٨/١) من طريق شُعْبة، كلاهما عن العلاء مثله، لكن قال: ((عن أبي هريرة عن أُبيِّ بن كعب(١)) ورَجَّحَ التِّرمِذيّ كَوْنه من مُسنَد أبي هريرة، وقد أخرجه الحاكم (٥٥٨/١) أيضاً من طريق الأعرج عن أبي هريرة: أنَّ النبيّ ◌َُّ نادَى أَبيَّ بن كعب، وهو ممّا يُقوِّي ما رَجَّحَه الثِّرمِذيّ، وجَمَعَ البيهقيُّ بأنَّ القِصّة وَقَعَت لأُبيِّ بن كعب ولأبي سعيد ابن المعلّى، ويَتَعيَّن المصير إلى ذلك لاختلاف ◌َخَرَج الحديثَينِ واختلاف سياقهما كما سأُبيِّنُه. قوله: ((كنت أُصَلّي في المسجد فدَعاني رسول الله وَ ﴿ فلم أُجِبْه)) زاد في تفسير الأنفال من وجه آخر عن شُعْبةٍ: فلم آتِه حتَّى صَلَّيْتُ ثمَّ أتيته، وفي رواية أبي هريرة: خرج رسول الله ◌َيّ على أُبيِّ بن كعب وهو يُصَلّي فقال: ((أَيْ أُبيّ، فالتَفَتَ فلم يُحِبِه، ثمَّ صَلَّى فخَفَّفَ، ثمَّ انصَرَفَ فقال: سَلَامٌ عليك يا رسول الله، قال: ((ويحكَ، ما مَنَعَك إذ دَعَوتُك أن لا تُجِيبَتي؟)) الحديث. (١) قوله: ((عن أبيّ بن كعب)) سقط من (س)، وأثبتناه من (أ)، وهو الصواب الموافق لما في المصادر المذكورة، ووقع في (ع): عن أبي هريرة قال: خرج النبي وَ لّ على أبي بن كعب، وهو خطأ، لأنه تكرار لما قبله. ١١ سورة الفاتحة / ح ٤٤٧٤ كتاب التفسير قوله: ((ألم يَقُل الله تعالى: استَجيبوا)) في حديث أبي هريرة: ((أوَليس ◌َجِد فيما أوحَى الله إليَّ: أن ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية؟)) فقلت: بلى يا رسول الله، لا أعود إن شاء الله. تنبيه: نَقَلَ ابن التِّين عن الدّاووديِّ أنَّ في حديث الباب تقديماً وتأخيراً، وهو قوله: ((ألم يَقُل الله: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾)) قبل قول أبي سعيد: ((كنت في الصلاة))، قال: فكأنّه تأوَّلَ أنَّ مَن هو في الصلاة خارج عن هذا الخِطاب، قال: والذي تأوَّلَ القاضيان عبدُ الوهّاب وأبو الوليد: أنَّ إجابة النبيّ ◌َلّهِ في الصلاة فرضٌ يَعصِي المرءُ بتَركِه، وأنَّ/ حُكمِ اخْتَصّ بالنبيِّ ١٥٨/٨ مَّهِ. قلت: وما ادَّعاه الدّاووديُّ لا دليل عليه، وما جَنَحَ إليه القاضيان من المالكيَّة هو قول الشافعيَّة على اختلافٍ عندهم - بعد قولهم بوجوب الإجابة - هل تَبطُل الصلاة أم لا؟ قوله: ((لَأُعلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظَم السّوَر)) في رواية رَوْح في تفسير الأنفال: ((لَأُعلِّمَنَّكَ أعظَم سورة في القرآن))، وفي حديث أبي هريرة: «أَتُحِبُّ أن أُعَلِّمك سورة لم يَنزِل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفُرقان مثلها؟)) قال ابن التِّين: معناه أنَّ ثوابها أعظَم من غيرها، واستُدِلَّ به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وقد مَنَعَ ذلك الأشعَريُّ وجماعة، لأنَّ المفضول ناقص عن درجة الأفضل، وأسماء الله وصفاته وكلامه لا نَقْصَ فيها، وأجابوا عن ذلك بأنَّ معنى التَّفاضُل: أنَّ ثواب بعضه أعظَم من ثواب بعض، فالتَّفضيل إنَّما هو من حيثُ المعاني لا من حيثُ الصِّفة، ويُؤَيِّد التَّفضيل قولُه تعالى: ﴿فَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقد روى ابن أبي حاتم (٢٠١/١) من طريق عليّ بن أبي (١) طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿يَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: في المنفَعة والرِّفق والرِّفعة، وفي هذا تَعقُّب على مَن قال: فيه تقديم وتأخير، والتَّقدير: نأتِ منها بخيرٍ، وهو كما قيل في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] لكن قوله في آية الباب: ﴿أَوْ مِثْلِهَآَ ﴾ يُرجِّح الاحتمال الأوَّل، فهو المعتمَد، والله أعلم. قوله: ((ثُمَّ أَخَذَ بيَدي)) زاد في حديث أبي هريرة: يُحدِّثني وأنا أتباطأُ مَافةَ أن يَبلُغ البابَ قبل أن ينقضي الحدیث. (١) ((أبي)) سقطت من (أ) و(س). ١٢ سورة الفاتحة / ح ٤٤٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ألم تَقُل: لَأُعلِّمَنَّكَ سورة)) في حديث أبي هريرة: قلت: يا رسول الله، ما السّورة التي قد وَعَدتَني؟ قال: ((كيفَ تقرأ في الصلاة؟» فقرأتُ عليه أمَّ الكتاب. قوله: ((قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ هي السَّبْعِ المَثَاني)» في رواية معاذ في تفسیر الأنفال: ((فقال: هي ﴿الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾، السَّبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته))، وفي حديث أبي هريرة: ((فقال: إنَّها السَّبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته))، وفي هذا تصريحٌ بأنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَّيْنَكَ سَبْعً مِّنَ الْمَثَانِ﴾ [الحجر: ٨٧] هي الفاتحة. وقد روى النَّسائيُّ (٩١٥) بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس: أنَّ السَّبع المثاني هي السَّبع الطِّوال؛ أي: السُّوَر من أوَّل البقرة إلى آخر الأعراف ثمَّ براءة، وقيل: يونس. وعلى الأوَّل فالمراد بالسَّبع: الآيُ، لأنَّ الفاتحة سبع آیات، وهو قول سعيد بن جُبیر. واختُلِفَ في تسميتها ((مَثاني)) فقيلَ: لأنَّها تُثَنَّى في كلّ ركعة، أي: تُعاد، وقيل: لأنَّهَا يُئنَى بها على الله تعالى، وقيل: لأنَّها استثنيت لهذه الأُمّة لم تَنزِل على مَن قبلها، قال ابن التِّين: فيه دليل على أنَّ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ليست آية من القرآن، كذا قال، وعكس غيرُه لأنَّه أراد السّورة، ويُؤيِّده أنَّه لو أراد بقوله(١): ((الحمد لله ربّ العالمينَ)) الآية لم يَقُل: هي السَّبع المثاني، لأنَّ الآية الواحدة لا يقال لها سبعٌ، فدَلَّ على أنَّه أراد بها السّورة. و((الحمد لله رَبّ العالمينَ)) من أسمائها، وفيه قوّة لتأويلِ الشافعيّ في حديث أنس حيث(٢) قال: كانوا يفتتحونَ الصلاة بالحمدُ للهِ رَبّ العالمينَ(٣)، قال الشافعيُّ: أراد السّورة، وتُعقِّبَ بأنَّ هذه السّورة تُسمَّى سورةَ الحمد لله، ولا تُسمَّى الحمد لله رَبّ العالمينَ، وهذا الحديث يَرُدّ هذا التَّعَقُّب. وفيه أنَّ الأمر يقتضي الفَوْر، لأنَّه عاتَبَ الصَّحابيّ على تأخير إجابته. وفيه استعمال صيغة العموم في الأحوال كلّها، قال الخطَّبيُّ: فيه أنَّ حُكْم لفظ العموم أن يجري على جميع (١) لفظة ((بقوله)) سقطت من (س). (٢) لفظة ((حيث)) سقطت من (س). (٣) أخرجه البخاري في ((الصحيح)) (٧٤٣). ١٣ سورة الفاتحة / ح ٤٤٧٤ كتاب التفسير مُقْتَضاه، وأنَّ الخاصّ والعامّ إذا تَقابَلا كان العامُّ مُنَزَّلاً على الخاصّ، لأنَّ الشّارع حَرَّمَ الكلام في الصلاة على العموم، ثمَّ استَثنَى منه إجابة دعاء النبيِّ وَّ في الصلاة. وفيه أنَّ إجابة المصَلّي دعاء النبيّ وََّ لا تُفسِد الصلاة، هكذا صَرَّحَ به جماعة من الشافعيَّة وغيرهم. وفيه بحثٌ لاحتمال أن تكون إجابته واجبةً مُطلَقاً سواء كان المخاطَب مُصَلّياً أو غير مُصَلٌّ، أمَّا كَوْنه يَخْرُج بالإجابة من الصلاة أو لا يَخْرُج فليس في الحديث ما يَستَلِزِمه، فيحتمل أن تَجِبَ الإجابةُ ولو خرج / المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جَنَحَ بعض الشافعيَّة، ١٥٩/٨ وهل يَخْتَصّ هذا الحُكم بالنِّداءِ أو يَشمَل ما هو أعُمّ حتَّى تجب إجابته إذا سَأَلَ؟ فيه بحثٌ، وقد جَزَمَ ابن حِبّان بأنَّ إجابة الصّحابة في قِصّة ذي الیدینِ(١) كان كذلك. قوله: ((والقرآن العظيم الذي أُوتيته)) قال الخطَّبيُّ: في قوله: ((هيَ السَّبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)) دلالة على أنَّ الفاتحة هي القرآن العظيم، وأنَّ الواو ليست بالعاطِفة التي تَفْصِل بين الشَّيئينِ، وإنَّما هي التي تَّجيء بمعنى التَّفصيل كقوله: ﴿فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُقَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله: ﴿وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. انتهى، وفيه بحثُ لاحتمال أن يكون قوله: ﴿وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ محذوف الخبر، والتَّقدير: ما بعد الفاتحة مثلاً، فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله: ((هيَ السَّبع المثاني)) ثمَّ عَطَفَ قوله: ((والقرآن العظيم)) أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رِعايةً لنَظم الآية، ويكون التَّقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادةً على الفاتحة. تنبيه: يُستَنْبَط من تفسير السَّبع المثاني بالفاتحة، أنَّ الفاتحة مگیّة، وهو قول الجمهور، خِلافاً لمجاهدٍ، ووجه الدّلالة أنَّه سبحانه امتَنَّ على رسوله بها، وسورة الحِجْر مكّيَّة اتّفاقاً، فيدلّ على تَقدُّم نزول الفاتحة عليها. قال الحسين بن الفَضْل: هذه هَفوةٌ من مجاهد، لأنَّ العلماء على خِلاف قوله، وأغرَبَ بعض المتأخِّرِينَ فَنَسَبَ القول بذلك لأبي هريرة والزُّهْريّ وعطاء بن يسار، وحكى القُرطُبيّ أنَّ بعضهم زَعَمَ أنَّها نزلت مرَّتَينِ(٢). (١) سلفت قصة ذي الیدین برقم (٤٨٢). (٢) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) ١/ ١١٥. ١٤ سورة الفاتحة / ح ٤٤٧٥ فتح الباري بشرح البخاري وفيه دليل على أنَّ الفاتحة سبع آيات، ونَقَلوا فيه الإجماع، لكن جاء عن حُسَين بن عليّ الجُعْفيِّ أنَّها ستّ آيات لأنَّه لم يَعُدّ البسملة، وعن عَمْرو(١) بن عُبيد أنَّها ثمان آيات لأنَّه عَدَّها وعَدَّ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وقيل: لم يَعُدّها وعَدَّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُهُ﴾، وهذا أغرَبُ الأقوال(٢). ٢- بابٌ ﴿َغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ﴾ ٤٤٧٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ عَُّهُ، أَنَّ رسولَ الله وَلّه قال: ((إذا قال الإمامُ: ﴿غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ﴾ فقولوا: آمِينَ، فمَن وافَقَ قولُه قولَ الملائكةِ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ)). قوله: ((باب غير المَغْضوب عليهم ولا الضّالِّينَ)) قال أهل العربيَّة: ((لا)) زائدة، لتأكيدِ معنى النَّفي المفهوم من ((غير))، لثَّا يُتوهَّم عَطفُ ((الضّالِّينَ)) على ((الذينَ أنعَمت)). وقيل: ((لا)) بمعنى ((غير))، ويُؤْيِّده قراءة عمر: ((غير المغضوب عليهم وغير الضّالِّينَ)) ذكرها أبو عُبيد وسعيد بن منصور(٣) بإسنادٍ صحيح، وهي للتّأكيدِ أيضاً. وروى أحمد (١٩٣٨١)، وابن حِبّان (٦٢٤٦) من حديث عَديّ بن حاتم: أنَّ النبيّ ◌ََّ قال: ((المغضوبُ عليهم: اليهود، ولا الضّالِّينَ: النَّصَارَى))، هكذا أورَدَه مختصراً، وهو عند التِّرمِذيّ (٢٩٥٣م و٢٩٥٤) في حديث طويل، وأخرجه ابن مَرْدويه بإسنادٍ حسن عن أبي ذرٍّ، وأخرجه أحمد (٢٠٧٣٦) من طريق عبد الله بن شَقِيق أنَّه أخبَرَه مَن سمعَ النبيّ ◌َّه نحوه، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسِّرِينَ في ذلك اختلافاً، قال السُّهَيليُّ: وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود: ﴿فَبَآءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ [البقرة: ٩٠]، وفي النَّصارَى: ﴿قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]. (١) تحرَّف في الأصلين إلى ((عمر)). (٢) وعدَّ القرطبي قولي الجُعفي وابن عُبيد من الشاذِّ. ((الجامع لأحكام القرآن)) ١/ ١١٤. (٣) أبو عبيد القاسم بن سلام في ((فضائل القرآن)) ٢٨٩، وسعيد بن منصور في ((سننه)) قسم التفسير (١٧٧). وهذه القراءة كما قال ابن كثير ١/ ٢٢٤ محمولة على أنها على وجه التفسير. ١٥ سورة البقرة / ح ٤٤٧٦ كتاب التفسير ثم أورد المصنِّف حديث أبي هريرة في موافقة الإمام في التَّأمين، وقد تقدَّم شرحه في صفة الصلاة(٧٨٢)، وروی أحمد (١٨٨٤٢)، وأبو داود (٩٣٢)، والترمذيّ (٢٨٤) من حديث وائل ابن حُجرٍ قال: سمعتُ النبيَّ وَّه قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ﴾ فقال: ((آمينَ)) ومَدَّ بها صوته، وروى أبو داود (٩٣٤)، وابن ماجه (٨٥٣) نحوه من حديث أبي هريرة. بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ ٢ - سورة البقرة ١٦٠/٨ ﴾ [البقرة: ٣١] ١ - باب قول الله: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا : ٤٤٧٦ - حدَّثْنا مسلمٌ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ ◌َُ، عن النبيِّ ◌َّو (ح) وقال لي خَلِيفةُ: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيع، حدّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ◌َ، عن النبيِّ وَّه قال: ((يَجْتَمِعُ المؤمنونَ يومَ القيامةِ، فيقولون: لَوِ استَشْفَعْنا إلى رَبِّنا، فيأتونَ آدَمَ، فيقولون: أنتَ أبو الناسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وأسجَدَ لكَ ملائكتَه، وعَلَّمَكَ أسماءَ كلِّ شيءٍ، فاشفَع لنا عندَ رَبِّكَ، حتَّى يُرِيحَنا من مكاننا هذا، فيقول: لَسْتُ هناكُم - ويَذْكُرُ ذَنْبَه، فَيَستَحي - اثْتُوا نوحاً، فإنَّه أوَّلُ رسولٍ بَعَثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ، فيأتونَه فيقول: لَسْتُ هُناكُم - ويَذْكُرُ سؤالَه رَبَّه ما ليس له به عِلْمٌ، فيَستَحي، فيقول -: اثْتوا خليلَ الرَّحمنِ، فيأتونَه، فيقول: ◌َسْتُ هناكُم، اثْنوا موسى، عبداً كَلَّمَه اللهُ وأعطاه التوراةَ، فيأتونَه فيقول: لَسْتُ هناكُم - ويَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بغيرِ نفسٍ، فَيَستَحي من رَبِّه، فيقول -: اثْتوا عيسى عبدَ الله ورسولَه، وكلمةَ الله وروحَه، فيقول: ◌َسْتُ هناكُم، اثْتوا محمَّداً ◌َّةِ، عبداً غَفَرَ اللهُ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ وما تَأْخَّرَ، فيأتوني فَأَنْطَلِقُ، حَتَّى أستَأذِنَ على رَبّي، فيُؤْذَنَ لي، فإذا رأيتُ رَبّ وقَعْتُ ساجِداً، فيَدَهُني ما شاءَ الله، ثمَّ يقال: ارفَع رأسَكَ، وسَل تُعْطَه، وقُل يُسْمَع، واشفَع تُشَفَّع، فأرفَعُ رأسي فأحمدُه بتَحمِيدٍ يُعلِّمُنِيه، ثمَّ أشفَعُ فِيَحُدُّلي حَدّاً، فأُدْخِلُهُمُ الجنَّةَ، ثمَّ أعودُ إليه فإذا رأيتُ رَبِّي - مِثْلَه - ثمَّ أشفَعُ فِيَخُدُّ لِي حَدّاً فأُدْخِلُهُمُ الجنَّةَ، ثمَّ أعودُ الرّابعةَ، فأقولُ: ما بَقِيَ في النار إلّا مَن حَبَسَه القرآنُ، ووَجَبَ عليه الخُلود)). ١٦ سورة البقرة / ح ٤٤٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قال أبو عبدِ الله: إلَّا مَن حَبَسَه القرآنُ، يعني: قولَ الله تعالى: ﴿خَلِدِينَ فِيهَا﴾. قوله: ((بِمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ - سورة البقرة)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَت البسملة لغيره. واتَّفَقوا على أنَّهَا مَدَنيَّة وأنَّها أوَّل سورة أُنزِلَت بها. وسيأتي(١) قول عائشة: ((ما نزلت سورة البقرة والنِّساء إلّا وأنا عنده وََّ))؛ وهي لم تَدخُل عليه(٢) إلّا بالمدينة. قوله: (باب قول الله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَت لغيره: ((باب قول الله)). قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، وهشام: هو الدَّسُوائيّ. وساقَ المصنّف حديثَ الشَّفاعة لقولِ أهل الموقِف لآدم: ((وعَلَّمَك أسماءَ كلّ شيء))، واختُلِفَ في المراد بالأسماءِ، فقيلَ: أسماء ذُرّيَّته، وقيل: أسماء الملائكة، وقيل: أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل: أسماء كلّ ما في الأرض، وقيل: أسماء كلّ شيء حتَّى القَصْعَة. وقد غَفَلَ المِيُّ في ((الأطراف)) فنَسَبَ هذه الطَّريق إلى كتاب الإيمان وليس لها فيه ذِكْر، وإنَّما هي في التَّفسير. وسيأتي شرح هذا الحديث مُستَوقَى في كتاب الرِّقاق (٦٥٦٥) إن شاء الله تعالى. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف. ٢- بابٌ ١٦١/٨ قال مجاهدٌ: ﴿إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]: أصحابِهِم منَ المنافقِينَ والمشركينَ. ﴿ يُحِيطٌ بِالْكَفِينَ﴾ [البقرة: ١٩]: اللهُ جامِعُهم. صِبْغٌ: دینٌ. ﴿عَلَى اْخَشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]: على المؤمنينَ حَقّاً. ﴿بِقُوَّقٍ﴾ [البقرة: ٦٣]: يَعْمَلُ بما فيه. وقال أبو العاليَةِ: ﴿مَّرَضُ﴾ [البقرة: ١٠]: شَكٌّ. (١) ضمن حديث برقم (٤٩٩٣). (٢) كذا في الأصلين، وفي (س): ((يدخل عليها)). ١٧ سورة البقرة كتاب التفسير ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]: عِبرةٌ لمن بَقِيَ. ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]: لا بياضَ فيها. وقال غيرُه: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]: يُولُونكم. ﴿اَلْوَلَيَةُ﴾ [الكهف: ٤٤] مفتوحةٌ: مَصْدَرُ الوَلاءِ، وهي الرُّبوبِيَّة، وإذا كُِرَتِ الواوُ فهي: الإمارة. وقال بعضُهم: الحبوبُ التي تُؤْكَلُ كلُّها نُومٌ. وقال قَتَادَةُ: ﴿فَبَآءُ و﴾ [البقرة: ٩٠]: فانقَلَبوا. وقال غيرُه: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]: يَستَنْصِرونَ. ﴿شَرَوْاْ﴾ [البقرة: ١٠٢]: باعُوا. ﴿رَعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]: منَ الرُّعونةِ، إذا أرادوا أن يُحمِّقوا إنساناً قالوا: راعِناً. لا تخزِي: لا يُغنِي. خُطُوَتِ﴾ [البقرة: ١٦٨]: منَ الخَطْوِ، والمعنى: آثارَه. ﴿أَبْتَلَ﴾ [البقرة: ١٢٤]: اختَبَرَ. قوله: ((بابٌ)) كذا لهم بغير ترجمةٍ. قوله: ((قال مجاهد إلى آخر ما أوْرَدَه عنه من التَّفاسير)) سَقَطَ جميع ذلك للسَّرَخْسِيِّ. قوله: ﴿إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾: أصحابهم من المنافقينَ والمشركينَ)) وَصَلَه عبد بن محُميدٍ عن شَبابة عن وَرْقاء عن ابن أبي نَحِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ قال: إلى أصحابهم، فذكره. ومِن طريق شَيْبانَ عن قَتَادة قال: إلى إخوانهم من المشرِكينَ ورُؤوسهم وقادَتِهِم في الشّ. وروى الطبري(١) (١/ ١٣٠) نحوه عن ابن مسعود، ومن طريق ابن عبّاس قال: كان رجال من اليهود إذا لَقوا الصَّحابة قالوا: إنّا على دِينكُم، وإذا خَلَوْا إلى شياطينهم - وهم أصحابهم - قالوا: إنّا معكم. (١) تحرف في (س) إلى الطبراني. ١٨ سورة البقرة فتح الباري بشرح البخاري والنُّكْتة في تَعْدِيةِ خَلَوا بـ((إلى)) معَ أنَّ أكثر ما يَتَعَدَّى بالباءِ أنَّ الذي يَتَعَدَّى بالباءِ يحتمل الانفراد والسُّخرية، تقول: خَلَوت به إذا سَخِرِتُ منه، والذي يَتَعَدَّى بـ((إلى)) نَصِّ في الانفراد، أفادَ ذلك الطَّبَرِيُّ. ويحتمل أن يكون ضَمَّنَ ((خَلَا)) معنى: ذهبَ، وعلى طريقة الكوفيّينَ بأنَّ حُروف الجرّ تَتَنَاوَب، فـ((إلى)) بمعنى الباء، أو بمعنى مَعَ. قوله: ((﴿مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾: الله جامِعهم)، وَصَلَه عبد بن حُميدٍ بالإسناد المذكور عن مجاهد، ووَصَلَه الطَّبَرِيُّ من وجه آخر عنه وزاد: ((في جَهَنَّم))، ومن طريق ابن عبّاس في قوله: ﴿يُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ قال: مُنزِلٌ بهم النِّقمة. تنبيه: قوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِينَ﴾ جُملة من مُبتَدَأ وخَبَرَ، اعتَرَضَت بين جُملة: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ﴾ وُجُملة ﴿يَكَاُ الْرَقُّ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾. قوله: ((صِبْغة: دِين)) وَصَلَه عَبْد بن حُميدٍ من طريق منصور عن مجاهد قال: قوله: ﴿صِبْغَةً اٌللَّهِ﴾ أي: دين الله، ومن طريق ابن أبي نَجِيح عنه قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي: فِطرة الله، ومن طريق قَتَادة قال: إنَّ اليهود تَصْبُغ أبناءَها يهودً(١)، وكذلك النَّصارَى، وإنَّ صِبغة الله الإسلام، وهو دين الله الذي بَعَثَ به نوحاً ومَن كان بعده. انتهى، وقراءة الجمهور: ((صِبغةَ)) بالنَّصب وهو مصدر انتَصَبَ عن قوله: ﴿وَتَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ على الأرجح، وقيل: منصوب على الإغراء، أي: الزَموا، وكأنَّ لفظ صِبغة وَرَدَ بطريق المشاكلة، لأنَّ النَّصارَى كانوا يَغْمِسونَ مَن وُلِدَ منهم في ماء المعموديّة ويَزْعُمونَ أنَّهم يُطَهِّرونَهم بذلك، فقيلَ للمسلمينَ: الزَموا صِبغةَ الله فإنَّهَا أطهرُ. قوله: (﴿عَلَى الْخَشِعِينَ﴾: على المؤمنينَ حَقّاً) وصَلَه عبد بن حُميدٍ عن شَبَابَةَ بِالسَّنَدِ المذكور عن مجاهد، وروى ابن أبي حاتم (١٠٣/١) من طريق أبي العالية قال في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى اْخَشِعِينَ﴾ قال: يعني الخائفينَ، ومن طريق مُقاتل بن حَيّان(٢) قال: يعني به المتواضعينَ. (١) في (ع): يهوداً، وفي (س): تهوداً، والمثبت من (أ)، وهي كذلك في ((تفسير الطبري)) ١/ ٥٧٠. (٢) تصحف في (س) إلى: حبّان، بالموحّدة. ١٩ سورة البقرة كتاب التفسير قوله: (﴿بِقُوَّةٍ﴾ يُعْمَل بما فيه)) وصَلَه عبدٌ بالسَّنَدِ المذكور، وروى ابن أبي حاتم (١٣٠/١) والطَّبَرَيُّ (٣٢٦/١) من طريق أبي العالية قال: القوّة: الطاعة، ومن طريق قَتَادة والسُّدّيِّ قال: القوّة: الجِدّ والاجتهاد. قوله: ((وقال أبو العالية: ﴿قَرَضٌ﴾: شَكٌّ)) وصَلَه ابن/ أبي حاتم من طريق أبي جعفر ١٦٢/٨ الرّازيِّ عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضِّ﴾ أي: شَكّ، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس مثله، ومن طريق عِكْرمة قال: الرّياء، ومن طريق قَتَادة في قوله: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، أي: نِفاقاً، وروى الطَّبَرَيُّ من طريق قَتَادة في قوله: ﴿فِى قُلُوبِهِم فَرَضٌ﴾ قال: ريبة وشَكٌّ في أمر الله تعالى. قوله: ((﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: عِبْرةٌ لمن بَقِيَ)) وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرّازيِّ عن أبي العالية في قوله: ﴿فَعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي: عُقوبة لمَا خَلا من ذُنوبهم ﴿وَمَا خَلْفَهَا ﴾ أي: عِبرة لمن بقي بعدهم من الناس. قوله: ((﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياضَ فيها)) تقدَّم في ترجمة موسى من أحاديث الأنبياء(١). قوله: ((وقال غيره: ﴿يَسُومُونَّكُمْ﴾: يُولُونَكُم)» هو بضمِّ أوَّله وسكون الواو، والغير المذكور هو أبو عُبيد القاسم بن سَلّام، ذكره كذلك في ((الغريب المصنَّف))، وكذا قال أبو عبيدة مَعمَر بن المثنَّى في ((المجاز))، ومنه قول عَمْرو بن كلثوم: إذا ما المُلْكُ سامَ الناسَ خَسْفاً أَبَيْنا أن نُقِرَّ الخَسفَ فينا ويحتمل أن يكون من (٢) السَّوْم بمعنى الدَّوام، أي: يُديمونَ تَعذيبكُم، ومنه سائمة الغنم لمداوَمَتِها الرَّعيَ. وقال الطَّبَريُّ: معنى يَسُومونَكُمْ: يورِدونَكُمْ أو يُذيقونَكُمْ(٣) أو يُولُونَكُم. (١) تحت الباب رقم (٣٠) من الكتاب المذكور، بعد الحديث رقم (٣٤٠٦). (٢) لفظة ((من)) سقطت من (س). (٣) تحرف في (أ) إلى: ((يدفعونكم)). تنبيه: وقع هنا في تفسير (يسومونكم) المعنى على الاختيار بأو، والذي في ((جامع البيان» للطبري بالواو على الجمع. ٢٠ سورة البقرة فتح الباري بشرح البخاري قوله: (﴿الْوَلَيَةُ﴾ مفتوحة)) أي: مفتوحة الواو ((مصدر الوَلاء، وهي الرُّبوبيَّة، وإذا كُسِرَت الواو فهي الإمارة)) هو معنى كلام أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ الْوَلَيَّةُ لِلّهِ الْحَقِ﴾: الولاية بالفتح مصدر الوَلِي (١)، وبالكسرِ مصدر وَلِيتَ (٢) العَمَل والأمر تَلِيه. وذَكرَ البخاريّ هذه الكلمة وإن كانت في الكهف لا في البقرة ليُقوِّيَ تفسير يَسومُونَكُم: يُولُونَكُم. قوله: ((وقال بعضهم: الحبوب التي تُؤْكَل كلّها فُوم)) هذا حكاه الفَرّاء في ((مَعاني القرآن)» عن عطاء وقَتَادة قال: الفُوم: كلّ حَبّ يُخْتَبَز. وأخرج ابن جَرِير (١/ ٣١٠و٣١١) وابن أبي حاتم (١٢٣/١) من طرق عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما: أنَّ الفُوم: الحنطة. وحكى ابن جَرِير أنَّ في قراءة ابن مسعود: الثُّوم بالمثلَّثة(٣). وبه فَسَّرَه سعيد بن جُبَير وغيره، فإن كان محفوظاً فالفاء تُبْدل من الثّاء في عِدّة أسماء، فيكون هذا منها، والله أعلم. قوله: ((وقال قَتَادةُ: ﴿فَبَآءُ و﴾: فانقَلَبوا)) وصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريقه. قوله: ((وقال غيره: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾: يَسْتَنْصِرونَ)) هو تفسير أبي عبيدة، وروى مثله الطَّبَرُّ من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عبّاس، ومن طريق الضَّحّاك عن ابن عبّاس قال: أي: يَسْتَظْهِرونَ. وروى ابن إسحاق في ((السِّيرة النبويَّة))(٤) عن عاصم بن عمر بن قَتَادة عن أشياخ لهم قالوا: فينا وفي اليهود نزلت، وذلك أنّا كنَّا قد عَلَوناهم في الجاهليّة، فكانوا يقولون: إنَّ نبيّاً سيُبعَثُ قد أظَلَّ زمانه فنَقْتُلُكُم معه، فلمَّا بَعَثَ اللهُ نبيّه واتّبَعناه كفروا به، فنزلت. وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٣) من وجه آخر عن ابن عبّاس مُطوَّلاً. قوله: (﴿شَرَوْأ﴾: باعُوا)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً، قال في قوله: ﴿وَلَيِتْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ: أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: باعوا، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السُّدّيِّ. (١) في (ع) ((الولاء))، والمثبت من (أ) و(س)، وهو الموافق لما في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة. (٢) في (س): ((وبالكسر، ووليت)). (٣) وهي قراءة شاذّة، انظر ((المحتسب)) لابن جنِّي ١/ ٨٨. (٤) كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١/ ٢١١.